الاشتغال:
١ - وصف جملة "الاشتغال" وبيان أركانها الثلاثة.
٢ - بيان إعراب "المشغول عنه" تفصيلا كما يلي:
أ- وجوب النصب.
ب- وجوب الرفع.
ج- ترجّح النصب على الرفع.
د- ترجح الرفع على النصب.
هـ- جواز الرفع والنصب على السواء.
الاشتغال وأركان جملته:
الفكاهة يقدّمُها الإنسانُ الودودُ تسليةً ومتعة.
السخرية يلجأ إليها اللئيمُ الحقودُ انتقامًا وخسَّة.
الشفقة يكره قبولَها الإنسانُ الكريم تعفُّفًا وأنَفَة.
جاء في "ابن عقيل": الاشتغال أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببيِّه ا. هـ.
ومن تأمل التعريف السابق والأمثلة قبله يمكن تحديد أركان جملة الاشتغال الثلاثة وتوضيحها فيما يلي:
- المشغول عنه: وهو الاسم المتقدم الذي شُغل عنه الفعل بضميره أو سببيِّهِ، وهو في الأمثلة السابقة "الفكاهة، السخرية، الشفقة".
- المشغول: وهو الفعل -وما يشبهه- الذي يشغله عن الاسم السابق عليه الضميرُ الذي يعود على الاسم السابق، أو اسم آخر له صلة بالاسم السابق وهو
[ ٦٩٣ ]
ما أطلق عليه "سببيّه". والأفعال المشغولة في الأمثلة السابقة هي "يقدّم، يلجأ، يكره".
- المشغول به: هو ما شغل به الفعل من ضمير أو مبني، مما يترتب عليه بداهة ألا يتجه للاسم السابق، وبتأمل الأمثلة السابقة نجد أن ما شغل به الفعل في المثالين الأولين "الضمير" "يقدمها، يلجأ إليها" وفي المثال الأخير "السببي" "يكره قبولها".
هذا الاسم السابق "المشغول عنه" يمكن إعرابه على وجهين:
الأول: مبتدأ مرفوع، وتكون الجملة بعده خبرًا له.
الثاني: مفعول به منصوب، ويقدر له فعل محذوف وجوبا يفسِّره الفعل المذكور "المشغول"، وتكون الجملة بعده مفسرة لا محل لها من الإعراب، قال علماء النحو: ويقدر الفعل المحذوف من لفظ "المشغول" ومعناه إذا كان "المشغول" متعدّيا ناصبا للضمير بنفسه "كالمثال الأول" ويقدر من المعنى فقط إذا كان "المشغول" لازما وبعده الضمير مجرورا "كالمثال الثاني" أو متعديا ناصبا للسببيّ "كالمثال الأخير"، انظر الهامش (^١).
_________________
(١) "الفكاهة يقدمها الإنسان الودود". الإعراب الأول: الفكاهة: مبتدأ، يقدمها: فعل مضارع مرفوع بالضمة وضمير الغائبة في محل نصب مفعول به، الإنسان: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، الودود: صفة مرفوع بالضمة، والجملة الفعلية "يقدمها الإنسان الودود" في محل رفع خبر المبتدأ. الإعراب الثاني: الفكاهة: مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور، يقدمها: فعل مضارع مرفوع بالضمة، وضمير الغائبة في محل نصب مفعول به، الإنسان الودود: فاعل مؤخر وصفته، والجملة الفعلية "يقدمها الإنسان الودود" مفسرة لا محل لها من الإعراب. "حاول إعراب الجملتين الأخريين بعد هذا المثال قياسا عليه".
[ ٦٩٤ ]
هذا هو الأصل في إعراب "المشغول عنه" يجوز فيه الأمران، الرفع والنصب، لكن جملة الاشتغال يجيء بها من الصفات اللغوية ما يجعل "المشغول عنه" مرفوعا فقط أو منصوبا فقط، أو ما يرجح واحدا منهما على الآخر، أو ما يسوي بينهما، على التفصيل الآتي:
وجوب النصب:
هل السّلامةَ ترجوها مع الإخلاص للحقّ والعمل به!.
فإن الحقَّ آثرتَه، فتهيَّأْ للباطل وغدره.
أَلَا هذه التضحيةَ تتحملها في سبيل المبدأ وسموّه.
وهلّا الباطلَ تدفعه درءًا للفساد وأهله.
يجب نصب "المشغول عنه" إذا وقع بعد أداة لا يجيء بعدها إلا الفعل وتلك أدوات "الاستفهام غير الهمزة، الشرط، العرْض، التحضيض".
ففي الأمثلة الأربعة السابقة يجب نصب الكلمات "السلامة، الحق، هذه التضحية، الباطل" إذ جاءت الأولى بعد أداة الاستفهام "هل" والثانية بعد أداة الشرط "إن" والثالثة بعد حرف العرض "ألا" والرابعة بعد حرف التحضيض "هلّا".
وجوب الرفع:
توقعت الخير ممَّا أحبّه فإذا الشرُّ جنيته.
وتوجسْتُ الشرَّ مما أكرهه فإذا الخيرُ حقّقته.
السلامةُ هل ترجوها مع الإخلاص للحق والعمل به.
الحق إنْ آثرتَه فتهيأ للباطل وغدره.
[ ٦٩٥ ]
يجب رفع "المشغول عنه" في موضعين:
١ - أن يجيء "المشغول عنه" بعد أداة لا يجيء بعدها إلا الاسم وتذكر كتب النحو "إذا: الفجائية" كما ترى في المثالين الأولين، وفيهما يجب رفع الكلمتين "الشر، الخير".
٢ - أن يجيء "الفعل المشغول" بعد أداة لها صدارة الكلام، إذ هي -فيما يقال- لا تسمح لما بعدها بنصب ما قبلها، وأهم ذلك أدوات "الاستفهام، الشرط، العرض، التحضيض، لام الابتداء، ما: النافية" كما ترى في المثالين الأخيرين وفيهما يجب رفع الكلمتين "السلامة، الحق".
ترجح النصب:
السلامة ترجوها مع الإخلاص للحق والعمل به؟
السلامة لا ترجُها مع الإخلاص للحق والعمل به.
ضَحَّيْتُ بالسلامة والحقّ نصرتُه.
يترجح نصب "المشغول عنه" على رفعه في مواضع ثلاثة:
١ - أن يجيء "المشغول عنه" بعد أداة يغلب أن يجيء بعدها الفعل، وأهم ذلك "همزة الاستفهام، ما: النافية، لا: النافية" كما ترى في المثال الأول، حيث يترجح نصب كلمة "السلامة" وإن كان الرفع جائزا.
٢ - ما جاء في "قطر الندى" من قوله: أن يكون الفعل المذكور فعل طلب -وهو الأمر والنهي والدعاء- كقولك: "زيدا اضربْه" و"زيدا لا تهنْه" و"اللهم عبدك ارحمْه" وكما ترى في المثال الثاني، حيث يترجح نصب كلمة "السلامة" فيه؛ لأن بعدها جملة النهي "لا ترجها".
[ ٦٩٦ ]
٣ - أن يكون "المشغول عنه" مسبوقا بعاطف، وقبل العاطف جملة فعلية، إذ يحقق النصب التجانس في عطف جملة فعليّة على فعليّة، كما ترى في المثال الثالث، فإن كلمة "الحق" الأرجح نصبها، بفعل محذوف، فتكون جملة فعلية تقديرها "نصرت الحق نصرته" معطوفة على الجملة الفعلية قبلها "ضَحّيت بالسلامة".
ترجّح الرفع:
السعادة يحقِّقُها أن يعيش المرء في سلامٍ مع نفسه.
يترجح الرفع في صورة الأصل التي تخلو من موجبات النصب والرفع ومن مرجحات النصب، ومما يسوّي بينهما -وسيأتي هذا الأخير- كما ترى في المثال السابق، إذ يترجح رفع الكلمة "السعادة" على نصبها.
قال النحاة: لأنه الأصل، ولا مرجّح لغيره، وعدم الإضمار أرجح من الإضمار ا. هـ.
ومعنى ذلك أن جعلها مبتدأ هو المتفق مع موضع الكلمة في الجملة ولا يستدعي تقدير محذوف كما في النصب، وهذا كلام وجيه!!
استواء الرفع والنصب:
السعادةُ تتحقَّقُ بسلام المرء مع نفسه والتعاسة يجلبها الأحمق لنفسه.
جاء في "قطر الندى": وأما الذي يستويان فيه فضابطه أن يتقدم على الاسم -المشغول عنه- عاطف مسبوق بجملة فعلية مخبر بها عن اسم قبلها ا. هـ.
فلنطبق ذلك على الجملة السابقة، إن الاسم "المشغول عنه" فيها هو "التعاسة" وهو مسبوق بعاطف هو "الواو"، وقبل "الواو" جملة فعلية
[ ٦٩٧ ]
هي الفعل "تتحقق" وفاعله الضمير المستتر، وهذه الجملة الفعلية مخبر بها عن الاسم "السعادة".
حينئذٍ يصح نصب "المشغول عنه" وهو "التعاسة" بالفعل المحذوف فتتكوّن "جملة فعلية" تعطف على جملة الخبر السابقة "تتحقق والضمير المستتر" وكلتاهما فعليتان.
كما يصح رفع "المشغول عنه" فيكون مبتدأ وما بعده خبر، فهي جملة اسمية تعطف على الجملة السابقة كلها "السعادة تتحقق بسلام المرء مع نفسه" وكلتاهما اسميتان، وكل من الوجهين يساوي الآخر بلا ترجيح.
[ ٦٩٨ ]
التنازع:
١ - جملة التنازع وشروط تحققها.
٢ - رأي البصريين والكوفيين في توجيه العوامل المتنازعة.
٣ - ما تنفرد به "ظن وأخواتها" خاصة في التنازع.
جملة التنازع وشروطها.
لاحظ النصوص الآتية:
﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾.
"تُسبِّحون وتُحمّدون وتُكبرون دبُرَ كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين".
عُهدت مُغيثًا مُغْنِيًا من أجَرْتَه … فلم أتّخذْ إلَّا فِنَاءَك مَوْئِلا
جاء في "قطر الندى" نصا: ضابطه: أن يتقدم عاملان أو أكثر، ويتأخر معمول أو أكثر، ويكون كلٌّ من المتقدم طالبا لذلك المتأخّر ا. هـ.
ومن هذا التحديد المركّز تفهم الصفات الواجب توافرها لتحقق التنازع، مما أفاضت فيها وفي تخريجها مطوَّلات النحو، وهي ما يلي:
أ- أن تتقدم العوامل المتنازعة على ما تنازعت عليه، فلا يتوسط المتنازَع فيه بينها أو يتقدم عليها.
ب- أن تكون العوامل المتنازعة مرتبطة لا متناقضة، ويحدث الربط بينها غالبا بالعطف أو مجيء المتأخر جوابًا للمتقدم.
[ ٦٩٩ ]
ج- أن تتجه العوامل المتنازعة للمفعول وبحيث يصح اتجاهها له لفظا ومعنى، وهذا أمر بدهي، وإلَّا فليس هناك تنازع.
وبمراجعة النصوص السابقة كلها نجدها محققة لشروط التنازع ودليلا عليه ففي الآية الأولى الفعلان "آتوني، أفرغ" يطلبان "قطرا" مفعولا به، وفي الآية اسم الفعل "هاؤم: خذوا" والفعل "اقرءوا" يطلبان "كتابِيَه" مفعولا به، وفي الحديث الأفعال "تسبحون، تحمدون، تكبرون" كل منها يطلب الكلمتين "دبر، ثلاثا وثلاثين" الأولى ظرف مكان، والثانية نائبا عن المفعول المطلق، وفي البيت كل من اسمَي الفاعل "مُغِيثًا، مُغْنِيًا" يطلب اسم الموصول "مَنْ أجرْتَه" مفعولا به.
توجيه العوامل المتنازعة:
اختيار الكوفيين:
استمع واهتدَوا الراغبون في الحق والخير.
وصدَّ الكِبْرُ وأضلَّهم العنادُ الراغبين عن الحق والخير.
فتمادَوا ثم أوغلوا فيهما في الشر والضَّلال.
اختيار البصريين:
استمعوا واهتدى الراغبون في الحق والخير.
وصدَّ الكِبْرُ وأضلَّ العنادُ الراغبين عن الحق والخير.
فتمادَوا ثم أوغلوا في الشر والضلال.
لا خلاف بين البصريين والكوفيين في جواز إعمال أيّ العاملين أو العوامل المتنازعة متقدمة أو متأخرة، لكن الخلاف بينهما في الأحسن والأولى.
جاء في أوضح المسالك: اختار الكوفيون إعمال الأول لسَبْقِه والبصريون الأخير لقربه ا. هـ.
ويترتب على هذا الاختيار والمفاضلة ما يلي:
[ ٧٠٠ ]
أولا: عند اختيار الأول -وهو رأي الكوفيين- يضمر في العوامل المتأخرة كل ما تحتاجه من ضمائر مرفوعة ومنصوبة ومجرورة.
ثانيا: عند اختيار الأخير -وهو رأى البصريين- يضمر في العوامل السابقة ما تحتاجه من ضمير للرفع فقط -فاعل أو نائب فاعل- ويصرف النظر عما تحتاجه من ضمائر منصوبة أو مجرورة، راجع تطبق الرأيين على الأمثلة السابقة.
ويقال في ترجيح رأي البصريين: إن رأيهم يتفق مع ما جاء في القرآن الكريم، ففي الآيتين اللتين بدأ بهما حديث الباب ما يشهد بذلك وهما:
- ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
العمل للثاني، ولو كان العمل للأول لأضمر في الثاني وقال: "أفْرِغْه".
- ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾.
العمل للثاني، ولو كان العمل للأول لأضمر في الثاني، وقال: "اقرءوه".
ما تنفرد به "ظن وأخواتها":
تفردت "ظن وأخواتها" بمسألتين في هذا الباب، والحق أنني هممت بتركهما لأنهما مما يطلق عليه "التمارين غير العملية" وهي مما صرف هذا المؤلف -النحو المصفي- النظر عنه في كل أبوابه، فذكرهما هنا، باختصار شديد، من باب التعرف على نمط من "الجهد الذهني" لا "الجهد اللغوي" فليقرأهما من أراد، وجهلهما لا يضر!!.
المسألة الأولى: إذا كان التنازع في فعلين من باب "ظن" فأعْمِل الثاني واحتاج الأول منهما إلى منصوب يقع مفعولا ثانيا له، أضمرته مؤخرا ولا يحذف على مقتضى قاعدة التنازع.
[ ٧٠١ ]
لاحظ:
خلتُ ما علمتُه وخلتُ رأيَك الصدقَ … جملة الأصل
خلتُ ما عملتُه وخلت رأيَك الصدقَ إياه … "إيَّاه" أضمر مؤخرًا
المسألة الثانية: إذا كان التنازع في فعلين من باب "ظن" فأعمل الأول واحتاج الثاني منهما إلى منصوب يقع مفعولا ثانيا له، وأدَّى إضماره إلى عدم مطابقته لما تنازع العاملان فيه، فإنه يجب إظهاره، ولا يضمر على مقتضى قاعدة التنازع، لاحظ:
حسبتُ وحسباني الصديقين قادمين … جملة الأصل
حسبت وحسباني قادما الصديقين قادمين "قادما" اسم ظاهر لا ضمير
قال ابن عقيل: ولا تكون المسألة -حينئذٍ- من باب التنازع؛ لأن كلا من العاملين عمل في ظاهر ا. هـ.
[ ٧٠٢ ]
الحكاية:
١ - المقصود بالحكاية لغة ونحوا.
٢ - حكاية الكلمات: "الأسماء، الأفعال، الحروف".
٣ - حكاية الجمل: "مقول القول، العلم المركب الإسنادي، الجمل مطلقا".
٤ - الحكاية للنكرات بأداتي الاستفهام "أي، من".
الحكاية:
جاء في القاموس: حكَيتُ عنه الكلام: نقلتُه، وحكيت فلانا وحاكيته: شابهته وفعلت فعله أو قوله سواء ا. هـ.
ويؤخذ من هذا النص أن اللفظ يقصد منه "النقل والمشابهة" وهذا المعنى روعي في تحديد الحكاية نحويا، فهي: إيراد اللفظ المسموع على هيئته من غير تغيير فيه، أو إيراد صفته بمحاكاته بلفظ آخر مماثل له في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية الجمع ا. هـ.
فالحكاية إذن تتحقق في اللغة بطريقتين:
الأولى: حكاية الكلمات والجمل بنقلها كما هي، وهذه كثيرة الاستعمال.
الثانية: محاكاة لفظ سابق بلفظ مماثل له في الإعراب والنوع والعدد.
وهذه لا تكاد تستعمل في اللغة، وهي التي اهتم بها النحاة.
حكاية الكلمات:
لاحظ إعراب الجملة: "أضاءَ نورُ الإسلامِ الضمائِرَ والعقول".
أضاءَ: فعلٌ ماضٍ، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
نورُ: فاعلٌ مرفوع بالضمة.
[ ٧٠٣ ]
الإسلامِ: مضافٌ إليه مجرور بالكسرة.
الضمائرَ: مفعولٌ به منصوب بالفتحة.
العقولَ: معطوف على "الضمائر" منصوب بالفتحة.
هذا الإعراب السابق كلام عربي حكيت فيه كلمات الجملة كلها حين الإعراب بنقلها كما هي -بصورتها في الجملة- والحديث عنها في الإعراب فهذه الكلمات كلها -أسماء وأفعالا- في الإعراب مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية، ومن ذلك قول أمية بن أبي الصلت لابنه:
وسَمَّيْتَنِي باسم المُفَنَّدُ رَأْيُه … وفي رأيِكَ التَّفْنِيدُ لو كنتَ تَعْقِلُ (^١)
فإن "المُفَنَّدُ رأيُه" بمعنى "الأحمق" حكيت مرفوعة بالصورة التي كان يقولها ابنه العاق الطائش للناس عن أبيه، فهي في البيت "مضاف إليه" مجرورة بكسرة مقدرة منع منها حركة الحكاية.
هذا .. وأكثر ما تحكى الكلمات في شرح النصوص الأدبية وفي الإعراب.
حكاية الجمل:
وقالوا: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
يسمي المصريون أبناءهم "جَادَ الرَّبُّ" و"فَتَحَ الله".
مكتوبٌ على خاتم النبيّ "محمدٌ رسولُ الله".
_________________
(١) المفند رأيه: الأحمق، جاء في القاموس: فنده تفنيدا: كذبه وعجزه وخطّأ رأيه، والمفند الرأي: من يوصف رأيه بالكذب والعجز والخطأ، ولا يكون ذلك إلا للأحمق. يقول لابنه: لقد وسمتني بالحمق فسميتني "المفند رأيه" مع أن رأيك هذا هو الكذب والخطأ. الشاهد: في "المفند رأيه" إذ حكيت في البيت مرفوعة بالصورة التي كان يقولها الابن عن أبيه للناس، فهي مضاف إليه مجرورة بكسرة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية.
[ ٧٠٤ ]
تحكى الجمل في اللغة، فتنقل الجملة كما هي، وتأخذ الوظيفة النحوية التي يقتضيها سياق الكلام من "فاعل أو مبتدأ أو مفعول إلخ" ويكون إعرابها بحركة مقدرة منع من ظهورها صورة الحكاية التي نقلت بها الجملة، طبق ذلك على الأمثلة السابقة.
هذا .. وقد استعملت الجملة المحكية في اللغة كالآتي:
١ - بعد القول: وهذا موضع مطرد، وقد سبق شرحه في "ظن وأخواتها".
٢ - العلم المركب الإسنادي: وهذا مطرد أيضا، وقد سبق شرحه في باب الإضافة.
٣ - الجمل مطلقا: غير النوعين السابقين، إذ يمكن حكاية كل جملة إذا اقتضى الموقف ذلك، لكن أكثر ما نحتاج لحكاية الجملة حين الشرح الأدبي للنصوص وفي الإعراب.
حكاية النكرات بالأداتين "أيّ، مَنْ":
قال ابن هشام بالنص: أما في الاستفهام، فإن كان المسئول عنه نكرة والسؤال بـ "أيّ ومَنْ" حكي في لفظ "أي" وفي لفظ "مَنْ" ما ثبت لتلك النّكرة المسئول عنها من رفع ونصب وجر، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع ا. هـ.
ومعنى ذلك أن يحاكي السائل النكرة المسئول عنها المتقدمة بهاتين في الإعراب والعدد والنوع، فتأتي كل منهما كما يلي:
- أيّ، أيَّة، أيَّان، أيَّتان، أيُّون، أيَّات.
- مَنُو، مَنَة، مَنَان، مَنَتَان، مَنُون، مَنَات.
[ ٧٠٥ ]
فلنطبق ذلك على النموذج التالي
الجملة الكلمة المحاكاة الكلمة المحاكية لي صديق ودودٌ طيّب صديق مَنُو؟؟ عرفتُه في شدَّةٍ لا أنساها شدَّةٍ أيَّةٍ؟؟ وعرفتُه أكثر في ساعاتٍ حرجة ساعاتٍ أيَّاتٍ؟؟ وله أحيانًا هَفَواتٌ مؤسِفَات هفواتٌ أيَّاتٌ؟؟ لكن يغفِرُها مواقفُ وفاءٍ كثيرة مواقِفُ أيّون؟؟
ومن المفيد أن يعرف الفرق بين هاتين الأداتين ملخصا في الآتي:
أ- أن "أيّ" يحكى بها العاقل وغيره، أما "مَنْ" فيحكى بها العاقل فقط.
ب- أن "أيّ" تجيء في حالة وصل الكلام أو الوقف عليها، أما "مَنْ" فلا تجيء إلا مع الوقف عليها.
ولا حاجة بنا بعد ذلك إلى الخوض في تفاصيل أكثر من هذه الطريقة فهي -كما سبق- لا تكاد ترد في نطقنا للغة.
[ ٧٠٦ ]
العدد:
١ - الأعداد والمعدودات من حيث: "التذكير والتأنيث، الإفراد والجمع، الإعراب".
٢ - ملاحظات مهمة حول الفكرة السابقة، وتشمل:
أ- تمييز الأعداد "٣ - ٩" بكلمة "مائة" مفردة استثناء من القاعدة.
ب- تمييز الأعداد "٣ - ١٠" بأسماء الجموع، بمراعاة مفردات الجموع المميزة.
ج- استخدام أداة التعريف "أل" مع العدد المفرد والمضاف والمركب والمعطوف.
٣ - صياغة اسم الفاعل من الأعداد "٢ - ١٠" واستعماله مع المساوي له والأقل منه.
٤ - صياغة اسم الفاعل من الأعداد "١١ - ١٩" واستعماله مع المساوي له فقط.
العدد مع المعدود:
دعا النَّبيُّ إلى الإسلام في مكَّة ثلاثَ عشرةَ سنة.
ثم قضى عشر سنواتٍ أخرى في المدينة.
ومات ﵇ عن ثلاثةٍ وستين عاما.
العدد: يقصد به الكلمات المصطلح عليها في اللغة للدلالة على كميات الأشياء التي يرمز إليها الرياضيون بالأرقام الحسابية "ثلاث عشرة، عشر، ثلاثة وستين" في الأمثلة السابقة، وترمز لها الأرقام "١٣ - ١٠ -
[ ٧٠٧ ]
٦٣" مع ملاحظة أن اللغة تهتم بأسماء الأعداد نفسها لا رموزها الحسابية وهذا طبيعي، فاللغة كلمات لا رموز للكلمات.
المعدود: ويطلق عليه أيضا "تمييز العدد" أو "تفسير العدد" وهو ما يوضح المقصود من "العدد" فيبين نوع الكمية التي تدل عليها أسماء الأعداد مثل "سنة، سنوات، عاما" في الأمثلة السابقة.
هذه مقدمة ضرورية لوصف استعمال اللغة للأعداد والمعدودات من جهتين:
أولا: حكم الأعداد من حيث التذكير والتأنيث بالنظر إلى المعدودات.
ثانيا: حكم المعدودات من حيث الإفراد والجمع، وأيضا الإعراب بالنظر إلى الأعداد، وتفصيل الأمرين السابقين يتضح فيما يلي:
١ - العددان "١ - ٢":
استعملتهما اللغة مذكرين للمذكر فيقال: "واحد، اثنان" ومؤنثين للمؤنث فيقال: "واحدة، اثنتان".
وهذان العددان لا يستعمل معهما المعدود في اللغة العربية، فلا يقال: "واحد رجل" أو "اثنان شجر" بخلاف بعض اللغات الأجنبية، إذا يقال في الإنجليزية مثلا " One man" و" Two trees" أو "شجرة وشجرتان".
٢ - الأعداد "٣ - ١٠" الأعداد المضافة:
وهذه تخالف المعدود، فتذكر مع المؤنث، وتؤنث بالتاء مع المذكر أما المعدود فالأصل فيه أن يأتي معها وله الصفات الآتية "جمع مضاف إليه مجرور" تقول: "مثَّل فرقتَنا في اتحاد الكلية خمسة طلابٍ وثلاث طالباتٍ".
وجاء في القرآن: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
[ ٧٠٨ ]
٣ - الأعداد "١١ - ١٩" الأعداد المركبة:
هذه مكونة من عددين مركبين مبنيين على فتح الجزءين -ما عدا اثني عشر- يعامل الأول منهما "١ - ٩" من حيث التذكير والتأنيث وهو مركب مع العشرة معاملته قبل هذا التركيب، بمعنى أن "١ - ٢" يوافقان وأما "٣ - ٩" فتخالف، أما العشرة حين تركب مع هذه الأعداد، فإنها وهي مركبة توافق المعدود تذكيرًا وتأنيثًا.
أما المعدود فإنه يأتي مع هذه الأعداد وله الصفات الآتية "مفرد منصوب على التمييز" تقول: "يتكونُ فريق الكرةِ من أحدَ عشرَ لاعبًا وفي وطننا من نوادي الدرجة الأولى حوالي خمسةَ عشرَ ناديًا".
٤ - الأعداد "٢٠ - ٩٠" أسماء العقود، الأعداد المتعاطفة:
إذا استعملت هذه الأعداد وحدها "عشرون، ثلاثون، أربعون، خمسون، ستون، سبعون، ثمانون، تسعون" تسمى "أسماء العقود" ويستعمل مع كل منها الأعداد من "١ - ٩" سابقة عليها، وتعطف عليها أسماء العقود، بأن يقال: "واحد وعشرون، اثنان وعشرون، ثلاثة وعشرون وهكذا" فتسمى هذه الأعداد "الأعداد المتعاطفة".
وأسماء العقود لا تتغير تذكيرا وتأنيثا، أما الأعداد التي تسبقها مما يطلق عليه نحويا "النّيِّف" فإنها تذكر وتؤنث بحسب استعمالها قبل مجيئها مع أسماء العقود، بمعنى أن "١ - ٢" يوافقان وأما "٣ - ٩" فتخالف.
أما المعدود فإنه يجيء مع هذه الأعداد وله الصفات الآتية "مفرد منصوب على التمييز" تقول: "بعض الشهور العربية تسعةٌ وعشرون يوما وبعضها الآخر ثلاثون يوما، وتصل بعض الشهور الميلادية إلى واحد وثلاثين يوما".
[ ٧٠٩ ]
٥ - الأعداد (١٠٠ - ١٠٠٠) " العدد المضاف "أيضا":
وهي الأعداد "مائة، ألف، مليون" وهذه لا تتغير تذكيرا وتأنيثا ويستعمل معها الأعداد (١ - ٩٩) " بحسب ما لها من حكم التذكير والتأنيث قبل استعمالها مع "المائة، الألف، المليون".
أما المعدود فيأتي مع هذه الأعداد "مفردا مجرورا على أنه مضاف إليه" تقول "تضم الأمم المتحدةُ الآن حوالي خمس وعشرين ومائة دولة" وجاء في القرآن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (^١).
ملاحظات حول ما سبق:
اتضح من العرض السابق التصور العام لكيفية النطق بالعدد والمعدود منظورًا إلى الأول من جهة التذكير والتأنيث، ومنظورًا إلى الثاني من حيث الإفراد والجمع والإعراب، ولاستكمال هذا التصور يلاحظ الآتي:
أ- سبق أن الأعداد من "٣ - (٩) " تميز بجمع مجرور، ويستثنى من ذلك تمييز هذه الأعداد بكلمة "مائة" فإنها تبقى مفردة ولا تجمع، فيقال: "ثَلاثُمائة، أرْبَعُمائة، خَمسُمائة، سِتُّمائة، سَبْعُمائة، ثمَانُمائة، تِسْعُمائة" بالرسم السابق، فلا يقال فيها: "مئات" وهذا خلاف الأصل.
ب- لاحظ الأمثلة الآتية:
جاء في إحدى النشرات الجوية:
ظلت الرؤية متعذرةً لمدة خمس ساعات.
أصدر المطار خلالها ستة تحذيرات.
وامتنع عن الإقلاع منه تسعُ طائرات.
وارتفعتْ أمواجُ البحرِ ثمانيةَ أمتار تقريبا.
وضلَّتْ به سبعٌ من سفن الصيد.
_________________
(١) من الآية ١٤ من سورة "العنكبوت".
[ ٧١٠ ]
إذا كان المعدود جمعا -أيّ جمع- فإنه يراعى في العدد من حيث التذكير والتأنيث مفرد هذا الجمع، وأدق ما يكون ذلك في الأعداد من "٣ - ١٠" لأنها تخالف المعدود -كما سبق- ويمكن تطبيق هذه الفكرة على ما جاء في الأمثلة السابقة من "إحدى النشرات، خمس ساعات، ستة تحذيرات، تسع طائرات، ثمانية أمتار، سبع سفن".
ج- دخول أداة التعريف "أل" ورد في اللغة كما يلي:
- العدد المفرد مثل "واحد، اثنان" تتصل به "أل" في أوله، فيقال: "الواحد، الاثنان" وهذا بدهي.
- العدد المضاف "ثلاثة إلى عشرة، مائة وألف" تجيء "أل" مع المضاف إليه، فيقال: "ثلاثة الأفدنة، عشرة الجنيهات، مائة المتر، ألف القطعة" وهذا أحسن الآراء فيه.
- العدد المركب "أحد عشر إلى تسعة عشر" تجيء "أل" مع الكلمة الأولى منهما، فيقال "الثلاث عشرة دولة، الخمسة عشر طالبا" وهكذا.
- العدد المعطوف "أسماء العقود المعطوفة على ما يسبقها من الأعداد" تجيء "أل" مع كلتا الكلمتين المتعاطفتين، فيقال "الثلاثة والعشرون، التسعة والتسعون" وهكذا.
وقد نظم بعض العلماء ما سبق شعرا بقوله:
وعددًا تريد أن تُعَرِّفا … ف أل بجزءيه صِلَن إنْ عُطِفَا
وإنْ يَكنْ مُركَّبًا فالأولُ … وفي مضافٍ عكسُ هذا يُفعلُ
صياغة "فاعل" من الأعداد "٢ - ١٠".
- ثانٍ، ثالث، رابع، خامس، سادس، سابع، ثامن، تاسع، عاشر للمذكر
[ ٧١١ ]
- ثانية، ثالثة، رابعة، خامسة، سادسة، سابعة، ثامنة، تاسعة، عاشرة للمؤنث.
يصاغ من أسماء الأعداد "٢ - ١٠" على وزن "فاعل" مذكرا مع المذكر، ومؤنثا مع المؤنث مستعملا في الجملة على الصور الثلاث التالية:
الأولى: يأتي في الجملة وحده دون أن تأتي معه أسماء الأعداد على الإطلاق، فلنلاحظ الأمثلة:
- ظهرت النتيجةُ وكان ترتيبي الثالثَ وترتيبُ صديقي العاشر.
- كنت الأوَّل طوال السِّباق، وقرب النهاية أبطأْتُ فأصبحتُ الثانيَ.
في هذه الصورة يقصد به وصف من هو له بمعناه فقط، ببيان ترتيبه العددي، ولا شيء غير ذلك، ويعرب الاسم بحسب ما يقتضيه سياق الكلام.
الثانية: يأتي في الجملة مع أسماء الأعداد التي اشتق منها المساوية له في المعنى، لنلاحظ من النصوص:
- العقادُ ثالثُ ثلاثةٍ أثَّروا تأثيرا عظيمًا في الفكر العربي الحديث.
- من القرآن: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
في هذه الصورة يقصد بالمشتق أنه واحد مما دل عليه العدد بعده ويعرب اسم العدد بعده على أنه "مضاف إليه" فهما معا "مركب إضافي".
الثالثة: يأتي في الجملة مع أسماء الأعداد الأقل منه مباشرة، فلنلاحظ من الأمثلة:
- إن فرنسا رابعة ثلاث دول عرفت أسرارَ الذرة.
- كان الدينُ الإسلاميُّ ثالث اثنين من الأديان الكبرى لهداية البشر.
في هذه الصورة يقصد بالمشتق إكمال العدد الأقل بعده إلى معناه، ولك في اسم العدد بعده أن تجره بالإضافة، فهما معا "مركب إضافي" ولك أن تنون المشتق، وتنصب اسم العدد بعده على أنه "مفعول به".
[ ٧١٢ ]
صياغة "فاعل" من الأعداد "١١ - ١٩":
قرأت الجزءَ الثامنَ عشرَ من القرآن الكريم.
كتبت نقدا على المقامةِ الخامسةَ عشرة للحريري.
يصاغ على وزن "فاعِل" من المركبات "١١ - ١٩" بمجيء الكلمة الأولى على وزن "فاعِل" مركبة مع كلمة "عشرة" وكلتاهما مبنيّتان على فتح الجزءين، وكلتاهما أيضا تذكران مع المذكر، وتؤنثان مع المؤنث.
يقول ابن هشام: "الوصف المشتق على وزن "فاعِل" من الأعداد المركبة يفيد الاتصاف بمعناه بمصاحبة العشرة" ا. هـ.
وهذا واضح تماما في المثالين السابقين من وصف "الجزء" بأنه "الثامن عشر" ومن وصف "المقامة" بأنها "الخامسة عشرة"، وهذا يتفق مع ذوق اللغة في الإفهام السهل الميسر.
أما ما خاضت فيه مطولات النحو من استخدام المشتق من الأعداد المركبة لإفادة أنه بعض مما اشتق منه واستخدام طرق مجهدة لمركبات لا يستعملها غير النحاة، ففي رأيي -إن لم يجانبني الصواب- أن ذلك كله مما يطلق عليه "التمارين غير العملية" وينبغي صرف النظر عنه، فإنه لا ضرورة له ولا يفيد نطقا، ومن أراد الاطلاع عليه فليراجع آخر "باب العدد" في "شرح الأشموني".
[ ٧١٣ ]
كنايات العدد:
كم، كأيّنْ، كذا:
١ - الفرق بين كنايات العدد وأسماء الأعداد.
٢ - وصف جملة "كم" الاستفهامية نحويا.
٣ - وصف جملة "كم" الخبرية نحويا.
٤ - وصف جملة "كأين" نحويا.
٥ - وصف جملة "كذا " نحويا.
كنايات العدد:
المقصود بكنايات العدد: ألفاظ جاءت بها اللغة تدل على عدد غير محدد قل أو كثر ا. هـ. فأسماء العدد التي سبقت دراستها محدودة الدلالة على العدد مثل "خمسة، عشرون، مائة".
أما كنايات العدد مثل "كم، كأيّن" فتدل على عدد حقا، لكن أي عدد؟ إنه غير محدد، ولذلك أطلق عليها اسم "كنايات العدد" أو "رموز العدد" فحين تقول لصديقك: "كم يومًا بقيت في المصيف؟ " فإن معني "كم" السؤال عن عدد مجهول المقدار من الأيام، قد تكون الإجابة عنه من الصديق "يوما أو يومين أو عشرات الأيام".
والألفاظ التي جاءت بها اللغة للكناية عن العدد ثلاثة هي "كم، كأيّن، كذا" وسيدرس كل واحد منها في جملته لوصفها بما يشمل اللفظ نفسه وتمييزه.
كَمْ: الاستفهامية:
كم كتابًا موجود بمكتبتك بالمنزل؟!
وكم مرجعًا مقررٌ عليك في دراستك هذا العام؟
كم هدفًا عظيمًا تحقق لك في حياتك؟
وكم أملًا غاليًا عزّ عليك تحقيقه؟
[ ٧١٤ ]
كم فرصةً اغتنمتها فغيَّرت مجرى حياتك؟
وكم فرصةً أضعْتَ، ثم ندمت؟
مع كم زميلًا تتعاونُ في مذاكرتك؟
وعلى كم مبدإٍ راقٍ تنظم هذه المذاكرة؟
تتكون جملة "كم: الاستفهامية" إجمالا مما يلي:
أ- كم: وهي اسم استفهام مبني على السكون، ويقصد بها السؤال عن عدد مجهول المقدار، بمعنى "أي عدد؟ "، وتقع في موضع رفع أو نصب أو جر بالفهم الآتي:
١ - تكون مبتدأ في محل رفع إذا جاء بعدها خبر مفرد، أو جاء بعدها فعل لازم أو فعل استوفى مفعوله.
٢ - تكون مفعولا به في محل نصب إذا جاء بعدها فعل متعد ولم يستوف مفعوله، حينئذٍ يتجه إليها، وتكون "كم" مفعولا به مقدما لهذا الفعل المتعدّي.
٣ - تكون في محل جر إذا سبقها حرف جر أو اسم تضاف هي إليه.
ب- تمييز "كم" وهو الاسم الذي يجيء بعدها للسؤال عن مقداره العدديّ، ويكون منصوبا أو مجرورا بالفهم الآتي:
١ - يكون مفردا منصوبا في حالة رفع "كم" أو نصبها أو جرها.
٢ - يجوز أن يكون مفردا مجرورا في حالة جرها بحرف الجر فقط.
ج- بقية الجملة بعد "كم" وتمييزها: وهذه البقية قد تكون اسما مفردا أو فعلا لازما أو متعديا على ما سبق بيانه في إعراب "كم".
حاول إذن -بعد هذا الشرح- معاودة النظر للأمثلة الثمانية السابقة لتحليلها نحويا تطبيقا على هذا الفهم.
[ ٧١٥ ]
كَمْ: الخبرية:
كم عالِمٍ شقيٌّ بعلمه، وكم جاهلٍ سعيدٌ مع جهله.
كم فقيرٍ عفَّتْ نفسُه، وكم غنيٍّ زادَ جَشَعُه.
كم صادقٍ كذّبَ الناس قولَه، وكم كاذبٍ صدّق الناسُ إفْكَه.
كم ظَلَمَةٍ عَظَّمَ الغوغاء، وكم مظلومين أهانَ اللؤماء.
يا صاحبي: من كم خطأٍ يجيء الصّواب، وعلى كم تجربةٍ يصحّ الحكم.
تتكون جملة "كم: الخبرية" إجمالا مما يلي:
أ- كم: وهي اسم مبني على السكون تفيد الإخبار عن الكثرة، بمعنى "كثيرٌ مِنْ"، وتقع في موضع رفع أو نصب أو جر بالطريقة نفسها التي سبق شرحها في "كم: الاستفهامية" فتكون مبتدأ أو مفعولا به أو مجرورة بالحرف أو بالإضافة.
ب- تمييز "كم" وهو الاسم الذي يجيء بعدها للإخبار عن كثرته وهو مجرور غالبا بالإضافة، ويكون مفردا بكثرة وجمعا بقلة.
جاء في الأشموني: إفراد تمييز "كم الخبرية" أكثر وأفصح من جمعه وليس الجمع بشاذ كما زعم بعضهم ا. هـ.
ج- بقية الجملة بعد "كم" وتمييزها، وتأتي بالطريقة نفسها التي تأتي بها مع الاستفهامية.
حاول بعد هذا الشرح النظر للأمثلة السابقة لتحليلها تطبيقا على هذا الفهم.
كأيِّنْ
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾
[ ٧١٦ ]
هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرف هي الكاف والهمزة والياء المشددة المكسورة المنونة تنوين التنكير "كأيِّ" ولأن هذا التنوين لازم لها رسم أحيانا نونا ساكنة في آخرها، فكتبت "كأين" وكلا الرسمين قد جاء في كتب النحو وبصرف النظر عن الكلام الكثير حول تحليل أجزاء جملتها، فإن الذي خرجت به من تأمل استعمالها في القرآن -كما ترى في الآيات- ما يلي:
أ- كأين: وهي اسم مبني على السكون، يفيد الإخبار عن الكثرة فهي بمعنى "كثيرٌ من" وتعرب مبتدأ في محل رفع.
ب- تمييز "كأين": وهو الكلمة التي تأتي بعدها، ويكون مفردا مجرورا بحرف الجر "مِنْ".
ج- بقية الجملة: وهي عادة جملة فعلية تقع في محل رفع خبر الكلمة "كأين".
كَذَا:
وصف أحد الجنود غارة جوّية بقوله:
فجأة، هاجمتْنا كَذَا طائرةً معادية.
وظلت تحومُ حولنا كذا دقيقة.
ثم ألقت فوق مواقعنا كذَا وكذَا طنًّا من المتفجرات.
أولا: الأصل في كلمة "كذا" أنها مكونة من حرف الجر "الكاف" ومن اسم الإشارة "ذا" فهي كلها جار ومجرور، تقول: "كثيرٌ من أهل مصر يتكلمون اللغة الفصحى ويفهمونها وكَذَا كلُّ البلاد العربية".
ثانيا: قد ينسى هذا الأصل، فيستخدم المركَّب كله كناية عن غير العدد من الأفعال والأشياء سواء استعملت وحدها "كذا" أو جاءت مكررة "كذا كذا" أو معطوفا عليها "كذا وكذا".
- جاء في الحديث: "يُقالُ للعبد يوم القيامة أتذكرُ يوم كَذَا وكذا فعلْتَ كَذَا وكَذَا".
[ ٧١٧ ]
فقد وردت في الحديث كناية عن أيام معينة أولا وعن أفعال معينة ثانيا.
- جاء في تعليق لأحد الصحفيين "بعض الأطباء يقولون للمريض: عندك كذا وكذا بصراحة تامة".
فهي في المثال كناية عن الأمراض والآلام التي لدى المريض.
وفي هذا الاستعمال يكون لجملتها الخواص الآتية:
أ- يسبقها كلام، فلا تأتي في صدارة الجملة، بل داخلها.
ب- تبنى في كل صورها على السكون، وتحتل الوظائف النحوية المختلفة بحسب سياق الكلام، فتكون مبتدأ أو مفعولا به أو غيرهما.
ثالثا: قد ينسى الأصل أيضا فيستخدم المركب كله كناية عن العدد سواء استعملت وحدها "كذا" أو مكررة "كذا كذا" أو معطوفه "كذا وكذا" وهذه هي المقصودة بالدراسة هنا كما ترى في الأمثلة التي بدأ بها الموضوع "في الصفحة السابقة".
وحين يُكْنَى بها عن العدد يكون لجملتها الخواص التالية:
أ- يسبقها كلام، فلا تأتي في صدارة الجملة، بل داخلها.
ب- تبنى في كل صورها على السكون، وتحتل الوظائف النحوية المختلفة بحسب سياق الكلام، ففي الأمثلة السابقة جاءت في المثال الأول فاعلا، وفي الثاني نائبا عن ظرف الزمان، وفي الأخير مفعولا به.
ج- تحتاج إلى تمييز بعدها، ويكون غالبا مفردا منصوبا.
ومن شواهدها قول الشاعر:
عِد النَّفسَ نُعْمَى بعد بُؤْسَاكَ ذاكِرًا … كَذَا وكَذَا لُطْفًا به نُسِيَ الجُهْدُ (^١)
_________________
(١) الشاهد في البيت "ذاكرا كذا وكذا لطفا" فإن "كذا" استخدمت معطوفة كناية عن العدد، وتمييزها مفرد منصوب هو "لطفًا".
[ ٧١٨ ]