المبحث الأول: تعريفه.
الفصل الأول: التقريب عند الكوفيين
وتحته مباحث:
المبحث الأول: تعريفه
المنصوب على التقريب مصطلح كوفي يراد به: إعمال أسماء الإشارة في الجمل الاسمية عمل كان فيرتفع ما كان مبتدأً على أنه اسم للتقريب ويُنْصَبُ الخبر على أنه خبر له١ نحو: هذه الشمسُ طالعةً، وهذا الأسدُ مقبلًا وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ٢ حسب قراءة الجمهور بنصب ﴿شَيْخًا﴾ على الخبرية لاسم الإشارة وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَة﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ٦ بفتح
_________________
(١) ١ ينظر في تعريف التقريب: دراسة في النحو الكوفي: ٢٣٧، ومصطلحات النحو الكوفي: ٩٤، ومعجم مصطلحات النحو والصرف: ٢٤٧. ٢ هود: ٧٢، وقراءة النصب هي قراءة الجمهور، وقرأ برفع شيخ ابن مسعود والأعمش والمطوعي. ينظر: معاني القرآن للفراء: ٢/٢٣، ومعاني القرآن للأخفش: ٢/٣٥٦ ونسباها لابن مسعود، والمحتسب: ١/ ٣٢٤ وعزاها للأعمش، اتحاف فضلاء البشر: ٢٥٩ وعزاها للمطوعي. ٣ الأنعام: ١٢٦. ٤ الأعراف: ٧٣. ٥ الأنعام: ١٥٣ ٦ هود: ٧٨، وقراءة الجمهور أطهرُ بالرفع، وقرأ بالنصب الحسن البصري وعيسى بن عمر كما في معاني القرآن للأخفش: ٢/ ٣٥٦، ورويت عن مروان بن الحكم وزيد بن علي وسعيد بن جبير ومحمد بن مروان والسُّدِّي. ينظر في هذه القراءة: إعراب القرآن للنحاس: ٢/ ٢٩٥، وشواذ القراءات لابن خالويه: ٦٥، والمحتسب: ١/ ٣٢٥.
[ ٥٠١ ]
الراء من أطهرَ وجَعْل الضمير (هنّ) ضميرَ فصل١، وقول جرير:
هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيْفَةً لَوْ شِئْتُ سَاقَكُمُ إلَىَّ قَطِيْنا٢
وقول رؤبة:
مَنْ يَكُ ذا بَتٍّ فَهَذا بَتِّي مُقَيظٌ مُصَِّفٌ مُشتِّي٣
يجوز عند النحاة النصب والرفع في: (مقيظ مصيِّف مشتِّي) فمن رفع فعلى تعدد الخبر، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف عند من لا يجيز تعدد الخبر، وتوجيه النصب إمّا على التقريب٤ على رأي الكوفيين أو حال كما يقول البصريون وهو ما سنناقشه إن شاء الله تعالى لاحقًا.
وقال السيوطي في الهمع: "وذهب الكوفيون إلى أن هذا وهذه إذا أريد بهما التقريب كانا من أخوات كان في احتياجهما إلى اسم مرفوع، وخبر منصوب، نحو: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفةُ قادمًا وكيف أخاف البرد وهذه الشمسُ طالعةً وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني
_________________
(١) ١ لم يرض البصريون بهذه القراءة؛ ولحّنوا من قرأها بالنصب؛ لأنها تجعل الضمير هنّ فصلًا، وهم يعربون الضمير هنا مبتدأ خبره أطهر، قال أبو عمرو بن العلاء: "حتبى ابن مروان في اللحن حين قرأ ﴿هُنَّ أَطْهَر﴾ بالفتح"قال سيبويه: ٢/٣٩٦ "وأما أهل المدينة فَيُنَ-زِّلُوْنَ هو هاهنا بمنزلته بين المعرفتين، ويجعلونها فصلًا في هذا الموضع، فزعم يونس أن أبا عمروٍ رآه لحنًا، وقال: احتبى ابن مروان في ذِهِ في اللحن. يقول لحن وهو رجل من أهل المدينة كما تقول اشتمل بالخطأ وذلك أنه قرأ: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِيْ هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ فنصب"اهـ. ٢ البيت من الكامل وهو في ديوان جرير: ٣٨٨، وانشده ابن شقيري المحلّى وجوه النصب ٧، وابن الشجري في أماليه: ٣/١٠. ٣ بيتان من مشطور الرجز في ملاحق ديوان رؤبة: ١٨٩، وهما في معاني القرآن للفراء: ٣/١٧، ومعاني القران للأخفش: ٣٧، والأصول لابن السراج: ١/١٨٣، والمحلى لابن شقير ٨. ٤ ينظر المحلّى وجوه النصب: ٨.
[ ٥٠٢ ]
له في الوجود نحو هذا ابن صيّاد أشقى الناس فيعربون هذا تقريبًا، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب؛ لأن المعنى إنما هو عن الإخبار عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأُتي باسم الإشارة تقريبًا للقدوم والطلوع، ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضًا فالخليفة والشمس معلومان فلا يحتاجان إلى تبيينهما بالإشارة إليهما، وتبيّن أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب؛ لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختلَّ المعنى كما لو أسقطت كان من كان زيد قائمًا"١.
من هذا النص يتضح لنا مراد الكوفيين بالتقريب وشروط الإعمال عندهم، إذ مراد الكوفيين من التقريب هو إعمال اسم الإشارة عمل كان، واحتياجها إلى اسم مرفوع وخبر منصوب.
_________________
(١) ١ همع الهوامع: ٢/ ٧١.
[ ٥٠٣ ]
المبحث الثاني: شروط إعماله
هم يشترطون لإعمال اسم الإشارة شروطًا:
الأول: هو أن يكون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة لا ثاني له في الوجود كالشمس والقمر والخليفة وما أشبه ذلك، أو أن يكون الاسم الواقع بعدها معبّرًا به عن جنسه لا عن واحد بعينه كالمحلى بـ (أل) مثلًا كقولك ماكان من الأُسْدِ غير مخوف فهذا الأَسَدُ مخوفًا، ولكن الذي يظهر أنَّ الكوفيين لم يلتزموا بهذا الشرط؛ لأن ثعلبًا يقول في أماليه: "وقال سيبويه: هذا زيدٌ منطلقًا فأراد أن يخبر عن هذا بالانطلاق، ولا يخبر عن زيد، ولكنه ذكر زيدًا ليُعْلَمَ لمن الفعل قال أبو العباس: وهذا لا يكون إلا تقريبًا، وهو لا يعرف التقريب، والتقريب مثل كان"١.
_________________
(١) ١ مجالس ثعلب: ٤٣.
[ ٥٠٣ ]
فكما ترى اعتدَّ ثعلب بالتقريب هنا، وغمز سيبويه بأنه لا يعرف التقريب، والمثال المذكور لم تتحقق فيه شروطهم من كونه اسمًا معبّرًا به عن جنسه أوكونه لا ثاني له في الوجود، إذ زيد علم على ذات تتكرر التسمية به، وللبصريين أن يقولوا أنت لم تلتزم بما اشترطته على نفسك؛ إذ كيف تغمز سيبويه هنا بأنه لا يعرف التقريب بمثال لم تتحقق فيه الشروط.
وهذا يدل على أنهم لم يلتزموا بذاك القيد التزامًا دقيقًا.
الثاني: أن يكون اسم الإشارة دخوله كخروجه؛ في أن الجملة الاسمية تامّة بالمرفوع بعده والمنصوب، قال ثعلب في أماليه: "وكلما رأيت إدخال هذا وإخراجه واحدًا فهو تقريب، مثل: من كان من الناس سعيدًا فهذا الصيّاد شقيًَّا، وهو قولك فالصياد شقيٌّ فتسقط هذا وهو بمعناه"١.
الثالث: ألا يتقدّم اسم التقريب على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال: الشمس هذه طالعةً بنصب طالعة على التقريب قال ثعلب: "والتقريب مثل كان إلا أنه لا يقدّم في كان لأنه ردّ كلام فلا يكون قبله شيء"٢، إلا إذا كان اسم التقريب ضميرًا فيقدم على اسم الإشارة قال الفراء: "العرب إذا جاءت إلى اسم مكني قد وصف بهذا وهذان وهؤلاء فرَّقوا بين (ها) وبين (ذا) وجعلوا المكني بينهما، وذلك من جهة التقريب لا في غيرها فإذا كان الكلام على غير تقريب أو مع اسم ظاهر جعلوا (ها) موصولة بـ (ذا) فيقولون: هذا هو، وهذان هما إذا كان على خبر يكتفي كلُّ واحد بصاحبه بلا فعل، والتقريب لا بدَّ فيه من فعل لنقصانه، وأحبُّوا أن يفرِّقوا بذلك بين معنى التقريب وبين معنى الاسم الصحيح"٣.
_________________
(١) ١ المرجع السابق: ٤٤. ٢ المرجع السابق: ٤٣. ٣ معاني القرآن: ١/ ٢٣١،٢٣٢.
[ ٥٠٤ ]
وقال ثعلب أيضًا: "وإذا صاروا إلى المكني جعلوه بين (ها) و(ذا) فقالوا: ها أنا ذا قائمًا وجاء في القرآن بإعادتها١، ويقولون هانحن ألاء وها نحن هؤلاء أعادوها وحذفوها، وهذا كله مع التقريب"٢.
ولعل الذي حملهم على القول بعدم تقدم اسم التقريب على اسم الإشارة إذا كان اسمًا ظاهرًا هو أن إعمال اسم الإشارة محمول على كان وكان لا يصح أن يتقدّم اسمها عليها، فكذلك ما حمل عليها، أما جواز تقدم اسم التقريب إذا كان ضميرًا على اسم الإشارة فبسبب توسطه بين حرف التنبيه واسم الإشارة مما يجعله تقدم في اللفظ لا في المحل؛ لأن الضمير فَصَلَ بين حرف التنبيه واسم الإشارة، وهما في حكم المتلازمين فهو وإن تقدم لفظًا إلا أنه مؤخر محلاَّ؛ لأنه فَصل بين متلازمين٣.
وللبصريين الذين يجيزون أن يكون العامل في الحال في قولك ها أنا ذا قائمًا إنما هو فعل محذوف وهو أُنَبِّهُ دل عليه حرف التنبيه (ها) أن يقولوا اسم التقريب في هذا المثال لم يتقدّم على عامله.
_________________
(١) ١ أي بإعادة ها التنبيهية مع اسم الإشارة كما في قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ هَؤلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيْمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ آل عمران ٦٦، ومثال حذفها قوله تعالى: ﴿ها أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ آل عمران ١١٩. ٢ مجالس ثعلب: ٤٣. ٣ هناك خلاف بين سيبويه وابن مالك في نحو "ها أنا ذا" إذ يرى سيبويه أن (ها) في هذا الأسلوب ليست مقدمة من تأخير، وإنما هي حرف تنبيه جديد بدليل الجمع بينه وبين حرف التنبيه المتصل باسم الإشارة في نحو "ها أنتم هؤلاء"، قال فلو كانت (ها) هاهنا هي التي تكون أولا إذا قلت هؤلاء لم تُعَد (ها) هاهنا بعد أنتم، وقال ابن مالك إنّ "ها" الداخلة على الضمير هي التي مع اسم الإشارة وفصل بينهما بالضمير قال وقد تعاد بعد الفصل توكيدًا.
[ ٥٠٥ ]
الرابع: ألاّ يتقدم الخبر على اسم الإشارة فلا يصح أن يقال شقيًّا هذا الصياد لما في عموم قول ثعلب السابق "فلا يكون قبله شيء"؛ ولأن من قواعد الكوفيين عدم جواز تقدم الحال على عاملها، إن كان صاحبها اسمًا ظاهرًا؛ لأنه يؤدّي إلى تقدم المضمر على المظهر بسبب العائد، ويجيزون تقدمها إن كان صاحبها ضميرًا، وهذه من مسائل الخلاف التي ناقشها ابن الأنباري١.
والعلة التي فرّوا منها هناك متحققة هنا وهي تقدم المضمر على المظهر.
_________________
(١) ١ ينظر الإنصاف المسألة الحادية والثلاثون: ٢٥٠، وينظر أسرار العربية: ١٩٢.
[ ٥٠٦ ]
المبحث الثالث: التقريب وضمير الفصل
الكوفيون يمنعون الجمع بين التقريب وضمير الفصل فلا يصحّ عندهم أن يقال: هذا هو زيدٌ قائمًا بنصب قائمًا وإنما يقال هذا هو زيدٌ قائمٌ بالرفع، قال ثعلب: "إلا أنه لا يدخل العماد مع التقريب من قبل أن العماد جواب والتقريب جواب فلا يجتمعان"١ وقال أيضًا: "وقال أبو العباس قال سيبويه احتبى ابن جويّة في اللحن في قوله: ﴿هُنَّ أطْهَرَ لَكُمْ﴾ لأنه يذهب إلى أنه حالٌ قال والحال لا يدخل عليه العماد، وذهب أهل الكوفة الكسائي والفراء إلى أنّ العماد لايدخل مع هذا لأنه تقريب، وهم يسمُّون هذا زيد القائم تقريبًا أي قرب الفعل به"٢.
ويشكل على المذهبين معًا قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أطْهَرَ لَكُمْ﴾ ٣ بنصب أطهرَ فالكوفيون لا يقولون بالتقريب مع وجود ضمير الفصل، أما البصريون فقد حكموا على قراءة النصب باللحن٤ قال سيبويه: "وكان الخليل يقول: والله
_________________
(١) ١ مجالس ثعلب: ٤٣. ٢ المرجع السابق: ٣٥٩. ٣ هود: ٧٨. ٤ ينظر رأي البصريين في الكتاب: ٢/٣٩٧، ومعاني القرآن للأخفش: ٢/٣٥٦، وطبقات فحول الشعراء: ١/٢٠.
[ ٥٠٦ ]
إنه لعظيم جعلهم هو فصلًا في المعرفة وتصييرهم إيّاها بمنزلة (ما) إذا كانت ما لغوًا؛ لأن هو بمنزلة أبوه ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغوًا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة كأنما وإنما"١.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ٣٩٧.
[ ٥٠٧ ]
المبحث الرابع: توسيط الخبر
أما توسيط الخبر فقد اختلفوا فيه فأجازه الكسائي ومنعه الفراء قال أبو حيان: "واختلفوا في توسيط خبر التقريب فأجازه الكسائي ومنعه الفراء"١ وللمجيز أن يستدل بقول حسَّان ﵁:
أَتَرْضَى بِأنَّا لَمْ تَجِفَّ دِمَاؤُنا وَهَذا عَرُوْسًا بِاليَمَامَةِ خَالِدُ٢
إذ نصب عروسًا خبرًا للتقريب ورفع خالدًا اسمًا للتقريب.
_________________
(١) ١ ارتشاف الضرب: ٢/ ٧٣. ٢ البيت من الطويل وهو في ملاحق ديوان حسّان: ٣٨١، وروايته فيه برفع عروس واستشهد به ابن السراج في الأصول ١/ ١٥٣:على جواز رفع "عروس" ونصبه قال: "وينشد هذا البيت على وجهين - ثم أورد البيت - وقال فينصب عروس ويرفع" وهو في شرح اللمع ٣٧٢، وتثقيف اللسان:٧٨، وتصحيح التصحيف: ٣٧٩ بالنصب.
[ ٥٠٧ ]
المبحث الخامس: تقديم معمول الخبر عليه
يجوز في المنصوب على التقريب أن يتقدم عليه معموله كما رأينا في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيةً﴾ ١ فـ (لكم) متعلق بـ (آية) وقد تقدّم عليه وكذلك بيت جرير السابق.
هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيْفَةً
فـ (في دمشق) متعلق بـ (خليفة) وقد تقدّم عليه.
_________________
(١) ١ الأعراف: ٧٣.
[ ٥٠٧ ]
المبحث السادس: مجيء الخبر معرفة
لا يشترط الكوفيون في الخبر التنكير بل يجوز عندهم أن يكون الخبر معرفة قال أبو حيّان: "وأجازوا التعريف في الخبر فيقولون: وهذا الخليفة القادم"١ وألمح إلى ذلك ثعلبٌ دون تصريح عندما قال: "وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا زيد إياه بعينه فجعله مثل كان"٢ فزيد اسم التقريب، وإيّاه خبر التقريب وهو ضمير أعرف المعارف وقال الفراء: "والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما"٣، وقال ثعلب أيضًا: "وهم يسمُّون هذا زيدٌ القائمَ تقريبًا، أي قرب الفعل به"٤ فاسم التقريب وخبره هنا معرفتان.
_________________
(١) ١ ارتشاف الضرب: ٢/ ٧٣. ٢ مجالس ثعلب: ٤٣. ٣ معاني القرآن: ٢/ ١٦٨. ٤ مجالس ثعلب: ٣٥٩.
[ ٥٠٨ ]
المبحث السابع: مجيء الخبر جملة
هل يصح في التقريب أن يكون خبره جمل؟
لم يتعرض الكوفيون لهذه المسألة لا بإثبات ولا بنفي، وإن كنت أرى الجواز إذ ما المانع من ذلك ويجعل منه قوله تعالى: ﴿هَذا كِتابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ﴾ ١ بجعل جملة (ينطق) هي خبر التقريب، والمعربون للقرآن أجازوا فيها أن تكون حالًا، وأن تكون خبرًا لاسم الإشارة و(كتابنا) بدل أو عطف بيان، أوجملة (ينطق) خبر ثانٍ، والجار والمجرور (بالحق) حال، وجعلوا العامل في الحال اسم الإشارة قال المنتجب: "وقوله: ﴿هَذا كِتَابُنَا يَنْطِقُ﴾ هذا مبتدأ، وكتابنا خبره، وينطق يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون هو الخبر،
_________________
(١) ١ الجاثية: ٢٩.
[ ٥٠٨ ]
وكتابنا بدل من هذا أو عطف بيان له، وأن يكون في موضع الحال من الكتاب والعامل في (هذا) معنى الفعل"١.
فبما أنه جاز في جملة (ينطق) أن تكون حالًا على مذهب البصريين، والعامل في الحال حينئذٍ اسم الإشارة، فما المانع أن تكون على مذهب الكوفيين خبرًا للتقريب ولاسيما أن شروط التقريب عندهم منطبقة هنا إذ الكتاب لا ثاني له في الوجود، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، والمراد هنا - والله أعلم - إعلام الأمم بأن كتاب الله شاهد عليها وليس المراد إعلامهم بأن هذا هو كتاب الله لأنهم كانوا يجهلون ذلك، فشروط التقريب هنا متحققة، فما المانع من جعله خبرًا للتقريب، ومن ثَمّ القول بصحة أن يكون خبر التقريب جملة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتلْكَ حُدُوْدُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُوْنَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاها إبْرَاهِيْمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَائِهَا﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُوْنِهِ آلِهَةً﴾ ٨ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ القُرَى أهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الفريد في إعراب القرآن المجيد: ٤/ ٢٨٧. ٢ البقرة: ٢٣٠. ٣ البقرة: ٢٥٢. ٤ البقرة: ٢٥٣. ٥ أل عمران: ١٤٠. ٦ الأنعام: ٨٣. ٧ الأعراف: ١٠١. ٨ الكهف: ١٥. ٩ الكهف: ٥٩.
[ ٥٠٩ ]
في هذه الآيات أعرب المفسرون للقرآن اسم الإشارة مبتدأ، والمعرفة بعده أجازوا فيها أن تكون خبرًا أو بيانًا أو بدلًا والجملة الفعلية أجازوا فيها أن تكون هي الخبر عند من قال بالبدلية أو البيان وأن تكون حالًا أو خبرًا بعد خبر عند من يعرب الاسم المعرفة بعد الإشارة خبرًا١.
_________________
(١) ١ ينظر: الدر المصون: ٢/ ٤٥٦، ٥٣٥: ٣ / ٤٠٤: ٥/ ٢٤، ٣٩٧: ٧/ ٤٥٣، ٥١٤.
[ ٥١٠ ]
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على عامل التقريب.
المبحث الثامن: دخول العوامل اللفظية على العامل في التقريب
العامل في التقريب عند الكوفيين اسم الإشارة، فهل تجري عليه أحكام الأسماء من دخول العوامل اللفظية عليه؟
قبل الإجابة على هذا السؤال نتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَأنَّ هَذا صراطِي مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً واحِدَةً وَأنا ربُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةً وَاحِدَةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاتَّقُوْنِ﴾ ٣ فاسم الإشارة في هذه المواضع اسم إنّ و﴿صِراطِي﴾ و﴿أمَّتُكُمْ﴾ خبران لـ (إن) وبهما تتم الجملة الإسنادية، والباقي فضلة، وهو ما جعله البصريون حالًا، والكوفيون جعلوا خبر إن اسمًا للتقريب والمنصوب بعده خبر التقريب، ولا يصح أن يكون ﴿مُسْتقِيْمًا﴾ و﴿أمَّةً﴾ خبران لـ (إن) لكون الكلمتين منصوبتين، ولأنه سيجعل اسم الإشارة لغوًا.
ولهذا أقول لا يمنع دخول العوامل اللفظية عند الكوفيين على العامل في التقريب من إعماله ما دامت شروط الإعمال متحققةً، وهم يحملون الإعمال هنا على إعمال الأفعال الناقصة التي دخلت عليها العوامل اللفظية المختصة بالأفعال
_________________
(١) ١الأنعام ١٣٥. ٢ الأنبياء: ٩٢، وقراءة الجمهور بنصب أمة، وقرأ برفعها: الحسن البصري ينظر: معاني القرآن للفراء: ٢/٢١٠، وإعراب القرآن للنحاس: ٣/ ٧٩، والمحتسب: ٢/٦٥. ٣ المؤمنون: ٥٢.
[ ٥١٠ ]
ولم يمنع ذلك من إعمالها ـوهو قياس مع الفارق- كقولك لم يكن زيدٌ حاضرًا وكقولك تعالى: ﴿وَلَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ١ فتحمل عوامل الأسماء على عوامل الأفعال وتصبح عاملة في ما بعدها معمولة لما قبلها.
[ ٥١١ ]
المبحث التاسع: حكم التقريب:
وخبر التقريب بعد استيفاء تلك الشروط وانتفاء تيك الموانع حكمه جواز النصب، إذ يجوز فيه أيضًا الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هو قائم، أو على تعدد الخبر عند من يجيز ذلك، أو على جعل اسم التقريب عطف بيان من اسم الإشارة أو بدل منه وما كان خبرًا للتقريب هو خبر المبتدأ.
قال سيبويه: "هذا باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة وذلك قولك هذا عبد الله منطلقٌ حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمّن يوثق به من العرب وزعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين فوجه أنك حين قلت هذا عبد الله أضمرت هذا أو هو كأنك قلت هذا منطلق، أو هو منطلق، والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعًا خبرًا لهذا"٢ وزاد السيرافي الوجهين الآخرين أعني القول بالبدلية أو عطف البيان٣.
وقال ابن يعيش: "ويجوز الرفع في قولك منطلقًا من قولك هذا عبد الله منطلقًا قال سيبويه هو عربي جيّد حكاه يونس وأبو الخطاب عمّن يوثق به من العرب"٤.
_________________
(١) ١ مريم: ٢٠. ٢ الكتاب ٢/ ٨٣. ٣ ما زاده السيرافي هو القول بالبدلية أو عطف البيان وسبقت الإشارة إليهما في صلب هذا البحث. ينظر كتاب سيبويه طبعة بولاق ١/٢٥٨. ٤ شرح المفصل: ٢/ ٥٨.
[ ٥١١ ]
وقال ابن شقير: معلقًا على بيت جرير السابق: "نصب خليفة على القطع من المعرفة بالألف واللام، ولو رفع على معنى: هذا ابن عمي هذا خليفةٌ لجاز، وعلى هذا يَقْرَأُ مَنْ قَرَأَ ﴿وَإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أمَّةٌ وَّاحِدَةٌ﴾ فإن جُعل (هذا) اسمًا، و(ابن عمي) صفته جاز الرفع ومثل هذا قول الراجز:
مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذا بَتِّي مُقَيّظٌ مَصَيِّفٌ مَشَتِّي
معناه هذا بتِّي هذا مقيِّظٌ، هذا مصيّفٌ، وأما قول النابغة.
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ
رفع (العام) بالابتداء، و(سابع) خبره وأما قول الله ﵎: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيْدٌ﴾ رفع (عتيد) لأنه خبر نكرةٍ كما تقول هذا شيء عتيد عندي"١.
من خلال هذا النص نلمح أن الإعمال بعد استيفاء الشروط جائز لا واجب، كما نلمح التزام تعريف اسم التقريب؛ لأنه علل عدم نصب عتيد في الآية الكريمة بسبب كون الاسم الواقع بعد اسم الإشارة نكرة تامة وهي (ما) التي فسّرها بـ (شيء)، وعليه فلا تصح أن تكون اسمًا للتقريب.
_________________
(١) ١ المحلى وجوه النصب ٧،٨.
[ ٥١٢ ]
المبحث العاشر: القياس في إعمال اسم الإشارة
يبدو أن الكوفيين قاسوا اسم الإشارة في تجويزهم إعماله عمل كان على بعض الأفعال التي حُملت على صار في الإعمال كـ (آض وآل ورجع وعاد وحار واستحال وتحوَّل وارتدَّ وقعد وغدا وراح) أو على أضحى وأمسى كـ (أسحر وأفجر وأظهر) بل توسَّع بعض النحاة في هذا الباب فأدخل كل فعل يجيء المنصوب به بعد المرفوع لا يستغني عنه كقام زيد كريمًا وذهب عمرو متحدثاُ وعاش خالد مجاهدًا١ فالكوفيون قاسوا اسم الإشارة على تلك الأفعال
_________________
(١) ١ ينظر في هذه الأفعال: ارتشاف الضرب: ٢/ ٧٣، وهمع الهوامع: ٢/ ٦٨، والأشموني: ١/ ٢٢٩.
[ ٥١٢ ]
ولاسيّما إن لحظوا معنى فعلين في اسم الإشارة وهما: الفعل (أُنَبِّهُ) الذي أفادت معناه الهاء، والفعل (أُشِيْرُ) الذي أفاد معناه اسم الإشارة فأعملوا أحدهما في التقريب، والبصريون يقولون إن العامل في الحال في نحو هذا زيد منطلقًا إنما هو أحد هذين الفعلين أعني: أُنَبِّهُ وأشير الذين أفاد معناهما اسم الإشارة.
[ ٥١٣ ]
المبحث الحادي عشر: العامل من أسماء الإشارة
قد يتساءل المرء هل العمل في التقريب خاص بـ (هذا وهذه وهنَّ وهؤلاء) المختصة بالمشار إليه القريب أو يشمل جميع أسماء الإشارة ما كان منها مختصًا بالمشار إليه القريب، والمشار إليه البعيد كـ (ذلك) و(تلك) .
للإجابة على هذا التساؤل لا بدّ لنا من الوقوف على نصين للفراء قال في الأول مفسّرًا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيبَ فِيْهِ هُدَىً لِّلْمُتَّقِيْنَ﴾ ١ قال: " يصلح فيه ذلك من جهتين، وتصلح فيه هذا من جهة، فأما أحد الوجهين من ذلك فعلى معنى: هذه الحروف يا أحمد ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، والآخر أن يكون ذلك على معنى يصلح فيه هذا؛ لأن قوله هذا وذلك يصلحان في كل مكان إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه ألا ترى أنك تقول قد قدم فلان فيقول السامع قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه هذا لأنه قد قَرُبَ من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه ذلك لانقضائه والمنقضي كالغائب، ولو كان شيئًا قائمًا يرى لم يجز مكان ذلك هذا، ولا مكان هذا ذلك "٢.
ثم أخذ الفراء يوجه إعراب الآية فقال في إعراب هدىً: "وأما قوله تعالى
_________________
(١) ١ البقرة: ٢. ٢ معاني القرآن: ١/ ١٠.
[ ٥١٣ ]
: ﴿هُدَىً لِلْمُتَّقِيْنَ﴾ فإنه رفع من وجهين ونصب من وجهين"١ فذكر أوجه الرفع، وقال عن أوجه النصب: "فأما النصب في أحد الوجهين فأن يجعل الكتاب خبرًا لذلك فتنصب على القطع لأن هدى نكرة اتصلت بمعرفة قد تمّ خبرها فنصبتها؛ لأن النكرة لا تكون دليلًا على المعرفة، وإن شئت نصبت هدىً على القطع من الهاء التي في فيه كأنك قلت لا شكّ فيه هاديًا"٢.
ومراد الفراء بقوله: "فتنصب على القطع أي على الحال فالقطع عنده الحال وهو من مصطلحات الفراء.
وقد ألحَّ الفراء على مسألة النصب على الحال في آيات كثيرة منها قوله تعالى٣: ﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكتابٍ مُّبِيْن هُدًى وَّبُشْرَىً للمُؤْمِنِيْنَ﴾ ٤ وقوله تعالى٥: ﴿ألم تِلْكَ آياتُ الكِتَابِ الحَكِيْمِ هُدَىً وَّرَحْمَة للْمُحْسِنِيْنَ﴾ ٦.
وعلى هذا فهل الفراء أعرب تلك الآيات حالًا لأنه يرى أنها لا يصح فيها النصب على التقريب لما بين (ذلك) المشتملة على اللام التي يشار بها للبعيد، والنصب على التقريب من التنافي في المعنى فبين اللام والتقريب تنافٍ إذ اللام تبعيد لا تقريب هذا هو الظاهر ويؤيده قوله: "ولو كان شيئًا قائمًا يرى لم يجز مكان ذلك هذا، ولا مكان هذا ذلك" وإن كانت عبارته السالفة "لأن هذا وذلك يصلحان في كل كلام ذكرته ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه لأنه قد قَرُبَ من جوابه فصار كالحاضر الذي تشير إليه" توحي بأنه يرى أن هذا وذلك يتقارضان فتحلُّ إحداهما محلّ الأخرى دون تفريق بين ما جعل للبعيد وما جعل
_________________
(١) ١ المرجع السابق: ١/ ١١. ٢ المرجع السابق: ١/ ١٢. ٣ المرجع السابق: ٢/ ٢٨٦. ٤ النمل: ١ و٢. ٥ معاني القرآن: ٢/٣٢٦. ٦ لقمان: ١و٢و٣.
[ ٥١٤ ]
للقريب على حدّ قول خُفَافِ ابن نُدْبَهَ:
أَقُوْلُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ تَأَمَّلْ خُفَافًا إنَّنِي أَنَا ذَلِكا١
والنص الثاني هو إعراب الفراء قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيْسَى ابْنُ مِرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ﴾ ٢ بنصب ﴿قَوْلَ﴾ ٣ على التقريب في أحد وجهي النصب الجائزين في الآية وهي مسبوقة باسم الإشارة ذلك المشار بها للبعيد قال: "وقد قرأتِ القُرَّاءُ بالنصب ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ وهو كثير يريدون به حقًا، وإن نَصَبْتَ القولَ وهو في النية من نعت عيسى كان صوابًا كأنك قلت هذا عبد الله أخاه بعينه، والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما فيقولون هذا عبد الله الأسدَ عاديًا كما يقولون أسدًا عاديًا"٤.
فجعل (قولَ) منصوبًا على أنه مفعول مطلق في الوجه الأول، ومنصوبًا على التقريب في الوجه الثاني، والعامل في التقريب هنا اسم الإشارة (ذلك) المختصة بالبعيد، وجعل عاديًا حالًا من الأسد لا من عبد الله، وقوله والعرب تنصب الاسم المعرفة في هذا وذلك وأخواتهما دليل على أنه لم يفرّق بين هذا وذلك.
والذي يبدو لي أن الفراء لم يكن مُتحَمِّسًا للتقريب، لأنَّ إلحاحه على الحال في الشواهد القرآنية المحتوية على أسماء الإشارة أكثر من إلحاحه على التقريب.
_________________
(١) ١ البيت من الطويل في ديوان خفاف ضمن شعراء إسلاميون: ٤٨٢، وهو في المنصف: ٣/٤١، والخصائص: ٢/١٨٦، والإنصاف:٧٢٠. ٢ مريم: ٣٤. ٣ قرأها بالنصب ابن عامر، وعاصم بن أبي النجود، وهي التي يقرأ بها اليوم بالمشرق الإسلامي، وقرأها بالرفع ابن كثير، ونافع، والكسائي، وأبو عمرو. ٤ معاني القرآن: ٢/ ١٦٨.
[ ٥١٥ ]
المبحث الثاني عشر التقريب والحال عند الكوفيين
المصطلح النحوي بين الكوفيين والبصريين كثيرًا ما يختلف، ولكن الغالب أن يكون اختلافًا في التسمية فقط كالترجمة للبدل، والمجرى وغير المجرى للمصروف والممنوع من الصرف، والمكني للضمير والتفسير للتمييز، والعماد لضمير الفصل؛ ولهذا قد يقال هل المنصوب على التقريب هو الحال والاختلاف في تسمية المصطلح؟ نقول: لا. بل الحال شيء آخر، وهم يسمون الحال قطعًا وحالًا، فالقطع عند الكوفيين هو جزء من الحال، والبصريون لا يقرُّون بالقطع ولا يقولون به قال أبو حيّان: "وهذا كله منصوب عند البصريين على الحال، ولم يثبت البصريون النصب على القطع، والاستدلال على بطلان ما ذهب إليه الكوفيون مذكور في مبسوطات النحو"١ والمنصوب على التقريب عند الكوفيين شيء ثانٍ، غير القطع وغير الحال فالتقريب إذن شيء جديد؛ لأن الفراء يقول في النص السابق "هذا عبد الله الأسدَ عاديًا".
وإعراب عاديًا حال من الأسد، والأسد هو المنصوب على التقريب، فبينهما فرق عنده إذن.
_________________
(١) ١ البحر المحيط: ١/ ٢٠٢.
[ ٥١٦ ]
المبحث الثالث عشر: الحال والقطع عند الفراء.
المبحث الثالث عشر: القطع والحال عند الفراء
الفراء يستعمل مصطلح القطع كثيرًا ويريد به الحال١، ويستعمل كذلك مصطلح الحال كما هو عند البصريين ولكنه قليل، وقد يجمع بينهما لمعنى واحد قال في توجيه نصب ﴿نَزَّاعَةً﴾ من قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إنَّهَا لَظَى نَزَّاعَة لِّلشَّوَى﴾ ١ نصبه
_________________
(١) ١ ينظر معاني القرآن: ١/ ٧، ١٢ - ٢/ ٢٨٦، ٣٣٨، ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٤٦ - ٣ / ٦، ١١، ١٢، ٨٣، ١٠٤، ١٣٢. ٢ المعارج:١٥، ١٦.
[ ٥١٦ ]
على القطع وعلى الحال١، ويستعمل مصطلح قطع ويريد به النصب بفعل محذوف قال في توجيه نصب ﴿مَطْوِيّاتٍ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِيْنِهِ﴾ ٢ قال: "ومن قال مطوياتٍ رفع السموات بالباء التي في بيمينه كأنه قال: والسموات في يمينه، وينصب المطويات على الحال أو على القطع والحال أجود"٣، ويستعمل مصطلح قطع ويريد به الاستئناف قال في توجيه رفع ﴿خَالِصَةً لَّك﴾ من قوله تعالى: ﴿وَامْرَأةً مُّؤْمِنَةً إن وَّهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أن يَّسْتنْكِحَهَا خَالِصَة لَكَ مِنْ دُوْنِ المُؤْمِنِيْنَ﴾ ٤ قال: "ولو رفعت خالصة على الاستئناف كان صوابًا كما قال: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ سَاعَةً مَّنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ أي هذا بلاغ، وما كان من سنة الله وصبغة الله وشبهه فإنه منصوب لاتصاله بما قبله على مذهب حقًا وشبهه والرفع جائز لأنه كالجواب ألا ترى أن الرجل يقول قد قام عبد الله فتقول حقًا إذا وصلته، وإذا نويت الاستئناف رفعته وقطعته مما قبله، وهذا محض القطع الذي تسمعه من النحويين"٥.
وحاول أبو حيّان التفريق بين مصطلحي الحال والقطع عند الفراء فقال: "وفرَّق الفراء فزعم أن ما كان فيما قبله دليل عليه فهو المنصوب على القطع، وما لا فمنصوب على الحال"٦.
_________________
(١) ١ معاني القرآن ١/ ٣٠٩. وتبعه كذلك أبو بكر ابن الأنباري في شرح القصائد السبع الطوال:٢٤ في توجيه بيت امرئ القيس وقوفًا بها صحبي عليّ مطيّهم يقولون لا تهلك أسى وتجلّد. ٢ الزمر: ٦٧. ٣ معاني القرآن: ٢/ ٤٢٥. ٤ الأحزاب: ٥٠. ٥ معاني القرآن: ٢/ ٣٤٤. ٦ البحر المحيط: ١/ ٢٠١.
[ ٥١٧ ]
وقال أيضًا في إعراب ﴿مَثَلًا﴾ من قوله تعالى: ﴿مَاذا أرَادَ الله بِهَذَا مَثلًا﴾ ١ قال: "وأجاز الكوفيون أن يكون منصوبًا على القطع، ومعنى هذا أنه كان يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله، فإذا لم تتبعه وقطعته عنه نصب على القطع كذا قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل فلما لم يجر على إعراب هذا انتصب على القطع"٢.
وأورد ابن شقير٣ المصطلحين على أنهما متمايزان وجعل القطع هو ما يجوز فيه أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله؛ فإذا لم يتبعه المتكلم في الإعراب وقطعه عنه نصبه على القطع، ويرى ابن شقير أن مصطلح الحال هو ما لا يجوز فيه الإتباع وقال عنه: "والحال لاتكون إلا نكرة"٤.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٦. ٢ البحر المحيط: ١/ ٢٠١. ٣ المحلى وجوه النصب: ٧-١٠. ٤ المرجع السابق: ١٠.
[ ٥١٨ ]