المعرفة والنكرة
كل اسم دل على معيّن من أفراد جنسه فهو معرفة مثل: أنت، وخالد، وبيروت، وهذا، والأمير، وشقيقي.
وما لم يدلّ على معيّن من أفراد جنسه فهو نكرة مثل: "رجل، وبلد، وأمير، وشقيق" سواء قبل "ال" التعريف كالأسماء السابقة، أم لم يقبلها مثل: "ذو، وما الشرطية".
والمعارف سبعة: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والمعرّف بـ"ال"، والمضاف إلى معرفة، والنكرة المقصودة بالنداء.
الضمير
ما كنّي به عن متكلم أَو مخاطب أَو غائب مثل: أَنا وأَنت وهم.
الضمائر البارزة والضمائر المستترة:
الضمير البارز ما ينطق به مثل "أَنا كتبتُ" فـ"أَنا" والتاءُ ضميران بارزان ظاهران، والمستتر ما ينوى في الذهن ويبنى الكلام عليه ولكن لا يتلفظ به، مثل فاعل "يجتهد" في قولنا: "خالد يجتهد"، فالجملة الخبرية "يجتهد" مؤلفة من المضارع المرفوع ومن ضمير مستتر فيه تقديره "هو" يعود على "خالد".
والاستتار يكون واجبًا ويكون جائزًا وإليك البيان:
[ ١٠١ ]
أ- الاستتار الواجب يكون في المواضع الآتية:
١- في الفعل أو اسم الفعل المسندين إلى المتكلم مثل: "أَقرأُ وحدي ونكتب معًا" ففاعل "أَقرأُ" مستتر وجوبًا تقديره "أَنا"، وفاعل "نكتب" مستتر وجوبًا تقديره "نحن". وكذلك اسم الفعل "أفٍّ" بمعنى أتضجر، فاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره "أَنا".
٢- في الفعل المسند إلى المخاطب المفرد، مضارعًا كان أَم أَمرًا مثل: "استقمْ تربحْ" ففاعل كل منهما مستتر وجوبًا تقديره "أنت".
واسم الفعل مثل: "نزالِ إلى المعركة يا أَبطال" فاعل "نزالِ" ضمير مستتر وجوبًا تقديره "أَنتم".
٣- في صيغة التعجب "ما أَصدق أَخاك" ففاعل "أَصدق" ضمير مستتر وجوبًا تقديره "هو" يعود على "ما" التي بمعنى "شيء".
٤- في أَفعال الاستثناء "خلا وعدا وحاشا وليس ولا يكون" عند من يبقيها على فعليتها ويطلب لها فاعلًا كقولنا "حضر الرفاق ما عدا سليمًا" ففاعل عدا ضمير مستتر وجوبًا تقديره "هو" ويعود على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق والتقدير: عدا الحاضرون سليمًا، أَو يعود على المصدر المفهوم من الفعل: عدا الحضورُ سليمًا.
منهم من يرى أن هذه الأفعال الجامدة رادفت الحرف "إلا" وتخلت عن معنى الفعلية فأصبحت كالأدوات لا تحتاج إلى فاعل ولا إلى مفعول.
ب- والاستتار الجائز يكون في الفعل المسند إلى الغائب المفرد أو الغائبة المفردة مثل: "أَخوك قرأ وأُختك تكتب" ففاعل "قرأَ" ضمير مستتر جوازًا تقديره "هو" يعود على أَخيك، وفاعل "تكتب"
[ ١٠٢ ]
ضمير مستتر جوازًا تقديره "هي" يعود على "أُختك"، ولو قلت "قرأَ أَخوك وتكتب أُختك" جاز.
وكذلك الضمائر المستترة في اسم الفعل الماضي وفي الصفات المحضة كأَسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة.
الضمائر المتصلة والضمائر المنفصلة:
أ- الضمائر المتصلة ما تلحق الاسم أَو الفعل أَو الحرف فتكون مع ما تتصل به كالكلمة الواحدة، وذلك مثل التاء والكاف والهاء في قولنا: "حضرتُ خطابك الموجه إليه". وهي تسعة ضمائر في أَنواع ثلاثة:
١- ضمائر لا تقع إلا في محل رفع على الفاعلية أو على نيابة الفاعل وهي خمسة: تاء الخطاب: "قمت، قمتما، قمتُن، أُقمْتَ مقام أبيك".
وواو الجماعة: "أكرموا ضيوفكم الذين أحبوكم وأُوذوا من أَجلكم تُحمدوا".
ونون النسوة: "أكرمْن ضيوفكن الذين أحبوكن تُحمدْن".
وياء المخاطبة: أَحسني تُحْمَدي.
وأَلف التثنية: أَحسِنا تُحْمدا.
يجعلون الضمير في الخطاب التاء فقط أما "ما" والميم والنون في "قمتما، قمتم، فمتن" فأحرف اتصلت بالتاء للدلالة على التثنية والجمع والتأنيث.
٢- ضمائر مشتركة بين الجر والنصب وهي ثلاثة: ياء المتكلم،
[ ١٠٣ ]
وكاف الخطاب، وهاء الغيبة، مثل: ربي أَكرمني، ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى﴾، كافأهم على أعمالهم.
الضمير هو الكاف والهاء فقط، أما ما يتصل بهما فحروف دالة على التثنية أو الجمع أو التأنيث: كتابكما، رأيهم، آراؤهن، دارها.
"هم" ساكنة الميم، وقد تضم، وقد تشبع ضمتها حتى يتولد منها واو، أما إذا وليها ساكن فيجب ضمها: "همُ النجباء".
٣- وما هو ضمير مشترك بين الرفع والنصب والجر وهو "نا" مثل: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا﴾ .
ب- الضمائر المنفصلة ما تستقل في النطق وهي نوعان:
١- ضمائر الرفع وهي أنا وأَنت وهو وفروعهن:
هو، هما، هم، هي، هما، هنَّ، أَنتَ، أَنتما، أَنتم، أَنتِ، أَنتما، أَنتن، أَنا، نحن.
٢- وضمير نصب وهو "إيا" المتصلة بما يدل على غيبة أو تكلم أَو خطاب مثل: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ فـ"إيا" مفعول به متقدم والكاف حرف خطاب لا محل له.
الاتصال والانفصال:
إذا اجتمع ضميران قدم الأَعراف منهما، وأَعرف الضمائر ضمير المتكلم فضمير المخاطب فضمير الغائب، وضمير الرفع مقدم على ضمير النصب إذا اجتمعا مثل: الكتاب أَعطيتكه.
وينفصل الضمير المتصل إذا تقدم على عامله مثل: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَو وقع بعد إِلا: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾، أَو حصر بـ"إنما": "إنما
[ ١٠٤ ]
يحميك أَنا" أَو كان الضمير الثاني أَعرف مثل "سلمه إياك"، أَو اتحدا ولم يختلف لفظاهما مثل: ملكتك إياك، وملكته إياه، بمعنى "ملكتك نفسك وملكته نفسه" أَو عطف على ما قبله مثل: أَكرمت خالدًا وإِياك، أَو حذف عامله: إِياك والغش. ويجوز الاتصال والانفصال في الضمير الثاني إذا وقع خبر كان أَو ثاني مفعولي ظن وأَخواتها مثل: "الصديقُ كنتَه = كنت إياه، الناجح حسبتُكه = حسبتك إياه". ويلتزم عند اللبس تقديم ما هو فاعل في المعنى: الحاكم سلمته إياك، لأَنه هو المتسلم.
أحكام:
١- الضمائر كلها مبنية على ما سمعت عليه، في محل رفع أو نصب أو جر على حسب موقعها في الجملة إلا ضمير الفصل أو العماد، وهو الذي يكون بين المبتدأ والخبر أو ما أَصله المبتدأ والخبر مثل "خالد هو الناجح"، "إن سليمًا هو المسافر"، "كان رفقاؤك هم المصيبين"، والمذهب الجيد في هذا ألا يكون له إعراب، وكل عمله إشعار السامع بأَن ما بعده ليس صفة لما قبله، وهو يشبه الأَدوات في إفادته التوكيد والحصر.
٢- لكل ضمير غيبة مرجع يعود إليه، متقدم عليه إِما لفظًا ورتبة، وإِما لفظًا، وإما رتبة: "قابل خالدٌ جارَه، قابل خالدًا جارُه، قابل جارَه خالدٌ"، ولا يقال: "قابلَ جارُه خالدًا" لأن الضمير حينئذ
[ ١٠٥ ]
يعود على متأَخر لفظاَ ورتبة.
وقد يعود إلى متقدم معنًى لا لفظًا مثل ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فالضمير "هو" يعود إلى "العدل" المفهوم من قوله ﴿اعْدِلُوا﴾ .
وقلما يعود إلى غير مذكور لا لفظًا ولا معنى، ولا يكون ذلك إلا عند قيام قرينة لدى السامع على المقصود منه مثل قول بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
وليس لضمير "قطرتْ" عائد في القصيدة، ولكن جو القصيدة وافتخاره بقوته وفتكه يوحيان بأَن الضمير يعود على "السيوف" المفهومة من السياق.
وإذا تقدم الضميرَ أَكثرُ من مرجع، رجع غالبًا إلى أقرب مذكور ما لم تقم قرينة على غير ذلك مثل: "حضر خالد وسعيد وفريد وجاره". فالضمير عائد على فريد.
نون الوقاية:
إذا سبق ياءَ المتكلم فعل أَو اسم فعل وجب اتصالهما بنون الوقاية، تتحمل هي الكسرة المناسبة للياء وتقي الفعل أَو اسم الفعل من هذا الكسر مثل: علمني ما ينفعني، قَطْني = يكفيني، عليكَني = الزمني. وكذلك تزداد لزومًا بعد حرفي الجر "من وعن" فتقول "منّي وعنّي" وكثيرًا ما تزاد بعد الظرف "لدُنْ" فتقول "لدُنِّي".
ويجوز زيادتهما بعد الأَحرف المشبهة بالفعل فتقول "إِني ولكنّي =
[ ١٠٦ ]
إنني ولكنني"، لكن الأَكثر التزامها مع "ليت" وتركها مع "لعل"، والأَمران في الباقي سواءٌ.
كذلك تتصل نون الوقاية بالأَفعال الخمسة الداخلة على ياءِ المتكلم مثل "يكرمونني" وحذف إِحدى النونين جائز في حال الرفع.
وياءُ المتكلم ساكنة ويجوز تحريكها بالفتح، أَما إذا سبقت بساكن مثل "فتايَ ومحاميَّ، وحضر مكرمِيَّ" فالفتح واجب.
ملاحظة ١- لا تطلق واو الجماعة ولا الضمير "هم" إلا على الذكور العقلاء. أَما جماعة غير العقلاءِ فيعود عليها الضمير المؤنث مفردًا أَو مجموعًا. البضائع شحنتها أَو شحنتهن.
ملاحظة ٢- قد اضطر شعراءُ عدة إلى الخروج على بعض هذه القواعد فلم يتابعوا، لأَن الضرورات لا تغير من القواعد شيئًا، والسهو عن هذا الأَصل جعل كثيرًا من النحاة يذيلون كل حكم بالأحوال التي أَلجأَت إليها الضرورات الشعرية، فقدنا بعض الأحكام في بناء قواعدهم من جهة، وأَورث هذه القواعد تطويلًا وتضخيمًا من جهة أُخرى أشاعا فيها البلبلة وأَضاعا التناسق.
[ ١٠٧ ]
الشواهد:
١- ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا إِنْ تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [سورة الكهف:١٨: ٤١،٤٠،٣٤]
٢- ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [سورة النجم: ٥٣/٥٢]
٣- ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [سورة هود: ١١/٢٨]
٤ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة البقرة: ٢/١٣٧] ٥-
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة سبأ: ٣٤/٣١]
٦- "إن الله ملَّكَكُم إياهم، ولو شاءَ لملَّكُهم إيَّاكم" حديث شريف
٧- " إِن يكنْه فلن تُسلَّط عليه". حديث شريف "الضمير يعود إلى الدجال"
[ ١٠٨ ]
٨- لئن كان إياه لقد حال بعدنا عن العهد والإنسان قد يتغير
عمر بن أبي ربيعة
٩- وقد علمت سلمى وجارتها ما قطر الفارس إلا انا
عمرو بن معد يكرب
١٠- أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
الفرزدق
١١- وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهما ها يقرع العظم نابها
مغلس بن لقيط
١٢- لئن كان حبك لي كاذبا لقد كان حبك حقا يقينا
ديوان الحماسة
ب
١٣- وما علينا إذا ماكنت جارتنا ألا يجاورنا إلاك ديار-؟
[سورة روي: حاشاك]
١٤- بالباعث الوراث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهاهير
الفرزدق [الدهارير: الشدائد]
١٥- أصرمت جبل الوصل؟ بل صرموا يا صاح، بل قطع الوصال هم
طرفة
١٦- أخي حسبتك إياه وقد ملئت أرجاه صدرك بالأضغان والإحن-؟
١٧- تمل الندامى ما عداني فإنني بكل الذي يهوى خليلي مولع-؟
١٨- فياليي إذا ما كانذا كم ولجت وكنت أولهم ولوجا
ورقة بن نوفل
[ ١٠٩ ]
*
٢- العلم
اسم موضع لمعيَّن من غير احتياج إلى قرينة١ مثل؛ خالد، دعد، دمشق، الجاحظ، أَبو بكر، أَم حبيبة.
والأَعلام منها المفرد "ذو الكلمة الواحدة" ومنها المركب وإِليك أنواعه:
المركب الإضافي مثل: عبد الله وأَبي بكر وزين العابدين.
والمركب المزجي وهو ما تأَلف من كلمتين مندمجتين مثل "حضْرَ موتَ وبعلَبك وبختَنُصَّرَ ومعد يكربَ وقالي قلا" فجزؤه الأَول يبنى على الفتح إلا إذا كان ياءً فيسكن، وجزؤه الثاني يعرب حسب العوامل ممنوعًا من الصرف. وما كان جزؤه الثاني كلمة "ويهِ" بني على الكسر وقدرت عليه العلامات الثلاث.
والمركب الإسنادي ما كان جملة في الأَصل مثل تأَبط شرًا "الشاعر المعروف"، وبرَق نحرُه، وجادَ الحقُ، وشاب قرناها "اسم امرأَة"، فيبقى على حركته التي كان عليها قبل أَن ينقل إلى العلمية
_________________
(١) أما بقية المعارف فتدل على معيّن مع قرينة لابدّ منها، فالاسم الموصول يدل على معين بوساطة جملة تسمى صلة الموصول، و"الأمير" دلت على معين بوساطة "ال"، و"هذا" يدل معيّن بوساطة الإشارة وهكذا.
[ ١١٠ ]
وتقدر عليه العلامات الثلاث، ففي قولك "أُعجبت بشعر تأَبط شرًا": "تأَبط شرًا" مبني على السكون في محل جر بالإِضافة.
والعلم إذا تصدر بـ"أَب" أَو "أُم" سمي كنية مثل "جاءَ أَبو سليم مع أُخته أُم حبيب"، وإِذا دل على رفعة صاحبه أَو ضعته أَو حرفته أَو بلده فهو اللقب مثل: الرشيدُ والجاحظ والأَعشى والنجار والبغدادي.. إلخ وما عداهما فهو الاسم.
فإِذا اجتمعت الثلاثة على مسمى واحد بدأت بأَي شئت، ولكن يتأَخر اللقب عن الاسم، فتقول: كتاب الحيوان لأَبي عثمانَ عمرو بنِ بحرٍ الجاحظِ، أَو لعمرو بن بحر الجاحظِ أَبي عثمانَ، أَو لعمروِ بن بحرِ أَبي عثمان الجاحظِ.
هذا وأَكثر الأَعلام كانت في الأَصل اسمًا أَو وصفًا أَو فعلًا أَو جملة، ثم نقلت إلى العلمية فسموها أَعلامًا منقولة وهي أَكثرها وجودًا. وبعض الأعلام مثل سُعاد وضعت من أَول أمرها علمًا فسموها أعلامًا مرتجلة.
هذه الأعلام التي مرت كلها أعلام شخصية، وهناك "العلم الجنسي" وهو اسم أطلق على جنس فصار علمًا على كل فرد من أفراده، ويشبه من حيث المعنى النكرة المعرفة بـ"ال" الجنسية، فكما تقول: "الذئب مخاتل" تقول "ذؤالةُ مخاتل" وذؤالةُ علم على الذئب، والأعلام الجنسية كلها سماعية وإليك طوائف منها:
فمن أعلام أجناس الحيوان:
الأخطل، الهر، أسامة: الأسد، ثُعالة: الثعلب، أبو جعدة: الذئب، أبو الحارث: الأسد، أبو الحصين: الثعلب، ذُؤالة: الذئب، ذو الناب: الكلب، أم عامر: الضبع، أم عِرْيط: العقرب، أبو المضاء: الفرس.
[ ١١١ ]
ومن أعلام طوائف البشر:
تُبّع: لمن ملك اليمن، خاقان: لمن ملك الترك، فرعون: لمن ملك مصر، قيصر: لمن ملك الروم، كسرى: لمن ملك الفرس، النجاشي: لمن ملك الحبشة.
أبو الدَغفاء: الأحمق، هيّان بن بيّان: مجهول العين والنسب.
ومن أعلام المعاني:
بَرّة: البِر، حمادِ: المحمدة، سُبحان: التسبيح، فجارِ: الفجور، أم قشعم: الموت، كيسان: الغدر، يسارِ: اليُسر.
هذا وعلم الجنس كالمعروف بـ"ال": صالح لأن يكون مبتدأ أو صاحب حال، ولا تدخل عليه "ال" ولا يضاف تقول "أسامةُ أشجع من ثُعالة" كما تقول "الأسد أشجع من الثعلب" وتقول: هذا هيّانُ بنُ بيانَ مقبلًا.
وهذا العلم يمنع من الصرف إذا وجدت فيه علة أخرى كالتأنيث أو زيادة الألف والنون مثلًا: يا هيانَ بنَ بيانَ ابتعد من كيسانَ.
[ ١١٢ ]
الشواهد
١- أَقسم بالله أَبو حفص عمرْ.
ما مسها من نقَب ولا دبَرْ.
فاغفر له اللهم إن كان فجرْ. - أعرابي وافد على عمر. "الضمير يعود على ناقة الأعرابي، النقب رقة خف البعير من كثرة السير. والدبر جرح في ظهر البعير".
٢- وما اهتز عرش الله من أَجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
منسوب إلى حسان
٣- نبئت أخواني بني تزيد ظلما علينا لهم فديد
تزيدُ: اسم رجل. فديد: جلبة وصياح. منسوب لرؤبة
٤- اعلمت يوم عكاظ حين لقيتني تحت العجاج فما حططت غباري
أنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
النابغة
حط غباره: سبقه حتى علا غباره على غبار المسبوق
"ب"
٥- أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي أبوه منذر ماء السماء
أوس بن الصامت
[ ١١٣ ]
*
٣- اسم الإشارة
ما دل على معيّن بوساطة إشارة حسية أَو معنوية، وهذه أَسماءُ الإِشارة:
للمذكر: ذا، ذان وذَيْن، أُولاءٍ
للمؤنث: ذِهْ وتِهْ وذي وتي، تان وتَيْن، أُولاءِ
للمكان: هنا، ثَمَّ، ثَمَّةَ.
وتسبق هذه الأَسماء عدا ثمة "ها" التنبيه فنقول: هذا، هؤلاء، ها هنا.
وتلحقها كاف الخطاب وهي حرف تتصرف تصرف كاف الضمير في الإِفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأْنيث مثل: ذاك الجبل هناك، تيكم الصحيفة لنا، ذا كُنّ ما طلبتُنّ وذاكم ما طلبتم.
وتلحقها اللام للدلالة على البعد مثل: هنالك عند ذلك الجبل، تلك الصحيفة لي.
ويجوز أَن يفصل بين "ها" التنبيه واسم الإِشارة ضميرُ المشار إليه مثل: ها أَنذا، ها أَنتم أُولاءِ، وكثيرًا ما يفصلان بكاف التشبيه: هكذا.
[ ١١٤ ]
الشواهد:
١- ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [سورة يوسف: ١٢/٣٢- ٣٧]
٢- ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢/٥]
٣- ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش يعد أولئك الأيام
جرير
[ ١١٥ ]
*
٤- الاسم الموصول
اسم وضع لمعين بوساطة جملة تتصل به تسمى صلة الموصول، وتكون هذه الجملة خبرية معهودة لدى المخاطب مثل: جاءَ الذي أكرمك مع ابنتيْه اللتين أَرضعتهما جارتُك.
فجملة "أَكرمك" هي التي حددت المراد بـ "الذي" وسميت صلةً للموصول لأَنهما يدلان على شيءٍ واحد فكأَنك قلت: جاءَ مكرمُك، ولابدَّ في هذه الجملة من أَن تحتوي على ضمير يعود على اسم الموصول ويطابقه تذكيرًا وتأْنيثًا وإفرادًا وتثنية وجمعًا، وهو هنا مستتر جوازًا تقديره "هو" يعود على "الذي"١ وفي جملة "أَرضعتهما" عائد الصلة الضمير "هما" العائد على "اللتيْن". وقد تقع صلة الموصول ظرفًا أَو جارًا ومجرورًا مثل: أَحضر الكتاب الذي عندك، هذا الذي في الدار٢.
والأَسماءُ الموصولة قسمان: قسم ينص على المراد نصًا وهو الخاص، وقسم مشترك.
_________________
(١) زإذا كان العائد مفعولا به جاز حذفه مثل: " رأيت الذي قدمت " أي: قدمته.
(٢) والحق أن صلة فعل محذوف من أفعال الكون العام، والتقدير: استقر عندك، استقر في الدار.
[ ١١٦ ]
أ- الموصولات الخاصة:
للمذكر: الذي، اللذان واللذَيْن، الذِين، والأُلى "لجمع الذكور العقلاء".
للمؤنث: التي، اللتان واللتيْن، اللاتي واللائي "لجمع غير المذكر العاقل".
ب- الموصولات المشتركة وهي خمسة: من، وما، وأيُّ، وذا، وذو
١- من، وتكون للعاقل وما نزل منزلته، وللعاقل مع غيره مثل: عامل من تثق به وأَحسن لمن أَرضعتْك، وعلِّم من قصدوك١.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ فالأَصنام لا تعقل، لكن لما دعوها أَنزلوها منزلة العاقل الذي يدعى فعبر عنها بـ"من"، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ .
٢- ما، وتكون لغير العاقل: أَحضر ما عندك.
وقليلًا يعبر بها عن العاقل مع غيره، ولأَنواع من يعقل مثل: صنّف ما عندك من الطلاب صنفين.
٣- أَيُّ، للعاقل، وهي معربة بين الأَسماءِ الموصولة جميعًا، تقول: قابلْ أَيًّا أَحببته، زارك أَيُّهم هو أَفضل، سلم على أَيِّهن هي أَقرب
_________________
(١) أو: علم من قصدك، لأن العائد في المواصلات المشتركة يجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى.
[ ١١٧ ]
[فإذا أُضيفت وحذف صدر صلتها الضمير، جاز مع الإِعراب البناءُ على الضم: سلم على أَيُّهنّ أَفضل] .
٤- ذا، تكون اسم موصول إذا سبقها استفهام بـ "ما" أَو "منْ" ولم تكن زائدة ولا للإشارة، مثل قول لبيد:
ألا تسألان المرء: ماذا يحاول؟ أنحب فيقضي أم ضلال وباطل
فماذا بمعنى ما الذي، ولذلك أَبدل منها "أنحبٌ" بالرفع.
٥- ذو، الطائية، وهي مبنية عندهم وقيل: قد تعرب مثل: جاء ذو أكرمك بمعنى الذي أكرمك.
وهي خاصة بلهجة قبيلة طيء.
[ ١١٨ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنا اللَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [سورة فصلت: ٤١/٢٩]
٢- ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الحج: ٢٢/١٨]
٣- ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الصف: ٦١/١]
٤- ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكَى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [سورة الكهف: ١٨/١٩]
٥- ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٩/٦٩]
٦- ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
امرؤُ القيس
٧- ألا إن قلبي لدى الظاعنين حزين فمنذا يعزي الحزينا
أمية بن أبي عائد الهذلي
"ب"
٨- محاحبها حب الأولى كن قبلها وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
المجنون
٩- فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
سنان الطائي
[ ١١٩ ]
٥- المعرف بـ "ال"
اسم اتصلت به "ال" فأَفادته التعريف. وهي قسمان "ال" العهدية، و"ال" الجنسية.
"ال" العهدية: إذا اتصلت بنكرة صارت معرفة دالة على معين مثل "أَكرم الرجلَ"، فحين تقول "أَكرم رجلًا" لم تحدد لمخاطبك فردًا بعينه، ولكنك في قولك "أَكرم الرجل" قد عينت له من تريد وهو المعروف عنده.
والعهد يكون ذكريًا إِذا سبق للمعهود ذكر في الكلام كقوله تعالى: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ .
ويكون ذهنيًا إِذا كان ملحوظًا في أَذهان المخاطبين مثل: ﴿إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . ويكون حضوريًا إِذا كان مصحوبها حاضرًا مثل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أَي في هذا اليوم الذي أَنتم فيه.
"ال" الجنسية: وهي الداخلة على اسم لا يراد به معين، بل فرد من أفراد الجنس مثل قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وهي إِما أَن ترادف كلمة "كل" حقيقة كالمثال السابق: خلق كل إِنسان
[ ١٢٠ ]
من عجل، فتشمل كل أَفراد الجنس.
وإِما أَن ترادف كلمة "كل" مجازًا فتشمل كل خصائص الجنس وتفيد المبالغة مثل: أَنت الإِنسان حقًا.
والتعريف في "ال" العهدية حقيقي لفظًا ومعنًى، وفي "ال" الجنسية لفظي فقط فما دخلت عليه معرفة لفظًا نكرة معنى، ولذا كانت الجملة بعد المعرف بـ "ال" العهدية حالية دائمًا لأَن صاحبها معرفة محضة: "رأَيت الأَمير يعلو جواده"، والجملة بعد المعرف بـ"ال" الجنسية يجوز أن تكون حالًا مراعاة للفظ وأَن تكون صفة مراعاة للمعنى مثل:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني
تذييل: هناك "ال" زائدة غير معرِّفة، وتكون لازمة وغير لازمة:
فاللازمة: هي التي في أول الأعلام المرتجلة مثل لفظ الجلالة "الله" والسموءل واللات والعُزّى، أَو في أول الأسماء الموصولة مثل الذي، التي.
وغير اللازمة: وهي التي وردت شذوذً كقولهم: "ادخلوا الأولَ فالأَولَ، جاؤوا الجماءَ الغفير، فـ "الأول" و"الجماء" وقعتا حالًا، والحال دائمًا نكرة أو في معنى النكرة.
أو التي سمع زيادتها في أول الأعلام المنقولة عن صفة مثل العباس والحارث والحسن والحسين والضحاك، أو عن مصدر مثل الفضل، ومنها ما هو خاص في الضرورات الشعرية كقوله:
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وبنا أوبر هي الكمأة الصغار، والداخلة على التمييز كقول الشاعر:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
[ ١٢١ ]
تعريف الأعداد:
إذا أَردت تعريف العدد فإن كان مضافًا عرفت المضاف إليه مثل عندي خمسة الكتب المقررة وتسع الوثائق المطلوبة؛ وإن كان مركبًا عرفت الجزءَ الأَول: اشتريت الخمسة عشر كتابًا والسبع عشرة صحيفة.
وإن كان معطوفًا ومعطوفًا عليه عرفت الجزأَين معًا مثل: أَحضر الثلاثة والخمسين دينارًا.
[ ١٢٢ ]
٦- المضاف إلى معرفة
إذا أَضيفت النكرة إلى أحد المعرفات الخمسة السابقة اكتسبت التعريف بهذه الإضافة وإليك أمثلتها بالترتيب:
كتابك الجميل عندي - كتابُ خالد - كتابُ هذا - كتابُ الذي سافر - كتابُ الأَمير.
[ ١٢٢ ]
٧- المعرف بالنداء
إِذا قصدت من النكرة معينًا ناديته بها، أَصبح معرفة بهذا النداء وبنيته على الضم إلحاقًا بالأَعلام. فكلمة "شرطي" نكرة ولكن إِذا خاطبت بها شرطيًا أمامك ليعينك فقلت: " يا شرطيُّ أين المتحف؟ " صارت "شرطي" معرفة وعوملت معاملة المعارف المفردة بالنداء وسميت بالنكرة المقصودة.
[ ١٢٢ ]
المجرد والمزيد
أ- الاسم الخالي من حرف زائد على أُصوله هو الاسم المجرد، وهو ثلاثة:
١- المجرد الثلاثي مثل رجُل وفتى وله عشرة أوزان هذه أَمثلتها: ظَبْي، حَمَل، رَجُل، كتِف، قفل، زُحَل، عُنق، حِصْن، عِنب، إِبل. أَما وزن "فُعِل" فقليل جدًا مثل "دُئِل" اسم قبيلة، ووزن "فِعُل" يكاد لا يوجد.
٢- المجرد الرباعي أَوزانه ستة وأَمثلتها:
جَعْفَر، بُرْقع، قِرمِز، طُحْلَب، دِرْهَم، قِمَطْر١.
٣- المجرد الخماسي هذه أَمثلة أَوزانه الأَربعة: سفَرْجَل، قُذَعْمِل، جَحْمَرشِ، جِرْدَحْل٢.
ب- والاسم المزيد هو ما أُضيف إلى أُصوله حرف أَو أكثر٣:
_________________
(١) الجعفر النهر الصغير، والقرمز الأحمر، القمطر محفظة الكتب.
(٢) القذعمل: الجمل الضخم، والجحمرش العجوز، والجردحل الوادي.
(٣) أما مثل " عدة " مصدر " وعد "، فليست التاء زائدة، لكنها أتى بها للتعويض عن وفاة الكلمة وهو الواو، إذ الأصل " وعد وعدا" فلما حذفنا الأول عوضنا منه تاء في الآخر، فالتاء حرف عوض غير زائد.
[ ١٢٣ ]
الزيادة على نوعين:
١- الأَول يكون بتكرار حرف من حروفه الأصلية مثل: سُلَّم، جلْباب، قُعْدُد، صمحْمح١، "وأُصول هذه الكلمات: سلم، جلب، قعد، صمح".
٢- الثاني يكون بإضافة أَحد أَحرف الزيادة العشرة المجموعة في قولك "سأَلتمونيها" مثل: تكريم، اجتماع، مستنكف، متدحرج إلخ أُصول هذه الكلمات: كرم، جمع، نكف، دحرج.
وقد يجتمع نوعا الزيادة في الكلمة مثل "مُعظَّم" ففيها الميم من أَحرف الزيادة وفيها تكرار الظاءِ الأَصلية. وكذلك "مُحْدَوْدب" فيها زيادة الميم والواو وتكرار الدال "أُصولها أحرف حدب"، ومَرْمريس بمعنى الداهية والشديد، فيها الياءُ زائدة وتكرار الفاءِ والعين "أُصولها أَحرف مرس".
وأَوزان المزيد كثيرة جدًا، ولا يحكم بزيادة حرف إلا بعد استيفاءِ الكلمة ثلاثة أَحرف أَصلية على الأقل.
أدلة الزيادة
يدل على زيادة الحرف في الكلمة أَدلة أَربعة:
١- سقوط الحرف الزائد في بعض أُسرة الكلمة "أصلها أَو فرعها" فالهمزة في "إِكرام" غير موجودة في "كرم"، ونون "الحنظل" غير
_________________
(١) القعدد الجبان، والصمحمح القوي الشديد.
[ ١٢٤ ]
موجودة في "حظِلت الإِبل = إذا أَكلت الحنظل فتأَذَّت".
٢- أَن يدل الحرف الزائد على معنى ليس في أصل الكلمة، فالأَلف في "عامِل" زيدت للدلالة على الفاعل، والهمزة من إِكرام تدل على التعدية، والسين والتاءُ في مستفهم يدلان على الطلب.
٣- أَن يكون في عد الحرف أَصليًا خروجٌ على الأَوزان المعروفة في الأَسماءِ فالتاءُ الأُولى في "تَنْفُل" وهو من أَسماءِ الثعلب زائدة لعدم وجود هذا الوزن في الأسماءِ.
٤- أَن تطرد أَو تكثر زيادة مثل هذا الحرف في المشتق المماثل للكلمة الجامدة: فقد حكموا على نون "شَرنْبَث = غليظ الكفين والرجلين" بالزيادة، لأَن هذه النون بعد حرفين أصليين تكون زائدة في أَمثال هذه الكلمة من المشتقات مثل: "جحنْفَل = غليظ الشفة" فهي مأخوذة من جَحفَلَة الفرس وغيرها من ذوات الحافر وهي الشفة.
أغراض الزيادة
ذكروا لها الأغراض الآتية:
١- مد الصوت بأَحد أَحرف العلة مثل: سحاب، عمود، رحيل.
٢- تكثير الحروف مثل "قَبَعْثَرى = جمل ضخم"، و"كنَهْبَل = شجر ضخم السنبلة".
٣- إفادة معنى جديد، فزيادة الأَلف في "ضارب" لتدل على الذات الفاعلة، وزيادة الميم والواو في "مضروب" ليدل على الذات التي وقع عليها الفعل، والتاءُ والأَلف في "التماوت" لتدل على إِظهار غير
[ ١٢٥ ]
الحقيقة. وهذا أَهم أَغراض الزيادة.
٤- التعويض عن محذوف: إما عن فاءِ الكلمة مثل "عدة" زيدت التاءُ آخرًا لتعوض الواو المحذوفة من أَولها "وعْد"، وإما عن عين الكلمة مثل تاءُ "إقامة" فهي عوض من الواو التي هي عين الكلمة إِذ الأَصل "إقوام"، وإما لام الكلمة مثل أَلف "ابن" فهي عوض عن لام الكلمة التي هي الواو إذ الأصل "بنَوٌ"، ومثل مصدر "زكَّى" فالقياس أَن يأْتي على وزن "تفعيل: تزكييًا" فحذفوا الياءَ الأولى التي قبل لام الكلمة وعوضوا منها التاء فقالوا: تزكية.
٥- الإِلحاق، وهي موازنة كلمة بكلمة لتأْخذ حكمها في التصريف مثل: "خَفَيْفَد" الملحق بـ"سفرجل"، و"أَرطىً" الملحق بـ"جعفر"، و"قُعْدُد" الملحق بوزن "بُرْقُع"١.
هذا وبين الزيادة للإلحاق والزيادة لغيره فروق:
١- يبقى معنى الكلمة بعد زيادة الإلحاق على ما كان عليه غالبًا.
٢- لا يشترط في زيادة الإلحاق أن تكون من أحرف "سألتمونيها".
٣- لا تدغم زيادة الإلحاق في مثلها على حين يجب ذلك في نظيرها، فالدالان في "خفيفد" و"قعدد" لا يجوز إدغامهما بينما يجب الإدغام في "مَرْدَد وأشدْد" لتصبحا "مردّ" و"أشدّ"، كذلك الباءان في "جلبب" لا تدغمان ويجب إدغام مثلهما في "أطبباء" لتصبح: أطبّاء.
مواضع الزيادة
تكون أحرف "سألتمونيها" زائدة في المواضع الآتية:
_________________
(١) خفيفد: سريع الأرطى شجر ترعاه الإبل، القعدد: الجبان، القاعد عن المكارم.
[ ١٢٦ ]
الهمزة: تكون زائدة في أَول الكلمة إذا تلاها ثلاثة أُصول مثل: أَعرج، أَفضل، أَذهبُ، أُقرِئُ
وتكون زائدة في آخر الكلمة بعد أَلف ساكنة مسبوقة بثلاثة أُصول فأَكثر مثل: علماءُ، أَنبياءُ، قُرْفُصاءُ، رُتَيْلاء.
وعلى هذا تكون أصلية في الكلمات الآتية وأمثالها:
أكْل، أمسْ، "لأن معها أصلين فقط"، أيْطل، أمان، أكيل "لأن معها ثلاثة أحرف أحدها زائد"، إصطبل، إصطخر "معها أربعة أصول"، كساء، ماء، وفاء "لأن قبل الألف أصلين فقط، لذا فهي إما أصل وإما منقلبة عن أصل".
الألف: تكون زائدة حين تكون مع ثلاثة أُصول فأكثر مثل: قائل، قاتل، سحاب، حُبلى، قرطاس، انطلاق، ارعوى، قبعثرى، خُبَّازى، اسرنْدى "اعتلى".
ولا تزاد سابعة إلا في الأَسماءِ مثل: أُربُعاوى "جلسة المتربع" [فإذا كان معها حرفان فقط كانت منقلبة عن أَصل مثل: قال، دعا، باب، ناب] .
الواو: لا تزاد في الأَول مطلقًا؛ فإن صحبت أَكثر من أَصلين كانت زائدة مثل: عوسج، حوقل "ضعيف"، جدول، عجوز، ترقوة، عنفوان، معشوشب، قلنسوة، منجنون "دولاب"، أربعاوى، اعلوّط "ركب".
الياء: تكون زائدة إذا كان معها أكثر من أصلين مثل: اليلْمع "السراب"، يضرب، ضَيْغم، سيطر، عِثْيَر، رغيف، رهْيأ "اضطرب"، حِذْرية "الأَكمة الغليظة"، سلقيته "رميته على قفاه"، بُلَهْنية = رفاهية، تقلْسَيْت، مغناطيس، اسلنقيْت.
[ ١٢٧ ]
ولا تقع الياءُ سابعة إلا في الأَسماء مثل الخُنْزُوانية "الكبر". وهي أصل في مثل "يوم وليلة وبيع ورمي".
ملاحظة: إذا وقعت أولًا ومعها أربعة أصول فهي أصلية، ومثلوا لذلك بكلمة "اليَسْتَعور" ومعناها: الباطل، الكساء على عجز البعير، شجر مساويكه في غاية الجودة.
التاء: تزاد اطرادًا في الأَفعال حرفَ مضارعة "تكتب"، ودالةً على المشاركة "تخاصموا، احتربوا" وعلى المطاوعة "تكسَّر" وفي مصادر هذه الأفعال، وفي مصدر "فعَّل" والمصادر الدالة على المبالغة مثل: تَسْيار.
وتزاد آخرًا للدلالة على التأْنيث "قائمة قامتْ"، أَو المبالغة "رجل داهية"، أَو النسبة "المغاربة"، أَو الجمع "الشافعية، الحنفية".
وكذلك يطرد زيادتها حشوًا في تصاريف "افتعل، استفعل" ومصادرهما. وزيدت في غير ما تقدم سماعًا مثل: التِجفاف "الدرع"، والتمثال وملكوت وعنكبوت وتَنْصُب "شجر".
السين: تزاد اطرادًا في صيغة "استفعل".
اللام: تزاد اطرادًا مع أَسماءِ الإِشارة "ذلك، تلك، أُولالِك، هنالك" وسماعًا في "زيْدل وعبْدل".
الميم: لا تزاد في الأَفعال. وتطرد زيادتها في أول الأَسماء في المواضع المقيسة من المصادر الميمية وأَسماء الفاعل والمفعول والزمان والمكان والآلة.
[ ١٢٨ ]
وقلَّ أَن تزاد حشوًا في مثل هِرْماس "ولد النمر"، ودَلامص "برَّاق"، وزُرْقُم "أَزرق" وشُدْقُم "واسع الفم".
النون: تطرد زيادتها في الأَول حرف مضارعة للمتكلم مع غيره "نكتب"، وتزاد حشوًا في صيغ المطاوعة "انكسر، احرنجم" غالبًا، وفي مثل "فَعَنْلَل" كجحنْفل وشرنْبث وعقنْقل. وتزاد آخرًا بعد أَلف قبلها ثلاثة أصول مثل: سكران، عثمان، شبعان، عفَّان.
[وفي غير ذلك تكون أصلية مثل "أمان وعنقود ونهشل وخِرْنَوْب"] .
ولابدّ مع ذلك من ملاحظة الدليل والمعنى في الزيادة أَو الأَصالة، فقد حكموا بزيادتها في بُلَهْنِية، وعَنْسل "ناقة سريعة"، وعَنْس "أسد"؛ وحسّان وعفَّان "لمنعهما الصرف".
الهاء: تزاد اطرادًا هاءٌ للسكت لبيان حركة آخر الكلمة أو حرف المد حين الوقف مثل: لمه؟ عمهْ؟ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾، ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ . وسمع زيادتها في الفعل "أَراق" وما اشتق منه فقالوا: أَهراق يُهَريق، دم مُهراق. وزادوها سماعًا في جمع "أُم" فقالوا: أُمهات.
[ ١٢٩ ]
المقصور والمنقوص والممدود
يقسمون الاسم باعتبار حرفه الأَخير إلى مقصور، ومنقوص، وصحيح ممدود أَو غير ممدود.
١- المقصور كل اسم معرب منتهٍ بأَلف لازمة مثل: الفتى والمستشفى وأَنواع هذه الأَلف ثلاثة:
الأَول: الأَلف المنقلبة عن واو أَصلية أَو ياءٍ أصلية، فأَلف الفتى مثلًا أصلها ياءُ، ويظهر هذا الأَصل عند التثنية أَو التكسير فنقول: فَتَيَان نبغا بين عشرة فِتْيان، وأَلف العصا مثلًا أصلها واو إِذ نقول عند التثنية: هاتان عصوان قويتان.
الثاني: الأَلف المزيدة للتأْنيث مثل غَضْبى وحُبلى وفُضلى تقول: رجل غضبان وامرأة غضْبى، هاتان حبليان، استمعت إلى الرجل الأَفضل والمرأَة الفضلى.
الثالث: الأَلف التي تزاد للإِلحاق، وهو مصطلح جعله النحاة للأَلف التي لا هي منقلبة عن أصل ولا هي للتأْنيث، وإنما ادَّعوا أن العرب زادتها لتكون على وزن معلوم، فـ"الذِفْرى" العظم الشاخص خلف الأُذن زيدت أَلفها لتكون على وزن "دِرْهم"،
[ ١٣٠ ]
و"الأَرْطى" وهو شجر مرٌّ ترعاه الإِبل زيدت أَلفه ليكون على وزن "جعفر".
٢- والمنقوص كل اسم معرب آخره ياءٌ لازمة مكسور ما قبلها مثل "القاضي والمحامي والمستشفي".
٣- والصحيح غير الممدود مثل جدار وجمل واستحضار، وظَبْي، ودلْو. أَما الصحيح الممدود فهو كل اسم معرب آخره همزة بعد ألف زائدة مثل: حسناء وبناء. وأَنواع هذه الهمزة أَربعة:
الأول: همزة أصلية من بنية الكلمة مثل "رجل قراءٌ" من فعل "قرأَ" بمعنى نسك، وامرأَة وُضَّاءَة من فعل "وضُؤ" بمعنى نظف.
الثاني: همزة منقلبة عن واو أصلية أو ياءٍ مثل "علاءُ" من فعل "علا يعلو" وأَصلها "علاوٌ"، "بناءٌ وقضاءٌ" من فعلي "بنى يبني" "وقضى يقضي" والأصل "بنايٌ وقضايٌ"، فلما تطرفت الواو والياءُ بعد أَلف ساكنة قلبتا همزة.
والثالث: همزة مزيدة للتأْنيث، مثل صحراء وعذراء ومثل "خضراء" مؤنث "أَخضر".
والرابع: همزة مزيدة للإِلحاق مثل "عِلْباء" وهو عصب العنق، فإن همزة هذه الكلمة ليست منقلبة عن أصل ولا هي من بنية الكلمة ولا هي للتأْنيث، فقالوا إنها زيدت لتصبح الكلمة ملحقة بوزن "قِرطاس".
[ ١٣١ ]
أحكام ثلاثة:
١- يقاس القصر في كل ما تقتضي صيغته فتح ما قبل آخره، كالمصدر من الأَفعال الناقصة "رضي رضًى، وهوِيَ هَوىً" وكاسم الزمن والمكان منه مثل: "الوطن مَهْوى الأَفئدة"، و"البحر ملْهى الصيادين" و"المغارات مأْوى الوحوش"، وكاسم المفعول واسم الزمان والمكان والمصدر الميمي من الفعل الناقص رباعيًا كان أَم خماسيًا أَم سداسيًا مثل "المُعْطى، المنادى، والمستشفى".
أَما الممدود فيقاس في كل صيغة يكون ما قبل آخرها أَلفًا، كمصادر الأَفعال الناقصة رباعية كانت أم خماسية أم سداسية مثل: أَبقى إبقاءً، واصطفى اصطفاءً، واستغنى استغناءً، وكمصادر الأفعال الثلاثية الناقصة الدالة على صوت أَو داءٍ مثل: عُواء الذئب ومُشاء البطن.
أَما ما سوى ذلك من المقصور والممدود فيراعى فيه السماع ويعرف من المعجمات.
٢- إذا نوِّن الاسم المقصور سقطت ألفه لفظًا في الرفع والنصب والجر، وذلك لاجتماع حرف العلة في آخره والتنوين، فنحذف حرف العلة طبقًا للقاعدة الصرفية:
"إذا اجتمع ساكنان أحدهما حرف علةٍ حذف حرف العلة".
فإذا نونا الأسماءَ المقصورة في مثل قولنا "هذه العصا حركت النوى التي في الرحى" تصبح الجملة: "هذه عصًا حركت نوىً في رحىً".
أما المنقوص إذا نُوِّن فتحذف ياؤُه في الرفع والجر فقط وتبقى في
[ ١٣٢ ]
حالة النصب، فهذه الجملة "هذا المحامي زار القاضي مع المدعي" إذا نوّنا الأسماءَ المنقوصة فيها تصبح: "هذا محامٍ زار قاضيًا مع مدعٍ".
٣- قد يضطر الشاعر إلى أَن يقصر الاسم الممدود مثل:
لا بد من صنعاء وإن طال السفر ولو تحنى كل عود ودبر١
أَراد "صنعاءَ" فجاز له قصرها لضرورة الشعر، وهي ضرورة سائغة.
أَما مدّ المقصور مثل قوله:
سيغنيني الذي أغناك عني فلا فقر يدوم ولا غناء
يريد "ولا غنىً" فقليل وليس يحسن.
_________________
(١) تحنّى: تحنن "اشتد حنينه" والعود: الجمل المسن، الدبر: الجمل الذي تقرّح ظهره باحتكاك الرحل بجلده من طول السفر.
[ ١٣٣ ]
المذكر والمؤنث
الحقيقي – المجازي – الالفظي – المعنوي
الحقيقي والمجازي
الاسم الدال غبلا مذكر من أجناس الناس والحيون، مذكر حقيقي مثل غلام وثعبان.
والاسم الدال على مؤنث من أجناس الناس والحيوان، مؤنث حقيقي مثل بنت وأَتان. ولكل منهما ضمائر وأسماءُ إشارة وأسماءٌ موصولة خاصة بها تقول: هذا الغلام هو الذي اصطاد ثُعْلُبانًا، وهذه البنت هي التي خافت من الأَتان.
أَما بقية الأشياءِ التي ليس فيها مذكر ومؤنث فبعضها يعامل معاملة المذكر الحقيقي في الضمائر والإشارة والموصولات فيقال له مذكر مجازي مثل: بيت وكتاب وعُشْب وفهْم، فتقول: بيتك جميل أَمامه عشب أخضر، وفيه كتاب فهْمك له جيد.
وبعضها يعامل معاملة المؤنث في كل ذلك فيقال له مؤنث مجازي مثل: دار وصحيفة ووردة ونباهة، فتقول: تقرأ أختك صحيفة يومية أمام دار واسعة. بنباهة زائدة وبيدها وردة حمراء.
[ ١٣٤ ]
المؤنث اللفظي والمؤنث المعنوي:
المؤنث اللفظي كل اسم فيه إحدى علامات التأْنيث وهي "التاء المربوطة والألف المقصورة والألف الممدودة" ودل على مذكر مثل: طلحة وزكرياء وبشرى "اسم رجل". ويعامل معاملة المذكر في الضمائر والإِشارة وغيرهما.
والمؤنث الخالي من إحدى علامات التأنيث مؤنث معنوي مثل: سعاد وهند وشمس ورِجْل، يعامل معاملة المؤنث الحقيقي في الضمائر والإِشارة والموصولات، تقول: طلعت الشمس على هند الصغيرة قبل أن تأمرها سعادُ بدخول الدار المجاورة.
تنبيه:
ليس هناك قاعدة في معرفة التذكير والتأْنيث المجازيين، بل المدار في معرفة ذلك على السماع، بالرجوع إلى كتب اللغة. ونلاحظ أن بعض الأَسماء يذكر ويؤنث مثل: الطريق والسوق والذراع والخمر.. إلخ فتصح فيها المعاملتان فتقول: هذا الطريق واسع أَو هذه الطريق واسعة. والمرجع في معرفة ذلك المعجمات اللغوية.
كما يلاحظ أن بعض الأَسماء يحمل علامة التأْنيث ويطلق على كلٍ من الجنسين مثل: حية وشاة وسخلة "ولد الغنم والمعز"، وكذلك بعض الصفات مثل رجل رَبْعة وامرأَة ربعة "معتدلة القامة".
[ ١٣٥ ]
علامات التأنيث الثلاث:
١- العلامة الأولى: التاء المربوطة وتفيد ستة أغراض:
أَ- التأْنيث: وذلك حين تدخل على الصفات فرقًا بين مذكرها ومؤنثها مثل: بائعة، فاضلة، مستشفية، محامية.
وقلَّ أَن تلحق الأسماء الجامدة، وقد ورد في اللغة: غلامة وإنسانة وامرأَة ورجُلة "متشبهة بالرجل"، وحمارة، وفتاة. فإِن كانت الصفة مما يختص بالنساء لم يكن هناك فائدة من التاء، لذلك عريت أكثر هذه الصفات عن التاء مثل: حائض، طالق، ثيِّب، مُطْفل "ذات أطفال" مُتْئم "تأْتي بالتوائم"، مرضع.
ولا يجوز أَن تدخل التاء هذه الصفات وأَمثالها إلا ما سمع عن العرب فقد قالوا: مرضعة.
وهناك خمسة أوزان للصفات لا تدخلها التاء فيستوي فيها المذكر والمؤنث:
١- وزن "فَعول" بمعنى فاعل مثل: صبور، عجوز، حنون، تقول: هذا رجل عجوز وامرأَته عجوز صبور١.
٢- وزن "فَعِيل" بمعنى "مفعول" إن سبق بموصوف أَو قرينة تدل على جنسه مثل: طفلة جريح وامرأة قتيل.
أَما إِذا لم يكن هناك موصوف ولا قرينة فتدخل التاء لإِزالة اللَّبس،
_________________
(١) ذ كلمة "عدوة" ولعلهم أدخلوا التاء عليها لتقابل ضدها صديقة. أما ملولة فتاؤها للمبالغة لا للتأنيث، ووصف بها المذكر فقيل: رجل ملولة. وأما ركوبة وحلوبة فلا تخالفان القاعدة لأنهما بمعنى "مفعول: مركوبة ومحلوبة" لا بمعنى فاعل.
[ ١٣٦ ]
تقول: في الميدان ستة جرحى وقتيلة.
ويلحق بذلك وزنا "فِعْل وفَعَل" إِذا كانا بمعنى مفعول، مثل: ناقة ذِبْحٌ، هذه الثياب سَلَب القتيل.
[وسمع: خصلة حميدة فتحفظ ولا يقاس عليها] .
٣- وزن مِفْعال مثل: مِهْذار، ومِعْطار "كثيرة التعطر أَو كثيره"، ومِقْوال "فصيح أو فصيحة".
[سمع: امرأَة ميقانة: توقن بكل ما تسمع، ولا يقاس عليها] .
٤- وزن مِفْعيل مثل: مِعْطير "كثيرة التعطر أو كثيره"؛ مِسْكير "كثير السكْر".
[شذ: مسكينة، حملًا على فقيرة، وقد سمع: امرأَة مسكين على القاعدة] .
٥- مِفْعَل: رجل مِغْشَم "مقدام لا يثنيه شيء".
ملاحظة: يستوي المذكور والمؤنث في المصادر حين يوصف بها نقول: هذا قولٌ حقٌّ وتلك قضيةٌ حق.
وإدخال التاء على المصادر خطأ شائع في أَيامنا فينبغي اجتنابه والتنبيه عليه.
ب- الغرض الثاني للتاء إفادتها الوحدة:
تلحق التاء أسماء الأجناس الطبيعية مثل: شجر وثمر وتمر.. للتفريق بين الواحد والجمع، ويقال لها تاء الوحدة مثل: شجرة وثمرة وتمرة.
[ ١٣٧ ]
وقلَّ أَن تلحق المصنوعات، فمما ورد من ذلك: لبِن ولبِنة، سفين وسفينة، جرّ وجرّة، آجُرّ وآجُرّة.
جـ- الغرض الثالث للتاء إفادتها المبالغة حين تلحق الصفات:
مثل: أَنت راوٍ ولكن أَخاك راوية، الطفل نابغ وأَخوه نابغة، كذلك: داهية وباقعة.
د- الغرض الرابع توكيد المبالغة:
وذلك حين تدخل على أَوزان المبالغة تقول هذا علاّم فهّام وذلك علاّمة فهامة.
هـ - الغرض الخامس مجيئها بدلًا من ياء النسب أو ياء التكسير:
فالأَول مثل: دماشقة "نسبة إلى دمشق" فهي كقولنا: دمشقيون.
والثاني مثل: جحاجحة في جمع "جَحْجاح بمعنى السيد" بدل قولنا: جحاجيح، وزنادقة في جمع "زنديق"، وتقابل: زناديق.
والغرض السادس مجيئها للتعويض عن حرف محذوف:
إما عوضًا عن فاء الكلمة مثل: عدة "أصلها وعْد".
وإما عوضًا عن عين الكلمة مثل: إقامة "أَصلها إِقْوام".
وإِما عوضًا عن لام الكلمة مثل: لغة "أَصلها لُغَو".
وإِما بدلًا من ياء المصدر في الناقص من وزن "فَعَّل تفعيلًا" مثل: زكَّى تزكية "أَصلها: تزكييًا".
٢- العلامة الثانية من علاما التأْنيث: الأَلف المقصورة. إذا دلت الصفة المشبهة على خلو أَو امتلاء كانت على وزن "فعلان"
[ ١٣٨ ]
للمذكر وعلى وزن "فَعْلى" للمؤنث مثل: عطشان: عطشى، ريّان: رَيَّا، جَوْعان: جوعى، شبعان: شبعى.
فهذه الأَلف المقصورة دخلت قياسًا في هذه الصيغة للتأْنيث وليست خاصة بها، بل أَوزان الأَسماء المنتهية بهذه الأَلف كثيرة، فمن أوزانها:
١- فُعَلى: مثل الأَربى "الداهية"، شُعَبى "اسم موضع".
٢- فُعْلى: بُهْمى "نبت من أَحرار البقول"، حُبلى "صفة"، بُشْرى "مصدر".
٣- فَعَلَى: بردى "اسم"، حَيَدى "حمار سريع"، بَشَكى "ناقة سريعة".
٤- فَعْلى: مَرْضى، نجوى، غَضْبى.
٥- فُعالى: حُبارى "طائر"، سُكارى، عُلادى "الشديد من الإبل".
٦- فُعَّلى: السُمَّهى "الباطل".
٧- فِعَلَّى: سِبَطْرى "مشية تبختر".
٨- فَعَلَّى: حِجْلى "جمع حجلة: طائر"، ظِرْبى: "جمع ظَرِبان: دويبة منتنة"، مِعْزى، ذِكْرى.
[ما نوِّن من هذا الوزن فألفه للإِلحاق لا للتأْنيث مثل: عَزْهًى عازف عن اللهو] .
٩- فِعَّيلى: هِجّيرى "هذيان"، حِثِّيثى "حث".
[ ١٣٩ ]
١٠- فُعُلَّى: حُذُرَّى "حذر"، كُفُرَّى "غطاء الطَّلع في الزهرة".
١١- فُعَّيْلى: لُغَّيْزى "لغز"، خُلَّيْطى "اختلاط".
١٢- فُعَّالى: خُبَّازى، شُقَّارى "نبتان"، حُضَّارى "طائر".
٣- الألف الممدودة:
تقاس زيادتها في مؤنث الصفات الدالة على لون أو عيب في الخلقة أو زينة مثل: أَصفر: صفراء، أَعور: عوراء، أَحور: حوراء كما تُقاس في جمع "فعيل" من الأَسماء المعتلة الآخر مثل: ذكيّ: أَذكياء، نبيّ: أَنبياء.. إلخ.
وأَوزانها كثيرة في الأَسماء والصفات منها:
١- فَعْلاء: صحراء "اسم"، رَغْباء "مصدر: رغبة"، طَرْفاء "اسم جمع لنبات"، حمراء "أُنثى أَفعل"، هطْلاء "مؤنث غير أَفعل".
٢- أَفْعِلاء: أَربِعاء، أَنبياء. ٣- فُعْللاء: قُرْفُصاء.
٤- فاعولاء: تاسوعاء، عاشوراء.
٥- فاعِلاء: قاصِعاء، نافِقاء "بابا جحر الضب".
٦- فعْلياء: كبرياء.
٧- فَعُلاء: سِيَراءُ "ثوب خز مخطط"، جَنَفاءُ "موضع"، نُفَساءُ.
٨- فَعِيلاء: قَريثاء "نوع من التمر".
٩- فُنْعُلاء: خنفساء.
١٠- مَفْعُولاء: مشيوخاء "جمع شيخ".
[ ١٤٠ ]
فالأَوزان المشتركة بين الأَلفين المقصورة والممدودة أَربعة هي:
١- فَعْلى: سكرى وصحراء ٢- فُعَلى: أُرَبى وجُنَفاء.
٣- فَعَلى: جمزى وجَنَفاء.
٤- أَفْعِلى: أَجْفِلى "دعوة عامة" وأَربِعاءُ.
تنبيه: الأَعلام أَو الصفات المنتهية بإِحدى هاتين الأَلفين ممنوعة من الصرف، وما نوِّن منها فأَلفه لغير التأْنيث.
[ ١٤١ ]
*
الجموع وأحكامها
نذكر القارئ بأن المفرد ما دلّ على واحد مثل جدار وفتاة وأمة، والمثنى ما دلّ على اثنين أو اثنتين متفقين لفظًا ومعنى بزيادة ألف ونون أو ياء ونون مثل "استندت فتاتان بدلْويْن ممتلئين إلى جدارين" إلا أن:
١- الاسم المقصور تقلب ألفه ياء مثل هذان فتيان، ذهب مصطفيان إلى مستشفييْن معهما دعْويان. إلا إذا كانت ألفه ثالثة أصلها واو فتقلب واوًا مثل اشتريت عصويْن قويتين.
٢- والاسم المنقوص المحذوف الياء للتنوين مثل "هذا محام قديرٌ لدى قاضٍ نزيه" فتردّ ياؤه في التثنية: "هذان محاميان قديران لدى قاضييْن نزيهين".
٣- الاسم الممدود يثنى على حاله إلا إذا كانت ألفه للتأنيث فتقلب واوًا مثل: "هذان قُرّاءان وُضّاءان واشتريت كساءين جميلين وانظر عِلباءيْ١ جارك، وهاتان صحراوان صغيرتان، ورأيت عندك حلتين زرقاوين، وعينا الغزال حوراوان".
لاحقة - أجازوا في الألف الممدودة المنقلبة عن أصل مثل كساء والمزيدة للالحاق مثل علباء أن نقلبها واوًا أيضًا فلنا أن نقول علباءان وكساءان أو علباوان وكساوان.
ويلحق بالمثنى: اثنان واثنتان، و"كلا وكلتا" إذا أضيفتا للضمير، وما كان مثل الأبوين والقمرين.
_________________
(١) العلباء عصب العنق، وقد تقدم في بحث المقصور أن ألفه زيدت للإلحاق، أما همزة كساء فأصلها واو لأن فعلها كسوت.
[ ١٤٢ ]
الجمع ما دل على أكثر من اثنين بتغيير صورة مفرده أو بإضافة إليها مثل: صُورة: صُور. ناجح: ناجحون، فتاة: فتيات.
وهو ثلاثة: جمع مذكر سالم وجمع مؤنث سالم وجمع تكسير.
[ ١٤٣ ]
١- جمع المذكر السالم
كل ما دل على أكثر من اثنين بزيادة واو ونون في حالة الرفع مثل "هؤلاء موفقون في تجارتهم" أو ياء ونون في حالة النصب والجر مثل "زرت الناجحين في الانتخاب مع رفاقٍ مرشحين". ولا يتغير المفرد حين جمعه كما رأيت، إِلا أن:
١- المقصور تسقط أَلفه حين جمعه وتبقى الفتحة على ما قبل الأَلف، فنقول في جمع مصطفى ومنادى: "هؤلاءِ مصطفَوْن كانوا منادَيْن إلى المحاكمة".
٢- المنصوص تحذف ياؤُه عند الجمع ويضم ما قبلها مع الواو ويكسر مع الياء فنقول "حضر محامون عن المدَّعين".
ويشترط في الاسم الصالح لأَن يجمع جمعًا مذكرًا سالمًا أن يكون أَحد اثنين:
١- علمًا لمذكر عاقل مثل: حضر المحمدون في حيِّنًا "الذين اسم كل منهم محمد"، ويشترط أَلا يكون مركبًا مثل "معد يكرب وسيبويه" ولا يكون بتاء مثل حمزة ومعاوية.
٢- وصفًا لمذكر عاقل مثل هؤلاء طلاب مجدون مكرَّمون، ويشترط
[ ١٤٣ ]
في الصفة أن تصلح لدخول تاء التأْنيث كما رأَيت، فكلمة "أَخضر وعجوز" لا تجمعان جمعًا لمذكر سالم لأَنهما لا تؤنثان بالتاء، كما لا يجمع هذا الجمع الصفات المتصلة بالتاء مثل "نابغة وعلامة".
أما أَسماءُ التفصيل فتجمع جمع مذكر سالمًا مع أَن التاءَ لا تتصل بها، نقول: "مررت بالرجال الأَكرمين".
وهناك كلمات غير مستوفية الشروط عاملها العرب معاملة جمع المذكر السالم فرفعوها بالواو والنون ونصبوها وجروها بالياء والنون، فيقتصر عليها وتسمى ملحقات بجمع المذكر السالم أَشهرها:
أَولون، أَرَضون، أَهلون، بنون، سنون، عالَمون، عِلِّيُّون، وابلون، عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون، ستون، سبعون، ثمانون، تسعون، مئون مثل: "هذه أَرضون ساومت أَهليها فطلبوا ثمانين ألفًا ثمنًا على أَن يسلموها بعد عشر سنين".
[ ١٤٤ ]
٢- جمع المؤنث السالم
ما دل على أَكثر من اثنين بزيادة أَلف وتاءِ مثل "قرأت طالبات مجتهدات" فلا تغيير في صور المفرد كما رأيت١ إِلا فيما يأْتي:
١- حذف تاءِ التأْنيث: "فتاة عالمة: فتيات عالمات".
٢- المقصور تقلب أَلفه ياءً - كما فعلنا في المثنى - فنقول في جمع
_________________
(١) وعلى هذا فـ " قضاة وبنات، وأشتات" ليست من جموع المؤنث السالمة.
[ ١٤٤ ]
"زارت هدى مستشفىً: زارت هُدياتٌ مستشفياتٍ"، إِلا إِذا كانت الأَلف ثالثة وأَصلها واو فتنقلب واوًا، فنقول في جمع "رضا" اسم فتاة: "رِضوات".
٣- الممدود يعامل معاملته في المثنى فنقول في فتاة وُضاءَة: "فتيات وُضاءَات" لأَن همزتها أَصلية، ونقول في جمع "عذراء حسناء: عذراوات حسناوات" لأَن أَلفها للتأْنيث أَما "كساء١"فيجوز أَن نجمعها "كساءَات" أَو "كساوات".
٤- الأَسماءُ التي هي على وزن "فَعْل" أَو "فَعْلة" مثل: "دَعْد وسجْدة، وظبية" إِذا كانت صحيحة العين نجمعها بفتح عينها فنقول "دعَدات وسجَدات وظبيَات". فلا يصلح لهذا الجمع مثل "عبْلة" لأَنها صفة وليست باسم، ولا "فيْنة" لأَن عينها غير صحيحة ولا "ورقة" لأَن ثانيها متحرك٢.
ويطرد جمع الاسم جمع مؤنث بالأَلف والتاء إذا كان:
١- علمًا لأُنثى مثل هند وسعاد وزينب.
٢- ما ختم بعلامة من علامات التأْنيث وهي التاءُ والأَلف المقصورة والأَلف الممدودة مثل "فاطمة وليلى وحسناء" فتجمع على "فاطمات وليليات وحسناوات".
٣- مصغر غير العاقل مثل: جُبَيْلات وحُبيْبات ودُرَيْهمات.
_________________
(١) إذا كان اسم انثى.
(٢) سمع في جمع مثل "هنْد" الإبقاء على السكون، والكسر إتباعًا للفاء: "هِنْدات وهِنِدات" والفتح "هِنَدات"، وكذلك خُطْوة: "خُطَوات، وخُطُوات وخُطْوات".
[ ١٤٥ ]
٤- وصف غير العاقل مثل جبال شامخات وأَيام معدودات.
٥- ما لم يرد له جمع تكسير من الخماسي مثل: حمّامات، إِصطبلات أَو الأَسماء الأَعجمية مثل: جنرالات.
٦- المصدر فوق ثلاثة أَحرف مثل: تعريفات، إِنعامات.
٧- اسم غير العاقل المصدّر بـ"ابن" أَو "ذو" مثل: بنات آوى وذوات القعدة.
وقد ورد قليلًا من غير ما تقدم مثل: أُمهات وسجلات وسماوات وشمالات، ورجالات، وبيوتات فيقتصر عليه.
وعاملت العرب مثل "أُولات وأَذرِعات، وعرفات" معاملة جمع المؤنث السالم: هؤلاءِ حاجَاتٌ إلى عرفات من أُولات الفضل في أذرعات١.
_________________
(١) أذرعات بلدة مشهورة في حوران تنطق بها العامة من أهلها اليوم "درعات" أما العامة من غير أهلها فيلفظونها "درعا" وهي عاصمة محافظة حوران.
[ ١٤٦ ]
٣- جموع التكسير
كل جمع تغيرت فيه صورة مفردة مثل "جبل: جبال، عندليب: عنادل" فهو جمع تكسير. وأَوزانه واحد وعشرون وزنًا، وقد يرد للمفرد أكثر من جمع، والمدار في ذلك على السماع. وهو إما جمع قلة ويكون لما لا يزيد على العشرة وإما جمع كثرة وهو لما فوق العشرة.
[ ١٤٦ ]
أ- جموع القلة أربعة أوزان جمعت في قول بعضهم:
بأفعل وبأفعال وأفعلة
وفعلة يعرف الأدنى من العدد
١- أَفْعُل: يجمع هذا الجمع شيئان: الأَول الثلاثي السالم على وزن "فَعْل" مثل نفس: أَنفس، كَلْب: أَكلب. وشذَّ وجه: أَوجه، صكٌّ: أَصُكْ.
والثاني كل رباعي مؤنث ثالثه حرف علة مثل: ذِراع وأَذرُع، يمين وأَيْمُن. وشذَّ: شهاب وأَشهب، لأَنه مذكر، وكذا غُراب وأَغرُب، وعَتاد وأَعْتُد.
٢- أَفعال: يجمع هذا الجمع الأَسماء الثلاثية مثل: أَجمال، أَعضاد، أعناق، أَقفال، أوقات، أَثواب، أَبيات، أَزناد، أَفراخ، أفراد، أَنجاد، أَنهار إلخ، إلا وزن "فُعل" فلم يجيء إلا: رُطَب وأَرطاب.
أَما الصفات فلم يسمع منها على هذا الوزن إلا شهيد: أَشهاد، وعدو: أَعداء، وجِلْف: أَجلاف، فعدوا هذا شاذًا.
٣- أَفعِلة: يجمع هذا الجمع كل اسم رباعي ثالثه حرف مد زائد مثل: عمود وأَعمدة، ونصاب وأَنصبة، وطعام وأَطعمة، وحمار وأحمرة، ورغيف وأرغفة، وعدّوا مثل قفا وأَقفية شاذًا لعدم انطباق الشرط عليه.
وسمع في الصفات "أَشِحَّة وأَعِزَّة وأَذِلة" في جمع شحيح وعزيز وذليل.
[ ١٤٧ ]
٤- فِعْلة: مثل فتية وشِيخة جمع شيخ وهو سماعي.
ب- جمع الكثرة وأحكامها:
للكثرة سبعة عشر وزنًا عدا صيغ منتهى الجموع:
١- فُعْل: للصفة المشبهة التي على وزن "أَفعل" ولمؤنثها الذي على وزن "فعلاءَ" مثل أَخضر خضراء: خُضْر، وأَعرج عرجاء: عُرْج، وأَحْور حوراء: حُور.
٢- فُعُل: لشيئين الأَول الصفات التي على وزن "فَعول" مثل رجل صبور ورجال صُبُر، وامرأة غيور ونساءُ غُيُر. وشذ رجال خشنٌ ونجب جمع خشِن ونجيب.
والثاني: للأَسماءِ الرباعية التي ثالثها حرف مد ولم تقترن بتاءِ تأْنيث مثل: سرير وسُرُر، وعمود وعُمُد، وذِراع وذُرُع، وشذَّ "خشُب وصُحُف" جمع خشبة وصحيفة.
٣- فُعَل! لمثل غرفة وغُرف وحُجة وحُجج.
٤- فِعَل! مفردها فِعْلة مثل قِطْعة وقِطَع، وحِجّة وحِجَج.
٥- فَعَلة: لاسم الفاعل من الناقص مثل: قاض وقضاة، وغازٍ وغزاة١.
٦- فَعَلة: لاسم الفاعل لمذكر عاقل من الصحيح: ساحر وسحرة، وقاتل وقتلة.
٧- فَعْلى: جمع لصفة على وزن فعيل دالة على أذى مثل: مَرْضى أَو
_________________
(١) الأصل قضية وغزوة، فلما تحركت الياء والواو وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين وفق القاعدة الصرفية المعروفة.
[ ١٤٨ ]
جَرْحى وتكون أحيانًا جمعًا لفاعل مثل هلْكى جمع هالك، أَو أَفعل مثل أحمق وحمقى.
٨- فِعَلة: جمع لاسم ثلاثي على "فُعْل" أَو "فِعْل" مثل دُبّ دِبَبة، وقِرد وقِرَدَة.
٩- فُعَّل: جمع لفاعلٍ وفاعلة في الصحيح اللام مثل: راكع ورُكَّع ساجد وسُجّد. وسمع من المعتل مثل: غازٍ وغزَّى.
١٠- فُعَّال: جمع لصفة على وزن فاعل صحيحة اللام: كاتب وكتَّاب.
١١- فِعال: يكون جمعًا لاسم مثل جبَل وجبال، ولصفة مثل: صَعْب وصِعاب، ويطرد في:
١- فَعَلٍ اسمًا صحيح اللام مثل: جمَل وجمال ورقَبة ورقاب.
٢- فِعْلٍ اسمًا غير سالم مثل ذِئب وذِئاب، وبئر وبئار وظلٌّ وظِلال.
٣- فُعْلٍ اسمًا لا عينه واو ولا لامه ياءٌ مثل: رُمح ورماح، وريح ورياح.
٤- فَعْلٍ أو فَعْلة اسمين صحيحي اللام مثل: كعب وكعاب وقصعة وقصاع.
٥- فعيل وفعيلة صفتين صحيحتي اللام مثل: طويل وطوال: وكريمة وكرام.
٦- صفة على فَعْلان مثل عطشان وعطاش، أو فَعْلى مثل: ظمأَى
[ ١٤٩ ]
وظِماء، أو فعْلانة مثل ندمانة١ ونِدام، أَو فُعْلانة مثل خُمصانة وخِماص.
وعدُّوا غير ما تقدم شاذًا مثل: راعٍ ورِعاء، وصائم قائم وصيام قيام، وجِيد وجياد، وبطحاء وأبطح: بِطاح، وقَلوص وقِلاص، وأُنثى وإِناث، وفصيل وفِصال، وسُبع وسِباع، وطبْع وطِباع، وعُشَراء وعشار.
١٢- فُعول: مثل قلوب وكبود، ويطَّرد في:
١- اسم على فَعِل مثل وعِل ووعول، ونَمِر ونمور.
٢- اسم على فَعْل غير واوي العين مثل قلب وقلوب، وليث وليوث.
٣- اسم على فِعْل مثل: حِمل وحمول، وفيل وفيول، وظل وظلول.
٤- اسم على فُعْل غير مضعف ولا معتل العين أو اللام مثل: بُرْد وبرود وجُند وجُنود.
ومما أتى على غير القياس من هذا الوزن، أَسد وأُسود، وشَجَن وشجون، وذكور، وطلول، وكلها جمع "فَعَل".
١٣- فِعْلان: جمع للأَسماء التي على:
١- فُعال مثل: غلام وغِلمان وغراب وغِربان، وصؤاب وصِئْبان.
٢- فُعَل مثل: جُرذ وجرذان، وصُرَد وصِردان.
٣- فُعْل عينه واو مثل حوت وحيتان، عود وعيدان، كوز
_________________
(١) مؤنث ندمان بمعنى نديم، أما ندمان " من النوم "فمؤنثه ندمى.
[ ١٥٠ ]
وكيزان، نور ونيران.
٤- فَعَل عينه واو مثل: باب وبيبان، وتاج وتيجان، وجار وجيران، ونار ونيران.
ومما ورد على غير هذا القياس: صِنْو وصنوان، وغزال وغِزْلان، وخروف وخِرفان، وضيف وضيفان، وصبي وصبيان.
١٤ - فُعْلان: جمع الأسماء التي على:
١- فعيل مثل قضيب وقُضبان، وكثيب وكثبان، ورغيف ورُغفان.
٢- فَعَل صحيح العين مثل: حمل وحُملان، وذكر وذُكْران.
٣- فَعْل صحيح العين مثل: ظهر وظُهران، وعبد وعُبدان، وركْب ورُكْبان.
وورد على غير القياس مثل: جُدران، وُحدان، ذؤْبان، رُعيان، شجعان، سودان، بيضان، عُوران، عُميان.
١٥- فُعَلاءُ: ١- جمع صفة مذكر عاقل على وزن فعيل دالة على سجية مثل: نبيه ونبهاء، كريم وكُرماء، أَو مشاركة مثل: جُلَساء، وشُركاء وعُشَراء ونُدَماء.
٢- جمع صفة مذكر عاقل على فاعل مثل: عُلَماء وصلحاء، "شذَّ جُبَناءُ".
١٦- أَفْعِلاءُ: جمع صفة مذكر عاقل على "فعيل" معتلة اللام مثل نبي وأَنبياء أَو مضعف مثل: شديد وأشدّاء، وطبيب وأَطبّاء.
[ ١٥١ ]
١٧- صيغه منتهى الجموع: وهي كل جمع بعد أَلف تكسيره حرفان أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن مثل مدارس ومفاتيح، وصيغه كثيرة بلغت ١٩، إليك أشهرها:
١، ٢- فعالِل وفعاليل: لمجرد الرباعي ومزيده بحرف واحد، وللخماسي مثل: درهم ودراهم، وغَضَنْفر وغضافر، وسَفَرْجَل وسفارج، وعندليب وعنادل، وللثلاثي زيد فيه حرف صحيح مثل: سُنْبُل وسنابل. أَما فعاليل فللرباعي والخماسي اللذين زيد قبل آخرهما حرف علة مثل: قِرْطاس وقراطيس، وفِرْدَوْس وفراديس، ودينار ودنانير، وللثلاثي المزيد فيه مثل: سفُّود وسفافيد، وسِكين وسكاكين.
٣- أَفاعِل: لوزن "أَفْعل" اسمًا أو علمًا أَو اسم تفضيل مثل: أَسود "الأَفعى" وأَساود، أحمد وأَحامد أَفضل وأَفاضل، وللرباعي الذي أَوله همزة زائدة مثل أَصابع وأَنامل وأَرانب.
٤- أَفاعيل: لما زيد فيه مما تقدم في الفقرة السابقة حرف مدّ مثل: أُسلوب وأَساليب، وإِضبارة وأَضابير.
٥- تفاعِل: للرباعي الذي أَوله تاءُ زائدة مثل: تِنبل "قصير" وتنابل، وتجرِبة وتجارب.
٦- تفاعِيل: لما تقدم في الفقرة السابقة وزيد عليه مد قبل
[ ١٥٢ ]
الآخر مثل: تسبيح وتسابيح. تِنْبال وتنابيل.
٧- مفاعِل: للرباعي المبدوءِ بميم زائدة: مسجد ومساجد، مفازة ومفاوز.
٨- مفاعيل: للرباعي المبدوءِ بميم زائدة وقبل آخره مدّ زائد مثل: مصباح ومصابيح، وميثاق ومواثيق.
٩- فواعِل: ١- جمع لرباعي ثالثه واو أَو أَلف زائدتان: خاتم وخواتم، جوهّر وجواهر.
٢- وزن فاعل صفةً لغير عاقل مثل: شاهق وشواهق، وناهد ونواهد.
٣- وزن فاعلة: مثل شاعرة وشواعر.
١٠- فواعيل: لما زاد على ما في الفقرة السابقة حرف مدّ قبل الآخر مثل: طاحون وطواحين، ساطور وسواطير.
١١- فعائل: لما يأْتي: ١- للرباعي قبل آخره حرف مد زائد مثل: لطيفة ولطائف، وكريمة وكرائم.
١٢- فَعالى: جمع لمثل عذراء وغَضبى: عَذارى وغضابى.
١٣- فَعالِي: جمع لمثل تَرْقُوة وموْماة: تراقٍ وموامٍ.
١٢ و١٣ معًا: فعالى وفعالِي جمع لما يلي:
١- اسم على فَعْلى مثل: فتوى وفتاوى أو فتاوٍ
٢- اسم على فِعْلى مثل: ذِفْرى وذفارى أَو ذفارٍ
٣- اسم على فَعْلاء مثل صحراء وصحارى أَو صحارٍ، أَو صفة
[ ١٥٣ ]
لأُنثى لا مذكر لها مثل عذارٍ وعذارى.
٤- صفة لأُنثى لا مذكر لها مثل: حُبْلى وحَبالٍ وحبالى.
١٤- فُعالى: جمع لمثل غضبان وسكران: غُضابى وسُكارى.
١٥- فعاليُّ: جمع لكل ثلاثي انتهى بياءٍ مشددة "لغير النسب" مثل: كرسيٍّ وكراسيّ، وبُختيٍّ وبخاتيّ، وقُمْريٍّ وقماريّ.
ملاحظة: تبين أنهم يحذفون من الاسم الرباعي المزيد بحرف حرفَه الزائد مثل غضنفر وغضافر، واحرنجام وحراجم، ويستبقون من الثلاثي المزيد الزائد الأول مثل: مقتحم ومقاحم، ومستدعٍ ومداع، ومخشوشن ومخاشن، ومختار ومخاير، ومنقاد ومقاود.
أي أن الميم أوْلى بالبقاء ثم التاء ثم النون أما السين فليس لها شأن أخواتها. فإن تكافأت الزيادتان تساوى الأمران مثل "سَرَنْدى: سريع" يقولون في جمعها سراند أو سرادي.
أما الخماسي المجرد كسفرجل فقد حذفوا خامسه فقالوا "سفارج"؛ ويجوز زيادة ياء تعويضًا فيقال: سفاريج.
مصطلحات: ١- إن دل الاسم على جمع ولا واحد له من لفظه سموه "اسم جمع" مثل جيش وقبيلة وإبل وغنم، فيعود عليه الضمير مفردًا مراعاة للفظة، أَو جمعًا مراعاة لمعناه مثل "جيشكم ظافر أَو ظافرون". لكن يثنى ويجمع كأَنه مفرد فنقول جيشان وقبائل.
٢- اسم الجنس إذا دل على الجمع وكان الواحد منه بالتاءِ أَو ياءِ النسب سموه اسم جنس جمعي مثل: تمر وتمرة، وسفين وسفينة، وتركٍ وتركيٍّ، وعرب وعربيٍّ.
[ ١٥٤ ]
أَما ما دل على الجنس وصلح للقليل وللكثير فهو اسم الجنس الإِفرادي مثل ماء ولبن وعسل.
٣- جمع الجمع: قد يعامل الجمع معاملة المفرد فيثنى ويجمع ثانية مثل: بيوتات ورجالات وأَفاضلون وصواحبات وهو سماعي.
خاتمة: هناك جموع سماعية لا مفرد لها مثل التعاشيب والتعاصيب والتباشير والأَبابيل "الفرق"، وهناك جموع جمعت على غير مفردها فيقصر فيها على السماع مثل لمحة وملامح، وشبَه ومشابه، وخطر مخاطر وسَم ومسامّ، وحاجة وحوائج، وباطل وأَباطيل، وحديث وأَحاديث، وعروض وأعاريض.
وهنالك كلمات تدل على المفرد والمثنى والجمع معًا مثل الفُلك، هذا جار جُنُبٌ وهؤلاء جيران جُنُبٌ، وهذا خصمٌ عدوٌّ وأُولئك خصومٌ عدوٌّ، وهؤلاء ضيف كرام، وهذا ولد، وهؤلاءِ وَلد.
[ ١٥٥ ]
*
التصغير وأحكامه
الاسم المحوّل إلى صيغة "فُعَيْل" أًو "فُعَيْعِل" أَو "فُعَيْعيل" يقال له الاسم المصغر.
أغراض التصغير: يصغر الاسم لأحد الأَغراض الآتية:
١- الدلالة على صغر حجمه مثل "كُلَيْب" و"كُتَيِّب" و"لُقَيْمة"
٢- الدلالة على تقليل عدده مثل "وُريْقات" و"دُرَيْهمات" و"لُقَيْمات".
٣- الدلالة على قرب زمانه مثل "سافر قُبَيْل العشاء"، أو قرب مكانه مثل "الحقيبة دُوَيْن الرف".
٥- اللدلالة على التعظيم: أَصابتهم دُوَيْهية أَذهلتهم.
٤- الدلالة على التحقير: أَأَلهاك هذا الشويعر؟
٦- الدلالة على التحبيب مثل: في دارك جُوَيْرية كالغُزيّل.
صورة التصغير:
يضم أَول الاسم المراد تصغيره ويفتح الثاني وتزاد ياءٌ بعده مثل: رُجَيْل وكُلَيْب، فإِن زاد الاسم على ثلاثة أحرف كسر الحرف الذي يلي
[ ١٥٦ ]
ياءَ التصغير مثل: "دُرَيْهِم" أَو "عُصَيْفير".
فللثلاثي وزن "فُعَيْل"، ولما فوقه وزن "فُعَيْعِل" مثل "دُرَيْهم وسُفَيْرج" تصغير درهم وسفرجل، و"فُعَيْعيل" لمثل "مِنهاج وعصفور": مُنَيْهيج وعصيفير.
ويلاحظ أَن التصغير كالتكسير فكما قلنا في تكسير الكلمات السابقة دارهم وسفارج ومناهِج وعصافير قلنا في تصغيرها دُرَيْهم وسُفَيْرج ومُنَيْهيج وعُصيْفير، فحذفنا في الطرفين لام سفرجل وقلبنا حرف العلة الذي قبل الآخر ياءً في التصغير والتكسير.
ملاحظة: جرت العرب في التصغير دون التكسير على عدم الاعتداد بتاء التأنيث ولا بألفها المقصورة ولا بألفها الممدودة، ولا بالألف والنون المزيدين في الآخر ولا بياء النسب، ولا بألف مثل "كلمة أصحاب"، فيجرون التصغير على ما قبلها فيقولون في تصغير "ورقة وفُضلى وصحراء وخضراء وعطشان وأصحاب": "وُرَيْقة وفُضَيْلى وصُحَيْراء وخُضَيراء وعُطيَشان وأُصَيْحاب" دون كسر ما بعد ياء التصغير كأنها لا تزال ثلاثية، ويقولون في تصغير مثل "حنظلة وأربعاء وعبقري وزعفران": "حُنَيْظِلة وأُرَيْبِعاء وعُبَيْقري، وزُعَفِران" دون أن يحذفوا في تصغيرها ما كانوا حذفوا في تكسيرها حين قالوا "حناظل وعباقر وزعافير".
أَما فيما عدا ما تقدم فالتصغير كالتكسير يرد الأَشياء إِلى أُصولها ولابدَّ من الانتباه إلى ما يلي:
١- الاسم الثلاثي المؤنث تأْنيثًا معنويًا مثل: شمس وأَرض ودعد تزاد في آخره تاءُ حين التصغير فنقول: شُمَيْسة وأُرَيْضة ودعيْدة.
٢- الاسم المحذوف منه حرف يرد إِليه المحذوف حين التصغير كما
[ ١٥٧ ]
هو الشأْن في التكسير، فكما نقول في تكسير دم وعدة وابن وأَب وأُخت ويد "دماءٌ١ ووعود وأَبناءٌ، وآباءٌ وأَخوات والأَيدي" نقول في تصغيرها: "دُمَيّ، ووُعَيْد، وبُنَيّ وأُبيّ وأُخَيّه، ويُدَيَّة".
٣- إِذا كان ثاني الاسم حرف علة منقلبًا عن غيره رُدَّ إلى أصله كما يردُّ حين التكسير، فكما نقول في تكسير "ميزان ودينار وباب وناب": "موازين ودنانير وأَبواب وأَنياب" نقول في التصغير: "مويْزين ودُنَيْنير، وبُوَيْب ونُييْب".
تنبيهان: ١- الأَلف الزائدة في اسم الفاعل، والمنقلبة عن همزة مثل "آدم" والمجهولة الأَصل كالتي في "عاج" تقلب جميعًا واوًا في التصغير فنقول: شُويْعِر وأُوَيْدِم، وعُوَيْج.
٢- يختص التصغير بالأَسماء المعربة، وورد عن العرب شذوذًا تصغير بعض أسماءِ الإِشارة والأَسماء الموصولة مثل "اللذيا واللتيّا، تصغير الذي والتي"، وذَيّا تصغير "ذا" وهؤليّاءِ في تصغير هؤلاء، وتصغير بعض أَفعال التعجب مثل "ما أُمَيْلح الغزال" فيقتصر في ذلك على ما سمع ولا يقاس عليه.
_________________
(١) أصل دم: دمو، فلما كسِّرت كان الأصل فيها "دِماو" فلما تطرفت الواو بعد ألف ساكنة قلبت همزة. وفي التصغير الأصل "دُمَيْوٌ" فلما اجتمعت الياء والواو والسابقة منهما ساكنة، قلبت الواو ياء حسب القاعدة الصرفية المشهورة، فصارت دُمَيّ. وكذلك الحال في ابن وأب وأخ.
[ ١٥٨ ]
الشواهد
١- قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
النجاشي الشاعر
٢- دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
أبو تمام في وصف سحابة
٣- ياما أميلح غزلانا شدن لنا من هؤليائكن الضال السمر
٤- وقال أصيحابي: الفرار أو الردى فقلت: هما أمران أحلاهما مر
أبو فراس الحمداني
٥- "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " حديث شريف يخاطب طفلا، والنغير طائرة
٦- وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر نتها الأنامل
زهير
[ ١٥٩ ]
*
النسبة وأحكامها
إذا أَلحقتَ بآخر اسم ما مثل "دمشق" ياء مشددة للدلالة على نسبة شيءٍ إليه فقد صيرته اسمًا منسوبًا فتقول: "هذا نسجٌ دمشقيٌّ"، وإضافتك الياءَ المشددة إِليه مع كسر آخره هو النسبة. وينتقل الإِعراب من حرفه الأخير إلى الياء المشددة.
يعتري الاسم المنسوب مع التغيير اللفظي المتقدم تغييرٌ آخر هو اكتسابه الوصفية بعد أَن كان جامدًا ويعمل عمل اسم المفعول في رفعه نائبَ فاعل ظاهرًا أَو مضمرًا مثل: "هذا نسج دمشقيٌّ صنعُه، هذا نسج دمشقي" لأَن معنى دمشقي "منسوب إلى دمشق"، فنائب الفاعل في المثال الأول "صنعُه" وفي المثال الثاني ضمير مستتر تقديره "هو" يعود على "نسج"، كما لو قلت "يُنْسَب إِلى دمشق".
قاعدة النسبة:
الأَصل أَن تكسر آخر الاسم الذي تريد النسبة إِليه ثم تلحقه ياءً مشددة من غير تغيير فيه مثل "علم: علمي، طرابلس: طرابلسي، خلق: خلقي..إلخ"
[ ١٦٠ ]
لكن الاستقصاءَ دل على أَن كثيرًا من الأَسماء يعتريها بعض تغيير حين النسب نظرًا لأَحوال خاصة بها وإِليك هذه التغييرات:
١- المختوم بتاء التأنيث: تحذف تاؤُه حين النسب مثل: "فاطمة، مكة، شيعة، طلحة" تصبح بعد النسب: فاطمي، مكي، شيعي، طلحي.
٢- المقصور: إن كانت أَلفه ثالثة مثل "فتى وعصا" قلبت واوًا فنقول: "فتوِيّ وعصويّ".
وإِن كانت رابعة فصاعدًا حذفت، فمثل: "بردى وبُشْرى ودوما ومصطفى وبخارى ومستشفى" تصبح بعد النسب: "بردِيّ وبُشْري، ودُومِيّ، ومصطفيّ، وبخاريَ، ومستشفيّ".
أجازوا في الرباعي الساكن الثاني مثل بُشْرى وطنطا قلب ألفها المقصورة واوًا فيقال: بُشْروي وطنطوي، وزيادة ألف قبل الواو فيقال: بشراوي وطنطاوي؛ إلا أن الحذف فيما كانت أَلفه للتأنيث كبشرى أحسن. وقلب الأَلف واوًا فيما عداها مثل "مسعى" أحسن.
٣- المنقوص: يعامل معاملة المقصور فتقلب ياؤه الثالثة واوًا مثل "القلب العمي" تصبح في النسب "القلب العمويّ"، وتحذف أَلفه الرابعة فصاعدًا مثل "القاضي الرامي، والمعتدي، والمستقصي" فتصبح بعد النسب "القاضيّ الراميُّ، والمعتديّ، والمستقصيّ".
ويجوز في ذي الياء الرابعة إذا كان ساكن الثاني قبلها واوًا أيضًا فنقول: القاضوي الراموي، ونقول في تربية: ترْبِيّ وتربويّ، وفي مقضيّ "اسم المفعول" مقضيّ ومقضوي.
٤- الممدود: إن كانت أَلفه للتأْنيث قلبت واوًا وجوبًا، فقلت في النسبة إلى صحراء وحمراء: صحراوي وحمراوي.
[ ١٦١ ]
وإِن لم تكن للتأْنيث بقيت على حالها دون تغيير، فننسب إلى المنتهي بأَلف أَصلية مثل وضَّاء وقُرّاء "بمعنى نظيف وناسك" بقولنا: قرائيّ ووضائيّ، وإِلى المنتهي بهمزة منقلبة عن واو مثل "كساء" أَو ياء مثل "بناء" بقولنا: كسائي وبنائي، وإلى المنتهي بهمزة مزيدة للإِلحاق مثل "عِلْباء وحِرْباء" بقولنا: علبائي وحِربائي.
وأجازوا قلبها واوًا في المنقلبة عن أَصل وفي المزيدة للإِلحاق فقالوا: كسائي وكساوي، وبنائي وبناوي، وعلبائي وحربائي وعلباوي وحرباوي. وعدم القلب أحسن.
٥- المختوم بياء مشددة: إذا كانت الياءُ المشددة بعد حرف واحد مثل "حيّ" و"طيّ" رددتَ الياء الأُولى إلى أَصلها الواو أَو الياء وقلبت الثانية واوًا فقلت: حيوي وطووي.
وإن كانت بعد حرفين مثل "عليّ وقُصيّ" حذفت الياء الأُولى وفتحت ما قبلها وقلبت الياء الثانية واوًا فقلت: علَويّ وقُصويّ.
وإن كانت بعد ثلاثة أَحرف فصاعدًا حذفتها فقلت في النسبة إلى "كرسيّ وبختيّ والشافعي": كرسِيّ وبختيّ والشافعي. فيصبح لفظ المنسوب ولفظ المنسوب إليه واحدًا وإن اختلف التقدير١.
_________________
(١) فياء النسب غير الياء المشددة الأصلية، ويظهر ثمرة ذلك فيما يلي: لو سمينا رجلًا بـ "قماريّ" جمع "قُمري" فاسمه ممنوع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع، فإذا نسبنا إليه حذفنا ياءه المشددة الأصلية فبقي "قمار" مثل "سحاب" وهي مصروفة فإذا ألحقنا بها ياء النسب بقيت مصروفة وهي خارجة عن وزن صيغة منتهى الجموع لأن ياء النسب على نية الانفصال فلا اعتداد بها.
[ ١٦٢ ]
٦- فُعَيْلة أو فَعيلة أو فَعولة في الأعلام١ مثل جُهَيْنة وربيعة وشنوءَة: تحذف ياؤُهن عند النسب ويفتح ما قبلها فنقول: جُهَنيّ وَرَبَعيّ وشَنئيّ، بشرط ألا يكون الاسم مضعَّفًا مثل "قُلَيْلة" ولا واوي العين مثل "طويلة" فإن هذين يتبعان القاعدة العامة.
٧- ما توسطه ياء مشددة مكسورة: مثل طيِّب وغُزَيِّل وحُمَيِّر، تحذف ياؤُه الثانية عند النسب فنقول طيْبِيّ وغُزَيْليّ وحُمَيْريّ.
٨- الثلاثي المكسور العين: تفتح عينه تخفيفًاَ عند النسب مثل: إِبِل، ودُئل "اسم علم"، ونَمِر، ومِلك فنقول: إِبَليّ، ودُؤَليَ، ونَمَرِيّ، ومَلَكيّ.
٩- الثلاثي المحذوف اللام: مثل أَب وابن وأَخ وأُخت وأَمة ودم وسَنةٍ وشفة وعَمٍ وغدٍ ولغةٍ ومئةٍ ويدٍ، ترد غِليه لامه عند النسب فنقول: أَبويّ وبَنَويّ وأَخويّ، وأُمويّ ودموي وسنوي وشجوي وشفهي "أَو شفوي" وعمَوي وغدَوي ولُغَوي، ومئوي ويدوي.
١٠- الثلاثي المحذوف الفاء، الصحيح اللام منه مثل "عدة وزنة" ينسب إليه على لفظة فنقول: عِديّ وزِنيّ، والمعتل اللام منه مثل شية "من وشى" ودية "من ودى". يرد إليه المحذوف فنقول في النسب إِليهما: وِشَوِيّ، وِدَوِيّ.
١١- المثنى والجمع: إذا أُريد النسب إلى المثنى والجمع رددتهما
_________________
(١) جمهور المؤلفين لا يشترطون العلمية في هذه الأوزان، لكن تتبع ما ورد عن العرب يوحي بهذا الشرط وإذًا تكون النسبة إلى "طبيعة وبديهة وسليقة": "طبيعي وبديهي وسليقي"، على القاعدة العامة.
[ ١٦٣ ]
إلى المفرد فالنسب إلى اليدين والأَخلاق والفرائض والآداب والمنْخَرين: يدوي وخُلُقي وفَرَضي وأَدبي ومِنخري.
فإن لم يكن للجمع واحد من لفظه مثل أَبابيل، ومحاسن، أَو كان من أَسماء الجموع مثل قوم ومعشر، أَو من أَسماءِ الجنس الجمعي مثل عرب وترك وورق، أَبقيتها على حالها في النسب فقلت: أَبابيليّ ومحاسنيّ وقوميّ ومعشريّ وعربيّ وتركيّ.
وما أُلحق بالمثنى والجمع السالم عاملته معاملته مثل بنين، واثنين، وثلاثينّ، فالنسبة إِليها: بنويّ وإثني "أَو ثنوي" وثَلاثي.
وأما الأعلام المنقولة عن المثنى أو الجمع فإن كانت منقولة عن جمع تكسير مثل أوزاع وأَنمار نسبت إليها على لفظها فقلت: أَوزاعي وأَنماري. وما جرى مجرى العلم عومل معاملته فنقول ناسبًا إلى الأَنصار: أَنصاري.
فإن كانت منقولة عن مثنى مثل الحسنيْن والحرمين أو جمع سالم مثل "عابدون" و"أَذرعات" و"عرفات" رددته إلى مفرده إن كان يعرب إعراب المثنى أو الجمع فقلت: حسنيّ، حرميّ، عابديّ، أَذرعي وعرَفي.
وإن أعربت بالحركات مثل زيدونٍ وحمدونٍ، وزيدانٍ وحمدانٍ وعابدينٍ نسبت على لفظها فقلت: زيدوني وحمدوني وزيداني وحمداني وعابديني.
وإذا عدل بالعلم المجموع جمع مؤنث سالمًا إلى إعرابه إعرابَ ما لا ينصرف مثل "دعْدات وتمرات ومؤمنات" حذفت التاء ونسبت إلى ما بقي كأَنها أسماءٌ مقصورة فقلت دعْدي ودعْدوي، وتمَري ومؤمنيّ.
[ ١٦٤ ]
١٢- المركب: ينسب إلى صدره سواءٌ أَكان تركيبه تركيبًا إسناديًا مثل "تأَبط شرًّا" و"جاد الحق"، أَم كان تركيبًا مزجيًا مثل بعلبك ومعد يكرب، أَو كان تركيبًا إضافيًا مثل: تيم اللات وامرئ القيس ورأس بعلبك ومُلاعب الأَسنة.. تنسب في الجميع إلى الصدر فتقول: تأَبطيّ، وجاديّ، وبعليّ، ومعدويّ، وتيميّ، وامرئي، ورأسي، وملاعبيّ.
فإن صُدِّر المركب الإضافي بأَب أَو أُم أَو ابن مثل أَبي بكر وأُم الخير، وابن عباس، نسبت إلى العجز فقلت: بكري، وخيري، وعباسي.
وكذلك إذا أَوقعتِ النسبةُ إلى الصدر في التباس كأَن تنسب إلى عبد المطلب وعبد مناف وعبد الدار وعبد الواحد، ومجدل عنجر، ومجدل شمس، فتقول: مطلبي ومنافي وداري وواحدي وعنجري وشمسي١.
شواذ النسب:
الحق أَنهم ترخصوا في باب النسب ما لم يترخصوا في غيره، ويكاد أَكثر هذه الأحوال التي مرت بك تكون خروجًا على القاعدة العامة للنسب حتى ظن بعضهم أن شواذ هذا الباب تعدل مقيسه.
_________________
(١) ومع هذا لابدَّ من مراعاة السماع فقد قالوا: "حضرمي" نسبة إلى حضرموت وكان القياس أن يقولوا حضْري، وقالوا: عبشمي نسبة إلى عبد شمس، وعبدري نسبة إلى عبد الدار، وتيملي نسبة إلى تيم اللات نسبوا عن طريق النحت. ومنهم من يقول بعلبكي ومعديكربي.. ينسب إلى الجزأين معًا مركبين، أو منفصلين: بعلي بكي ومعدوي كربي كما فعل الشاعر حين نسب إلى رام هرمز: تزوجتها رامية هرمزية بفضلة ما أعطى الأمير من الرزق
[ ١٦٥ ]
وهم يميلون إلى الخفة في النسب إلى الأعلام لكثرة دورانها على الأَلسنة. وثمة أَعلام غير قليلة لا تنطبق على حالة من الأحوال الاثنتي عشرة التي تقدمت، سموها شواذ النسب، أَرى أَن أُسميها المنسوبات السماعية:
أَموي نسبة إلى أُمية سلمى نسبة إِلى قبيلة سُلَيْم
بَحراني نسبة إلى البحرين سُهْلي نسبة إلى السَّهل
بَدَوي نسبة إلى البادية شآمٍ نسبة إلى الشام
براني نسبة إلى بَرِّ شعراني "غزير الشعر" نسبة إلى الشعر
بِصري نسبة إلى البَصرة عَتَكي نسبة إلى عَتِيك
تحتاني نسبة إلى تحت فوقاني نسبة إلى فوق
تَهامٍ نسبة إلى تهامة قُرَشي نسبة إلى قريش
ثقفي نسبة إلى قبيلة ثَقَيف لحياني "عظيم اللحية" نسبة إلى اللحية
جَلولي نسبة إلى جَلولاء "في فارس" مَرْوَزي نسبة إلى مرو الشاهجان "في فارس"
جواني نسبة إلى جو
مروَروذي نسبة إلى مرو الروذ"في فارس"
حَروري نسبة إلى حروراء هُذلي نسبة إلى قبية هُذَيْل
دُهْري نسبة إلى الدهر وحْداني سبة إلى الوحدة
رازي نسبة إلى الريّ "في فارس" يمانٍ نسبة إلى اليمن
رَقْباني "عظيم الرقبة" نسبة إلى الرقبة روحاني نسبة إلى الروح
وقد يتبعون في أكثر هذه الكلمات القواعد المتقدمة وهو الأحكم.
[ ١٦٦ ]
ولا يجوز بحال أن يقاس على هذه الشواذ وإنما تتبع في أَمثالها القواعد المقررة.
خاتمة:
وقع أن استغنوا عن ياء النسب بصوغ الاسم المراد النسبة إليه على أحد الأوزان الآتية للدلالة على شيء من معنى النسبة:
١- فاعل للدلالة على معنى "صاحب شيء" مثل تامر وطاعم ولابسٍ وكاسٍ بمعنى ذي تمر وذي طعام وذي لبن وذي كسوة بدل أن يقولوا تمري وطعامي ولبني وكسوي.
٢- فعّال، للدلالة على ذي حرفةٍ ما مثل نجار وحداد وخياط وعطار وبزاز إلخ، ومثل ما أنا ظلام "لا ينسب إليَّ ظلم" أو أي شيء ما وهو أبعد ما يكون عن المبالغة التي تفيدها الصيغة.
٣- فَعِل، بمعنى "صاحب شيء" مثل، طَعِم، لَبِس، لَبِن، نَهِر.
٤- مِفْعال، بمعنى "صاحب شيء" مثل مِعْطار بمعنى صاحب عطر.
٥- مِفْعيل، بمعنى "صاحب شيء" مثل مِحْضِير بمعنى صاحب حُضر "سرعة جرْي".
[ ١٦٧ ]
الشواهد:
١- ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدٍ﴾
٢- "أَحرورية أَنت؟! "السيدة عائشة لامرأة
٣- وليس بذي رمح فيطعُنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
امرؤ القيس
٤- إِذا المرَئيُّ شبَّ له بنات عقدن برأْسه إِبَةً وعارا
مرئي: من قبيلة امرئ القيس، إبةَ: خزي. ذو الرمة
٥- يعد الناسبون إلى معد بيوت المجد أربعة كبارا
ويخرج منهم المرئيُّ لغوًا كما أَلغيت في الدية الحُوارا
الحوار: ولد الناقة. جرير
٦- وتضحك مني شيخة عبشمية كأَنْ لم تريْ قبلي أسيرًا يمانيا
عبد يغوث الحارثي
٧- أَلا يا ديار الحي بالسبعانِ أَملَّ عليها بالبلى الملوان
ابن مقبل
٨- "اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف" حديث
[ ١٦٨ ]
٩- دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أَنت الطاعم الكاسي
الحطيئة
١٠- لست بليلي ولكني نَهِرْ لا أدلج الليل ولكن أَبتكر
رواه سيبويه
١١- وغررتني وزعمت أَنك لابنٌ في الصيف تامر
الحطيئة
١٢- ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقيٌّ يقول فيعربُ
أبو مروان النحوي
[ ١٦٩ ]
*
الأسماء المبنية
الأَصل في الأَسماءِ أن تكون معربة، والإِعراب ظاهرة مطردة فيها. ولكنَّ أَسماء قليلة أَتت مبنية. ويعنينا منها هنا ما يطَّرد فيه البناءُ قياسًا لأَنه ذو جدوى عملية، وقبل بيان ما يطَّرد بناؤُه من الأَسماء، نعرض بإِيجاز للمبني سماعًا، فقد درج النحاة على التماس علل لبنائه نلخصها فيما يلي:
البناءُ سمة الحروف، وإنما بني ما بني من الأَسماء لشبهه بالحرف في وجه من الأَوجه الأَربعة الآتية:
١- الشبه الوضعي: بأَن يكون الاسم على حرف أو حرفين كالضمائر ذهبْتُ، ذهبنا، ذهبتم، هو، هي، إلخ..
٢- الشبه المعنوي: لدلالتها على معنى يعبر عما يشبهه عادة بالحرف، فنحن نعرف أَن التمني والترجي والتوكيد والجواب والتنبيه والنفي يعبر عنها بالحروف، فما أشبهها من المعاني كالشرط والاستفهام، يعبر عنهما بالحرف تارة وبالاسم تارة، ويلحق بهما الإِشارة، ولهذا الشبه المعنوي بنيت أسماءُ الشرط وأَسماء الاستفهام وأَسماءُ الإِشارة.
٣- الشبه الافتقاري: الحرف لايدل على معنى مستقل بنفسه،
[ ١٧٠ ]
فهو مفتقر إلى غيره حتى يفيد معنىً ما. ويلحق بالحروف في هذا: الأَسماءُ الموصولة فهي لا تفيد إلا إِذا وصلت بجملة تسمى صلة الموصول فجعلوا هذا الافتقار علة بنائها.
٤- الافتقار الاستعمالي: من الحروف ما يؤثر في غيره ولا يتأَثر وهي الأَحرف العاملة كالنواصب والجوازم، ويشبهها في التأْثير وعدم التأَثر أَسماءُ الأَفعال، فكان هذا الشبه علة بناءٍ أَسماءِ الأَفعال عندهم.
ومن الحروف ما لا يؤثر ولا يتأَثر، كالأَحرف غير العاملة، مثل أَحرف الجواب "نعم، بلى"، وأَحرف التنبيه، ويشبهها في ذلك أَسماءُ الأَصوات، فهي لا تعمل في غيرها، ولا يعمل غيرها فيها. فمن هنا بنيت على ما قالوا.
وهذه الأَسماءُ كلها مبنية سماعًا. ومن المبني سماعًا أيضًا بعض الظروف مثل "حيث، إِذا، الآن، إِذ، إلخ.." وكل هذه المبنيات لا يخطئُ أَحد في استعمالها على ما سمعت عليه إذ لا قاعدة لها. لكن هناك قواعد لبناءِ الأَسماء المعربة على الضم أَو الفتح أَو الكسر، إن أُريد منها معنى خاص أَو استعمال خاص، هي التي تحتاج إلى بيان:
١- يطرد البناء على الفتح في المواضع الآتية:
أَ-كل ما ركب تركيب مزج أَصاره كالكلمة الواحدة:
١- من الظروف، زمانية أَو مكانية مثل: أَقرأُ صباحَ مساءَ - اختلفوا فريقين ووقف خالد بينَ بينَ "أَي بين الفريق الأَول والفريق الثاني".
[ ١٧١ ]
٢- ومن الأحوال١ مثل: جاورني بيتَ بيتَ "أَي ملاصقًا بيتًا لبيتٍ" تساقطوا أَخول أَخولَ "أي متفرقين" ومثلها تفرقوا شَذَرَ مَذرَ.
٣- ومن الأَعداد وهي أَحدَ عشر إِلى تسعة عشر، باستنثاء "اثني عشر واثنتي عشرة فإِنهما معربتان".
٤- ومن الأَعلام "الجزءُ الأَول فقط" مثل: بعلبَك، بُختَنصر حضرَموتَ.
ب- يجوز بناءُ أَسماءِ الزمان المبهمة إِذا أُضيفت لجملة مثل: "على حينَ عاتبت المشيبَ على الصبا، هذه ساعَةُ يربح المجتهد" إِلا أَن البناءَ أَحسن إِذا ولي الأَسماءَ مبني كالمثال الأَول، والإِعراب أَحسن إِذا وليه معرب كالمثال الثاني، فرفع "ساعة" أَفصح من بنائها لأَن ما بعدها فعل مضارع معرب.
جـ - ويجوز بناءُ المبهمات حين تضاف إلى مبني مثل: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ و﴿مِنّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ و"ساءَني إِخفاقُ يومَئِذٍ". وإِعراب ذلك كله جائز أيضًا فتقول: تقطع بينُكم، منا دونُ ذلك. إِخفاق يومِئذ.
د- اسم لا النافية للجنس إِذا كان غير مثنى ولا جمعًا سالمًا للمذكر أَو للمؤنث، تقول: لا رجلَ في القاعة، لا طلابَ في المدرسة.
أما المثنى وجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم، فتبنى مع لا على ما تنصب به كما هو معلوم، إلا أنهم جوزوا بناء جمع المؤنث السالم على الفتح في بعض اللغات، فعلى هذا
_________________
(١) ورد التركيب في غير الظرف والعدد والحال مثل قولهم: "وقعوا في حيص وبيص" أي في شدة، فيحفظ ولا يقاس عليه.
[ ١٧٢ ]
يجوز بناء "لا طالباتَِ في القاعة" على الفتح وعلى الكسر.
٢- ويطرد بناء الاسم على الكسر في المواضع الآتية:
أَ- وزن "فعالِ" وقد جاءَ هذا الوزن:
١- في أَعلام الإِناث مثل "حذامِ قطامِ" تقول: "جاءَت قطامِ مستبشرة"١.
٢- في سبهنَّ مثل "يا خباثِ تجنبي الأَذى".
٣- في أَسماءِ فعل الأَمر وستمر بك مثل: حذارِ أَن تكذبوا.
ب- كل ما ختم بـ"ويهِ" من الأَسماء الأَعجمية مثل "سيبويه، نِفْطويْه، دُرُسْتَويه" تقول: "كان سيبويه رأْس النحاة".
٣- ويطَّرد البناءُ على الضم في كل ما قُطع عن الإِضافة من المبهمات مثل: "أَتعتذر بسفر أَبيك؟ أَعرفك من قبلُ ومن بعدُ" أَي: من قبل السفر ومن بعده. فالبناءُ على الضم هنا دليل على أَن هناك مضافًا إِليه محذوفًا لفظًا، ملاحَظًا معنىً. ومثله: "صدر الأَمر من فوقُ" أَي "من فوقنا". و"بقي ساعتان ليس غيرُ" أَي "ليس غيرهما باقيًا".
فإِذا لم يكن المضاف إليه منويًا أُعرب المبهم تقول: "عُذبت قبلًا" أَي في زمن من الأَزمان الماضية.
_________________
(١) بناء هذا الوزن في الأعلام على الكسر لغة أهل الحجاز، وهي اللغة الشائعة. أما نبو تميم فمنهم من يعربها إعراب ما لا ينصرف فيقول: "جاءت قطامُ ورأيت قطامَ، ومررت بقطامَ". وأكثرهم يبني على الكسر ما ختم بالراء منها مثل: "سفارِ، وبارِ" ويجري الباقي إجراء ما لا ينصرف.
[ ١٧٣ ]
ولا يخفى أن الظرف المبني هنا معرفة، وما نُوّن فلم يَبنَ فهو نكرة.
هذا ولا ينس القارئُ أن المنادى المفرد المعرفة والنكرة المقصودة مبنيان على الضم دائمًا مثل: "يا عديُّ، يا رجالُ" وأَن "أَيّ" الموصولية يجوز بناؤُها على الضم إِذا أُضيفت وحذف صدر صلتها، مثل: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكَى طَعامًا﴾، وإِعرابها جائز.
[ ١٧٤ ]
الشواهد:
"أ"
١- نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بينَ بينا
عبيد بن الأبرص
٢- هذا لعمركمُ الصغارُ بعينه لا أُمَّ لي إِن كان ذاك ولا أَبُ
همام بن مرة
٣- على حينَ عاتبت المشيب على الصبا وقلت: أَلما أَصْحُ شيب وازع
النابغة
٤- ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٥/١٢٢]
٥- ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ ِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [سورة هود: ١١/٦٦]
٦- ثم تفري اللُجْم من تَعْدائها فهي من تحتُ مُشيحاتُ الحُزُم١
طرفة
_________________
(١) المشيح: المقبل عليك، وأشاح بوجهه: أعرض، والمشيح الحذر أيضا والجاد.
[ ١٧٥ ]
٧- وساغ لي الطعام وكنت قبلًا أَكاد أَغصُّ بالماءِ الفرات
يزيد بن الصعق
٨- ولقد سددت عليك كلَّ ثنية وأَتيت فوق بني كليب من علُ
الفرزدق
٩- مِكرٍ مفرٍ مقبل مدبرٍ معًا كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من علِ
امرؤ القيس
١٠- إِذا قالت حَذامِ فصدقوها فإِن القول ما قالت حَذامِ
لجيم بن صعب
١١- نَعاءِ أَبا ليلى لكل طِمِرَّة
وجرداءَ مثلِ القوس سمحٍ حجولها
طمرة: فرس، سمح: واسع.جرير
١٢- اليوم أَعلم ما يجيءُ به ومضى بفصل قضائه أَمسِ
تبع بن الأقرن
١٣- ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٩/٦٩]
١٤- إِذا أَنا لم أُومَنْ عليك ولم يكن لقاؤُك إِلا من وراءُ وراءُ
عتي بن مالك العقيلي
١٥- ونحن قتلنا الاسدَ أُسد خفية فما شربوا بعدًا على لذة خمرا
عقيلي
١٧- لعن الإِله تَعِلَّة بن مسافر لعنًا يُشَنُّ عليه من قدامُ
تميمي
_________________
(١) سفار: منهل ماء بين المدينة والبصرة. المستجير: المستسقي. المعور: الذي لا يسقي.
[ ١٧٦ ]
"ب"
١٨- سلام الله يا مطرٌ عليها وليس عليك يا مطرُ السلام
الأحوص
١٩- ضربتْ صدرها إِليَّ وقالت يا عديًّا لقد وقتك الأَواقي
عدي أخو المهلهل
٢٠- آتٍ الرزقُ يومَ يومَ فأَجملْ طلبًا وابغ للقيامة زادا؟
٢١- أُطوف ما أُطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لَكاعِ
الحطيئة
٢٢- أَلم تريا أَني حميت حقيقتي وباشرت حدَّ الموتِ والموتُ ونُها؟
٢٣- تراكِها من إِبلٍ تراكِها
أَما ترى الموت لدى أَوراكِها؟
٢٤- ومرَّ دهر على وبارِ فهلكت جهرةً وبارُ
الأعشى
[ ١٧٧ ]
*
الاسم المنون وغير المنون
الكثرة الغالبة من الأسماء يدخلها التنوين في حالات إِعرابها كلها رفعًا ونصبًا وجرًا مثل "هذا طائرٌ - رأَيت طائرًا - نظرت إِلى طائر" ويقال لهذا التنوين تنوين التمكين، وقد مر بك حال الأَسماء المبنية التي تلازم حالة واحدة ولا يدخلها تنوين التمكين، لكن هناك أَسماء قليلة معربة غير مبنية تعامل بينَ بينَ: فلا يلحقها التنوين إِلا في الضرورات الشعرية وما إليها، وتجر بفتحة بدل الكسرة في أَغلب أَحوالها، ولا تجر بكسرة إلا إِذا دخلتها "الـ" أَو أُضيفت مثل "أَفضل" تقول: "مررت برجلٍ أَفضلَ منك" فإذا أضفتها أَو عرَّفتها جررتها بالكسرة فتقول: "مررت بأَفضلِ الرجال - مررت بالأَفضلِ".
وتسمى هذه الأَسماءُ بغير المنونة أو بالممنوعة من الصرف، وبعض قدماءِ النحاة يسميها: "ما لا يُجْرى" ويسمى الأَسماءَ المنونة: "ما يُجْرى" فالصرف هنا والتنوين والإِجراءُ اصطلاحات بمعنى واحد يراد بها التنوين والجر بالكسرة.
وإِليك ضوابط هذه الأَسماء غير المنونة:
الأَسماءُ غير المنونة ثلاثة: أَعلام، وصفات، وما ختم بأَلف تأْنيث
[ ١٧٨ ]
أَو كان على صيغة منتهى الجموع:
أ- فأما الأعلام فتمتنع في ستة مواضع:
مع العجمة، والتأْنيث، وزيادة الأَلف والنون، والتركيب المزجي، ووزن الفعل، والعدل، وهذا بيانها:
١- إذا كانت أعجمية، تقول: قابل إِبراهيمُ شمعونَ في إِزميرَ. فإِن كان العلم الأَعجمي ثلاثيًا ساكن الوسط نوّن لخفَّته تقول: اعتذر جاكٌ إِلى جرجٍ أَمس١.
وظاهر أَن الاسم الأَعجمي إِذا لم يكن علمًا في لغته لم يمنع من التنوين فلو سميت طفلًا بكلمة "لا لُون" التي تعني بالفرنسية "القمر" نونت الاسم فتقول: "مررت بلا لُونٍ يأْكل".
وكذلك إن لم تقصد العلمية نونت، تقول مثلًا: "أَقبل طنوسُ مع طنُّوسٍ آخر" فطنُّوس الأُولى علم ولذا لم تنون، أما الثانية فمعناها "آخر يسمى بطنوس" فهي عندك نكرة لا علم ولذا نوّنت.
٢- إذا كانت مؤنثة الأَصل مثل: "قدّمتْ نائلةُ إلى سعادَ وأَخيها طلحةَ هديةً"، سواءٌ أَسميت بها مذكرًا أَم مؤنثًا.
وجوّزوا تنوين الثلاثي الساكن الوسط منها مثل "دعد" تقول: "مررت بدعدٍ صباحًا٢" ما لم يكن أعجميًا فقد التزموا منعه التنوين
_________________
(١) ومن النحاة من ينون الثلاثي المتحرك الوسط أيضا.
(٢) فإن سميت بها مذكرا نونتها حتما. وإن سميت أنثى باسم مذكر على هذا الوزن منعته وجوبا تقول: هذه زيد جارتك
[ ١٧٩ ]
مثل: "سافرت روزُ من حمصَ قاصدة إِلى نيسَ".
وإِذا كان تأْنيث العلم عارضًا كالمصادر مثلًا: "وداد، نجاح" أَو الأَسماء المذكرة مثل "رباب" منعتها التنوين إِن سميت بها الإناث، ونونتها إِن سميت بها الذكور تقول: "تجتهد ودادُ مع أَخيها نجاحٍ. سافر ودادٌ مع أُختيه ربابَ ونجاحَ أَمس".
هذا ولابدَّ من مراعاة المعنى في أشباه ذلك كأَسماء القبائل والبلاد، فالاسمان "تميم وهذيل" مثلًا ينونونهما على اعتبار كل منهما اسمًا لجدّ القبيلة وأن قبله مضافًا محذوفًا هو "بنو". فلما حذفت حل محلها في إعرابها المضاف إليه، ويمنعونهما التنوين على اعتبارهما اسمين لقبيلتين فيقولون: "أقبلت هذيلٌ تحارب تميمًا" أو: "أقبلت هذيلُ تحارب تميمَ"، فإذا ذكر المحذوف نون اسم القبيلة حتمًا إن لم يكن ثمة مانع آخر فيقولون: "أقبلت بنو هذيلٍ تحارب بني تميمٍ".
وكذلك أسماء البلاد والمواضع مثل: "جلجل، عكاظ" ينونونهما على معنى "المكان" ويمنعونهما على معنى "الأرض" أو البلدة.
٣- مع زيادة الأَلف والنون مثل: عدنان، عمران، عثمان، غطفان.
٤- مع التركيب المزجي وهو أَن تعتبر الكلمتان كلمة واحدة فيبنى جزؤُها الأَول على الفتح "كما مرّ بك ص١٧٢" ويعرب الجزءُ الثاني إِعراب الممنوع من الصرف: "لم يعرّج بختَنصّرُ على بعلَبكَّ ولا حضرَموتَ".
٥- إِذا كان العلم على وزن خاص بالفعل أَو يغلب فيه مثل: "تغلب، يزيد، شمَّر، أَسعد، إِصبعْ" تقول: "طاف يزيدُ وأَسعدُ في قبائل تغلبَ وشمَّرَ ودُئِلَ وكليب وقريشٍ".
ولك في الأعلام المنقولة عن الأفعال أن تعربها إعراب الاسم الذي لا ينصرف، أو تحكيها على حالها الذي نفلت عنه، والأول أكثر. وإن كان الفعل في أوله ألف وصل قطعتها
[ ١٨٠ ]
عند التسمية بها، فإن سميت بـ"اقطعْ، استغفر" تقول: "جاء إِقطعُ وإستغفرُ". فإن أردت الحكاية قلت "جاء اقطعْ واستغفر".
٦- مع العدل، والعدل علة نظرية وذلك أَن هناك خمسة عشر علمًا وردت عن العرب غير منونة على وزن "فُعَل"، و"فُعَل" ليس في أَوزان المشتقات القياسية، فافترضوا أَن أَصل صيغتها "فاعِل" وأَنهم عدلوا فيها عن "فاعل" إلى "فُعَل" فجعلوا ذلك مع العلمية علةَ المنع.
والأَعلام المعدولة هي:
"بُلع، ثعل، جشم، جحى، جمع، دلف، زحل، زفر، عصم، عمر، قثم، قزح، مضر، هذل، هبل".
وأَلحقوا بها مؤكدات الجمع المؤنث وهي: "جُمعَ، كتع، بُصع، بتُع" حين تقول: "قرأ الطالبات كلهنَّ جُمَعُ، فأَثنيت عليهن جمعَ".
والعدل في هذه الأسماءِ الأَربعة ظاهر غير نظري كما كان الحال في سابقاتها، لأَن مؤنث أَجمع: جمعاء، وجمعاءُ تجمع قياسًا على جمعاوات لا على جمع١.
ب- وأَما الصفات فتمتنع مع ثلاثة أوزان. أَفْعل فعلاء، فَعْلان فَعْلى، فُعَل أَو فُعال أَو مَفْعَل":
١- تمتنع الصفة إِذا كانت على وزن أَفعل الذي مؤنثه "فعلاءُ" مثل: أَخضر، أعرج، تقول: "هذا رجلٌ أَعرجُ في حلةٍ خضراءَ".
فإِن كان مؤنث "أفعل" غير "فعلاء" نوّن مثل: "في القاعة
_________________
(١) ومنهم من أضاف إلى هذه الموانع الستة: سابعا هو العلم المسمى باسم آخره ألف للإلحاق مثل " أرطى وذفرى " فإن سميت بهما لم تنون تقول: " مررت بأرطى".
[ ١٨١ ]
رجل أَرملٌ إلى جانب امرأَة أَرملة". وكذلك "أَرنب" و"أَربعٌ" منونان لأَنهما اسمان لا صفتان١.
٢- وإذا كانت على وزن "فعْلان" الذي مؤنثه "فعْلى" مثل: "عطشان، غضبان" تقول: "انظر كل عطشانَ فاسقه وكلَّ غضبان فأَرضه".
وإِن كان مؤنثه على غير "فعْلى" نوّن، تقول: انظر إلى كبش أَليانٍ وغنمةٍ أَليانةٍ فاشترهما٢.
٣- الصفات المعدولة وأَوزانها: فُعَل مثل "أُخَر" ومَفْعل وفُعال مثل "مَرْبعَ ورُباع" تقول: "أَقبل المدعواتُ ونساءٌ أُخَرُ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، أَو مَثْلثَ ومَرْبَع.. إلخ".
والعجل ظاهر في الأَعداد فإن هذه الصفات تقاس من الأَعداد حتى العشرة، فمربع ورُباع معدولتان عن "أَربعة" "وأُحاد ومَوحَد" معدولتان عن "واحد" وهكذا البقية.
أَما أُخَر فمعدولة لأَنها جمع "أُخرَى"، و"أُخرى" مؤنث "آخر" على وزن "أَفعل" اسم تفضيل. والعدل فيها هو خروجها عن قياس أَسماءِ التفضيل التي لا تجمع تقول: "أَقبل المدعوات ونساءٌ أَفضلُ" بصيغة
_________________
(١) منهم من يمنع الاسم من التنوين إن لاحظ فيه معنى الوصف فـ"أحدل" اسم للصقر منون، فإن أريد منه معنى القوة منع التنوين.
(٢) ما يؤنث بالتاء نحو ثلاث عشرة كلمة: أليان "عظيم الألية" حبلان "عظيم البطن"، دخنان "مظلم"، سخنان "حار"، سيفان "طويل"، يوم "صحيان"، صُوحان "يابس الظهر"، علان "كثير النسيان"، قشوان "دقيق ضعيف". مُصّان "لئيم"، موتان "بليد". ندمان "نديم: أما ندمان بمعنى نادم فمؤنثه ندمى". نصران "واحد النصارى".
[ ١٨٢ ]
الإفراد، فعدلوا بـ"آخر" عن قياس أَخواتها وجمعوها فقالوا "ونساءٌ أُخَرُ".
جـ- ما ختم بأَلف تأَنيث أَو كان على وزن صيغة منتهى الجموع:
١-كل اسم آخره أَلف تأْنيث مقصورة مثل "ذِكرى، قتلى، زُلفى" أَو أَلف تأْنيث ممدودة مثل "صَحْراء، شعراء، أَنبياء، عذراء" يمنع التنوين ويجر بالفتحة تقول: مررت في صحراءَ على قتلى كثيرين.
٢- صيغ منتهى الجموع وهي كل جمع يعد أَلف تكسيره حرفان أَو ثلاثة أَوسطها ساكن مثل: "مساجد، مصابيح، شواعر، كراسيّ، مجالٍ" ممنوعة من التنوين، تقول: "أُضيئت مساجدُ عدّةٌ بمصابيحَ وهاجة، جلسوا على كراسيَّ من فضة" والاسم المنقوص الذي على هذه الأَوزان تحذف ياؤُه رفعًا وجرًا ويقدر عليها علامة الإعراب، أَما التنوين الظاهر "هذه مجالٍ واسعة" فتنوين عوض عن الياءِ المحذوفة لا تنوين إعراب.
وما كان على هذه الأَوزان وإِن لم يكن جمعًا عومل معاملتها، فـ"سراويل" مفرد وجمعه سراويلات، وكذا شراحيل، تقول: "لشراحيلَ سراويلُ طويلة".
"وبعضهم ينون سراويل في النكرة فإذا سمى بها رجلًا منعها التنوين".
هذا وكثيرًا ما يرخص للشعراء، فينونون ما حقه المنع للضرورة، وأَقل من ذلك أَن يمنعوا ما حقه التنوين. وربما اعتدَّ العربي برنة الكلام أَكثر من اعتداده بمنع غير المنون، فنوّنه إذا أكسب الجملة وقعًا مستحسنًا.
وزعم بعضهم أن بعض العرب لا يمنع شيئًا من التنوين فليس عنده اسم ممنوع من الصرف.
[ ١٨٣ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ٢/١٨٥]
٢- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة فاطر: ٣٥/١]
٣- ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [سورة نوح: ٧١/٢٣]
٤- أَبوك حُبابٌ سارقُ الضيفِ بُردَه وجديَ يا حجاج فارسُ شَمَّرا
جميل
٥- لم تتلفع بفضل مئزرها دعدٌ ولم تُسق دعدُ في العُلب
جرير
٦- ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [سورة المدثر: ٧٤/٢٦-٢٧، ٤٢]
٧- فهبنا أُمةً هلكت ضياعًا يزيد أَميرها وأَبو يزيد
عقيبة الأسدي
[ ١٨٤ ]
٨- ضحَّوا بأَشمط عنوانُ السجود به يقطِّع الليل تسبيحًا رآنا
لتسمعنَّ قريبًا في ديارهمُ: الله أَكبرُ، يا ثارات عثمانا
حسان
٩- ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ "سلاسل: سلاسلًا" [سورة الإنسان: ٧٦/٤]
"ب"
١٠- كأَن العقَيْليين يومَ لقيتهم فراخُ القطا لاقيْن أَجدل بازيًا
القطامي
١١- فما كان حصن ولا حابس يفوقان مِرداسَ في مجمع
العباس بن مرداس
١٢- فيالك من ليلٍ كأَن نجومه بكل مُغار الفتل شُدَّتْ يذبُلِ
امرؤ القيس
[ ١٨٥ ]
*
المصدر واسم المصدر
مصدر الفعل ما تضمن أَحرفه لفظًا أَو تقديرًا١، دالًا على الحدث مجردًا من الزمن مثل: علِم علْمًا وناضل نضالًا وعلَّم تعليمًا واستغفر استغفارًا.
وإليك أَوزان مصادر الأَفعال الثلاثية فالرباعية فالخماسية فالسداسية.
١- مصدر الثلاثي:
يُظن أن وزنه الأَصلي "فَعْل" لكثرته ولأَن قياس مصدر المرة الآتي بيانه هو "فَعْل".
وأَوزانه كثيرة وهي سماعية، لكل فعل مصدر على وزن خاص، وهناك ضوابط غالبة "غير مطردة" تتبع المعنى وإليك بيانها:
١- الغالب فيما دل على حرفة أَو شبهها أَن يكون على وزن "فِعالة" مثل: تجارة، حدادة، خياطة.. وِزارة، نِيابة، إِمارة، زعامة. إلخ.
٢- الغالب فيما دل على اضطراب أَن يكون على وزن "فَعَلان"
_________________
(١) تقدير أمثل: قاتل قتالا، فإن ألف الفعل قلبت ياء مقدرة مكانها فالأصل " قيتال" فأما " وزن زنة" فإن التاء في المصدر عوض من الواو في الفعل.
[ ١٨٦ ]
مثل فوَران، غلَيان، جولان، جيشان إلخ.
٣- الغالب فيما دل على امتناع أَن يكون على وزن "فعال" مثل: إِباء، جِماح، نِفار، شراد.. إلخ.
٤- الغالب فيما دل على داءٍ أَن يكون على وزن "فُعال" مثل: زُكام، صُداع، دُوار.
٥- الغالب فيما دل على سير أَن يكون على وزن "فعيل" مثل: رحيل، رسيم، ذميل.
٦- الغالب فيما دل على صوت أن يكون على وزن "فُعال" أَو "فَعيل" مثل: عُواء، نُباح، مُواءُ، زئير، نهيق، أَنين.
٧- الغالب فيما دل على لون أَن يكون على وزن "فُعْلة" مثل: صفْرة، خضرة، زرقة.
وفي غير هذه المعاني يغلب أَن يكون مصدر المتعدي من باب "نصَر" و"فهِم" على وزن "فَعْلٍ" كنصْرٍ وفَهْمٍ، ومصدر اللازم من "فَعل" على وزن "فُعول" مثل: صُعود، نزول، جُلوس.
ومصدر اللازم من "فَعِل" على وزن "فَعَلٍ" مثل: ضجر، بطر، عطش، حوَر.
ومصدر اللازم من "فَعُل" على وزن "فُعولة" أَو "فَعالة" مثل: صعوبة وسهولة ونباهة وشجاعة.
وقد يأْتي للفعل الواحد مصدران فأَكثر.
[ ١٨٧ ]
٢- الرباعي:
مصدر الرباعي على "فَعْلَلة" مثل: دحرج دحرجةً، وقليلًا ما يأْتي على وزن "فِعْلال" مثل "دِحْراج"، فإِن كان مضعفًا جاءَ منه الوزنان على حد سواء: زلزل زلزلة وزِلْزالًا.
أَما مصدر الثلاثي المزيد بحرف: فمصدر "فعّل" هو "تفعيل" مثل: حسَّن تحسينًا. فإن كان معتل الآخر جاءَ المصدر على وزن "تَفْعِلة" مثل: زكَّى تزكِية، فالتاءُ عوض من ياء تفعيل.
ومصدر "أَفْعل" هو "إفعال" مثل: أَكرم إِكرامًا.
ومصدر "فاعل" هو "مفاعلة" باطراد، ولكثير من الأَفعال مصدر آخر على وزن "فِعال" مثل: ناضل نضالًا ومناضلة، حاور محاورةً وحِوارًا.
٣- الخماسي مصادره كلها قياسية:
فالرباعي المزيد بحرف "تَفَعْلَل" يأْتي مصدره دائمًا "تَفَعْلُلًا" مثل: تَدحْرَج تَدَحْرُجًا.
والثلاثي المزيد بحرفين من وزن "افْتَعل" مصدره دائمًا على "افتعال" مثل: اجتمع اجتماعًا.
والثلاثي المزيد بحرفين من وزن "انْفعل" مصدره دائمًا على "انفعال" مثل: انطلق انطلاقًا.
والثلاثي المزيد بحرفين من وزن "تفعل" مصدر دائمًا على "تفعُّل" مثل: تكسَّر تكسُّرًا.
[ ١٨٨ ]
والثلاثي المزيد بحرفين من وزن "تفاعل" مصدره دائمًا على "تفاعُلٍ" مثل: تمارض تمارُضًا.
والثلاثي المزيد بحرفين من وزن "افْعَلَّ" مصدره دائمًا على "افعلال" مثل: اصفرَّ اصفرارًا.
٤- السداسي مصادره كلها قياسية أيضًا:
فإِن كان رباعيًا مزيدًا بحرفين فمصدر "افْعلَلَّ" دائمًا على "افْعِلاَّل" مثل: اقشعرَّ اقشعرارًا ومصدر "افعنْلَلَ" دائمًا على "افْعِنْلالٍ" مثل: احرنْجم احرنجامًا١.
وإن كان ثلاثيًا مزيدًا بثلاثة أَحرف فمصدر "استفْعل" دائمًا على "استفعال" مثل: استفهم استفهامًا.
ومصدر "افْعالَّ" دائمًا على "افعيعال" مثل: اصفار٢ اصفيرارًا.
ومصدر "افْعوعل" دائمًا على "افعيعال" مثل: اعشوشب اعشيشابًا.
ومصدر "افْعوَّل" دائمًا على "افعِوَال" مثل: اجلوّذ اجْلِواذًا٣.
وفي جميع هذه الأوزان الخماسية والسداسية كسر الحرف الثالث من الفعل وزيدت ألف قبل الآخر، إلا المبدوء بتاء زائدة فمصدره على وزن ماضيه بضم ما قبل آخره: تقاتلوا تقاتُلًا، تدحرج تدحرجًا.
_________________
(١) احرنجمت الإبل: اجتمعت
(٢) اصفر: صار أصفر دفعة واحدة، أما " اصفار" فصار أصفر بالتدريج.
(٣) اجلوذ البعير أسرع
[ ١٨٩ ]
أنواع المصادر:
١- المصدر الميمي: يبدأُ بميم زائدة وهو من الثلاثي على وزن "مَفعل" مثل: مضرَب، مشرب، مَوْقى. أَما المثال الواوي المحذوف الفاء في المضارع مثل "وعد" فمصدره الميمي على "مفْعِل" مثل موعد١.
ومن غير الثلاثي يكون المصدر الميمي على وزن اسم المفعول: أَسأَمني مُرْتَقَب القطار: ارتقاب.
٢- مصدر المرة: يصاغ للدلالة على عدد وقوع الفعل وهو من الثلاثي على وزن "فَعلة" مثل: أَقرأُ في النهار قَرْأَة وأَكتب كتبتين فأَفرح فرحاتٍ ثلاثًا.
ويصاغ من غير الثلاثي بإضافة تاءٍ إلى المصدر: انطلق انطلاقتين في اليوم.
فإن كان في المصدر تاءٌ، دلَّ على المرة بالوصف فيقال: أَنلْت إِنالة واحدة.
وإِذا كان للفعل مصدران أَتى مصدر المرة من المصدر الأَشهر والأَقيس مثل: زلزله زلزلةً ولا يقال "زلزله زِلزالة".
٣- مصدر الهيئة: يصاغ للدلالة على الصورة التي جرى عليها الفعل، وهو من الثلاثي على وزن "فِعْلة" مثل: يمشي مِشْية المتكبر، فإن كان مصدره على وزن "فِعلة" دللنا على مصدر الهيئة بالوصف أَو بالإضافة
_________________
(١) شذ الكسر في هذه المصادر: "مرجع، مصير، معرفة، مقدرة، مبيت، مشيب، مزيد، محيض، معتبة" وأمثالها فيحافظ على كسر ما ورد مكسورًا.
[ ١٩٠ ]
مثل: ينشد نِشدةً واضحة، نِشْدةَ تلهف.
وليس لغير الثلاثي مصدر هيئة وإِنما يدل عليها بالوصف أَو بالإِضافة مثل: يتنقل تنقُّلَ الخائف، ويستفهم استفهامًا مُلِحًا.
هذا وقد شذَّ مجيءُ وزن "فِعْلة" من غير الثلاثي، فقد سمع للأَفعال الآتية: اختمرت المرأَة خِمرةً حسنة، وانتقبتْ نِقْبة بارعة، واعتم الرجل عِمَّة جميلة.
٤- المصدر الصناعي: يشتق من الكلمات مصدر بزيادة ياءٍ مشددة على آخره بعدها تاء، يقال له المصدر الصناعي مثل: الإِنسانية، الديمقراطية البهيمية، ومثل العالمية، الأَسبقية، الحرية، التعاونية.. لا فرق في ذلك بين الجامد والمشتق.
اسم المصدر:
ما دل على معنى المصدر ونقص عن حروف فعله دون عوض أَو تقدير فهو اسم مصدر مثل: عطاء من "أَعطى إِعطاء"، و"سلام" من "سلَّم تسليمًا"، و"عون" من "أَعان إِعانة"، و"زكاة" من "زكَّى تزكية".
فكلمة "قتال" ليست اسم مصدر من "قاتل" لأَن فيها ياءً مقدرة بعد القاف "قيتال" كما مر بك، و"زنة" ليست اسم مصدر من "وزن" لأَن الواو الناقصة منها عوضت بتاءٍ في الآخر.
ملاحظات ثلاث:
١- يصاغ من الثلاثي مصادر تدل على المبالغة على وزن "تَفْعال"
[ ١٩١ ]
قياسًا مثل تضْراب، تسيار، تَسكاب، وهي مفتوحة التاءِ إِلا في كلمتين تاؤُهما مكسورة هما تِبيان وتِلقاء.
٢- وردت سماعًا أَسماءٌ بمعنى المصدر على وزن اسم الفاعل أَو اسم المفعول مثل: العاقبة، العافية، الباقية، الدَّالة، الميسور، المعسور، المعقول.
٣- المصادر المؤكدة لا تثنى ولا تجمع ولا تتغير في التذكير والتأْنيث مثل: نصرتهم في ثلاث معارك نصرًا، وكذلك المصدر الذي يقع صفة بقصد المبالغة مثل: هذا رجلٌ ثقةٌ وهي امرأَةٌ عدلٌ وهم رجالٌ صدق.
عمل المصدر واسمه:
المصدر أَصل الفعل، ولذلك يجوز أَن يعمل هو واسم المصدر عمل فعلهما في جميع أحواله:
١- مجردًا من "ال" والإضافة، مثل "أَمرٌ بمعروف صدقة، وإِعطاءٌ فقيرًا كساءً صدقة" فالجار والمجرور "بمعروف" تعلقًا بالمصدر "أَمرْ" لأَن فعله "أَمر" يتعدى إلى المأْمور به بالباءِ، و"إعطاءُ" المصدر نصبت مفعولين لأَن فعلها ينصب مفعولين.
٢- مضافًا مثل: أَعجبني تعلُّمك الحسابَ. فـ"الحساب" مفعول به للمصدر "تعلم" والكاف مضاف إليه لفظًا وهو الفاعل في المعنى.
٣- محلى بـ"ال" مثل: ضعيف النكايةِ أعداءَه. فـ"أعداءَ"
[ ١٩٢ ]
مفعول به للمصدر "النكاية".
ولا يعمل المصدر واسم المصدر إلا في حالين:
١- أَن ينوبا عن فعلهما: عطاءً الفقيرَ، حبسًا المجرمَ.
٢- أن يصح حلول الفعل محلهما مصحوبًا بـ"أَنْ" المصدرية أَو "ما" المصدرية تقول:
يعجبني تعلُّمك الحسابَ = يعجبني أن تتعلم الحسابَ، وإذا كان الزمان للحال قلت: يعجبني ما تتعلمُ الحسابَ اليوم.
وعلى هذا لا تعمل المصادر التي لا يراد بها الحدوث مثل "أُحب صوت المطرب، أَنت واسع العلم"، ولا المصادر المؤكدة مثل "أَكرمت إكرامًا الفقيرَ" فالفقير مفعول للفعل "أَكرم" والمصدر مؤكد لا عمل له، ولا المصادر المبنية للنوع أَو العدد مثل "زرت زورتين أخاك فإذا له صوتٌ صوتَ سبع" فـ"أَخاك" نصب بالفعل "زرت" لا بالمصدر المبين للعدد، و"صوتَ" لم تنصب بالمصدر السابق "صوتٌ" ولكن بفعل محذوف تقديره "يصوت". وكذلك المصادر المصغرة لا تعمل فلا يقال "سرني فُتيْحك الباب".
أحكام ثلاثة:
١- لا يتقدم مفعول المصدر عليه إلا إذا كان المصدر نائبًا عن فعله مثل: "المجرمَ حبسًا" أَو كان المعمول ظرفًا أَو جارًا ومجرورًا مثل: "تتجنب بالدار المرور". ولا يقال: "الفقيرَ يعجبني إكرامك".
[ ١٩٣ ]
٢- إِذا أُريد إِعمال المصدر أُخر نعته: "تفيدك قراءَتُك الدرس الكثيرةُ" ولا يقال "تفيدك قراءَتك الكثيرةُ الدرسَ".
٣- يجوز في تابع المعمول المضاف إِليه المصدر الجر مراعاةً للفظ والرفع أَو النصب مراعاةً للمحل مثل: "سررت بزيارة أَخيك وأَبيه = وأَبوه". "ساءَني انتهارُ الفقيرِ والمسكين = والمسكينَ".
ملاحظة - للمصدر الميمي ولاسم المصدر في عملهما عمل المصدر كل الأحكام المتقدمة.
[ ١٩٤ ]
الشواهد:
١- أَكفرًا بعد رَدِّ الموت عني وبعد عطائك المئةَ الرتاعا
القطامي
٢-حتى تهجَّر في الرواح وهاجه طلبَ المعقبِ حقَّه المظلومُ
"يعني: طالبًا إياه طلب المعقب" - لبيد
٣- أَظلومُ إن مصابكم رجلًا أَهدى السلام تحيةً ظلمُ
الحارث بن خالد المخزومي
٤- قد كنت داينت بها حسانا مخافةَ الإِفلاس والليانا
الليان: المطل - زياد العنبري
٥- أَعبدًا حل في شُعبى غريبًا أَلؤمًا - لا أَبالك - واغترابا
جرير
٦- أفنى تلادي وما جمُّعتُ من نشب قرعُ القواقيزِ أَفواهُ الأَباريق
القاقوزة: قدح الخمر - الأقيشر الأسدي
٧- ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة الحج: ٢٢/٤٠]
[ ١٩٥ ]
٨- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٣/٩٧]
٩- ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَما أَدْراكَ ما الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [سورة البلد: ٩٠/١١-١٦]
١٠- لقد علمتْ أُولى المغيرة أَنني كررت فلم أَنكل عن الضربِ مسمعًا
المرار
"ب"
١١- إذا صح عونُ الخالق المرءَ لم يجد عسيرًا من الآمال إلا ميسرا؟
١٢- بعشرتك الكرام تُعَد منهم فلا تُرَيَنْ لغيرهمُ أَلوفا؟
١٣- ضعيف النكاية أَعداءَه يخال الفرار يراخي الأَجلْ؟
١٤- إن وجدي بك الشديدَ أَراني عاذرًا من عهدت فيك عذولا؟
[ ١٩٦ ]
*
المشتقات وعملها
الأَسماءُ المشتقة سبعة: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة.
والاشتقاق أَخذ كلمة من أُخرى مع تناسب بينهما في المعنى وتغيير في اللفظ مثل "حَسن" من "حسُن".
وأَصل المشتقات جميعًا المصدر.
[ ١٩٧ ]
١- اسم الفاعل وعمله:
يصاغ اسم الفاعل للدلالة على من فعل الفعل على وجه الحدوث: مثل: أكاتب أَخوك درسه، أَو على من قام به الفعل مثل: مائت سليم.
ويشتق من الأَفعال الثلاثية على وزن فاعل مثل: ناصر، قائل، واعد، رام، قاض، شادّ. ويكون من غير الثلاثي على وزن مضارعه المعلوم بإبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وكسر ما قبل آخره مثل: مُكْرِم، مُسْتغفِر، متخاصِمان، متجمِّع، مختار، مصطفٍ.
[ ١٩٧ ]
وإِذا أُريد الدلالة على المبالغة حُوّل اسم الفاعل إلى إحدى الصيغ الآتية:
فعَّال مثل: غفَّار ضرّاب.
مِفْعال مثل: مِقْوال.
فَعُول مثل: قؤول، غفور، ضروب.
فَعيل مثل: رحيم، عليم.
فَعِل مثل: حذِر.
ويلاحظ أَن أَفعال صيغ المبالغة كلها متعدية، وقل أَن تأْتي من الفعل اللازم.
وهناك صيغ أُخرى سماعية مثل: مِفْعل "مِدْعَس = طعانْ" فِعّيل ومِفْعيل "للمداوم على الشيء" مثل سكِّير ومِعطير، وفُعَلة مثل هُمزَة ولمزَة وضُحَكة، وفاعول مثل فاروق وحاطوم وهاضوم، وفُعال مثل طُوال وكُبار، وفُعَّال مثل كبار وحسّان.
ملاحظة: صيغ "فعول ومفعال ومِفْعل ومِفْعيل" يستوي فيها المذكر والمؤنث نقول: رجل معطير وامرأَة معطير، ورجل رؤُوم وأُم رؤُوم.
عمل اسم الفاعل ومبالغاته:
يعمل اسم الفاعل عمل فعله المبني للمعلوم، تقول "أَزائرٌ أخوك رفيقَه = أَيزور أَخوك رفيقه". وقد يضاف إلى مفعوله بالمعنى مثل: "أَأَخوك زائرُ رفيقهِ" فرفيق مضاف إليه لفظًا وهو المفعول به معنى،
[ ١٩٨ ]
هذا ولا يضاف اسم الفاعل إلى فاعله البتة على عكس ما رأَيت في المصدر، ويعمل في حالين:
١- إِذا تحلى بـ"ال" عمل دون شرط: المُكرم ضيفَه محمود، مررت بالمكرم ضيفَه إلخ.
٢- إِذا خلا من "ال" فلابدَّ لعمله من شرطين:
أ- أَن يكون للحال أَو للاستقبال.
ب- أَن يسبق بنفي أو استفهام، أو اسم يكون اسم الفاعل خبرًا له أَو صفة أَو حالًا مثل: ما منصفٌ خالدٌ أخاه - هل ذاهبٌ أَنت معي - أخوك قارئٌ درسه - مررت برجل حازمٍ أَمتعَته "وقد يحذف الموصوف إِذا علم تقول: مررت بحازمٍ أَمتعته" - رأَيت أَخاك رافعًا يده بالتحية.
ومبالغات اسم الفاعل تعمل عمله بشروطه وأَكثرها عملًا وزن "فعَّال" فمفعال ففعول ففَعِل: هذا ظلاَّمٌ الضعفاءَ - مررت بمنحارٍ الإِبلَ - القؤولُ الخيرَ محبوب - أَرحيمٌ أَبوك أَطفاله - ما حذرٌ عدوَّه.
هذا والمفرد والجمع من اسم الفاعل ومبالغاته في العمل سواء.
ملاحظتان:
١- يجوز في تابع المفعول المضاف إليه اسم الفاعل، الجر مراعاة للفظ والنصب مراعاة للمحل على نحو ما مر في المصدر.
٢- يجوز تقديم معمول اسم غير المحلى بـ"ال" عليه، إلا إذا كان
[ ١٩٩ ]
مجرورًا بالإِضافة أَو بحرف جر أَصلي، تقول: أَهذا جارُ مُكرِمٍ ضيفه؟ ليس أَخوك مسيئًا إلى خصمه.
وفي غير هذين الحالين يجوز تقديمه تقول: "أَهذا ضيفَه مكرمٌ" و"ليس أَخوك خصمَه بمنصف". أَما المحلى بـ"ال" فلا يتقدم معموله عليه.
[ ٢٠٠ ]
الشواهد
"أ"
١- كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنَها فلم يضرْها وأَوهى قرنَه الوعل
الأعشى
- أَخا الحرب لبَّاسًا إليها جِلالَها ٢وليس بولاَّج الخوالف أَعقلا
القُلاخ بن حزن
٣- ضروبٌ بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادًا فإنك عاقرُ
أبو طالب
٤- والله لا يذهب شيخي باطلا
حتى أُبير مالكًا وكاهلا
القاتلين البطلَ الحُلاحِلا
شيخ معدٍّ حسبًا ونائلًا امرؤ القيس
٥- أَتاني أَنهم مَزِقون عرضي جحاشُ الكِرْمِلين لها فديد
الفديد: التصويت. الكرملين: ماء بجبل طيء - زيد الخيل
٦- ولقد خشيت بأَن أَموت ولم تدر للحرب دائرة على ابَنْي ضمضم
[ ٢٠١ ]
والناذريْنِ إِذا لمَ آلقهما دمي الشاتميْ عرضي ولم أَشتمهما
عنترة
٧- ثم زادوا أَنهم في قومهم غُفُرٌ ذنبَهُم غير كُفُرْ
طرفة
٨- عشية سُعدى لو تراءَت لراهب بدُومة، تَجْرٌ دونه وحجيج
قلى دينه واهتاج للشوق إِنها على الشوق إِخوانَ العزاءِ هيوج
أبو ذؤيب
٩- الواهب المئةِ الهجانِ وعبدها عوذًا تزجَّى بينها أَطفالُها
الأعشى
١٠- ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [سورة القمر: ٥٤/٦-٧]
"ب"
١١- حذِرٌ أُمورًا لا تضير وآمنٌ ما ليس ينجيه من الأَقدار؟
١٢- أَما العسل فأَنا شرَّاب
١٣- إِنه لمِنحارٌ بوائكها "سمانَها"
١٤- هل أَنت باعث "دينارٍ" لحاجتنا أَو عبدَ ربٍ أَخا عون بن محراق؟
١٥- ليت شعري مقيمٌ العذرَ قومي ليَ أَم هم في الحب لي عاذلونا-؟
[ ٢٠٢ ]
*
اسم المفعول
يصاغ اسم المفعول للدلالة على من وقع عليه الفعل.
ويكون من الثلاثي على وزن "مفعول": مضروب، ممدوح، موعود، مغزُرٌّ، مرميٌّ "أصلها مرمويٌ قلبت الواو ياءً"، مقول، مدين "أَصلها مقوول ومديون: تحذف العلة في الفعل الأَجوف ويضم ما قبلها إِن كانت العلة واوًا، ويكسر إِن كانت ياءً".
ويصاغ من غير الثلاثي على وزن المضارع المجهول بإِبدال حرف المضارعة ميمًا مضمومة وفتح ما قبل الآخر: يُكرَم: مُكْرم، يُسْتغفَر: مُسْتَغْفَر، يُتَداول: متداول، يُصْطفى: مُصْطفى، يُخْتار: مختار.
لا يصاغ اسم المفعول إلا من الفعل المتعدي، فإِذا أُريد صياغته من فعل لازم فيجب أَن يكون معه ظرف أَو مصدر أَو جار ومجرور:
السرير منومٌ فوقه، الأَرض متسابق عليها، هل مفروحٌ اليوم فرحٌ عظيم؟
ملاحظة: بمعنى اسم المفعول صيغ أَربع سماعية يستوي فيها المذكر والمؤنث.
١- فَعيل: جريح، قتيل.
[ ٢٠٣ ]
٢- فِعْل: شاة ذِبحٌ "مذبوحة"، طِحْن، طِرْح
٣- فَعَل: قَنص، سَلَب، جلَب
٤- فُعْلة: أُكلة، مُضغة، طُعمة
تنبيه: يجتمع أحيانًا اسم الفاعل واسم المفعول من غير الثلاثي على صيغة واحدة في المضعف والأجوف مثل اختارَك رئيسك فأنت مختار ورئيسك مختار. شاددْت أخاك فأنا مشاد وأخوك مُشاد، والتفريق بالقرينة.
عمل اسم المفعول والاسم المنسوب:
يعمل اسم المفعول عمل فعله المبني للمجهول في الأَحوال والشروط التي تقدمت لاسم الفاعل تقول: ١- المُكْرَمُ ضيفُه محمود "الآن أَو أَمس أَو غدًا" = الذي يُكْرَمُ ضيفُهُ محمود.
٢- ما خالد مُنْصَفٌ أخوه - هل أَخوك مقروءٌ درسُه - مررت برجل محزومةٍ أَمتعتُهُ - رأَيت أَخاك مرفوعةً يدُه بالتحيَّة.
أَما الاسم المنسوب فيرفع نائب فاعل فقط لأَن ياءَه المشددة بمعنى "منسوب" تقول: أَحمصيُّ جارُك = أَمنسوب جارُك إِلى حمص = أَيُنسَب جارك إلى حمص.
ملاحظة: يجوز إضافة اسم المفعول والاسم المنسوب إِلى مرفوعهما على خلاف ما مر في اسم الفاعل: تقول ما خالدٌ منصَفُ الجارِ، أَحمصيُّ الجارِ أَنت؟
[ ٢٠٤ ]
الشواهد:
١- "الخيل معقودٌ بنواصيها الخيرُ إِلى يوم القيامة" حديث شريف
٢- أَلم أُقسم عليك لتخبرنيّ: أَمحمول على النعش الهمامُ
النابغة
٣- يا خاتم الرسل المبارَك ضوؤُه صلى عليك منزّل الفرقان
منسوب إلى السيدة فاطمة
[ ٢٠٥ ]
*
الصفة المشبهة باسم الفاعل
أَسماء تصاغ للدلالة على من اتصف بالفعل على وجه الثبوت مثل: كريم الخلق، شجاع، نبيل. ولا تأْتي إِلا من الأَفعال الثلاثية اللازمة، وصيغها كلها سماعية إِلا أَن الغالب في الفعل من الباب الرابع "باب طرِب يطرَب" أَن يكون على إِحدى الصيغ الآتية:
١- على وزن "فَعِل" إِذا دل على فرح أَو حزن مثل: ضَجِر وضجرة، طَرِب وطربة.
٢- على وزن "أَفعل" فيما دل على عيب أَو حسن في خلقته أَو على لون مثل: أَعرج، أَصلع، أَحور، أَخضر. ومؤنث هذه الصيغة "فعلاءً": عرجاءُ، صلعاءُ، حوراءُ، خضراءُ. والجمع "فُعْل": عُرْج، صُلع، حُور، خُضْر.
٣- على وزن "فَعْلان" فيما دل على خلوّ أَو امتلاءٍ: عطشان وريان، جَوْعان وشبعان والمؤنث "فَعْلى": عطشى وربّا، وجَوْعى وشَبْعى.
وإذا كان الفعل اللازم من باب "كرُم" فأَكثر ما تأْتي صفته على "فعيل" مثل كريم وشريف. وله أَوزان أُخرى مثل: شجاع وجبان وصُلْب وحسَن وشهْم.
[ ٢٠٦ ]
هذا وكل ما جاءَ من الثلاثي بمعنى اسم فاعل ووزنه مغاير لوزن اسم الفاعل فهو صفة مشبهة مثل: سيّد وشيخ هِمّ وسيء.
ملاحظة: إذا قصدت من اسم الفاعل أو اسم المفعول الثبوت لا الحدوث أصبح صفة مشبهة يعمل عملها مثل: أنت محمودُ السجايا طاهر الخلقُ معتدل الطباع. أما إذا قصدت من الصفة المشبهة الحدوث جئت بها على صيغة اسم الفاعل فتعمل عمله مثل: أنت غدًا سائدٌ رفاقَك "الصفة سيد". فضيّق الصفة المشبهة إذا أردت منها الحدوث قلت: صدرك اليوم ضائق على غير عادتك.
عمل الصفة المشبهة:
معمول الصفة المشبهة إِما أَن يرفع على الفاعلية: "أَخوك حسنٌ صوتُه" وأَما أَن يجر بالإِضافة: "أَخوك حسنُ الصوتِ" وهو أَغلب أَحواله، وإِما أَن ينصب على التمييز إن كان نكرة، أَو شبه المفعولية إِن كان معرفة: "أَخوك حسنٌ صوتًا، حسنٌ صوتَه".
وتمتنع الإِضافة إذا كانت الصفة بـ"ال" ومعمولها خالٍ منها ومن الإِضافة إلى محلى بها، فلا يقال "أَخوك الحسن صوتِه" على الإِضافة ويقال "أَخوك الحسن الصوتِ، أَخوك الحسن أَداءِ الغناءِ".
[ ٢٠٧ ]
الشواهد:
١- أَولاد جفنة حول قبر أَبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيضٌ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم شمُّ الأُنوف، من الطراز الأَول
حسان
٢- فتاتان أَما منهما فشبيهةٌ هلالًا وأُخرى منهما تشبه الشمسا
ابن قيس الرقيات
٣- لا يبعَدنْ قومي الذين هم سمُ العُداة وآفة الجُزر
النازلون بكل معترك والطيبون معاقدَ الأُزر
خرنق بنت بدر
[ ٢٠٨ ]
*
اسم التفضيل
يصاغ على وزن "أَفعل" للدلالة على أَن شيئين اشتركا في صفة وزاد أَحدهما فيها على الآخر مثل: كلاكما ذكي لكن جارك أَذكى منك وأَعلم.
وقد يصاغ للدلالة على أن صفة شيء زادت على صفة شيء آخر مثل: العسل أحلى من الخل، والطالح أخبث من الصالح.
وقليلًا يأْتي بمعنى اسم الفاعل فلا يقصد منه تفضيل مثل: "الله أَعلم حيث يجعل رسالته".
هذا ولا يصاغ اسم التفضيل إلا مما استوفى شروط اشتقاق فعلي التعجب "ص١٦". فإِذا أُريد التفضيل فيما لم يستوف الشروط أتينا بمصدره بعد اسم تفضيل فعلُه مستوفي الشروط مثل: أَنت أَكثر إنفاقًا، وأَسرع استجابة.
واسم التفضيل لا يأْتي على حالة واحدة في مطابقته لموصوفه، وأَحواله ثلاثة:
١- يلازم حالة واحدة هي الإِفراد والتذكير والتنكير حين يقارن بالمفضَّل عليه مجرورًا بمن مثل "الطلاب أَكثر من الطالبات" أَو يضاف إليه منكرًا: "الطالبات أَسرع كاتباتٍ".
[ ٢٠٩ ]
٢- يطابق موصوفه إِن لم يقارَن بالمفضل عليه سواءٌ أَعرّف بـ"ال" أَم أُضيف إِلى معرفة ولم يقصد التفضيل مثل: "نجح الدارسون الأَقدرون والطالبات الفضليات حتى الطالبتان الصغريان"، زميلاتك فضليات الطالبات.
٣- إذا أُضيف إلى معرفة وقصد التفضيل جازت المطابقة وعدمها: مثل: "الطلاب أَفضل الفتيان = أَفاضلهم، زينب أَكبر الرفيقات = كبرى الرفيقات".
ملاحظة: لم يرد لكثير من أسماءِ التفضيل جمع ولا مؤنث، فعلى المتكلم مراعاة السماع؛ فإِذا اضطر قاس مراعيًا الذوق اللغوي السليم.
عمله:
أَغلب عمل اسم التفضيل رفع الضمير المستتر مثل: "أَخوك أَحسن منك" ففي "أَحسن" ضمير مستتر "هو" يعود على المبتدأ.
وقد يرفع الاسم الظاهر أَحيانًا ويطَّرد ذلك حين يصح إِحلال الفعل محله مثل هذا التركيب: "ما رأَيت رجلًا أَحسن في عينه الكحلُ منه في عين زيد" وهو تركيب مشهور في كتب النحاة، وظاهر أَن اسم التفضيل فيه ١- مسبوق بنفي، ٢- ومرفوعه أَجنبي عنه، ٣- وهو مفضَّل مرة "الكحل في عين زيد"، ٤- ومفضَّلٌ على نفسه مرة "الكحل في عين غير زيد".
وقد سمع في مثل "مررت بكريم أَكرمَ منه أَبوه".
هذا ولا يتقدم معمول اسم التفضيل عليه بحال، وتقدم الجار والمجرور المتعلقين به ورد ضرورة في الشعر على الشذوذ.
[ ٢١٠ ]
الشواهد:
"أ"
١- وميَّة أَحسن الثقلين جيدًا وسالفةً وأَحسنهم قذالا
ذو الرمة
٢- أَلستم خير من ركب المطايا وأَندى العالمين بطونَ راحِ
جرير
٣- ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: ١٨/١٠٣- ١٠٤]
٤- ﴿وَإِذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِئْيًا﴾ رِئْيًا: هيئة -[سورة مريم: ١٩/٧٣- ٧٤]
٥- "أَلا أُخبركم بأَحبكم إِليَّ وأَقربكم مني مجالس يوم القيامة؟: أَحاسنُكم أَخلاقًا، الموطَّؤون أَكنافًا. الذين يأْلفون ويؤلفون".حديث شريف
"ب"
٦- إِذا سايرتْ أَسماءُ يومًا ظعينة فأَسماءُ من تلك الظعينة أَملح
جرير
٧- "الأَشجُّ والناقص أَعدلا بني مروان"
الأشج عمر بن عبد العزيز - والناقص يزيد بن عبد الملك
[ ٢١١ ]
اسم الزمان واسم المكان
يصاغان للدلالة على زمن الفعل ومكانه مثل: "هنا مدْفن الثروة، وأَمس متسابَق العدّائين".
ويكونان من الثلاثي المفتوح العين في المضارع أَو المضموم العين على وزن "مَفْعَل" مثل: مكْتب، مدخل، مجال، منظر، وإِذا كان مكسور العين فالوزن "مفْعِل" مثل: منزِل، مهبِط، مطير، مبيع.
فإِذا كان الفعل ناقصًا كان على "مفعَل" مهما تكن حركة عينه مثل: مسعى، مَوْقى، مرمى.
وإِذا كان الفعل مثالًا صحيح اللام فاسم الزمان والمكان منه على "مفعِل" مثل: موضِع، موقع.
أَما غير الثلاثي فاسم الزمان والمكان منه على وزن اسم المفعول مثل: هنا منتظَر الزوار "مكان انتظارهم"، غدًا مُسافر الوفد "زمن سفره".
فاجتمع على صيغة واحدة في الأَفعال غير الثلاثية: المصدر الميمي واسم المفعول واسما الزمان والمكان، والتفريق بالقرائن.
ملاحظة: ما ورد على غير هذه القواعد من أسماء الزمان والمكان يحفظ ولا يقاس عليه، فقد سمع بالكسر على خلاف القاعدة هذه الأسماء: المشرق، المغرب،
[ ٢١٢ ]
المسجد، المنبت، المنجِر، المظِنة وفتحها على القاعدة صواب أيضًا وإن كان مراعاة السماع أحسن.
[ ٢١٣ ]
اسم الآلة
يصاغ من الأَفعال الثلاثية المتعدية أَوزان ثلاثة للدلالة على آلة الفعل، وهي "مِفْعَل ومِفْعال ومِفْعلة" بكسر الميم في جميعها مثل: مِخرَز ومِبرَد ومفتاح ومِطرقة١.
هذا وهناك صيغ أُخرى تدل على الآلة كاسم الفاعل ومبالغته مثل: كابِح "فرام" صقَّالة وجرَّافة وسحَّاب، و"فِعال" مثل: ضِماد، وحِزام "وفاعول" مثل ساطور "وفَعول" مثل "قَدوم" وغيرها.
ملاحظة: لا عمل لاسم الزمان ولا لاسم المكان ولا لاسم الآلة.
_________________
(١) سمعت بعض أسماء الآلة بضم الأول والثالث مثل: المُنْخُل والمُدُق والمُكْحُلة ويجوز فيها اتباع القاعدة العامة أيضًا.
[ ٢١٣ ]
*
المرفوع من الأسماء
يرفع الاسم إذا وقع فاعلًا، أو نائب فاعل، أو مبتدأ، أو خبرًا، أو اسمًا لكان وأخواتها وما ألحق بها، أو خبرًا لإن وأخواتها.
وقد تقدمت أحكام "كان وأخواتها" وما ألحق بها كاملة في بحوث الأفعال "ص٦٦" فارجع إليها. وإليك البقية في أربعة مباحث:
[ ٢١٤ ]
الفاعل
كل اسم دلَّ على من فعَل الفعلَ أَو اتصف به وسُبق بفعل مبني للمعلوم أَو شبهه مثل: "قرأت الطالبةُ، ونام الطفلُ، وجاري حسنةٌ دارُه".
وشبه الفعل في هذا الباب خمسة:
١- اسم الفعل مثل: هيهات السفرُ.
٢- اسم الفاعل مثل: هذا هو الناجحُ ولدُه. أَخوك فتاكٌ سلاحُه.
٣- والصفة المشبهة مثل: عاشر امرأً حسنًا خلقُه.
٤- وما كان في معنى الصفة المشبهة من الأَسماءِ الجامدة مثل: خالد علقمٌ لقاؤُه. و"علقم" هنا بمعنى الصفة المشبهة "مُرٌّ" ولذا عمل عملها.
[ ٢١٤ ]
٥- واسم التفضيل مثل مررت بكريمٍ أَكرمَ منه أَبوه.
وأَشباه الفعل هذه مرت أَحكامها آنفًا، والمرفوع بعدها فاعل لها.
وإليك أحكامًا تتعلق بمطابقة الفاعل لفعله تذكيرًا وتأنيثًا وإفرادًا وجمعًا، ويجره لفظًا، بوقوعه ضميرًا أو مؤولًا أو جملة، وبتقديمه على مفعوله وتأخيره عنه، وبحذفه وحذف فعله أحيانًا.
١- مطابقته لفعله:
أ- الأَصل أَن يؤنث الفعل مع الفاعل المؤنث ويذكَّر مع المذكر تقول "سافر أَخوك حين طلعت الشمس".
وجوّزوا ترك المطابقة في الأحوال الآتية:
١- إذا كان بين الفعل والفاعل المؤنث فاصلٌ ما: قرأَ اليوم فاطمة.
٢- إذا كان الفاعل مجازي التأْنيث: طلع الشمس.
٣- إذا كان الفاعل جمع تكسير: حضر الطلاب ونُشر الصحف = حضرت الطلاب ونشرت الصحف.
٤- إذا كان الفعل من أَفعال المدح والذم: نعم المرأةُ أَسماء = نعمت المرأَة أَسماء.
٥- إِذا كان الفاعل مفرده مؤنثًا لفظًا فقط: جاءَ الطلحات = جاءَت الطلحات.
٦- إِذا كان الفاعل ملحقًا بجمع سالم للمذكر أَو المؤنث: يقرأُ البنون: تقرأُ البنون، قرأَ البنات: قرأَت البنات.
٧- إِذا كان الفاعل من أَسماءِ الجموع مثل: "قوم، نساءٌ" أَو من
[ ٢١٥ ]
أَسماءِ الأَجناس الجمعية مثل: "العرب، الترك، الروم"، تقول: حضر النساءُ = حضرت النساءُ، يأْبى العرب الضيم = تأْبى العرب الضيم.
هذا ويجب ترك التأْنيث إِذا فصل بين المؤنث الحقيقي وفعله كلمة "إِلا" مثل: ما حضر إِلا هند. وذلك لأَن المعنى "ما حضر أحد" فإِذا كان الفاعل ضميرًا منفصلًا جاز الأَمران: ما حضر إِلا هي = ما حضرت إِلا هي.
وإِذا كان الفاعل ضميرًا يعود إلى متقدم فالمطابقة واجبة لا محالة، تقول: الشمس طلعت، أَسماءُ نعمت امرأَةً، البنات قرأَتْ "أَو قرأْن".
ملاحظة: قد يكتسب الفاعل المضاف من المضاف إليه التذكير أو التأنيث إذا صح قيام المضاف إليه مقام المضاف بعد حذفه مثل: "شيّبه صروف الدهر وأهمته شأن صغيراته" والمطابقة تقضي تأنيث الفعل الأول وتذكير الثاني، وإنما جاز ذلك لأنه يصح إسناد الفعل إلى المضاف إليه فتقول "شبيه الدهر، وأهمته صغيراته" فلوحظ في ترك المطابقة لفظ المضاف إليه، ولا يجوز ذلك في مثل "قابلني أخو هند" لتغير المعنى إذ لا يصح إسناد "هند" إلى "قابلني" لأن الذي قابلني أخوها لا هي.
ب- أَما من حيث الإِفراد والتثنية والجمع، فالفعل المتقدم يلازم الإِفراد دائمًا سواءٌ أَكان الفاعل مفردًا أَم مثنى أم جمعًا. تقول في ذلك: "حضر الرجل، حضر الرجلان، حضر الرجال، حضرت المرأة، حضرت المرأَتان، حضرت النسوة" بصيغة الإفراد ليس غير، وما ورد على خلاف ذلك فشاذ لا يعتد به.
هناك شواهد شعرية قليلة مثل: "وقد أسلماه مبعد وحميم"، ورواية عن بعض العرب
[ ٢١٦ ]
أنه قال: "أكلوني البراغيث". وقد أراد قوم أن يخرجوا هذه اللغة التي نسبت إلى بعض طيء وبعض أزد شنوءة، فذهبوا في ذلك مذهبين: منهم من جعل الضمير فاعلًا والاسم المرفوع بعده بدلًا منه، ومنهم من جعله حرفًا دالًا على التثنية أو الجمع لا ضميرًا، والفاعل الاسم المرفوع بعده.
ولا حاجة إلى التخريج، فهذه الروايات إن صحت فهي شاذة ولغتها رديئة ولم يخطئ من نبزها بلغة "أكلوني البراغيث". إلا أن ما يجب التنبيه إليه هنا هو أن بعضًا من فضلاء النحاة الأقدمين توهم فظن آية ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وحديث "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" من هذه اللغة، وليس ذلك بصحيح، ففاعل "أسروا" وهو واو الجماعة عائد على "الناس" في أول السورة، و"الذين" فاعل! "قال" المحذوفة، وأسلوب القرآن الكريم جرى على حذف فعل القول اكتفاء بإثبات المقول في مواضع عدة، والحديث له أول: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم: ملائكة بالليل.. إلخ".
وبقيت هذه اللغة الرديئة مفتقرة إلى شاهد صحيح لا ضرورة فيه.
٢- جره لفظًا:
يجر الفاعل لفظًا على الوجوب في موضع واحد هو صيغة التعجب "أَكرمْ بخالد" فزيادة الباءِ هنا واجبة.
وقد يجر لفظًا جوازًا بثلاثة أَحرف جر زائدة هي: "من، الباء، اللام".
فأَما "مِن" فتجوز زيادتها بعد نفي أَو نهي أَو استفهام إِذا كان الفاعل نكرة مثل: "ما سافر من أَحد، لا يتأَخر منكم من أَحد، هل أصاب أَخاك من شيءٍ".
وأَما الباءُ فتزاد بعد "كفى" مثل: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .
وأَما اللام فسمع زيادتها على فاعل اسم الفعل "هيهات" مثل: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ .
هذا وكثيرًا ما يضاف المصدر واسم المصدر إلى فاعلهما في المعنى
[ ٢١٧ ]
فيجرانه لفظًا على الإِضافة مثل "سرني إكرامك الفقيرَ وعونُ خالدٍ العاجزين"، فكل من الضمير في "إِكرامك" و"خالد" مضاف إليه لفظًا، والضمير فاعل للمصدر وخالدٌ فاعل اسم المصدر في المعنى.
والفاعل في كل ذلك مجرور اللفظ مرفوع تقديرًا.
٣- وقوعه اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا أو مؤوّلًا أو جملة
يسافر الأَمير - أَخواك أَصابا وما أَخطأَ إلا أَنت - سرني أَن تنجح - ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ .
فاعل الجملة الأُولى اسم ظاهر "الأمير"، وفاعل "أَصابا" ضمير التثنية المتصل العائد على "أَخواك"، وفاعل أَخطأَ الضمير المنفصل "أَنت"، وفاعل "سر" جملة "تنجح" المؤولة مع الحرف المصدري "أَن" بالمصدر "نجاحك" وفاعل "تبين" جملة ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ .
ولا خلاف في وقوع الفاعل اسمًا صريحًا أو ضميرًا "مستترًا أو بارزًا" أو مؤولًا بعد أحد الحروف المصدرية الثلاثة "أَنْ، أَنّ، ما" وإنما الخلاف في وقوعه جملة:
فبعض النحاة يمنعه ويقدر فاعلًا من مصدر الفعل، فيقول في مثل الجملة الأخيرة: إن الفاعل "التبيّن" مقدرًا، وجملة ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ مفسر للتبين المقدر هكذا: "وتبين لكم التبينُ: كيف فعلنا بهم". وآخرون يجيزون وقوعه جملة ويستغنون عن تكلف التقدير.
هذا ويذكر الطالب أن ضمير الغائب والغائبة مستتر جوازًا في الماضي والمضارع لا يستثنى إلا ضمير فعل التعجب: "ما أجمل الإنصاف" وإلا ضمير أفعال الاستثناء "خلا، عدا، حاشا" فاستتاره فيها جميعًا واجب. وأما ضمائر المتكلم الواحد والمخاطب الواحد في المضارع والأمر وأسماء الأفعال فمستتره وجوبًا دائمًا.
٤- تقديمه على مفعوله وتأخيره عنه:
الأَصل في الترتيب أَن يأْتي الفاعل بعد الفعل ثم يأْتي المفعول به
[ ٢١٨ ]
تقولك "قرأَ خالدٌ الصحيفةَ" ويجوز أَن تعكس الترتيب فتقول "قرأَ الصحيفةَ خالدٌ".
ويتحتم تقديم الفاعل على المفعول به في المواضع الأَربعة الآتية:
أَ- إِذا كانت علامات الإِعراب لا تظهر عليهما فحذرًا من وقوع الالتباس عند عدم القرينة نقدم الفاعل مثل: "أَكرم مصطفى موسى، وكلم أَخي هؤلاءِ"، فإِن وجدت القرينة جاز التقديم والتأْخير مثل: "أَكرمتْ أُختي موسى، أَكرمتْ موسى أُختي".
ب- أَن يحصر الفعل في المفعول به: "ما قرأَ خالدٌ إِلا كتابين، إِنما أَكل فريد رغيفًا".
ومن النحاة من جوّز التقديم والتأخير إذا كان الحصر بـ"إِلا" فقط.
جـ- أن يكون الفاعل ضميرًا والمفعول به اسمًا ظاهرًا: قابلت خالدًا.
د- أَن يكونا ضميرين ولا حصر في الكلام: قابلته.
ويجب تأخير الفاعل وجوبًا في المواضع الثلاثة الآتية:
أَ- إِذا اتصل بضمير يعود على المفعول مثل: "سكن الدارَ صاحبُها" ولولا تأْخير الفاعل لعاد الضمير على المفعول المتأَخر لفظًا ورتبة وهو غير جائز.
ب- إِذا كان اسمًا ظاهرًا والمفعول ضميرًا مثل "قابلني أَخوك".
جـ- أَن يحصر الفعل فيه: "ما أَكرم خالدًا إِلا سعيد، إِنما أَكل الرغيف أَخوك".
٥- حذفه، وحذف فعله:
الفاعل ركن في الجملة لابدَّ منه، سواءٌ أَكان اسمًا صريحًا أَم
[ ٢١٩ ]
ضميرًا راجعًا إلى مذكور، وقد يكون ضميرًا لما تدل عليه قرينة حالية مثل: "حتى توارتْ بالحجاب" أي توارت الشمس، ولم يسبق للشمس ذكر لكنها مفهومة من سياق الكلام، ومثل: "إذا كان غدًا سافرنا" والمقدر: كلمة "الحال" أَو "ما نحن فيه من عزم وسلامة إلخ". وقد يكون ضميرًا لما يدل عليه قرينة لفظية كالحديث المشهور: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" وظاهر أَن ضمير يشرب يعود على "الشارب" المفهوم من الفعل.
وأَكثر هذه الأَحوال وقوعًا أَن يعود الضمير على مذكور سابق كأَجوبة الأَسئلة مثل قولك: "لم يحضر" لمن سأَلك "هل حضر أَخوك؟ ".
أَما الفعل فأَكثر ما يحذف في الأَجوبة مثل قولك: "خالدٌ" لمن سأَلك. "من حضر؟ "، و"خالد" فاعل لفعل محذوف جوازًا لوروده في السؤال. وقد يكون الاستفهام مقدرًا مثل: "أُوذيتُ، أَحمدُ" فكأَن سائلًا سأَل "من آذاك؟ " فأَجبت "أَحمدُ" أَي آذاني أحمد" إلا أَنه يجب حذف الفعل اطرادًا إِذا وقع الفاعل بعد أَداة خاصة بالأَفعال كأدوات الشرط وتلاه مفسر للفعل السابق مثل: "إِذا الرجلُ ضيَّع الحزم اضطربت أُموره" و"الرجل" فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسره "ضيَّع".
[ ٢٢٠ ]
الشواهد:
"أ"
١- جاءَ الخلافةَ أَو كانت له قدَرًا كما أَتى ربَّه موسى على قدر
جرير
٢- ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٤٣/٨٧]
٣- أَقاتليَ الحجاجُ إِن لم أَزرْ له "درابَ"١ وأَتركْ عند هند فؤاديا
فإِن كان لا يرضيك حتى تردَّني إلى "قطريّ" لا إِخالك راضيًا
سوار السعدي
٤- إِذا المرءُ لم يخزن عليه لسانَه
فليس على شيءٍ سوار بخزان
امرؤ القيس
٥- فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إليَّ، ثم تصدَّعوا
عبدة بن الطبيب
٦- ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائِيلَ وَأَنا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠/٩٠]
_________________
(١) دراب: مختصرة من "درابجرد" وهي بلدة بفارس.
[ ٢٢١ ]
٧- ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوابِّ وَالأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذَلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر: ٣٥/٢٨]
٨- تمنّى ابنتاي أَن يعيش أَبوهما وهل أَنا إلا من ربيعة أَو مضر
لبيد
٩- عُميْرةَ ودِّع إِن تجهزت غازيًا كفى الشيبُ والإِسلام للمرءِ ناهيًا
سحيم عبد بني الحسحاس
١٠- ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [سورة يوسف: ١٢/٣٥]
١١- ﴿يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ﴾ [سورة الممتحنة: ٦٠/١٢]
"ب"
١٢- ما للجمال مشيُها وئيدا أجندلًا يحملن أَم حديدا
منسوب للزباء
١٣- فإِما تريْني ولي لِمَّة
فإِن الحوادث أَودى بها
الأعشى
١٤- تولى قتال المارقين بنفسه
وقد أَسلماه مبعدٌ وحميمُ
ابن قيس الرقيات
١٥- جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم جزاءَ الكلاب العاويات، وقد فعل
أبو الأسود الدؤلي
١٦- إذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أَو قطرت دما
يريد: قطرت السيوف. بشار
١٧- ما برئتْ من ريبة وذم
في حربنا إلا بنات العم-؟
١٨- إِن امرأً غره منكن واحدة
بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرور-؟
١٩- نُتِجَ الربيع محاسنًا أَلقحْنها غرُّ السحائبْ
أبو فراس
[ ٢٢٢ ]
*
نائب الفاعل
إِذا أُسند الاسم إلى فعل مبني للمجهول أَو شبهه كاسم المفعول والاسم المنسوب، كان نائب فاعل مثل: "عوقب المجرم، أَخوك ممزَّقٌ ثوبُه، أَحمصيٌ جارُك".
وهو في المعنى مفعول به إِذا الأصل "عاقب الحاكمُ المجرمَ، أَنت ممزِّقٌ ثوبَ أَخيك، أَتنسُب جارَك إلى حمص؟ ".
فإِن لم يكن في الجملة مفعول به جاز حذف الفاعل بعد بناءِ الفعل للمجهول وإِنابة الجار والمجرور أَو الظرف أو المصدر مناب الفاعل:
فالجار والمجرور مثل: "نام أَخوك على السرير" تقول بعد حذف الفاعل "نيم على السرير".
اشترط بعضهم في حرف الجر ألا يكون للتعليل مثل: "وُقف لإجلالك" لأن التعليل جملة أخرى كأنها جواب سؤال: "لم وُقف؟ ".
ويقدر حينئذ المصدر المفهوم من الفعل نائب فاعل، وهو هنا: "وُقف الوقوف".
والمصدر يشترط فيه أَن يكون متصرفًا مختصًا مثل "احتُفل احتفالٌ كبير" فالمصدر "معاذ الله" لا يكون نائب فاعل لأَنه غير متصرف.
والظرف يجب أَن يكون متصرفًا مختصًا ليصح وقوعه نائب فاعل مثل "احتُفل يوم الخميس، اصطُفَّ أَمام القائد". وغير المتصرف من
[ ٢٢٣ ]
الظروف مثل "قطٌّ" وغير المختص مثل: "مَعَ" و"يوم" لا يقعان وحدهما مع نائب الفاعل.
هذا وإذا اقتضى غرضٌ ما حذف الفاعل من الجملة فإِذا وجد فيها مفعول به فلا ينوب غيره عن الفاعل إلا قليلًا في الضرورات الشعرية، فالجملة "أَكلت الطعامَ بالملعقة" تصبح بعد حذف الفاعل "أُكل الطعام بالملعقة" ولا تقول: "أُكِل بالملعقة الطعامَ" بجعل الجار والمجرور نائب فاعل وإبقاءِ المفعول به منصوبًا إلا في ضرورة شعرية.
وإِذا وجد عدد من المفعولات مثل "ظننت أَخاك مسافرًا، أَعطى أَخوك الفقيرَ درهماَ" أَنبْت عن الفاعل المفعول الأَول ليس غير، إلا في الأفعال التي بمعنى "أَعطى" فيجوز إِنابة الثاني على قلة عند أَمن اللبس فتقول: "أُعطي درهمٌ الفقيرَ" والأَكثرُ الأَجود أَن تقول: "أُعطي الفقير درهمًا".
ويطبق على نائب الفاعل جميع الأحكام التي مرت بك في مطابقة الفاعل لفعله تذكيرًا وتأْنيثًا وإفرادًا وجمعًا، ووقوعه ضميرًا أَو مؤولًا أو جملة، وفي تقديمه وتأْخيره، وفي حذفه أَو حذف فعله.
[ ٢٢٤ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [سورة النساء: ٤/٨٥]
٢- ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح١
لبيد
٣- يُغْضي حياءً ويُغْضى من مهابته
فلا يُكلَّم إلا حين يبتسم
نسب للفرزدق
٤- ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ٦٩/١٣]
٥- ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢/١١]
٦- فيالكَ من ذي حاجةٍ حيلَ دونَهُا وما كل ما يهوى امرؤٌ هو نائله
طرفة
_________________
(١) المختبط: السائل بلا وسيلة ولا قرابة ولا معرفة. طوحته الطوائح: قذفته القواذف.
[ ٢٢٤ ]
٧- ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سورة سبأ: ٣٤/٥٤]
"ب"
٨- ولو ولدتْ قُفَيْرة جروَ كلب لسُبَّ بذلك الكلب الكلابا
جرير
٩- إِن السماحة والمروءَة ضُمِّنا قبرًا بمرو على الطريق الواضح
زياد الأعجم
١٠- أُتيح لي من العدى نذير به وقيتُ الشرَّ مستطيرا
يزيد بن القعقاع
[ ٢٢٥ ]
*
المبتدأ والخبر
الابتداء بالنكرة - أنواع الخبر - تقديم المبتدأ والخبر - حذف أحدهما – تطابقهما
تتكون الجملة الاسمية من ركنين: المبتدأ وهو الاسم المتحدث عنه "أَو المسند إليه الخبر"، والخبر "أَو المسند" وهو ما نخبر به عن المبتدأ مثل "خالد مسافر".
أَ- المبتدأ:
فالأَصل فيه أَن يكون معرفةً مرفوعًا١:
١- ولا يقع نكرة إِذ لا معنى لأَن تتحدث عن مجهول مثل: "رجلٌ عالمٌ"، لكن النكرة إِذا أَفادت جاز الابتداءُ بها، كأَن تقول عن رجل معروف عند السامع: "رجلٌ عندك عالم"، وكأَن تقول: "عندي مال".
والمعوّل في إفادة النكرة على الملكة والسليقة إلا أن النحاة حاولوا حصر الأحوال التي تكون فيها النكرة مفيدة. وجاوز بها بعضهم الثلاثين حالًا، ولا بأس في إيراد كثير من الأحوال لما يكون في عرضها من المرانة والاطلاع، فقد أجازوا الابتداء بالنكرة:
_________________
(١) سواء أكان اسما صريحا كالأمثلة المتقدمة، أم مؤولا بمصدر مثل: أن تصدق خير لك= صدقك خير لك، سواء علينا أوعظت أم لا= سواء علينا وعظك وعدمه.
[ ٢٢٧ ]
١- إذا أضيفت مثل "نائب أمير قادم" إذ بهذه الإضافة تقربت من المعرفة وأفادت.
٢- إذا وصفت لفظًا مثل: "حادثٌ هامّ وقع" أو تقديرًا مثل: "أمرٌ أتى بك - شويعر ينشد"، فالتقدير: أمر عظيم أتى بك، شاعر صغير ينشد.
٣- إذا تقدمها الخبر الظرف أو الجار والمجرور: عندي ضيف، ولك هدية.
٤- إذا دلّت على عموم وذلك في سياق النفي أو الاستفهام مثل: ما أحد سافر، هل أحد في القاعة؟
٥- بعد "لولا" أو "إذا" الفجائية: لولا بردٌ لحضرت - خرجت فإذا شرطي واقف.
٦- إذا كانت من الألفاظ المبهمة كأسماء الشرط والاستفهام و"ما" التعجبية" و"كم" الخبرية، مثل: من عندك؟ - ما تفعلْ تجد عاقبته - ما أكرمك! - كم عبرةٍ في التاريخ!
٧- إذا كانت عاملة فيما بعدها، مثل: إكرامٌ فقيرًا حسنة، أمرٌ بمعروف صدقة.
٨- إذا دلت على دعاء: رحمةٌ لك، ويلٌ للظالمين.
٩- إذا قامت مقام الموصوف أو أريد بها الجنس لا فردٌ منه فقط مثل: محسنٌ أفضل من بخيل رجلٌ أقوى من امرأة.
١٠- إذا دلت على تفصيل مثل: صبرًا فيومٌ لك ويومٌ عليك.
١١- إذا وقعت صدر جملة حالية: دخلت السوق ودينارٌ بيدي.
١٢- إلخ.
ويغني عن ذلك كله التمرس بالكلام العربي، فكل موضع تفيد فيه النكرة يصح الابتداء بها، وهذا قانون لا يختلف وإنما حصروا هذه الأحوال لمن لا يثق بملكته.
٢- والمبتدأً مرفوع دائمًا، وقد يجر بحرف جر زائد اطرادًا:
١- بـ"مِنْ" إذا كان نكرة مسبوقة بنفي أَو استفهام: ما عندي من كتابٍ، هل في الدار من أَحد؟
٢- بالباءِ، إذا كان كلمة حسْبُ: بحسبك لُقَيمات.
٣- بـ"رب": إِذا كان نكرة لفظًا أَو معنى: رُبَّ متهمٍ بريءٌ، ربّ من تحبُّ يضرك.
[ ٢٢٨ ]
ب- الخبر:
فالأَصل فيه أَن يكون وصفًا مشتقًا مثل: "خالد مسافر"، ويقع جامدًا إِن تضمن معنى الصفة مثل: "خالد أَسد، لقاؤُه حنظل"، فأَسد بمعنى "شجاع" وحنظل بمعنى "مُرّ". ويجوز أن يأْتي للمبتدأ الواحد أَكثر من خبر مثل: أَنت كاتب شاعر خطيب مناضل.
وهو مرفوع دائمًا، وقد يجر بالباءِ الزائدة بعد نفي مثل: ما خالد بمسافرٍ، وكما يقع اسمًا يقع:
١- جملة فعلية مثل: خالد ذهب.
٢- وجملة اسمية مثل: أَخوك تجارتُه رابحة.
٣- وشبه جملة١ ظرفًا مثل: والدك عند الرئيس، وجارًا ومجرورًا مثل: أَنت بخير. ولابدَّ للجملة الخبرية من رابط يربطها بالمبتدأ، إما: ضمير ظاهر أَو مستتر كالمثالين الأولين، وإما ضمير مقدر: "اللبنُ الرطلُ بمئة قرش" إذ التقدير "الرطل منه بمئة قرش"، أو إشارة إلى المبتدأ مثل: ﴿وَلِباسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .
أَو إعادة لفظة مثل: المروءَة ما المروءَة؟
_________________
(١) يرى كثير من العلماء أن الخبر هو متعلق الجار والمجرور والظرف ويقدرونه بـ"موجود أو كائن". وفي كل منهما ضمير يربطه بالمبتدأ. هذا وظرف المكان صالح لأن تخبر به عن كل اسم، أما ظرف الزمان فلا يخبر به عن الذوات إذ لا معنى لقولك: "أنت في كانون، الأمير يوم الخميس" وإنما يخبر به عن أسماء المعاني فقط فيقال: "عطلتك في كانون، سفر الأمير يوم الخميس". أما قولهم "الورد في أيار" فعلى حذف مضاف وهو "تفتُّح الورد في أيار".
[ ٢٢٩ ]
َأو كلمة أَعم من المبتدأ يدخل فيها: الوفاءُ نعم الخلق.
جـ- تقديم المبتدأ والخبر:
للمبتدأ في الأَصل التقدم مثل "أنا ناجح، أَبوك في الدار" ويجوز تقدم الخبر فتقول: "ناجح أَنا، في الدار أبوك". ولكن منهما مواضع يجب تقديمه فيها على صاحبه.
يتقدم المبتدأ وجوبًا في أربعة مواضع:
١- إِذا كان من أَسماء الصدارة "وهي أَسماءُ الشرط وما حمل عليها وأسماءُ الاستفهام و"ما" التعجبية، و"كم" الخبرية ومصحوب لام الابتداءِ مثل: من عندك؟ رأَي من أَعجبك؟ ما تفعلْه تكافأْ عليه، الذي يفرُّ فعقابه شديد، ما أَنبَلَكَ!، كم عظةٍ مرت بك! لأَنت أَصدق عندي.
٢- إذا التبس بالخبر: صديقي أَخوك - إذا كان هذا أَفضلَ منك فأَفضل منك أفضل مني. "إذا أردت الإخبار عن صديقي بدأت به الكلام، وإن أردت الإِخبار عن أَخيك بدأْت به".
٣- إذا كان بتأْخيره يلتبس بالفاعل: مثل: سليمٌ سافر.
٤- إذا قُصر على الخبر بـ"إلا" أو ما في معناها: ما أَنت إلا كاتب، إنما أَنا شاعر.
ويتقدم الخبر وجوبًا في أَربعة مواضع أيضًا:
١- إذا كان من أَسماءِ الصدارة مثل: متى السفر؟ كم دنانيرك؟ تابع من أنت؟ كيف الحال؟ أين مدرستك؟
٢- إذا التبس بالصفة مثل: "عندي مال - ألك حاجة؟ ". فإذا
[ ٢٣٠ ]
أخرت الظرف لم يعرف السامع أَأَنت تصف المبتدأ بها وإِذًا فلينتظر الخبر، أَم أنت تخبر بها؟ فمنعًا للالتباس وجب تقديم الخبر على الظرف أو الجار والمجرور.
٣- إذا كان في المبتدأ ضمير يعود على بعض الخبر، فتقدم الخبر حتى لا يعود الضمير على متأَخر لفظًا ورتبة مثل: على الخيول فرسانُها.
٤- إذا قُصر الخبر على المبتدأ بـ"إلا" أَو ما في معناها مثل: ما كاتبٌ إلا أَنت - إِنما شاعر أَنا.
د- حذف المبتدأ والخبر:
الأَصل في كل كلمة لا تفهم إلا بذكرها: أَن تذكر، ولكن إذا قام عليها دليل من لفظ أو قرينة جاز حذفها. تجيب من سأَلك: "من في الدار؟ " بقولك: "أَخوك في الدار" أَو تحذف الخبر فتقول: "أَخوك"، وعلى العكس إِذا سئلت: "أَين أَخوك؟ " فتجيب: "أخي في الدار" أَو تحذف المبتدأ فتقول: "في الدار".
ويجب حذف المبتدأ في أَربعة مواضع:
١- إِذا أُخبر عنه بمخصوص "نعم أَو بئس" مثل: "نعم القائد خالد" والتقدير هو "أَي الممدوح" خالد.
٢- إذا أُخبر عنه بنعت مقطوع مثل: "انظر محمدًا الهمامُ - مررت بدعد الفاضلةُ - ترفقْ بجارك العاجزُ".
ولا يقطع النعت إلا إذا أُريد مع تأْدية الخبر قبله إِظهار المدح أَو الذم أَو الترحم، وبهذا القطع وتغيير الإِعراب من حركة النعت إلى
[ ٢٣١ ]
حركة الخبر أَفادت الجملة مؤدى جملتين معًا: الخبر الأول، وشعور الإِعجاب أَو النفرة أَو الترحم، وهذا من أَساليب العربية في الإِيجاز.
٣- إِذا أُخبر عنه بلفظ مشعر بالقسم مثل: في ذمتي لأَصدقنَّ "والتقدير: عهد في ذمتي".
٤- إِذا أُخبر عنه بمصدر نائب عن فعله كقول المصاب: "صبرٌ جميل" أي: حالي صبر جميل. وقول المأَمور لأَميره "سمعٌ وطاعة"١. ويجب حذف الخبر وجوبًا في أَربعة مواضع أَيضًا:
١- بعد الأَلفاظ الصريحة في القسم مثل: "لعمرُ الله لأُناضلنَّ الخائنين، وايمنُ الله لقد ضاع الضعيف". والتقدير: لعمر الله قسمي.
٢- إِذا كان كونًا عامًا تعلق به شبه جملة، أَو سبقته "لولا"، مثل "أَخوك عندي. وأَبوه في المسجد - لولا الشرطيُّ لاعتُدي عليك" فالظرف والجار والمجرور متعلقان بالكون العام المحذوف وجوبًا وهو "موجود، أَو كائن" وخبر لولا كذلك محذوف تقديره "موجود".
فإن لم يكن الخبر كونًا عامًا "وهو ما يفهم دون ذكره مثل: أَنا موجود في الدار" وجب ذكره مثل: أَخوك مسرور عندي، أَبوه يصلي في المسجد - لولا الشرطيُّ واقف لاعتُدي عليك.
٣- أَن يقع بعد اسم مسبوق بواو بمعنى "مع" مثل: أَنت واجتهادُك كل امرئٍ وعملُه. "وتقدير الخبر: ملتزمان أَو متروكان، أَو مقترنان".
_________________
(١) وإذا أتى بعد " لا سيما " خبر مرفوع فمبتدؤه محذوف وجوبا، مثل " أحب الأصدقاء ولا سيما خالد "أي مثل الذي هو خالد".
[ ٢٣٢ ]
٤- أَن تغني عنه حال لا تصلح أَن تكون خبرًا مثل: "أَكلي الحلوى واقفًا"، فـ"واقف" لا معنى لأَن تكون خبرًا لأَكلي، وهي حال من ضمير المتكلم في "أَكلي"، لكن الكلام تم والمعنى اتضح. ويطرد ذلك في موضعين:
الأَول: إِذا كان المبتدأُ مصدرًا مضافًا إلى معموله كالمثال المتقدم، فإِن "أَكل" المبتدأ مصدر أُضيف إلى فاعله "ياء المتكلم".
الثاني: إذا كان اسم تفضيل أُضيف إلى مصدر صريح أَو مؤول مثل: "أَرضى تدريس المعلم عنده وهو نشيط، أَقرب ما يكون العبدُ من ربه ساجدًا".
هـ- تطابقهما:
يتطابق المبتدأُ والخبر تذكيرًا وتأْنيثًا، وإِفرادًا وتثنية وجمعًا، تقول: الرجل فاضل، المرأَتان فاضلتان، الطلاب فاضلون، الطالبان يجتهدان.. إلخ لأَن في كل خبر ضميرًا ملحوظًا يعود على المبتدأَ:
لا يستثنى من ذلك إلا الصفة الواقعة مبتدأ بعد نفي أَو استفهام، فإن معمولها يغني عن الخبر ويسد مسدَّه: أَمسافر أَخوك؟ ما مقصرٌ معلموك، ما مذمومٌ أخلاقُك، أَلبنانيٌّ رفيقُك؟
وذلك لأَن هذه الصفات "كما مر بك ص١٩٧ فما بعد" تشبه الفعل فتعمل عمله، فـ"مسافر" في المثال الأَول المبتدأ وهي اسم فاعل و"أَخواك" فاعل لاسم الفاعل سد مسد الخبر، و"رفيقك" في المثال الأخير نائب
[ ٢٣٣ ]
فاعل للاسم المنسوب الواقع مبتدأ وهو "لبناني" وقد أَغنى عن الخبر.
فإن تطابقا في كل من الأَمثلة المتقدمة كانت الصفة خبرًا "مقدمًا جوازًا" وما بعدها مبتدأ مؤخر، مثل: "أَمسافران أَخواك؟ " ما مقصرون معلموك، ما مذموماتٌ أخلاقك. أَما "أَلبناني رفيقُك" فلفظها واحد إن نوي التطابق أَم لم يُنْوَ، ولذا جاز إعرابهما خبرًا مقدمًا فمبتدأً، أو مبتدأً فنائبَ فاعل أغنى عن الخبر.
[ ٢٣٤ ]
الشواهد:
"أ"
١- إِني لمن معشر أَفنى أَوائلَهم
قيلُ الكماة: أَلا أَين المحامونا؟
لو كان في الأَلف منا واحد، فدَعوْا: من فارسٌ؟ خالهم إِياه يعنونا
بشامة بن حزن النهشلي
٢- أَلا ليت شعري: هل إِلى أُم جَحْدَر سبيل؟ فأَما الصبرُ عنها فلا صبرا
ابن ميادة
٣- ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [سورة محمد: ٤٧/٢١]
٤- ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٢/١٨]
٥- ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢/١٨٤]
[ ٢٣٥ ]
٦- ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ، لَهُمْ ما يَشاؤُونَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [سورة ق: ٥٠/٢٤- ٢٥]
٧- ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٦/٢٥]
٨- ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدٍ﴾ [سورة فصلت: ٤١/٤٦]
٩- ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [سورة الرعد: ١٣/٧]
١٠- ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [سورة الرعد: ١٣/٢٤]
١١- أَهابكِ إِجلالًا، وما بك قدرةٌ عليَّ، ولكن ملءُ عين حبيبُها
الأحوص
١٢- فقالت: حنانٌ، ما أَتى بك ها هنا أَذو نسب أَم أَنت بالحي عارف
منذر بن درهم الكلبي
١٣- وهل أَنا إِلا من غَزِيَّة: إِن غوتْ غويْت وإِن ترشدْ غزيةُ أَرشُدِ
دريد بن الصمة
١٤- تسمعُ بالمعَيديِّ خير من أَن تراه. - اليوم خمرٌ وغدًا أَمر -
[ ٢٣٦ ]
أَمرٌ أَتى بك - شرٌّ أَهرَّ ذا ناب
١٥- تنادَوا، فقالوا: أَردَتِ الخيلُ فارسًا فقلت: أَعبدُ الله ذلكم الردي؟
دريد بن الصمة
١٦- ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [سورة إبراهيم: ١٤/٢١]
١٧- ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشَى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران: ٣/١٥٤]
١٨- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ، إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر: ٣٥/٢٢- ٢٤]
١٩- لعمركُ ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجراتُ الطير: ما الله صانع
لبيد
٢٠- رُبَّ من أَنضجتُ غيظًا قلبَه قد تمنى لي موتًا لم يُطَع
سويد اليشكري
"ب"
٢١- فياربِّ، هل إِلا بك النصر يُرتجى عليهم وهل إلا عليك المعوَّل
الكميت
٢٢- قال لي كيف أَنت؟ قلت: عليل
سهرٌ دائم وحزن طويل-؟
[ ٢٣٧ ]
٢٣- أَقاطنٌ قومُ سلمى أَم نوَوْا ظَعنًا إِن يظعنوا فعجيبٌ عيشُ من قطَنا-؟
٢٤- خليليَّ ما وافٍ بعهديَ أَنتما إذا لم تكونا لي على من أُقاطع؟
٢٥- غيرُ مأُسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن
أبو نواس
٢٦- فيومٌ علينا، ويومٌ لنا ويومٌ نُساءُ، ويومٌ نُسرّ-؟
٢٧- خبير بنو لِهْب فلا تك مُلْغِيًا
مقالة لِهْبِي إِذا الطيرُ مرتِ
طائي
٢٨- عندي اصطبارٌ، وأَما أَنني جزِع يوم النوى فلوجدٍ كاد يبريني؟
٢٩- يذيب الرعب منه كل عضب فلولا الغمد يمسكه لسالا
المعري
٣٠- يداك: يدٌ خيرها يرتجى
وأُخرى لأَعدائها غائظة-؟
[ ٢٣٨ ]
*
خبر "إن" وأخواتها
معاني الأدوات - أحكام عامة - أحكام خاصة ببعضها - أحكام لا
المبتدأُ المسبوق بإِحدى الأَدوات الآتي بيانها يصبح منصوبًا على أَنه اسم لها، تقول في: "النبلُ جمالٌ لصاحبه، زهيرٌ يصحبنا": "إن النبلَ جمال لصاحبه، لعل زهيرًا يصحبنا".
معاني الأدوات:
"إِنَّ وأَنَّ" يفيدان التوكيد لمضمون الجملة، فنسبة الخبر إلى المسند إليه في قولك: "إن زهيرًا يصحبنا، ظننت أَنك مسافر" أَقوى وأَوكد من قولك "زهير يصحبنا، ظننتك مسافرًا".
و"كأَنَّ" تفيد التشبيه والتوكيد، والتوكيد هو ما تزيده في المعنى على كاف التشبيه، فقولك: "ثبت الفرسان على الجياد كأَنهم الأَطواد" أَقوى وأَوكد من قولك: "ثبت الفرسان على الجياد كالأَطواد" وإن كان المضمون واحدًا في الجملتين.
يفترض بعضهم أن: كأَن = ك إن، فقولك "كأنك أسد" أصله عندهم "إنك كأسد" فلما أرادوا بناء الجملة على التشبيه قدموه اهتمامًا به وفتحوا همزة "إن" بعد تقديم الكاف فقالوا: "كأنك أسد".
[ ٢٣٩ ]
"ولكنَّ" تفيد الاستدراك والتوكيد، تقول: "حضر الطلاب لكنَّ سليمًا غائب"، ولولا قولك "لكن.." لفهم أَن سليمًا في الحاضرين ولذلك استدركت. وأَما التوكيد فكقولك: "لو استجبتَ لي لكوفئت، لكنك لم تستجب" فما بعد "لكن" كان مفهومًا من الجملة الأُولى، وإنما أُتيَ به للتوكيد.
و"ليت" تفيد التمني وهو طلب المتعذر مثل: "ليت أَيامَ الصبا رواجع" أَو بعيد الوقوع مثل: "ليت لهذا الفقير صيغةً تغنيه عن السؤال"، وتأْتي قليلًا للممكن القريب مثل: "ليتك تصحبنا".
و"لعل" ويقال فيها "علَّ" أيضًا، تفيد التوقع وهو حصول الممكن، فإن كان محبوبًا أَفادت الترجي مثل "اجتهد لعلك تنجح هذه المرة"، وإِن كان مكروهًا أَفادت الإِشفاق مثل: "لا تعلق أَملك بفلان لعله هالكٌ اليوم أَو غدًا".
هذا أَغلب أَحوالها، وقد تأْتي للتعليل مثل "اعمل لعلك تكسب قوتك: اعمل لكي تكسب قوتك". وقد تدخل "أَنْ" على خبرها نادرًا فتشبه عسى مثل: "لعل الله أَن يفرج عنا"١.
و"لا" تفيد نفي الجنس. مثل "لا رجلَ في القاعة"٢.
وتسمى هذه الأَدوات أحرفًا مشبهة بالفعل لسببين: أَولهما أَن المعاني
_________________
(١) و"عقُيل" من قبائل العرب تكسر لامها الأخيرة وتجرّ بها الأسماء جوازًا.
(٢) ومنهم من أضاف إلى هذه الأدوات "عسى" ونصّ على أنها لغة ضعيفة. ويكون اسمها حينئذ ضميرًا، مثل "عساك ذاهب"، ولم ترد إلا في الشعر نادرًا، وهي مهجورة الاستعمال.
[ ٢٤٠ ]
التي تؤديها وهي "التوكيد والاستدراك والتمني والترجي" تؤدي عادةً بأَفعالٍ، والثاني سبب صناعي إِذ كانت جميعًا عدا "لا" مبنية على الفتح فأَشبهت الفعل الماضي في ذلك.
أحكام عامة:
١- أَخبار هذه الأَدوات يجوز أَن تكون مفردة أَو جملة فعلية أَو جملة اسمية أَو شبه جملة "ظرفًا أَو جارًا ومجرورًا"، حكمها في ذلك جميعًا حكم ما مرّ بك في مبحث "المبتدأ والخبر".
٢- اسم هذه الأَدوات لا يحذف بحال، أَما حذف أَخبارها فكما تقدم في حذف الخبر: يجوز حذفه إِذا كان كونًا خاصًا ودلَّ عليه دليل كأَن يسأَلك سائل "أَأَنت مسافر معنا؟ " فتجيب: "لعلي"، حاذفًا الخبر "مسافر" لقيام دليل عليه، ومثل ذلك قولك لمخاطبك "لا بأْسَ، لا ضيرَ، لابدَّ" والأَخبار المحذوفة جوازًا مفهومة لأن تمام هذه الجمل: "لا بأْسَ عليك، لا ضيرَ في ذلك لابدَّ من هذا".
ويحذف الخبر وجوبًا إِذا كان كونًا عامًا مثل "إِن أَخاك في الدار لكنَّ أَباك عندي" فالخبر في الجملتين تقديره "موجود" وبه يتعلق الجار والمجرور والظرف.
ومن ذلك التركيب الشائع "ليت شعري ماذا صنع؟ " فإن خبره واجب الحذف دائمًا وتقديره "حاصل" إِذ معنى الشعر: العلم. فكأَنك قلت: "ليت علمي بصنعه حاصلٌ لي"، أَو "ليتني أَعلم ماذا صنع". ولا يأْتي بعد هذا التركيب إلا استفهام، والجملة الاستفهامية في محل
[ ٢٤١ ]
نصب مفعوله للمصدر "شعري".
٣- هذه الأَدوات لا تتقدم أَخبارها على أَسمائها أَبدًا، وبذلك تخالف أَحكام "المبتدأَ والخبر" التي مرت في البحث السابق.
فإِذا كان الخبر كونًا عامًا جاز لمعموله الظرف أو الجار والمجرور في غير "لا" التقدم على الاسم مثل: "إن في الدار أَخاك، لكنَّ عندي أَباك"، والخبر "موجود أَو كائن" يقدر مؤخرًا عن الاسم.
وإنما يجب تقديم المعمول الظرف أَو الجار والمجرور إِذا لزم من تأْخيره عود الضمير على متأَخر لفظًا ورتبة "كما سبق لك في وجوب تقديم الخبر مثل: إن في المدرسة مديرَها"، وإِذا اقترن الاسم بلام التوكيد مثل: "إِن عندي لخالدًا".
ومعمول الخبر يجوز دائمًا أن يتوسط بين الاسم والخبر مثل: "إِن خالدًا عندي مقيم، لعل زهيرًا دَينَه يستوفي".
٤- بديهي أَنك إذا عطفت على اسم إِحدى هذه الأَدوات أَن تعطفه منصوبًا تقول: "إن أَخاك وأَباك في الدار، إِن أَخاك في الدار وأَباه" "لعل سعيدًا مسافر وخالدًا".
ويجوز العطف بالرفع على اسم "إِنَّ وأَنَّ ولكنَّ" فقط، بعد استيفاءِ الخبر، تقول: "إِنَّ أَخاك رابحٌ وأَبوك" وتقدر الخبر محذوفًا جوازًا "رابحٌ أَيضًا" ويكون الكلام من عطف الجمل فإن نصبت المعطوف فقلت "أباك" قدرت "إن" قبل الاسم وقدرت الخبر بعده.
أَما إِذا عطفت على اسم إحدى هذه الأَدوات الثلاث قبل مجيء
[ ٢٤٢ ]
الخبر، فإِما أَن تنصب إذا طابق الخبر الأَسماء المتعاطفة لأَنه ليس لك غرض معنوي غير العطف مثل "إِن أَخاك وأَباك مسافران"، وإن كان هناك غرض معنوي يمتاز به المعطوف، رفعت وقدرت له خبرًا محذوفًا، وكانت جملته معترضة بين اسم "إن أَو أَن أَو لكن" وخبرها. مثل ذلك الآية الكريمة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة المائدة: ٥/٦٩]
قررت الآية أن الإيمان والعمل الصالح يذهبان الحزن والخوف عن صاحبهما أيًا كان دينُه في الماضي، وإنما رُفعت "الصابئون" وحدها وجعلت مع خبرها المقدر جملة معترضة "والصابئون كذلك" لأن الصابئين وهم لا كتاب سماوي لهم، دون بقية الأصناف "اليهود والنصارى والذين آمنوا" في المرتبة، فإذا كان الصابئون ينجون إذا آمنوا وعملوا صالحًا، فالباقون وهم ذوو كتب منزلة وماض في الإيمان، أولى بالنجاة لا محالة.
أحكام خاصة:
أولًا: "إن" وفيها حكمان: دخول لام الابتداءِ على أَحد معموليها وفتح همزتها وجوبًا أَو جوازًا:
١- تدخل لام الابتداءِ على المبتدأَ للتوكيد تقول "لخالدٌ ناجحٌ"، فإِذا أُريد إدخال "إن" على هذه الجملة، وهي للتوكيد أَيضًا كما مر بك، لم يجز الجمع بينهما متجاورتين، فتزحلق اللام إلى الخبر فتقول: "إن خالدًا لناجحٌ" ومن هنا يسميها بعضهم اللام المزحلقة.
وإنما يجوز دخولها على الخبر إذا لم يقترن بأداة شرط مثل "إنك إن
[ ٢٤٣ ]
تحسنْ تحمدْ" ولا نفي مثل: "إن خالدًا لم يسافر"، وأَلا يكون ماضيًا متصرفًا غير مسبوق بـ"قد": "إني رضيت" وأَمثلة دخولها جوازًا: "إنك لتحمدُ إِن أَحسنت، إِن خالدًا ليسافر، إِني لقد رضيت، إِني لحظي حسن، إِن أَخاك لنعم الرفيق، إِن المكافأَة لعندي، إِن أَباك لفي الدار، إِنني لإِياك أَحمد، وإِنه لغدًا مسافر..إلخ".
وقد دخلت على معمول الخبر كما رأَيت في الأَمثلة الأَخيرة لأَن الخبر نفسه مستوف شروط دخولها عليه، وإِلا لما جاز دخولها على معموله.
أَما دخولها على ضمير الفصل١ فجائز دائمًا مثل: "إن زهيرًا لهو الشاعر"، هذا ولا تدخل "إن" على اسم له الصدارة أبدًا إلا ضمير الشان٢، ولا على جملة حذف مبتدؤُها وجوبًا.
٢- همزة "إن" مكسورة إِذا لم يمكن تأُويلها مع جملتها بمصدر يحل محلهما، فإِن أُوّلتا بمصدر قام مقامهما في الكلام وجب فتح همزتها، وإن أمكن التأْويل وعدمه جاز الفتح والكسر، هذا هو الحكم المطَّرد في ذلك، وإليك تفصيل هذه الأحوال الثلاث:
_________________
(١) يقع هذا الضمير بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر ليفيد توكيد المعنى وتحقيق نسبة الخبر إلى المبتدأ، وليرفع التباس الخبر بالصفة، ويجعله بعضهم مبتدأ لما بعده وجملته خبرًا لما قبلها، وكثيرون يجعلونه حرفًا لا محل له من الإعراب وإن كان علىهيئة الضمائر.
(٢) فلما دخلت على " من " الشرطية وهي صدر، قدروا لها اسما ضمير الشأن، ليبقى اسم الشرط متصدرا جمله الخبر مثل: " إن من يجتهد ينجح" فقدروا الأصل " إنه: من يجتهد ينجح".
[ ٢٤٤ ]
أَ- تكسر همزة إن في المواضع الآتية:
١- أَن تقع أًول الكلام ابتداءً أَو استئنافًا أَو مسبوقة بحرف تنبيه أَو استفتاح أَو جواب أَو ردعٍ أَو "حتى" الابتدائية، مثل: "إِني مسافر، أَتريدني على البقاءِ؟ إِني غير باق، أَلا إن خالدًا غاضب، أَما إِني لمخطئٌ، نعم إِنك مصيب، كلا إن الفاسق لن ينجح، أَضربَ عن الكلام حتى إِنه لم ينبس ببنت شفة".
٢- إذا حكيت بالقول: قلت: إِني موافق.
٣- بعد واو الحال: قابلتهم وإني لمريض.
٤- إذا كانت جوابًا لقسم: والله إِن أَباك لمحقّ.
٥- إِذا كانت صدر جملة صلة أَو صفة: أَعطيته ما إِنَّ نصفه ليكفيه، لقيت رجلًا إِنه نبيل.
٦- إذا كانت خبرًا عن اسم ذات: أَخوك إنه مسرور.
٧- أن يكون في خبرها لام الابتداء: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ .
ب- ويجب فتح همزتها إذا أَمكن تأْويلها مع جملتها بمصدر مرفوع أَو منصوب أَو مجرور، وذلك في المواضع الآتية:
١- أَن تقع مع جملتها فاعلًا١: سرني أَنك ناجح "سرني نجاحُك".
٢- أَن تقع مع جملتها نائب فاعل: أُشيع أَنك مسافر "أُشيع سفرُك".
_________________
(١) ولو لفعل محذوف مثل: لو أنك حضرت أكرمتك – " لو ثبت حضورك " أكرمتك ما أنك مجتهد – " ما ثبت اجتهادك ".
[ ٢٤٥ ]
٣- أَن تقع مع جملتها مبتدأً: من ذنوبك أَنك مهمل: "من ذنوبك إهمالُك".
٤- أَن تقع مع جملتها خبرًا عن اسم معنى: اعتقادي أن التجارة رابحة: "اعتقادي ربْح التجارة".
٥- أَن تقع مع جملتها مؤولة بمصدر يقع مفعولًا به: علمت أَنك صالح: "علمت صلاحَك".
٦- أَن تقع مع جملتها خبرًا لاسم "كان أَو إحدى أخواتها" على أَن يكون اسم معنى: كان ظني أَنك منصف: "إِنصافَك".
٧- أَن تقع مع جملتها بعد حرف جر أَو اسم يضاف إليها: أَكرمته لأَنه حييّ "أَكرمته لحيائه"، حضر يوم أَنك مرضت: "يوم مرضك".
٨- إذا وقعت جملة "إن" معطوفة على اسم أَو بدلًا منه: شاع سفرك وأَنك مرافقٌ أَخاك: "سفرُك ومرافقتُك أَخاك". أعجبت بأَخيك أَنه فصيحٌ: "بأَخيك فصاحتِه".
جـ- ويجوز كل من الفتح والكسر إذا أَمكن التأْويل بالمصدر وعدم التأْويل وذلك:
١- بعد إذا الفجائية: "خرجت فإِذا أَن الأَسد متحفِّزٌ" إن كسرت فعلى أَن ما بعد "إذا" جملة مستقلة. والفتح على أَنها مؤولة بمصدر خبره "حاصل" والتقدير: "فإِذا تحفُّز الأَسد حاصل".
٢- بعد "حيث" و"إذ": "قف حيث إِن أخاك واقف" فالكسر
[ ٢٤٦ ]
على أَن ما بعد حيث جملة مستقلة غير مؤولة، والفتح على أنها مؤولة بمصدر خبره محذوف والتقدير "حيث وقوفه حاصل" ومثلها سافرت إذ إِن الأَمير استدعاني.
٣- بعد الفاءِ الرابطة لجواب الشرط مثل: "من يجتهدْ فإِنه ينجح" الكسر على أَن ما بعد الفاءِ جملة مستقلة في محل جزم جواب الشرط، والفتح على أَنها مؤولة بمصدر خبره "حاصل" والجملة المؤَولة كلها "فنجاحه حاصل" في محل جزم جواب الشرط".
٤- أن تفيد جملتها التعليل، مثل: "أَعطه، إِنه مستحق" فتفتح على تقدير اللام الجارة "أَعطه لاستحقاقه" وتكسر على الاستئناف كأَنها جواب سائل سأَل "لمَ أُعطيه؟ ".
والكسر في ذلك كله أَولى لأَنه لا يحيج إلى تأْويل ولا تقدير خبر.
ثانيًا - قد تخفف النون المشددة في إنَّ وأَنَّ وكأَنَّ ولكنَّ، وهذه أَحوالها بالترتيب:
"إنّ": إذا خففت قل إعمالها مثل: "إنْ خالدًا مسافر". والأكثر أن تهمل ويجب حينئذ دخول اللام على خبرها مثل: "إن خالد لمسافر" وذلك فرقًا بين "إِنْ" المخففة و"إنْ" النافية، ولولاها لالتبس المعنى على السامع، وتسمى هذه اللام بالفارقة. فإن قامت قرينة تدفع الالتباس جاز إهمال اللام الفارقة: "إِنْ أخوك محسن ولذا نحبه".
وإذا وليها فعل كانت مهملة حتمًا، ويكون هذا الفعل من النواسخ "كان وأخواتها، أو ظن وأخواتها" وتدخل اللام الفارقة حينئذ على خبر
[ ٢٤٧ ]
هذه الأفعال. وأكثر ما يأْتي منها بعد المخففة الفعل الماضي مثل: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ . "إِنْ ظننتك لمن الناجحين"، ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ . وأَقل من ذلك أَن يأْتي مضارعًا مثل: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ .
ويندر أَن يأْتي ماضيًا غير ناسخ مثل: إنْ آذيتَ لمحسنًا: إنك آذيت محسنًا. وشذ إتيانه مضارعًا غير ناسخ مثل: إِنْ يزينك لنفسُك وإن يشبنُك لَهِيهْ.
"أَنَّ وكأَنَّ ": إذا خففتا لم تدخلا على الأسماء إلا في الضرورات الشعرية، وتدخلان على الجمل الاسمية مثل: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾، "كأَن أخواك أَسدان" وحينئذ لا تحتاجان إلى فاصل بينهما وبين ما بعدهما.
أَما إذا دخلتا على فعل غير جامد فلابد في "كأَنْ" من فاصل بينهما وبين الفعل إما "قد" وإما "لم" مثل: بادوا كأَنْ لم يكونوا - احذر الخطر كأَنْ قد وقع.
ولابدَّ في "أَنْ" أَيضًا أَن يَفْصل بينهما وبين الفعل المتصرف "قد" أو "س أَو سوف" أَو أَداة شرط أَو نفي بـ"لن" أَو "لم" أَو "لا" مثل: "اعلم أَنْ قد وقع ما تحذر، أَرى أَنْ سننجحُ، أيقن أَنْ لو حضر لاستفاد، ظننت أنْ لن يسافر"، وقد مرّ بك أن "أَنْ" المسبوقة بفعل دال على اليقين هي هذه المخففة من "أَنَّ" وإنما فصل بينها وبين الفعل بما تقدم حتى لا يُلتبس بينها وبين الناصية للمضارع.
[ ٢٤٨ ]
وأَنت في إعمال "أَنْ وكأَنْ" المخففتين بين مذهبين: مذهب سهل يلغي عملهما واختصاصهما، ومذهب آخر قال به الجمهور: يجعلهما عاملتين ويجعل اسمهما ضمير شأْن محذوفًا والجملة بعدهما هي الخبر، والتقدير حينئذ: آخر دعواهم أَنه "أَي الشأْن": الحمد لله رب العالمين.
"لكنَّ": إِذا خففت بطل عملها باتفاق، وزال اختصاصها بالأَسماءِ فجاز دخولها على الأَسماءِ والأَفعال على السواءِ تقول: "حضروا لكنْ أَخوك غاب: لكنْ غاب أَخوك".
ثالثًا - اتصال هذه الأَدوات بـ"ما".
إِذا اتصلت "ما" بهذه الأَدوات كفَّتها جميعًا عن العمل إِلا "ليت" وأَزالت اختصاصها بالأَسماءِ فدخلت على الجملة الاسمية والجمل الفعلية، تقول: "إِنما أَخوك ناجح، علمت أَنما يقاومونك، يتوجع كأَنما يضربُ بالسياط، حضروا لكنما أَخوك غائب، اصبر فلعلما يأْتي الفرج".
أَما "ليت" فتبقى مختصة بالأَسماءِ ولذا أجازوا إبقاء عملها وإِلغاءَه، تقول "ليتما أَحمَدُ غَنيٌّ".
و"ما" هذه تسمى كافة لأَنها كفت هذه الأَدوات عن عملها وعن اختصاصها بالأَسماءِ.
أحكام لا:
تفيد "لا" استغراق النفي لجميع أفراد الجنس المذكور إزاءَها، وهي في توكيدها النفي تشبه "إنَّ" في توكيد الإثبات ولذلك عملت، تقول "لا رَجلَ في القاعة".
[ ٢٤٩ ]
أَ- وتعمل عمل "إنَّ" بشروط أربعة:
١- أَن يراد بها استغراق النفي لجميع الأَفراد نصًا لا احتمالًا١.
٢- أَن يكون اسمها وخبرها نكرتين لفظًا مثل "لا غاشَّ رابحٌ" أَو معنىً كالأعلام المشتهرة بصفات حين يراد صفاتها لا مسمياتها الأَصلية مثل "لا حاتمَ فيكم ولا عنترة" بمعنى "لا جواد فيكم ولا شجاع" وكذلك إذا قصد بالعلم رجلٌ ما ممن سمي بهذا الاسم، مثل "لا يزيدَ بيننا" بمعنى "لا رجل اسمه يزيد بيننا".
٣- أَلا يفصل بينها وبين اسمها بفاصلٍ ما، فإن فصل ولو بمعمول الخبر أُلغي عملها وكررت.. مثل "لا في الدار خبزٌ ولا ماءٌ".
٤- ألاَّ تسبق بحرف جر مثل "حضروا بلا كتبٍ"، إذ لا عمل لها هنا البتة غير إفادة النفي، وما بعدها مجرور بحرف الجر قبلها.
هذا واسم "لا" منصوب إن كان مضافًا أَو شبه مضاف مثل "لا رجل خيرٍ مذمومٌ، لا كريمًا أَصلهُ مكروهٌ، لا آمرًا بمعروفٍ خاسرٌ، لا مكرمي فقرائهم نادمون.. إلخ" وظاهر أَن الشبيه بالمضاف هو الصفة العاملة فيما بعدها.
فإِذا لم يكن اسم "لا" مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف بني على ما ينصب به مثل: "لا خيرَ ضائع، لا متآخييْن يخسران، لا فاضلاتِ مذمومات".
وتعتبر "لا" مع اسمها في محل رفع على الابتداءِ، وهذا الاعتبار صناعي بحت.
_________________
(١) المحتملة: نفي الجنس ونفي الوحدة " لا " العاملة عمل ليس وقد مرت في باب الأفعال الناقصة.
[ ٢٥٠ ]
ب- وهذا حكم "لا" أن تكررت وحكم التابع لاسمها عطفًا أَو نعتًا نذكرهما للتدريب:
أَ- في الجملة "لا حولَ ولا قوَّةَ إِلا بالله" أَوجه خمسة:
١- بناء الاسمين على أنهما اسمان لـ"لا" ٢- بناء الأول ورفع الثاني: "لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله" بعطف قوة على محل "لا حولَ" ومحلهما عندهم الابتداء ٣- بناء الأول ونصب الثاني عطفًا على محل اسم لا: "لا حول ولا قوةً إلا بالله" وهذا أضعف الأوجه. ٤- رفع الأول وبناء الثاني: "لا حولٌ ولا قوةَ إلا بالله". ٥- رفع الاسمين معًا بإهمال "لا" في الموضعين "لا حولٌ ولا قوةٌ إلا بالله".
ب- إذا اتبع اسم "لا" غير المكررة معطوف أَو نعت جاز فيه النصب إتباعًا للفظ، والرفع إتباعًا لمحل "لا مع اسمها"، تقول: "لا طالبَ وطالبةً في القاعة: لا طالبَ وطالبةٌ في القاعة، لا رجلَ فاضلًا خاسر: لا رجلَ فاضلٌ خاسر" ومراعاة اللفظ أَحسن.
فإن كان التابع نعتًا متصلًا بالاسم غير مضاف ولا شبيهًا بالمضاف، جاز الوجهان المتقدمان ووجه ثالث هو بناؤُه على الفتح: "لا رجلَ فاضلَ خاسر" فمتى فصلتَ أَو أَضفت لم يجز هذا الوجه الثالث، تقول: "لا رجلَ ذا فضل خاسر: لا رجل ذو فضلٍ" وامتنع البناءُ.
خاتمة - قد يكتفي العرب بأحد معمولي "لا" إذا عرف الآخر فيحذفونه مثل: "لا ضيرَ، لا بأْسَ.." فقد حذفوا الخبر وتقديره "عليك"، "لا فوتَ" بحذف "لهم"، "لاشك" حذفوا "في ذلك".. إلخ وأحيانًا يعكسون فيقولون: "لا عليك" بحذف الاسم "بأْسَ".
[ ٢٥١ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص: ٢٨/٧٧]
٢- ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٧/١٠٠]
٣- ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [سورة المنافقين: ٦٢/١]
٤- ﴿قُلْ إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ﴾ [سورة الكهف: ١٨/١١٢]
٥- ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الصافات: ٣٧/١٤٤- ١٤٥]
٦- ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ
[ ٢٥٢ ]
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٨/٨]
٧- ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام: ٦/٥٤]
٨- ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها وَلا تَضْحَى﴾ [سورة طه: ٢٠/١١٨- ١١٩]
٩- ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [سورة البلد: ٩٠/٦]
١٠- ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥/١١٣]
١١- ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَنْ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [سورة النجم: ٥٣/٣٧- ٤١]
١٢- ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [سورة التوبة: ٩/٣]
١٣- ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها
[ ٢٥٣ ]
وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة يونس: ١٠/٣٥]
١٤- زعم الفرزدق أَنْ سيقتلُ مِربعًا أَبشر بطول سلامة يا مربعُ
جرير
١٥- أَزِف الترحلُ غير أَنَّ ركابنا لما تزُلْ برحالنا وكأَنْ قدِ
النابغة
١٦- هذا - لعمركُم - الصغارُ بعينه لا أُمَّ لي - إِن كان ذاك - ولا أَب
همام بن مرة
١٧- إِنَّ من يدخلِ الكنيسة يومًا يلق فيها جآذرًا وظباءا
الأخطل
١٨- فمنْ يكُ أَمسى بالمدينة رحلُه فإِني، وقيَّارٌ بها، لغريب
ضابئ البرجمي
١٩- ولا تدفننِّي بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أَنْ لا أَذوقُها
ابو محجن الثقفي
- بأَي بلاء يا نميرَ بنَ عامر ٢٠وأَنتم ذُنابى لا يدَيْنِ ولا صدر
جرير
٢١- فلا لغوٌ ولا تأْثيِمَ فيها وما فاهوا به أَبدًا مقيم
أمية بن أبي الصلت
٢٢- شلَّتْ يمينُك، إنْ قتلتَ لَمسلمًا حلتْ عليك عقوبةُ المتعمد
عاتكة زوج الزبير
[ ٢٥٤ ]
"ب"
٢٣- ويومًا توافينا بوجه مقسَّم كأَنْ ظبيةً تعطو إلى وارق السلم١
أرقم بن علباء
٢٤- تيقنت أَنْ ربَّ امرئ خيل خائنًا أَمينٌ، وخوانٍ يخال أَمينا-؟
٢٥- ونبكي على زيدٍ، ولا زيدَ مثله بريءٌ من الحمى، سليم الجوانح؟
٢٦- فقلت: عساها نارُ "كأْس"، وعلَّها
تشكَّى فآتي نحوها فأَعودها
صخر بن جعد الحضرمي
٢٧- ولي نفس أَقول لمها إِذا ما تنازعني لعلي أَو عساني
عمران بن حطان
٢٨- وكنت أَرى زيدًا كما قيل سيدًا
إذا أَنه عبد القفا واللهازم-؟
٢٩- فمن يك لم يُنجب أَبوه وأُمه فإِنَّ لنا الأُمَّ النجيبة والأَبُ-؟
٣٠- أَنا ابنُ أُباة الضيم من آل مالك وإِنْ مالكٌ كانت كرامَ المعادن
الطرماح
٣١- لقد علم الضيف والمرملون إذا اغبرَّ أُفق وهبَّتْ شمالا
بأَنْك ربيع وغيث مريع وأَنْك هناك تكون الثمالا
جنوب الهذلية
٣٢- علموا أَنْ يؤملون فجادوا قبل أَن يُسأَلوا بأَعظم سؤل-؟
٣٣- فقام يذود الناس عنها بسيفه
وقال أَلا لا من سبيلٍ إلى هند؟
٣٤- فلا أَبَ وابنًا مثل مروان وابنه
إذا هو بالمجد ارتدى وتأَزرا-؟
_________________
(١) مقسم: جميل. السلم: شجر
[ ٢٥٥ ]
*
المنصوب من الأسماء
ما خلا من الإسناد والإضافة إلى اسم أو حرف فموضعه النصب، وأفراده: المفعول المطلق، والمفعول به، والمفعول لأجله، والمفعول معه، والمفعول فيه، والحال، والتمييز، والمستثنى، والمنادى، وتابع المنصوب.
[ ٢٥٦ ]
المفعول المطلق
أغراضه - ما ينوب عنه - حذف عامله - الكلمات الملازمة للمصدرية
أَ- المفعول المطلق مصدر يذكر مع فعل أَو شبهة من لفظه لأَحد أَغراض أَربعة:
١- لتوكيده، مثل: أَعدو كل صباح عدْوًا. أَنا مسرور بك سرورًا. هذا عطاؤُك عطاءً مباركًا.
٢- أَو لبيان نوعه، مثل: يأْكل إِكلةَ العجلان ويجتهد اجتهاد الطامحين.
٣- أَو لبيان عدده: أَستريح في كل مرحلة استراحتين وأَشرب شرباتٍ أربعًا.
٤- أَو يذكر بدلًا من لفظ فعله مثل: صبرًا على الأَهوال.
والأَول والرابع لا يثنيان ولا يجمعان، أَما المصادر المفيدة عددًا
[ ٢٥٦ ]
فتثنى وتجمع كما رأَيت، والمفيدة نوعًا تثنى أَيضًا وتجمع إِذا تعددت أَنواعها مثل العلوم والآداب والفنون.
وناصب المفعول المطلق الفعل المذكور معه أَو شبهه كالمصدر والمشتقات.
وهو ينصب محلّىً بـ"ال" الجنسية أَو العهدية مثل "قرأْت القراءَة التي تعرف، ذهبت الذهابَ"، أَو مضافًا مثل "يسير سيْرَ المتّئدين" أو مجردًا من "ال" والإِضافة مثل: "قمت قيامًا".
ويسمون المصدر المذكور للتوكيد أَو بدلًا عن فعله "مبهمًا"، والمبين نوعًا ما أَو عددًا، "مختصًا" نظرًا إلى الصفة الزائدة فيه.
ب- ينوب عن المصدر أَحد عشر شيئًا:
١- اسم المصدر: سلمت عليه سلامًا.
٢- مرادفه أو مقاربه: فرحت جذلًا، قمت وقوفًا١.
٣- ملاقيه في الاشتقاق: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فتبتيل ليست مصدرًا لـ"تبتل".
٤- صفته: أَكل أَخوك كثيرًا "الأَصل: أَكل أخوك أَكلًا كثيرًا" فنابت صفة المصدر "أَكلًا" منابه.
ومن صفة المصادر هذه الكلمات "كل، بعض، أَيّ الكمالية" حين تضاف إلى المصادر مثل: "رضي كلَّ الرضى، فهمَ بعضَ الفهم. فرحت أيَّ فرح"، لأَن أَصل هذه الكلمات صفات للمصادر المحذوفة والتقدير:
_________________
(١) الوقوف لا يراد في القيام وإنما يقاربه، لأنه يكون من سير والقيام يكون من قعود. تقول كنت ماشيا فوقفت، وكان قاعدا فقام.
[ ٢٥٧ ]
"رضي رضىً كلَّ الرضى، فهم فهمًا بعضَ الفهم، فرحت فرحًا أَيَّ فرح" فلما حذفت المصادر نابت صفاتها منابها.
٥- نوعه: رجعوا القهقرى، قعد القرفصاءَ١. وأَصل التركيب رجعوا رجوعَ القهقرى، قعد قعودَ القرفصاءِ.
٦- عدده: ركعت أَربعَ ركعات.
٧- آلته التي يكون بها عُرفًا: ضربته عصًا، رشقنا العدو رصاصًا.
٨- ضميره: أَكرمني أَخوك إِكرامًا ما أكرمه أَحدًا "الأَصل: ما أَكرم الإِكرامَ أَحدًا".
٩- الإشارة إليه: عاتبته فغضب ذلك الغضب "الأصل: فغضب الغضبَ ذلك".
١٠- "ما" و"أيّ" الاستفهاميتان، و"ما ومهما وأَيّ" الشرطيات إذا دلت جميعًا على الحدث:
تقول في الاستفهام: "ما نمتَ؟ " بمعنى: "أَيَّ نوم نمت؟ " "سترى: أَيَّ نجاح أَنجح؟ ".
وتقول في الشرط: ما تنمْ تسترحْ، مهما تفرحْ ينفعْك، أي مشيٍ تمشِ يفدْك.
_________________
(١) " القرفصاء رفع الرجلين إلى البطن وضم اليدين عليهما، وقد يضمان مع الظهر بثوب "
[ ٢٥٨ ]
جـ- حذف عامل المفعول المطلق:
أَما المصدر المؤكد لفعله مثل "حضرت حضورًا" فلا يحذف فعله لأَن المصدر لم يذكر إِلا لتوكيده وتقويته، ولا يؤكد إِلا مذكور.
وأَما المصادر غير المؤكدة فيجوز حذف عاملها إِن دل عليه دليل: يسألك سائل "ما أَجبتَ الأَمير؟ " فتقول: "إِجابةً حسنة" حاذفًا الفعل "أَجبتُه" لأَن السؤال يدل عليه.
وإنما يجب حذف العامل في المصادر النائبة عن فعلها في المواضع الآتية:
١- في الطلب أَمرًا أَو نهيًا أو دعاءً أو استفهامًا، تقول في الأَمر: "صبرًا يا أَخي على مصابك"، وفي النهي "إِقدامًا لا تأَخرًا" الأَصل: "لا تتأَخر تأَخرًا". وتقول في الدعاءِ لإنسان: "سقيًا له ورعيًا"، وفي الدعاءِ عليه: "تبًا له وتعسًا"١.
أَما الاستفهام فيجب حذف الفعل معه إذا دل على توبيخ أَو توجع أَو تعجب مثل: "أَكسلًا وقد جد منافسوك؟ "، "أَمرضًا وفقرًا وتأَلبَ أَعداء؟ "، "أَحنينًا ولم يبعد عهدك بوطنك؟! ".
٢- مصادر مسموعة شاع استعمالها ولا أَفعال معها، ولكن القرائن دالة عليها مثل: "سمعًا وطاعة، عجبًا، حمدًا وشكرًا لا كفرًا،
_________________
(١) هناك مصادر لا أفعال لها مثل "ويل، ويب" في الدعاء على الإنسان، و"ويح، ويْس" في الدعاء له. و"بلهًا" يقدرون لها عاملًا من معناها ولا يلفظونه فـ"ويحَ فلان" بمعنى "رحمةً له" و"بلهًا الجدل" بمعنى "اتركه". ومتى أُضيفت هذه المصادر وجب نصبها، فإذا لما تضف جاز النصب والابتداء بها تقول: "ويلٌ للظالم، وويلًا للظالم"، أما مثل "ويلَ الظالم" إذا أضيفت فليس غير النصب.
[ ٢٥٩ ]
معاذَ الله" وورد أَيضًا في الاستجابة إِلى أَمر: "أَفعلُه وكرامةً ومسرة" وفي عدمها: "لا أَفعله ولا كيدًا ولا همًّا" بمعنى: لا أَفعل، ولا أَكاد أَفعل، ولا أَهمٌّ بأَن أَفعل. وقالوا أيضًا "لا فعلته ورغمًا وهوانًا".
ومن المفيد أَن نعرض هنا طائفة من هذه المصادر المسموعة لدورانها على الأَلسنة:
فمنها ما لا يستعمل إلا مضافًا مثل: "سبحان الله، معاذَ المروءَة"، وقد ورد منها مثناةً المصادر الآتية: "لبَّيْك، لبيْك وسعْديْك، وحنانيْك؟ دوالَيْك، حذاريْك" والمتكلم يريد بذلك التكثير فكأَنه يقول: تلبيةً لك بعد تلبية. حنانًا بعد حنان. إلخ.
ومنها ما استعمل غير مضاف كالأَمثلة الأُولى وكـ"حِجْرًا محجورًا، حِجرًا" بمعنى "منعًا ممنوعًا، منعًا".
٣- في تفصيل مجمل أَو بيان عاقبة مثل: ﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً﴾ وكقولك: سأَسعى فإما نجاحًا وإِما إخفاقًا.
٤- بعد جملة يؤكد المصدر مضمونها أَو يدفع احتمال المجاز فيها، فالأَول كقولك: "لك علي أَلفٌ اعترافًا"؛ والثاني كقولك: "هذا أَخي حقًا" ولولا "حقًا" لاحتمل الكلام الأُخوة المجازية.
ومن ذلك: لا أَفعله بتةً، البتةَ، بتاتًا، بتًّا١.
_________________
(١) بت بمعنى قطع، وهذه مصادر كلها بمعنى " قطعا ". وهمزة " البتة " وصل، وهناك لغة رديئة تجعلها همزة قطع.
[ ٢٦٠ ]
٥- إِذا كرر المصدر أَو حصر أَو استفهم عنه وكان عامله خبرًا عن اسم عين مثل: "أَنت رحيلًا رحيلًا"، "إنما أَنت رحيلًا"، "أَأَنت رحيلًا؟ " والمقدّر في ذلك كله فعل "ترحلُ" أَو "راحلٌ".
٦- أَن يكون فعلًا علاجيًا تشبيهيًا بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه: مررت على أَخيك فإِذا له بكاءٌ بكاءَ ثكلى. استمعت إِلى خالد فإِذا له سجعٌ سجعَ حمام.
فإِن لم تتقدم جملة أَو كان الفعل غير علاجي وجب الرفع تقول: لأَخيك بكاءُ ثكلى، لخالد ذكاءُ داهية.
هذا وقد سمعوا المصادر التي لا تستعمل إلا مفعولًا مطلقًا مثل: "سبحانَ، لبيْك، معاذَ إلخ" بالمصادر غير المتصرفة وهي معدودة، وغيرها مما يريد مفعولًا وغيرَ مفعول مصادرَ متصرفة.
[ ٢٦١ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥/١١٥]
٢- ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَباتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا﴾ [سورة نوح: ٧١/١٧- ١٨]
٣- ﴿إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢٦/٢٢٧]
٤- ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [سورة الإسراء: ١٧/٦٣]
٥- ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ١٧/٧٤- ٨٠]
[ ٢٦٢ ]
٦- ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [سورة محمد: ٤٧/٤]
٧- وقد يجمعُ الله الشتيتين بعدما يظنان كلَّ الظن أَنْ لا تلاقيا
المجنون
٨- أَعبدًا حلَّ في شُعَبى غريبًا أَلؤمًا - لا أَبا لك- واغترابا
جرير
٩- فصبرًا في مجالِ الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع
قطري بن الفجاءة
١٠- جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهمُ لبئستِ الخلتان الجهل والجبن
قعنب ابن أم صاحب
١١- غضبَ الخيلِ على اللجُم بيعَ الملَطى لا عهدَ ولا عقْد
"الملطى: البيع بلا عهدة"
١٢- ثم قالوا: تحبُّها؟ قالت: بهرًا ددَ الرمل والحصى والتراب
ععمر بن أبي ربيعة
١٣- على حينَ أَلهى الناسَ جلُّ أَمورهم فندْلًا زريقُ المالَ ندْلَ الثعالب
الندل: الخطف بسرعة
أعشى همدان
١٤- ما إِنْ يمسُّ الأَرضَ إلا منكبٌ منه، وحرف الساق طيَّ المحمَل
أي مطويّ طي المحمل. أبو كبير الهذلي
١٥- وقد وعدتني موعدًا لو وفت به
مواعيدَ عرقوب أَخاه بيَتْرب
عرقوب: يهودي يضرب به المثل في خلف الوعد، يترب: قرية باليمامة. الأشجعي
١٦- فأَما القتال: لا قتالَ لديكمُ ولكنَّ سيرًا في عراض المواكب
الحارث بن خالد المخزومي
[ ٢٦٣ ]
١٧- يعجبه السخون والبرودُ
والتمرُ حبًا ما له مزيد
منسوب إلى رؤبة
"ب"
١٨- أشواقًا ولما يمضِ لي غيرُ ليلة فكيف إِذا خبَّ المطيُّ بنا عشرا؟
١٩- لأَجْهَدنَّ، فإِما درءَ مفسدة تخشى إما بلوغَ السؤل والأَمل؟
٢٠- أَسجنًا وقتلًا واشتياقًا وغربة ونأَيَ حبيب؟ إِن ذا لعظيم
[ ٢٦٤ ]
*
المفعول به
تقديمه وتأخيره - حذفه وحذف عامله "تراكيب الإغراء والتحذير - الاختصاص والاشتغال" - تعليق فعله وإلغاؤه
المفعول به اسم دل على ما وقع عليه فعل الفاعل ولم تُغيَّر لأَجله صورة الفعل مثل: "أَكل الطفل رغيفًا، ولم يشرب أَخوك شرابه، أَعطى الوالد ولدَه هديةً، علمت أَخاك ناجحًا، أَنبأَ الجنديُّ قائدَه الرسالة ضائعةً".
ويقع اسمًا ظاهرًا كما في الأَمثلة المتقدمة، وضميرًا مثل "أَكرمتك"، ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ﴾، "دينك وفيتك إياه"١.
ويقال له في كل ما تقدم مفعول به صريح، أَما المفعول به غير الصريح فشيئان:
١- الجملة سواءٌ أقرنت بحرف مصدري أم لامثل: "أعلمُ أَن
_________________
(١) إذا تعدى الفعل إلى ضميرين متجانسين وجب فصل الثاني مثل "ملكتك إياك". فإذا كان الضمير الأول أعرف، أو كان المفعولان من ضمائر الغيبة جاز الفصل والوصل تقول: الكتاب منحتكه أو منحتك إياه، طلب الفائزون الجائزة فسلمتهموها أو فسلمتهم إياها. هذا وأعرف الضمائر ضمير المتكلم فضمير المخاطب فضمير الغائب.
[ ٢٦٥ ]
المال قد نفذ. ظننته يحضر"، وتؤول حينئذ بمصدر أَو مفرد، والتقدير: "أَعلم نفادَ المال، ظننته حاضرًا".
٢- الجار والمجرور: مثل: "مررت بالدار" ويكون هذا بعد فعل غير متعد فإذا سقط حرف الجر انتصب المجرور مفعولًا به، وهذا ما يسمونه نصبًا بنزع الخافض، فتصبح الجملة "مررت الدارَ" ويطرد إسقاط الجار جوازًا قبل حرف مصدري مثل: "أَشهد أَن لا إِله إِلا الله" والأصل: "أَشهد بأَن إلخ" لأَن فعل شهد يتعدى عادة بالباء تقول "شهدت بصلاحك" فلما سقطت الباءُ قبل حرف مصدري "أَنْ" أَصبحت جملة "أَنْ لا إِله.." في محل نصب بنزع الخافض.
تقديمه وتأخيره:
رتبة المفعول به تأْتي بعد الفاعل فالترتيب الطبيعي للجملة الفعلية أَن تقول: "قرأَ الطالب الدرسَ يومَ الخميس أَمام رفاقه إِطاعةٌ لأَمر معلمه" ننطق بالفعل فالفاعل فالمفعول به فبقية المفعولات.
ويجوز عادة تقديم المفعول به على الفاعل وعلى الفعل فنقول: "اشترى أَخوك كتابًا = اشترى كتابًا أَخوك = كتابًا اشترى أخوك".
أَ- ويجب تقديمه على الفعل والفاعل في موضعين:
١- أَن يكون من أَسماءِ الصدارة كأَسماءِ الشرط وأَسماءِ الاستفهام و"كم، وكأَيِّن" الخبريتين، أَو يضاف إِلى أَلفاظ الصدارة. فاسم الشرط أَو ما أُضيف إِليه مثل: "أَيًّا تزرْ يكرمْك، رأَيَ أَيٍّ تأُخذْ تنتفعْ به". واسم الاستفهام أَو ما أُضيف إليه مثل: "من قابلتَ؟ بابَ من
[ ٢٦٦ ]
طرقت؟ " و"كم" و"كأَيِّن" أَو ما أُضيف إلى "كم" مثل "صار أَخوك ذا خبرة، فكم من دارٍ باع! ومفتاحَ كم مخزن حوى! "، "كأَيِّنْ من عالم لقيتُ فاستفدتُ منه! "، ولا يضاف إلى "كأَيِّن" كما اُضيف إلى "كم".
٢- أَن يكون معمولًا لجواب "أَما" ولا فاصل بينها وبين الجواب غيره مثل: ﴿فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ .
ب- أَما تقديمه على الفاعل ففي حالات تشبه حالات تقديم الفاعل التي مرت، فيجب تقديمه عليه:
١- إذا كان ضميرًا والفاعل اسمًا ظاهرًا مثل: "أَكرمني أَخوك".
٢- أن يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به مثل: "سكن الدارَ بانيها".
٣- أَن يكون الفاعل محصورًا بـ"إنما"١ فيجب تقديم المفعول به مثل "إِنما كسر الزجاج خالد" وكل موطن وجب فيه تقديم الفاعل وجب تأْخير المفعول به مثل: "أَكرمت العاجز، إنما أَكل خالد رغيفًا".
جـ- أَما إِذا كان للفعل أَكثر من مفعول، فيتقدم عادة ما أَصله المبتدأ في جمل الأَفعال التي تنصب مفعولين أَصلهما مبتدأ وخبر مثل: "رأَيت العلمَ نافعًا"، ويقدم في جمل الأَفعال التي تنصب مفعولين
_________________
(١) وأكثر النحاة على وجوب التقديم إذا كان الحصر بـ"إلا" أيضًا مثل "ما كسر الزجاجَ إلا أخوك". وإنما لم يوجب بعضهم ذلك لوجود شواهد شعرية عدة لم يلتزم فيها التقديم في هذه الحال، والأولون عدوا ذلك من الضرورات الشعرية، وهوَن الأمر عندهم عدم الالتباس فيها. والعمل على مذهبهم لأنه أقيس وأجود.
[ ٢٦٧ ]
أَصلهما غير مبتدأ وخبر ما هو فاعل في المعنى: مثل "كسوت الفقير ثوبًا" فالفقير هو اللابس.
فإن لم يقع التباس جاز تقديم الثاني فتقول: "رأَيت نافعًا العلمَ، كسوت ثوبًا الفقيرَ"، وإنما يجب تقديم أَحدهما في الأَحوال الآتية:
١- إِذا أَوقع تقديم ما حقه التأْخير في لبس فنقدم حينئذ ما حقه التقديم: سلمتك خالدًا "لأنك أَنت الذي استلمت ففاعل الاستلام أَنت، فإِن كان خالد هو المستلم وجب تقديمه فنقول: سلمت خالدًا إِياك". وتقول: ظن الأَمير أَخاك أَباك "إذا كان الأَخ هو المظنون لا الأَب".
٢- أَن يكون أحدهما ضميرًا والآخر اسمًا ظاهرًا فتقدم الضمير "الكتابُ منحته خالدًا".
٣- أَن يشتمل المفعول به الأَول على ضمير يعود إلى الثاني فنقدم الثاني لئلا يعود الضمير على متأَخر لفظًا ورتبة: أَعطيت الأَمانة صاحبَها.
٤- أَن يحصر الفعل في أَحدهما فيجب تقديم الآخر أَيًّا كان مثل: "ما منحت الكتابَ إلا خالدًا، إنما منحت خالدًا الكتاب".
حذفه:
من الجائز حذف المفعول به إذا دلت عليه قرينة أَو لم يتعلق بذكره غرض، فأَما الأَول فكجوابك لمن سأَلك "هل تقرأَ الدرس؟ " بقولك: "أَقرأُ" ومثل: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى﴾ الأَصل "وما قلاك". وأَما الثاني فحين لا يكون هناك غرض بذكر مفعولٍ ما فينزل المتعدي منزلة اللازم
[ ٢٦٨ ]
مثل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ إذ ليس المقصود مفاضلةً بمعلوم ما من المعلومات، وإنما الغرض تفضيل عالم بشيءٍ ما على الجاهل به.
والمتعدي لاثنين مثل المتعدي لواحد في ذلك، فيجوز حذف أَحد المفعولات أَو كلها إذا قامت قرينة أَو لم يتعلق بذكره غرض المتكلم مثل: "هذا الكلام حق فلا تظن غيره" والأَصل "فلا تظن غيرَه حقًا" ومثل: "من يسمعْ يخلْ" الأَصل "من يسمعْ شيئًا يخلْه حقًا".
أَما الفعل فيجوز حذفه لقرينة، تسألني "ماذا صنعت؟ " فأُجيب: "خيرًا" والأَصل "صنعت خيرًا".
ويحذف الفعل وجوبًا فيما ورد سماعًا كالأَمثال وما سار مسيرها كقولهم: "كلَّ شيء ولا شتيمةَ حر" الأصل: "ائت كل شيءٍ ولا تأْت شتيمة حر"، ومثل: "الكلابَ على البقر" والأَصل "أَرسل الكلاب على البقر"، ومثل: "أَمرَ مبكياتك لا أَمرَ مضحكاتك" والأَصل "الزمْ أَمر مبكياتك" ومن ذلك قولنا "أهلًا وسهلًا" فالمعنى "أَتيت أَهلًا ونزلت سهلًا".
وإنما يجب حذف الفعل قياسًا مطردًا في تراكيب الإِغراءِ والتحذير، وتراكيب الاختصاص وتراكيب الاشتغال وفي النعت المقطوع على ما يأْتي:
أ- تراكيب الإِغراء والتحذير:
الإغراءُ حضُّك المرءَ على أَمر محمود ليفعله، مثل "الصدقَ الصدقَ" فتنصب بفعل محذوف يدل على الترغيب مثل "الزم" والتحذير
[ ٢٦٩ ]
تنبيهك المخاطب على أَمر مكروه ليجتنبه مثل "الحفرةَ" فتنصب بفعل محذوف يدل على التحذير مثل "احذر، جنِّبْ، باعد". وإن ذكرت الفعل "احذر الحفرة" جاز.
وإنما يجب حذف الفعل في مواضع ثلاثة:
١- إِذا كرِّر المُغْرى به أَو المحذر منه مثل: "الصدقَ الصدقَ"، "الكذبَ الكذبَ".
٢- إذا عطف على المُغْرى به أَو المحذر منه مثل: "الصدقَ والشجاعة" "ثوبَك والطينَ".
٣- إِذا كان في التركيب الضمير "إِياك" وفروعه مثل "إياك والمزالقَ، إياكم من الغش، إياكن والثرثرةَ" والأَفعال المحذوفة هي: "أُحذرك، أُحذركم، أُحذركن وتجنبْن الثرثرة"١.
هذا وقد سمع شذوذًا مثل "إياي الشر" فلا يقاس عليه. وإنما المقيس بحرف الخطاب.
وإذا دلت قرينة على المحذر منه في تراكيب "إياك" جاز حذفه، كقولك لمن قال: "سأَضرب أَخاك": "إياك" تريد: "إياك أَن تضرب أَخي".
ب- تراكيب الاختصاص:
ينتصب الاسم في هذه التراكيب بفعل محذوف وجوبًا تقديره
_________________
(١) ويجوز في " اياكن والثرثرة " أن يعطف " الثرثرة " على الضمير. أو نجعلها مفعولا معه، أو نقدر " باعدان أنفسكن من الثرثرة، والثرثرة من أنفسكن ".
[ ٢٧٠ ]
"أَخص" أَو "أَعني" ويأْتي بعد ضمير لبيان المقصود منه مثل: "نحن الطلابَ نمقت الجبن" فخبر "نحن" جملة "نمقت" ومعنى "الطلابَ": أَخص بكلمة "نحن" الطلابَ.
وأَكثر ما يأْتي المختص بعد ضمير المتكلم، وقلَّ أَن يأْتي بعد ضمير المخاطب، مثل: "أَنتم الطلابَ مقصرون. بك -اللهَ - نستعين".
أَما المختص نفسه فيجب أَن يكون محلَّى بـ"الـ" أَو مضافًا إلى محلّىً بها، أَو كلمة "أَيُّها" أَو "أَيتها" مبنيتين على الضم كحالها في المنادى ومتبوعتين بمحلَّى بـ"الـ" مرفوع تبعًا للفظ "أيها وأَيتها" مثل: "نحن معاشرَ الأنبياء - لا نورث، إِني - أَيُّها الواقف أَمامكم - مقرٌّ بما تقولون".
وقد يأْتي المختص علمًا أَو مضافًا إلى علم مثل "بنا - تميمًا - يكشف الضباب"، "نحن - بني دمشق - مناضلون".
جـ - تراكيب الاشتغال:
يتقدم في هذه التراكيب ما هو مفعول في المعنى على عامل قد نصب ضمير هذا المفعول مثل: "دارَك رأَيتها"، أَو نصب مُلابس ضميره مثل: "دارَك طرقت بابها، أَخاك مررت به"، ولولا اشتغال العامل بنصب الضمير أو مُلابسه لنصب الاسم المتقدم نفسه، فيقدرون لهذا الاسم المنصوب ناصبًا من لفظ المذكور أو من معناه إن كان لازمًا، فناصب المثال الأول عندهم "رأَيت" المحذوفة وجوبًا، و"رأَيتها" المذكورة مفسرة للمحذوفة، وناصب المثال الثاني "طرقت" محذوفة، وناصب المثال الأَخير من معنى المذكور لا من لفظه لأَنه فعل لازم، وتقديره "جاوزت أَخاك مررت به".
[ ٢٧١ ]
ويجوز في الأَمثلة المتقدمة رفع الاسم المتقدم على الابتداءِ وتكون الجملة بعده خبرًا له. فتقول: "دارُك رأَيتها، دارُك طرقت بابها، أَخوك مررت به".
هناك تراكيب يجب فيها نصب الاسم المتقدم على الاشتغال، وتراكيب يجوز فيها النصب والرفع على الابتداءِ إلا أَن النصب أَرجح وإِليك بيانها:
أَ- يجب نصب الاسم المشتغل عنه إذا وقع بعدما يختصُّ بالأَفعال كأَدوات الشرط والتحضيض وأَدوات الاستفهام "عدا الهمزة" فتقدر بين هذا الاسم وما قبله فعلًا محذوفًا وجوبًا لتبقى الأَداة داخلة على ما تختص به مثل: "إِنْ محمدًا لقيته فأكْرمْه، هلاَّ فقيرًا أَطعمته، متى أَخاك لقيته؟ هل الكتابَ قرأَته؟ ".
ويكون العامل المذكور بعد، مفسرًا للمحذوف.
ب- ويرجح نصبه في ثلاثة مواضع.
١- إِذا أَتى قبل فعل دالٍّ على طلب كالأَمر والنهي والدعاءِ مثل: "الفقيرَ أَكرمه، العاجزَ لا تؤذه، ربِّ بلادنا احفظها. جيشَنا نصره الله".
٢- بعد همزة الاستفهام لأَن الفعل يليها غالبًا مثل: "أَدرسَك تهمله؟ ".
٣- إِذا تصدر جوابَ مستفهم عنه منصوب كأَنْ يسأَلك سائل "ما تأْكل؟ " فتقول "هريسةً آكلُها"١.
_________________
(١) جرت عادة النحاة أن يذكروا بعد ذلك. المواضع التي يجب فيها رفع الاسم المشتغل عنه والمواضع التي يرجح فيها رفعه، ونحن لم نذكرها أعلاه لأنها حينئذ ليست من المفعول به في شيء وإليك خلاصتها للفائدة:
[ ٢٧٢ ]
التعليق والإلغاء والإعمال:
لأَفعال القلوب المتصرفة وما حمل عليها أَحوال ثلاث: إِعمال وإلغاءٌ وتعليق، فالإعمال نصبها مفعولاتها لفظًا ومحلًا، وهذا أَغلب أَحوالها مثل: رأَيت الصدقَ منجيًا.
وأَما التعليق فإبطال عملها لفظًا لا محلًا وذلك لقيام مانع يمنعها من عملها النصب لفظًا، فتكون الجملة في محل نصب تسدّ مسد مفعول أَو أَكثر، وهذه مواضع التعليق:
١- أَن يلي الفعل ما له الصدارة وهو هنا الاستفهام أَو لام الابتداءِ أَو لام القسم، فالاستفهام مثل: "علمت أَين أخوك!، لترينَّ ما عاقبة الغش، انظر: طفلُ من ذهب؟ " ولام الابتداءِ مثل: "رأَى أَخوك للنصرُ محقق، علمت لَخالدٌ مسافر" ولام القسم: "أَنت ترى لينجحن إخوتي، رأَيت خصمي ليندمَن".
_________________
(١) أ-يجب رفع الاسم المشتغل عنه:
(٢) إذا وقع بعد "إذا" الفجائية لأنها لا تدخل على الأفعال لا لفظًا ولا تقديرًا مثال: "قدمت فإذا الناسُ يضربهم الشُرَط". = = ٢-إذا وقع بعد واو الحال مثل "وقفت ويدي يمسكها ولدي".
(٣) إذا وقع قبل أداة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها مثل أدوات الشرط والتحضيض والاستفهام، وإنّ وأخواتها وما التعجبية، وكم الخبرية، وما النافية مثل: "أخوك إن تكرمه يطعك، كتابي هل رأيته، الدنيا كم أحبها المغرورون! حظّك ما أحسنه!، جارُك ما رأيته". ب- يرجح الرفع إذا لم يكن موجب ولا مرجح للنصب مثل "أخوك أكرمته" وذلك لأن الرفع لا يحتاج إلى تقدير فعل محذوف يفسره المذكور كما هو الحال في النصب.
[ ٢٧٣ ]
٢- أَن يليه إِحدى الأَدوات النافية الثلاث: "إِنْ، ما، لا" مثل: "وجدت: ما أَبوك مبطل، أَتعلم إِنْ أَحدٌ نجح؟! رأَيت لا المدعي صادق ولا المدعى عليه".
والجمل في كل هذه الأمثلة سدت مسدَّ المفعولات الناقصة.
وأَما الإِلغاءُ فإِبطال العمل لفظًا ومحلًا، وذلك جائز حين يتوسط الفعل بين مفعولين أَو يتأَخر عنهما مثل: "خالدًا ظننت مسافرًا = خالدٌ ظننت مسافرٌ"، "خالدٌ مسافرٌ ظننت = خالدًا مسافرًا ظننت"، والإلغاءُ والإِعمال سواءٌ إذا توسط الفعل بين المفعولين، والإلغاءُ أَحسن حين يتأْخر عنهما جميعًا.
وربما أهمل الفعل فلم يعمل دون أن يتوسط مفعولين أو يتأخر عنهما، وهذا قليل ضعيف ولم يرد في غير الشعر، فهو ضرورة من ضروراته مثل قول فزاري مجهول:
كذلك أُدبتُ حتى صار من خلقي
إني وجدت: ملاكُ الشيمة الأدبُ
[ ٢٧٤ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة النمل: ٢٧/٢٨- ٣٥]
٢- ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِما لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [سورة الكهف: ١٨/١٢]
٣- ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة الأنبياء: ٢١/١٠٩- ١١١]
٤- ﴿وَالأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ [سورة النحل: ١٦/٥]
٥- أَخاك أَخاك، إِن من لا أَخا له
كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
مسكين الدارمي
٦- نحن - بني ضبة - أصحابُ الجمل
ننازل الموت إذا الموت نزل
عمرو بن يثربي
[ ٢٧٥ ]
٧- ولقد نزلتِ فلا تظني غيرَه مني بمنزلة المحَب المكرَم
عنترة
٨- أَرجلَكم والعُرفُطَ - أهلًا وسهلًا - كلَّ شيءِ ولا شتيمةَ حر - الكلابَ على البقر - من يسمع يخلْ.
٩- ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا﴾ [سورة النحل: ١٦/٣٠]
١٠- ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضالًاّ فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنَى، فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [سورة الضحى: ٩٣/٦- ٩]
١١-لنا معشرَ الأنصار مجدٌ مؤثل بإرضائنا خيرَ البرية أَحمدا
أحد الأنصاررة
١٢- ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [سورة غافر: ٤/٥٢]
١٣- إِنا - بني نهشل - لاندعي لأَب عنه، ولا هو بالأَبناءِ يشرينا
بشامة بن حزن النهشلي
١٤- متى تقول١ القُلصَ الروَاسما يُدْنين أُم قاسم وقاسما
هدبة بن خشرم العذري
١٥- أجُهَّالًا تقولُ بني لؤيّ لعمرُ أَبيك أَم متجاهلينا
الكميت
_________________
(١) قد يأتي القول بمعنى الظن فيعمل عمله بشرط أن يكون مضارعًا مخاطبًا بعد استفهام لا يفصله عنه إلا ظرفه أو مفعوله كما ترى في الشواهد الثلاثة. وبعض العرب يعمل القول عمل الظن دون شرط فيقول: فيقول: "قلت زيدًا منطلقًا". وآخرون يوجبون الحكاية في ذلك كله فيقولون "أتقول: زيد منطلق".
[ ٢٧٦ ]
١٦- علام تقولُ الرمحَ يثقلُ عاتقي إِذا أَنا لم أَطعن إِذا الخيل كرتِ
عمرو بن معد يكرب
١٧- وما كنت أَدري قبل عزة ما البكا ولا موجعاتِ القلب حتى تولتِ
كثير
١٨- أَبا لأرَاجيز يا بن اللؤم توعدُني وفي الأَراجيز - خلتُ - اللؤمُ والخور
منازل بن ربيعة المنقري
١٩- هما سيدانا يزعمان، وإنما يسوداننا أَنْ أَيسرتْ غنماهما
أبو أسيدة الدبيري
٢٠- ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [سورة العاديات: ١٠٠/٩- ١١]
٢١- ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦/٣٣]
٢٢- ولقد علمتْ لتأْتينَّ منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها
لبيد
٢٣- "إنا - آلَ محمد - لا تحل لنا الصدقة - نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نورث، ما تركنا صدقة - اللهم اغفر لنا أَيتُها العصابةُ".أحاديث شريفة
"ب"
٢٤- جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم جزاءَ الكلاب العاويات، وقد فعل
أبو الأسود الدؤلي
٢٥- أَبَعْد بُعْدٍ تقول الدارَ جامعةً شملي بهم أَم تقول البعد محتوما؟
[ ٢٧٧ ]
كعب بن زهير
٢٦- أَرجو وآمل أَن تدنو مودتها وما إِخال لدينا منك تنويلُ
كعب بن زهير
٢٧- جُدْ بعفوٍ فإِنني أَيها العبـ
ـد إِلى العفو يا إِلهي فقير
٢٨- فلا تصحبْ أَخا الجهل وإِياك وإِياه
٢٩- ولما أَبى إلا جماحًا فؤادُه ولم يسلُ عن ليلى بمال ولا أَهل؟
٣٠- تمرون الديارَ١ ولم تعوجوا كلامكم عليَّ إِذا حرام
جرير
٣١- إِنَّ قومًا منهم عميرٌ وأَشبا هـ عمير ومنهم السفاح
لجديرون بالوفاءِ إِذا قا ل أَخو النجدة: السلاحُ السلاحُ
_________________
(١) كذا يرويه بعض النحاة، مع تخالف المتعاطفين في الزمان، والمشهور: مررتم بالديار - انظر ديوان جرير وشرح شواهد المغني للسيوطي ص١٠٧.
[ ٢٧٨ ]
*
المفعول لأجله
اسم يذكر لبيان سبب الفعل مثل: "وقفت إجلالًا لك" فكلمة "إجلالًا" بينت سبب الوقوف. ويجوز تقدم المفعول لأَجله على الفعل فنقول "إِجلالًا لك وقفت".
ويشترط في المفعول لأَجله حتى يجوز نصبه أَن يكون:
١- مصدرًا قلبيًا كالمثال المتقدم، أَما قولك: "سافر للربح" فالربح وإن كان مصدرًا لا يصلح للنصب لأَنه غير قلبي، وكذلك قولك "حضر للمال" لأَن المال اسم غير مصدر.
٢- أَن يتحد هو والفعل في شيئين: الزمن والفاعل، "وقفت إجلالًا لك" فالذي وقف هو نفسه الذي أَجل؛ وزمن الوقوف هو نفسه زمن الإجلال. أَما قولك "عاقبني لكرهي له" فلا يصح نصب "كره" على أَنه مفعول لأَجله لأَن الذي عاقب غير الذي كره، وكذلك قولك "سافرت للتعلم" لأَن زمن التعلم بعد زمن السفر.
هذا وأكثر الأَحوال نصب المفعول لأَجله إِذا تجرد من "ال" ومن الإضافة كالمثال الأَول.
[ ٢٧٩ ]
فإن تحلَّى بـ"ال" فالأَكثر جره بحرف جر دال على السبب مثل: لم يسافر للخوف.
أَما إِذا أُضيف فيجوز نصبه وجره: تصدقت ابتغاءَ وجه الله = لابتغاء وجه الله.
وقليلًا ما تخالَف هذه القاعدة فيجر المجرد من "ال" والإضافة مثل:
أَو ينصب المحلى بـ"ال" مثل:
من أَمكم لرغبةٍ فيكمُ جُبِرْ ومن تكونوا ناصريه ينتصِرْ
لا أَقعد الجبنَ على الهيجاءِ
ولو توالت زمر الأَعداءِ
[ ٢٨٠ ]
الشواهد:
١- ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ١٧/٣١]
٢- ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢/١٩]
٣- وأَغفر عوراءَ الكريم ادخارَه وأُعْرض عن شتم اللئيم تكرُّما
حاتم الطائي
٤- "دخلتِ النارَ امرأَة في هِرة حبستْها، لا هي أَطعمتها ولا هي تركتها تأْكل من خشاش الأَرض".الحشاش الحشرات. حديث شريف
٥- وإني لتعروني لذكراك هزةٌ كما انتفض العصفور بلَّله القطرُ
أبو صخر الهذلي
٦- يغضي حياءً ويُغضي من مهابته فلا يكلَّمُ إِلا حين يبتسم
منسوب للفرزدق
[ ٢٨١ ]
*
المفعول معه
١- سرت والشاطئ - حضرتُ وطلوعَ الشمس - كيف أنت وقصعةً من ثريد.
٢- تحاور النائبُ والوزيرُ - سافر أخي وأبوه قبله - أنت وشأنُك
٣- حضر الجند والأميرُ = والأميرَ
المفعول مع اسم فضلة١ مسبوق٢ بواو بمعنى مع بعد جملة٣ ليدل على ما فُعل الفعل بمصاحبته دون تشريك.
ويجب نصبه إِذا تحققت فيه شروط التعريف، كالأَمثلة في السطر الأَول، فإِن السير في المثال الأَول حصل بمصاحبة الشاطئِ دون أَن يشارك الشاطئ في فعل السير.
أَما أَمثلة السطر الثاني فيجب رفع ما بعد الواو فيها لأَن الواو تدل على العطف لا على المعية، وذلك لأَن الجملة في المثال الأَول لم تتم إلا بالمعطوف فلا يقع التحاور من شخص واحد، والمثال الثاني لا معية فيه في السفر فكلٌّ من الأخ والأَب سافر على حدة، والمثال الثالث واوه للعطف لأَن خبر المبتدأ محذوف تقديره "مقترنان" فلا جملة قبله.
[ ٢٨٢ ]
ومثال السطر الثالث يحتمل المعنى أن تكون الواو فيه للعطف أَو للمعية فيجوز فيما بعدها الرفع على العطف أَو النصب على المعية.
هذا ولا يتقدم المفعول معه على عامله "الفعل وما في معناه" فلا يجوز أَن يقال "والشاطئَ سرت" ولا "وطلوعَ الشمس حضرت"، ويقدر العامل في المثال الثالث بمثل "كيف تكون أَنت وقصعةً من ثريد".
[ ٢٨٣ ]
الشواهد:
١- ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ وَالإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة الحشر: ٥٩/٩]
٢- ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ﴾ [سورة يونس: ١٠/٧١]
٣- فكونوا أَنتمُ وبني أَبيكم مكان الكُلْيتيْن من الطِحال
٤- إذا ما الغانيات برزْن يومًا وزجَّجْن الحواجب والعيونا
الراعي النميري
٥- إني وقتلي سُلَيْكًا ثم أَعقلَه كالثور يضربُ لما عافت البقر
أنس الخثعمي
٦- لما حططْت الرحلَ عنها واردا
علُتها تبنًا وماءً باردًا؟
[ ٢٨٤ ]
*
المفعول فيه
اسم منصوب يبين زمن الفعل أَو مكانه مثل: "حضرت يومَ الخميس أَمامَ القاضي"، فـ"يومَ الخميس" بينت زمن الفعل، و"أَمامَ القاضي" بينت مكانه.
وجميع أَسماءِ الزمان يجوز أَن تنصب على الظرفية، أَما أَسماءُ المكان فلا يصلح للنصب منها إلا اسم المكان المشتق، وإلا المبهمات غير ذات الحدود كأَسماءِ الجهات الست: "فوق وتحت ويمين وشمال وأَمام وخلف"، وكأَسماءِ المقادير مثل الذراع والمتر والميل والفرسخ تقول: سرت خلفَ والدي، ومشيت ميلًا وزحفت الأَفعى مترًا، وجلست مجلسَ المعلم، أَما ظروف المكان المختصة "ذات الحدود" فلا تنصب بل تجر بـ"في" مثل: جلست في القاعة وصليت في المعبد.
ولابدَّ في كل ظرف من متعلَّق يتعلَّق به، فعلًا أَو شبهَ فعل كالمصدر والمشتقات مثل: "أَنت مسافرٌ غدًا - أَخوك مطروحٌ أَرضًا" فـ"غدًا" تتعلق باسم الفاعل مسافر وهي تدل على زمن السفر، و"أَرضًا" تتعلق باسم المفعول "مطروح" وتدل على مكان الطرح، ويجوز حذف المتعلق إذا دلت عليه قرينة كما إذا سأَلك سائل: "أَين جلست؟ " فتقول: "تحت الشجرة" فـ"تحتَ" مفعول فيه ظرف مكان منصوب متعلق بـ"جلست" المقدّرة
[ ٢٨٥ ]
في الجواب والمحذوفة لورودها في السؤال.
وإِذا لم يذكر متعلق الظرف علقناه بمحذوف يناسب جملته "أَنت تحت الشجرة" يتعلق الظرف بـ"كائن" خبر، وفي الجملة "مررت برجلٍ عند المنعطف" يتعلق بـ"كائن" صفة: برجلٍ كائنٍ عند المنعطف، وفي الجملة "رأَيت أَخاك أَمامي" يتعلق بحال والتقدير: رأَيت أَخاك كائنًا أَمامي، وفي الجملة "جاءَ الذي عندك" يتعلق بالصلة المحذوفة وتقديرها جاءَ الذي كان عندك، وفي جملة الاشتغال: "وقتَ الفجر سافرت فيه" التقدير "سافرت وقتَ الفجر سافرت فيه".. وهكذا.
نائب الظرف: ينوب عن الظرف مايلي:
١- صفته: انتظرت طويلًا من الزمن شرقيَّ المحطة، "انتظرت زمنًا طويلًا مكانًا شرقيَّ المحطة".
٢- الإِشارة إليه: فرحت هذا اليومَ قابعًا في داري.
٣- عدده المميَّز: لزمت فراشي عشرين يومًا - سرت خمسةَ أَميال.
٤- كل وبعض "مضافتين للظرف": مشيت بعضَ الطريق ثم هرولت كلَّ الميليْن الباقييْن.
٥- المصدر المتضمن معنى الظرف: استيقظت طلوعَ الشمس = وقت طلوع الشمس، كان ذلك خفوق النجم، وقفت قراءةَ آيتين = زمن قراءَة آيتين، ذهب نحوَ النهر = مكانًا نحو النهر.
٦- بعد "في" الظرفية المحذوفة: أَحقًا أَنك موافق = أفي حقٍّ أنك
[ ٢٨٦ ]
موافق، أَنت - غيرَ شك - محقٌ = أَنت - في غير شك - محق، ظنًا مني نجح أَخوك = في ظن مني نجح أَخوك.
ملاحظة: وردت عن العرب ظروف سماعية في الجمل الآتية:
١- هو مني مزجرَ الكلب "أَي في مكان قريب بحيث يسمع الكلبُ زجر صاحبه له".
٢- هو مني مقعدَ القابلة "أي قريب جدًا".
٣- هو مني مناطَ الثريا "أي بعيد جدًا".
٤- حينئذ الآنَ "يقال لمن يطيل الحديث عما مضى، والتقدير: كان ذلك حينئذ فاسمع الآن".
الظروف المتصرفة وغيرها: من الظروف ما يستعمل ظرفًا وغير ظرف كأَكثر أَسماءِ الزمان والمكان، إِذ تجيءُ فاعلًا ومفعولًا ومجرورة.. إلخ فيقال لها ظروف متصرفة: يومُ الخميس قريب، أُحب ساعةَ الصبح، الميلُ ثلث الفرسخِ.
أَما ما لا يستعمل إِلا ظرفًا أَو شبه ظرف "مجرورًا بمن" فيسمى ظرفًا غير متصرف مثل "إذا، قبل، بعد، قطُّ": ما كذبتن قطُّ، سأحضر من بعد العصر.
* * *
الظروف المبنية: الظروف منها معرب ومنها مبني يلازم حالة واحدة، وقد عرفت أًمثلة الظروف المعربة وإليك أَهم الظروف المبنية:
ظروف المكان المبنية: اجلس حيثُ انتهى بك المجلس – اذهب
[ ٢٨٧ ]
من حيث أَتيت - سافر إلى حيثُ أَنت رابح. تضافُ "حيثُ" دائمًا إلى الجمل الفعلية أَو الاسمية.
هنا - قف هنا
ثَمَّ - اجلس ثَمَّ، قف ثَمَّةَ
أين - أين سافرت؟
عل - أتكلمنا من علُ؟ انحدر الصخر من علٍ
دون - الكتاب دونَ الرف. قدامَ، أَمامَ، وراءَ، خلفَ، أسفلَ، أعلى.
٢- ظروف الزمان المبنية:
إذا للزمن المستقبل: إذا جاءَ أخوك فأَخبرني. وهو متعلق بجواب الشرط.
إذْ للزمن الماضي: كان ذلك إذْ وقع الزلزال
أيان: يسأَل أيانَ يوم المعركة.
قطُّ: ظرف لاستغراق الزمن الماضي: ما كذبت قطُّ
عوض: ظرف لاستغراق الزمن المستقبل: لن أَفعله عوضُ
بينا وبينما: بينا أَنا واقف حضر أَخوك - دخل خالد بينما نحن نتحاور "الأَلف، وما زائدتان".
أمسِ: حضر الأَمير أَمسِ - أَمسِ خير منَ اليوم.
ريثَ: قف ريثَ أُصلي - انتظرت ريثما حضر. "ريث أَصلها مصدر من راث يريث بمعنى أَبطأَ"
[ ٢٨٨ ]
لمَّا: للزمان الماضي وتدخل على فعلين ماضيين: لما قرأَ أُعجبنا به
مُذ، منذُ: للزمان الماضي: ما جبنت منذُ عقلت - انقطع أَخوك مذ يومُ الأحد = مذ يومِ الأَحد
ظروف مشتركة للزمان والمكان:
أَنَّى: أَنَّى حضرت؟: "متى"، أَنَّى تجلسْ تسترح "أَين".
عند: إِذا استعملت للمكان كانت للأَعيان الحاضرة والغائبة ولأَسماءِ المعاني على السواءِ: عندي خمسون أَلف دينار في بِرْن - عندَك فهمٌ - خرج من عندي - سافر عند الغروب.
لدى: لا تستعمل إِلا للأَعيان الحاضرة: لديَّ عشرة دنانير
"إذا كانت حاضرة معك"، حضر لدى طلوع الشمس.
لدُنْ: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا﴾ .
هذا وإذا أُضيف الظرف المتصرف المعرب إلى جملة جاز بناؤُه على الفتح وجاز إعرابه مثل: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، إلا أَن الأَحسن مراعاة الكلمة التي بعدها فإن كانت معربة أُعرب. وإن كانت مبنيةً مثل "على حينَ عاتبت المشيب على الصبا" بني.
[ ٢٨٩ ]
الشواهد:
١- فبينا نسوسُ الناس والأَمر أَمرنا إِذا نحن فيه سوقةٌ نتنصف
حرقة بنت النعمان
٢- وندمانٍ يزيد الكأْسَ طيبًا سقيت إِذا تغورت النجوم
البرج بن مسهر
٣- ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٧٦/٢٠]
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠/٩١]
٤- وكنا كندمانيْ جَذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأَني ومالكًا لطول اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معًا
متمم بن نويرة
٥- ولقد سددتُ عليك كلَّ ثنية وأَتيت فوق بني كليب من علُ
الفرزدق
٦- مِكَرٍ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبرٍ معًا كجُلمود صخر حطَّه السيلُ من علِ
امرؤ القيس
٧- على حينَ عاتبْتُ المشيب على الصبا فقلت: أَلما تصحُ والشيب وازع
النابغة
٨- أَلم تعلمي يا عمرَكِ اللهَ أَنني كريم على حينِ الكرامُ قليل
السموءل
[ ٢٩٠ ]
٩- لعمرُك ما أَدري وإني لأَوْجلُ على أَيِّنا تعدو المنية أَولُ
معن بن أوس
١٠- أَأَنتِ التي من غير ذنب شتمتِني؟ فقالت: "متى ذا؟ " قال: "ذا عامُ أَوَّلُ"
فقالت: "وُلدتُ العامَ"، بل رمت غدرة فدونَك: كُلْني لا هنا لكَ مأْكلُ
المجنون
١١- لا يصعبُ الأَمرُ إلا ريثَ يركبه وكلَّ أمر سوى الفحشاءِ يأْتمر
بأَسحمَ داجٍ: عوضُ لا نتفرق ١٢- رضيعا لباني ثدي أمٍّ تقاسما
الأعشى
[ ٢٩١ ]
*
الحال
أحوالها - صاحبها - عاملها - تقدمها وتأخرها - حذف عاملها
وصف يؤتى به لبيان هيئة صاحبه حين وقوع الفعل غالبًا مثل "قابلت والدتك مسرورةً" فـ"مسرورة" هي الحال، و"والدتك" هي صاحبة الحال، و"قابلَ" هي عامل الحال.
ويسمى هذا النوع من الحال الذي لا يفهم إلا بذكره "حالًا مؤسسة" وهو أغلب ما يقع في الكلام، وهناك نوع آخر يفهم معناه مما قبله وإنما يذكر للتوكيد فيسمّى حالًا مؤكدة، وهو إما أن يؤكد عامل الحال مثل ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾، ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا﴾، وإما أن يؤكد صاحب الحال مثل ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وإما أن يؤكد مضمون الجملة قبله مثل "أنت أخي محقًا" وتكون الجملة هنا اسمية ركناها معرفتان جامدتان.
هذا وقد تأتي الحال جامدة موصوفة مثل: "عرفته رجلًا شهمًا" فتكون غير مقصودة لذاتها وإنما المقصود صفتها التي بعدها فيسمونها حالًا موطئة.
ولهم اصطلاح آخر هو الحال السببية فيطلقونه على الحال التي لا تبين هيئة صاحبها اللفظي، وإنما تبين هيئة ما يرتبط بصاحبها بضمير مثل "قرأت الكتاب مخرومًا أولهُ".
وإليك أحوال الحال نفسها ثم أحوال صاحبها ثم أحوال عاملها:
أ- الحال غالبًا نكرة مشتقة٢ لأَنها بمعنى الصفة.
١- وقد تأْتي معرفة سماعًا وقياسًا وذلك إذا كانت بمعنى النكرة مثل:
[ ٢٩٢ ]
"قابلت الأَمير وحدي" فـ"وحدي" وإن كانت معرفة لفظًا هي نكرة معنى لأَنها ترادف "منفردًا". ومن ذلك ما ورد عنهم مثل: "جاؤُوا الجماءَ الغفير" بمعنى "جماعة كثيرة"، "رجع عودَه على بدئه" بمعنى "عائدًا من طريقه دون توقف"، "ادخلوا الأَولَ فالأَول" بمعنى "مترتبين"، "جاء القوم قضَّهم بقضيضهم" بمعنى "جميعًا"، "حاولوا إرضائي جهدهم" بمعنى "جاهدين".
ومن ذلك الأحوال التي وردت سماعًا مركبة تركيب "خمسة عشر" على معنى العطف بين الجزأَين مثل "ذهبوا شذرَ مذرَ" بمعنى "متفرقين مشتتين"، "هو جاري بيتَ بيتَ" بمعنى "ملاصقًا"، و"لقينا العدو كَفَّةَ كَفَّةَ" بمعنى "مواجهين إياهم"١.
أَو رُكِّب وأَصله الإِضافة مثل "ذهبوا أَيدي سبا أَو أَيادي سبا" بمعنى "مشتتين"، و"فعلته بادي يدأَة، بادئَ بداء"٢.
٢- وتأْتي جامدة في حالات سبع:
الأُولى: أن تؤول بمشتق، ويطرد ذلك فيما يدل على تشبيه مثل: "يعدو أَخوك غزالًا" أَي "مشبهًا غزالًا"، أَو ترتيب مثل: "خرجوا رجلًا رجلًا" أَي "مرتبين"، أَو مفاعلة مثل "كلمته وجهًا لوجه" أَي متقابلين.
_________________
(١) كأن أكفنا مست أكفهم، وذكر لها معنى ثان: هو أن نلقاهم فنمنعهم من النهوض ويمنعونا، وفيها لغتان غير البناء: كفةً لكفة، وكفة عن كفة، على فك التركيب - انظر القاموس المحيط.
(٢) المضاف المنتهي بياء من هذه التراكيب يبنى على السكون حسب القاعدة في بناء المركبات المزجية.
[ ٢٩٣ ]
الثانية: أَن تدل على سعر مثل "اشتريت اللبن رطلًا بمئة قرش، يبيع أَخوك الجوخ مترًا بدينار".
الثالثة: أَن تدل على عدد مثل "قضيت مدة الجندية ثلاثَ سنين"
الرابعة: أن تكون موصوفة بمشتق أو بما في معناه مثل: "رافقته فتىً نبيلًا"، ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
الخامسة: أن تدل على طور فيه تفضيل مثل "المشمش رُبًّا أَطيب منه شرابًا".
السادسة: أَن تكون نوعًا لصاحبها مثل: "هذا مالك ورِقًا".
السابعة: أَن تكون أصلًا لصاحبها أَو فرعًا له مثل: "خذ سوارك فضةً وأَعطني ذهبي خاتمًا".
يضيف بعضهم إلى شرطي التنكير والاشتقاق في الحال شرطين آخرين: أحدهما أن تكون نفس صاحبها في المعنى كالأمثلة المتقدمة فلا يجيزون مثل "قابلتك والدتك سرورًا" لأن السرور غير الوالدة. وهذا شرط مفهوم بالبداهة، والثاني أن تكون صفة منتقلة كالأمثلة المتقدمة، فالسرور والترتيب وشبه الغزال وغيرها من الحالات ليست ثابتة في أصحابها بل منتقلة، وهذا الشرط غالب لا مطرد فقد ورد في الندرة أحوال هي صفات ثابتة مثل "خلق الله الزرافة يديْها أطولَ من رجليها"، ﴿وَخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفًا﴾ .
هذا ولابدَّ من التنبيه إلى أن معنى "فضلة" الواردة في تعريف كثير من النحاة للحال، حين يقولون: "الحال وصف فضلة" هو أنها لا مسندة ولا مسند إليها، وإلا فكثيرًا ما تأتي الحال أساسًا في الغرض من الجملة، لا يستغنى عنها أبدًا مثل قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارَى﴾ وقوله: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ .
وكما أتت الحال اسمًا تأْتي جملة فعلية أَو اسمية مثل "ذهبوا يُهَرْوِلون، حضرتُ كتابي بيدي، سافر والليل مظلم، نجحنا وإنا لخائفون"، وحنيئذ لابدَّ لجملة الحال من رابط يربطها بصاحب الحال، والرابط إما الضمير وحده كما في المثالين الأولين، وإما الواو وحدها كما
[ ٢٩٤ ]
في المثال الثالث وتسمى واو الحال١. وإما الضمير والواو معًا كما في المثال الرابع.
وتقع أيضًا شبه جملة: ظرفًا مثل "انظر أَخاك بين الفرسان" أَو جارًا ومجرورًا مثل "هذا السمك في الحوض".
ويجعلون الحال الحقيقية في ذلك متعلق الظروف أو الجار والمجرور وهو "كائنًا" المقدرة.
وتتعدد الحال وصاحبها واحد فتقول: "مضيت مسرعًا، فرحًا، نشيطًا، أملي كبير". وتتعدد ويتعدد صاحبها وحينئذ تكون الحال الأُولى للصاحب الثاني والحال الثانية للصاحب الأَول، تقول: "صادفت أَخاك واقفًا مسرعًا" فـ"واقفًا" حال من "أَخاك" و"مسرعًا" حال من ضمير المتكلم، هذا إِذا خيف اللبس، فإِن أُمن اللبس قدمت أَيًا شئت فتقول: "كلمت هندًا واقفًا جالسة = جالسة واقفًا" و"رأَيت أَخويْك راكبيْن واقفًا = واقفًا راكبيْن".
ب- صاحب الحال وهو ما تكون الحال صفة له في المعنى مبينة لهيئته معرفة غالبًا، وقد يقع نكرة قياسًا في الأَحوال التالية:
_________________
(١) هذه الواو تجب إذا كانت جملة الحال اسمية أو صدرها فعل ماض، خالية من ضمير صاحبها أو مصدرة بضمير صاحبها مثل "سافرت والمودعون كثير، سافرت وقد غابت الشمس، سافرت وأنا خائف". وتمتنع إذا كانت جملة الحال مؤكدة المضمون الجملة فيها ﴿ذَلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أو كانت ماضية بعد "إلا" مثل "هل عاقبك أحد إلا كنت أنت المسيء" أو كانت مصدرة بمضارع مثبت غير مقترن بقد، أو مضارع منفي بـ"ما أو لا" مثل "حضرت أجر رجلي، سافرت ما يرافقني أحد، ما لي لا أجد جوابًا؟ ".
[ ٢٩٥ ]
١- إذا تأَخر عن الحال مثل "جاءَني شاكيًا رجل"، ولولا التقدم لمكان الوصف نعتًا لا حالًا كما في قولنا "جاءَني رجلٌ شاكٍ".
٢- أَن يدل على عموم، وذلك إِذا سبق بنفي أَو نهي أو استفهام مثل: "ما في القاعة أحد واقفًا. لا يقابلْ أحدٌ أحدًا مسيئًا. هل فيهم رجل محقًا؟ ".
٣- أَن يدل على خصوص، وذلك حين توصف النكرة أو تضاف مثل: "جاءَ رجل عالم زائرًا، زارني أُستاذ أدب محاضرًا".
٤- أَن تكون الحال جملة مقرونة بالواو، مثل "أَقبل راكب ويداه مرفوعتان".
هذا وصاحب الحال يكون فاعلًا مثل "حضر الأَمير راكبًا"، أَو نائب فاعل مثل: "أُمسك اللص مختبئًا"، أَو مبتدأ "أَخوك مستقيمًا أَخي" أَو خبرًا "هذا الأستاذ مقبلًا"، أو مفعولًا به مثل "قرأْت الكتاب مطبوعًا" أَو مفعولًا مطلقًا مثل: "قرأْت القراءَةَ واضحةً" أَو مفعولًا فيه مثل "أَسير النهارَ باردًا"، أَو مفعولًا معه مثل "سرْ والشاطئَ ظليلًا" أَو مفعولًا لأَجله مثل "تصدُّقي حبَّ الرحمة خالصًا"، أَو مجرورًا مثل "آمنت بالله خالقًا"، أو مضافًا إليه مثل "أعجبني بيانك خطيبًا" إلا أن المضاف إليه لا تأْتي منه الحال إلا في موضعين:
١- إِذا كان المضاف شبه فعل "مصدرًا أو مشتقًا" مضافًا إلى معموله مثل ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ . "أَخوك راكب الفرسِ مسرجةً" وهذا في الحقيقة يردّ إلى ما سبق لأَن المضاف إليه فاعل في المعنى أَو مفعول به.
٢- إذا صح وضع المضاف إليه موضع المضاف في الجملة بأَن كان
[ ٢٩٦ ]
المضاف جزءًا من المضاف إليه مثل "سلَّم الله صدوركم متآخين"، أَو كان بمعنى الجزءِ "يعجبني بيان أَحمد خطيبًا"، والمضاف إليه في الجملتين يصح أَن يحل محل المضاف فنقول "سلَّمكم الله متآخين، يعجبني أَحمد خطيبًا" فيصبح صاحب الحال فاعلًا أَو مفعولًا.
وعلى هذا لا يصح أن نقول "سافر أخو الطالبة حزينة"، لأن المضاف إليه لا يصح وضعه موضع المضاف فلا تقول "سافرت الطالبة حزينة"، لأن الذي سافر أخوها لا هي.
جـ- عامل الحال: ما عمل في صاحبها من فعل أو شبه فعل أو ما فيه معنى الفعل: فـ"جاءَ أَخوك راكبًا" عامل الحال الذي نصبها هو عامل صاحبها "أَخوك" الذي رفعه، وهو فعل "جاءَ". وأشباه الفعل هنا المصدر والمشتقات مثل "سرني رجوعك سالمًا، ما قارئٌ رفيقُك نشيطًا" فناصب "سالمًا" هو المصدر "رجوع" الذي جر الضمير صاحب الحال لفظًا ورفعه محلًا على أَنه فاعله، وناصب الحال "نشيطًا" هو شبه الفعل "قارئ" الذي رفع صاحب الحال "رفيقك".
أَما ما فيه معنى الفعل فكأَسماءِ الإِشارة: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ وأدوات التشبيه "كأَنك خطيبًا سحبانُ وائل"، وأَسماءُ الأَفعال مثل "بدارِ مسرعًا"، وأدوات الاستفهام والتمني والترجي والتنبيه والنداءِ مثل "كيف أَنت جنديًا، ليتك منصفًا تصير قاضيًا، ها أنت ذا غاضبًا، يا خالدُ منقذًا جارَه".
د- مرتبة الحال بعد صاحبها وبعد عاملها، تقول "جاءَ أخوك ضاحكًا" ويجوز تقدمها على أحدهما أَو عليهما فتقول: "جاءَ ضاحكًا أَخوك، ضاحكًا جاءَ أخوك". ولهذا الجواز قيود:
[ ٢٩٧ ]
١- تتأَخر عن صاحبها وجوبًا إِذا كانت محصورة مثل: "ما جئت إلا ضاحكًا" كما تُقدم هي وجوبًا إذا حُصِر صاحبها مثل: "ما جاءَ ضاحكًا إلا أنت"، وإذا كان صاحبها مضافًا إليه مثل: "أَعجبني موقف أخيك معارضًا"، وإذا كان مجرورًا عند الأكثرين مثل: "مررت بها مسرورة".
٢- وتتأخر عن عاملها وجوبًا إذا لم يكن فعلًا متصرفًا، أَو كان اسم تفضيل مثل "صهْ جالسًا، بئس الطالب عاصيًا، أَخوك خيركم ناطقًا"
وكذلك إن كان عاملها مقترنًا بما له الصدارة مثل لام الابتداء أو لام القسم: "لأَنت مصيب موافقًا، لتسرُّني مطيعًا، لأَبقين صابرًا" أَو كان صلةً لـ"الـ" أَو لحرف مصدري، أو مصدرًا مؤولًا بالفعل والحرف المصدري مثل: "أَنت المحبوبُ منصفًا. يعجبني أَن تقف محاميًا، يسوؤُني انقلابك خائبًا".
والحال المؤكدة لعاملها والجملة المقترنة بواو الحال لا تتقدمان عاملهما مثل: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، "حضرت ويدي فارغة".
هـ- حذف عاملها:
يجوز حذف عاملها إن دل عليه دليل كجوابك سائلًا: "كيف أصبحت؟ " بقولك: "مسرورًا"، ولكنهم التزموا حذف عامل الحال وجوبًا في المواضع الخمسة الآتية:
١- أَن تدل الحال على تدرج في زيادة أو نقص وتقترن بالفاءِ مثل: "يكافأُ المجدُّ بعشرة دنانير فصاعدًا، فنازلًا، فأَكثر، فأَقلَّ "
[ ٢٩٨ ]
والتقدير فذهب العدد صاعدًا، نازلًا إلخ
٢- أَن تغني الحال على الخبر كما جاءَ في ص ٢٣٣ مثل: "أَكلي الحلوى واقفًا" والتقدير أَكلي الحلوى إِذا أُوجد واقفًا.
٣- أن تكون الحال مؤكدة مضمون الجملة قبلها: "أَنت صديقي مخلصًا" والتقدير: "أَعرفك مخلصًا".
٤- بعد استفهام توبيخي: "أَقاعدًا وقد نفر الناس؟! " والتقدير: "أَتمكث قاعدًا وقد نفر الناس؟! ".
٥- أَن يرد عامل الحال محذوفًا سماعًا، ومثلوا لذلك بقولهم: "هنيئًا له" مقدرين: "ثبت له الشيءُ هنيئًا".
[ ٢٩٩ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٢/٢، ٧١]
٢- ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة النمل: ٢٧/١٠]
٣- ﴿فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٩/١٧]
٤- ﴿وَواعَدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [سورة الأعراف: ٧/١٤٢]
٥- ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٧/٧٤]
[ ٣٠٠ ]
٦- ﴿قالَتْ يا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [سورة هود: ١١/٧٢]
٧- ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِها﴾ [سورة البقرة: ٢/٢٥٩]
٨- ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [سورة الحجر: ١٥/٤]
٩- ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [سورة الدخان: ٤/٤- ٥]
١٠- ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [سورة القمر: ٥٤/٦- ٧]
١١- ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [سورة الكهف: ١٨/٥٦]
١٢- ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِرًا وَإِمّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٧٦/٣]
١٣- ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ١٥/٤٧]
١٤- ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا﴾ [سورة البقرة: ٢/٢٣٨- ٢٣٩]
١٥- ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢/٨٤]
[ ٣٠١ ]
١٦- ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل: ١٦/١٢٣]
١٧- صلى رسول الله "ص" قاعدًا وصلى وراءَه رجالٌ قيامًا. حديث
١٨- تقول ابنتي: إن انطلاقك واحدًا إلى الروع يومًا تاركي لا أَبا ليا
١٩- مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي فهل لي إلى ليلى الغداةَ شفيعُ
المجنون
٢٠- يا صاح هل حُمَّ عيشٌ باقيًا فترى لنفسك العذر في إبلاغها الأَملا
طائي
٢١- خرجتُ بها أَمشي تجرُّ وراءَنا على أثريْنا ذيلَ مِرْط مرَحَّل
امرؤ القيس
٢٢- أتميميًا مرَّةً وقيسيًا أُخرى!؟ شتَّى تؤوب الحلبة
٢٣-عدَسْ ما لعبًّادٍ عليك إمارةٌ نجوتِ وهذا تحملين طليقُ
يزيد بن مفرغ الحميري
٢٤- كأَن قلوبَ الطير رطبًا ويابسًا لدى وَكرِها العنابُ والحشف البالي
امرؤ القيس
٢٥- أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسبي وهل بدارة - ياللناس - من عار
سالم بن دارة
٢٦- ولقد خشيتُ بأَن أَموت ولم تدرْ للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم
عنترة
٢٧- فإن كنت مأْكولًا فكن أَنت آكلي وإلا فأَدْركْني ولمَّا أُمَزقِ
الممزق العبدي
٢٨- وإني لتعروني لذكراك هزَّةٌ كما انتفض العصفور بلَّله القطر
أبو صخر الهذلي
[ ٣٠٢ ]
٢٩- أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة وفي الحرب أشباهَ النساءِ العوارك
هند أم معاوية
"ب"
٣٠- لئن كان برد الماءِ هيمانَ صاديًا إليَّ حبيبًا إنها لحبيب
عروة بن حزام
٣١- إِذا المرءُ أعيته المروءَة ناشئًا فمطلبها كهلًا عليه شديد
المعلوط القريعي
٣٢- عهدتُك ما تصبو وفيك شبيبة فما لك بعد الشيب صبًا متيمًا؟
٣٣- بدتْ قمرًا ومالتْ غصنَ بانِ وفاحتْ عنبرًا ورنتْ غزالا
المتنبي
٣٤- نعم امرأً هرمٌ، لم تعرُ نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزرا
زهير
[ ٣٠٣ ]
*
التمييز
اسم نكرة يبين المراد من اسم سابق يصْدق - لولا تحديده بالتمييز - على أشياء كثيرة، مثل: "عندي ثلاثون كتابًا أَنا بها قريرٌ عينًا".
فـ"كتابًا" فسرت المراد بالثلاثين التي تصلح لولا التمييز لكل المعدودات، و"عينًا" أوضحت وحددت المراد بالذي "قرَّ" مني وهو العين، ولولاه ما عرف السامع هل أنا قرير بها صدرًا أو نفسًا أو خاطرًا:
ويسمى النوع الأول بتمييز الذات أَو التمييز الملفوظ، والثاني يعرف بتمييز النسبة أَو التمييز الملحوظ:
أ- أما تمييز الذات فيفسر المبهم من:
١- الأَعداد وكناياتها مثل: "في القاعة عشرون طالبًا أَمامهم كذا كتابًا".
٢- وأسماءِ المقادير "مساحة أَو وزنًا أو كيلًا أو مقياسًا" مثل: بادلني بكل قصبة بناءً هكتارًا حقلًا، خذ رطلًا زيتًا و"لترًا" حليبًا مع مدِّ قمحًا، ثوبك أربع أذرع حريرًا.
٣- وأشباه المقادير على أَنواعها: فمشبه المساحة مثل "ما في السماء قدرُ راحة سحابًا"، ومشبه الوزن مثل "ما فيه مثقال ذرةٍ عقلًا"، ومشبه
[ ٣٠٤ ]
الكيل مثل: "خبأَت جرةً عسلًا وصفيحةً دبسًا وبرميلًا زيتًا"، ومشبه المقياس مثل: "وقَّعنا مَدَّ يدك عريضةً".
٤- وما جرى مجرى المقادير مثل "أَليس عندي مثل ما عندك ذهبًا؟ " و"هذه غلتي وعندي غيرُها ثمرًا".
ويلحق بذلك فرع التمييز مثل قولك "في الخزانة سوار ذهبًا وساعة فضة وحُلَّةٌ جوخًا".
ولك أَن تنصب تمييز الذات بأَنواعه كلها "عدا الأعداد" أو تجره بـ"من" أو تضيف ما قبله إليه فتقول: في الخزانة سوارٌ فضةً = سوارُ فضةٍ "تضيف ما قبله إليه" = سوارٌ من فضة، فإن كان ما قبله مضافًا إليه اقتصرت على النصب أَو الجر مثل "أعطني قدر شبر خيطًا: قدر شبر من خيط".
ب- وأما تمييز النسبة، فما كان منه محولًا عن فاعل أَو مفعول أو مبتدأ وجب نصبه مثل: طب نفسًا، وكفى بعقلك رادعًا، فجّرنا الأَرض عيونًا، أَنا أَكثر مالًا١.
وما كان غير محول كأَكثر تراكيب التعجب، جاز نصبه وجره بـ"من" مثل "أنعم به فارسًا = من فارسٍ، ما أَعظمك بطلًا = من بطل، لله در خالدٍ قائدًا = من قائد".
_________________
(١) الأصل: طابت نفسك وكفى برادع عقلك. ومعلوم أن المجرور بعد كفى فاعل في الأصل. واصل المثالين الباقيين فجرنا عيون الأرض، مالي أكثر من مالك. وسام التفضيل ينصب مميزه حسب القاعدة إن لم يكن من جنس ما قبله مثل "أنت أفضل رأيًا"، فإن كان من جنسه وجبت إضافته إليه: "أنت أفضل كاتب" إلا إذا أضيف إلى غير تمييزه مثل "أنت أكرم الرفاق معينًا".
[ ٣٠٥ ]
تمييز العدد وكناياته:
أ- الأعداد من "٣- ٩" تؤنث مع المعدود المذكر، وتذكر مع المعدود المؤنث في جميع حالاتها مفردة أو مركبة أو معطوفًا عليها فتقول: "في الخزانة ست مجلات وسبعة أقلام، وثلاثة عشر كتابًا وخمس عشرة رسالةً، وثمانيةٌ وستون دفترًا وأربعٌ وخمسون بطاقةً". أًما العدد -١٠" فله حالان: يوافق معدوده إذا تركب مع غيره كما رأيت "ثلاثة عشر كتابًا، خمس عشرة رسالة" ويخالفه مفردًا مثل: "نجح عشرة طلاب وعشر طالبات" والواحد والاثنان يوافقان المعدود في جميع الحالات. وكذلك ما يصاغ من العدد على وزن "فاعل" نقول: "هذا اليومُ السابعَ عشرَ من رجب١ وغدًا الليلةُ التاسعةَ عشرةَ".
أَما تمييز الأعداد فيكون جمعًا مجرورًا بين "٣- ١٠". ومفردًا منصوبًا بين "١١- ٩٩" كما ورد في الأمثلة السابقة، ومفردًا مجرورًا مع "١٠٠ و١٠٠٠" تقول: "ثمن كل مئة قلم أَلفُ قرش".
هذا ويختار قراءة الأَعداد ابتداءً من المرتبة الصغرى فصاعدًا، فتقرأ العدد "١٩٤٥" قائلًا: كان الجلاءُ سنة خمس وأَربعين وتسعمئة وأَلف.
ب- يكنى عن العدد بكلمات ثلاث: كذا، كأَيِّنْ، كم.
أَما كذا فتستعمل إخبارًا عن العدد مطلقًا كثيرًا أو قليلًا تقول:
_________________
(١) إلا إذا كان التمييز كلمة "مئة" فتبقى معها مفردة في الأكثر الغالب تقول: "خمسمئة جندي في الميدان" وقد سمع جمعها جمع سلامة قليلًا فقيل: خمس مئين، خمس مئات، وإلا أسماء الجموع أو أسماء الأجناس فتجر بمن، تقول: سبعة من الطير وخمسة من القوم. وقل أن تضاف مثل "تسعة رهط".
[ ٣٠٦ ]
"عندي كذا كتابًا. ورأيت كذا وكذا قريةً". وتمييزها مفرد منصوب أبدًا وهي مبنية يختلف إعرابها بحسب موقعها في الكلام، ففي الجملة الأُولى هنا هي مبدأ، وفي الثانية مفعول به.
٢- كأَيِّنْ "كأَيٍّ"١ مبنية على السكون وهي خبرية تدل على الكثير فقط، ولها صدر الكلام وتختص بالماضي، ومحلها من الإعراب يختلف باختلاف ما بعدها فتكون مفعولًا به مثل "كأًين من كتابٍ قرأت"، أَو مفعولًا مطلقًا مثل "كأَين من مرة نصحتك! " وتكون مبتدأ مثل: "كأَين من خير في التزام الاستقامة! " ولا يكون خبرها إلا جملة أو شبه جملة.
أما تمييزها فمفرد مجرور بـ"من" دائمًا وسمع نصبه قليلًا في الشعر.
٣- "كم" لها استعمالان: استفهامية وخبرية:
فأما الاستفهامية فيستفهم بها عن عدد يراد معرفته مثل: "كم دينارًا عندك؟ " ولها صدر الكلام، ويتصل بها تمييزها، فإن فصل فبالظرف والجار والمجرور غالبًا مثل: "كم في المجلس عاقلًا؟ "
وتمييزها مفرد منصوب في جميع الحالات كما رأيت٢.
وهي مبنية دائمًا ويختلف إعرابها على حسب جملتها، فهي مبتدأ في قولك "كم دينارًا عندك؟ ". وخبر في "كم مالك؟ " و"كم
_________________
(١) وردت قليلا مخففة في الشعر هكذا: " كائن، كأين".
(٢) جوزوا جره على ضعف إذا جربت هي بالحرف مثل " بكم دينار اشتريت هذا؟ " وأضعف من هذا " بكم دينار ؟ " والنصب هو الوجه في جميع ذلك.
[ ٣٠٧ ]
سطرًا كان خطابك؟ ". ومفعول به في "كم كتابًا قرأت؟ ". ومفعول مطلق في "كم مرةً قرأْت درسك"، ومفعول فيه في "كم ليلةً سهرت؟ ".
وأما "كم" الخبرية فلا يسأَل بها عن شيءِ وإِنما يخبر بها عن الكثرة وتكون بمعنى "كثير" ولا تستعمل إلا في الإِخبار عما مضى مثل: "إِنْ أُخفق الآن فكم مرةٍ نجحت! " ولها الصدارة كأختها الاستفهامية، لا يتقدم عليهما إِلا المضاف أَو الجار مثل "بكم عبرةٍ تمرُّ فلا تتعظ! " "جثةَ كم رجل واريت! " وإِعرابها كإِعراب الاستفهامية تمامًا.
وتمييز "كم" الخبرية نكرة مجرورة بالإضافة إليها أَو بـ"من"، وهي مفردة غالبًا: "كم مغرور غرت الدنيا!، كم من مغرور كم من مغرورين..".
فإِذا فصل فاصل بينها وبين مميزها وجب نصبه أَو جره بـ"من"، تقول في "كم عبرة في الدنيا! " إِذا فصلت: "كم في الدنيا عبرةً = من عبرة". وتفترق "كم" الاستفهامية و"كم" الخبرية عدا ما تقدم من الفروق في المعنى وفي التمييز، في أَنك إِذا أَبدلت من الاستفهامية وجب أن يقترن البدل بهمزة الاستفهام مثل: "كم كتابًا قرأْت؟ أَعشرين أَم ثلاثين؟ "، أَما الخبرية فلا تقترن بشيء تقول: "كم مرةٍ وعظتك، عشرين، مئة، أَلفًا! ".
ملاحظات ثلاث:
١- التمييز نكرة دائمًا، فإن أَتى معرفة لفظًا فهو نكرة معنى مثل: "طبت النفسَ ببيع الدار". "أَلِم أَخوك رأْسه"، فـ"النفس" و"رأْسَه"
[ ٣٠٨ ]
معرفتان لفظًا نكرتان معنى إِذ هما بمنزلة "طبت نفسًا، أَلم رأْسًا".
٢- مرتبة التمييز التأْخر عن المميز الذي يعتبر الناصب له فلا يتقدمه ولم يسمع إلا نادرًا في الشعر تقدم تمييز النسبة على فعله المتصرف مثل:
اَنفسًا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا
أَما إِذا كان التمييز ملفوظًا، أَو ملحوظًا وعامله جامد فلا يتقدم البتة لا في ضرورة ولا في غيرها.
٣- يفرقون غالبًا بين الحال والتمييز بأَن الحال على معنى "في"، والتمييز على معنى "من"، فمعنى "جئت راكبًا": "جئت في ركوبي"، ومعنى "لله دره فارسًا، بعت ثلاثة عشر كتابًا": "لله دره من فارس، بعت ثلاثة عشر من الكتب".
[ ٣٠٩ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [سورة الحاقة: ٦٩/٧]
٢- ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [سورة المؤمنين: ٢٣/١١٢]
٣- ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [سورة الكهف: ١٨/١٨]
٤- ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ٣/١٤٦]
٥- ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢/١٣٠]
٦- ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلًا وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ [سورة القصص: ٢٨/٥٨]
[ ٣١٠ ]
٧- ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [سورة مريم: ١٩/٣]
٨- فيها اثنتان وأَربعون حلوبةً. سودًا كخافية الغراب الأَسحم
عنترة
٩- أَلستم خيرَ من ركب المطايا وأَندى العالمين بطونَ راح
جرير
١٠- رأَيتك لما أَن عرفت وجوهنا صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
رشيد اليشكري.
١١- وكائنْ ترى من صامت لك معجب زيادته أَو نقصه في التكلم
زهير
١٢- يا جارتا ما أَنت جاره! بانت لتحزننا عَفاره
الأعشى
"ب"
١٣- السيف أصدق أنباءً من الكتب في حدِّه الحدُّ بين الجد واللعب،
ستون ألفًا كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
أبو تمام
١٤- يدٌ بخمس مئين عسجدًا وُديت ما بالها قطعت في ربع دينار
المعري
"عز الأَمانة أَغلاها وأَرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري"
١٥- كم عاقلٍ عاقل أَعيَتْ مذاهبه وجاهلٍ جاهل تلقاه مرزوقا
١٦- اطرد اليأْس بالرجاءِ فكأْيِنْ آلمًا حُم يسره بعد عسر؟
١٧- أَنفسًا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا؟
[ ٣١١ ]
*
المستثنى
اسم يذكر بعد أَداة استثناء مخالفًا ما قبلها في الحكم، مثل "ربح التجار إلا خالدًا".
وأَركان الاستثناء كما في المثال ثلاثة: مستثنى منه "التجار"، ومستثنى "خالد"، وأداة الاستثناءِ "إلا"، أما الحكم فهو "ربح". وليذكر الطالب الأُمور التالية:
١-إن لم يكن في الجملة مستثنى منه فلا عمل لأداة الاستثناء، وما بعدها يعرب كما لو كانت أداة الاستثناء غير موجودة مثل "ما ربح إلا خالد". ويسمى التركيب استثناء ناقصًا أو مفرغًا. أما النقص فلفقدان المستثنى منه وأما التفريغ فإن العامل قبل الأداة تفرغ للعمل فيما بعدها. وعلى هذا فليس الكلام استثناء وإنما هو حصر فقط.
٢- الاستثناء المتصل ما كان فيه المستثنى من جنس المستثنى منه كالمثال المذكور فـ"خالد" من جنس "التجار".
والاستثناء المنقطع ما كان فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه ويختار فيه النصب دائمًا مثل "رحل التجار إلا بضائعهم" والغرض من ذكره دفع التوهم الحاصل حين الاقتصار على "رحل التجار"، فإن السامع قد يظن أنهم رحلوا ببضائعهم كما هي العادة، فذكر الاستثناء استدراكًا ودفعًا للتوهم.
ونقلوا أن نبي تميم تجيز الرفع على البدلية إن صح تسليط العامل على ما بعد أداة الاستثناء.
٣- أدوات الاستثناء ثمان: "إلا، غير، سوى، خلا، عدا، حاشا، ليس، لا يكون". وسيأتي تفصيل حولها.
[ ٣١٢ ]
حكم المستثنى: المستثنى يجب نصبه دائمًا في الأحوال الآتية:
١- بعد الأدوات "ما خلا، ما عدا، ما حاشا، ليس، لا يكون، بيد".
٢- بعد "إلا" في استثناء تام مثبت أو في استثناء تقدم فيه المستثنى على المستثنى منه:
سافر القوم إلا خالدًا، لم يحضر إلا خالدًا أحد١، نجح الطلاب ما عدا سليمًا، تسابق الفرسان ليس عليًا، نفدت البضائع لا يكون الحرير.
ويجوز مع النصب وجه آخر في حالين:
١- في الاستثناء التام المنفي يجوز النصب ويرجح عليه الإتباع على البدلية من المستثنى منه، والأَدوات المستعملة في ذلك ثلاث: "إِلا، غير، سوى"، مثل: "لم يحضر المدعوون إِلا الأَميرُ = إلا الأَميرَ، ما وثقت بكم إلا معاذٍ = إلا معاذًا، ما أنتم مسافرون غيرُ أَحمد = غيرَ أَحمد".
هذا ويحمل على النفي: النهي والاستفهام الإِنكاري مثل: "لا يجلسْ أَحدٌ إِلا الناجحُ = إلا الناجحَ، من ينكر فضل الوحدة إلا المكابرون؟ إلا المكابرين؟ ".
واعلم أن الكلام قد يحمل على النفي وليس فيه أداة نفي، وإنما هو المعنى، مثل "فني الجسد إلا العظمُ = إلا العظمَ" وذلك لأن معنى "فني": لم يبق. وكذلك ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ نفي لأن معنى "يأبى": "لم يرض".
ومن هذا الآية: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وقُرِئ "إلا قليلًا منهم".
فعدوا الجملة الأخيرة استثناء تامًا منفيًا يجوز في مستثناها "قليل" الرفع على الإبدال من المستثنى منه وهو الضمير في "فشربوا"، مع أنه ليس في الكلام نفي ملفوظ، ولكن المعنى
_________________
(١) من العرب من يقول "لم يحضر إلا خالدٌ أحدٌ"، فيرفع المستثنى إذ تقدم. وخرجوا ذلك على أنه بدل مقلوب إذ الأصل: "لم يحضر أحد إلا خالد"، وهي لغة ضعيفة حكوا منها "ما مررت بمثلك أحدٍ"، وشواهد سيأتي بعضها.
[ ٣١٣ ]
جعل "فشربوا منه" بمنزلة "فلم يكونوا منه"، اعتمادًا على قوله قبل ذلك: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ .
٢- إذا لم تكن الأَدوات "خلا، عدا، حاشا" مصحوبة بـ"ما" جاز مع النصب الجر، مثل: "ذهب الطلاب خلا سعيدًا = خلا سعيدٍ".
والنصب بـ"خلا، وعدا" أَكثر من الجر، والجر بـ"حاشا" أَكثر من النصب.
وإليك الآن، بعد هذا الحكم العام الذي لمَّ متفرقات كثيرة شتى، فضلَ كلامٍ على الأَدوات واحدةً واحدة:
إلا: حرف استثناءٍ غالبًا، وأَداة حصر لا عمل لها إن لم يكن في الكلام مستثنى منه مثل "لم يحضر إلا أَخوك". وتحمل أحيانًا قليلة على "غير" وجوبًا، فيوصف بها وبما بعدها، وذلك حين يفسد المعنى على الاستثناء، مثل: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ .
لأن المعنى "لو كان في السماء والأرض إله غير الله لفسدتا"، فالقصد نفي كل إله غير الله، وبهذا رادفت كلمة "غير" التي يوصف بها غالبًا. ولو كانت الاستثناء لكان المعنى: "لو كان فيهما آلهة ليس الله معها لفسدتا، ولكنهما لم تفسدا لوجود الله معها" وهو كما ترى معنى باطل غير مقصود البتة.
وتعرب "إلا الله" معًا صفة! "آلهة". كما يوصف بالجار والمجرور معًا في قولنا: "هذا رجل على فرس".
هذا وقد تكون "إلا" أحيانًا حرف استدراك بمعنى "لكن" تمامًا، فلا تعمل مثل: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .
فليست "تذكرة" مستثناة من "لتشقى". وإنما الكلام استدراك و"تذكرةً" مفعول لأجله عامله محذوف والتقدير: "لكن أَنزلناه تذكرةً لمن يخشى".
[ ٣١٤ ]
غير وسوى - اسمان معربان يوصف بهما ما قبلهما غالبًا فنقول: "هذا رجلٌ غيرُ سيءٍ، له صفاتٌ سوى ما ذكرت"؛ ولكن كما تحمل "إلا" الاستثنائية على "غير" فيوصف بها، تحمل "غير وسوى" الوصفيتان على "إلا" فيستثنى بهما ويثبت لهما ما يثبت للاسم بعد "إلا" ويضافان إلى المستثنى الحقيقي:
تقول في الاستثناء التام الموجب: "فهمنا الدرس غير نذيرٍ" وفي التام المنفي: "لم يسافر الرفاقُ غيرُ خالد "أو" غير خالد"، وفي الاستثناء الناقص: "ما سافر غيرُ خالد" فتكون فاعلًا، وفي الاستثناء المنقطع: "ما نجا الركاب غيرَ سفينتهم، نجا غيرَ سفينتهم الركابُ".
ما خلا، ما عدا، ما حاشا: هذه الكلمات حين تقترن بـ"ما" يجب النصب بهن: "يقرأُ الطلاب ما عدا اثنين منهم".
ويجعلون "خلا" وأَخواتها أَفعالًا ماضية جامدة، والاسم بعدهن مفعولًا به، ويقدرون الفاعل مشتقًا من الحكم قبلهن ويجعلون "ما" مصدرية فيكون التقدير في مثالنا: "عدا القراءُ اثنين منهم"، أَو "عدت القراءَة اثنين منهم"، والجملة كلها حال من المستثنى منه كأَنهم قالوا: "يقرأُ الطلاب خالين من اثنين منهم".
وخير من هذا أن نجعل هذه الأفعال حين جمدت شبه الأدوات لا فاعل لها ولا مفعول. يجب النصب بها مع "ما" لأنها لا تزاد إلا مع ما أصله الفعل، ويجوز الجر والنصب حين حذف "ما" فيكون ما بعدها مجرورًا لفظًا في محل نصب على الاستثناء لأنها أحرف جر شبيهة بالزائد.
ليس، لا يكون: هاتان الأَداتان في الأَصل فعلان ناقصان، وهما هنا كذلك لم تخرجا على أَصلهما إلا في شيءٌ واحد هو وجوب حذف
[ ٣١٥ ]
اسمهما، "سافر القوم ليس الأَميرَ" أو "لا يكون الأَميرَ" أصله "ليس المسافرُ الأَمير" أَو "لا يكون المسافرُ الأَميرَ".
وأَهون من وذلك أَن نعتبر التركيب تركيبًا استثنائيًا رادفت فيه هاتان الأَداتان "إلا" فنصب ما بعدهما على الاستثناء وجوبًا، وبذلك استغنتا عن اسم وخبر لاستعمالهما استعمال الحرف.
خاتمة: يلحق بأَدوات الاستثناء كلمة "بَيْدَ" وهي اسم تدخل تركيبًا شبه استثنائي، تقول "أَحمدُ جواد بيْدَ أَنه جبان" وتكون "بيد" منصوبة دائمًا على الاستثناءِ المنقطع ومضافة إلى جملة "أَن" الاسمية المؤولة بالمصدر، ومعناها هنا يشبه الاستدراك ودفع التوهم كتراكيب الاستثناء المنقطع.
[ ٣١٦ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿يا أَيُّها الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [سورة المزمل: ٧٣/١-٣]
٢- ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾
قُرِئ: "إلا قليلًا منهم" [سورة النساء: ٣/٦٦]
٣- ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ [سورة هود: ١١/٨١]
٤- ﴿قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضّالُّونَ﴾ [سورة الحجر: ١٥/٨٦]
٥- ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النمل: ٢٧/٦٥]
٦- ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة النساء: ٤/٩٥]
[ ٣١٧ ]
٧- ﴿وَما لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [سورة الليل: ٩٢/١٩-٢٠]
٨- ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الأَكْبَرَ﴾ [سورة الغاشية: ٨٨/٢٢-٢٤]
٩- أَلا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
لبيد
١٠- وماليَ إلا آلَ أَحمد شيعةٌ ومالي إلا مذهبَ الحق مذهبُ
الكميتُ
١١- وبلدةٍ ليس بها أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ
جران العود
١٢- وبالصريمة منهم منزل خلق عافٍ تغير إلا النؤيُ والوتد
١٣- رأَيت الناس ما حاشا قريشًا فإنا نحن أفضلهم فعالا
الأخطل
١٤- ولا عيب فيهم غيرَ أَنَّ سيوفهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب،
١٥- وقفت فيها أُصيلالًا أُسائلها عيَّتْ جوابًا وما بالربع من أَحد
إلا الأَواريَّ لأَيًا ما أَبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
النابغة
١٦- ولك أَخٍ مفارقه أَخوه لعمرُ أَبيك إلا الفرقدان
عمرو بن معد يكرب
١٧- "ما أَنْهرَ الدمَ وذكر اسم الله عليه فكُلْ، ليس السنَّ والظفر - أَنْهروا الدم بما شتم إلا الظفرَ والسنَّ".
حديثان شريفان "الظفر: مدية الحبشة، السن: العظم"
[ ٣١٨ ]
"ب"
١٨- تُملُّ الندامى ما عداني فإنني بكل الذي يهوى خليلي مولع؟
١٩- لأَنهم يرجون منه شفاعة إذا لم يكن إِلا النبيون شافع
حسان
٢٠- ما لك من شيخك إلا عملُه
إلا رسيمهُ وإلا رملُه؟
٢١- أَبحنا حيَّهم قتلًا وأَسرًا عدا الشمطاءِ والطفلِ الصغير؟
٢٢- خلا الله لا أَرجو سواك وإِنما أَعدُّ عيالي شعبة من عيالكا؟
٢٣- عشية لا تغني الرماح مكانها النبلُ إلا المشرفيُّ المصممُ؟
ولا ٢٤- في ليلة لا نرى بها أَحدًا يحكي علينا إلا كواكبُها؟
٢٥- عمدًا فعلت ذاك بيدَ أَني
أخاف إن هلكت أَن تُرِنِّي؟ الإرنان: رفع الصوت بالبكاء.
[ ٣١٩ ]
*
المنادى
أحكام - تابع المنادى - المضاف إلى ياء المتكلم - المرخم - مناديات سماعية - تراكيب الاستغاثة والتعجب - الندبة
أ- أحكام:
يعلم القارئ أن المنادى اسم يذكر بعد أداة نداء استدعاءً لمدلوله مثل: "يا خالد، أيا عبد الله"، وأنه منصوب دائمًا سواء أكان مضافًا مثل "يا عبد الله" أو شبيهًا بالمضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه مثل: "يا كريمًا فعلُه، يا رفيقًا بالضعفاء، يا أربعة وأربعين "اسمًا لرجل"" أو نكرة غير مقصودة مثل: "يا كسولًا الحقْ رفاقك"١.
وإنما يبنى على ما يرفع به، في محل نصب، إذا كان مفردًا معرفة مثل: "يا عليٌّ" أو نكرة قصد بها معين كقولك لشرطي أمامك ولرجلين ولمسلمين تخاطبهم: "يا شرطيُّ، يا رجلان، يا مسلمون".
وإذا كان الاسم مبنيًا سماعًا بقي على حركة بنائه الأصلية مثل: "يا سيبويه، يا هذا"، وقيل حينئذ إنه مبني على ضم مقدّر، منع من ظهوره اشتغال آخره بحركة البناء الأصلية، في محل نصب.
ولا بأس بتذكيرٍ بالأحكام الآتية:
١-أحرف النداء ثمانية: "أ" و"أيْ" وتكونان لنداء القريب مثل: "أَخالد، أَيْ أَخي" و"يا، آ، آي، أَيا، هيا" وتكون لنداءِ البعيد
_________________
(١) المفرد هنا ما كان كلمة واحدة أي ليس مضافا ولا شبيها بالمضاف.
[ ٣٢٠ ]
لما فيها من مد الصوت، و"وا" تكون للندبة خاصة مثل "واو لدي، وارأْسي".
أما "يا": فهي أُم الباب، ينادى بها القريب والبعيد، ويستغاث بها مثل "يا للأَغنياءِ لِلفقراءِ"، ويندب بها عند أَمن اللبس تقول: "يا رأْسي" ولا ينادى لفظ الجلالة إلا بها خاصة مثل "يا أَللهُ". وهي وحدها التي يجوز حذفها مع المنادى مثل "خالدُ الحقني"١.
٢- إذا وصف المنادى العلم المبني بـ"ابن أَو ابنة" مضافتين إلى علم، جاز فيه البناءُ على الضم، ونصبه إتباعًا لحركة "ابن وابنة" تقول: "يا خالد بن سعيد" والإتباع أَكثر. وكذلك الحكم فيه إذا أُكد بمضاف مثل: "يا سعدُ سعدَ العشيرة" يجوز مع البناء على الضم نصبه على أنه هو المضاف وأن "سعد" الثانية توكيد لفظي لها.
٣- إذا اضطر الشاعر إلى تنوين المنادى المبني على الضم جاز أَن ينونه مرفوعًا وهو الأكثر، مثل قول جميل:
ليت التحية كانت لي فأَشكرها
مكان "يا جملٌ" حيّيت يا رجل
_________________
(١) وبها ينادى شذوذًا الضمير مثل "يا أنت يا إياكم". وإنما يطرد جواز حذفها قبل المنادى إذا لم يكن ضميرًا ولا مبهمًا مثل أسماء الموصولات والإشارة مثل: "يا هذا اتبعني"، ولا لفظ الجلالة، وما ورد من ذلك فنادر ولا يقاس عليه، مثل: "أصبح ليلُ، افتدِ محنوق – أطرق كرا". أما حذف المنادى وبقاء الأداة كقوله: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ بتقدير "يا هؤلاء ليت قومي.." فقد ذهب إليه بعضهم، والصواب أن نعد "يا" في ذلك حرف تنبيه للمخاطب لا حرف نداء، ونخلص بذلك من التكلف في تقدير منادى محذوف.
[ ٣٢١ ]
وأَن ينونه منصوبًا مثل قول جرير:
أَعبدًا حلَّ في شُعَبى غريبًا أَلؤمًا - لا أَبا لكَ - واغترابا
٤- العَلم المحلى بـ"ال" يتجرد منها حين النداءِ فننادي العباس والحارث والنعمان بقولنا: "يا عباسُ ويا حارثُ ويا نعمان".
فإِن أردنا نداءَ ما فيه "ال" توصلنا إِلى ذلك بنداءِ اسم إِشارة أَو "أَيها أَو أَيتها" قبله مثل: "يا أَيُّها الإنسانُ، يا أَيتها المرأَة، يا هذا الطالبُ، يا هذه الطالبةُ، يا هؤلاءِ الطلابُ" فيكون المنادى اسم الإشارة أَو كلمة "أَيها أَو أَيتها"، ويكون المحلى بـ"ال" بعدهما صفة للمنادى إن كان مشتقًا أَو عطف بيان إن كان جامدًا١.
أَما لفظة الجلالة "الله" فتفرد وحدها بأَنها تنادى بـ"يا" خاصة وأَن أَلف الوصل فيها يجب قطعها عند النداءِ فنقول "يا ألله"، ويجوز حذف "يا" والتعويض عنها بميم مشددة في الآخر: فنقول "اللهم".
ب- تابع المنادى:
١-إذا كان التابع بدلًا أو معطوفًا عومل معاملة المنادى المستقل مثل: "يا أَبا خالد سعيدُ، يا خالدُ وسعيدُ، يا عبد الله وسعيدُ"، فإن تحلَّى المعطوف بـ"الـ" جاز فيه البناءُ على الضم إتباعًا للفظ المعطوف عليه والنصبُ إِتباعًا للمحل: "يا خالدُ والحاجبُ".
_________________
(١) لا يأتي بعد المنادى الإشارة إلى المحلى بـ"ال" كما رأيت، ولا يأتي بعد "أيها وأيتها" إلا المحلى بـ"ال" أو اسم الإشارة مثل: "يا أَيهذا الفاضل".
[ ٣٢٢ ]
٢- أَما النعت وعطف البيان والتوكيد فيجب نصبها إذا كانت مضافة خالية من "الـ" مثل: "يا أحمدُ صاحبَ الدار، يا طلابُ كلَّكم، يا عليُّ أَبا حسن".
أَما إذا كان هذا التابع محلّىً بـ"الـ" أو توكيدًا غير مضاف فيجوز فيه النصب مراعاةً للمحل والرفع مراعاةً للفظ: "يا أَحمدُ الكريمُ، يا أَحمدُ الفاتحُ/الباب، يا سليمُ سليمًا = سليمٌ".
٣- تابع المنادى المنصوب منصوب أبدًا: "يا عبد الله الكريمَ، يا عبدَ الله والنجارَ إلخ".
جـ- إذا أضيف المنادى إلى ياء المتكلم فهذه أحواله:
١- إِن كان معتلَّ الآخر "مقصورًا أَو منقوصًا" ثبتت معه الياءُ مفتوحة: "يا فتايَ، يا محاميَّ".
٢- إن كان صفة "اسم فاعل، أَو مبالغته، أَو اسم مفعول" ثبتت معه الياءُ ساكنة أَو مفتوحة، تقول "يا سامعي = يا سامعيَ أَجنبي، يا معبودي = يا معبوديَ أغثني".
٣- إن كان صحيح الآخر جاز فيه أربعة أَوجُه: أَولها - وهو الأَكثر - حذف الياءِ وإبقاءُ الكسرة قبلها دليلًا عليها مثل: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾، ثانيها إِبقاءُ الياءِ ساكنة: "يا عبادي". ثالثها إِبقاءُ الياءِ وفتحها: "يا حسرتي على فلان". رابعها قلب الكسرة قبل الياءِ فتحة وقلب الياءِ ألفًا مثل "يا حسرتا".
[ ٣٢٣ ]
فإِن كان المضاف أبًا أَو أُمًا جازت فيه الأَوجه الأَربعة المتقدمة وجاز وجه خامس هو قلب الياءِ تاءً مفتوحة مثل "يا أَبتَ، يا أَمّتَ"، ووجه سادس هو قلبها تاءً مكسورة مثل "يا أَبتِ، يا أُمتِ". وتبدل هذه التاءُ هاءً حين الوقف: فنقول: "يا أَبهْ، يا أُمَّهْ" وأَلحقوا بذلك "ابن عمي، ابنة عمي، ابن أُمي، ابنة أُمي" فجوزوا فيها إثبات الياءِ، وحذفها مع كسر الآخر أَو فتحه "يابن عمِّ، يابن عمَّ.. إلخ" مع أَن ياءَ المتكلم هنا لم يضف إليها منادى وإِنما أُضيف إليها ما أُضيف إليه منادى فكان حقها الإِثبات لكنهم أَلحقوها بما تقدم، بل حذفهم لها أَكثر من الإثبات.
د- المنادى المرخم:
الترخيم حذف آخر المنادى تخفيفًا ويطرد جواز الترخيم في شيئين:
١- المختوم بتاءِ التأْنيث مطلقًا مثل "يا فاطم، يا هِبَ، يا حمزَ، يا شاعرَ، يا جاريَ" ترخيم "يا فاطمة، يا هبة، يا حمزة، يا شاعرة، يا جارية".
٢- العلم غير المركب إذا زاد على ثلاثة أَحرف: فترخم "أَحمد، جعفر، منصور، سلمان" قائلًا: "يا أَحمَ، يا جعف، يا منصو، يا سلما"، ولك أَن تحذف حرفين بشرط أَن يبقى من الاسم ثلاثة أَحرف كما في الاسمين الأَخيرين فتقول: "يا منصُ، يا سلمَ" ولك في آخر المنادى بعد الترخيم وَجهان: أن تبقيه على حاله قبل الترخيم وتقدر حركة البناء على الحرف المحذوف، وهذا أجود اللغتين ويسمونها لغة من ينتظر "أي ينتظر لفظ الحرف الأخير لتظهر عليه حركة البناءِ". والوجه الثاني أن تبني
[ ٣٢٤ ]
الحرف الأخير الباقي فيه على الضم فتقول: يا أَحمُ، يا جعفُ إلخ.." ويسمون ذلك لغة من لا ينتظر.
هـ- مناديات سماعية:
وردت عن العرب كلمات لم تستعمل إلا في النداء على الأوزان الآتية:
١- مَفْعَلان: "يا مخبثانُ، يا ملأمان، يا ملكعان، يا مكذبان، يا مطيبان" وتؤنث هذه الصفات بالتاء.
٢- فُعَل: في شتم المذكرين: "يا خُبَثُ، يا فُسق، يا غُدر، يا لُكع"
٣- فعال: في شتم الإناث: "يا خباث، يا فساق، يا غدارِ، يا لَكاعِ".
والوزن الأخير قياسي في الأفعال الثلاثية التامة المتصرفة.
وسمع أيضًا: يا لأمانُ، يا نَوْمَانُ "لكثير اللوم والنوم". وقالوا في ترخيم فلان وفلانة: "يا فلُ" بمعنى "يا رجل"، "يا فُلة" بمعنى "يا امرأة".
وتراكيب الاستغاثة والتعجب:
هي تراكيب ندائية في مقام خاص، ففي قولنا "يا للأَغنياء للفقراء من الجوع": "الأغنياء" مستغاث بهم، والفقراء مستغاث لأَجلهم، والجوع مستغاث منه، و"يا" أَداة الاستغاثة، ولا يستغاث بغيرها - كما عرفت - ولا يجوز حذفها، ولابدَّ من ركنين على الأَقل في تراكيب الاستغاثة: الأَداة والمستغاث به.
وفي هذا المستغاث به ثلاثة أوجه:
١- جرُّه بلام مفتوحة كما تقدم ولا تكسر إلا إذا تعدد المستغاث به: "يا لَلحكامِ ولِلأَغنياءِ لِلفقراءِ".
٢- أَن يزاد في آخره أَلف توكيدًا للاستغاثة: يا أَغنياءَا.
[ ٣٢٥ ]
٣- أَن ينادى نداءً عاديًا: يا أَغنياءُ.
وهو في جميع الحالات منادى، ويتعلق الجار والمجرور اللذان بعد المستغاث به بعامل النداءِ "عامل الاستغاثة" وهو كلمة "يا" التي قامت مقام "أستغيث".
والمتعجب منه كالمستغاث به في أَوجهه الثلاثة، تقول متعجبًا من البحر: يا لَلْبحرِ!، يا بحر!، يا بحرُ!
ز- الندبة:
نداء متفجَّع عليه أو متوجَّع منه مثل: "وا أَبتاه، وا رأَساه". ولا تندب النكرات إِذا لا معنى لأَن يتوجع الإِنسان على مجهول، ولا المبهمات كأَسماءِ الموصولات والإشارات، إِلا إذا كانت جملة الصلة مشهورة مثل "واو من فتح دمشقاه"، وإنما تندب المعارف غير المبهمة مثل: "واحسيناه واولداه".
والحرف الأصلي في الندبة "وا" ويجوز أن تقوم "يا" مقامها عند أَمن اللبس مثل "يا رأْساه". ويجوز في الاسم المندوب ثلاثة أوجه:
١-أن يختم بأَلف زائدة: واخالدا - يا حرقة كبدا
٢- أن يختم بألف زائدة وهاءُ السكت في الوقف: واخالداهْ - يا حرقة كبداهْ.
٣- أن ينادى نداءً عاديًا: واخالدُ - واحرقةَ كبدي.
[ ٣٢٦ ]
الشواهد
"أ"
١- ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾ [سورة إبراهيم: ١٤/٤١]
٢- ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [سورة طه: ٢٠/٩٤]
٣- أَلا أَيُّهذا الزاجري أَحضرَ الوغى وأَن أشهدَ اللذات هل أَنت مخلدي
طرفة
٤- فيا راكبًا إِمّا عرضْتَ فبلغَنْ ندامايَ من نجرانَ: أَنْ لاتلاقيا
عبد يغوث الحارثي
٥- فأَصاخ يرجو أَن يكون حيًا ويقولُ من فرحٍ: هيا ربا
٦- سلام الله يا مطرُ عليها وليس عليك يا مطرُ السلام
الأحوص
٧- ضربتْ صدرَها إِليَّ وقالت: يا عديًّا لقد وقتْك الأَواقي
عدي بن ربيعة أخو المهلهل
٨- فما كعبُ بن مامةَ وابنُ سُعدى بأَوفى منك يا عمرُ الجوادا
جرير
٩- يا حارِ من يغدِرْ بذمة جاره
منكم فإن محمدًا لم يغدر
حسان
[ ٣٢٧ ]
١٠- يا مروَُ إِن مطيتي محبوسة ترجو الحِباءَ وربُّها لم ييأَس
الفرزدق
١١- حُمِّلتَ أَمرًا عظيمًا فاصطبرت له وقمت فيه بأَمر الله يا عمر
جرير
١٢- ألا يا اسلمي يا دارميَّ على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
ذو الرمة
"ب"
١٣- إِذا هملت عيني لها قال صاحبي بمثلك - هذا - لوعة وغرام
ذو الرمة
١٤- يا مُرَّ يا بن واقع يا أَنتا
أنت الذي طلقت عامَ جعتا
سالم بن دارة
١٥- يا يزيدا لآمل نيل بر وغنىً بعد فاقة وهوان؟
١٦- خذوا حظكم يا آل عكرمَ واحفظوا أواصركم والرحم بالغيب تذكر
زهير
١٧- يبكيك ناءٍ غريب الدار مغترب يا لَلكهول ولِلشبان للعجب
١٨- رضيت بك اللهم ربًا فلن أُرى أَدينُ إلهًا غيرك - اللهُ - راضيا
الحطيئة
١٩- إني إذا ما حدثٌ ألمّا
أقول: يا اللهمَ يا اللهما
أمية بن أبي الصلت
٢٠- لنعم الفتى يعشو إلى ضوءِ ناره طريفُ بن مالٍ ليلة الجوع والخصر
امرؤ القيس
٢١- كن لي لا عليَّ يا بن عما نعش عزيزيْن ونكفَ الهمّا؟
[ ٣٢٨ ]
*
مواضع جر الاسم
يجر الاسم إذا سبقه حرف جر أو أضيف إليه اسم سابق
الجر بالحرف
حروف الجر وأهم معانيها وأحوالها - التعليق ومحل المجرور - زيادة الجار سماعًا وقياسًا - حذفه سماعًا وقياسًا - ملاحظة.
حروف الجر سبعة عشر حرفًا١: الباء، من، إلى، عن، على، في، الكاف، اللام، رُبّ، حتى، مُذْ، منذ، واو القسم، تاء القسم، خلا، عدا، حاشا. وقد مر ذكر
_________________
(١) يزيد النحاة على هذه السبعة عشر ثلاثة أحرف وهي:
(٢) "متى" في لغة هذيل، ونقلوا عن بعضهم قوله: "أَخرجه متى كمه" ورووا لأبي ذؤيب الهذلي في وصف سحاب: شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج "أي صوت" لم ينقلوا غير هذين الشاهدين، ومع أن ذلك لهجة خاصة بهذيل. فإن قلة المروي يجعل الجر بـ"متى" أثريًا لا يعمل به.
(٣) "لعل" في لغة عقيل، وليس لهم إلا شاهد واحد معروف القائل وهو قول كعب بن سعد الغنوي: فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة لعل أبي المغوار منك قريب وقد روي "لعل أبا المغوار" وبهذه الرواية يبقى الجر بلعل دون شاهد ملزم.
(٤) "كي" حين ترادف اللام وذلك في دخولها على "ما" الاستفهامية خاصة إذا سألوا عن علة الشيء بقولهم "كيمه؟ ". وبذلك تدرك أن حشر هذه الأحرف في عداد حروف الجر إثقال على الطالب لا طائل تحته.
[ ٣٢٩ ]
الثلاثة الأخيرة في مبحث الاستثناء. وإليك أهم معاني الحروف الأربعة عشر الباقية على ترتيب هجائها الأحادية فصاعدًا:
١- الباء: رأس معانيها الإلصاق حقيقيًا كان مثل: "أمسكت بيدك" أو مجازيًا مثل: "مررت بدارك"، ثم الاستعانة مثل: "أكلت بالملعقة"، والسببية والتعليل مثل: "بظلمك قوطعت"، والتعدية مثل: "ذهبت بسحرك"، والعوض أو المقابلة مثل: "خذ الكتاب بالدفتر أو بدينار"، والبدل "أي بلا مقابلة" "مثل: ليت له بماله عافية"، والظرفية مثل "مررت بدمشق بالليل"، والمصاحبة مثل: "اذهب بسلام"، والقسم مثل: "أقسمت بالله، بالله لأسافرن".
٢، ٣ - تاء القسم وواوه: تختص التاء بثلاث كلمات هي: "تالله، تربَ الكعبة، تربيِّ" فهي أضيق حروف الجر نطاقًا، أما الواو فتدخل على مقسم به ظاهر مثل: "والله وحياتك، وحقّكم إلخ".
٤- الكاف: ومعناه التشبيه مثل: "صرخ كأسد". وتأتي قليلًا بمعنى "على" مثل قولهم: "كن كما أنت"، وتأتي للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ .
٥- اللام: ومعناه الاختصاص مثل: "الحمد لله، الكتاب لي، السرج للفرس"، ومن معانيها التعليل مثل: "سافرت للاستجمام"، وانتهاء الغاية "عدت لداري، أخرت لأجل"، والصيرورة مثل "لدوا للموت وابنوا للخراب"، والظرفية مثل "كانت الموقعة لخمسة من رمضان، صوموا لرؤيته، مضى لسبيله، كشفه لوقته": أي بعد خمسة، وبعد رؤيته، ومضى في سبيله وكشفه في وقته، والاستغاثة مثل "يا للأغنياء"، والتعجب مثل: "يا للروعة! ".
٦- عن: ومعناها المجاوزة والبعد مثل "سرت عن بيروت راغبًا عنها"، وتأتي بمعنى بعد مثل ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وللبدلية مثل: أجب عني، ﴿لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ .
٧- في: ومعناه الظرفية حقيقة مثل "أقمت في رمضان في دمشق" ومجازية مثل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ . وتأتي للتعليل مثل: "دخلت النار امرأة في هرّة حبستها"..
٨، ٩ مذ ومنذ: حين تكونان حرفي جر تفيدان ابتداء الغاية إن كان الزمان ماضيًا مثل "لم أكلمه منذ ثلاثة أيام". وتكونان بمعنى "في" إن كان الزمان حاضرًا مثل: "ما سمعت صوتك مذ يومي هذا". ولا تأتيان إلا بعد فعل ماضٍ منفي، مفيدتين زمنًا ماضيًا أو حاضرًا.
١٠- من: ومعناها العام: ابتداء الغاية مثل "سرت من الدار إلى المدرسة وغبت من
[ ٣٣٠ ]
الضحى إلى الظهر"، ومن معانيها التبعيض مثل "منكم من نجح، أنفقوا مما تحبون"، والبيان لجنس ما قبلها مثل "ما عندك من مال فأحضره"، والبدلية مثل "لا يغنيك الجدل من الصدق شيئًا"، والتعليل مثل "من تقصيرك خسرت".
١١- إلى: ومعناها انتهاء الغاية الزمنية أو المكانية: "سهرت إلى الفجر، سرت إلى الربوة". وتأتي بمعنى "مع" كقولهم: "الذود إلى الذود إبل"، وبمعنى عند مثل "القراءة أحب إلي من الحديث".
١٢- رُبّ: ومعناها التكثير أو التقليل، فالأول مثل "رب رمية من غير رام"، والثاني مثل "ربَّ غاش بربح" والتمييز بالقرائن، ولا تدخل إلا على نكرة موصوفة معنى كما رأيت إذ الأصل "ربَّ رمية صائبة، ربَّ رجل غاش" أو لفظًا مثل: "رب رجل فاضل لقيته"، وقد تدخل على معرفة لفظًا نكرة معنى مثل "ربَّ مؤذينا أكرمناه" إذ المعنى "رب مؤذٍ لنا". ومن ذلك دخولها على الضمير المفرد المذكر المميز بما يفسره مثل "ربّه فتى قصدني فحمدني، ربّه فتبيْن، ربّه فتيانًا، ربّه فتيات".
١٣ - على: ومعناها العام الاستعلاء حقيقيًا مثل: "الكتاب على الرف" أو مجازيًا مثل: "لك عليّ فضل". وتأتي للتعليل "أكرمني على نفعي له"، وبمعنى في: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ . وبمعنى مع مثل: "أحبه على كسله" وللاستدراك مثل: "خسرت الصفقة على أني غير يائس" وهذه الاستدراكية شبيهة بحرف الجر الزائد لا تحتاج إلى متعلق.
١٤- حتى: تأتي لانتهاء الغاية مثل: "سهرت حتى الصباح، سأمشي حتى الربوة" ومجرورها آخر جزء مما قبله أو متصل بآخر جزء، وتأتي للتعليل مرادفة اللام مثل: "اجتهد حتى تفوز".
وتجر هذه الأحرف الظاهر والمضمر من الأَسماء، إلا "مذ ومنذ وحتى والكاف وواو القسم وتاؤه" فلا تجر إلا الأَسماء الظاهرة.
وقد علمت أن "خلا وعدا وحاشا" مشتركة بين الفعلية والحرفية فتكون أفعالًا ماضيةً جامدة فينصب ما بعدها، وتكون أحرف جر فيجر ما بعدها، فاعلم الآن أَن خمسة من أحرف الجر مشتركة بين الاسمية والحرفية وهي "الكاف، عن، على، مذ، منذ" وإليك البيان:
أَما الكاف فتكون اسمًا إذا رادفت "مثل" وخص ذلك بعضهم في
[ ٣٣١ ]
الشعر، ولا داعي للتخصيص. وتتعين اسميتها إذا سبقت بحرف جر مثل قول رؤُبة "يضحكن عن كالبرد المنهمِّ = الذائب" أَو إِذا أُسند إليها، مثل قول المتنبي: "وما قتَل الأَحرارَ كالعفو عنهم"، أَو إذا عاد عليها ضمير كقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١.
وأما "عن" فتكون اسمًا إذا رادفت "جانب"، وذلك حين تسبق بحرف جر "من أو على" كقول قطري بن الفجاءة:
فلقد أُراني للرماح دريئة
من عن يميني مرةً وأمامي
و"على" حين تكون مرادفة كلمة "فوق" ومسبوقة بحرف جر كقولك "خطبت من على الفرس".
وأما "مذ ومنذ" فهما اسمان إذا أتى بعدهما اسم مرفوع أو جملة فعلية ماضيًا مثل:
"ما قابلته مذ يومان، مذ كان في بيروت، مذ أبوه سافر".
ب- التعليق ومحل المجرور:
أَ- يعدون عمل حرف الجر في الجملة إيصال معنى الفعل أَو ما في معناه إلى المجرور لقصور الفعل عن الوصول إليه، ففي قولك "أكلت الطعام بالملعقة" وصل معنى الفعل "أَكل" إلى المفعول "الطعام" مباشرة، ولذا نصبه، ووصل أَثر الفعل إلى "الملعقة" بوساطة الباءِ.
والتعليق ربط الجار والمجرور أو الظرف بأحد أربعة أشياء على حسب المعنى:
_________________
(١) سورة آل عمران ٣: ٤٩. وهاء " فيه " تعود على كاف " كهيئة "
[ ٣٣٢ ]
١- الفعل نفسه، مثل "مررت بأخيك".
٢- شبه الفعل وهو المصدر والمشتقات مثل: "مروري بك يسرني" "أنا مارٌّ بك غدًا، أنت حفيٌّ بجارك.. إلخ".
٣- ما فيه معنى الفعل وهو أسماء الأفعال: أُفِّ له.
٤- ما يؤول بشبه الفعل كقولك: "كلام الحق علقمٌ على المبطلين" فـ"علقم" اسم جامد تعلق به الجار والمجرور "على المبطلين" لأَنه بمعنى "مرٌ، شديد" وهما مشتقان يشبهان الفعل.
هذا ويجوز أن يحذف المتعلق إذا قام عليه في الكلام دليل كأن تجيب من سأَلك: "على من تعتمد؟ " بقولك: "على خليل" فإن لم يقم عليه دليل وجب ذكره كقولك: "أَنا معتمد عليك".
فإذا كان المتعلق كونا عامًا مثل: "أَخوك في الدار" وجب حذفه، والمتعلق هنا محذوف يقدر بإحدى الكلمات الآتية أو شبهها: "موجود، كائن، مستقر، حاصل" ولا يجوز ذكره لأنه مفهوم بالبداهة دون أن يذكر.
وأحرف الجر من حيث حاجتها إلى التعليق أصناف ثلاثة:
١-حرف جر أصلي وهو ما توقف عليه المعنى واحتاج إلى متعلق مثل "أَكلت بالملعقة".
٢- حرف جر زائد: وهو ما لا يتوقف عليه المعنى ولا يحتاج إلى متعلق، وكل عمله التوكيد، فإسقاطه لا ينقص من المعنى شيئًا مثل: "لست بذاهب" فذاهب خبر "ليس" منع من ظهور الفتحة على آخرها اشتغاله بحركة حرف الجر الزائد.
[ ٣٣٣ ]
٣- حرف جر شبيه بالزائد: وهو ما توقف عليه المعنى ولم يحتج إلى متعلق مثل "ربَّ كتابٍ قرأَت فلم أَستفد، ربَّ رجلٍ مغمور خير من مشهور" فمعنى التكثير أو التقليل متوقف على ذكر "رُبَّ" ولكنها مع مجرورها لا تحتاج إلى متعلق، فمجرورها في الجملة الأُولى في محل نصب مفعول به لـ"قرأَ"، وفي الجملة الثانية في محل رفع مبتدأ١.
ب- علمت أن المجرور بعد حرف جر زائد أَو شبيه بالزائد محله الإعرابي في الكلام رفع أَو نصب على حسب الجملة والعوامل.
لكن من النحاة من يقدر للمجرور بحرف أصلي محلًا من الإعراب أيضًا، فيجعل مجررو "خلا، عدا، حاشا" في محل نصب على الاستثناء: ومحل المجرور في قولنا "يقبض على المجرم" رفعًا نائبًا فاعل، وفي قولنا: "لا حسب كحسن الخلق" رفعًا خبر لا، وفي "أَقرأُ في الدار في الليل" نصبًا على الظرفية المكانية والزمانية، وفي "بكيت من الشفقة" نصبًا مفعولًا لأَجله وهكذا.
جـ - زيادة الجار سماعًا وقياسًا:
الأحرف التي تزاد قياسًا باطراد اثنان، واثنان آخران يزادان على قلة:
١- "من" يشترط لزيادتها شرطان، الأَول تنكير مجرورها والثاني أن تسبق بنفي أو نهي أو "هل"، ويكون مجرورها إما فاعلًا مثل "ما
_________________
(١) مجرور " رب " مقعول به إن كان بعدها فعل " متعد " لم يستوف مقعوله وكان هو مفعولها في المعنى. وفي غير هذه الحال يكون مبتدأ.
[ ٣٣٤ ]
جاءَ من أَحدٍ"، وإِما مفعولًا مثل "هل رأَيت من خلل"؟، وإما مبتدأ مثل "هل من معترض بينكم؟ ".
٢- "الباء" تزاد اطرادًا في الخبر المنفي مثل "لست بقارئٍ، وما أنا بذاهب".
وتزاد سماعًا في فاعل "كفى" مثل ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . وسمع زيادتها في مفعول الأَفعال الآتية: كفى المعتدية إلى واحد مثل "كفى بالمرءِ إِثمًا أن يحدث بكل ما سمع"، علم، جهل، سمع، أَحسَّ، أَلقى، مد، أَراد، مثل "علمت بالأَمر، أنت جاهل به، سمع بالخبر، أَحسست بالألم ألقيت بالورقة"، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ﴾، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وتزاد بعد ناهيك مثل "ناهيك بعمر حاكمًا"، وبعد إِذا الفجائية "خرجت فإذا بفريد أمامي" وبعد كيف: "كيف بكم إذا طولبتم بالدليل". وتزاد قبل "حسب": بحسبك دينار.
٣- "اللام" تسمى اللام المزيدة قياسًا بلام التقوية، وتقع بين المشتق ومعموله تقوية له إذ أن المشتق أضعف من الفعل في العمل مثل ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدٍ﴾ . وتزاد على المفعول به إذا تقدم على فعله مثل ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ المعنى: يرهبون ربَّهم، فلما تقدم المفعول ضعف أثر الفعل فقوي باللام.
أَما إذا تأَخر المفعول فلا تزاد إلا في ضرورة قبيحة.
٤- "الكاف" منهم من ذكر زيادتها سماعًا في خبر ليس كقوله
[ ٣٣٥ ]
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١.
د- حذف الجار قياسًا وسماعًا:
يقاس حذف الجار في المواضع الآتية:
١- قبل حرف مصدري "أَنّ، أَنْ، كي" إذا أُمن اللبس مثل: "عجبت أَنْ غضب أخوك مع حلمه": الأَصل "من أَن.."، "شهدت أَنك صادق": الأَصل "بأَنك صادق"، "حضرت كي أَستفيد": الأصل "حضرت لكي أَستفيد". والمصدر المؤول من الحرف المصدري وما بعده في محل جر إذا ذكر الجار: عجبت من غضب أَخيك، شهدت بصدقك.. إلخ. وفي محل نصب بنزع الخافض إذا حذف الجار.
٢- يجوز حذف واو القسم قبل لفظ الجلالة "اللهِ لقد صدقت" = والله
٣- قبل مميز "كم" الاستفهامية التي بعد حرف جر مثل: "بكم دينارٍ بعت الكتاب؟ " يجعلون الأصل "بكم من دينار".
٤- إذا تقدم كلام مشتمل على حرف جر مثل المحذوف كسؤالك من أَخبرك بثقته بسليم: "أَسليمٍ السمان؟ " أَو بعد إِن الشرطية: كقولك "ابدأْ بمن شئت إن نجارٍ وإن حدادٍ" الأَصل: "إِن بنجار وإن بحداد". أو بعد "هلاَّ": يقول لك قائل "عوَّلت على كلام جاري" فتقول "هلاَّ كلامِ خبير" أي "هلاَّ عولت على كلام خبير"، أَو قبل جملة مماثلة لجملة فيها مثل الحرف المحذوف كقول الشاعر:
_________________
(١) وجعلوا من زيادتها قول الراجز يصف خيلا " أو احق الأقراب فيها كالمقق " الأقراب: الخواصر، المقق: الطول. وظاهر أن الزيادة ضرورة شعرية.
[ ٣٣٦ ]
أَخلقْ بذي الصبر أَن يحظى بحاجته ومدمنِ القرع للأَبواب أن يلجا
الأصل "وبمدمن القرع..".
أَما حذفه سماعًا فقبل أَفعال كثر تعديتها بحرف الجر، وسمعت محذوفة الحرف ومنصوبة المجرور على نزع الخافض مثل "كفر، أَمر، شكر، استغفر، اختار" تقول "كفر النعمةَ وكفر بها، شكرت المنعم، وشكرت للمنعم، أَمرتك خيرًا وأَمرتك بخير، استغفرت الله ذنبي واستغفرته من ذنبي، اختار خالدٌ إخوانه خمسةً واختار من إخوانه خمسة".
٥-تحذف "رُبَّ" بعد الواو أَو الفاءِ أَو بعد بل "قليلًا"، فيبقى عملها كقول امرئِ القيس:
وليلٍ كموج البحر أَرخى سدوله عليَّ بأَنواع الهموم ليبتلي
هـ- ملاحظتان:
١- قد تزاد "ما" بين الجار والمجرور فلا تكف الأول عن جر الثاني، والأَحرف التي زيدت "ما" بعدها هي الباء مثل: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، و"من" مثل ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾، و"عن" مثل ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ .
٢-أما "رُبَّ والكاف" فتزداد بعدهما "ما" فتكفهما عن العمل وتزيل اختصاصهما بالأَسماء، وأغلب ما تدخل "رب" على الأَفعال الماضية أو المتحققة الوقوع كأَنها وقعت فعلًا مثل "ربما نفع الصدق"، ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ اجلس كما يحلو لك.
وقلَّ أَن يجر الاسم بعدهما كقولك: "رُبَّما رجلٍ صادقِ ظُن كاذبًا".
[ ٣٣٧ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [سورة ص: ٣٨/٤]
٢- ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوها الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢/٢٧١]
٣- ﴿وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ [سورة الأعراف: ٧/١٥٥]
٤- أمرتك الخيرَ فافعل ما أُمرت به فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
عمرو بن معد يكرب
٥- وإني لتعروني لذاكرك هزة كما انتفض العصفور بلَّله القطر
أبو صخر الهذلي
٦- بكلٍّ تداوَينا فلم يُشفَ ما بنا على أَن قرب الدارِ خيرٌ من البعد
على أن قربَ الدار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي وُدِّ
عبد الله بن الدمينة
٧- اللهُ يعلمُ أَنا لا نحبُّكمُ ولا نلومُكُم أَلا تحبونا
الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب
[ ٣٣٨ ]
٨- لاهِ ابنُ عمك لا أَفضلت في حسب عني ولا أَنت ديّاني فتخزوني
ذو الإصبع العدواني
٩-فليت لي بهم قوما اذا ركبوا شنوا الاغاره ثرسانا وركبانا
قريط بن انيف
لمن الديار بقيه الحجر اقوين من حجج ومن دهر
زهير
١١- "يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ يوم القيامة" حديث
"يا رُبَّ صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه" أعرابي
١٢- وما زلت أَبغي المال مذ أَنا يافعٌ وليدًا وكهلًا حيث شبت وأَمردا
الأعشى
١٣- رُبَّما ضربةٍ بسيف صقيل بين بصرى وطعنةٍ نجلاءِ
عدي بن رعلاء الغساني
١٤- وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناسِ مجرومٌ عليه وجارم
عمرو بن براقة الهمداني
١٥- بل بلدٍ ملءِ الفجاج قتمُهْ لا يشترى كتانه وجَهْرمُه
لجهرم: البساط. رؤبة
١٦- ربَّ من أنضجت غيظًا قلبه قد تمنَّى لي موتًا لم يُطعْ
سويد اليشكري
"ب"
١٧- إذا قيل: أَيُّ الناس شرٌّ قبيلةً أشارتْ كليبٍ بالأَكفِّ الأَصابعُ
الفرزدق
[ ٣٣٩ ]
١٨- وملكتَ ما بين العراقِ ويثربٍ ملكًا أجار لمسلمٍ ومعاهد
ابن ميادة
١٩- ربَّه فتيةً دعوت إِلى ما يورث المجد دائبًا فأَجابوا؟
٢٠- وقلت اجعلي ضوءَ الفراقد كلها يمينًا ومهوى النجم من عن شمالكِ؟
٢١- ما لمحبٍّ جَلَدٌ أن يهجرا
ولا حبيبٍ رأْفةٌ فيجبرا؟
٢٢- رسمِ دارٍ وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جلِله
جلله = من أجله. جميل
٢٣- كأَن ثبيرًا في عرانين وبله كبيرُ أُناسٍ في بجادٍ مزمَّل
امرؤ القيس
٢٤- وإن لساني شهدة يشتفى بها وهوَّ على من صبه الله علقَم؟
٢٥- فلا ترى بعلًا ولا حلائلا
كه ولا كهن إلا حاظلا حاظل: آكل حنظل. رؤبة
[ ٣٤٠ ]
*
الجر بالإضافة
الإضافة ونوعاها - أحكام ثلاثة - ملاحظة
أ- الإِضافة نسبة بين اسمين ليتعرف أولهما بالثاني إن كان الثاني معرفة، أو يتخصص به إن كان نكرة، مثل: "أَحضرْ كتاب سعيد وقلم حبر" فـ"كتاب" نكرة تعرفت حين أُضيفت إلى سعيد المعرفة، و"قلم" نكرة تخصصت بإضافتها إلى "حبر" النكرة أيضًا.
ويحذف من الاسم المراد إضافته التنوين إن كان مفردًا، وما قام مقامه إن كان مثنى أو جمع مذكر سالمًا وهو النون، تقول: "حضر مهندسا الدار وبناؤوها".
والإضافة نوعان: معنوية ولفظية وإليك بيانهما:
الإضافة المعنوية أو المحضة:
هي التي يكتسب فيها المضاف من المضاف إليه التعريف١ أو
_________________
(١) يطرد ذلك إلا في مسألتين لا يتعرف فيهما المضاف بإضافته إلى المعرفة، ولكن بتخصص: الأولى: إذا كان المضاف شديد الإبهام فلا يتعين بإضافته إلى معرفة ككلمة "غير مثل، شبه، نظير، خدن، إلخ" تقول: "جاءني رجلٌ مثلك، أحضر ثوبًا غير هذا" فقد بقيت كل من "مثل وغير" نكرتين على رغم إضافتهما إلى معرفة بدليل أنا وصفنا بهما نكرة. الثانية: أن يكون المضاف في موضع مستحق للنكرة كالحال والتمييز واسم "لا" النافية للجنس ومجرور "ربَ" تقول. "أكلت وحدي، كم ناقة وفصيلها في المرج؟ لا أبا لك ولا جناحي لخالد في القتال" واللام في المثالين الأخيرين مقحمة بين المضاف والمضاف إليه: وهذه الأسماء المضافة إلى معارف، نكرات في المعنى لأن معاني هذه الجمل: "أكلت منفردًا، كم ناقة وفصيلًا لها في المرج؟ لا أب لك، لا جناحين لخالد في القتال".
[ ٣٤١ ]
أو التخصيص كما تقدم وهذا هو الغرض الحقيقي من الإضافة، وتكون الإضافة المعنوية على معنى أحد أحرف الجر الثلاثة:
١- اللام المفيدة للملك أو الاختصاص، كقولك "داري = دارٌ لي"، "رأي خالد = رأَيٌ لخالد" وهذا أكثر ما يقع في الإضافات.
٢- "من" البيانية، وذلك حين يكون المضاف إليه جنسًا للمضاف كقولك: "هذه عصا خيزرانٍ = هذه عصًا من خيزران".
وضابطها أن يصح الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف فتقول مثلًا "هذه العصا خيزرانٌ".
٣- "في" الظرفية، وذلك حين يكون المضاف إليه ظرفًا في المعنى للمضاف مثل: "أَتعبني سهر الليل وحراسة الحقول = سهرٌ في الليل وحراسةٌ في الحقول".
هذا ومتى أُطلقت الإضافة أُريد بها الإضافة المعنوية هذه.
الإضافة اللفظية:
هذه إضافة ليست على معنى حرف من حروف الجر، وإنما هي نوع من التخفيف اللفظي فحسب، وتكون بإضافة مشتق "اسم فاعل أَو مبالغته أو اسم مفعول أو صفة مشبهة" إلى معموله مثل:
[ ٣٤٢ ]
حضر مكرمُ الفقيرِ وشرَّابُ العسلِ - مرَّ بي رجلٌ معصوبُ الرأْس١، صاحب امرأً حسنَ الخلق.
وأَصل هذه الإِضافات: "مكرمٌ الفقير، وشرابٌ عسلًا - معصوبٌ الرأسُ منه، حسنًا خلقُه" وبالإضافة يحذف التنوين وما يقوم مقامه فيخف اللفظ.
واعلم أَن ما منع في الإضافة المعنوية وهو تحلي المضاف بـ"ال"، جائز هنا في الإضافة اللفظية بشرط أن يكون المضاف إليه محلىًّ بها أو مضافًا إلى محلَّى بها أو ضميرًا يعود على محلًّى بها، أو يكون المضاف مثنى، أو جمع مذكر سالمًا، مثل:
هذا أخوك الحسنُ الخلق الكريمُ أَصلِ الأَب، الفضل أَنت الجامعُ أَطرافهِ، مررت بالمكرميْ خالدٍ وبالزائري أبيك.
ب- أحكام ثلاثة:
١- كثيرًا ما يحذفون المضاف ويقيمون المضاف إليه مقامه في الجملة عند ظهور المعنى وعدم الالتباس، كقولك "قرر المجلس البيع، استفتِ حيَّك"، والأَصل: "قرر أَهل المجلس، استفت سكان حيك".
وكذلك قد يحذفون المضاف من جملة إذا سبق له ذكر في جملة مماثلة كقولهم: "ما كلُّ بيضاءَ شحمة، ولا سوداءَ تمرة" والأَصل "ولا كلّ
_________________
(١) معصوب الرأس وحسن الخلق لم تكتسبا تعريفًا، بدليل أنهما وقعتا صفتين لنكرتين والمعرفة لا يوصف بها النكرة، وتقول: رب زائرنا خرج مسرورًا، فـ"زائرنا" اسم فاعل أضيف إلى مفعوله فلم يكتسب تعريفًا وبقي نكرة، ولولا ذلك ما جاز أن يجر بـ"رب" التي لا تجر إلا النكرات.
[ ٣٤٣ ]
ُسوداءَ"، وكقولك: "ليس التسليم رأْي الموافقين ولا المخالفين" والأَصل "ولا رأَي المخالفين".
٢- قد يكون في الكلام إضافتان المضاف إليه فيهما واحد، فيحذفونه من الإضافة الأُولى اكتفاءً بوجوده في الثانية، فهذه الجملة "حضر مدير المدرسة ومعلموها" يختصرونها على الشكل الآتي: "حضر مدير ومعلمو المدرسةِ". والفصيح الأَول وإنما يضطر إلى الثاني الشاعر أحيانًا.
٣- قد يكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير أو التأْنيث فيعامل معاملة المضاف إليه، مثل: "محبةُ الوالد نفعك، وحب الديار منعتْك المغامرة".
فـ"محبة" مؤنثة لفظًا لكنها عوملت معاملة المذكر، لأن المضاف إليه كذلك، و"حب" مذكر لفظًا عومل معاملة المؤنث لأن المضاف إليه "الديار" مؤنثة.
هذا وشرط اكتساب المضاف من المضاف إليه التذكير أو التأْنيث أَن يبقى الكلام صحيحًا إذا قام المضاف إليه مقام المضاف، تقول في المثال الأَول: "الوالد نفعك" وفي الثاني "الديار منعتْك المغامرة".
فإذا لم يصح المعنى على ذلك لم يكتسب المضاف من المضاف إليه تذكيرًا ولا تأنيثًا، فقولك "صحيفة خالد مزقت" لا يصح فيه إقامة المضاف إليه مقام المضاف فلا تقول: "خالد مزق" لفساد المعنى، وإذن لا نقول "صحيفة خالد مزق".
والأَوْلى مراعاة لفظ المضاف دائمًا إلا في كلمة "كل"، فالأَصح تأْنيث العائد عليها إذا كان المضاف إليه مؤنثًا مع أَن لفظها مذكر، مثل ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينةٌ﴾ .
ملاحظة: من الأَسماء الملازمة للإِضافة: "كلا وكلتا وكل":
فأَما كلا وكلتا فإن أُضيفتا إلى ضمير أُعربتا إعراب المثنى "خذ
[ ٣٤٤ ]
الكتابين كليْهما واقرأْ مقدمتيهما كلتيهما"، وإن أُضيفتا إلى اسم ظاهر أُعربتا إعراب الاسم المقصور فقدرت عليهما جميع حركات الإعراب؛ ولا يضافان حينئذ إلا إلى معرفة دالة على اثنين إما نصًا مثل "كلا الرجلين سافر"، "مررت بكلا البلدين" وإما بالاشتراك كضمير المتكلم مع غيره فهو مشترك بين المثنى والجمع: "كلانا موافق".
واعلم أن الأَفصح إعادة الضمير عليهما أَو وصفهما أو الإِخبار عنهما بالمفرد مراعاة للفظهما كما رأَيت في الأَمثلة المتقدمة، ودون ذلك مراعاة معناهما فنقول "كلانا موافقان".
وأما "كل" فالأَفصح إذا أُضيفت إلى معرفة مراعاة لفظها مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا﴾ ١. وإذا أُضيفت إلى نكرة أو نونتْ بعد حذف المضاف إليه فالأَفصح مراعاة معناها مثل: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢. ﴿كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) سورة مريم ١٩: ٩٥.
(٢) سورة المؤمنين ٢٣: ٥٣.
(٣) سورة الأنبياء ٢١: ٩٣. هذا وقد مر بك في مبحث المفعول المطلق طائفة من المصادر الملازمة للإضافة سماعًا مثل "سبحان الله، معاذ الله، حنانيك إلخ". وعرفت في بحث المفعول فيه أن بعض الظروف تضاف إلى الجمل مثل "حيث، إذا، إذ" فحمل هذه الجمل الجر بهذه الإضافة. وهناك كلمة "حَسْب" بمعنى "كافٍ" فتقع مبتدأ: "حسبك لقيمات"، وخبرًا: "الله حسبي"، وصفة بعد نكرة: "قرأت كتابًا حسبَك من كتاب" وحالًا بعد معرفة: "هذا رفيقي حسبَك من رجل".
[ ٣٤٥ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٢/٣٩، ٨٢]
٢- ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [سورة فاطر: ٣/٣٧]
٣- ﴿كِلْتا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [سورة الكهف: ١٨/٣٣]
٤- ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٧/٥٦]
٥- فأَتتْ به حوشَ الفؤادِ مبطَّنًا سُهُدًا إذا ما نام ليلُ الهَوْجلِ
"مبطن: ضامر البطن، الهوجل: الثقيل الكسلان". أبو كبير الهذلي
٦- وما حبُّ الديار شغفْن قلبي ولكن حبُّ من سكن الديارا
المجنون
[ ٣٤٦ ]
٧- جادتْ عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ فتركْن كلَّ قرارةٍ كالدرهم
عنترة
٨- يا رُبَّ غابِطِنا لو جاءَ يطلبكم لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
جرير
٩- طول الليالي أَسرعتْ في نقضي طويْن طولي وطويْن عرضي
الأغلب العجلي
١٠- أَكلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ توقَّدُ بالليل نارا
أبو دؤاد الإبادي
"ب"
١١- القاتلُ السيفِ في جسم القتيل به وللسيوف كما للناس آجال
المتنبي
١٢- الودُّ أَنتِ المستحقةُ صفوِه مني وإِن لم أَرجُ منكِ نوالا؟
١٣- يا من رأَى عارضًا أُسَرُّ به بين ذراعيْ وجبهةِ الأَسد
الأسد: برج في السماء من منازل القمر. أبو زبيد الطائي
١٤- ليس الأَخلاءُ بالمصغي مسامِعهم إلى الوشاة وإن كانوا ذوي رحم؟
١٥- علَّقت آمالي - فعمت النعمْ –
بمثلِ أَو أَنفعَ من وبل الديم؟
١٦- كلا أَخي وخليلي واجدي عضدًا في النائبات وإلمام الملمات
١٧- فلئن لقيتُك خالييْن لتعلمنْ أيي وأَيُّك فارس الأَحزاب-؟
[ ٣٤٧ ]
*
التوابع
إذا تبعت الكلمة ما قبلها في الإعراب لعلاقة معنوية بينهما سميت تابعًا فتُرفَع أَو تنصب أَو تجر أَو تجزم تبعًا لمتبوعها.
والتوابع خمسة: التوكيد والنعت والعطف والبدل وعطف البيان، وإليك بيان كل منها:
التوكيد:
تابع يؤتى به تثبيتًا لمتبوعه ولرفع احتمال السهو أَو المجاز في الكلام، ويكون بتكرار اللفظ نفسه سواءٌ أَكان اسمًا أَم فعلًا أم حرفًا أم شبه جملة أم جملة، مثل: زارني الأَمير الأَمير. سافر سافر الحاجّ، نعمْ نعم قبلت، بقلمك بقلمك كتب أَخوك رسالته، لقد تم الصلح لقد تم الصلح.
وهذا التوكيد أَحد أَساليب العربية في تقوية الكلام وأَثره في نفس السامع وهو هنا قسمان: توكيد لفظي يكون بتكرار اللفظ كالأَمثلة السابقة أَو بذكر مرادفه بعده مثل: "ذهب غادرَ أَخوك".
أما التوكيد المعنوي فيكون بسبعة أَسماء يضاف كل منهما إلى ضمير
[ ٣٤٨ ]
المؤكَّد وهي "نفس، عين، جميع، عامة، كل، كلا، كلتا" مثل: قابلت الحاكمَ نفسَه، وقرأَت خط الأُستاذ عيِنه، وزرت أَصحابي جميعَهم، خاطبت زواري عامةً، أَخذوا حقهم كلَّه، قبل الخصمان كلاهما، وسمعت الخطبتين كلتيهما.
والغرض من التوكيد بأَلفاظ الشمول "كل، جميع، عامة" دفع توهم السامع احتمال تخلف بعض المذكورين، كما أن الغرض من التوكيد بالنفس والعين ألا يتوهم السامع احتمال مجيءِ نائب الحاكم مثلًا أو كاتبه، وإليك بعض الملاحظات:
١- التوكيد خاص بالمعارف كالأَمثلة المتقدمة. أَما النكرة فلا يفيد توكيدها إلا إذا كانت محدَّدة وكان التوكيد من ألفاظ الشمول مثل: غبت شهرًا كله.
٢- لا يؤكد ضمير الرفع المستتر ولا المتصل بالنفس والعين إلا بعد توكيدهما بضمير رفع منفصل: أَخوك سافر هو نفسُه، قبلتم أنتم أَعينُكُم.
أَما ضمير النصب وضمير الجر فيجوز توكيدهما وإن لم يؤكدا بضمير منفصل: أَكرمتك عينَكَ أَو أَكرمتك أَنت عينَك، ومررت به نفسِه أَو مررت به هو نفسِه.
يؤكد بضمير الرفع المنفصل جميع الضمائر سواءٌ أَكانت ضمائر رفع أَم ضمائر نصب أم ضمائر جر: سافرت أَنت نفسُك، أَسمعتك أَنت عينَك، ومررت به هو نفسِه، ويكون الضمير المؤكِّد في موضع رفع أو
[ ٣٤٩ ]
نصب أَو جر تبعًا للضمير المؤكَّد.
٣- يقوَّى التوكيد بتوكيد آخر وهو لفظ "أَجمع" مطابقًا للمؤكَّد فنقول: تلوت الخطابَ كلَّه أَجمعَ، ونقلت الصحيفةَ كلَّها جمعاءَ، وهنأْت الفائزين كلَّهم أَجمعين والفائزات كلَّهن جُمعَ.
أَما في التثنية فيكتفى بـ"كلاهما وكلتاها" فقط.
ويمكن أَن يؤكد بـ"أَجمع" ومؤنثها وجمعها مباشرة بدون "كل" فنقول: أَعجبتني الخُطب جُمَعُ والخطباءُ أَجمعون.
٤- يستحسنون في المثنى جمع التوكيد مثل: "حضر المدعوان أَنفسُهما" وذلك لئلا تتوالى تثنيتان في كلمة واحدة: "حضر المدعوان نفساهما" والعرب تستثقل ذلك، وفي القرآن الكريم: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ والمعنى "قلباكما".
٥- قد تزاد الباءُ في كلمتي "نفس وعين" حين يؤكد بهما فيقال: قابلني الأَميرُ نفسُه، وقابلني الأَمير بنفسه. فتجران لفظًا وتكونان في محل رفع أَو نصب تبعًا للمؤكَّد.
[ ٣٥٠ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٢٣/٣٥-٣٦]
٢- ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [سورة الطارق: ٨٦/١٧]
٣- ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة: ٢/٣٥]
٤- ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ [سورة الحجر: ١٥/٣٠]
٥- ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص: ٣٨/٨٢]
٦- فإِياك إِياك المراءَ فإِنه إلى الشر دعَّاءٌ وللشر جالب
الفضل بن عبد الرحمن القرشي
٧- لا لا أبوح بحب بثنة إنها أَخذت عليَّ مواثقًا وعهودا
جميل
[ ٣٥١ ]
٨- فداك حيُّ خولان
جميعهم وهمْدان أعرابية ترقّص ولدها
٩- "ما صام رسول الله شهرًا كلَّه إلا رمضان"السيدة عائشة
"ب"
حتى تراها وكأَنَّ وكأَنْ
أَعناقَها مشدَّدات بقَرَنْ الأغلب العجلي يصف إبلًا
١١- إنَّ إِنَّ الكريم يحلُمُ ما لمْ يَرَيَنْ من أَجاره قد ضِيما؟
١٢- لكنه شاقه أَنْ قيل ذا رجب يا ليت عدة حولٍ كله رجب١
عبد الله بن مسلم الهذلي
١٣- فلا والله لا يلفى لما بي ولا لِلِما بهمْ أَبدًا دواءُ٢
مسلم بن معبد الوالبي
_________________
(١) هكذا يستشهد به النحاة، وصحته: لكنه ساقه أن قيل ذا رجب يا ليت عدة حولي كلّه رجبا و"رجبا" خبر "كانت" المقدرة.
(٢) يروونه شاهدًا لتكرار حرف الجر "اللام" وصحته: فلا والله لا يلفى لما بي وشأنهم من البلوى دواءُ
[ ٣٥٢ ]
*
النعت
تابع يذكر بعد معرفةٍ لتوضيحها، أَو بعد نكرة لتخصيصها مثل: حضر خالدٌ الشاعرُ، مررت بنجارٍ ماهرٍ.
وبالنعت يحصل التمييز بين المشتركين في الاسم١.
الحقيقي والسببي: إذا تعلق النعت بمتبوعه مباشرة فهو نعت حقيقي، كالمثالين السابقين، وحينئذ يطابقه في الإعراب، وفي التذكير والتأْنيث٢، وفي التعريف والتنكير، وفي الإفراد والتثنية والجمع.
مثل: رأَيت الرفيقين الناجحين وهؤلاءِ رفقاءُ ناجحون، وتلك طالبة مجتهدة ترافقها جارتان ذكيتان، وأولئك خياطات ماهرات.
أَما إِذا تعلق النعت بما يرتبط بالمنعوت مثل: "هذا رجلٌ حسنةٌ
_________________
(١) هذا هو الأصل، وقد يكون النعت أحيانًا للتعظيم كقولك "سبحان الله العظيم" أو التحقير مثل "أعوذ من إبليس اللعين"، أو مجرد التوكيد مثل: "أمسِ الدابرُ لا يعود"، "قرأت صفحتين اثنتين".
(٢) ليذكر القارئ الصيغ التي يستوي فيها المذكر والمؤنث وقد مرت في ص١٣٦. وليذكر أيضًا الحالات التي يطابق فيها اسم التفضيل ما قبله، والحال التي يلازم فيها الإفراد والتذكير والتنكير وقد مر ذلك في ص٢٠٩. فاسم التفضيل النكرة إذا وصف به لزم الإفراد والتذكير والتنكير، تقول: هؤلاء طلابٌ أسرعُ عدوًا، وهاتان طالبتان أنجحُ مرشحات.
[ ٣٥٣ ]
أخلاقُه" فيكون نعتًا سببيًا، لأَن الحسن ليس صفة للمتبوع وهو الرجل، وإنما صفة لما يرتبطُ به وهو الأخلاق. وهو يتبع ما قبله في الإعراب وفي التعريف والتنكير فقط.
أما في التذكير والتأْنيث فيراعي ما بعده، ويبقى مفردًا دائمًا، مثل مررت بنجارٍ حسنةٍ معاملتُه، وبشعراءَ رنانةٍ قصائدُهم، وبمعلمتين حسنٍ بيانُهما.
ونلاحظ أن في النعت الحقيقي ضميرًا مستترًا يعود على المنعوت، أما النعت السببي فلابدَّ من ضمير ظاهر في معموله يعود على المنعوت فالضمير في "قصائدهم" مثلًا يعود على المنعوت وهو "شعراء".
ويجوز أن ينعت جمع غير العاقل بمفرد مؤنث مثل: زارني بعد أيام معدودةٍ "أَو أَيامٍ معدودات" ليس حول دمشق جبال شاهقة "أَو جبال شاهقات".
شروط النعت: يكون النعت اسمًا أَو جملة أَو شبه جملة:
أ- فأما الاسم فيجب أن يكون مشتقًا كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل.
فإن كان اسمًا جامدًا فلابد أن يكون مؤولًا بمشتق، وحينئذ يكون أَحد عشرةِ أشياءَ.
١-المصدر: قد يوصف بالمصدر عند إرادة المبالغة فنقول: ٠هذا رجلُ عادلُ، وأنت شاهد ثقةُ"، وهو أبلغ من قولنا "هذا الرجل عادل" لأننا ندعي أن العدل المطلق هو هذا الرجل. ويلازم المصدر حالة واحدة في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية
[ ٣٥٤ ]
والجمع فنقول "رجلٌ عدلٌ، ورجلان عدلٌ ورجال عدلٌ ونساءٌ عدلٌ".
٢- اسم الإشارة مثل: سل أَصدقاءَك هؤلاءِ، فـ"هؤلاءِ" في محل نصب صفة لـ"أَصدقاءَك" لأَنها بمعنى "سلْ أَصدقاءَك المشارَ إِليهم".
٣- الاسم الموصول المحلى بـ"ال": صاحبِ الرفاق الذين تثق بأَمانتهم، فـ"الذين" مبني في محل نصب صفة لـ"الرفاق"، التأْويل: الرفاق الموثوقَ بأَمانتهم.
٤- ذو، وذات: بمعنى صاحب، وصاحبة: مررت برجالٍ ذوي فضلٍ ونساءٍ ذواتِ وقار، وهذا رجلٌ ذو مروءَة وتلك فتاة ذات حشمة.
٥- الأعداد مثل: قرأْت صحفًا أربعًا وعندي كتبٌ ثلاثون.
التأْويل: صحفًا معدودة أَربعاَ وكتبٌ معدودةٌ ثلاثين.
٦- ما دل على تشبيه مثل: بُلينا بسياسيين ثعالِب ليس فيهم رجلٌ أسدٌ. "ثعالبة" صفة لـ"سياسيين" لأَنَّها مؤولة بـ"مشبهين ثعالبة"، و"أَسدٌ" صفة لرجل لأَنه مؤول بمشتق: "مشبهُ أَسدًا". وكأَننا قلنا: بسياسيين ماكرين، ورجلٌ شجاع.
٧- الاسم المنسوب مثل: هذا تاجرٌ بيروتيٌّ يبايع زميلًا حمصيًا. وذلك لأن الاسم المنسوب مؤول بمشتق، كأَننا قلنا: "تاجر منسوب إلى بيروت"، و"زميلًا منسوبًا إلى حمص".
[ ٣٥٥ ]
٨- كلمة "كل " التي يراد بها الكمال مثل: أخوك بطلٌ كلُّ البطل = بطلٌ كاملٌ في البطولة.
٩- كلمة "أيّ" التي يراد بها الكمال مثل: أَنت شهم أَيُّ شهم = شهم كامل في الشهامة.
١٠ - كلمة "ما" الدالة على التنكير والإِبهام مثل: تسلَّ بقراءَة كتابٍ ما، فـ"ما" هنا نكرة بمعنى مطلق "غير محدد".
وقد يراد بها مع التنكير التهويل كالمثل "لأَمرٍ ما جدع قصيرٌ أَنفَه" أيْ: لأَمرٍ عظيمٍ هام. وهي في كل ذلك مؤولة بمشتق صفة لما قبلها.
ب- وأما الجملة فتوصف بها النكرات وما في معناها مثل: "رأَيت رجلًا ضحكتُه عالية وإلى جانبه أطفالٌ يلعبون". ولابدَّ في الجملة الواقعة نعتًا أَن تكون خبرية ذات ضمير يربطها بالمنعوت كما رأَيت، سواءٌ في ذلك الجملة الفعلية والجملة الاسمية.
يراد بما في معنى النكرات: المعرَّف بـ"ال" الجنسية لأَنه لا يدل على معين، فلفظه معرفة ومعناه نكرة مثل: "لا ينفع العالمُ يكتمُ علمَه" فجملة "يكتم علمه" يصح إعرابها نعتًا لـ"العالم" مراعاة لمعناها النكرة، وحالًا مراعاة للفظها المعرفة.
جـ- وأما شبه الجملة فكل ظرف أو جار ومجرور ينعت بهما النكرات مثل: "هذا فارسٌ على فرسه، وتلك منضدةٌ وراءَ اللوح" فـ"على فرسه" شبه جملة في محل رفع صفة "لفارس" أَو متعلقة "بكائن" محذوف
[ ٣٥٦ ]
صفة لفارس، وكذلك "وراءَ" ظرف في محل رفع صفة لـ"منضدة" أو ظرف متعلق بـ"كائن" محذوف صفة لمنضدة.
هذا وإذا وصف المنعوت باسم وجملة وشبه جملة فالغالب تأْخير الجملة عن غيرها مثل: زارني رجلٌ كريمٌ على فرس، قامتُه طويلة، يخفي ملامحه.
النعت المقطوع: قد يحملُ الايجازُ العربيَّ على أَن يؤدي بجملة واحدة معنى جملتين، فيقطع النعت عن جملته ويرفعه على أَنه خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، أَو ينصبه على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوبًا، فالجملة "مررت بخالدٍ الشجاعِ" إِذا أَراد منها إِخبارك بمروره بخالد وبأَنه يمدح شجاعته، قطع النعت فقال "مررت بخالدٍ الشجاعَُ" ففي الرفع تكون الجملة الثانية "هو الشجاعُ"١ وفي النصب تكون "أَمدح الشجاعَ" وأَكثر ما يكون القطع في مقام المدح أَو الذم أَو الترحم مثل: أُعجبت بأَخيك الخطيبَُ - أَعرضت عن فؤاد الخائنَُ - لتُعْنَ بسليمٍ المنكوبَُ.
والأَفعال المقدرة في حالة النصب: "أَمدح، أَذم، أَرحم، أَعني" على حسب المقام.
ولا يلجأُ إلى القطع إن كان المنعوت لا يعرف إلا بذكر الصفات كلها كقولك "مررت بخليل الحدادِ النجارِ البناءِ" حتى لا يلتبس بخليل آخر ليس له كل هذه الصفات معًا.
_________________
(١) انظر ص ٢٣١.
[ ٣٥٧ ]
ومتى تكررت النعوت فإن كانت لأَحد الأغراض المتقدمة حسن إِتباعها كلها أَو قطعها كلها، وإِن لم تكن لشيءٍ من ذلك فالإِتباع أَحسن.
ملاحظة: قد تحذف الصفة لفظًا إِن كانت معلومة بالقرينة كقولك: "أَخوك هذا رجلٌ! " تريد: "رجلٌ عظيم"، "فريدٌ رياضي ذو ساعدٍ" تريد: "ذو ساعدٍ قويٍّ مفتول"، "رب رمية من غير رام" يعني: ربَّ رميةٍ صائبةٍ.
وأكثر من ذلك حذف الموصوف إذا كان معلومًا وقيام الصفة مقامه مثل: هذان شاعران "أَي رجلان شاعران". ومررت بمجتهدين في عملهما، "أَي برجلين مجتهدين".
وشرط ذلك صحة حلول الصفة محل الموصوف، فإِذا كانت الصفة جملة أَو شبه جملة لم يصح ذلك لأَن حرف الجر "الباءِ" مثلًا لا يتسلط عليهما؛ إِلا إذا كان المنعوت فاعلًا أو مفعولًا أو مبتدأ أَو مجرورًا أو كان بعض اسمٍ مجرورٍ بـ"من" أَو "في"، ومثلوا لذلك بقولهم: "نحن فريقان منا ظعَن ومنا أَقام" أَي منا فريق ظعَن ومنا فريق أَقام.
[ ٣٥٨ ]
الشواهد:
١- ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [سورة غافر: ٤٠/٢٨]
٢- ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾
[سورة المائدة: ٥/٥٤]
٣- ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ سابغات: واسعات، السرد: نسج الدروع [سورة سبأ: ٣٤/١١]
٤- ولقد أَمرُّ على اللئيم يسبُّني فمضيْتُ، ثُمتَ قلتُ: لا يعنيني
شمر الحنفي
٥- لو قلتَ: ما في قومها لم تيثمِ بفضلها في حسبٍ وميسم
الأصل: أحدٌ بفضلها. حكيم الربعي
٦- وربَّ أَسيلة الخدين بكرٍ مهفهفة لها فرعٌ وجيدُ
المرقش الأكبر
[ ٣٥٩ ]
٧- لأَمرٍ ما جدع قصير أَنفه
٨- أنا ابن جلا وطلاعُ الثنايا متى أَضعِ العمامة تعرفوني
٩- فبتُّ كأَني ساورتْني ضئيلةٌ من الرُقْش في أنيابها السمُّ ناقع
النابغة
١٠- وقد كنت في الحرب ذا تُدْرَإِ فلم أُعْطِ شيئًا ولم أَمنع
العباس بن مرداس
١١- لا يبعدَنْ قومي الذين همُ سمُّ العُداة وآفةُ الجُزر
النازلون بكل معترَك والطيبين معاقدَ الأَزر
روي "النازلين". خرنق بنت بدر
[ ٣٦٠ ]
*
العطف
ويقال له "عطف النسق" أَن يتوسط بين التابع والمتبوع أَحد أَحرف العطف فيسري إِلى التابع إِعراب المتبوع رفعًا أَو نصبًا أَو جرًا أَو جزمًا، مثل: قرأَ الطلابُ فالطالباتُ ثم الأَطفالُ، جارنا لا يقرأُ ولا يكتبُ، أَودُّ أَن تقرأَ وتكتبَ، مررت بالحدادِ فالنجارِ.
أحرف العطف تسعة: ستة منها تفيد المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم والإِعراب معًا وهي "الواو" و"الفاءُ" و"ثم" و"حتى" و"أَو" و"أَم". والثلاثة الباقية تعطي المعطوف حركة المعطوف عليه دون المشاركة في الحكم، وهي "بل" و"لا" و"لكن". وإِليك أَحوالها بالتفصيل:
١- الواو: تفيد المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم والإِعراب، مثل "سافر أَحمد وسليم"، ولا تدل على ترتيب بينهما ولا تعقيب، إِذ يمكن أَن يكون أَحمد سافر قبل، أَو سليم سافر قبل، كما يمكن أَن يكونا سافرا معًا.
ولا يجوز أَن يعطف بغير الواو بعدما لا يكون إلا من متعدد كأَفعال المشاركة: "اختصم بكرٌ وزيدٌ، جلست بين أَخي وأَبي".
[ ٣٦١ ]
٢- الفاء: كالواو تمامًا إِلا أَنها تفيد الترتيب مع التعقيب، فقولنا "سافر أَحمدُ فسليمُ" نصٌّ على أَن المسافر الأَول أَحمد، وسليم سافر عقبه بلا مهلة بينهما.
وكثيرًا ما تتضمن مع الترتيب معنى السببية في عطف الجمل مثل: "اجتهدت فنجحت".
٣- ثم: تفيد الترتيب مع التراخي، فالجملة "سافر أَحمد ثم سليم" تدل على أَن سليمًا سافر بعد أَحمد بمهلة متراخية.
٤- حتى: تفيد الغاية مثل: غادر المحتفلون الساحةَ حتى الصبيانُ، نفِد صبر الناس حتى حلمائهم، أَكلت السمكة حتى رأْسَها. وللعطف بها شروط ثلاثة:
١- أن يكون المعطوف اسمًا ظاهرًا غير ضمير.
٢- أَن يكون جزءًا من المعطوف عليه أَو كالجزءِ منه.
٣- أَن يكون غاية لما قبله في الرفعة أَو الضعة.
٥- أو: لأَحد الشيئين مثل: يحسن أن تشغل نفسك بالقراءة أو الرياضة، اشتر تفاحًا أَو خوخًا. فإن تقدمهما طلب كانت للتخيير أَو الإباحة: سافرْ أَو أَقمْ، جالس العلماءَ أَو الصلحاءَ. والفرق بينهما أَن التخيير يكون فيما لا يجمع بينهما، والإباحة تكون فيما يمكن الجمع بينهما.
وإن تقدمها خبر كانت لأَحد المعاني الآتية:
للشك مثل: هم ستة أَو سبعة.
للإِبهام مثل: أَنا وأَنت مخطئٌ "المتكلم يعرف أَن المخاطب مخطئٌ
[ ٣٦٢ ]
لكنه أورد ذلك في صيغة مبهمة تلطيفًا وتأَدبًا.
للإِضراب مثل: استدعِ لي خالدًا، أَو اجلس فلا يعنيني أَمره "بمعنى بل".
للتقسيم مثل: الكلمة اسم أَو فعل أو حرف.
للتفصيل مثل: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارَى تَهْتَدُوا﴾ المعنى: قالت اليهود: كونوا هودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا.
وقولنا "لأَحد الشيئين" بجمع ذلك كله.
تنبيه: تؤدي "إما" معنى "أَو" فتقول مثلًا: جالس إِما العلماءَ وإِما الصلحاءَ، هم إِما ستة وإِما سبعة. وليست حرف عطف.
٦- "أم" متصلة أَو منقطعة:
فالمتصلة مثل: أَأَنت الناجح أَم أَخوك؟ سواءٌ علينا أَوعظت أَم لم تكن من الواعظين. ويسبقها همزة استفهام أَو همزة تسوية كما رأَيت، ويشترك ما قبلها وما بعدها في الحكم وفي حركة الإعراب ولا يستغنى بأَحدهما عن الآخر.
والمنقطعة معناها الإِضراب مثل "بل" فتقطع الكلام الأَول لتستأْنف كلامًا جديدًا: "هلا زرتَ أَصدقاءَك الناجحين أَم أَنت معتزل = بل أَنت معتزل".
فإِذا كان ما بعدها مستنكرًا أَضافت إلى معنى الإِضراب معنى الاستفهام الإِنكاري مثل: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾
[ ٣٦٣ ]
يعني: بل أَهم خلقوا السموات والأَرض؟!
٧- بل: للإِضراب عما تقدمها والاهتمام بما بعدها. وشرط العطف بها أن يكون المعطوف مفردًا لا جملة مثل: ما سافر جيرانك بل خادمُهم.
فإِن وقعت بعد نفي أو نهي أَفادت تثبيت النفي أَو النهي لما قبلها، وثبوتَ ضده لما بعدها: ففي الجملة السابقة نفينا سفر الجيران وأثبتنا السفر لما بعد "بل" وهو "خادمهم" فكان معناها الاستدراك بمنزلة "لكن". وإن وقعت بعد جملة خبرية أَو أَمرية أفادت سلب الحكم عما قبلها وإثباته لما بعدها مثل: "ليشهدْ سليمٌ بل معاذٌ"، فقد أَلغينا أَمرنا لسليم وجعلناه لمعاذ.
فإذا أتى بعد "بل" جملة أصبحت حرف ابتداء ولم تعد حرف عطف، فإن أريد إبطال الحكم الذي قبلها كانت للإضراب الإبطالي مثل ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وإن لم يرد إبطاله كانت للإضراب الانتقالي مثل: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ .
٨- لكنْ: للاستدراك، وشرط العطف بها أَن تسبق بنفي أَو نهي، وأَلا تقترن بالواو، وأَن يكون المعطوف غير جملة، مثل: "لم يسافر الطلابُ لكنْ وكيلُهم، لا يقرأَنَّ ضعيفٌ لكنْ محسنٌ".
وتفيد إثبات النفي أَو النهي لما قبلها وجعلَ ضده لما بعدها، شأْنها في ذلك شأْن "بل".
فإذا نقص شرط من الشروط الثلاثة المذكورة لم تكن حينئذ عاطفة بل حرف ابتداء كأن يأتي بعدها جملة لا مفرد مثل: ما قصر لكن مرض، وكأن تقترن بالواو مثل: وافق الطلابُ ولكن أخوك "أي ولكن أخوك لم يوافق"، وكأَنْ لا يكون قبلها نفي أو نهي مثل: سافروا لكنِ الرئيس أقام.
٩- لا: للنفي والعطف، مثل "نجح محمودٌ لا سليمٌ، أَحضر
[ ٣٦٤ ]
وثائقَك لا كتبَكَ" وشرط العطف بها أَن يتقدمها خبر مثبت أَو أَمر.
وتفيد إثبات الحكم لما قبلها ونفيه عما بعدها.
ملاحظة:
يجوز عطف الضمير على الاسم الظاهر والعكس، غير أنه لا يحسن العطف على ضمير الرفع المتصل أو المستتر إلا بعد توكيدهما بضمير منفصل مثل: اذهبْ أَنت ورفيقُك، ذهبت أَنا ورفيقي، أَما: "اذهب ورفيقُك وذهبتُ ورفيقي" فغير حسن. فإِن فصل بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ ما مثل "ما ذهبتُ ولا خالدٌ" حسُن.
[ ٣٦٥ ]
الشواهد:
"أ"
١- ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [سورة الرعد: ١٣/٢٣]
٢- ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٤٧/٣٦-٣٧]
٣- ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: ٤/١]
٤- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [سورة البقرة: ٢/٢١٧]
٥- ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٦/١٤٨]
٦- ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٣/٤٠]
[ ٣٦٦ ]
٧- ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِياتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا، إِنَّ الإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [سورة العاديات: ١٠٠/١-٦]
٨- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢/٦]
٩- ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢١/٢٦]
١٠- ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [سورة الصافات: ٣٧/١٤٧]
١١- ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الرعد: ١٣/١٦]
١٢- ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٢٣/٧٠]
١٣- ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [سورة القصص: ٢٨/١٥]
١٤- ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ: ٣٤/٢٤]
[ ٣٦٧ ]
١٥- فما زالت القتلى تمجُّ دماءَها بدجلة حتى ماءُ دجلة أَشكلُ
جرير
١٦- إن ابن ورقاءَ لا تُخْشى بوادرُه لكنْ وقائعهُ في الحرب تُنتظرُ
زهير
١٧- فما كان بين الخير لو جاءَ سالمًا أبو حجر إلا ليالٍ قلائل
النابغة
١٨- وإذا أُقرضت قرضًا فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجمل
لبيد
١٩- أين المفر والإِله الطالب ٢٠- والأَشرم المغلوبُ ليس الغالبُ
نُفَيْل الخثعمي
٢١- جاءَ الخلافة أَو كانت له قَدَرًا كما أَتى ربَّه موسى على قدر
جرير
٢٢- أَلقى الصحيفة كي يخفف رحلَه والزادَ حتى نعلَه أَلقاها
أبو مروان النحوي
"ب"
٢٣- نَحن أَو أَنتم الأُلى ألفوا الحـ ـقَّ فبعدًا للمبطلين وسحقا؟
٢٤- وجهك البدر، لا، بل الشمس لو لم
يُقْضَ للشمس كسفةٌ أَو أُفول
[ ٣٦٨ ]
*
البدل
تابع مقصود بالحكم يمهَّد له بذكر المتبوع قبله مثل: ضيفُك اليوم جارُك خالد، وأَنواعه أَربعة:
١- بدل مطابق كالمثال المتقدم.
٢- وبدل بعض من كل مثل "قرأْت الصحيفةَ أكثرَها والكتاب ربعَه".
٣- وبدل اشتمال وهو أَن يكون المبدل منه مشتملًا على البدل مثل أَعجبني أَخوك فهمُه.
٤- وبدل مباين يذكر إِما على سبيل الغلط كأَن تريد نداءَ خالد فيسبق إلى لسانك فريد ثم تبدل منه فتقول: يا فريدُ خالدٌ.
وإما بدل نسيان مثل: زارني أَخوك أَبوك.
وإِما أَن يذكر ثم يعدل عنه لتغير قصد المتكلم مثل: زرني صباح الأحدِ الأربعاءِ.
ولا يقع هذا البدل إلا ارتجالًا، والأحسن الإتيان قبله بحرف الإِضراب "بل": زرني صباح الأَحد بل الأَربعاءِ.
هذا ولابد في بدل بعض من كل وفي بدل الاشتمال أَن يحوي
[ ٣٦٩ ]
ضميرًا يعود على المبدل منه مطابقًا له في التذكير والتأْنيث والإِفراد والتثنية والجمع.
أَما التطابق في التعريف والتنكير بين البدل والمبدل منه فليس بشرط إلا أَنه يحسن حين تقع النكرة بدلًا من معرفة أن تكون نكرة مختصة مثل: أَقبلُ بالشروط شروطٍ معتدلة.
ولا يقع الضمير بدلًا، أَما الاسم الظاهر فيمكن أن يقع بدلًا من الضمير مثل: "أَعجبوني بيانُهم" فـ"بيان" بدل اشتمال من واو الجماعة.
ويقع البدل في الأسماء كالأمثلة المتقدمة، وفي الأَفعال مثل "من يزرْني يحدثني آنسْ به أُكافئه" ففعل "يحدثْ" مجزوم لأَنه بدل من فعل الشرط "يزرْ" وكذلك "أَكافئْه" جزم لأَنه بدل من جواب الشرط "آنسْ"، وفي الجمل مثل: ﴿أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ﴾ وفي أشباه الجمل مثل: "استفد من خالدٍ من آدابِه".
ملاحظة: إذا كان المبدل منه اسم استفهام أَو اسم شرط قرنت البدل بهمزة الاستفهام أو بـ"إن" الشرطية مثل: "كم كُتبك؟ أَمئةٌ أَم مئتان؟ " "من يسبقْ إلى زيارتي إنْ أَنت وإِن جارُك أُهدِه هدية"، "ما تقرأْ إِن صحيفةً وإنْ كتابًا تستفد منه" فـ"صحيفة" بدل من اسم الشرط "ما".
[ ٣٧٠ ]
الشواهد:
١- ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٣/٢١]
٢- ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: ٣/٩٧]
٣- ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِراطِ اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: ٤٢/٥٢، ٥٣]
٤- ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [سورة العلق: ٩٦/١٥-١٦]
٥- ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثامًا، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٥/٦٨-٦٩]
٦- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [سورة البقرة: ٢/٢١٧]
٧- بلغنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا وإِنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
النابغة الجعدي
٨- إلى الله أَشكو بالمدينة حاجة وبالشام أُخرى: كيف يلتقيان
الفرزدق
[ ٣٧١ ]
عطف البيان
الشواهد
الشواهد:
١- ﴿يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ [سورة المائدة: ٥/٩٥]
٢- ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [سورة النور: ٢٤/٣٥]
٣- أَقسم بالله أَبو حَفص عمرْ ما مسَّها من نَقَبٍ ولا دبَرْ
عبد الله بن كيسبة "الضمير يعود على ناقته، النقَب تمزق الخف من كثرة المسير، والدَبَرْ تقرح ظهر البعير".
٤- أنا ابن التاركِ البكريِّ بشرٍ عليه الطيرُ ترقبه وقوعا
المرار الفقعسي
٥- أَيا أَخويْنا عبدَ شمس ونوفلًا أُعيذكما بالله أن تحدثا حربا
طالب بن أبي طالب
[ ٣٧٤ ]
*
عطف البيان
تابع جامد يشبه الصفة في توضيح متبوعه إن كان معرفة وفي تخصيصه إن كان نكرة مثل: جاءَ خالدٌ التميميُّ معه أبو زيد عمرانُ، انظر الرجلَ هذا، مررت بالفائزِ بكرٍ، جارتك جاءَ خالدٌ أَخوها، ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ ﴾، رأَيت غضنفرًا أَي أَسدًا، أشرت إِليه أَنِ اقرأ.
فأَنت ترى أَن التابع في هذه الأمثلة أَوضح من المتبوع وهذا شرطه، فإِن لم يكن كذلك فهو بدل.
وأَفراد عطف البيان غالبًا هي: اللقب بعد الاسم، والاسم بعد الكنية، والموصوف بعد الصفة "الفارس عنترة"، والتفسير١ بعد المفسَّر مثل: "عندي عسجد أَي ذهب".. إلخ.
بعض النحاة لا يقول بتابع خامس هو عطف البيان، ويجعل التوابع أربعة فقط، وكل أمثلة عطف البيان يجعلها من البدل المطابق "بدل كل من كل". والحق أن هذا يمكن في بعض الأمثلة لا كلها، فحيثما بقيت الجملة سليمة بوضعنا التابع مكان المتبوع تصح البدلية فيها وعطف البيان، وحيثما يختل اللفظ أو المعنى فالتابع عطف بيان حتمًا، فالجملة
_________________
(١) للتفسير حرفان: " أن " ولا تدخل إلا على الجمل مثل: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وتسبق بما يدل على معنى القول دون حروفه مثل: نادى، أشار، أوحى..الخ والحرف الثاني " أي " يدخل على المفردات وعلى الجمل.
[ ٣٧٢ ]
"جارتك جاء خالد أخوها" تختل إذا حذفت منها عطف البيان "أخوها"، ولو كان بدلًا ما اختلت. وإليك زيادة بيان:
فروق بين البدل وعطف البيان:
١- البدل هو المقصود بالحكم وأُتي بالمتبوع قبله تمهيدًا لذكر البدل، على حين عطف البيان متبوعه هو المقصود وإنما أُتي بعطف البيان للتوضيح فهو كالصفة.
٢- عطف البيان أوضح من متبوعه، ولا يشترط ذلك في البدل.
٣- يخصون عطف البيان بالمعارف أو النكرات المختصة "عند بعضهم" ولا يشترط ذلك في البدل.
٤- لك في البدل أن تستغني عن التابع أو المتبوع فقولك "جاءَ الشاعر خالدٌ" يبقى سليمًا إذا أسقطت البدل أو المبدل منه: "جاءَ الشاعر"، "جاء خالدٌ". لأَن البدل على نية تكرير العامل كما يقولون: فلذا صح تسليط عامل المبدل منه على البدل.
ولا يتأَتى ذلك دائمًا في عطف البيان فالجمل الآتية لا تبقى على سلامتها لو أَسقطت التابع أَو المتبوع:
يا أيها الرجل: لا يقال "يا الرجلُ" ولا يقتصر على "يا أيها".
يا زيدُ الفاضل: لا يقال "يا الفاضل"
يا رفيقيَّ عبد الله وخالدًا: لا يقال "يا عبد الله وخالدًا"، بل "يا عبد الله وخالدُ".
[ ٣٧٣ ]
رأَيت غضنفرًا أَي أسدًا: لا يقال "رأَيت غضنفرًا أي" ولا "رأَيت أَيْ أَسدًا"
جارك ماتت زينب أُمه: لا يقال "جارك ماتت زينب".
ولذا يكون التابع في هذه الجمل وفي أمثالها عطف بيان، لعدم صحة حلوله مكان المبدل منه.
وحين تبقى الجملة سليمة بإِسقاط التابع أو المتبوع، صح في التابع أن يكون بدلًا أَو عطف بيان، لكن الأصح إعرابه عطف بيان إذا كان أوضح أو أشهر من المتبوع.
[ ٣٧٤ ]