يشمل ذلك ما يلي:
١ - حروف الجر.
٢ - الإضافة.
٣ - التعجب السماعي والقياسي.
٤ - التوابع الخمسة وهي:
أ- النعت.
ب- التوكيد.
ج- عطف البيان.
د- عطف النسق.
هـ- البدل.
٥ - وظائف الأفعال في الجملة = عمل الأفعال في الجملة.
٦ - الأسماء التي تقوم بوظائف الأفعال.
أ- اسم الفعل.
ب- المصدر واسم المصدر.
ج- اسم الفاعل.
د- أمثلة المبالغة.
هـ- اسم المفعول.
و- الصفة المشبهة.
ز- اسم التفضيل.
[ ٥٢٩ ]
حروف الجر:
١ - حروف الجر -كما عدها ابن مالك في الألفية- عشرون حرفا.
٢ - تقسيم حروف الجر من حيث كثرة الاستعمال وقلته في اللغة العربية.
٣ - الحروف المتداولة -في رأي ابن هشام- باعتبار ما تجره من الأسماء الظاهرة والمضمرة.
٤ - زيادة "ما" مع بعض حروف الجر، بينها وبين مجرورها.
٥ - حذف حرف الجر "رب" مع بقاء عمله في المجرور.
٦ - حرف الجر الأصلي والزائد والشبيه بالزائد.
حروف الجر:
تلك التي تقوم بربط الأسماء بالأسماء، كقولنا "الطالبُ في الكليةِ" أو ربط الأسماء بالأفعال كقولنا "جئتُ إلى الكليةِ".
وينبغي ابتداء معرفة الرأي فيما خاضت فيه مطولات النحو من ذكر معاني الحروف العشرين الجارة، ولنأخذ نموذجًا الحرف "مِنْ" فإن له سبعة معانٍ -كما جاء في أوضح المسالك- هي:
١ - التبعيض مثل: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^١).
٢ - بيان النوع مثل: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (^٢).
٣ - ابتداء المكان أو الزمان مثل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (^٣) وفي الحديث: "مُطِرْنَا من الجمعة إلى الجمعة".
_________________
(١) من آية ٩٢ من سورة آل عمران.
(٢) من الآية ٣١ من سورة الكهف.
(٣) الآية الأولى من سورة الإسراء.
[ ٥٣١ ]
٤ - العموم مثل: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ (^١).
٥ - معنى البدل مثل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (^٢).
٦ - الظرفية مثل: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (^٣).
٧ - التعليل مثل: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (^٤).
وهكذا تورد هذه المطولات معاني كل حرف فتذكر "للّام" اثني عشر معنى، و"للباء" مثلها وللحرف "في" ستة معانٍ، وللحرف "على" أربعة، إلى آخر ذلك.
والحق أن هذه المعاني تفيد دارس البلاغة، فهو الذي يبحث عن الحروف وما تؤديه من جملة إلى أخرى، أما دارس النحو، فإن الذي يهمه من هذه الحروف هو معانيها النحوية، أو بعبارة أخرى: يهمه أن يعرف فقط أن هذه الحروف تجر الأسماء التي بعدها مهما كان المعنى الذي تؤديه في الجملة.
على أن حصر معاني هذه الحروف -على طولها- ليس حصرا نهائيا لأن هناك قاعدة معنوية عن حروف الجر تقول "حروف الجر يتبادل كل منها موضع الآخر كثيرا" فمثلا الحرف "على" يأتي بمعني "في" مثل: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ (^٥). والحرف "عن" يأتي بمعني "على" مثل: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (^٦) فهذه الحروف تتبادل، فمن غير المفيد
_________________
(١) الآية ٩٨ سورة مريم.
(٢) الآية ٣٨ سورة التوبة.
(٣) الآية ٩ سورة الجمعة.
(٤) الآية ٢٥ سورة نوح.
(٥) الآية ١٥ سورة القصص.
(٦) من الآية ٣٨ سورة محمد.
[ ٥٣٢ ]
كثيرًا حصر معانيها، إذ يقع بعضها موقع بعض، والأمر مرجعه أولا وأخيرًا سياق الكلام الذي يحدد لنا معنى الحرف، ويدل عليه.
وخلاصة الأمر أنه من السهولة والتيسير ألا تعرض هنا معاني الحروف الجارة؛ لأن ذلك لا يفيدنا نحويا، ولأن ذلك غير منضبط تماما، ومع ذلك فمن أراد معرفة تلك المعاني تفصيلا، فليراجعها في "شرح ابن عقيل، أوضح المسالك، شرح "الأشموني" ليستزيد ويستفيد.
وحروف الجر عشرون حرفا حصرها ابن مالك في البيتين الآتيين:
هَاكَ حُرُوفَ الجر وهي مِنْ إلى … حَتَّى خَلا حَاشَا عَدَا في عَنْ عَلَى
مُذْ مُنْذُ رُبَّ اللامُ كي وَاوٌ وتَا … والكافُ والبا ولعلَّ ومَتَى
ومن هذه الحروف العشرين ثلاثة لن نتحدث عنها هنا، وهي "خلا، حاشا، عدا" فهي من أدوات الاستثناء، وقد مر الحديث عنها هناك بالتفصيل ولا حاجة إلى إعادته مرة ثانية.
حروف الجر من حيث كثرة الاستعمال وقلته:
يقصد بالكثرة والقلة هنا نطق العرب أصحاب اللغة، وبعبارة أقرب أن معظم هذه الحروف قد استعمل في اللغة العربية المشتركة بين العرب وهذا معنى الكثرة، وبعض هذه الحروف استعمل في الفصحى أيضا في نطق إحدى قبائل العرب فقط، لكن لم يقدر له الذيوع والانتشار في نطق جميع قبائل العرب، وذلك الحرفان "مَتَى، لَعَلَّ".
فالأصل -كما هو مشهور- أن "مَتَى" اسم زمان، وقد يستعمل ظرفا كقولنا "مَتَى قدمتَ من سفرك" بمعنى "في أيّ وقت؟؟ " أما استعمالها حرف جر فهو لغة قبيلة "هذيل"، ومن شواهدها:
[ ٥٣٣ ]
- سُمِعَ أحد الهذليّين يتحدث عن بعض اللصوص بقوله: "أخرجها متى كُمِّهِ" بمعنى "أخرجها من كُمِّه".
- من شعر أبي ذؤيب الهذلي يصف السحاب:
شَرِبْنَ بماء البحر ثم ترفّعتْ … مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنّ نَئِيجُ (^١)
وأما "لَعَلَّ" فالمشهور عنها أنها حرف يفيد الترجي من أخوات "إن" تنصب المبتدأ وترفع الخبر، واستعمالها حرف جر لغة قبيلة "عُقَيْل" ويسوق لها النحاة شاهدين أحدهما بيت شعري قبيح لا داعي لذكره، والآخر في قول كعب بن سعد يرثي أخاه أبا المغوار:
ودَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدى … فلم يستجبْه عند ذاك مُجيبُ
فقلتُ ادع أخرى وارفع الصوتَ جَهْرَةً … لعلّ أبِي المغوارِ منكَ قريبُ (^٢)
_________________
(١) شربن بماء البحر: حملت السحب ماء البحر، ترفعت: علت، لجج: جمع "لجة" وهي المياه الكثيفة، لهن نئيج: صوت مرتفع. المعنى: لقد حملت السحب ماء كثيفا من مياه كثيفة، لجج خضراء ذات صوت عالٍ شديد. الشاهد: في قول أبي ذؤيب "متى لجج" إذ استعمل "متى" حرف جر بلغة قبيلته، لكن لم يقدر لهذا الاستعمال الذيوع والانتشار.
(٢) الندى: الكرم، لم يستجبه: لم يجبه. يقول: لقد كان أبو المغوار كريما ولا كريم غيره، فإذا دعا الداعي إلى الكرم فهو المجيب لا سواه. الشاهد: في "لعل أبي المغوار" فقد جاءت في هذا البيت حرف جر، فجرت الاسم بعدها "أبي المغوار". إعراب "لعل أبي المغوار منك قريب" جاء في ابن عقيل: "لعل": حرف جر زائد، "أبي المغوار" مبتدأ مرفوع بالواو منع من ظهورها الياء التي جاءت من أجل حرف الجر الزائد، "قريب": خبر المبتدأ.
[ ٥٣٤ ]
والحق أن استخدام هذين الحرفين للجر في اللغة الفصحى قليل، بل سماه "ابن هشام" شاذا، فينبغي -بعد معرفتهما- صرف النظر عنهما أيضا، ليبقى من حروف الجر العشرين خمسة عشر حرفا هي موضع حديثنا الآتي:
حروف الجر وما تجره من الأسماء الظاهرة والمضمرة:
سلك ابن هشام في كتابيه "شذور الذهب، أوضح المسالك" طريقة رائعة في تقسيمه لحروف الجر باعتبار دخولها على الأسماء الظاهرة والمضمرة فتنظيمه لهذه الفكرة في كتابيه السابقين لا يكاد يدانيه فيه أحد من النحاة لذلك كان من المفيد اتباعه في طريقته مع تصرف يسير.
تنقسم حروف الجر الخمسة عشر المتداولة إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: ما يجر الأسماء الظاهرة والمضمرة جميعا، وهو سبعة أحرف هي "من، إلى، عن، على، في، الباء، اللام.
ومن أمثلة ذلك في القرآن: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (^١)، و: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (^٢)، و: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (^٣)، و: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (^٤)، و: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٥)، و: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (^٦)، و: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ (^٧)، و: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ (^٨)، و: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ (^٩)، و: ﴿آمِنُوا بِهِ﴾ (^١٠)، و: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١١)، و: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١٢).
_________________
(١) الآية ٧ سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٤٨ سورة المائدة.
(٣) الآية ٦٠ سورة الأنعام.
(٤) الآية ١٩ سورة الانشقاق.
(٥) الآية ١١٩ سورة المائدة.
(٦) الآية ٢٢ سورة المؤمنون.
(٧) الآية ٢٠ سورة الذاريات.
(٨) الآية ٧١ سورة الزخرف.
(٩) الآية ١٣٦ سورة النساء.
(١٠) الآية ١٠٧ سورة الإسراء.
(١١) الآية ٢٨٤ سورة البقرة.
(١٢) الآية ٢٥٥ سورة البقرة.
[ ٥٣٥ ]
القسم الثاني: ما يجر الأسماء الظاهرة فقط، وهو يشمل بقية الحروف "حتى، الكاف، الواو، التاء، كَيْ، مُذْ، مُنْذُ، رُبَّ".
لكن ينبغي ألا يتبادر إلى الأذهان أن هذه الحروف الثمانية تدخل على كل الأسماء الظاهرة فتجرها، إنها تتفق فقط في دخولها على الأسماء الظاهرة ورفض الأسماء المضمرة، أما ما يدخل عليه كل منهما من الأسماء الظاهرة فهو على التفصيل التالي:
١ - "حتى، الكاف، الواو" تدخل على كل الأسماء الظاهرة:
ومن أمثلة ذلك في القرآن: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^١)، و: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (^٢)، و: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (^٣)، ومن البيّن أن الواو معناها القسم.
وينبغي التنبه إلى أن "حتى" تكون حرف جر مثل "إلى" في المعنى والعمل بشرطين:
أ- أن يكون المجرور بها ظاهرا لا مضمرا.
ب- أن يكون نهاية لما قبله، آخرًا له أو متصلا بالآخر.
كقولنا "سنجاهد حتى الرّمقِ الأخير، وسنحرّر أرضنا حتى آخرِ شبرٍ فيها".
٢ - "التاء" هذا الحرف يجر لفظين فقط من الأسماء الظاهرة هما:
أ- لفظ الجلالة "الله" مثل: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (^٤).
ب- كلمة "رب" مضافة إلى "الكعبة أو ياء المتكلم" مثل قول العرب: "تَرَبِّ الكعبة" و"تَرَبِّي لأفعلنَّ كذا".
ومن البيّن أن التاء مع هذين اللفظين تفيد أيضا معنى القسم.
_________________
(١) الآية ٥ سورة القدر.
(٢) من الآية ٣٥ سورة النور.
(٣) أول سورة الفجر.
(٤) من الآية ٥٧ سورة الأنبياء.
[ ٥٣٦ ]
٣ - "كَيْ" وقد تقدم عنها أنها حرف لنصب الفعل المضارع مثل "أن" لكنها تستعمل حرف جر في موضعين:
أ- مع "ما" الاستفهامية: وحينئذٍ تحذف ألف "ما" ويأتي معها هاء السّكت، تقول مثلا "سهرتُ أمْس" فأسألك عن سبب السهر قائلا "كَيْمَهْ" مماثلة تماما قولي "لِمَهْ".
ب- مع "أنْ" التي تنصب المضارع، وقد سبق في نواصب المضارع أنه إذا كانت "كي" ناصبة المضارع، فلا علاقة لها بالمجرورات، أما إذا كان المضارع منصوبا -كما سبق شرحه- بأن ظاهرة أو مضمرة، فتكون "كي" حرف جر والمصدر المؤول من "أن والفعل" مجرور بها "راجع ذلك تفصيلا".
٤ - مُذْ، مُنْذُ
لاحظ الأمثلة الآتية:
ما كفَّ الإنسانُ عن الشّرِّ منذُ فجرِ الحياة … حرف جر
ومنذُ الصراعُ الدَّامِي بين ابْنَي آدمَ والناسُ في صراع … اسم مبتدأ
ومذْ تحكَّمت الأهواءُ استخدِمَت القوة … اسم ظرف
ترد هاتان الكلمتان في اللغة حرفين للجر أو اسمين على التفصيل الآتي:
أولا: تكونان حرفين للجر إذا ورد بعدهما اسم يدل على الزمان الماضي أو الحاضر، كقولك "ما رأيت أهْلِي منذُ شهرٍ" أو "ما رأيتُ صديقي مذ يومِنَا".
ثانيا: تكونان اسمين وذلك في الآتي:
أ- أن يقع بعدهما اسم مرفوع، كقولنا "مُنْذُ الافتراقُ
[ ٥٣٧ ]
بيننا لم يحدث لقاء"، حينئذٍ تعرب الكلمتان -على الرأي المشهور- مبتدأ والاسم المرفوع بعدهما خبر.
ب- أن يقع بعدهما جملة تامة -اسمية أو فعلية- فتقول: "أحببتُ الجامعةَ مُذْ أنا طالبٌ فيها، واحترمتُ تقاليدَها منذُ انتسبتُ إليها" حينئذٍ تعرب الكلمتان ظرف زمان مبنيًّا في محل نصب.
ومن شواهد دخولهما على الجملة ما يلي:
- قول الأعشى:
وما زلتُ أبْغي المالَ مُذْ أنا يَافعٌ … وَليدًا وكَهْلًا حين شِبْتُ وأمْرَدَا (^١)
فكلمة "مذ" في البيت جاء بعدها جملة اسمية هي "أنا يافع" فتعرب ظرفا.
٥ - رُبَّ:
ومعناها التقليل أو التكثير بحسب ما يدل عليه سياق الكلام، ولا تجر إلا النكرات، تقول "رُبَّ صَمْتٍ خيرٌ من كَلام" أو "رُبَّ صُدْفَةٍ خيرٌ من ألفِ ميعاد".
هذا، وربما دخلت "رُبَّ" على ضمير الغيبة المفرد المذكر ويأتي بعد ذلك تمييز منصوب يفسر الضمير، كقولنا "لا تحتقِرْ أحدًا فَرُبَّهُ
_________________
(١) اليافع: هو الشاب حول العشرين، الوليد: الصبي، الكهل: في أحسن الآراء ما جاوز الأربعين، الأمرد: الذي لا شعر في وجهه. المعنى: لقد طلبت المال صبيا وشابا وكهلا، ومعلوم أن الأعشى كان ممن يتكسبون بشعرهم. الشاهد: في "مذ أنا يافع" حيث جاء بعد "مذ" جملة اسمية، فتعرب هي ظرف زمان في محل نصب.
[ ٥٣٨ ]
إنسانًا عظيمًا يتفوّق عليك، ولا تستقلَّ عدوًّا فرُبَّهُ قوةً هائلةً تهزمُك".
ومن ذلك قول الشاعر:
رُبَّهُ فتيةً دعوتُ إلى ما … يُورِثُ المجدَ دائِبًا فأجابُوا (^١)
زيادة "ما" مع بعض حروف الجر:
لحروف الجر مع المجرور بعدها الخاصيتان الآتيتان:
أ- أنها تجر الاسم بعدها بالكسرة أو ما ينوب عنها.
ب- أن الذي يأتي بعدها هو المفرد لا الجملة.
إذا علم ذلك، فإن "ما" الزائدة -لا الموصولة ولا المصدرية- تجيء مع بعض حروف الجر متوسطة بينها وبين مجرورها، فلا يكون لزيادتها تأثير في صورة الجار والمجرور، بل تبقى الخاصيتان السابقتان لها، وتجيء مع بعض حروف الجر الأخرى، فتتغير الصورة، وتزول الخاصيتان السابقتان جميعا على التفصيل الآتي:
أولا: تزاد "ما" بعد حروف الجر الثلاثة "مِنْ، عَنْ، الباء" فلا تكف هذه الحروف عن جر الاسم بعدها، ويبقى لها اختصاصها بهذا الاسم المجرور، ومن ذلك قول القرآن:
- ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ (^٢).
- ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ (^٣).
_________________
(١) ما يورث المجد: الأعمال المفيدة السامية، دائبا: مستمرا. الشاهد: في "ربه فتية" حيث دخلت "رب" على ضمير الغيبة المفرد المذكر المفسر بتمييز منصوب بعده.
(٢) من الآية ٢٥ سورة نوح.
(٣) من الآية ٤٠ سورة المؤمنون.
[ ٥٣٩ ]
- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ (^١).
ثانيا: تزاد "ما" بعد الحرفين "رُبَّ، الكاف" فتكفهما عن جر ما بعدهما، كما يزول اختصاصهما بالاسم المفرد، فيدخلان على الجملة الاسمية والفعلية، ومن شواهد ذلك:
- قول القرآن ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (^٢).
- قول رؤبة رجزا:
لا تَشْتُم النَّاس كمَا لَا تُشْتَمُ (^٣)
هذا هو الأصل في هذين الحرفين، لكن ورد على غير الأصل معهما بعض الشواهد التي جاءت "ما" فيها زائدة بعدهما، وبقي لهما اختصاصهما وهذا قليل في اللغة، ومنه قول عمرو بن براقة الهمداني:
وننصرُ مولانَا ونعلمُ أنه … كما النّاسِ مجرومٌ عليه وجارِمُ (^٤)
_________________
(١) من الآية ١٣ سورة المائدة.
(٢) من الآية ٢ سورة الحجر.
(٣) الشاهد: في "كما لا تشتم" حيث دخلت "ما" على الكاف فكفتها عن العمل، ودخلت على الجملة الفعلية بعدها "لا تشتم".
(٤) المولى: في أحد معانيه: الحليف، مجروم عليه وجارم: مجني عليه وجان. يقول -وهو أحد الصعاليك- إننا ننصر من نحالفه ظالما أو مظلوما، فهو أحد الناس، وهذا هو شأن الناس. الشاهد: في "كما الناس" حيث دخلت "ما" على الكاف، فبقيت لها خواصها، إذ جاء بعدها الاسم المجرور بها "الناس" وهذا قليل في اللغة.
[ ٥٤٠ ]
حذف "رُبَّ" وبقاء عملها:
الأصل في حرف الجر أن يكون مذكورا، ولا يصح حذفه مع بقاء عمله فإذا حذف ضاع تأثيره، ولم يعد له وجود في الكلام لا لفظا ولا تقديرا.
ويستثنى من الأصل السابق الحرف "رُبَّ" إذ يصح حذفه من الكلام مع بقاء تأثيره، فيكون الاسم مجرورا دون حرف الجر، ويقال عنه: إنه مجرور "برُبَّ المحذوفة" وقد وردت "رُبَّ" محذوفة في اللغة بعد حروف ثلاثة هي "الواو، الفاء، بل" ومن شواهد ذلك:
- قول امرئ القيس:
وليلٍ كموجِ البحرِ أرْخَى سُدُولَه … عَلَيَّ بأنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلِي (^١)
- قول رؤبة:
بل بلدٍ ملءُ الفجاجِ قَتَمُه … لا يُشْتَرَى كِتَّانُهُ وجَهْرَمُه (^٢)
حرف الجر الأصلي والزائد والشبيه بالزائد:
يتردد على ألسنة المعربين قولهم: "حرف جر، حرف جر زائد، حرف جر شيبه بالزائد" وينبغي تحديد المقصود بهذه الثلاثة وما ينطبق عليه من
_________________
(١) الشاهد: في البيت حذف "رب" وبقاء عملها في قوله "وليل" والواو هنا تسمي "واو رب".
(٢) الفجاج: الطرق والمسالك، القتم والقتام: الغبار، الجهرم: البساط. يقول: إنه بلد كريه في جوه وتجارته، فجوه مليء بالغبار الذي يسد طرقه وتجارته كاسدة فلا تشترى أبسطته ولا غيرها من تجاراته. الشاهد: في "بل بلد" حيث حذفت "رب" وبقي تأثيرها بعد "بل" وأصل الكلام "بل رب بلد".
[ ٥٤١ ]
حروف الجر، وما يترتب على ذلك في الإعراب مع أخذنا في الاعتبار أنه إذا قيل "حرف جر" فقط، فالمقصود بذلك "حرف الجر الأصلي".
الأصلي: هو ما له معنى خاص في سياق الجملة، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه فيها، كما أنه يرتبط في الجملة بعامل من فعل أو شبه فعل ا. هـ.
ومعظم حروف الجر أصلية، يترتب عليها جر الاسم لفظا وتقديرا وأمثلتها أكثر من أن تحصى.
الزائد: ما ليس له معنى خاص في سياق الجملة بحيث يمكن الاستغناء عنه فيها، وإنما يؤتى به لمجرد تأكيد الكلام فقط، كما أنه لا يحتاج إلى عامل يرتبط به من فعل أو شبه فعل ا. هـ.
وهنا فكرة مهمة جدا هي أن حرف الجر الزائد يجر الاسم من حيث اللفظ فقط بالكسرة أو ما ينوب عنها، لكن الاسم من حيث التقدير يأخذ الوظائف النحوية المختلفة، كأنما حرف الجر غير موجود، فتقدر لكل وظيفة الحركة المناسبة لها التي يمنع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
والذي أعلمه أن الذي يزاد من حروف الجر -في بعض الأحيان لا في كل الأحيان- حرفان "مِن، الباء".
- أما "مِن" فإنها تزاد إذا جرت اسما نكرة، وسبقها نفي أو نهي أو استفهام، كقول القرآن: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِير﴾.
- وأما "الباء" فتزاد غالبا في المواضع الآتية:
أ- إذا جاءت خبرا للفعل "ليس" أو جاءت بعد النفي بالحرف "ما" كما جاء في الحديث "ليس الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنما الشَّديدُ من يملكُ نفسَه عند الغَضَب".
[ ٥٤٢ ]
ب- مع فاعل الفعل "كَفَى" كقولنا "كَفَى بالصدْقِ نجاةً، وكَفَى بالكَذبِ هلاكًا".
ج- في صيغة التعجب "أفْعِلْ بِهِ" مثل "أكْرِمْ بالإسلامِ دينًا وأصْدِقْ بالقرآنِ حديثًا".
فلنلاحظ الآيات الآتية:
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ … المجرور فاعل تقديرا.
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ … المجرور مفعول بعد تقديرا.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ … المجرور مبتدأ تقديرا "في بعض الآراء".
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ … المجرور فاعل "كفى" تقديرا.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ … المجرور فاعل فعل التعجب.
الشبيه بالزائد: ما له معنى خاص يفهم من سياق الكلام، لكن ليس له عامل يرتبط به من فعل أو شبه فعل، ويجر الاسم لفظا، لكن الاسم يأخذ الوظائف النحوية الأخرى تقديرا بحسب ما يقتضيه سياق الكلام ا. هـ.
هو إذن يشبه الحرف الأصلي في أن له معنى، ويشبه الحرف الزائد في عدم حاجته إلى عامل يرتبط به، وفي أنه يجر الاسم لفظا لا تقديرا، ولغلبة شبهه بالزائد سمي "حرف جر شبيه بالزائد"، والحرف الوحيد الشبيه بالزائد "رُبَّ" وإن كانت محذوفة، كقولك "رُبَّ فقيرٍ خيرٌ عند الله من غنيّ".
[ ٥٤٣ ]
الإضافة:
١ - الإضافة لدى اللغويين والنحاة.
٢ - ما يتجرد منه المضاف حين الإضافة.
٣ - الإضافة اللفظية "غير المحضة" والإضافة المعنوية "المحضة".
٤ - الأسماء الملازمة للإضافة وما تضاف إليه:
أ- ما يضاف للضمائر، وهو "وَحْد، لَبَّيْك، وأخواتها".
ب- ما يضاف للجمل وهو "حيثُ، إذْ، إذَا".
ج- ما يضاف لاسم ظاهر أو مضمر، وهو "لَدُنْ، مَعَ، قُصَارَى".
د- ما يضاف لمثنى ظاهر أو مضمر وهو "كِلَا، كِلْتَا".
٥ - ما يضاف أحيانا، وما يجب حينئذٍ إضافته له:
أ- ما يضاف للجمل وهو أسماء الزمان المبهمة.
ب- ما يضاف لاسم ظاهر أو مضمر وهو أسماء المكان المبهمة.
معنى الإضافة:
تأمل الأمثلة الآتية:
- بورسعيد، حضرموت، نيويورك، سيبويه. … مركب مَزْجِي.
- جَادَ الله، جَادَ الرَّبّ، فتح الله، نحمده. … مركب إسنادي.
- روعةُ الانتصارِ، ذلّةُ الهزيمةِ، جمالُ الحريةِ. … مركب إضافي.
- الكلمات المركبة التي وردت في اللغة العربية ثلاثة أنواع:
الأول: المركب المَزْجِي: وهو ما تكون من كلمتين اندمَجَتَا معا حتى
[ ٥٤٤ ]
كوّنتا كلمة واحدة ويعرب هذا الصنف إعراب ما لا ينصرف على الجزء الأخير منه فيرفع بالضمة وينصب ويجر بالفتحة دون تنوين، فإذا ختم بكلمة "وَيْهِ" بني آخره على الكسر.
الثاني: المركّب الإسْنَادِيّ: وهو ما تكون من جملة كاملة سمي بها شخص أو شيء، فخرجت من مجال الجملة إلى التسمية بها -وهذا الصنف قليل في اللغة- ويعرب تفصيلا على أنه جملة كاملة، ثم تنزل منزل المفرد، فتشغل الوظائف النحوية بحسب سياقها في الكلام، وتقدر عليها علامات الإعراب التي يمنع من ظهورها حكاية الجملة للتسمية بها كما هي.
الثالث: المركب الإضافي: وهو المقصود بالدراسة في هذا الباب لكثرة أحكامه وتنوع صوره.
فالإضافة في اللغة: مطلق الإسناد والضم، فنقول في حياتنا العادية "أضفتُ اللَّبَنَ إلى الشَّاي" بمعنى ضممته إليه وخلطته به، ومن ذلك أيضا "الضّيف" لأنه حين ينزل بالقوم ينضاف إليهم وينضم إلى جمعهم، ويقول امرؤ القيس يصف بيتا استضافه وأصحابه فأسندوا ظهورهم فيه إلى مساند مخططة:
فلمّا دخلْنَاه أضفْنا ظُهُورَنا … إلى كلِّ حَارِيٍّ جديدٍ مُشَطَّبِ
أما لدى النحاة: فالإضافة ضم اسم إلى آخر مع تنزيل الثاني من الأول منزلة تنوينه أو ما يقوم مقام تنوينه، وبحيث لا يتم المعنى المقصود إلا بالكلمتين المركبتين معا ا. هـ. ومن نماذج ذلك على كثرته "قسوةُ الظُّلمِ، تَجَبُّرُ الطُّغاةِ، ذلّةُ الضعفاءِ، نورُ الحرّيةِ، شرفُ الكلمةِ، نبلُ الأقوياءِ، قوَّة الروحِ، صفاءُ الذهنِ".
وينبغي أن يراعى أمران يتعلقان بالمضاف والمضاف إليه:
الأول: أن الاسم الأول من المركب الإضافي يسمي "المضاف" ويكون
[ ٥٤٥ ]
إعرابه بحسب ما يقتضيه سياق الكلام رفعًا ونصبًا وجرًّا، أما الاسم الثاني فيطلق عليه "المضاف إليه" وهو دائما مجرور بالإضافة.
الثاني: أن كلا من المضاف والمضاف إليه يجب أن يكونا اسمين، فلا يكون أحدهما فعلا ولا حرفًا، ويستثنى من ذلك ما إذا جاء المضاف إليه جملة كاملة -وذلك مع كلمات قليلة ستأتي- حينئذٍ تكون الجملة كلها في محل جر لوقوعها موقع المفرد.
ما يتجرد منه المضاف حين الإضافة:
يتجرّد المضاف حين الإضافة من الأمور الثلاثة الآتية:
الأول: التنوين: فالكلمات "سهرٌ، كدحٌ، راحةٌ، هدوءٌ" كلها منونة، فإذا أضيفت، حذف منها التنوين، فنقول "سهرُ الليْلِ، كدحُ النَّهارِ، راحةُ النَّومِ، هدوءُ البالِ"، ومن الواضح أن الحكم السابق خاص بالاسم المنصرف، أما الممنوع من الصرف فهو مجرد أصلا من التنوين فنقول في "مساجد، مصابيح" حين الإضافة: "مساجدُ اللهِ، مصابيحُ الهدايةِ".
الثاني: نون المثنى وجمع المذكر: ففي الكلمتين "فترتان، متساويتان" حين الإضافة يقال: "فترتا الدّراسة متساويتا الوقتِ" وفي الكلمتين: "نابِهون، متفوّقون" حين الإضافة "نابِهُو الطَّلبةِ متفوِّقُو الامتحانِ".
الثالث: "أل" أداة التعريف: ففي الكلمات: "الحريّة، الأمن، الهدوء، الصفاء" تصير حين الإضافة "حرّية المواطنِ وأمنُه يحقِّقان هدوءَ البالِ وصفاءَ النَّفسِ" ونقول في "البلاد، الطيّبة، العذبة" حين الإضافة: "بلادُنا طيّبةُ الثرى عذبةُ المياهِ" بحذف الألف واللام في المضاف من هذه الكلمات جميعا.
[ ٥٤٦ ]
هذا، وقد استدرك النحاة على هذا الأمر الأخير -حذف الألف واللام من المضاف- صورتين من الإضافة اللفظية يصح فيهما بقاء الألف واللام مع المضاف حين الإضافة وهما:
الأولى: أن يكون المضاف وصفا وهو مثنى أو جمع مذكر سالم، فلك أن تقول في "الشاهدان، المقترفان" حين الإضافة "الشاهدا الزُّورِ هما المقترفا الكبيرةِ" ولك أن تقول في "المرتفعون، المنحنون" حين الإضافة "من الناس المرتَفِعُو رؤوسٍ مظهرًا وهم أذلاء، ومنهم المنْحَنُو ظهورٍ عَمَلًا وهم شرفاء" ببقاء الألف واللام في المضاف في كل الكلمات السابقة ومن ذلك قول عنترة:
ولقد خشِيتُ بأنْ أموتَ ولم تَدُرْ … للحربِ دائرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ
الشاتِمِي عِرْضِي ولمْ أشتُمْهما … والناذِرَيْن إذا لم القَهُما دمي (^١)
الثانية: أن يكون المضاف وصفا غير ذلك، لكن في المضاف إليه الألف واللام، كقولك: "المضبوطُ الموعدِ، المُحْكِمُ الخطةِ، المتوقِّدُ الذكاء، الطيبُ القلبِ، النَّاعمُ الشعرِ" أو أن الألف واللام في المضاف إلى المضاف إليه، كما تقول في الأمثلة السابقة "المضبوط تحديدِ الموعدِ، المُحْكِمُ رَسْمِ الخُطَّةِ، المتوقدُ شعلةِ الذَّكاءِ، الطيبُ سريرةِ القلبِ، الناعمُ ملمسِ الشعرِ" فقد بقيت الألف واللام في المضاف في كل تلك الأمثلة وهي الكلمات "المضبوط، المحكم، المتوقد، الطيب، الناعم" على التوالي.
_________________
(١) الشاهد: في البيت الثاني "الشاتمي عرضي" فإن المضاف "الشاتمي" وصف مثنى وجاء بالألف واللام.
[ ٥٤٧ ]
الإضافة اللفظية والمعنوية:
الإضافة اللفظية: ما كان المضاف فيها اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة والمضاف إليه معمولا لتلك الصفة، ومن نماذجها "كاتمُ السّرِّ، ناصرُ الضَّعيفِ، مُوَاسِي المريضِ، مرفوعُ الرأسِ، طيبُ القلبِ، ليّنُ الجانبِ".
قال ابن هشام: هي عبارة عما اجتمع فيها أمران، أمر في المضاف وهو كونه صفة، وأمر في المضاف إليه وهو كونه معمولا لتلك الصفة، وذلك يقع في ثلاثة أبواب، اسم الفاعل كضارِب زيدٍ، واسم المفعول كمُعْطَى الدينارِ، والصفة المشبهة كحَسَن الوجهِ ا. هـ.
هذا النوع من الإضافة لا يستفيد منه المضاف تعريفا ولا تخصيصا، فالمضاف لا يتعرف بالمضاف إليه وإن كان معرفة، وكذلك لا يتخصص به -بمعنى تقليل إبهامه وتقريبه من المعرفة- بل إن المضاف يبقى نكرة دائما مع هذا النوع من الإضافة.
والدليل على أن المضاف لا يتعرّف في الإضافة اللفظية أنه يقع في مواضع النكرة، ولو استفاد التعريف، ما صح وقوعه في هذه المواضع، ومن ذلك:
أ- وقوعه صفة النكرة، تقول "لي صديقٌ كاتمُ السرِّ طيبُ القلبِ".
ب- وقوعه حالا، ومعلوم أن الحال لا تكون إلا نكرة غالبا، تقول: "عشْ في الحياة محمودَ السِّيرةِ نقيَّ السريرةِ" وتقول: "جاء صديقي صارمَ الوجهِ حادَّ القَسَمَاتِ".
ج- وقوعه مجرورًا بالحرف "رُبَّ" تقول: "رُبَّ شَاقِّ الأمرِ هَانَ صَعْبُه، ورُبَّ ميسورِ الأمرِ صَعُبَ سَهْلُه" وما جاء في الأثر من "رُبَّ قارِئِ القرآنِ والقرآنُ يَلْعَنُه".
أما أن هذه الإضافة لا تفيد التخصيص فلأن التركيبين قبل الإضافة
[ ٥٤٨ ]
وبعد الإضافة متساويان في المعنى بلا زيادة ولا نقصان، فقولنا: "الله مجيب الدّعاءِ" يساوي في المعنى: "الله مجيبٌ الدعاءَ".
خلاصة الأمر أن هذه الإضافة اللفظية لا تفيد التعريف ولا التخصيص فما الذي تفيده إذن؟
قال النحاة: إنها تفيد التخفيف بحذف التنوين من المضاف، وكذلك نون التثنية والجمع المذكر، فلا شك أن قولنا: "الإنسانُ المثقفُ مصقولُ العقلِ والضميرِ" أخف مما لو قلنا "مصقولٌ العقلُ والضميرُ"، وهذا هو السبب في أن هذه الإضافة سميت "لفظية" لأنها أفادت أمرًا لفظيًّا هو التخفيف كما سبق شرحه.
ويطلق على هذه الإضافة اللفظية اسم "غير محضَة" ومعنى المحضة: الخالصة، فهذه الإضافة إذن غير خالصة للإضافة، أو بعبارة أقرب، إنها إضافة غير حقيقية، إذ لا يترتب عليها ما يترتب على الإضافة الحقيقية من تعريف الاسم أو تخصيصه، ولذلك قالوا: إنها على تقدير الانفصال بين الكلمتين، فقولنا: "الفتاةُ رائعةُ الجمالِ" يساوي تماما: "الفتاةُ رائعةٌ الجمالَ".
قال ابن هشام: وإنما سميت هذه الإضافة غير محضة، لأنها في نية الانفصال إذ الأصل "ضاربٌ زيدا" في "ضاربُ زيدٍ" وإنما سميت لفظية: لأنها أفادت أمرًا لفظيًّا وهو التخفيف فإن "ضاربُ زيدٍ" أخفّ من "ضاربٌ زيدًا" ا. هـ.
[ ٥٤٩ ]
الإضافة المعنوية: هي ما انتفى منها الشرطان المذكوران أو أحدهما وهذا النوع هو الإضافة الحقيقية، وهي كثيرة جدا في اللغة العربية، مثل "عميدُ الكليةِ، طلابُ العلمِ، روعةُ الانتصارِ، ذلّةُ الهزيمةِ".
هذا النوع من الإضافة يستفيد منه "المضاف" التعريف أو التخصيص على النحو التالي:
١ - إذا كان المضاف إليه معرفة كان المضاف معرفة مثل: "في محاضراتِ النحوِ سهولةُ الأسلوبِ وثَراءُ الأفكارِ".
٢ - إذا كان المضاف إليه نكرة أفاد تخصيصه فقط دون تعريفه مثل: "قولُ حقٍّ في وجهِ ظالمٍ شجاعةُ ضميرٍ ودليلُ حريَّةٍ".
ومن هذا يفهم لماذا سميت "معنوية" لأنها تفيد أمرًا معنويا هو تعريف المضاف أو تخصيصه.
ومن هذا أيضا يفهم لماذا سميت"مَحْضَة"؛ لأنها هي الإضافة حقيقة إنها الإضافة الخالصة التي يترتب عليها الأحكام السابقة، ولا يمكن فيها فصل المضاف عن المضاف إليه ولو على سبيل التقدير.
هذا وقد درست كتب مسائل النحو العلاقة بين المضاف والمضاف إليه من جهة المعنى في الإضافة المعنوية وحدها؛ لأنها -كما سبق- هي الإضافة حقا التي يتلازم فيها المضاف والمضاف إليه ويتكاملان، بخلاف اللفظية فإن الإضافة فيها على تقدير الانفصال بين المضاف والمضاف إليه.
وخلاصة ذلك: أن الإضافة المعنوية تأتي في اللغة العربية على صور ثلاث:
الأولى: ما تأتي بمعني "في" وضابطها ما كان المضاف إليه ظرفا للمضاف، وبعبارة أقرب: أن يصح إحلال المضاف في المضاف إليه وتقدير "في"
[ ٥٥٠ ]
بينهما، كقولنا: "سهرُ الليلِ ويقظةُ النهارِ" ومن كلام العرب: "عثمانُ شهيدُ الدارِ والحسينُ شهيدُ كربلاء، ومالكٌ عالِمُ المدينةِ" وقول القرآن: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ وقوله أيضا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
الثانية: ما تأتي بمعنى "من" وضابطها -في تحديد النحاة- ما كان المضاف إليه كلًّا للمضاف، وبعبارة أخرى: ما كان المضاف جزءا من المضاف إليه ويصح تقدير "مِنْ" بينهما، كقولنا "بدلةُ صوفٍ وقميصُ حريرٍ وخاتمُ ذهبٍ".
الثالثة: ما تأتي بمعنى "اللام" وهي غير النوعين السابقين، وهي كثيرة جدا في اللغة العربية، مثل "صداقةُ العمر وأستاذُ المادّةِ وحريةُ الوطنِ وحضارةُ الأمةِ".
وقد جاء في "أوضح المسالك" عن ترتيب هذه الصور الثلاث في الاستعمال العربي ما يلي "تكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية وعلى معنى "مِنْ" بكثرة وعلى معنى "في" بقلّة" ا. هـ.
والحق أن "الكثرة والقلة" لا يمكن ضبطهما هنا تماما؛ لأن الشواهد والأمثلة لكل من هذه الصور أكثر من أن تحصى، والأمر كله مرجعه للذوق اللغوي الذي بمقتضاه يمكن معرفة صورة الإضافة بتقدير "من" أو "في" أو "اللام".
الأسماء الملازمة للإضافة وما يجب أن تضاف إليه:
الأصل في الأسماء العربية أن تكون صالحة لاستعمالها مضافة، وأن تكون صالحة أيضا لاستعمالها مفردة -أي
[ ٥٥١ ]
لكن هناك أسماء في اللغة خرجت على هذا الأصل، فلا تستعمل أبدا إلا مضافة، وأسماء أخرى خضعت لهذا الأصل، لكنها إذا أضيفت التزمت الإضافة إلى أمور خاصة في اللغة فوجب التنبيه عليها هنا لهذا السبب.
والحق أن استيفاء هذه الفكرة بفرعيها يحتاج لحديث طويل -موضعه مطولات النحو- ولذلك فإن ما يذكر هنا هو أهم ما يحيط بهذه الفكرة دون أن يشملها جميعا.
وأهم الأسماء الملازمة للإضافة أبدا تتلخص فيما يلي:
أولا: ما تلزم إضافته للضمائر:
أ- كلمة "وَحْد" وتضاف للضمائر جميعا -الغيبة والخطاب والتكلّم- فتقول "سَهرْتُ وَحْدِي" و"أجَبْتُكَ وَحْدَكَ" و: "عَبَدْتُ الله وَحْدَه" ومن هذا قول الراجز:
لَمْ يَكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكَا … وكنتَ إذْ كنتَ إلهي وَحْدَكا (^١)
ب- ما يضاف لضمير الخطاب فقط، وهي كلمات في اللغة توصف بأنها "مصادر مثناة اللفظ وتفيد التكرار" وهي "لَبَّيْك، سَعْدَيْك، حَنَانَيْك، دَوَالَيْك، هَذَاذَيْك" ومعنى "لبَّيك" إجابة لك بعد إجابة، والإجابة يتبعها الاستجابة، ويتّجه الحجاج لله قائلين: "لبّيك اللهمّ لبّيك"، ومعني "سعديك" إسعادا لك بعد إسعاد، فلك السعادة الدائمة، ومن ذلك ما جاء في الأثر عمن يحج من مال حرام أنه إذا قال "لبيك" أجابه من السماء من يقول: "لا لبَّيْك ولا سَعْدَيْك وحَجُّك مردودٌ عليك"، ومعنى "حنانيك"
_________________
(١) الشاهد: في "وحدكا" حيث أضيفت كلمة "وحد" إلى ضمير المخاطب وهذه الكلمة تعرب دائما حالا، وتؤول بالنكرة.
[ ٥٥٢ ]
حنانا منك بعد حنان، فهو حنان غامر للمتعب الحزين، ومن ذلك قول أحد الشعراء المعاصرين يتألم من تربية الصغار:
حَنَانَيْكَ إنِّي قد بَرِمْتُ بفتيةٍ … أرُوحُ وأغْدُو كلَّ يومٍ إليهمُ
صغارٌ نربّيهم بمثلِ عقولهم … ونبنيهمُ لكنّنا نتهدَّمُ (^١)
ومعنى "دَوَالَيْك" حدوثا للأمر مرة بعد أخرى، ومن ذلك العبارة الشائعة "وهكذا دَوَالَيْك" ومعنى "هَذَاذَيْك" إسراعا بعد إسراع فهي سرعة لا تتوقف، ومن ذلك قول الراجز:
ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ وطعنًا وخْضًا … يُمْضِي إلى عَاصِي العُروقِ النَّحْضَا (^٢)
وهذه المصادر تعرب على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف من لفظها أو من معناها، وجاء في "أوضح المسالك": وعامل "لبّيك، هذاذيك" من معناهما، والبواقي من لفظها.
ثانيا: ما تجب إضافته إلى الجمل:
أ- كلمة "حيث" وهي اسم مكان مبهم مبني على الضم، وتضاف لكل من الجملتين الاسمية والفعلية كما جاء في الأثر: "اجلس حيث انتهى بك المجلس"
_________________
(١) أروح وأغدو: أذهب وأعود. وموضع التمثيل في البيتين في قوله "حنانيك" فهي مصدر مثنى مفعول مطلق منصوب بالياء، وقد أضيف إلى ضمير المخاطب.
(٢) ضربا هذاذيك: ضربا متتابعا سريعا، طعنا وخضا: طعنا نافذا إلى الحشا، عاصي العروق: ما يسيل دائما حين يجرح ولا يتوقف كالشريان، النحض: اللحم. يقول: إنه ضرب سريع وطعن نافذ يقطع الشرايين ويخلط اللحم بالدم. الشاهد: في "هذاذيك" فهو من المصادر المثناة المضافة إلى ضمير المخاطب وهو مفعول مطلق لفعل محذوف من معناه تقديره "أسرع".
[ ٥٥٣ ]
ومن النصائح المفيدة "اذهبْ إلى الريف حيثُ الحياةُ طلقةٌ صافيةٌ مبهجةٌ".
وهذا هو الأصل، لكن وردت بعض الشواهد في اللغة على غير هذا الأصل، إذ أضيفت فيها "حيث" إلى المفرد إلى الجملة، وهذه الشواهد تُحمَل على أنها لغة الشعر الخاصة، ومن ذلك:
- قول الراجز:
أما تَرَى حيثُ سهَيْلٍ طَالِعَا … نجمًا يضيءُ كالشِّهابِ لَامِعَا (^١)
- قول الآخر:
ونطْعَنُهم حيثُ الكُلَى بعدَ ضربِهم … ببيض المَوَاضي حيثُ ليِّ العَمَائِمِ (^٢)
ب- كلمة "إذ" وهي اسم زمان للماضي مبني على السكون، وتضاف أيضا لكل من الجملتين الاسمية والفعلية، كقولك: "فرحتُ إذْ نجحت وإذ أصدقائي ناجحون أيضا".
وهنا ينبغي التنبه إلى فكرة مفيدة هي: أن كلمة "إذْ" ساكنة غير منونة فإذا نونت استغني عن الجملة التي تضاف إليها بالتنوين الذي يطلق عليه "تنوين
_________________
(١) سهيل: نجم معين، الشهاب: الشعلة. الشاهد: في "حيث سهيل" حيث أضيفت "حيث" إلى كلمة "سهيل" لا إلى جملة، وهذه لغة الشعر الخاصة، إذ المفروض أن تضاف إلى جملة.
(٢) الكلى: جمع كلية وهي معروفة، والمقصود بالطعن حيث الكلى: الطعن في الصدور والحشا، ببيض المواضي: بالسيوف القاطعة، حيث لي العمائم: حيث لف العمائم، ومكانه الرأس. يقول: إن طعننا بالرماح وضربنا بالسيوف كلاهما قاتل، فنحن نطعن في الصدور ونضرب على الرءوس. الشاهد: "حيث الكلى" في الشطر الأول، وأيضا "حيث ليّ العمائم" في الشطر الثاني وقد أضيفت "حيث" فيهما إلى كلمة لا إلى جملة وهذه لغة الشعر الخاصة.
[ ٥٥٤ ]
العوض" كقول القرآن: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (^١)، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (^٢).
ج- كلمة "إذا" وهي -كما سبق في أدوات الشرط- أداة شرط لما يستقبل من الزمان، وتضاف لجملة الشرط بعدها، ولا بد أن تكون جملة فعلية، ولا يصح أن تكون جملة اسمية، كقولك: "إذا تواضعتُ فعنْ قدرة، وإذا سكتُّ عن الكلام فلحكْمة" وجاء في القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (^٣).
ثالثا: ما تجب إضافته لاسم ظاهر أو مضمر
وهي ألفاظ أربعة ينبغي التعرف على معانيها وأمثلتها.
أ- كلمة "لدن" جاء في ابن عقيل: هي لابتداء غاية زمان أو مكان، وهي مبنية عند أكثر العرب ا. هـ.
والأكثر في استعمالها أن تكون مجرورة بالحرف "مِنْ" كما جاء في القرآن: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٤) وهي في الآية مضافة إلى الضمير، ومن إضافتها للاسم الظاهر قول الرّاجز يصف "الملاريا":
تنتَهضُ الرّعْدةُ في ظهيْري … منْ لَدُن الظُّهْرِ إلى العصيْرِ (^٥)
_________________
(١) من الآية ٤٨ سورة الواقعة.
(٢) من الآية ٤ سورة الزلزلة.
(٣) من الآية ٨٦ سورة النساء.
(٤) من الآية ٦٥ سورة الكهف.
(٥) يقول: إن رعشة الحمى تتحرك في ظهري من الظهر إلى العصر. الشاهد: في "من لدن الظهر" حيث جرت "لدن" بالحرف "من" وهذا هو الغالب فيها، وقد أضيفت إلى الاسم الظاهر بعدها.
[ ٥٥٥ ]
ب- كلمة "لَدَى" وهي مثل "لَدُنْ" في المعنى والإضافة، تقول: "أودعتُ أسراري لَدَى صديقي، فحفِظها، وصانها، وأفرغتُ لَدَيْه شكوايَ، فخفّفها، ووَاساها".
ج- كلمة "مَعَ" قال ابن هشام: هو اسم لمكان الاجتماع معرب ا. هـ. فهي إذن تدل على مكان الالتقاء والاجتماع في الصحبة، ومن العبارات الشائعة بيننا: "إن الله مع الصابرين" وأيضا: "اذهبُوا ومعكم السّلامة".
وهنا ملاحظة مفيدة هي: أن كلمة "مع" إذا كانت بمعنى "جميعا" فإنها لا تضاف بل تنون وتنصب على الحال، تماما مثل كلمة "جميعا" تقول: "أجادَ أفرادُ فريقِ الكرةِ معًا" ومن ذلك قول "متمم بن نويرة" يرثي أخاه "مالكا":
فلمَّا تفرّقنا كأنّي ومالكًا … لطولِ افتراقٍ لم نبتْ ليلةً مَعَا (^١)
ج- كلمة "قُصَارَى" جاء في القاموس: قُصَارَاكَ أي جهدك وغايتك ا. هـ.
تقول: "قصاراك أن تحيا سعيدًا" وأكثر ما تستخدم في نهاية كلام سابق، فتقول: "قُصَارَى القَوْلِ" ثم تأتي بملخص مفيد لما سبق من الكلام.
رابعا: ما يجب إضافته لمثنى ظاهر أو مضمر:
وذلك كلمتان "كِلَا، كِلْتَا" إذ يضافان لمثنى حقيقة، وهو الاسم
_________________
(١) يقول: حين مات أخي "مالك" وطال على موته الزمان، انتهى وانقضى كأنه ما عاش. الشاهد: في "معا" فهي بمعنى "جميعا" فتنصب على الحال ولا تضاف، ويلاحظ أن مضارع "بات" في قوله: "لم نبت" ليس ناسخا بل هو تام فيحتاج لفاعل هو الضمير المستتر.
[ ٥٥٦ ]
الظاهر المثنى، مثل ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (^١) أو مثنى في المعنى لا في الحقيقة وهو الضمير الدال على التثنية، مثل "كلاهما، كلتاهما" أو الضمير الذي يشمل المثنى وغيره، مثل "كلانا" ومن ذلك قول عبد الله بن الزبعرى:
إنّ للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ (^٢)
الأسماء التي تضاف أحيانا وما تضاف إليه:
الصنف الثاني المشابه للصنف السابق الملازم للإضافة، وهي بعض أسماء لا تلزم الإضافة دائما، لكنها إذا أضيفت التزم في المضاف إليه معها صفات خاصة، ومن البيّن أن الفرق بين الاثنين أن الصنف الأول يلازم الإضافة بخلاف ما سنذكره هنا، فإنه لا يلزم، ومن البيّن أيضا أنهما يتشابهان في حالة الإضافة في اشتراط صفات خاصة في "المضاف إليه" معهما، وإليك كلمات الصنف الثاني وشرح ما تضاف إليه:
أولا: بعض أسماء الزمان المبهمة مثل: "حين، وقت، زمان، يوم .. إلخ" وهذه حين تضاف يجب إضافتها إلى الجمل اسمية أو فعلية بشرط واحد هو "أن تبقى على إبهامها" فتعامل حينئذٍ معاملة الكلمتين "إذ، إذا" معنى واستعمالا، تقول: "ذهبتُ إلى المصيف زمنَ الجوُّ حارٌّ" أو "ذهبتُ إلى المشْتَى حينَ جاءَ الشِّتَاءُ" أو "يوم يتهيأ العربُ للوحدَةِ سيتحدون".
_________________
(١) من الآية ٣٣ سورة الكهف.
(٢) مدى: غاية، وجه: طريق وناحية، قبل: بفتح الباء: الحجة. الشاهد: في "وكلا ذلك" حيث أضيفت "كلا" إلى "ذلك" وهو مثنى في المعنى؛ لأنه إشارة إلى اثنين مرا في الشطر الأول هما "الخير، الشر".
[ ٥٥٧ ]
قال علماء النحو ﵏ وأسماء الزمان المبهمة حين تضاف للجملة فعلية أو اسمية يصح إعرابها، فتتغير على حسب ما تشغله من الوظائف النحوية، ويصح أيضًا أن تبنى على الفتح، فلا يتغير شكلها في التركيب الذي وردت فيه كقولنا: "ليتنا امتلكنا حرّيتنا من وقت قامت الثورةُ العرابيَّةُ في القرن الماضي" فيصح أن تشكل كلمة "وقت" بالكسر إعرابا، ويصح أن تشكل بالفتح بناء.
هذا هو الأصل في إعراب أسماء الزمان المبهمة حين الإضافة، والتفصيل في الترجيح بين الإعراب والبناء أيهما هو الأحسن على الوجه التالي:
أ- يترجح بناء الاسم المبهم على الفتح إذا كانت الجملة التي "أضيفت إليه" جملة فعلية فعلها ماضٍ -وهو مبني كما نعرف- أو فعلية فعلها مضارع مبني أيضا، حينئذٍ يكون بناء المبهم أحسن حيث يتوافق مع ما أضيف إليه ومن ذلك:
- قول النابغة:
عَلَى حين عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا … فقلتُ ألمَّا تصحُ، والشيبُ وازعُ (^١)
- قول الآخر:
_________________
(١) الصبا: "بكسر الصاد" الميل إلى الشهوات والرغبات، وازع: ناهٍ وزاجر ومانع. الشاهد: في "على حين عاتبت المشيب" فإن كلمة "حين" اسم زمان مبهم وبعده جملة فعلية فعلها ماضٍ هي "عاتبت المشيب" وقد أضيفت إليه، وقد رويت كلمة "حين" بالفتح على البناء -وهو الأحسن- كما رويت بالكسر مجرورة معربة.
[ ٥٥٨ ]
لأجْتَذِبَنْ منهنَّ قلبي تَحَلُّمًا … على حين يستصبِينَ كلَّ حَليمِ (^١)
فقد رويت كلمة "حين" في كلا البيتين بالفتح على البناء -وهو أحسن- وبالكسر على الإعراب وهو مرجوح.
ب- ترجح إعراب الاسم المبهم على بنائه على الفتح، وذلك إذا أضيف إلى جملة فعلية فعلها مضارع معرب -مضارع غير متصل بالنونين- أو أضيف إلى جملة اسمية، حينئذٍ يكون الإعراب أحسن ليتوافق مع ما أضيف إليه.
- جاء في القرآن: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (^٢).
قرئت الآية بضم كلمة "يوم" على الإعراب -وهو أحسن- وبفتحها على البناء وهو مرجوح.
- يقول الشاعر:
تذكَّرَ ما تذكّرَ من سُلَيْمى … على حين التّواصلُ غيرُ دَانِي (^٣)
_________________
(١) لأجتذبن: لأنزعن بعنف، تحلما: تكلفا للحلم وإظهارا له، يستصبين: يستملن. يقول: سأحاول الانصراف عن النساء الفاتنات مظهرا الحلم والهدوء وإن كن أقوى من كل حلم وهدوء. الشاهد: في "على حين يستصبين" فإن كلمة "حين" من أسماء الزمان المبهمة، وأضيف إليها جملة "يستصبين" وهي جملة فعلية مضارع مبني، وقد رويت كلمة "حين" بالفتح على البناء -وهو الأفصح- وبالكسر مجرورة معربة.
(٢) من الآية ١١٩ سورة "المائدة".
(٣) غير داني: غير قريب بل بعيد. الشاهد: في "على حين التواصل غير داني" فإن كلمة "حين" من أسماء الزمان المبهمة وقد أضيفت إليها جملة اسمية هي "التواصل غير داني" وقد رويت كلمة "حين" بالكسرة إعرابا -وهو الأحسن- كما رويت بالفتح بناء.
[ ٥٥٩ ]
روي البيت بالوجهين في كلمة "حين" بالكسر على الإعراب -وهو أحسن- وبالفتح على البناء وهو مرجوح.
وخلاصة الأمر في اسم الزمان المبهم حين الإضافة ما يلي:
أنه يضاف للجملة، والأفصح أن يتوافق بناء وإعرابا مع الجملة التي أضيفت إليه، فيبنى على الفتح إذا كانت الجملة فعلية فعلها ماضٍ أو مضارع مبني، ويعرب إذا كانت الجملة فعلية فعلها مضارع معرب أو كانت الجملة اسمية.
ثانيا: بعض أسماء المكان المبهمة مثل "قبل، بعد، أوّل، دون، أسماء الجهات الست، عَلُ، غير في قولنا: ليس غير" وهذه الأسماء حين تضاف يجب إضافتها للمفرد سواء أكان ظاهرا أو مضمرا ا. هـ يقال في المثل: "الرّفيق قبلَ الطريق" ويقال أيضا: "رُبَّ صداقةٍ بعد عداوة" وأيضا: "أوّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثم ينْهَمِرُ".
هذا، والكلمات السابقة تأتي في اللغة على الصور الثلاث التالية:
الأولى: أن تكون منونة، وهي حينئذٍ نكرة ومعربة، كقولنا: "اللهُ موجودٌ من قبْلٍ ومن بَعدٍ" فهو "قَبْلٌ" بلا بداية وهو "بَعْدٌ" بلا نهاية، ومن ذلك قول يزيد بن الصّعق:
فَسَاغَ ليَ الشَّرابُ وكنتُ قَبْلًا … أكادُ أغَصُّ بالماءِ الحميمِ (^١)
_________________
(١) ساغ: حل وعذب، الشراب: مطلق ما يشرب، والمقصود هنا الخمر، وكانوا يحرمونها إذا كان لهم ثأر، أغص: أصله وقوف الماء في الحلق، والمراد هنا التعبير عن حزنه وكربه فيفقد شهيته، فلا يجد لشيء مذاقا ولا عذوبة حتى الماء. الشاهد: في "كنت قبلا" حيث استعمل اسم المكان المبهم بالتنوين فهو نكرة معربة.
[ ٥٦٠ ]
الثانية: أن تكون هذه الكلمات مضافة، فتعرب أيضا بحسب ما تشغله من الوظائف النحوية، كقولك: "أخذتُ مكاني في المدرّج قبلَ دخولِ الأستاذ" أو: "قمتُ نشيطا بعدَ نومٍ هنِيء".
الثالثة: أن تكون غير منونة وغير مضافة، وهي حينئذٍ معرفة، إذ تدل -بهذه الصورة- على "قبل شيء معين" أو "بعد شيء معين" أو "أوّل شيء معروف" وهكذا، ولعلماء النحو في شكل آخرها اتجاهان:
أ- ضم آخرها دائما، وهي مبنية تلزم هذا الضم ولا تتغير، كقولك: "كُنتُ على وشْك دخول الكلية، ولكنْ رجعتُ من قبلُ" أو: "حين تأتي الساعةُ الثامنةُ الليلةَ سأحضرُ إليك بعدُ"، ومن ذلك قول معن بن أوس:
لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإني لأوْجَلُ … على أيِّنا تَعْدُو المنيّةُ أوّل (^١)
ب- أن تشكل بحسب ما تشغله من وظائف النحو، فتتغير، وهي حينئذٍ معربة، كقولنا: "إن شاء الله ستحرر قواتنا سيناء، فتأتيها من شمالِ وجنوبِ وأمامِ وخلف" ومن ذلك:
_________________
(١) لأوجل: لأخاف، تعدو المنية: يهجم الموت. الشاهد: في "أول" فقد جاءت غير منونة وغير مضافة، وهي اسم مكان مبهم بني على الضم.
[ ٥٦١ ]
قول الشاعر:
ومن قبلِ نادى كلُّ مَوْلى قَرَابَةً … فما عطفتْ مَوْلى عليه العواطفُ (^١)
وخلاصة الأمر في أسماء المكان المبهمة ما يلي:
تستعمل هذه الكلمات منونة فتعرب، وتستعمل مضافة -لاسم ظاهر أو مضمر- فتعرب أيضًا، وتستعمل غير منونة وغير مضافة، فيصح فيها الإعراب والبناء.
وبناء على ذلك يمكن توجيه الآتي:
- قرئ قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بكسر الكلمتين مع التنوين -وبالكسر دون تنوين- وبالضم دون تنوين.
- حكى أبو على الفارسي: "ابدأْ بذا من أوّل" بضم اللام وفتحها وكسرها في "أوّل".
- ما روي من قولهم: "قبضت عشرة ليس غيرُ" بضم "غير" دون تنوين على أنها اسم "ليس" أو خبرها.
_________________
(١) كل مولى: كل قريب، فما عطفت مولى عليه العواطف: ما أجابه ولا نصره قريب. يقول: حين نزلت الشدة، نادى كل قريب أقرباءه، فما سمعوه ولا أجابوه؛ لاشتغال كل منهم بنفسه. الشاهد: في "من قبل" فقد استعملت غير منونة وغير مضافة، وهي اسم مكان مبهم، أعربت وهي مجرورة بالكسرة.
[ ٥٦٢ ]
أساليب التعجب السماعية والقياسية:
١ - المقصود بالتعجب لدي اللغويين والنحاة.
٢ - أساليب التعجب السماعية "المقصود بها، نماذج منها".
٣ - ما يدل على التعجب يأتي على صيغتين هما:
أ- ما أفْعَلَه.
ب- أفْعِل به.
٤ - الصلة بين فعل التعجب والمتعجب منه، ومتى يصح الفصل بينهما.
التعجب لدي اللغويين والنحاة:
نسمع الناس في حياتنا العادية يرددون في مواقف خاصة قولهم "إذا عرف السبب بطل العجب" ومفهوم هذه العبارة بالطبع أن العجب دهشة تثير فضول الناس لأمر غريب عليهم إذا كان السبب في هذه الغرابة غير معلوم ولا مفهوم، فموقف التعجب لدى الرجل العادي يتحقق إذا توفرت ظروف هي: غرابة في أمر من الأمور مع جهل السبب بهذه الغرابة، حينئذٍ تتحقق الدهشة التي قد يصحبها التعبير عنها بالصفير أو المصمصة أو الكلام.
ولعلنا بذلك نفهم ما يقوله اللغويون عن "التعجب" إذ يعرفونه بقولهم: انفعال ما يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ا. هـ. فهذا الانفعال النفسي -حتى بدون ألفاظ- يطلق عليه أنه "تعجب" لدى اللغويين.
أما النحاة فعرفوا التعجب بقولهم: استعظام زيادة في وصف المتعجب منه تفرد بها عن أمثاله أو قلَّ نظيره فيها وقد خفي سببها، مع التعبير عن ذلك بكلام يدل على الدهشة والاستغراب ا. هـ.
[ ٥٦٣ ]
فالنحاة في ذلك يتفقون مع استعمال التعجب في حياتنا العادية ومع ما رآه اللغويون عنه من حيث وجود الأمر الغريب الذي خفيت أسباب غرابته، لكنهم يتفردون بتخصيص التعجب بنطق كلامي يدل على الدهشة والاستغراب ويقصدون بذلك صيغ التعجب التي ستأتي تفصيلا، فالتعجب لا يتحقق لدى النحويين إلا بهذا النطق، كقولنا: "ما أرْوَعَ العِلْمَ في عصرنا".
أساليب التعجب السماعية:
يقصد بها تلك الأساليب التي هي أصلا لغير التعجب، ثم تدل عليه بالاستعمال المجازي، فالألفاظ المنطوقة لهذه الأساليب لا علاقة لها بالتعجب فهي مستعملة في اللغة لغيره، ومعاني هذه الألفاظ في الأصل لا يفهم منها التعجب، لكنها دلت عليه دلالة عارضة عن طريق المجاز وظروف النطق.
من تلك الأسباب التي وردت عن العرب ما يلي:
- قول القرآن: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ فكلمة "كيف" أصلا بلفظها ومعناها للاستفهام، ولكنها دلت على التعجب دلالة عارضة على سبيل المجاز، ومثل ذلك كل استفهام دلَّ على التعجب.
- قول الرسول: "سبحانَ الله!! إنّ المؤمنَ لا يَنْجَسُ حيًّا ولا ميّتًا".
فسبحان الله: بلفظها ومعناها للدعاء والعبادة، ثم استخدمت في التعجب على غير الأصل.
- قول عمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب: "لله درُّ ابن حَنْتَمة أيّ رجل كان!! ".
[ ٥٦٤ ]
جاء في القاموس: لله دره: أي عمله، ونسبة العمل لله لا تدل أصلا على التعجب، ولكنها دلت عليه -في هذا الموقف- عن طريق المجاز.
- ما ورد من قول العرب: "لله أنتَ من رجل!! " فنسبة المخاطب لله لا تدل على التعجب، لكن لورود هذا الأسلوب غالبا في مواقف الإعجاب والدهشة أفاد معنى التعجب.
صيغ التعجب القياسية:
يقصد بها تلك الصيغ التي تدل بلفظها ومعناها على التعجب، فهي بلفظها معدَّة لذلك صرفيا، وهي بمعناها تدل على التعجب، وهكذا استعملتها اللغة.
والصيغ القياسية اثنتان هما:
أ- ما أفْعَلَه: مثل "ما أعْظَمَ شَعْبَنَا وما أرْوَعَه عند الخطوب وما أوْفَاهُ للمخلصين من أبنائه".
ب- أفْعِلْ بِهِ: مثل "أكْرِمْ برجالِ شعبِنا وأهْوِنْ بالخطوب مع عزمَاتهم".
وإليك تفصيل الحديث عن هاتين الصيغتين:
ما أفْعَلَه:
تتكون هذه الصيغة من أمور ثلاثة هي ما + فعل التعجب + المتعجب، وفي كل واحد من الثلاثة حديث طويل يمكن تقريبه بما يلي:
أ- ما: نكرة بمعنى "شيء عظيم" فهي إذن في قوة الموصوفة، ولذلك صح الابتداء بها، فهي إذن مبتدأ، وهذا الرأي السابق أشهر الآراء فيها.
ب- فعل التعجب: وهو فعل ماضٍ جامد لا يتصرف مثل "ليس، عسى" إذ تدخل عليه نون الوقاية فتقول: "ما أحْوَجَني إلى الإخلاص، وما أفْقَرَنِي
[ ٥٦٥ ]
إلى عفو الله" وفيه ضمير مستتر يعود على "ما" أداة التعجب، والجملة كلها خبر "ما"، وهذا الرأي السابق أشهر ما قيل عن الفعل، بصرف النظر عمن قالوا باسميّته.
ج- المتعجب منه: وهو الاسم المنصوب الذي يأتي بعد فعل التعجب وهو منصوب على أنه مفعول به مكمل للجملة الفعلية الواقعة خبرا، وهذا أيضا أشهر الآراء فيه.
نقول: "ما أسْهَلَ النَّحْوَ حين يُشْرَحُ وما أصْعَبَه مع غُموضِ معناه" ونقول أيضا: "ما أجْمَلَ الحلمَ مع المهذّب الكريم وما أقْبَحَ الضعفَ مع السّفيه اللئيم".
أفعل به:
تتكون أيضا من أمور ثلاثة هي فعل التعجب + الباء + المتعجب منه.
أ- فعل التعجب: يصفه المعربون بقولهم: "فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر" وهي عبارة غريبة!! فكأنما هذا الفعل في التقدير ماضٍ، وفي الصورة فعل أمر، ويترتب على ذلك أمران:
أولهما: أن يعرب هو نفسه على أنه فعل أمر.
ثانيهما: أن يعرب ما بعده على تقدير أنه فعل ماضٍ.
ب- الباء حرف جر زائد، فالاسم الذي بعدها مجرور بها لفظًا، لكنه فاعل تقديرًا.
ج- المتعجب منه: يجر بالباء لفظا، لكنه فاعل في التقدير لفعل التعجب باعتباره فعلا ماضيا في التقدير أيضا.
هكذا حُلِّلَت هذه الصيغة هذا التحليل الغريب، ومع ذلك فإنه هو
[ ٥٦٦ ]
الاتجاه المشهور بين النحاة والمعربين في تحليلها، بصرف النظر عن اتجاهات أخرى لا داعي لذكرها، فلنتأمل الآتي:
جملة التعجب … أصلها تقديرا
أصْدِقْ بكلامِ الرَّسول في شئون الحياة … أصْدقَ كلامُ الرسولِ في شئون الحياة
أعذِبْ بالقرآنِ أدبًا وتهذيبًا … أعْذَبَ القرآنُ أدبًا وتهذيبًا
أعْظِمْ بالعلمِ في العصر الحديث نفعًا … أعْظَمَ العلمُ في العصر الحديثِ نفعًا
ويقال: إن الهمزة في الأفعال الماضية "أصْدَقَ، أعْذَبَ، أعْظَمَ" للصيرورة، فمعنى "أصْدَقَ كلامُ الرسول" أنه "صار ذا صدق عظيم" ثم حُوّل للأمر، وزيدت معه "الباء"، وكذا الباقي ا. هـ.
الصلة بين أجزاء صيغتي التعجب:
الأصل في صيغتي التعجب مجيئهما على الترتيب الذي سبق شرحه، فلا يتقدم عليهما معمولهما، كما لا يصح أن يفصل شيء بين مكونات جملة التعجب بترتيبها السابق، وبعبارة أقرب: لا يفعل شيء بين "ما" وفعل التعجب، ولا بين فعل التعجب والمتعجب منه.
هذا هو الأصل، لكن استدركت عليه أمور ثلاثة هي:
أ- جواز الفصل بين "ما" وفعل التعجب "بكان الزائدة" تقول: "ما كانَ أصْبرَ الرسولَ على أَذَى المشركين، وما كانَ أثبَتَ المسلمين على عقيدتهم مع هذا الأذى" وتقول: "ما كان أتْعَسَ شعبنا غداة الهزيمة، وما كان أقواهُ إذ تماسك من جديد".
ب- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالجار والمجرور، ومن ذلك:
- قول العرب: ما أحسنَ بالرّجُل أن يصدُقَ، وما أقبحَ بِه أنْ يكْذبَ.
[ ٥٦٧ ]
- قول عمرو بن مَعْدِ يكربَ عن بني سُلَيم: لله دَرَّ بني سُلَيْم ما أحسن في الهيْجَاءِ لقاءها، وأكرم في اللّزَبَاتِ عطاءها، وأثبتَ في المكرماتِ بقاءها.
- قول الشاعر:
خليليّ ما أحْرى بذي اللُّبّ أنْ يُرى … صبُورا ولكنْ لا سبيل إلى الصّبر (^١)
ج- جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه بالظرف، تقول: "ما أثبتَ لحظةَ الهوْل المؤمنَ وما أجبنَ ساعة اللقاء المنافقَ"، ومن ذلك قول معن بن أوس:
أقيمُ بدار الحزْم ما دام حزمُها … وأحْرِ إذا حالتْ بأن أتحوَّلا (^٢)
ملاحظة مهمة: صياغة "التعجب" من الأفعال مبحث صرفيّ، ومع ذلك سيأتي في "اسم التفضيل" إذ يتفقان في شروط تلك الصياغة "انظر ص (٦٨٠) " مع ملاحظة اختلاف التعجب عن التفضيل.
_________________
(١) ما أحرى: ما أجدر وما أحق، بذي اللب: بذي العقل. يقول: من اللائق بذي العقل أن يتصف بالصبر، فهذا مطلوب حقا لكن لا سبيل إليه. الشاهد: في "ما أحرى بذي اللب أن يرى صبورا" حيث فصل بين فعل التعجب "أحرى" والمتعجب منه وهو المصدر المؤول من "أن يرى صبورا" الجار والمجرور "بذي اللب"، وهذا جائز نحويا.
(٢) بدار الحزم: "الحزم" الحكمة، ودار الحزم المكان الطيب الصالح، وأحر: أجدر، إذا حالت: إذا تغيرت وصارت الإقامة فيها عناء، بأن أتحولا: أن أتركها وأرحل عنها. يقول: إنني أقيم بالمكان الصالح الطيب، فإذا تغير وضاق به الرزق، فالجدير بالمرء أن يتركه ويرحل عنه. الشاهد: في "أحر، إذا حالت، بأن أتحولا" حيث جاء فعل التعجب "أحر" والمتعجب منه "بأن أتحولا"، وفصل بينهما الظرف "إذا".
[ ٥٦٨ ]
التوابع الخمسة:
تمهيد:
تكاد كتب النحو الكبرى تتفق في تعريف "التابع" على عبارة واحدة هي "التابع هو الاسم المشارك لما قبله في إعرابه الحاصِل والمتجدِّد وليس خبرا ا. هـ".
والإعراب "الحاصل" يقصد به الإعراب الموجود فعلا في الجملة -أي جملة- وفيها يشارك التابع متبوعه رفعا أو نصبا أو جرا، وربما أيضا تبعه في الجزم إذا كان المتبوع فعلا، وهو قليل.
نقول: "المجتمعُ المتحضرُ يرَاعِي الضميرَ الوازعَ قبل القانونِ الرَّادعِ" فمن الملاحظ أن الكلمات "المتحضر، الوازع، الرادع" تتبع ما قبلها في الإعراب، الأولى تبعته رفعا، والثانية تبعته نصبا، والثالثة تبعته جرًّا.
ويقصد "بالمتجدِّد" ما إذا تغيرت الجملة، فتغيرت وظائف الكلمات المتبوعة فيها، حينئذٍ تتغير أيضا وظائف الكلمات التابعة لها، فإذا غيرنا الجملة السابقة فقلنا: "إنّ المجتمعَ المتحضرَ يُراعَى فيه الضميرُ الوازعُ سابقًا القانونَ الرادعَ" فإنه يلاحظ تغير التوابع في إعرابها بعد أن تجدد إعراب المتبوعات في الجملة الجديدة.
ويبقى هذا القيد الأخير "ليس خبرا" ويقصد به صورة واحدة من صور الخبر هي "الأخبار المتعددة" فنحن نقول مثلا: "عصرنا علْمٌ عملٌ قوّةٌ" فالأخبار المتتالية متفقة في الإعراب، فلو غيرنا الجملة اتفقت في الإعراب.
[ ٥٦٩ ]
أيضا، فنقول: "أصبح عصرُنا علْمًا عملًا قوّةً" كلها أيضا منصوبة، ومع ذلك لا يعتبر الثاني أو الثالث منها من التوابع مع أنه يتبع ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد، لأنه خبر، ومشروط في التابع ألا يكون خبرًا.
هذا، ومما يعرض له النحاة في حديث التوابع البحث عن العامل فيها كما هو الشأن في بحثهم عن عوامل كل الوظائف النحوية، ويختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، وهو موضوع غير مفيد نحويا، لكنه صورة ذهنية لمشاكل العامل وفلسفته في النحو، فليكن العامل في المتبوع هو العامل التابع، أو فليكن العامل في التابع معنويا، أو فليكن العامل محذوفا مماثلا للمذكور المتبوع، فكل ذلك لا يفيد شيئا، والمفيد حقا أن يذكر أن التابع يماثل ما تبعه في إعرابه، وهذا يكفي.
والتوابع خمسة هي:
١ - النعت = الصفة: كقولنا: مصاحبةُ الأشرارِ المنحرفين تُورثُ سوء الظن بالأبرارِ المستقيمين.
٢ - التوكيد: كقول القرآن: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
٣ - عطف البيان: كقولنا: من مفاخر الإسلام عهدُ الصديقِ أبي بكر والفاروقِ عمر.
٤ - عطف النسق: كقولنا: التوابع هي النعتُ والتوكيدُ والبيانُ والنسقُ والبدلُ.
٥ - البدل: كقولنا: يحترم المجتمع المرأةَ تعليمَها وأخلاقَها.
[ ٥٧٠ ]
النعت "الصفة":
١ - معنى النعت لدى اللغويين والنحاة، وما يفيده للمنعوت من معانٍ نحوية وبلاغية.
٢ - المقصود بالمصطلحين النحويين "النعت الحقيقي، النعت السببي" وكيفية مطابقتهما للمنعوت.
٣ - ما ينعت به هو "المشتق، ما يشبه المشتق، المصدر، الجملة، شبه الجملة".
٤ - قطع النعت عن المنعوت "معناه، الأسلوب الذي يرد فيه".
- حذف كل من النعت أو المنعوت.
معني النعت:
اختار النحاة كلمة "النعت" دون "الصفة" وإن كان كلاهما بمعنى واحد في اللغة، فقد جاء في أساس البلاغة: هو منعوت بالكرم وبخصال الخير، ومن كلام العرب: هو حُرُّ المنابِت حسَنُ المناعت، أي: طيّب الأصل حسن الصفات.
فالغالب على تعبير النحاة أن يقولوا: "النعت والمنعوت" وتساوي تماما: "الصفة والموصوف" لكن المعربين -وبخاصة المبتدئين- على العكس من ذلك، إذ الغالب عليهم أن يستعملوا الصفة والموصوف، ويقل في كلامهم أن يستعملوا النعت والمنعوت.
أما لدى النحاة فقد اختلفت الألفاظ التي تحدد النعت، وإن تلاقت جميعها في النهاية على معنى واحد، والذي يستخلص من مجموع كلامهم أن النعت يمكن تحديده بما يلي:
[ ٥٧١ ]
هو الاسم المشتق أو المؤول بالمشتق الذي يكمل به المنعوت ببيان صفة من صفاته أو من صفات اسم آخر له صلة بالمنعوت ا. هـ.
فالذي يجب أن يتوافر للنعت إذن هو الصفات التالية:
أ- أن يكون مشتقا أو مؤولا بالمشتق -سيأتي بيانهما- كما تقول: "أنا إنسانٌ مُعتَزٌّ بعروبته، قد أكونُ مُواطِنًا مصريًّا، لكنني أتكلم لغةً عربيةً، وأعيشُ فوق أرض عربيةٍ".
ب- أن يكمل به المنعوت، والمقصود بذلك أن يكون تابعا له، فيتكامل معناهما، فالمنعوت في حاجة إليه، وهو متمم لمعناه، كما تقول "ذاكرتُ مذاكرةً جيدةً بنفسٍ راضيةٍ وعقلٍ متفتحٍ".
ج- أن يدل على صفة في المنعوت -وهذا هو الأصل في النعت- أو صفة لاسم آخر يأتي بعده له صلة بالمنعوت، فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
انتبه الطَّالبُ المتفتِّحُ، انتبه الطالبُ المتفتِّحُ عقلُه.
دخلتُ حديقةً مزهرةً، دخلت حديقةً مزهرةً أشجارُها.
المعاني النحوية والبلاغية التي يفيدها النعت:
عبارة واحدة تحدد ما يفيده النعت نحويا هي "النعت يوضح المعارف ويخصص النكرات" فالنعت إذن يفيد أحد أمرين:
الأول: توضيح المعارف: فإذا كان المنعوت معرفة، كانت مهمة النعت أن يجلوَه أكثر لنا، تقول "شوقي الشاعرُ لُقِّبَ بأمير الشعراء سنة ١٩٢٧" أو "العقادُ الكاتبُ مفكِّرٌ عظيم أجاد كتابةَ العبقرياتِ الإسلامية".
الثاني: تخصيص النكرات: فإذا كان المنعوت نكرة، كانت مهمة النعت تخصيصه، بمعنى التقليل من إبهامه، وتقريبه نوعا ما من الوضوح، كقولنا "يحتاج العلم إلى قلب مفتوح وعقل متفتح".
[ ٥٧٢ ]
فالغرضان السابقان يفيدهما النعت نحويًّا، ولا يخلو أسلوب من أساليبه من واحد منهما، ومع ذلك فإنه يفيد معاني أُخَر إلى جوارهما وهي معانٍ بلاغية لا نحوية، وهي كثيرة يحددها أسلوب الكلام الذي وردت فيه وإليك بعض هذه المعاني بصرف النظر عن الخلاف حول عددها، فهو خلاف لا طائل وراءه؛ لأنها -كما سبق- معانٍ بلاغية أسلوبية، ومنها:
١ - المدح: كقولك: "لي صديقٌ كريمُ النفس طيّبُ الأخلاق".
٢ - الذم: كقولك: "أحتقرُ الضَّيفَ الثقيل والزائرَ المطيل والمضيف البخيل" ومن ذلك قولنا في بداية القراءة: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
٣ - الترحم والاستعطاف: كقول المحامي في موقف القضاء: "انظروا إلى هذا المتَّهمِ المظلومِ، فإنه أبٌ لأبناءٍ مساكينَ".
٤ - التوكيد: إذا كان معنى النعت مستفادا من المنعوت، كقول العرب: "أمْسِ الدابرُ المنقضي زمانُه لا يعود" وقول القرآن: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
٥ - التعميم: كقولنا: "تُطَبّقُ العدالةُ على الناسِ الفقراءِ والأغنياءِ الصغيرِ منهم والكبير" ومن ذلك ما ورد في الأثر: "إن الله يرزقُ عبادَه الطائعين والعاصين الساعيةَ أقدامُهم الساكنةَ أجسامُهم".
٦ - التفصيل: كقولك: "زارني صديقان قاهريٌّ وريفي" أو: "قرأت كتابين نحويًّا وأدبيًّا".
إلى غير ذلك من الأغراض، وهي كثيرة تعرف من سياق الكلام الذي وردت فيه.
النعت الحقيقي والنعت السببي:
"الحقيقي والسببي" مصطلحان نحويان مشهوران ينسبان لباب النعت
[ ٥٧٣ ]
يصفان الصورتين اللتين يرد عليهما النعت في اللغة العربية، وكل منهما في حاجة إلى فهم أمور ثلاثة عنه هي:
أ- المقصود بهذه التسمية، وبعبارة أخرى: لماذا سمي الأول حقيقيا والثاني سببيًّا.
ب- تصور النحاة لهما، أو بعبارة أخرى: تحديد النحاة لكلتا الصورتين.
ج- صفات التطابق النحوية التي ينبغي أن تصحب كل واحدة من الصورتين، وذلك بالتوضيح التالي:
النعت الحقيقي:
الإجازةُ فرصةٌ طيبةٌ لراحةِ الجسمِ المجهدِ والعقلِ المكدودِ.
والحياةُ فرصةٌ فريدةٌ للعملِ النافعِ والعيشِ المريحِ.
يسمي هذا النعت "حقيقيا"؛ لأنه بالنسبة للمنعوت صفة حقيقية له من حيث المعنى ومن حيث اللفظ، ولنتأمل في الأمثلة السابقة "فرصة طيبة، الجسم المجهد، العقل المكدود، العمل النافع، العيش المريح" حيث نجد الكلمة الثانية أدت مهمة النعت للكلمة التي سبقتها سواء أكان ذلك من حيث المعنى أم اللفظ، وقد جاء في تنقيح الأزهرية توضيح ذلك بما يلي: "سمي هذا النعت حقيقيا لجريانه على المنعوت لفظا ومعنى، أما لفظا؛ فلأنه تابع له في إعرابه، وأما معنى؛ فلأنه نفسه في المعنى"ا. هـ.
لذلك: حدد النحاة هذا النعت بتعريفات متعددة يجمعها كلها الآتي:
النعت الحقيقي: هو ما اتجه لمتبوعه السابق عليه في المعنى وفي اللفظ فهو من حيث المعنى قد أفاد صفة للمتبوع السابق، ومن حيث اللفظ يتبعه في الإعراب وأحوال التطابق الأخرى، فمن كلام الرسول: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ
[ ٥٧٤ ]
وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ" ونقول: "القوةُ الجاهلةُ حماقةٌ مهلكَةٌ والقوةُ العاقلةُ شجاعةٌ مفيدةٌ".
فالصلة إذن في هذه الصورة بين النعت والمنعوت صلة قوية جدا، ومن أجل ذلك يجب التطابق التام بينهما، بأن يتفق مع المنعوت السابق عليه في الآتي:
أ- أوْجُه الإعراب، الرفع والنصب والجر.
ب- التعريف والتنكير.
ج- الإفراد والتثنية والجمع.
د- التذكير والتأنيث.
فهذه صفات عشر يحمل النعت ومنعوته أربعا منها في كل مثال، حيث يتطابقان تماما في هذه الأربعة، فلنطبق ذلك على الأمثلة التالية:
الصديقُ الوفيُّ خيرٌ من أخٍ شقيقٍ.
الصديقان الوفيّان خيرٌ من أخوين شقيقين.
إن الأصدقاءَ الأوفياءَ خيرٌ من الإخوةِ الأشقاءِ.
الصديقةُ الوفيةُ خيرٌ من أختٍ شقيقةٍ.
ولعلّنا بعد هذا الشرح السابق نفهم تلك العبارة المشهورة بين المشتغلين بالنحو -والمعربين منهم خاصة- عن النعت الحقيقي وهي: "يتبع النعت الحقيقي منعوته في أربعة من عشرة" ويقصدون بذلك أنه يتفق معه في واحد من أوجه الإعراب الثلاثة، وفي واحد من التعريف أو التنكير، وفي واحد من الإفراد أو التثنية أو الجمع، وفي واحد من التذكير أو التأنيث، فيجتمع فيه في وقت واحد أربع صفات من عشر، وهكذا هو دائما.
[ ٥٧٥ ]
النعت السببي:
وَيْلٌ لأمَّةِ سائدٍ جُهَّالُها متحكِّمٍ فيها سفهاؤُها.
وَوَيْلٌ لشعبٍ صامتٍ عقلاؤُه متسلطةٍ عليه أهواؤُه.
يسمى هذا النعت "سببيا" لأنه في الحقيقة وواقع الأمر ليس تابعا للاسم السابق عليه من حيث المعنى، فهو لا يتجه إليه، وإنما يتجه للاسم الذي يأتي بعده، ففي الأمثلة السابقة مثلا يلاحظ أن "السيادة" متجهة للجهال لا للأمة، وأن "التحكم" متجه للسفهاء لا للأمة أيضا، وكذلك "الصمت" للعقلاء لا للشعب، ومثله "التسلط" للأهواء لا للشعب.
فهذه الصورة إذن -بهذا الاعتبار- خارجة عن مفهوم التوابع لولا أن الاسم المتأخر الذي يتجه إليه الوصف يحمل ضمير الاسم السابق على الوصف كما يلاحظ في "جهالها، سفهاؤها، عقلاؤه، أهواؤه"، فهذا الضمير إذن صلة بين المتبوع والمتقدم والموصوف الحقيقي -إنه سفير بينهما- وأدى بالتالي إلى وجود صلة بين الوصف والمتبوع المتقدم، فهو إذن سبب اعتبار هذه الصورة في اللغة من باب النعت، وأطلق عليها النحاة اسم "النعت السببي" بسبب هذا الضمير.
وقد عرف النحاة هذه الصورة من صور النعت تعريفات متعددة يمكن توضيحها بما يلي:
النعت السببي: ما اتجه من حيث المعني لوصف اسم ظاهر بعده مرفوع واتجه من حيث اللفظ إلى المتبوع السابق عليه، ووجدت الصلة بين المتبوع المتقدم والموصوف المتأخر بضمير يحمله الاسم اللاحق.
[ ٥٧٦ ]
فلنلاحظ الأمثلة التالية:
- يحترمُ الناسُ كلَّ فتاةٍ متينةٍ أخلاقُها
فتاة: متبوع متقدم
متينة: نعت سببي
أخلاقُها: مرفوع متأخر بالنعت وفيه ضمير المتبوع
- فهم يُقبلون على الفتاةِ الشريفِ اسمُها
الفتاة: متبوع متقدم
الشريف: نعت سببي للفتاة
اسمها: مرفوع متأخر بالنعت، وفيه ضمير المتبوع
- ويعرضون عن الأخرى السيّئةِ سمعتها
الأخرى: المتبوع المتقدم
السيئة: نعت للأخرى
سمعتها: مرفوع بالنعت، ويحمل ضميرا يعود إلى كلمة "الأخرى"
فالنعت السببي -كما سبقه فهمه- يتنازعه المتبوع السابق عليه والمرفوع به اللاحق له من حيث اللفظ والمعنى، فكيف يكون موقفه من حيث أحوال التطابق العشرة السابقة في النعت الحقيقي؟؟
لقد روعي كلا الجانبين في هذا النعت من حيث أحوال التطابق على التفصيل التالي:
أ- يراعى جانب المتبوع السابق في أحوال الإعراب الثلاثة، وفي التعريف والتنكير، فيجب حينئذٍ أن يطابقه في الإعراب، وفي التعريف والتنكير.
[ ٥٧٧ ]
ب- يراعى جانب الاسم المرفوع به اللاحق في الأمور الخمسة الباقية وهي الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فيعامل النعت حينئذٍ باعتباره عاملا رفع الاسم الظاهر بعده "راجع باب الفاعل" فيبقى دائما مفردا فلا يثنى أو يجمع -كما هو شأن الفعل مع الفاعل في اللغة الفصحى- ويذكر أو يؤنث بحسب التفصيل الذي مر في باب الفاعل، فلنطبق ذلك على ما يلي:
- قول القرآن: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^١).
- قول الشاعر:
لَحَا اللهُ وَفْدَيْنَا وما ارتَحَلَا بِهِ … من السَّوْءَةِ البَاقِي عليهم وَبَالُها (^٢)
هذا: وقد وضع النحاة علامة يمكن بواسطتها التفريق بين الصورتين السابقتين للنعت قالوا:
النعت الحقيقي: ما رفع ضميرا مستترا يعود إلى المنعوت، نحو "جاء محمد العاقل".
_________________
(١) من الآية ٧٥ من سورة "النساء".
(٢) لحا الله: جاء في القاموس "لحاه يلحوه" شتمه، وهذه الجملة تستعمل في الدعاء على المخاطب بالسب واللعن، السوءة: النقيصة والخزي، وبالها هلاكها. المعنى: إن لنا وفدين يستحقان السب والشتم، فقد ارتحلا بالعار الذي بقيت بعدهما آثاره وشناره. الشاهد: في "من السوءة الباقي عليهم وبالها" فإن "الباقي" نعت سببي ومتبوعه "السوءة" والمرفوع به "وبالها" وقد روعي المتبوع في الإعراب، فهو مجرور مثله، وفي التعريف، فكلاهما فيه "أل" وروعي في وجوه التطابق الباقية المرفوع باعتباره فاعلا له، فبقي النعت مفردا ومذكرا؛ لأن المرفوع يقتضيه كذلك.
[ ٥٧٨ ]
والنعت السببي: ما رفع اسما ظاهرا متصلا بضمير يعود إلى المنعوت نحو "جاء محمد العاقل أبوه" ا. هـ.
ما ينعت به
الذي يقع نعتا أمور خمسة هي: المشتق، والمؤول به، والمصدر، والجملة، وشبه الجملة، ولكل منها حديث يخصه على التفصيل الآتي:
أولا: المشتق:
هذا هو الأصل في النعت، ولا يقصد المشتق عامة، بل يقصد نوع خاص منه هو الوصف، ويقصد به -كما تقدم في الحال- ما دل على حدث وصاحبه وذلك:
ا- اسم الفاعل: كما جاء في الأثر: "الغنيُّ الشاكرُ خيرٌ عند الله من الفقيرِ الصابرِ".
٢ - اسم المفعول: كقولنا "شيئان يجلبان العار: الحقُّ المنهوبُ والشرفُ المسلوبُ".
٣ - الصفة المشبهة: كقولنا: "لا يستوي في الميزان الرجلُ الشجاعُ والآخر الجبانُ".
٤ - أمثلة المبالغة: كقولنا: "قِوَامُ الإنسانِ شيئان: لسانٌ قَوَّالٌ وقلبٌ مِقْدَامٌ".
٥ - أفعل التفضيل: كقولنا في سجود الصلاة: "سبحانَ ربِّنا الأَعْلَى".
ثانيا: ما يشبه المشتق:
ويقصد به الأسماء الجامدة التي يمكن أن تؤول بمشتق، أي يمكن أن يتصور من معناها اسم مشتق تدل عليه.
[ ٥٧٩ ]
ومن البيّن أن هذا الصنف على خلاف الأصل، وهي أمور كثيرة من أشهرها ما يلي:
١ - أسماء الإشارة، ولا بد أن تكون بعد أسماء معارف، ليتفق الاثنان في التعريف، كقولنا "قابلتُ صديقي هذا في الشارعِ ذاك".
ويؤول ذلك بكلمة "المشار إليه" وهي مشتقة، وأيضا أسماء الموصول المبدوءة بهمزة الوصل، مثل "القرآن كلام الله الذي أنزل على محمد".
٢ - ما كان بمعنى صاحب من الأسماء، وذلك "ذو" وما تفرع عنها وكذلك "أولو" و"أولات" -وقد تقدم ذكرها جميعا- كقولنا: "شعبُنا شعبٌ ذو تاريخ، وأمَّتُنا أمّةٌ ذاتُ حضارة، ففيها فتيانٌ أولو خبرةٍ وفتياتٌ أولاتُ أخلاق" ويؤول ذلك بكلمة "صاحب" وما يتفرع عنها، وهي مشتقة.
٣ - ما كان من الأسماء مختوما بياء النسب: كقولنا: "ما زال الإنسانُ الأوروبيُّ يتعالَى على الإنسانِ الإفريقيِّ ويُعادِيه بسبب لونه".
ويؤول هذا بكلمة "المنسوب إلى كذا" وهي مشتقة، وأيضا كلمة "ابن" بين علمين وليست خبرا، مثل: "عاش محمد بن عبد الله فقيرا ومات فقيرا".
٤ - أسماء الأعداد، كقولنا: "يتكونُ بابُ النعتِ من أفكارٍ خَمْسٍ" أو: "ألقيتُ المحاضرةَ على الطلابِ التسعين".
وهذا يؤول بتقدير كلمة "المعدود" وهي مشتقة.
٥ - لفظة "أي" إذا أضيفت لنكرة تماثل المنعوث في المعنى، كقولنا "كان عمرُ بنُ الخطاب عادلا أيَّ عدل" أو "اتَّخَذَ النبيُّ أبا بكر صاحبًا أيَّ صاحبٍ"، ومثل ذلك الألفاظ "كلّ، جِدّ، حَقّ" مضافة لاسم جنس يكمل معنى الموصوف، مثل "هذه هي الحقيقةُ كلُّ الحقيقة" و"أنت صديقٌ جِدّ وفيّ" أو "أنت الصديقُ حقُّ الصديق".
[ ٥٨٠ ]
ثالثا: المصدر قال ابن مالك
ونعتوا بمصدرٍ كثيرا … فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا
ومن البيّن أن المصدر اسم معنى جامد، فالنعت به على خلاف الأصل، ومن صفته حين ينعت به أن يلتزم دائما في الإفراد والتذكير، فلا يثنى أو يجمع وكذلك لا يؤنث، تقول: "كان الخلفاءُ الراشدون رجالًا عَدْلًا في حكمهم" ويقال: "شهادةُ امرأتين عَدْلٍ تقوم مقام رجلٍ فَرْدٍ".
وليس من المفيد التعرض هنا لخلاف العلماء حول علاقة المصدر بالمنعوت "من النعت بلفظه أو تأويله بمشتق أو تقدير مضاف معه"، وإنما المفيد أن يعلم أن المصدر يقع نعتا بكثرة، تماما كما يقع حالا بكثرة في اللغة.
رابعا: الجملة الاسمية والفعلية
نقول: "دعا الإسلامُ إلى أمةٍ كلمتُها واحدة، وإلى مجتمعٍ يتكافل أهلُه؛ ليعيش المسلمون قوّة لا تُقهر وحُبًّا لا غِشَّ فيه".
ففي العبارة السابقة أربع جمل وقعت صفات هي:
- كلمتها واحدة.
جملة اسمية في محل جر صفة لكلمة "أمة".
- يتكافل أهله.
جملة فعلية في محل جر صفة لكلمة "مجتمع".
- لا تقهر.
جملة فعلية في محل نصب صفة لكلمة "قوة".
- لا غش فيه.
جملة اسمية في محل نصب صفة لكلمة "حبا".
وأهم الصفات الواجب توافرها في الجملة الخبرية -لا الإنشائية- التي تقع صفة -كما يلاحظ على الأمثلة السابقة- ما يلي:
أ- أن يكون المنعوت نكرة، فتكون الجملة حينئذٍ صفة، أما إذا
[ ٥٨١ ]
كان الاسم السابق معرفة فإن الجملة تكون حالا، قال القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
قال النحاة: ويصح أن تقع الجملة صفة للاسم الذي اتصلت به "أل" الجنسية "مثل الرجل، الطالب، الإنسان، المرأة".
ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (^١).
وقول الشاعر:
ولقد أمُرُّ على اللئيمِ يَسبُّني … فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ: لا يَعْنيني
غضبانَ ممتلئًا عَلَيَّ إهابُهُ … إني وحقِّك سُخْطُهُ يُرضِيني (^٢)
ب- أن تشتمل الجملة على رابط يربطها بالموصوف وهو الضمير، كما يلاحظ ذلك في كل الجمل السابقة.
وربما حذف هذا الرابط من جملة الصفة إذا كان معلوما من الكلام وظروفه ومن ذلك قول جرير:
ألا أبلغْ معاتبتي وقَوْلِي … بني عمِّي فقد حَسُنَ العِتَابُ
_________________
(١) الآية ٣٧ من سورة "يس".
(٢) إن اللئيم يكرهني وأنا سعيد بذلك، فحين أمر عليه يشتمني استفزازا فلا أرد عليه احتقارا له، إنه مغتاظ مني أشد الغيظ، وأنا -وحياتك- مغتبط بذلك أشد الاغتباط، راضٍ أحسن الرضا. الشاهد: في "أمر على اللئيم يسبني" فإن جملة "يسبني" جاءت بعد ما فيه الألف واللام الجنسية، وقد سبق هذا النوع من الكلمات معرفة، لكن يعامل أحيانا معاملة النكرة، لذلك جوّز بعض النحاة أن تكون هذه الجملة صفة.
[ ٥٨٢ ]
وما أدري أغَيّرهم تناءٍ … وطولُ الدهرِ أم مالٌ أصَابُوا (^١)
فأصل الكلام "أصابوه" فحذف الضمير الرابط: لأنه معلوم من الكلام.
خامسا: شبه الجملة
يقصد بذلك -كما مر في غير موضع- الظرف والجار والمجرور، حيث يقعان صفة بعد الاسم النكرة، كقولك: "شاهدتُ روايةً في السينما واستمعتُ إلى تمثيليةٍ في المذياع" وكذلك قولك: "لنا لقاءٌ يومَ الخميس عندَ بابِ الجامعة".
قطع النعت عن المنعوت:
معناه: صرف النظر عن صلة النعت بالمنعوت، فلا يتبعه في إعرابه، وإنما يكون ذلك إذا كان المنعوت معلوما وصفه بتلك الصفة دون ذكرها تقول: "درسْنا قصيدة للمتنبِّي الشاعر" أو "قرأنا "عبقريةَ عمر" للعقادِ الكاتب" أو "سرْنا ليلا في ضوءِ القمرِ المنير" فمن البيّن أن تلك الصفات "الشاعر، الكاتب، المنير" مفهومة بدون ذكرها لأصحابها، وفي مثل هذه الجمل يجوز قطع النعت عن المنعوت.
فإذا قطع النعت عن المنعوت صح في إعرابه وجهان:
الأول: أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
الثاني: أن ينصب بفعل محذوف وجوبا، يكون تقديره مناسبا لسياق الكلام.
وخلاصة الأمر: أن إتباع النعت للمنعوت هو الأصل في الكلام.
_________________
(١) يحسن العتاب مع الأقارب والأصدقاء، ويطلب جرير ممن يخاطبه إبلاغ عتابه لبني عمه، ومضمون العتاب: أنه متحير من تغيرهم، أهو البعد أم الأيام أم المال! الشاهد: في "أم مال أصابوا" فإن جملة "أصابوا" صفة لكلمة "مال" وقد حذف منها الضمير، وأصل الكلام "أم مال أصابوه".
[ ٥٨٣ ]
العربي، ويصح قطعه عنه إذا كان معلوما بدونه، وحينئذٍ يصح في إعرابه الوجهان السابقان.
فلنطبق ما عرفناه على ما يلي:
- قال سيبويه: سمعنا بعض العرب يقول: "الحمد لله ربَّ العالمين" (^١).
بالنصب، فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية.
- من القرآن: "وامرأته حمالةَ الحطب" (^٢) قرأ الجمهور "حمالةُ الحطب" بالرفع، وقرأ عاصم -أحد القراء السبعة- بالنصب على الذم.
- قالت الخِرْنِق -شاعرة عربية جاهلية- تمدح قومها:
لا يبْعدَنْ قومي الذين هم … سُمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزُرِ
النازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطيِّبين معاقدَ الأزُرِ (^٣)
فقد رويت الكلمتان "النازلين، الطيبين" بالرفع والنصب.
_________________
(١) الآية الأولى من سورة الفاتحة.
(٢) الآية ٤ سورة المسد.
(٣) لا يبعدن: لا يهلكن، سم العداة: يبيدون العداة، آفة الجزر: كرماء يذبحون الإبل كثيرا، الطيبون معاقد الأزر: شرفاء ثيابهم طاهرة. المعنى: ليبق قومي دائما فلا يهلكون، فهم شجعان كرماء شرفاء، شجعان يبيدون الأعداء وكرماء ينحرون الإبل للضيوف وشرفاء طيبو الثياب لا يفعلون الفحشاء. الشاهد: في الكلمتين "النازلين، الطيبين" فقد رويت الكلمتان بالنصب "النازلين، الطيبين" على النعت المقطوع بتقدير فعل "أمدح" ورويتا أيضا بالرفع "النازلون، الطيبون" على الإتباع.
[ ٥٨٤ ]
حذف النعت والمنعوت:
قال ابن مالك:
وما من المنعوتِ والنعتِ عُقِل … يجوز حذفُه وفي النَّعتِ يقل
ومعنى البيت أنه يصح حذف كل من النعت والمنعوت إذا كان معلوما من سياق الكلام، بمعنى أنه مفهوم من الجملة المنطوقة فيتخيل وجوده، ويفرض على الكلام المنطوق فعلا، ومما سيق لذلك من الشواهد الآتي:
- قول القرآن: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (^١) والتقدير "دروعا سابغات".
- ما روي عن العرب: "مِنَّا ظَعَنَ ومِنَّا أقَامَ" والتقدير: "فريقٌ ظَعَنَ وفريقٌ أقَامَ".
- قول القرآن: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (^٢).
والتقدير: "كل سفينة صالحة".
- قول العباس بن مرداس يخاطب الرسول:
وقد كنتُ في الحربِ ذا تُدْرَأ … فلم أعْطَ شيئا ولم أمْنَعِ (^٣)
_________________
(١) من الآية ١١ سورة سبأ.
(٢) من الآية ٧٩ سورة الكهف.
(٣) ذا تدرأ: ذا قوة وسداد. الشاهد: في قوله: "فلم أعط شيئا" إذ حذفت الصفة، وتقدير الكلام: "فلم أعط شيئا نافعا" وهذا يقتضيه السياق؛ لأنه يعتب على الرسول، فيقول: إنه أبلى في الحرب بلاء حسنا لكن لم يميز بشيء من الغنيمة.
[ ٥٨٥ ]
التوكيد:
١ - المقصود بالتوكيد في اللغة وعند النحاة.
٢ - التوكيد اللفظي: معناه، والفرق بينه وبين التكرار.
٣ - التوكيد المعنوي: معناه، وألفاظه هي: "النفس والعين، كلا وكلتا، كل وجميع، أجمع وما تفرع عنه".
٤ - من مباحث التوكيد المهمة المسائل الآتية:
أ- توكيد الضمائر توكيدا لفظيا.
ب- توكيد الحروف توكيدا لفظيا.
ج- توكيد الضمير المرفوع المتصل باللفظين "النفس والعين".
د- توكيد النكرة توكيدا معنويا.
معنى التوكيد:
جاءت هذه الكلمة في اللغة على ثلاث صور هي "التوكيد" بالواو و"التأكيد" بالهمزة و"التاكيد" بتخفيف الهمزة إلى الألف، وأكثرها شهرة في الفصحى الأولى، ولذلك جاء في القاموس قوله: "التوكيد والتأكيد والأول أفصح" وإن كانت الثانية "التأكيد" أكثر استعمالا في حياتنا العادية الدارجة.
ومعنى "التوكيد" في اللغة: التثبيت والتقوية، ويستعمل في الحياة العادية الدارجة بهذا المعنى نفسه، ومن التعبيرات الشائعة بيننا "أنا متأكد من كلامي" بمعنى: متثبت منه مقتنع به، و"تأكدت منه أنه سيجيء" بمعنى تثبت، و"أكّدت عليه الكلام" بمعنى كررته عليه؛ تقوية له، وتثبيتًا في ذهنه.
[ ٥٨٦ ]
هذا المعنى نفسه هو الذي روعي في استخدام النحاة للكلمة، إذ يقصدون بالتوكيد: استخدام طرق خاصة لتقوية الكلام السابق وتثبيته سواء بإعادة اللفظ نفسه أم استعمال كلمات خاصة؛ لتثبيت المعنى ودفع الشبه عنه، وذلك كقولنا: "النفاقُ غشٌّ غشٌّ" أو قولنا: "سنقاتل سنقاتل، ولن نستسلم" أو قولنا: "الجبانُ لا يستحق الحياةَ نفسَها".
وقد ورد التوكيد في اللغة -بالمعنى السابق- على صورتين: صورة التوكيد اللفظي، وصورة التوكيد المعنوي.
التوكيد اللفظي:
هو -كما جاء في قطر الندى- إعادة اللفظ الأول بعينه ا. هـ، ويقصد بذلك أن يعاد المؤكَّد نطقا ومعنى، بقصد التقرير أو خوف النسيان أو عدم الإصغاء أو عدم الاعتناء، وقد يكون هذا اللفظ المعاد اسما أو فعلا أو حرفا أو جملة.
- ففي الاسم تقول: "المروءةَ المروءةَ" و"النفاقَ النفاقَ" وقول الجندي لزميله "انتبه، فقد هاجمتْنا الطائراتُ الطائراتُ".
وما روي من قول الرسول: "أيّما امرأةٍ قاصرٍ أنكحتْ نفسها بغير إذْنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ".
- وفي الفعل نقول: "صَمَّمَ صَمَّمَ شعبُنا على تحرير أرضه بعد ما تَأَلَّمَ تَأَلَّمَ لضياعِها".
ومن ذلك قول الشاعر:
فأينَ إلى أيْنَ النجاةُ ببغلتي … أتَاك أتاك اللّاحقون احبس احبس (^١)
_________________
(١) اللاحقون: المطاردون، احبس احبس: اثبت اثبت، يقول ذلك لنفسه تشجيعا لها المعنى: أين أهرب ببلغتي لأنجو، لا سبيل لذلك، لقد أدركنا المطاردون ولن ينفع غير الثبات. الشاهد: استخدم في الشطر الثاني توكيدا لفظيا لفعلين، الأول "أتاك أتاك" والثاني "احبس احبس".
[ ٥٨٧ ]
- وفي الحرف ترد مثلا على من يسألك: "هل أنت منتبه؟ " فتقول: "نعم نعم أنا منتبه" وكثيرًا ما يسمع مثل هذا التعبير في تعليق المذيعين على الأخبار: "لا، لا يُهانُ شرفُنَا أو تُستذلُّ أرضُنا".
ومن ذلك قول جميل:
لا لا أبوحُ بحُبِّ بثْنَةَ إنّها … أخذت عليّ مَوَاثِقًا وعُهُودًا (^١)
- وفي الجملة تعاد الجملة بألفاظها، وربما اقترنت الثانية بحرف من حروف العطف، وقد وردت كثيرا في اللغة، ومن ذلك:
قول القرآن ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
وقول الرسول وقد بلغه نقض قريش للعهد: "واللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، واللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا".
_________________
(١) أبوح: أفشي، المواثق: العهود. يقول: حبها سر لن أبوح به، وقد عاهدتها على ذلك والعجيب أنه بذلك قد باح. الشاهد: في "لا لا أبوح" فقد كرر الحرف "لا" مرتين، والثاني توكيد لفظي للأول.
(٢) الآيتان ٤، ٥ سورة "النبأ".
[ ٥٨٨ ]
وفي خاتمة هذه الفكرة ينبغي التنبه للفرق بين أمرين كثيرا ما يختلطان هما: التوكيد اللفظي والتكرار.
فالتوكيد اللفظي -كما سبق- هو إعادة اللفظ بعينه، أي بنطقه ومعناه تماما.
أما التكرار: فهو إعادة اللفظ بنطقه وما يشبه معناه لا بمعناه نفسه، فالأول إذن شيء واحد، وقد استخدم له اللفظ مرتين، أما الثاني فهو شيء تكرر مرتين أو أكثر واستخدم له في كل مرة نفس اللفظ، فلنتأمل الآتي:
- دخل إلى المدرَّجِ طالبٌ طالبٌ.
أسلوب توكيد: لأن الطالب واحد وأعيد اللفظ.
- دخل الطلابُ للمدرَّجِ طالبًا طالبًا.
تكرار: لتعدد الطلبة وإن اتحد اللفظ.
- اقتحمَ موقعَ الأعداءِ جنديٌّ جنديٌّ.
توكيد: لأن الجندي واحد واللفظ هو المعاد.
سارت الكتيبة متراصّةً جنديًّا جنديًّا.
تكرار: لتعدد الجنود وإن اتحد اللفظ.
وعلى ذلك يفهم ما جاء في قطر الندى لابن هشام من قوله نصًّا:
"وليس من تأكيد الاسم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (^١) خلافا لكثير من النحويين؛ لأنه جاء في التفسير أن معناه: دكا بعد دكّ، وأن الدَّكَّ كرر عليها حتى صارت هباء منبثا، وأن معنى: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أنه تنزل ملائكة من كل سماء
_________________
(١) الآيتان ٢١، ٢٢ من سورة "الفجر".
[ ٥٨٩ ]
فيصطفون صفا بعد صفّ محدقين بالجن والإنس، وعلي هذا فليس الثاني فيه تأكيدًا للأول، بل المراد به التكرير، كما يقال: "علّمتُه الحسابَ بابًا بابًا"، وكذلك ليس من تأكيد الجملة قول المؤذن: "الله أكبر، الله أكبر" -خلافا لابن جني- لأن الثاني لم يؤتَ به لتأكيد الأول، بل لإنشاء تكبير ثانٍ، بخلاف قوله: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" فإن الجملة الثانية خبر ثانٍ جيء به لتأكيد الأول" ا. هـ.
التوكيد المعنوي:
في عبارة واحدة يمكن تحديد التوكيد المعنوي بأنه تثبيت معنى المتبوع بدفع الاحتمالات عنه ا. هـ.
فنحن نقول مثلا: "اجتمعَ الرؤساءُ العربُ أنفسُهم" فلو اقتصر الأمر على المؤكَّد لاحتمل الأمر أن الذين اجتمعوا هم مندوبوهم، فإذا ذكر لفظ التوكيد "أنفسهم" ارتفع ذلك الاحتمال.
ونحن نقول أيضا: "درسْنَا النحوَ كلَّه" فلو اقتصر على المؤكَّد "النحو" لاحتمل الأمر أن الذي درس معظمه أو أبواب منه، فحين يذكر لفظ التوكيد "كله" يرتفع ذلك الاحتمال.
وحول هذا المعنى السابق جاءت التعريفات النحوية التي سيقت لهذه الصورة من صور التوكيد، ومعظمها بألفاظ غامضة تؤدي في النهاية للتحديد السابق، ومن نماذجها:
يقول ابن عقيل: هو ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكد أو توهم عدم إرادة الشمول.
ويقول ابن هشام: هو تابع يقرر أمر المتبوع في النسبة أو الشمول.
[ ٥٩٠ ]
ويقول الأشموني: التابع الرافع احتمال إرادة غير الظاهر.
ألفاظ التوكيد المعنوي:
يمكن أن تصنف ألفاظ التوكيد المعنوي التي استقرئت من استعمال اللغة في مجموعات أربع تتفق ألفاظ كل مجموعة منها من حيث الصفات التي تتصف بها حين تستعمل في التوكيد، وبيانها في الآتي:
المجموعة الأولى: النفس والعين:
تشترك هاتان الكلمتان حين استخدامهما للتوكيد في الصفات التالية:
أ- أنهما يستعملان للمفرد والمثنى والجمع، ويكون لفظهما مفردًا مع المفرد، ويجمعان على وزن "أفْعُل" مع المثنى والجمع كليهما.
ب- أن يضافا إلى ضمير يطابق المؤكَّد إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا، تقول: "شاهدَ الصحابةُ الرسولَ نفسَه" و"تداركَ صَاحِباهُ أبو بكر وعمر أنْفُسُهما وَحْدَة المسلمين يوم السّقيفة" و"اغتيلَ ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين أعْيُنهم ظلما".
ج- إذا استدعى الموقف استعمال كلتا الكلمتين معا في تعبير واحد قدمت كلمة "النفس" على كلمة "العين" ولا يصح العكس، تقول "مَشَى رجالُ الأرض فوق القمرِ نفسِه عينِه" ويقال: "نزل الملائكةُ أنْفُسُهُم أعْيُنُهُم يُقاتلون مع المسلمين يوم بدر".
وهنا فكرة جانبية مهمة هي: أن الكلمتين "النفس والعين" قد تردان في اللغة مجرورتين بحرف الجر "الباء" وحينئذٍ تعتبر هذه الباء زائدة، تقول: "إنّ اليهودَ هم الخبثُ بنفسِه والحقدُ بعينِه"، ومن ذلك قول الشاعر:
هذا لَعَمْرُكمُ الصَّغارُ بعينِه … لا أمَّ لي إن كان ذاكَ ولا أبُ (^١)
_________________
(١) لعمركم: أسلوب قسم، الصغار: -بفتح الصاد- الأعمال التافهة الحقيرة. الشاهد: في الشطر الأول، حيث دخلت الباء على لفظ التوكيد "عين" فهي حرف جر زائد جرت الكلمة لفظا، لكن الكلمة توكيد لكلمة "الصغار" الواقعة خبرا، فهي مرفوعة بالضمة المقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
[ ٥٩١ ]
المجموعة الثانية: كِلَا وكِلْتَا:
تستعمل الكلمة الأولى لتوكيد المثنى المذكر فقط، وتستعمل الكلمة الثانية لتوكيد المثنى المؤنث فقط، وحين استخدامها في التوكيد يتصل بهما ضمير مطابق للمؤكَّد، فيلحقان حينئذٍ بالمثنى في إعرابه -كما تقدم ذكره- تقول: "زرتُ صديقيَّ كِلَيهما" و"ذهبتُ مع زملائي في الرّحلتين كلْتَيهما".
المجموعة الثالثة: كل وجميع:
يرد هذان اللفظان حين استخدامها للتوكيد على الصفات التالية:
أ- أنهما يستعملان في اللغة للمفرد -ذي الأجزاء- والجمع، ولا يستعملان للمثنى.
ب- أن يُضافا إلى ضمير يطابق المؤكَّد إفرادا وجمعا وتذكيرا وتأنيثا تقول: "البلادُ العربية كلُّها متّحدةُ المشاعر، وإنْ اختلفتْ فيها النُّظُمُ والحكومات، والعربُ جميعُهم إخوةٌ، لغتُهم واحدةٌ، وتاريخهم واحد".
ج- قال ابن هشام عن الكلمة "جميع" والتوكيد "بجميع" غريب، ومنه قول امرأة ترقص ابنها:
فدَاك حيُّ خَوْلَانْ … جميعُهم وهَمْدان
وكلُّ آل قحطان … والأقرمون عدنان (^١)
د- مثل "كلّ" كلمة "عامّة" وقد ذكرها سيبويه، تقول: "حضر المدعوّون عامتُهم" وجاء في "ابن عقيل"، وقلّ من ذكرها من النحويين.
_________________
(١) خولان: بسكون الواو، وهمدان بسكون الميم، وقحطان وعدنان أسماء لقبائل عربية، فابنها أعز عليها وأعلى من كل هذه القبائل، وهذا طبيعي. الشاهد: حيث جاء "جميع" توكيدا لكلمة "حي" الواقعة خبرا أو فاعلا، وذلك -فيما رأى ابن هشام- غريب؛ لأن لفظ "جميع" لديه لا يكاد يستعمل وحده للتوكيد.
[ ٥٩٢ ]
وعلي ذلك يفهم ما جاء في أوضح المسالك نصا قال: وليس منه -أي التوكيد: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (^١) خلافا لمن وهم، ولا قراءة بعضهم: "إِنَّا كُلًّا فِيهَاْ" (^٢) خلافا للفراء والزمخشري، بل "جميعًا" حال و"كلًّا" بدل. ا. هـ.
فمن البيّن أن الآيتين لم تكونا من باب التوكيد؛ لأن اللفظين "جميع، كل" لم يضافا فيهما إلى الضمير، فخرجا من هذا الباب إلى أبواب أخرى في الإعراب.
المجموعة الرابعة: أجْمَع وما تفرع عنه:
يقصد بما تفرع عنه: "جمعاء " للمفردة المؤنثة و"أجمعون" لجماعة الذكور و"جُمَع" لجماعة الإناث.
ومن الصفات التي تأتي عليها هذه الألفاظ حين التوكيد بها ما يلي:
أ- أنها تستعمل لتوكيد المفرد والجمع فقط فلا تستعمل في المثنى.
ب- أنها لا تتصل بضمير يعود على المؤكد، بل يكتفى بصيغها -المفردة والمجموعة- عن هذا الضمير، بخلاف "كل، جميع" حيث تبقى على صورة واحدة وتوجه للمؤكَّد بواسطة الضمير.
ج- أن الغالب في هذه الصيغ أن تستعمل"لزيادة التوكيد" أو بعبارة أخرى "لتوكيد التّوكيد" وذلك بأن ترد بعد لفظ "كل" في الكلام.
_________________
(١) من الآية ٢٩ سورة البقرة.
(٢) من الآية ٤٨ سورة غافر.
[ ٥٩٣ ]
تقول: "قَرّبتْ أجهزةُ الإعلامِ العالَمَ كلَّهُ أجْمَعَ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (^١).
وربما استعملت هذه الكلمات وحدها دون لفظ "كل" وهذا قليل في اللغة، ومع ذلك فقد ورد في نصوص صحيحة فصيحة، ومن ذلك:
- قول القرآن حكاية عن إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (^٢).
- قول الرسول: "إذا صلى الإمامُ جالسًا فصَلُّوا جلوسا أجمعون".
توكيد الضمائر لفظيًّا:
سبق أن الضمائر نوعان: مستترة وبارزة، وأن النوع الأخير صنفان:
منفصلة ومتصلة، وينبغي أن نتبين الطريقة التي يؤكد بها كل من هذه الضمائر توكيدا لفظيا في الآتي:
أ- الضمائر المستترة: وتؤكد بالضمير البارز المنفصل، فتقول: "أجِبْ أنتَ يا غافلُ دعوة الحق" أو "أَأَلْهُو أنا والحياة جَادّةٌ!! ".
ب- الضمائر البارزة المنفصلة: وهذه أيضا تؤكد بضمير بارز منفصل مناسب، فتقول مثلا مشيرا للمجرم: "أنت أنت القاتلُ" ومن ذلك ما كان يقوله جماعة الرافضة في شوارع الكوفة مشيرين لعَلِيّ: "أنت أنت اللهُ" فأمر بهم، فحرقوا بالنار.
ومن ذلك قول الشاعر:
_________________
(١) من الآية ٣٠ سورة الحجر.
(٢) الآية ٨٢ سورة ص.
[ ٥٩٤ ]
فإيَّاكَ إيَّاكَ المِرَاءَ فإنه … إلى الشَّر دعَّاءٌ وللشَّرِّ جالِبُ (^١)
ج- الضمائر البارزة المتصلة: هذه أيضا تؤكد بضمير بارز متصل مرفوع فتقول "استَمعتُ أنا للنّصيحةِ منكَ أنتَ، فاتبعْتُها هي، فسعدت ونجحت" وعن هذه الصورة الأخيرة يقول ابن مالك:
ومُضْمَرُ الرفعِ الذي قد انفَصَلْ … أكِّدْ به كلَّ ضميرٍ اتَّصَلْ
والخلاصة: أن الضمير البارز المنفصل يأتي توكيدًا لفظيا لكل أنواع الضمائر مستترة أو بارزة ومتصلة أو منفصلة.
توكيد الحروف لفظيا:
هناك حروف يطلق عليها اسم "حروف الجواب" (^٢)، إذ يجاب بها عن كلام سابق غالبا ما يكون سؤالا، ومن أشهرها في العربية "نَعَمْ، لا، بَلَى" ويشبه الحرف "نعم" حروف أخرى استعملت في الفصحى هي "أَجَلْ، إي، جَيْرِ".
- هذه الحروف السابقة إذا أكدت تأكيدا لفظيا تعاد ألفاظها نفسها يقول لك السائل "هل تنبه العربُ لضرورةِ وَحْدَتِهم!! " فتجيب "نَعَمْ نَعَمْ تنبهوا لذلك" أو يقول السائل "هل استسلَم العربُ لنكسةٍ
_________________
(١) تقدم ذكر هذا البيت ومعناه في باب "التحذير" ويستشهد به هنا على توكيد الضمير المنفصل "إياك" بضمير منفصل آخر مثله. فكرره في قوله "فإياك إياك".
(٢) حروف الجواب على ثلاثة أقسام أ- ما يقع بعد الإيجاب والنفي "نعم، جير، أجل، إي" ويقصد بها تصديق المخبر أو إعلام المستخير أو إيعاد الطالب. ب- ما يقع بعد الإيجاب فقط وهو "لا" ويقصد به إبطال ما أوجبه المتكلم. ج- ما يقع بعد النفي فقط، وهو "بلى" ويقصد به إثبات المنفي السابق.
[ ٥٩٥ ]
عارضةٍ في حياتهم؟ " فتجيب: "لا، لا، لم يستسلموا لذلك" ومن هذا ما مرّ من قول جميل:
لا لا أبوح بِحُبِّ بثْنَةَ إنها … أخذتْ عَلَيَّ مَوَاثِقًا وعُهُودا
فإذا كان الحرف من غير حروف الجواب وهي كثيرة، فإنه يؤكد لفظيا بطريقة خاصة هي: أن يعاد الحرف مرة أخرى لكن بشرط أن يتصل بحرف التوكيد ما اتصل بالحرف المؤكَّد، كقول المتهم أمام القاضي: "إنَّني إنَّني بريءٌ" وقوله وهو يحكي: "في حياتي في حياتي قصة مروعة".
وما ورد على غير ما سبق من الشواهد فهو نادر أو شاذ، ومن ذلك قول الشاعر:
إنَّ إنَّ الكريمَ يحْلُمُ ما لم … يَرَينْ مَنْ أجَارَهُ قد ضِيمَا (^١)
وقول مسلم بن معبد وقد نهبت إبله في الصَّدَقة:
بكتْ إبلِي وحُقَّ لها البكاءُ … وفرَّقها المظالِمُ والعَدَاءُ
فَلَا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بي … ولا لِلِمَا بهمْ أبدًا دواءُ (^٢)
_________________
(١) من أجاره: من حماه، قد ضيما: قد ظلم وأهين. يقول: الإنسان الأبي الكريم يستعمل الأناة والرفق ما لم يظلم من في حماه فإذا ظلم ترك الرفق والأناة واستعمل القوة والشدة. الشاهد: في "إن إن الكريم" حيث أكد الحرف "إن" بإعادة لفظه وهو من غير حروف الجواب، والتوكيد بهذه الطريقة شاذ، ولو جاء على الوجه الصحيح لقال: "إن الكريم، إن الكريم".
(٢) العداء -بفتح العين- هو العداوة، لا يلفى: لا يوجد. يقول: إن إبلي نهبت ظلما، فهي تبكي لظلمها ومن حقها البكاء، كما أبكي أنا أيضا لذلك ومن حقي البكاء، وإني لأقسم أن ما بيني وبين من نهبوها لن ينتهي وجرحه لن يلتئم، فإنه لا دواء له. الشاهد: في البيت الثاني "ولا للما بهم" حيث أكدت "لام الجر" وهي من غير حروف الجواب بإعادة لفظها فقط، وهذا شاذ.
[ ٥٩٦ ]
توكيد الضمير المرفوع المتصل بالنفس والعين:
هذه صورة خاصة من صور التوكيد المعنوي تجتمع فيها الصفتان التاليتان:
أ- أن يكون المؤكَّد ضميرا متصلا مرفوعا.
ب- أن يكون التوكيد من ألفاظ المجموعة الأولى وهي: "النَّفْس، العَيْن" حينئذٍ لا يصلح التوكيد المباشر بهذين اللفظين، بل لا بد أن يؤكد أولا الضمير المتصل بضمير منفصل، ثم يؤتى بعد ذلك بلفظ من هذين اللفظين "النفس، العين"، فلنلاحظ:
- قَاوِمُوا أنتم أنفسُكم عدوَّكم.
كلام صحيح؛ لوجود الضمير المنفصل.
- وتمسَّكُوا أنتم أعينُكم بحريتكم وأرضكم.
كلام صحيح؛ لوجود الضمير المنفصل.
- وتَلَاقَوْا أنفسُكم حَولَ رغبة الجهاد.
كلام خطأ؛ لعدم وجود الضمير المنفصل.
- وتجَمَّعُوا كلُّكم حولَ رايةِ الجهاد.
كلام صحيح؛ لأنه لا يشترط معه الضمير المنفصل.
توكيد النكرة توكيدًا معنويًّا:
لقد اشترط في مجموعات ألفاظ التوكيد المعنوي -كما سبق- أن تكون مضافة لضمير يعود للمؤكَّد، وما لا يضاف منها إلى ضمير -كالمجموعة الأخيرة- اعتبر -لدى النحاة- مضافا تقديرًا، ومعنى ذلك أن هذه الألفاظ من المعارف، ولكي تتطابق مع ما تؤكده يجب أيضا أن يكون معرفة مثلها.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الأصل في المؤكَّد أن يكون معرفة ولا يكون نكرة، وهذا اتجاه له أنصاره بين النحاة.
لكن .. هناك اتجاه آخر من رأيه أن النكرة يمكن أن تؤكَّد بشرط أن يتصف أسلوب توكيدها بالصفتين التاليتين:
[ ٥٩٧ ]
أ- أن يكون المؤكَّد النكرة دالا على زمن محدود، بمعنى أنه موضوع لمدة لها ابتداء وانتهاء، مثل: "أسبوع، شهر، حول، سنة، عام، يوم".
ب- أن يكون التوكيد لفظ "كلّ، جميع" فقط.
وقد استند هذا الرأي الأخير على ورود ذلك في الشعر والنثر الفصيح ومن ذلك:
- قول عبد الله بن مسلم:
لكنه شَاقَهُ أنْ قِيلَ ذا رَجَبُ … يا ليتَ عِدَّةَ حَوْلٍ كلِّه رَجَبُ (^١)
- قول عائشة عن رسول الله "ما صَامَ رسولُ الله ﷺ شهرًا كلَّه إلّا رمضانَ".
ولورود ذلك في الشعر والنثر قَبِلَهُ من يُعتدّ بهم من النحاة بالصفتين السابقتين.
يقول ابن مالك:
وإنْ يُفِدْ تَوْكيدُ منْكورٍ قُبِلْ … وعن نُحاةِ البَصرة المنْعُ شَمِلْ
ويقول ابن هشام أيضا: وإذا لم يفد توكيد النكرة، لم يجز باتفاق وإن أفاد جاز عند الكوفيين، وهو الصحيح. ا. هـ.
_________________
(١) شاقه: بعث الشوق في نفسه، فغمره السرور والفرح، ويبدو أنه كان يلاقي حبيبته في ذلك الشهر، لذلك تمنى أن يكون هذا الشهر مستغرقا العام كله، مجرد أمنية!!. الشاهد: في "يا ليت عدة حول كله" حيث أكدت النكرة "حول" لأنها زمان محدود، ولأن لفظ التوكيد هو "كل" فالبيت مؤيد لمن أجازوا توكيد النكرة بالشرطين السابقين.
[ ٥٩٨ ]
عطف البيان:
١ - المقصود بعطف البيان لدى اللغويين والنحاة وما يفيده لمتبوعه من معانٍ نحوية وبلاغية.
٢ - ما يتطابق فيه عطف البيان مع متبوعه في وجوه التطابق العشرة.
٣ - الموازنة بين عطف البيان والنعت.
٤ - الموازنة بين عطف البيان والبدل.
معنى عطف البيان:
كان الصدِّيقُ أبو بكر نحيلَ الجسم، ولكنه ذو إرادةٍ قوية.
وكان أميرُ المؤمنين عمرُ من أعدلِ العادلين، ومع ذلك ماتَ مظلومًا.
ويعتبر الخليفةُ معاويةُ أوّلَ من خرج على سَنَن الخلفاء الراشدين في الحكم.
في حياتنا الدارجة نقول: "اعطف عَلَيَّ" بمعنى: عدْ إليَّ حنونا رحيما.
ونقول أيضا: "عنده عطف على أبنائه وأقاربه" بمعنى: أنه ينظر في شئونهم ويعاملهم بالرفق والرحمة، فكأن اللفظ يفيد في الاستعمال العادي النظر إلى شخص أو شيء لإصلاح شأنه وكفايته.
يقول القاموس: العطف هو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، ومن ذلك قولهم: "عَطَفَ الفارسُ على قِرْنِه" بمعنى: عاد إلى من يساويه في الشجاعة بقصد الصراع والغلبة ا. هـ وفي هذا أيضا عود لآخر للنظر في أمره من حيث الشجاعة أو غيرها.
أما لدى النحاة فيقصد به: التابع الجامد الذي يكشف قصد المتكلم من المتبوع ببيانه وشرحه ا. هـ.
[ ٥٩٩ ]
ومن ذلك في الأمثلة السابقة "الصدِّيق أبو بكر، أمير المؤمنين عمر، الخليفة معاوية" فكلمة "أبو بكر" عطف بيان لكلمة "الصدِّيق" وكذلك كلمة "عمر" عطف بيان بعد "أمير المؤمنين" وأيضا كلمة "معاوية" عطف بيان بعد "الخليفة" ومن البيّن أن الكلمات "أبو بكر، عمر، معاوية" أسماء جامدة جاءت بعد متبوعها، فبيّنته تماما، ووضحت المقصود منه وشرحته. ولهذا يسمى هذا التابع "عطف بيان" لأن الثاني يشبه أن يكون مرادفا؛ لأن الذات المدلول عليها باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان" ا. هـ.
ومن استعمالات عطف البيان التي تتردد على ألسنتنا "خليل الله إبراهيم، كليم الله موسى، المسيح عيسى بن مريم، خاتم الأنبياء محمد، ذو النورَيْن عثمان، الإمام عَلِيّ بن أبي طالب، سيد الشهداء الحسين، السيدة أم هاشم، السيد أحمد البدوي، المرسي أبو العباس، أم المؤمنين عائشة، ذات النّطاقين أسماء، ربة الجمال فينوس، حيَّة النيل كليوباترة، المعرِّي أبو العلاء، المتنبي أحمد بن الحسين، شاعر الرسول حسّان، أمير الشعراء شوقي، شاعر النيل حافظ، كاتب الشرق العقاد، عميد الأدب العربي طه حسين، الإمام مالك، الشيخ الرئيس ابن سينا".
- ومن شواهده:
قول القرآن: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^١).
قول القرآن: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (^٢).
_________________
(١) من الآية ٩٥ سورة "المائدة".
(٢) من الآية ١٦ سورة "إبراهيم".
[ ٦٠٠ ]
قول أحد الرجاز يتحدث عن عمر بن الخطاب:
أقسمَ باللهِ أبو حَفْصٍ عُمَرْ
ما مَسَّها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ
فاغفِرْ له اللَّهم إن كان فَجَرْ (^١)
ما يفيده عطف البيان نحويًّا وبلاغيًّا:
يفيد عطف البيان نحويا غرضين رئيسين هما:
الأول: توضيح المعرفة: تقول: "مدحَ القرآنُ المسيحَ عيسى بن مريم وذمَّ اليهودَ، إذ آذَوْا كليمَ الله موسى".
الثاني: تخصيص النكرة: تقول: "نحن الآن في جَوِّ ربيع، وكنا قبل ذلك في طَقس شتاء" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (^٢).
هذا الغرضان السابقان لا يخلو عطف البيان من أحدهما في أي جملة تحتوي عليه، لكنه -مع ذلك- يفيد أغراضا أسلوبية أخرى تُهِمُّ دارس البلاغة لا دارس النحو، ومن هذه الأغراض مثلا:
_________________
(١) نقب: جرح يصاب به البعير في خفه أو ظهره، دبر: كما يقول القاموس: "قرحة الدابة" فهو أيضا بمعنى الجرح، فجر: أثم. يقال في سبب هذه الأبيات: إن أعرابيا شكا لعمر أن دابته التي يركبها جريح مجهدة، وطلب منه أن يعطيه ناقة من إبل الصدقة، ليركبها فلم يصدقه عمر، فانطلق بناقته الجريح، وهو ينشد هذا الرجز. الشاهد: في "أقسم بالله أبو حفص عمر" فإن كلمة "عمر" عطف بيان بعد "أبو حفص".
(٢) من الآية ٣٥ سورة النور.
[ ٦٠١ ]
١ - المدح: كما نقول: "كان من شهداءِ أُحُد حمزةُ عَم الرسول".
٢ - الذم: كما تقول: "كان من قَتْلَى بدْر أبو جهل رأسُ الكفر".
إلى غير ذلك من الأغراض التي يدل عليها سياق الكلام والأسلوب الذي وردت فيه.
ما يتطابق فيه عطف البيان مع متبوعه:
يتطابق عطف البيان مع متبوعه في الأمور الآتية:
أ- أوجه الإعراب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، فيتبعه في واحد منها
ب- التعريف والتنكير: فإن كان المتبوع معرفة كان عطف البيان معرفة وإن كان المتبوع نكرة، كان عطف البيان نكرة مثله.
ج- الإفراد والتثنية والجمع: فيتطابق معه في العدد إفرادا أو تثنية أو جمعا.
د- التذكير والتأنيث، فيتطابق معه في النوع.
فلنطبق وجوه التطابق السابقة على النصائح التالية:
يا صديقي الطالب الحياةُ فرصة فاغتنمْها.
يا صديقتي الفتاة زينتُك الأخلاقُ، فتمسكي بها.
يا أصدقائي الطلاب، المستقبلُ لكم، فاعملوا له.
وعلى ذلك، يمكن أن يقال: إن عطف البيان يتوافق مع متبوعه في أربعة من عشرة، بمعنى أن أيّ مثال يحمل دائما أربع صفات من صفات التطابق العشرة، واحدة من أوجه الإعراب الثلاثة، والثانية من التعريف والتنكير، والثالثة من الإفراد والتثنية والجمع، والرابعة من التذكير والتأنيث فيصدق عليه ما سبق أن عرفناه عن "النعت الحقيقي" تماما.
[ ٦٠٢ ]
الموازنة بين عطف البيان والنعت:
من العرض السابق تتضح -بأدنى تأمل- وجوه الموازنة بين النعت وعطف البيان، فهما يتفقان في أمرين، ويفترقان أيضا في أمرين، فهما يتفقان في الآتي:
١ - الأغراض التي يفيدها كل منهما لمتبوعه نحوا وبلاغة.
٢ - وجوه التطابق بين النعت الحقيقي ومتبوعه تماثل وجوه التطابق بين عطف البيان ومتبوعه.
وهما يفترقان في الآتي:
١ - أن النعت اسم مشتق أو مؤول به، أما عطف البيان فاسم جامد دائما.
٢ - أن النعت يوضح المتبوع ببيان صفة من صفاته، أما البيان فيكشف قصد المتكلم من المتبوع ببيانه.
الموازنة بين عطف البيان والبدل:
هناك علاقة وثيقة بين البدل وعطف البيان، فكل اسم صح إعرابه "عطف البيان" يصلح في الوقت نفسه أن يكون "بدل كُلّ من كُلّ".
جاء في "قطر الندى" نصًّا: كل اسم صح الحكم عليه بأنه عطف بيان مفيد للإيضاح أو للتخصيص، صح أن يحكم عليه بأنه بدل كُلٍّ من كُلّ ا. هـ.
تقول: "إن هذا الوطنَ حبيبٌ إلينا، ففوق هذه الأرضِ عاش آباؤنا وتحت هذه السماءِ تعاقبت أجيالنا".
وتقول "من أئمة النحو الأعلام سيبويهِ عَمْرُو بن قنبر، وجلالُ الدين عبد الرحمن السّيوطي".
[ ٦٠٣ ]
هذا هو الأصل، كل ما صلح عطف بيان صلح بدل كلّ من كلّ.
لكن يستثنى من هذا الأصل ما عُبِّر عنه بقولهم: "إن لم يمتنع إحلالُه مَحَلَّ الأول".
ومعنى هذه العبارة: أن الاسم الثاني -التابع- لا يمكن وضعه موضع الأول -المتبوع- حينئذٍ يكون هذا الاسم عطف بيان، ولا يصح بدلا.
ويندرج تحت هذا الأصل العام الأمثلة والشواهد التالية:
- قولنا: "يا ربنا الرَّجاء" أو: "يا عَلِيّ الرِّضا" وما يرد في كتب النحو من: "يا زيدُ الحارث".
- قول المرّار بن سعيد:
أنا ابنُ التارِكِ البكريِّ بِشْرٍ … عليه الطيرُ ترقُبُه وُقُوعًا (^١)
- قول طالب بن أبي طالب:
_________________
(١) التارك: الجاعل المصير، البكري بشر: رجل من قبيلة "بكر" اسمه "بشر". يقول: لقد قتلت بشر البكري، وتركته ملقى على الأرض تتطلع إليه الطيور الجارحة، وتقع فوقه لتأكل لحمه. الشاهد: في "أنا ابن التارك البكري بشر" فإن كلمة "بشر" تعرب هنا عطف بيان ولا يصح أن تكون بدلا، إذ لا يصح أن توضع هذه الكلمة موضع "البكري" فيقال: "أنا ابن التارك بشر" لأنه يترتب عليه إضافة الوصف المفرد المتصل بالألف واللام للخالي منها، وهذا لا يصح كما سبق في باب الإضافة، ولذلك تعرب الكلمة عطف بيان لا بدلا، فإن البدل -كما يدل اسمه- يصح وضعه موضع المتبوع.
[ ٦٠٤ ]
أيَا أخَويْنَا عبدَ شمسٍ ونَوْفَلَا … أُعيذُكُمَا باللهِ أنْ تُحْدِثَا حَرْبا (^١)
ففي الأول لا يصح وضع الكلمات "الرجاء، الرضا، الحارث" موضع المنادى، لأن فيها "أل".
وفي الثاني لا يمكن وضع "بشر" موضع "البكري" إذ يترتب عليه إضافة الوصف المقترن "بأل" للخالي منها.
وفي الثالث: لا يمكن وضع "عبد شمس ونوفلا" موضع المنادى، لأن الثاني منصوب، وكان يجب بناؤه على الضم.
خاتمة: بعض استعمالات عطف البيان في الكلام العربي:
من مواضع عطف البيان في الكلام العربي ما يلي:
- الاسم المقترن "بأل" بعد أسماء الإشارة: تقول: "إن هذه الأمةَ العربية واحدة، يربطُ بينها هذا اللسانُ المبين وتلك العواطفُ المشتركة".
- استعمال الاسم العلم مع اللَّقب: تقول: "من النساء الشهيرات في الإسلام الصِّدِّيقةُ عائشةُ وذاتُ النِّطاقَين أسماء، وكلتاهما من ولد الصِّدِّيقِ أبي بكر".
_________________
(١) الشاهد: في البيت "يا أخوينا عبد شمس ونوفلا" إذ يجب أن يعرب "عبد شمس" عطف بيان للمنادى "يا أخوينا" ولا يصح أن يكون بدلا؛ لأن البدل يصح وضعه في مكان المبدل منه، فيقال: "يا عبد شمس ونوفلا" وهذا لا يصح؛ لأن "نوفلا" منصوبة، ويجب أن تبنى على الضم، فيقال: "يا عبد شمس ونوفل" لكنها وردت منصوبة في البيت، وهذا ما منع أن يجعل "عبد شمس" فيه بدلا، بل وجب إعرابه عطف بيان فقط.
[ ٦٠٥ ]
- استعمال الاسم العلَم مع الكنية تقول: "من النساء الشهيرات في عصرنا الحاضر أمُّ كلثوم فاطمةُ".
- استعمال الكلمة مفسرة لغيرها، سواء مع استعمال الحرف "أي" أو بدونه، تقول وأنت تفسر بعض كلمات أحد النصوص: يقصد بالخِبّ: الخدّاع، الأنام أي: الناس، فكل من الكلمتين "الخدّاع، الناس" عطف بيان لما فسرته.
[ ٦٠٦ ]
عطف النسق:
١ - المقصود بعطف النسق لدى اللغويين والنحاة.
٢ - حروف العطف ومعانيها، وهي "الواو، الفاء، ثُمَّ، حتى، أم، أو، بل، لكنْ، لا".
٣ - من مسائل عطف النسق ما يلي:
أ- العطف على الضمائر بأنواعها المختلفة.
ب- العطف في الأفعال.
عطف النسق:
مصطلح نحوي مكون من كلمتين "عطف ونسق" والمقصود بالعطف -كما سبق- الرجوع إلى الشيء للنظر في شأنه، أما النسق؛ فيقصد به هنا "النظم" فإن الاسم المعطوف يُنظم مع المعطوف عليه في طريقة واحدة من حيث الإعراب والمعنى.
ويصف النحاة عطف النسق بقولهم: هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف ا. هـ.
ومن البيّن أن فهم اللغويين له يتكامل مع فهم النحاة، فبينما يصف النحاة الصورة اللفظية التي يرد عليها، يتضح من التسمية اللغوية -عطف النسق- ما يترتب على الصورة اللفظية من أحكام نحوية هي المشاركة في الإعراب والمعنى، فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
يتحمل اليهودُ والعربُ معًا مسئوليةَ مأساةِ فلسطين.
ضاعت من العرب تحت الضغطِ والفرقة.
بينما قام اليهود برسمِ الهدفِ فالهجرةِ فالاحتلالِ.
[ ٦٠٧ ]
ففي هذه الأمثلة أسماء معطوفة في المثالين الأولين بحرف "الواو" وفي المثال الأخير بحرف "الفاء" وكل اسم معطوف يتحقق له ما سبق ذكره من أنه يشارك ما قبله في الإعراب المعنى.
من ذلك التفسير السابق تُفهم العبارة النحوية المشهورة عن جملة العطف وهي "أن تصلح لصنع جملتين مستقلتين منها" نظرًا لاشتراك كل من المعطوف والمعطوف عليه في الأمرين السابقين -الإعراب والمعنى- ولعل هذا يفسر تسمية سيبويه لهذا الباب في كتابه بأنه "باب الشّرِكَة".
حروف العطف ومعانيها:
تمهيد:
حروف العطف -على ما هو مشهور- عشرة أحرف هي "الواو، الفاء، ثم، حتى، أم، أو، بل، لكن، لا، إما" لكن الحرف الأخير "إما" موضع أخذ ورد كثير، ومثاله ما ورد في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فقد قال ابن عقيل بعد أن أورد الآية: وليست "إمَّا" هذه عاطفة خلافا لبعضهم؛ وذلك لدخول الواو عليها وحرف العطف لا يدخل على حرف العطف ا. هـ.
وعلى هذا النهج سار كثير من النحويين، فتركوا هذا الحرف ولم يتعرضوا له في حروف العطف، واعتبروها تسعة أحرف فقط.
هذا وقد أسهبت كتب مسائل النحو في الحديث عن معاني هذه الحروف التسعة، والمناقشات حول هذه المعاني، بحيث إن هذا الباب كله يمكن اعتباره حديثا عن معاني هذه الحروف.
والحق أن المعاني التي تذكر لهذه الحروف كقولهم مثلا: "ثم: للترتيب والتراخي" أو قولهم: "حتى: للتدريج والغاية" دراسة أسلوبية حيث يتضح
[ ٦٠٨ ]
من خلالها معنى هذه الحروف في الأساليب التي وردت بها، فهي إذن من اختصاص دارس البلاغة لا دارس النحو.
وعلى ذلك، كان من المنتظر أن يترك هنا -في دراستنا النحوية- الحديث عن هذه القضية التي شغلت الكثير من الصفحات في غير اختصاصها إذ يكفي دارس النحو أن يعلم أن هذه الحروف المذكورة تشرك ما بعدها مع ما قبلها في الإعراب والوظيفة النحوية.
والحق أنني هممت أن أترك هذا البحث تماما، لولا أن بعض هذه المعاني يرتبط به أحيانا أمور نحوية في الجملة التي بها العطف أو في العطف بها وذلك مثل الحروف" أم، أوْ، بلْ، لكِنْ" حيث يعطف ببعضها بعد النفي أو الإيجاب -وهذه معانٍ نحوية- كما أن بعضها الآخر يكون عاطفا أو غير عاطف مثل "أمْ" وأن ذلك مرتبط بمعانيها كما سيأتي.
من أجل ذلك نسوق هذه المعاني -دون إسهاب ولا اضطراب- مع ذكر أمثلة وشواهد لهذه الحروف التسعة، وربما كان ذكر هذه الأمثلة والشواهد أهم -في نظري- من ذكر معاني هذه الحروف، وإليك إذن هذه الحروف ومعانيها.
١ - الواو: مطلق الجمع:
المقصود من ذلك أنها تجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في حديث واحد وهذا معناها فقط، فلا يفهم منها تأخر المتأخر ولا تقدم المتقدم ولا العكس ولا تصاحبهما معا.
قال السيرافي: أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو للجمع من غير ترتيب ا. هـ.
[ ٦٠٩ ]
تقول: "ذاكرتُ النَّحوَ والأدبَ" ونقول: "يَوْمِي مُوَزّع بين اللَّعِبِ والجدِّ والهدوءِ والحركةِ والعملِ والراحة".
فلنتأمل الشواهد التالية:
- قول القرآن:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (^١)
الترتيب على الأصل.
- قول القرآن:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^٢)
الترتيب على خلاف الأصل.
- قول القرآن:
﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (^٣)
الترتيب على خلاف الأصل.
- قول القرآن:
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (^٤)
المعطوف والمعطوف عليه متصاحبان.
٢ - الفاء: الترتيب والتعقيب:
معنى "الترتيب" أن المعطوف عليه يحدث أولا، والمعطوف يحدث بعده، ومعنى "التعقيب" أن الثاني يحدث بعد الأول مباشرة بحسب ظروفه تقول: "طريق الشاب الناجح واضح، الدراسة، فالتخرج، فالعمل" جاء في قطر الندى: وتعقيب كل شيء بحسبه، فإذا قلت: "دخلتُ البصرةَ فبغدادَ، وكان بينهما ثلاثة أيام، ودخلت بعد الثالث" فذلك تعقيب في
_________________
(١) من الآية ٢٦ من سورة الحديد.
(٢) من الآية ٦٥ من سورة الزمر.
(٣) من الآية ٤٣ من سورة آل عمران.
(٤) من الآية ١٥ من سورة العنكبوت.
[ ٦١٠ ]
مثل هذا عادة، فإذا دخلت بعد الرابع أو الخامس، فليس بتعقيب، ولم يجز الكلام ا. هـ.
٣ - ثُمَّ: الترتيب والتَّراخِي:
أما "الترتيب"؛ فقد سبق معناه، وأما "التراخي"؛ فمعناه أن هناك مهلة بين المعطوف والمعطوف عليه، تقول: "ينحصر العام الدراسي بين بَدْءِ الدّارسة ثم الامتحانِ" وتقول: "حضرتُ للكلية في الصباح، ثم عدتُ لمنزلنا في المساء".
٤ - حتَّى: التدريج والغاية:
ومعنى "التدريج" أن ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ إلى الغاية وهو الاسم المعطوف، ومعنى "الغاية" آخر الشيء ونهايته، تقول: "وَسِعَ قلبُ الرسول كلَّ الناس حتى العصاةَ، وشملَ عدلُ عمرَ كلَّ الرعيةِ حتى الظلمةَ"، وجاء في "مغني اللبيب": وتكون حرف عطف مثل "الواو" في المعنى والعمل بشرط أن يتحقق لجملتها الصفات الآتية:
أ- أن يكون المعطوف بها اسما ظاهرا، كما هو واضح في الأمثلة السابقة.
ب- أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه، كما ترى في الأمثلة السابقة.
ج- أن يكون المعطوف بها غاية في الزيادة أو القلة، أي نهاية في الكمال أو النقص، وقد يكون كل منهما حسيًّا أو معنويًّا، كما ترى في الأمثلة التالية:
- فالغاية في الزيادة الحسية كقولنا: "تصدَّقَ المحسنُ بالأعدادِ الكثيرةِ حتَّى الألوف".
[ ٦١١ ]
- والغاية في الزيادة المعنوية كقولنا: "ماتَ الناسُ حتى الأنبياءُ".
- والغاية في القلة الحسية كقولنا: "الله يُحصِي الأشياءَ حتى مثقالَ الذّرة".
- والغاية في القلة المعنوية كقولنا: "غلبكَ الناسُ حتى الصبيانُ".
وقد اجتمعت الغايتان -الزيادة والقلة- في قول أبي دؤاد الإيادي:
قَهَرْنَاكُمُ حتَّى الكُمَاةَ، فأنتم … تَهَابُونَنَا حتَّى بَنِينَا الأصَاغِرَا (^١)
٥ - أمْ: المتّصلة والمنقطعَة:
يأتي هذا الحرف "أم" على الصور التالية:
الأولى: أن يتقدم الجملة التي وردت فيها "همزة الاستفهام" ويكون القصد من الجملة تعيين واحد من اثنين فيها، تقول: "آلواجبَ الشاقَّ تفضّلُ أم الراحةَ الرخيصةَ؟ وأَعنْ حبِّ الناس تبحثُ أم عن احترامِهم؟؟ ".
وتسمى همزة الاستفهام هذه "همزة التعيين" -والحرف "أم" لعطف المفرد غالبا- ويأتي بعد الهمزة ما يُسأل عنه، وبعد "أمْ" ما يقابله.
الثانية: أن يتقدم الجملة التي وردت فيها "همزة الاستفهام" على أن تسبق
_________________
(١) الكماة: جمع "كميّ" وهو الرجل الفائق الشجاعة. يقول: لقد غلبناكم حتى الشجعان منكم غلبوا، ففي قلوبكم الرعب منا، بل من أبنائنا الصغار. الشاهد: في الشطر الأول "قهرناكم حتى الكماة" إذ جاءت "حتى" للغاية في الزيادة. وفي الشطر الثاني " تهابوننا حتى بنينا الأصاغرا" جاءت "حتى" للغاية في النقص.
[ ٦١٢ ]
الهمزة بكلمة "سواء" ويكون القصد من الجملة استواء أمرين متقابلين فيها تقول: "الإنسانُ النظيفُ يؤدي الواجبَ سواءٌ أثقلَ عِبْئُه أم هانَ وهو يبحث عن الاحترام سواءٌ أكرِهَهُ الناسُ أمْ أحبُّوه" ومن ذلك قول القرآن: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (^١)، وقول متمم بن نويرة في رثاء أخيه "مالك":
ولستُ أبَالِي بعد فَقْدِيَ مَالِكًا … أَمَوْتِيَ ناءٍ أم هو الآن وَاقعُ (^٢)
فإن جملة "لست أبالي" تساوي تمامًا كلمة "سواء" في المعنى.
وتسمى همزة الاستفهام هنا "همزة التسوية"، والحرف "أم" لعطف الجمل الاسمية أو الفعلية التي تؤول بعد ذلك -فيما يقال- بمصادر متعاطفة.
الثالثة: ما كانت في غير الصورتين السابقتين، ويكون القصد من الجملة التي وردت فيها صرف النظر عن الكلام السابق عليها، والاتجاه إلى ما ورد بعدها، كقولك: "هل يستوي السموُّ والخسة أم هل يستوي النفع والضرر".
وقول القرآن: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (^٣) وقول عمر بن أبي ربيعة:
_________________
(١) من الآية ٦ من سورة البقرة.
(٢) ناء: بعيد الوقوع. يقول: لا أبالي متي يأتي الموت بعد ما فقدت أخي، فلم يعد للحياة طعم دونه. الشاهد: في "لست أبالي" فإنها بمنزلة "سواء" في المعنى، وجاء بعدها همزة التسوية و"أم" التي عطفت جملة على جملة في "أموتي ناء أم هو الآن واقع" وكلا المتعاطفين جملة اسمية.
(٣) الآية ١٦ من سورة الرعد.
[ ٦١٣ ]
ألا ليت أنِّي يومَ تُقْضَى مَنِيَّتِي … لَثَمْتُ الذي ما بين عينيك والفَمِ
وليت طَهُورِي كان ريقَكِ كلَّه … وليتَ حَنُوطِي من مُشَاشِك والدّمِ
وليت سُلَيْمَى في المنام ضجيعتي … هنالك أم في جنةٍ أم جهنّمِ (^١)
والحرف "أم" في هذه الصورة "حرف ابتداء" ويعبر عنه المعربون بقولهم "حرف يفيد الإضراب" ومعناه الإضراب عما سبقه والاتجاه لما بعده، ولذلك تعتبر الجملة التي بعده جملة جديدة مستقلة.
وبناء على ما سبق يمكن فهم المقصود من وصف "أم" بأنها متصلة أو منقطعة.
فالمتصلة: هي ما كان الكلام بعدها ذا صلة بما قبلها، ويتحقق هذا في الصورتين الأولى والثانية، وهذه عاطفة كما سبق.
والمُنْقَطِعَة: ما كان الكلام بعدها لا صلة له بما قبلها، لصرف النظر
_________________
(١) يوم تقضى منيتي: يوم موتي، لثمت: قبلت، حنوطي: الطيب الذي يوضع على جسد الميت، مشاشك: المشاش: العظام اللينة، ضجيعتي: مشاركة في المضجع. المعنى: أمنية غريبة يصور بها شدة حبه، إذ يتمنى حين يموت أن يقبل ما بين عينيها وفمها، وأن يكون ريقها طهوره ومشاشها ودمها طيبه، بل إنه ليتمنى ما هو أكثر، بأن يضاجعها في نومه أو بعد موته في الجنة أو النار لا يهم ما دامت هي بحانبه. الشاهد: في قوله: "هنالك أم في جنة أم جهنم" فإن "أم" في هذا الشطر منقطعة تفيد "الإضراب" فهي بمعنى "بل" ولذلك يعتبر ما بعدها جملة كاملة وهي هنا كذلك، فالجار والمجرور بعدها خبر "ليت" المحذوفة مع اسمها وتقدير الكلام "ليت سليمى ضجيعتي هنالك أم ليتها في جنة أم ليتها في جهنم".
[ ٦١٤ ]
عما قبلها، ويتحقق هذا في الصورة الأخيرة، وهذه حرف ابتداء لا صلة لها بالعطف.
٦ - أوْ:
وتأتي بالمعاني الخمسة الآتية:
أولا: التخيير: كقولنا في موقف النصيحة "كنْ شجاعًا أو جبانًا وعشْ كريمًا أو بخيلًا" وكقولك لصديقك: "إذا عدتَ من الكلية للبيت فقُمْ بالمذاكرةِ أو النومِ" ويمثل النحاة لذلك بقولهم: "تزوَّجْ هندًا أو أختَها".
ثانيا: الإباحة: كقول الخطيب الواعظ: "أشفِقْ على المساكينِ أو الضعفاءِ واحتقر المنافقين أو الأدعياءَ" وكما تقول لصديقك: "اذهبْ إلى الحديقةِ أو السينما" ويمثل النحاة لذلك بقولهم: "جالس العلماءَ أو الزهادَ".
قال ابن هشام عن التخيير والإباحة: والفرق بينهما أن التخيير يأبى جواز الجمع بين ما قبل "أو" وما بعدها، والإباحة لا تأباه" ا. هـ.
وهذان المعنيان تأتي لهما "أو" بعد الطلب، وبخاصة ما دل منه على الأمر.
ثالثا: الشك: كقولك: "قمت من النوم مروّعا على صوت أنينٍ أو استغاثةٍ وحِرْتُ في تحديد ذلك بين الوهْمِ أو الحقيقةِ" وتقول لصديقك: "زرتُك أمس حوَالي الثانيةِ أو الثالثةِ" ويحكي القرآن عن أهل الكهف قولهم حين استيقظوا من نومهم الطويل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (^١).
رابعا: التشكيك أو الإبهام: لنفترض محاورة بين أحد العلماء المسلمين وأحد الأجانب الباحثين عن المعرفة، يذكر فيها العالم المسلم في بداية حديثه ما يلي:
_________________
(١) من الآية ١٩ من سورة الكهف.
[ ٦١٥ ]
- يا سيدي، يدعو الإسلام إلى العِلْم والتدبير أو الجهل والتسليم.
- والقرآن من عند الله أو من كلام محمد.
- سنتناقش في ذلك لنعرف الحقَّ أو الباطلَ.
فلا شك أن العالم المسلم يعرف حقيقة الأمر فيما ردده من أمور متقابلة لكنه -في موقف المحاورة- يعمّي الأمر على المخاطب، بقصد الاستدراج له إلى النقاش، ثم الوصول معه إلى الحقيقة.
خامسا: الإضراب: ويقصد به صرف النظر عما سبقها، والاتجاه لما يأتي بعدها، فتكون "حرف ابتداء" كقول جرير يخاطب هشام بن عبد الملك:
ماذا تَرَى في عيال قد بَرِمْتُ بهم … لم أُحْصِ عدَّتَهم إلَّا بِعَدَّاد
كانوا ثمانين أوْ زادوا ثمانيةً … لولا رجاؤُك قد قتّلتُ أولادي (^١)
والمعاني الثلاثة الأخيرة تأتي لها "أو" بعد الخبر لا الطلب.
٧ - لكِن:
ويعطف بها في النفي والنهي، ويكون معناها حينئذٍ إقرار الكلام قبلها.
_________________
(١) عيال: عيال المرء من يعوله من الأولاد والأقارب، برمت بهم: ضقت بهم، عداد: تعداد متعمد. يقول: إن لي أقارب وأولادا أعولهم، وهم كثيرون لا يحصون إلا بالتعداد وقد أحصيتهم، فوجدتهم ثمانين بل ثمانية وثمانين، هؤلاء قد ضقت بهم وبنفقتهم، فهم يستحقون عطفك ومعونتك. الشاهد: في "كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية" فإن "أو" تفيد الإضراب فهي "حرف ابتداء" بمعنى "بل".
[ ٦١٦ ]
على ما هو عليه من نفي أو نهي وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "ما سافرتُ يومَ الخميس لكن يوم الجمعة" وتقول أيضا: "لا تُصاحب الأشرارَ لكن الأخيارَ" ومن المعلوم أن ضد النفي الإثبات وضد النهي الأمر.
هذا إذا جاء بعدها مفرد، فإن جاء بعدها جملة كاملة، فهي حينئذٍ حرف ابتداء لا عطف، وعلى ذلك ورد قول زهير بن أبي سلمى:
إنَّ ابنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بوادره … لكنْ وقائعُه في الحربِ تنتظرُ (^١)
٨ - لَا:
وهي على العكس تماما من "لكن" إذ يعطف بها بعد الإثبات والأمر ويكون معناها إقرار ما قبلها على ما هو عليه من إثبات أو أمر، وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "سافرتُ صباحًا لا مساءً"، و"اسمع النصيحةَ الصَّادقةَ لا الرّياءَ الكاذبَ".
٩ - بَل
وتأتي في صورتين:
الأولى: أن تكون مثل "لكن" تماما بمعنى أن يعطف بها بعد النفي النهي، ويكون معناها حينئذٍ إقرار ما قبلها على ما هو عليه من نفي أو نهي
_________________
(١) ابن ورقاء: من يمدحه الشاعر، و"ورقاء" أمه، بوادره: مفاجآته المسيئة عند الغضب، والمقصود وصفه بالحلم، وقائعه: ما ينزله بالأعداء من الضر، والمقصود أنه شجاع. الشاهد: في "لكن وقائعه في الحرب تنتظر" حيث جاء بعد "لكن" جملة اسمية، فهي "حرف ابتداء" أو "إضراب" بمعنى "بل" وليست حرفا للعطف.
[ ٦١٧ ]
وإثبات نقيضه لما بعدها، تقول: "لا يغش الصديقُ بل المنافقُ"، ونقول: "لا تُنصتْ للغشاشين بل المخلصين".
الثانية: أن تأتي بعد الإثبات أو الأمر، وتفيد حينئذٍ ما يطلق عليه "الإضراب" ومعناه صرف النظر عن الكلام السابق عليها لتقرير هذا السابق عليها نفسه لما بعدها، تقول: "زارني صديقي أحمدُ بل صديقي محمدٌ"، وتقول: "ليحضر إليِّ منكم اثنان بل ثلاثة".
ويتلخص أمر هذه الحروف الثلاثة فيما يلي:
- لكن: يعطف بها بعد النفي أو النهي، فيكون لما بعدها ضد ذلك وهو الإثبات والأمر.
- لَا: يعطف بها بعد الإثبات والأمر، فيكون لما بعدها ضد ذلك وهو النفي والأمر.
- بَل: يعطف بها بعد النفي والنهي، فتكون مثل "لكن" تماما، ويعطف بها بعد الإثبات والأمر، فتفيد معنى "الإضراب".
وبعد:
فلعله قد اتضح بعد هذا الشوط الطويل مع حروف العطف ومعانيها ما سبق أن قلته من أن الحديث عن هذه المعاني دراسة أسلوبية لولا ما يترتب عليها من حديث نحوي سواء فيما يتعلق بالجملة قبلها أم العطف بها.
العطف على الضمائر المختلفة:
سبق -غير مرة- أن الضمائر مستترة وبارزة وأن البارزة منها المتصلة والمنفصلة، والمتصلة تأتي مرفوعة ومنصوبة ومجرورة، أما المنفصلة فمنها ضمائر رفع وضمائر نصب فقط.
[ ٦١٨ ]
المهم هنا أن يذكر أن معظم الضمائر في عطف النسق حكمها حكم الأسماء الظاهرة، فكما تقول: "الإنسان الحقُّ من له عقلٌ صريحٌ وضميرٌ نظيفٌ" تقول أيضًا: "أنا وصديقي نتعاملُ بفكرٍ مستنيرٍ وقلبٍ مفتوحٍ" ويقول القرآن: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (^١).
لكن يستثنى من ذلك صور خاصة في العطف على الضمير لا بد أن تتوافر في جملتها صفات معيَّنة حين العطف عليها، وهي ما يلي:
الصورة الأولى: أن يكون الضمير المعطوف عليه مستترا، وحينئذٍ يسبق حرف العطف توكيده بضمير منفصل، تقول: "أبذلُ أنا والزملاءُ غايةَ الجهد في الفهمِ والمذاكرة" ومن قول القرآن: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (^٢).
هذا هو الأصل في الضمير المستتر، أن يؤكد بضمير منفصل قبل العطف عليه، ومع ذلك فقد وردت شواهد لا تتحقق لها هذه الصفة، إذ عطف فيها على الضمير المستتر دون توكيد، وهذا نادر في اللغة وضعيف في الاستعمال ومن ذلك:
- ما ورد عن العرب من قولهم: مررتُ برجل سواءٍ والعدم (^٣).
- قول جرير يهجو الأخطل:
_________________
(١) من الآية ٣٨ من سورة المرسلات.
(٢) من الآية ٣٥ من سورة البقرة.
(٣) معناه "حياته كموته"، وكلمة "سواء" مصدر وقع صفة لكلمة "رجل" فهو بمعنى "مستوي" وفيه ضمير مستتر يعود على الرجل، وقد عطف عليه دون توكيد بضمير منفصل، وهذا نادر في اللغة.
[ ٦١٩ ]
ورَجَا الأخَيْطلُ من سفاهةِ رأيِه … ما لم يكنْ وأبٌ له لِيَنَالَا (^١)
الصورة الثانية: أن يكون الضمير المعطوف عليه متصلا مرفوعا، وحينئذٍ يسبق حرف العطف أيضا توكيده بضمير منفصل، تقول: "ذهبتُ أنا والأسرةُ للمصيف في الإسكندرية" قال القرآن: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (^٢).
قال النحاة: ويصح في هذه الصورة أن يكون الفاصل بين المعطوف والمعطوف عليه شيء آخر غير الضمير المنفصل، وهذا ما عبر عنه ابن مالك بقوله "أو فاصل ما" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ (^٣).
- قول القرآن: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ (^٤).
هذا هو الأصل في الضمير المرفوع المتصل حين العطف عليه أن يؤكد بضمير منفصل أو يفصل بينه وبين ما عطف عليه بغير هذا الضمير، ومع ذلك فقد وردت نصوص من الشواهد لا تتحقق لها هذه الصفة؛ إذ عطف على الضمير المرفوع المتصل دون توكيد ولا فصل، وذلك نادر في اللغة وقليل في الاستعمال.
_________________
(١) الشاهد في البيت: قوله: "ما لم يكن وأب له" ففي الفعل "يكن" ضمير مستتر يعود على الأخطل، وقد عطف عليه دون توكيده بضمير منفصل، وهذا نادر في اللغة.
(٢) من الآية ٥٤ من سورة الأنبياء.
(٣) من الآية ٢٣ من سورة الرعد.
(٤) من الآية ١٤٨ من سورة الأنعام.
[ ٦٢٠ ]
- روي عن ابن عباس قال: إني مع قوم ندعو الله لعمر بن الخطاب -وقد وضع على سريره- إذا رجل من خلفي مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله، إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرا ما كنت أسمع الرسول ﷺ يقول: كنت وأبو بكر وعمر وانطلقْتُ وأبو بكر وعمر، قال ابن عباس: فالتفتُّ فإذا هو عَلِيّ بن أبي طالب.
الصورة الثالثة: أن يكون الضمير متصلا مجرورا، وحينئذٍ لا يصح العطف عليه إلا بإعادة الجار، تقول: "اللهُ غفورٌ رحيمٌ، فاتجهت إليه وإلى رحمتِه"، ومن ذلك قول القرآن: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^١).
هذا هو الأصل أن يعاد الخافض مع المعطوف حين العطف على الضمير المتصل المخفوض، ومع ذلك فقد وردت بعض الشواهد لا تتحقق لها هذه الصفات، فورد العطف على الضمير المتصل المخفوض دون إعادة الخافض، وذلك قليل في اللغة، ومن ذلك:
- ما ورد من قراءة الآية: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (^٢)، بجر كلمة "الأرحام".
- قول الشاعر:
فاليومَ قَرَّبْتَ تهجونا وتشتُمنا … فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَبِ (^٣)
_________________
(١) من الآية ١١ من سورة فصلت.
(٢) من الآية الأولى من سورة النساء.
(٣) المعنى: إنك تسيء إلينا بالهجاء والشتم، ولا عجب في الإساءة منك فهي متوقعة منك كما أنها متوقعة من الأيام. الشاهد: في قوله: "فما بك والأيام من عجب" حيث عطف على الضمير المجرور المتصل دون إعادة الجار، وهذا قليل في اللغة.
[ ٦٢١ ]
والخلاصة في هذا الموضوع كله ما يأتي:
أولا: أن الضمير بأنواعه المختلفة حكمه في العطف عليه كالاسم الظاهر لا فرق في ذلك بين الاثنين.
ثانيا: يستثنى من ذلك ما يلي:
أ- الضمير المستتر حين العطف عليه، وهذا يؤكد قبل العطف عليه بضمير منفصل، وما ورد غير ذلك نادر.
ب- الضمير المرفوع المتصل حين العطف عليه، وهذا يؤكد قبل العطف عليه بضمير منفصل أو فاصل آخر، وما ورد غير ذلك نادر.
ج- الضمير المجرور المتصل، وهذا يعطف عليه مع إعادة الجار، وما ورد غير ذلك قليل في اللغة.
العطف في الأفعال:
من المعلوم أن الأفعال ثلاثة "ماضٍ ومضارع وأمر" وأقدم هنا الملاحظات التالية حولها في عطف النسق:
أ- إذا عطف فعل أمر على أمر آخر فليس من عطف الأفعال أو بعبارة أخرى: ليس من عطف المفردات، بل هو من عطف الجمل أقول: "ذاكِرْ واجتهدْ واترك الباقِيَ لله" فهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات وكذلك الشأن في كل فعل يستتر فيه الضمير وجوبا.
ب- قال ابن هشام نصا: ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما سواء اتحد نوعاهما أم اختلفا ا. هـ.
ومعنى ذلك أنه يُعطف ماضٍ على ماضٍ ومضارع على مضارع أو يعطف مضارع على ماضٍ والعكس بشرط أن يتحدا في الزمن وإن اختلفا في الصيغة.
[ ٦٢٢ ]
تقول: "تَدَثَّرَ فنام المُجْهَدُ" وتقول: "يُحيي ويُميتُ ربُّ الناس" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (^١).
- قول القرآن: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (^٢).
ج- يمكن العطف بين الفعل وما يشبه الفعل من الأسماء -كاسم الفاعل أو المفعول- تقول "يسمعُ الحاكم العادلُ رأيَ الرعيَّةِ ومستجيبٌ لطلباتهم" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ (^٣).
- قول الراجز "جندب بن عمرو":
يا ليتني عَلِقتُ غيرَ حَارِجْ
قبل الصّباحِ ذاتَ خَلْقٍ بارِجْ
أُمَّ صبيٍّ قد حَبَا أو دارِجْ (^٤)
_________________
(١) من الآية ١٠ سورة الفرقان.
(٢) من الآية ٩٨ سورة هود.
(٣) الآية ١٩ سورة الملك.
(٤) علقت: أحببت وعشقت، غير حارج: غير مذموم ولا آثم، ذات خلق بارج: ذات خلق جميل حسن، قد حبا: حبو الطفل: زحفه وهو قاعد، دارج: مشي متقارب الخطو. المعنى: أمنية غريبة أن يحب امرأة جميلة الخلقة، لها صغير يحبو أو يدرج. الشاهد: في قوله "قد حبا أو دارج" حيث عطف على الفعل "حبا" اسما يشبه الفعل "دارج" فهو اسم فاعل، وهذا جائز في اللغة.
[ ٦٢٣ ]
البدل:
١ - المقصود بالبدل لدى اللغويين والنحاة.
٢ - صور البدل التي يرد عليها في اللغة هي:
"بدل الكل من الكل، بدل البعض من الكل، بدل الاشتمال، بدل البَدَاء، بدل النّسيان، بدل الغلط".
٣ - البدل والمبدل منه من حيث الإظهار والإضمار.
٤ - البدل في الأفعال والجمل.
معنى البدل:
دوَّخَ سيفُ الله خالد قُوادَ عصرِه، ومات على فراش بيته.
كان ذو النّورين عثمانُ رقيقَ القلبِ، فطمِعَ فيه أقرباؤه.
وضربَ سيدُ الشهداء الحسينُ مَثَلًا رائعا لاحترام المبدأ.
تتردد كلمة "البدل" ومشتقاتها بيننا في الحياة العادية، فتقول لمن أعطاك شيئا، فضاع منك: "سأعطيك بَدَلَه" أي شيئا يساويه في القيمة يعوضك عن فقده، وتقول حين الرغبة في إرسال إنسان في بعض الأمور ولم يحضر "سأذهب بَدَلًا منه" أي: سأقوم بالمهمة عوضا عنه.
فكلمة "البدل" في اللغة معناها "العِوَض"، جاء في القاموس: بدل الشيء وبديله: الخلف منه، وبادله مبادلة: أعطاه مثل ما أخذ منه ا. هـ. ومن ذلك ما جاء في القرآن: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ (^١) بمعنى: يعوضنا وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ (^٢) بمعنى: استعاضوا عن
_________________
(١) من الآية ٣٢ سورة ن.
(٢) من الآية ٢٨ سورة إبراهيم.
[ ٦٢٤ ]
الإيمان بالكفر، فضلّوا وأضلوا قومهم.
أما تحديد البدل لدى النحاة، فتكاد كتب النحو تتفق على عبارة واحدة هي: البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة ا. هـ.
ومن هذه العبارة السابقة تفهم الصفتان للاسم الذي يقع بدلا وهما:
أ- أن البدل -في حقيقة الأمر- هو الذي يتجه إليه المعنى الذي في الجملة، والمبدل منه ما هو إلا تمهيد له وطريق إليه، فالمقصود بالحكم في الأمثلة السابقة هو "خالد، عثمان، الحسين" ومهد لكل منها على التوالي "المتبوع" وهو "سيف الله، ذو النُّورين، سيد الشهداء".
وبالصفة السابقة يفترق البدل عن النعت والتوكيد وعطف البيان، فإن المعنى في الجمل التي ترد فيها يتجه إلى المتبوع، وهي مكملة له، بخلاف "البدل" فإن المعنى يتجه إليه هو نفسه، فلنطبق ذلك على الأمثلة الآتية:
دوّخ سيفُ الله خالدُ قوادَ عصره ومات على فراشِ بيته.
أسلوب البدل.
دوّخ سيفُ الله المسلولُ قوادَ عصرِه ومات على فراشِ بيته.
أسلوب النعت.
دوَّخ سيفُ الله نفسُه قوادَ عصره ومات على فراش بيته.
أسلوب التوكيد.
مع ملاحظة أن المثال الأول يصلح أيضا أن يكون لعطف البيان لكن يكون المعنى متجها للاسم الأول "سيف الله" والثاني "خالد" موضح له، بعكس البدل -كما قدمنا- فإن المعنى متجه للثاني والأول تمهيد له، وبذلك نفهم تحديد النحاة له "المقصود بالحكم".
ب- أن البدل يكون بعد المبدَل منه بغير واسطة، وهذا بخلاف العطف بالحروف إذ يتحقق بواسطة هي حرف بين المعطوف والمعطوف عليه، فالمعطوف وإن كان مقصودا أيضا بمعنى الجملة إلا أنه بواسطة هي حرف
[ ٦٢٥ ]
العطف، بخلاف البدل، فحين نقول مثلا: "ألتقي مع الزملاء في الكلية صباحًا ومساءً" تكون كلمة "مساء" مقصودة أيضا بمعنى الجملة كالبدل في جملته، لكن بواسطة حرف العطف، ومن ذلك نفهم ما جاء في تحديده من أنه "بلا واسطة".
وخلاصة الأمر أن البدل يتميز عن غيره من التوابع بهاتين الصفتين:
قصده بالحكم وبغير واسطة.
وعلى ذلك ينبغي فهم الملاحظتين التاليتين عنه:
الأولى: أنه ما دام مقصودا بالمعنى، فإنه يمكن الاستغناء عن "المبدل منه" ووضع "البدل" موضعه ويستقيم معنى الجملة، تقول: "شكرتُ الصديقَ معروفَه" فيمكن الاستغناء عن الكلمة الأولى ووضع الثانية موضعها، فتكون الجملة: "شكرتُ معروفَ الصديقِ" ولا خلل فيها، وتقول: "تأمَّلْتُ الحديقةَ أشجارَها" فيمكن أن تقول: "تأملتُ أشجارَ الحديقةِ" بالاستغناء عن المبدل منه ووضع البدل موضعه، وهذه الطريقة -الاستغناء عن المبدل منه ووضع البدل مكانه- هي العلامة الذهنية المميّزة للتعرف على أسلوب البدل.
الثانية: أنه ما دام المقصود بالمعنى هو الكلمة الثانية فما فائدة الكلمة الأولى في هذا الأسلوب؟؟، إن الفائدة من ذكر المبدل منه في الكلام هو التمهيد والتهيئة لذكر الثانية، فكأنك ذكرت الجملة مرتين، مرة مجملة ومرة أخرى واضحة محددة، فيكون المقصود النهائي من الجملة أرسخ في الذهن وهذا هو السر في قولهم "البدل في حكم تكرير العامل".
صور البدل في اللغة:
باستقراء النحاة للغة وجدوا أن البدل يَرِدُ على الصور التالية:
بدل الكُلّ من الكُلّ: وهو بدل الشيء مما هو طِبْق معناه، ولهذا
[ ٦٢٦ ]
بدل البعض من الكل
بدل الاشتمال
يسمى أحيانا "البدل المطابق" بأن يكون الاسم الثاني -البدل- هو عين الاسم الأول، تقول "نَظَمَ أبو عبد الله محمدٌ بن مالك ألفيته الشهيرة في النحو" أو "ضربَ أبو الشهداءِ الحسين مَثَلًا رائعا للتضحية في سبيل المبدأِ".
ومن ذلك قول القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١).
بدل البعض من الكلّ: يقصد به أن يكون البدل جزءا من المبدل منه تقول: "قطعت الطريقَ نصفَه" أو "ذاكرت الليلَ ثُلُثَيه" أو "ارتفعت العمارةُ دوران منها" ومن ذلك قول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ (^٢).
وفي هذه الصورة يكون في البدل ضمير يعود على المبدل منه.
بدل الاشتمال: يقصد به -كما يقول ابن عقيل- الدال على معنى في متبوعه، ومعنى ذلك أن متبوعه يشتمل على معناه، وأن هذا المعنى قائم به تقول: "أفادني الأستاذُ علمُه" وتقول: "هداني القمرُ ضوؤه" فمن البيّن أن "الأستاذ" تنسب له معانٍ كثيرة ومنها "العلم" فهو يحمل العلم، والعلم قائم به، ومن البيّن أن "للقمر" معاني كثيرة ومنها "الضوء" فهو مصدر الضوء للأرض، والضوء منسوب إليه، وفي هذه الصورة يكون في البدل ضمير المبدل منه.
هذا هو معنى الاشتمال الذي يسمى به هذا البدل، فالبدل معنى من المعاني يشتمل عليه متبوعه، ولا داعي بعد ذلك لذكر ما خاض فيه النحاة عن معنى هذه الكلمة "الاشتمال" فإن لذلك حديثا طويلا لا يضر جهله.
ومن ذلك قول القرآن: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (^٣).
وأيضا قول القرآن: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ (^٤).
_________________
(١) من الآيتين ٦، ٧ من سورة الفاتحة.
(٢) أول سورة المزمل.
(٣) من الآية ٢١٧ البقرة.
(٤) الآيتان ٤، ٥ البروج.
[ ٦٢٧ ]
بدل الغلط
بدل النسيان
بدل البداء: البداء، معناه اللغوي الظهور والوضوح، ويقصد بهذا النوع من البدل إذن: ظهور أمر آخر للمتكلم بعد أن لم يكن ظاهرا له فيصرف النظر عن الأمر الأول بعد قصده إلى ذلك الأمر الجديد الذي بدا له، تقول مثلا: "قصد الظمآن ماءً سرابًا" وتقول: "غَفَوْتُ الليلةَ ساعتين ساعةً"، فمن البيّن أن المتكلم قصد الاسم الأول في المثالين، ثم بدا له غير ذلك، فعدل عنه إلى الاسم الأخير، ولهذا يطلق على هذا البدل اسم "بدل الإضراب".
بدل الغَلَط: يقصد به أن يقصد المتكلم أمرا من الأمور، فيسبق لسانه إلى أمر آخر، ثم يتبين له غلطه، فيعدل عنه إلى الصحيح، تقول مثلا: "قابلت أستاذ النحوِ الأدبِ" إذا كنت قد قصدت "الأدب" فسبق لسانك إلى "النحو" وتقول أيضا: "أضاءتْ لي النجومُ القمرُ" إذا كنت قد قصدت "القمر" فسبق لسانك لذكر "النجوم" ثم تبين لك الغلط، وهذا أمر كثيرا ما يحدث لنا في حياتنا أثناء الكلام العادي.
بدل النِسْيَان: يقصد به أن يذكر الإنسان شيئا نتيجة السهو الذهني ثم يتبين له وجه الصواب، فيذكره أيضا، فيسمى هذا "بدل النسيان" أي بدلا من اللفظ الذي ذكر سهوا، تقول: "حضرت من طنطا الإسكندرية" إذا كان ذكر "طنطا" كان عن طريق السهو، ثم تبين السهو، فذكرت "الإسكندرية".
يقول: "ابن هشام" عبارة مفيدة للتفريق بين النوعين الأخيرين وهي: وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، واللسان متعلق بالجنان ا. هـ "الجنان: العقل".
[ ٦٢٨ ]
البدل والمبدل منه من حيث الإظهار والإضمار:
تصور كل من البدل والمبدل منه ظاهرًا أو ضميرًا يتحصل منه أربع صور بأن يكونا ظاهرين أو مضمرين أو مختلفين، الأول مضمر، والثاني ظاهر أو العكس، فهذه أربع صور، لكن الذي استعملته اللغة من هذه الأربع صورتان فقط هما:
الأولى: إبدال الظاهر من الظاهر -كما مر من الأمثلة- وكقولنا: "ممن ناصروا الرسولَ عمُّه أبو طالب وزوجُه خديجة، وممن آذَوه عمُّه أبو جهل وجارتُه حمالةُ الحطب".
الثانية: إبدال الظاهر من الضمير، وفيه التفصيل الآتي:
أ- إذا كان الضمير للغيبة جاز البدل مطلقا، كقولك: "أحترمهم جميعا الزّملاءَ والزميلاتِ" ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (^١)، الذين: بدل من واو الجماعة، بدل بعض من كل "في بعض الآراء".
- قول القرآن: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (^٢)، "أن أذكره" مصدر مؤول بدل من ضمير الغيبة في "أنسانيه" بدل اشتمال.
ب- إذا كان الضمير للمتكلم أو المخاطب، والبدل بعض أو اشتمال جاز البدل أيضا، ومما ورد تأييدا لذلك قول النابغة الجعدي في حضرة الرسول:
بَلَغْنَا السماءَ مَجْدُنَا وسَنَاؤُنَا … وإنَّا لنرجو فوق ذلك مَظهَرا (^٣)
فإن "مجدُنا" بدل من ضمير المتكلمين فيِ "بلغنا" بدل اشتمال
_________________
(١) من الآية ٣ من سورة الأنبياء.
(٢) من الآية ٦٣ من سورة الكهف.
(٣) سناؤنا: السناء هو الشرف وعلو المنزلة، مظهرا: ظهورا ورفعة. الشاهد: في "بلغنا السماء مجدنا" فإن "مجدنا" بدل اشتمال من ضمير المتكلمين الفاعل في "بلغنا"، وهذا جائز في اللغة.
[ ٦٢٩ ]
ج- إذا كان الضمير للمتكلم أو المخاطب، فلا يصح أن يأتي منه بدل الكل من الكل إلا إذا دل على إحاطة، بمعنى أن يبين البدل المقصود من الضمير بيانا شاملا لكل أفراده، عندئذٍ فقط يصح مجيء بدل الكل من ضمير المتكلم والمخاطب، كما جاء في القرآن: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ (^١).
البدل في الأفعال والجمل:
لعلَّه أمر غير جديد أن يكرر هنا مرة أخرى أن الأصل في التوابع أن تكون في الأسماء المفردة، وما خرج عن هذا الأصل يشار إليه في مكانه كمجيء التوكيد اللفظي في الحروف والأفعال والجمل، وكذلك العطف في الأفعال والجمل، وهنا أيضا فيِ "باب البدل".
أ- يمكن إبدال الفعل من الفعل، تقول: "إن تصم تمتنع عن المفْطِرَاتِ تَنَلْ ثواب الله" وتقول: "إنْ تُصل تسجد لله فتلك عبادة"، ومن ذلك ما أورده سيبويه من قول الشاعر:
إنّ عَلَيّ اللهَ أن تُبَايعَا … تُؤخَذَ كرْهًا أو تَجيءَ طائعا (^٢)
ب- تجيء الجملة أيضا بدلا من الجملة، ومن ذلك قول الشاعر:
أقولُ له ارْحَلْ لا تُقِيمَنَّ عندنا … وإلَّا فكُن في السرِّ والجهرِ مُعلنا (^٣)
فجملة "لا تقيمن" بدل من جملة "ارحل" وهي بمعناها كما ترى.
_________________
(١) من الآية ١١٤ من سورة المائدة.
(٢) الشاهد في البيت: إبدال الفعل، إذ أبدل الفعل "تؤخذ" بدل اشتمال من الفعل "تبايعا" والأول منصوب بالحرف "أن" والثاني بدل منه منصوب مثله.
(٣) يقول لمن يخاطبه: كن صريحا سرك مثل جهرك وإلا فارحل وفارقنا ولا تبق معنا. الشاهد في البيت: إبدال الجملة من الجملة، فقد أبدل جملة "لا تقيمن عندنا" وهي جملة فعلية بدل اشتمال من جملة "ارحل".
[ ٦٣٠ ]
الناقص
عمل الأفعال في الجملة:
١ - المقصود بالمصطلحات النحوية الأربعة "الناقص، التام" و"اللازم، المتعدي".
٢ - ما يتفق كل من اللازم والمتعدي في أدائه في الجملة نحويًّا.
٣ - الأفعال المتعدّية مع المفعول به واحدا أو أكثر.
٤ - الأفعال اللازمة والنصب على نزع الخافض.
الناقص: هو مصطلح خاص بنوعين من النواسخ -مر الحديث عنهما- "كان وأخواتها، كاد وأخواتها" ويقصد به -كما سبق- ما لا يكتفي بمرفوعه إذ لا بد له من المنصوب وهو خبره، كقولنا: "صار الصّعبُ سهلا" وكذلك ما نسب إلى عَلِيّ ﵁: "كاد الفقرُ أن يكونَ كُفرا".
التام: هذا المصطلح يطلق على الأفعال باعتبارين:
أحدهما: ما يطلق عليه الناقص من الأفعال النواسخ، ومعناه -كما سبق أيضا- ما يكتفي بمرفوعه ولا يحتاج لمنصوب، كما جاء في الأثر: "كان اللهُ ولا شيءَ معه فخلق السماواتِ والأرضَ" وتقول أيضا: "انتهيتُ من العمل أو أوْشَكْتُ".
ثانيهما: ما يقابل الناقص من الأفعال، ومعناه حينئذٍ هو: ما كان من الأفعال غير ناقص، مثل الأفعال "قام، جلس، انتصر، التقى، فهم، سمع".
وينبغي أن يلاحظ أن الناقص لا شأن له بما نحن بصدده من الحديث عن عمل الأفعال؛ لأنه يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع أحدهما، وينصب الآخر، فهو صورة خاصة مر الحديث عنها في مكانها.
[ ٦٣١ ]
كما ينبغي أن نلاحظ ثانيا أن الفعل الناقص إذا استعمل تاما، فإنه حينئذٍ يدخل في باب الفعل اللازم الذي يكتفي بمرفوعه -كما سيأتي- فيكون جملة مكونة من فعل وفاعل.
كما ينبغي أن يلاحظ ثالثا أن معنى "التام" على الاعتبار الأخير يشمل المصطلحين التاليين "اللازم، المتعدي" إذ تندرج الأفعال اللازمة والمتعدية كلها تحت مصطلح "التمام".
اللازم: يسمى أيضا "القاصر" والمراد ما يقتصر على الفاعل، ولا يتجاوزه إلى المفعول به لينصبه، أو ما يأتي معه بعد الفاعل جار ومجرور له صلة به تقول مثلا: "التقى الجمعان فانتصرت الشجاعةُ والمبدأ وانهزم الجبنُ والتخاذلُ" وتقول أيضا: "التقيتُ بصديقي وذهبنا للنزهة".
المتعدّي: ويسمى أيضا "المجاوِز" وهو ما ينصب بعده المفعول به واحدًا أو أكثر من واحد، كقولك: "أرسلت خطابا وجاءني الرد" وكذلك: "رأيتُ الهدى حقًّا فاتبعته، وعلمتُ الباطلَ ضلالًا فاجتنبته".
كلا الفعلين اللازم والمتعدي يشتركان -أو يتفقان- في أنهما يؤديان في الجملة الفعلية التي يردان فيها الأمرين التاليين:
أولا: أنهما يرفع بعدهما الفاعل ما داما واردين على صيغتهما الأصلية فتقول: "أقلَعَت السفينةُ من الميناء، وأخذتْ طريقها في البحر".
فإذا بني الفعل للمجهول رفع النائب عن الفاعل، تقول: "أُعْلِنَت النتيجةُ وزُفَّ الخبرُ إليّ" ويمثل ذلك قول القرآن: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).
ثانيا: أن كلا من اللازم والمتعدى يأتي معه الأسماء المنصوبة -ما عدا
_________________
(١) من الآية ٤٤ من سورة هود.
[ ٦٣٢ ]
المفعول به- فكل منهما يأتي بعده المفاعيل الأربعة الباقية: المفعول المطلق، المفعول لأجله، المفعول معه، وكذلك الحال والتمييز والمستثنى.
تقول مثلا: "فرحتُ فَرحًا لا يُوصف؛ ابتهاجًا بصديقي يومَ عَوْدَتِه من الخارج بعد غُرْبةٍ طويلة" وكذلك تقول: "ذاكرتُ مذاكرةَ المتَأنّي؛ رغبةً في الفهم والتحصيل مستعينا على ذلك بالصبر والاستمرار".
فمن البيّن أن الفعل الأول "فرح" فعل لازم، وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "فرحا" ثم مفعول لأجله "ابتهاجا" ثم مفعول فيه "يوم" و"بعد"، وفي المثال الثاني الفعل متعدٍّ وهو "ذاكر" وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "مذاكرة" ومفعول لأجله "رغبة" وحال "مستعينا" وكلها -كما نعلم- أسماء منصوبة جاءت مع الفعل اللازم والمتعدي.
والخلاصة أن كلا الفعلين -اللازم والمتعدي- يأتي بعدهما الأسماء المرفوعة وكذلك الأسماء المنصوبة ما عدا المفعول به فإنه خاص بالمتعدي.
الأفعال المتعدية مع المفعول به:
قال ابن هشام في شذور الذهب نصا: "وقد قسمت الفعل بحسب المفعول به تقسيما بديعا ا. هـ". والحق أنه تحدث عن هذا الموضوع بطريقة رائعة بحيث يمكن أن أضيف إلى كلمته السابقة القول: "بأن هذا التقسيم لم يُسْبَقْ به ولم يلحق به" وفي هذه الفكرة ينبغي الاعتراف بمتابعته بصورة عامة وإن اختلف منهج العرض وأسلوبه وأمثلته.
فالفعل المتعدي -بحسب المفعول به- يأتي في أقسام ثلاثة رئيسية ويندرج تحت كل قسم منها صور من الأفعال وهي:
الأول: ما ينصب بعده مفعول به واحد فقط.
الثاني: ما ينصب بعده مفعولان.
[ ٦٣٣ ]
الثالث: ما يُنصب بعده ثلاثة مفعولات.
ما يُنْصَبُ بعده مفعول واحد:
يأتي على الصور الثلاث الآتية:
١ - ما يأتي بعده مفعول دائما ولا يتخلف عنه، وذلك كثير جدا من الأفعال، مثل "سمع، أجاب، صلّى" كقولك: "سمعتُ الأذانَ، فأجبْتُ الدُّعاءَ، وصليتُ الفريضةَ".
٢ - ما يأتي بعده مفعول به ينصب أحيانا ويجر بحرف الجر أحيانا أخرى، ومن ذلك "شكر، نصح، قصد" تقول: "شكرتُ المعروفَ" أو "شكرتُ للمعروفِ" وتقول: "نصحتُ الصديقَ" أو "نصحتُ للصديقِ" ومن ذلك قول القرآن: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ (^١)، و: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (^٢).
٣ - ما يأتي بعده مفعول به منصوب، وقد لا يوجد المفعول بالمرة، فيكون الفعل حينئذٍ لازما، ومن ذلك "فَغَر" نقول: "فَغَرَ فَاه" إذا فتحه أو "فغر فُوه" انفتح.
ما يُنْصَب بعده مفعولان:
ويأتي أيضا على الصور الثلاث الآتية:
١ - ما يأتي بعده مفعولان منصوبان، وقد ينقطع عنهما فيستعمل فعلا لازما، ومن ذلك الفعلان "زاد، نقص" تقول "زدتُ الوزنَ قنطارا". وأيضا قول القرآن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (^٣)، وتقول: "زاد ماءُ النيل، فزاد الخيرُ وعمَّ" وتقول أيضا:
_________________
(١) من الآية ١١٤ سورة النحل.
(٢) من الآية ١٥٢ سورة البقرة.
(٣) من الآية ٦ سورة الجن.
[ ٦٣٤ ]
"نقص قدْرُ البخيلِ بين الناس"، و"نقصتُ الغاشَّ درجاتٍ".
٢ - ما يأتي بعده مفعولان أولهما منصوب دائمًا، وثانيهما قد يأتي منصوبًا وقد يأتي مجرورا بحرف الجر، والمشهور من ذلك عشرة أفعال هي "أَمَرَ. استغْفَرَ، اخْتَارَ، صَدَّقَ، زَوَّجَ، كَسَى، سَمّى، دَعا، كَالَ، وَزَنَ" فلنطبق ذلك على الشواهد التالية:
- قول عمرو بن معد يكرب:
أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به … فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ (^١)
- قول القرآن: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢).
- قول الآخر:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحْصِيَه … ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ (^٣)
_________________
(١) ذا نشب: النشب -كما جاء في القاموس- المال الأصيل من الناطق والصامت. كأنما البيت وصية لابنه، بأن يفعل الخير كما أمره أبوه، وقد تركه ذا مال وعقار يعينه على فعله. الشاهد: في "أمرتك الخير" فإن الفعل "أمر" نصب مفعولين، أولهما ضمير المخاطب، والثاني "الخير"، ولو قال في غير الشعر: "أمرتك بالخير" لصح أيضا.
(٢) من الآية ٤٤ سورة البقرة.
(٣) الشاهد: في "أستغفر الله ذنبا" فإن الفعل "أستغفر" نصب مفعولين هما "الله" و"ذنبا" ولو قال في غير الشعر: "أستغفر الله من ذنب" لصح أيضا.
[ ٦٣٥ ]
- قول الشاعر:
وسمَّيتُهُ يحيى لِيَحْيَا فلم يكنْ … لأمرٍ قَضاهُ الله في الناسِ من بُدِّ (^١)
- قول القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (^٢).
- قول القرآن: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (^٣).
٣ - ما يأتي بعده مفعولان منصوبان دائما؛ وهو نوعان:
الأول: ما ليس أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وهي الأفعال "كَسَا، أَلْبَس، أعْطى، مَنَح" تقول: "أعطيتُ الوفاءَ حقَّه، ومنحتُ الواجبَ شرفَه" ونقول: "ألْبست الفتاةُ الجمالَ خُلقًا فكستْهُ جلالًا".
الثاني: ما أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وذلك باب "ظنَّ وأخواتها". سواء الأفعال الدالة على القلوب أو التَّصيير، وقد سبق الحديث عن هذا الباب في نواسخ المبتدأ والخبر.
ما ينصب بعده ثلاثة مفعولات:
وهو الأفعال "أعْلَم، أرَى، أنْبأ، نَبَّأ، أخْبَر، خبَّرَ، حدَّثَ" وقد تقدم ذكر هذا الباب في النواسخ أيضا.
النَّصبُ على نزع الخافض:
هذا تعبير شائع بين المعربين، إذ يصفون أحيانا بعض الكلمات المنصوبة
_________________
(١) سميته يحيي: "يحيى" علم منقول من الفعل، ليحيا: ليعيش. يقول: لقد سميت ابني "يحيى" ليعيش وتطول حياته، فمات، ولا دافع لقضاء الله. الشاهد: في "سميته يحيى" فإن الفعل "سمى" نصب مفعولين، أولهما "ضمير الغائب" والثاني "يحيى"، ولو قال في غير الشعر: "وسميته بيحيى" لصح أيضا.
(٢) من الآية ١٥٢ سورة آل عمران.
(٣) من الآية ٥٤ سورة الدخان.
[ ٦٣٦ ]
بقولهم: "منصوب بنزع الخافض" ولهذا التعبير أصل يتعلق بما نحن بصدده في دراسة اللازم والمتعدي.
لقد مر في معرفة الفعل اللازم أنه قد يقتصر على الفاعل بعده، كقولنا: "ارتقى المجدُّ" و"وانتصرَ المثابرُ" وقد يأتي بعده الجار والمجرور، كقولك: "ارتقى المجدُّ إلى غايته" "انتصرَ المثابرُ على كلِّ صعب".
وفي هذه الصورة الأخيرة -الجار والمجرور- يمكن أن يستغنى عن حرف الجر، وينصب المجرور بعده، ويطلق عليه حينئذٍ أنه "منصوب على نزع الخافض".
ويتحقق النصب على نزع الخافض في النثر والشعر على النحو التالي:
أولا: التوسع في الكلام المنثور -وأكثر ما يأتي في أسماء المكان المختصة- كقولك: "ذهبتُ الشّامَ" و"دخلتُ الدارَ" و"صلَّيْتُ المسجدَ" و"سرتُ الطريقَ".
ثانيا: لغة الشعر الخاصة وما تفرضه من ترك حرف الجر، ومن ذلك الشواهد التالية:
- قول جرير:
تمرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا … كلامُكُم عَلَيَّ إذنْ حَرَامُ (^١)
_________________
(١) لم تعوجوا: لم تنعطفوا إلينا للزيارة. الشاهد: في "تمرون الديار" فإن "الديار" منصوب على نزع الخافض، وأصل الكلام "تمرون بالديار" فحذف الجار وأوصل الفعل، وهذه لغة الشعر الخاصة.
[ ٦٣٧ ]
- قول عمر بن أبي ربيعة:
غضبتْ أن نظرتُ نحو نساءٍ … ليس يعرفْنَنِي مَرَرْنَ الطريقَا (^١)
هذا، ويقول النحاة عن النوعين السابقين بأن ذلك سماعي لا يقاس عليه، والحق أنه لا حاجة لهذا التضييق والتوقف على ما ورد عن العرب؛ لأن حاجة الناثر للتوسع وحاجة الشاعر للغته الخاصة لا تتوقف على عصر دون عصر، ولا قائل دون آخر، فالأحسن -إن لم يجانبني الصواب- أن يباح ذلك لأصحاب الحاجة إليه نثرا أو شعرا.
ثالثا: يطّرد ترك حرف الجر مع الحروف المصدرية الثلاثة "أنْ، أنَّ، كي" تقول: "تألمتُ أنْ أصبتَ وفرحتُ أنَّك نجوتَ، وجئت كي أهنئَك".
ومن ذلك:
- قول القرآن: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٢).
- قول الفرزدق:
وما زرتُ ليلى أن تكونَ حبيبةً … إليَّ ولا دينٍ بها أنا طَالِبُه (^٣)
_________________
(١) الشاهد: في "مررن الطريقا" فإن كلمة "الطريق" منصوبة على نزع الخافض وأصل الكلام "مررن في الطريق" فحذف الجار وأوصل الفعل، وهذه لغة الشعر.
(٢) من الآية ٦٣ سورة الأعراف.
(٣) يقول: ما زرت ليلى لحب ولا دين لي عندها، كانت زيارتي بريئة مجرد زيارة! الشاهد: في قوله: "أن تكون حبيبة" فإن "أن والفعل" مؤولان بمصدر مجرور بالخافض المحذوف، والتقدير "لكونها حبيبة" بدليل أنه عطف بالجر في قوله "ولا دين" فهو عطف على المصدر المؤول المجرور تقديرا، والمنصوب على نزع الحافض.
[ ٦٣٨ ]
وتؤول هذه الحروف المصدرية مع ما بعدها بمصدر منصوب على نزع الخافض "طبق هذا على الأمثلة والشواهد".
يقول ابن عقيل عن هذا الموضوع كله "وحاصله أن الفعل اللازم يصل إلى المفعول بحرف الجر، ثم إن كان المجرور غير "أنّ وأنْ" لم يجز حذف حرف الجر إلا سماعا، وإن كان "أنّ وأنْ" جاز قياسا عند أمْن اللَّبْس ا. هـ.
[ ٦٣٩ ]
الأسماء التي تقوم بعمل الأفعال:
اسم الفعل:
١ - المقصود باسم الفعل لدى النحاة، والغرض من استعماله في اللغة.
٢ - اسم الفعل باعتبار ما سمي به "ماضٍ، مضارع، أمر" وشواهده من الكلام العربي.
٣ - اسم الفعل باعتبار صيغته "مُرْتَجَل، منقول" و"سماعيّ وقياسيّ".
٤ - صفات الجملة التي يرد فيها اسم الفعل = أحكام اسم الفعل في جملته.
٥ - خاتمة عن أسماء الأصوات.
اسم الفعل والغرض من استعماله:
اسم الفعل في عبارة مختصرة هو: ما ناب عن الفعل معنى واستعمالا ولم يقبل علامته ا. هـ.
ويتضح من هذه العبارة السابقة أن اسم الفعل ما تتحقق له الصفات التالية:
أ- أن يكون معناه معنى الفعل ماضيا أو مضارعا أو أمرا.
ب- أن يستعمل استعمال الفعل لازما أو متعديا.
ج- ألا يقبل علامات الأفعال التي ينوب عنها.
فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
[ ٦٤٠ ]
قول الرسول: "إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة والإمامُ يخطب: صَهْ فقد لَغَوْتَ".
قول شوقي:
أوَّاهُ منك وآهِ ما أقساك
قول العقاد:
أوَّاهُ من يَومِي ومن أمْسي معا
فمن البيّن أن قول الرسول "صَهْ" بمعنى "اسكت" وكل منهما -كما ترى- فعل أمر لازم، وكلمة "صه" لا تقبل علامة الأمر وهي قبول ياء المخاطبة وإن دلت على الطلب، والكلمتان "أوَّاهُ، آهِ" من شعر العقاد وشوقي كلتاهما بمعنى "أتوجع" وكل منهما تستعمل استعماله من حيث إنه فعل مضارع لازم، وهما لا تقبلان علامة المضارع من دخول حرف الجزم "لم" عليهما، وهكذا.
ولعل السر في استعمال اللغة لأسماء الأفعال -مع وجود الأفعال التي بمعناها- أن اسم الفعل -كما يقول أحد الدارسين المحدثين- يدل على المبالغة في المعنى الأصلي أكثر من الفعل الذي هو بمعناه، فإذا قلت "آه" كانت أبلغ من "أتوجَّع" فكأنك قلت "أتوجَّع جدًّا" وهكذا، ويبدو أن هذا الكلام صحيح، وإن كان الأمر مرجعه أولا وآخرا لاستعمال اللغة التي جاء فيها كلا النوعين: أسماء الأفعال والأفعال.
اسم الفعل باعتبار ما سُمِّي به:
من الواضح أن اسم الفعل يسمى به الماضي والمضارع والأمر، وينبغي التعرف على معظم الكلمات التي جاءت عن كل واحد من هذه الثلاثة وشواهد ذلك من الكلام العربي.
[ ٦٤١ ]
ما سُمِّيَ به الأمر:
وهو أكثر الأنواع استعمالا في اللغة العربية، ومعظم ما ورد من اسم الفعل منه ومن ذلك:
"صَهْ" بمعنى: اسكت، "مَهْ" بمعنى: كُفَّ عن الحديث، "آمين" بمعنى اسْتَجِبْ، "هَيَّا" بمعنى: أسرِعْ، "حَيَّهَل" بمعنى: أسرِعْ، "هلم" -على رأي- بمعنى: أقبل، "رُوَيْدَ" بمعنى: أمهِلْ، "بَلْهَ" بمعنى: اترُكْ، "عَلَيك" بمعنى: الزَمْ، "إلَيك عني" بمعنى: تَنَحَّ، "مَكانَك" بمعنى: اثبُتْ، "أمامك" بمعنى: تَقَدَّمْ، "ورَاءَك" بمعنى: تأخَّرْ، "دُونك الشيءَ" بمعنى: خُذه.
ومن هذا النوع كل ما جاء على وزن "فَعَالِ" من كل فعل ثلاثي تام مثل "نَزَالِ" بمعنى: انزلْ، "شَرَابِ" بمعنى: اشربْ وهكذا.
ومن شواهد ذلك ما يلي:
- قول القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^١).
- قول الرسول: "إذا قلتَ لصاحبِك يوم الجمعة والإمامُ يخطبُ: صَهْ، فقد لغوْتَ".
- ما ورد عن العرب: "إذا ذُكر الصالحون، فَحَيَّهَلْ بعُمر".
- قول عمرو بن الإطنابة يصف جلده في الحرب:
أبَتْ لي عفَّتي وأبى بَلَائِي … وأخْذِي الحمدَ بالثمنِ الرَّبيحِ
وإمساكي على المكروه نفسي … وضرْبي هامةَ البطل المُشيحِ
وقولي كلما جشَأتْ وجَاشَتْ … مكانك تُحمدي أو تستريحي
_________________
(١) من الآية ١٠٥ سورة المائدة.
[ ٦٤٢ ]
لأدْفع عن مآثِرَ صالحاتٍ … وأحْمي بعدُ عن عِرْضٍ صحيحِ (^١)
ما سُمِّي به الماضي:
وهو أقل من السابق استعمالا في اللغة، وألفاظه تكاد تكون محصورة ومن ذلك "هَيْهَاتَ" بمعنى: بَعُدَ، "شَتَّانَ" بمعنى: افتَرَقَ، "سرعانَ" بفتح السين أو ضمها أو كسرها، بمعنى: أسرعَ.
ومن شواهده ما يلي:
- قول جرير:
فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ ومَنْ به … وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه (^٢)
_________________
(١) بلائي: يقال: بلا في الحرب يبلو: إذا أحسن القتال، البطل المشيح: البطل الحاد الحذر، كلما جشأت وجاشت: حديث عن نفسه، أي كلما فزعت وخافت، مآثر صالحات: صفات طيبة وأخلاق عالية. يقول: لقد ثبتُّ في القتال ولم أهرب حفاظا لصفات طيبة اشتهرت بها وحماية لشرفي، ومن هذه الصفات العفة وحسن القتال وحمد الناس لي بما أستحق والجلد على المكروه والشجاعة في الحرب بضرب رءوس الأبطال والإقدام، فكلما حدثتني نفسي بالفرار زجرتها لتبقى، فإما النصر والثناء، وإما الموت والفناء والراحة. الشاهد: في البيت الثالث قوله "مكانك تحمدي" فإن "مكانك" اسم فعل أمر بمعني "اثبتي".
(٢) العقيق: اسم موضع به حبيبته أو "خله" كما قال في الشطر الثاني. الشاهد: في استعمال "هيهات" اسم فعل ماض معناه "بعد" وتكررت في البيت بهذا المعنى ثلاث مرات.
[ ٦٤٣ ]
- قول الآخر:
شتَّانَ هذا والعِناقُ والنَّوْم … والمشربُ البارد في ظِلِّ الدَّوْمْ (^١)
ما سُمِّيَ به المضارع:
وهو أقل الثلاثة استعمالا، ومن أشهر ألفاظه "وَي، واهًا" بمعنى: أعجب، "أوَّه، أوَّاهُ" بمعنى: أتوجَّع، "أفّ" بمعنى: أتضجر.
ومن شواهده ما يلي:
- قول القرآن: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (^٢).
- قول القرآن: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٣).
اسم الفعل باعتبار صيغته:
ينبغي التعرف على المصطلحات النحوية الأربعة "المُرْتَجَل" ويقابله "المنْقول" و"السّماعيّ" ويقابله "القياسيّ" وإليك هذه المصطلحات الأربعة وأمثلتها.
المرتجل: يقصد به -كما مر في العلم المرتجل- ما وضع من أول الأمر اسم فعل دون أن ينقل عن غيره، مثل "صَهْ، مَهْ، وَي".
_________________
(١) الدوم: ضخام الشجر. يقول: هناك فرق بين ما أنا فيه من حرمان وتعب وما كنت فيه من وصل وراحة، من العناق والنوم والشراب العذب في ظل الأشجار الضخمة، حقا هناك فرق!! الشاهد: "شتان هذا" إذ استعملت اسم فعل ماض بمعنى "افترق".
(٢) من الآية ٢٣ سورة الإسراء.
(٣) من الآية ٨٢ سورة القصص.
[ ٦٤٤ ]
المنقول: ما استعمل قبل اسم الفعل استعمالا آخر ظرفا أو مجرورا أو مصدرا، مثل "دُونَك، عَلَيْكَ، بَلْهَ" فالأول منقول عن ظرف والثاني عن جار ومجرور، والثالث عن مصدر.
السماعي: يقصد به الاقتصار على الكلمات التي نطقها العرب الفصحاء من أسماء الأفعال، وذلك يشمل معظم أسماء الأفعال التي تقدمت نماذج منها فيما سبق.
القياسي: يقصد به استخدام كلمات جديدة قياسا على ما نطق به العرب وهذا في صورة واحدة فقط من اسم الفعل، وذلك ما جاء على وزن "فَعَالِ" من كل فعل ثلاثي تام متصرف، مثل "نَزَالِ" بمعنى: انْزِل و"قَرَاءِ" بمعنى: اقْرَأ، "وكَتَابِ" بمعنى: اكْتُبْ، وهكذا، فهذا هو الصنف الوحيد القياسي فقط، والباقي يقتصر فيه على السماع عن العرب الفصحاء.
أهم صفات الجملة التي يرد فيها اسم الفعل:
هذا ما يطلق عليه -بتعبير النحاة- "أحكام اسم الفعل" وهي أحكام يقصد بها غالبا ما يتميز به وحده عن كل من الأسماء والأفعال، باعتباره -كما سبق- شبيها بهما، وليس واحدا منهما، ومن هذه الأحكام ما يلي:
١ - أنه لا يضاف، تماما كما أن الفعل لا يضاف.
٢ - أنه لا يأتي معه الضمير البارز، فالكلمة "صَهْ" مثلا تستخدم هكذا للمفرد والمثنى والجمع المذكر من ذلك والمؤنث، ويمكن موازنة ذلك بالفعل "اسكتْ" إذ تقترن به الضمائر البارزة بحسب الأحوال السابقة.
٣ - أن اسم الفعل إذا نُوِّن فهو نكرة، وإذا لم ينون كان معرفة ولنتأمل ما يلي:
[ ٦٤٥ ]
صَهْ عن الحديث.
اسكت عن هذا الحديث الخاص ولك الكلام في غيره.
صَهٍ عن الحديث.
اسكت تمامًا عن كل حديث.
إيهِ حديثا.
زدْني من هذا الحديث الخاص الذي تحدثني عنه.
إيهٍ حديثا.
زدني من أي حديث تتحدث فيه.
٤ - يرى جمهور النحاة أن المفعول بعد أسماء الأفعال لا يتقدم عليها وهذا طبعا بخلاف الأفعال، إذ يمكن أن يتقدم عليها مفعولها أو يتأخر، وعلى ذلك يقال: "خُذ الكتابَ" أو "الكتاب خُذْ" ولكن في اسم الفعل يقال: "دُونَك الكتابَ" لا غير.
هذا هو الاتجاه العام، وتفرد عنه إمام نحوي جليل هو "الكسائي" فمن رأيه أنه يصح أيضا أن يتقدم المفعول على اسم الفعل مستدلا بالآتي:
- قول القرآن: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (^١).
- قول أحد الرجاز:
يا أيُّها الْمَائحُ دلْوي دُونَكَا … إني رأيتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا (^٢)
ويبدو أن لهذا الرأي الأخير -رأي الكسائي- وجاهته ويقبله ذوق المتحدث باللغة، مع التنبه إلى أن هذين الشاهدين السابقين موضع أخذ وردّ بين النحاة مما لا داعي لذكره هنا.
_________________
(١) من الآية ٢٤ سورة النساء.
(٢) المائح: من ينزل البئر ليملأ الدلاء، الدلو: الجردل. الشاهد: في "دلوي دونكا" فإن "دونك" اسم فعل بمعنى "خذ" وتقدم عليه المفعول وهو "دلوي"، وهذا شاهد الكسائي على جواز تقدمه.
[ ٦٤٦ ]
٥ - أن المضارع يجزم في جواب ما يدل منه على الأمر (^١)، تقول: "مَكَانَكَ يَأتِكَ النَّصر" و"أمَامَكَ تَقتحمْ".
لكن لا ينصب المضارع بعد فاء السببية مع أسماء الأفعال (^٢)، وهذا هو الاتجاه العام، فلا تقل: "مَكَانَكِ فتُحْمَدِي"، خلافا أيضا للكسائي حيث يصح في رأيه النصب أيضا بعد فاء السببية، وهذا ما أرجحه فهو رأي له وجاهته ويقبله ذوق المتحدث باللغة.
أسماء الأصوات:
يقصد بأسماء الأصوات ما يدل على الأمرين التاليين:
الأول: ما يستخدم لخطاب ما لا يعقل مما يشبه اسم الفعل ا. هـ.
قال ابن هشام: كقولهم في دعاء الإبل لتشرب "جِيءْ جِيءْ" وفي دعاء الضَّأن "حَاحَا" وفي دعاء الماعز "عَاعَا"، وفي زجر البغل "عدَسْ" ومن هذا قول يزيد بن مفرغ الحميري في خطاب فرسه وهو يهرب به:
عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عليكِ إمارةٌ … أمِنْتِ وهذا تحملين طليقُ (^٣)
_________________
(١) هو ما سمي في جوازم المضارع "الجزم في جواب الطلب"، راجع جزم المضارع.
(٢) النصب مع فاء السببية بعد الطلب أو النفي، راجع نصب المضارع.
(٣) عدس: اسم صوت لزجر الخيل أو البغال، عباد: عباد بن سليمان حاكم سجستان، وكان الشاعر قد هجاه، ثم هرب منه، طليق: حر بعد نجاته. الشاهد: "عدس" استعملها الشاعر اسم صوت لزجر فرسه، وهو اسم صوت مبني لا محل له من الإعراب.
[ ٦٤٧ ]
الثاني: ما حكي به من صوت ما لا يعقل من الحيوان أو الأشياء ا. هـ.
قال ابن هشام وذلك مثل "غَاق" لحكاية صوت الغراب، "طَاق" لصوت الضرب، و"طَقْ" لصوت وقع الحجارة، و"قَبْ" لصوت وقع السيف على الضريبة ا. هـ.
وهذه كلمات قَلَّ أن ترد في اللغة، وهي مبنية لا محل لها من الإعراب ولا يرفع أو ينصب بعدها شيء.
[ ٦٤٨ ]
المصدر:
١ - المقصود بالمصدر في رأي الصرفيين.
٢ - العلاقة الذهنية والصفات السلبية للمصدر الذي يعمل عَمَل فعله.
٣ - صور استعمال المصدر في جملته كما وردت في الكلام العربي.
٤ - اسم المصدر والمصدر الميمي.
معنى المصدر:
- قرّ، جاهد، أفاد، تقدم، ارتقى، استراح. الأفعال
- قرار، جهاد، إفادة، تقدُّم، ارتقاء، استراحة مصادرها
جاء في قطر الندى في تحديد المصدر: هو الاسم الدال على الحدث الجاري على الفعل ا. هـ.
ومن هذا التحديد، وبتأمل الأمثلة السابقة، يفهم ما يلي:
أ- أن المصدر يشارك فعله في معناه، فكل منهما يدل على الحدث.
ب- أن المصدر يشارك فعله في حروفه، فالحروف الموجودة في الفعل توجد أيضا في المصدر بلا نقصان.
ج- ينفرد الفعل بأنه يدل على الزمن ولا يدل عليه المصدر.
المصدر الذي يقوم بعمل الفعل:
ليست كل المصادر التي ينطبق عليها التعريف السابق يمكن أن تؤدي عمل أفعالها من الرفع والنصب، لكن الذي يتفرد بذلك ما يتوافر له صفات خاصة في الجملة التي يرد فيها، وبعض هذه الصفات يعود إلى القيام بعمل ذهني -تجربة- يتخيلها الذهن فيحدد على أساسها ما يصلح من المصادر للقيام بعمل
[ ٦٤٩ ]
الأفعال وما لا يصلح لذلك، كما أن بعض هذه الصفات سلبيّ، بمعنى أنه يجب تجرد المصادر التي تقوم بعمل الأفعال منه حتى تصلح لأداء هذه المهمة، وإليك تفصيل كلا النوعين:
أولا: التجربة الذهنية:
المقصود بها تصور أن يحل محل المصدر في جملته أحد أمرين:
أ- "أنْ" المصدرية والفعل ماضيا أو مضارعا.
ب- "ما" المصدرية والفعل.
فإذا لم يصلح المصدر لهذه التجربة في جملته، فإنه -كما قلنا- لا يؤدي عمل الفعل مما سبق شرحه بالتفصيل في "عمل الأفعال في الجملة".
وعلى ذلك فلنلاحظ الأمثلة التالية:
من عوامل السلامة تدبُّرُكَ الأمورَ بهدوء = من عوامل السلامة أن تتدبَّرَ الأمورَ بهدوء.
ومن عواملِ النّدامةِ تَعَجُّلُكَ الغايةَ بانفعال = ومن عوامل النّدامة أن تتعجَّلَ الغايةَ بانفعال.
فرح المتأنِّي بتحقيق رغبته ابتهاجًا.
لا يمكن القيام بالعمل الذهني السابق.
وحزن المتعجّل لضياع الفرصة ندمًا.
المصدر لا يعمل عمل العمل.
ثانيا: الصفات السلبية:
المقصود بها أن يتجرّد المصدر الذي يقوم بعمل الفعل منها، ومن المفيد قبل ذكرها أن تعلم أن كل صفة من هذه الصفات موضع أخذ وردّ كثيرين بين علماء النحو، مما لا داعي لذكره هنا، وإليك إذن أهم هذه الصفات:
١ - ألا يكون المصدر مصغّرا ولا مجموعا، والحق أن المصدر -كما سبق في المفعول المطلق- لا يكاد يرد في اللغة مصغرًا أو مجموعًا، مثل "تجارب
[ ٦٥٠ ]
مواعيد، إنشاءات" ومع ذلك يرى بعض النحاة صحة قيام المصدر المجموع بعمل الفعل، ومن ذلك قول الشاعر:
وَعَدْتَ وكان الخُلْفُ منك سَجِيَّةً … مَوَاعِيدَ عُرْقُوبٍ أخَاهُ بِيَثْرِبِ (^١)
٢ - ألا يكون المصدر ضميرا، بأن ضميرا يعود على مصدر سابق أو متخيل من الكلام، والحق أن المصدر يقل وروده في اللغة ضميرا كقول القرآن: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢) فالضمير في "أعذبه" يعود على "العذاب" السابق في الآية.
٣ - ألا يكون المصدر دالا على المرّة، مثل "رَمْيَة، جَرْعَة، نَوْبَة، لَقْطَة"، وخالف في ذلك بعض النحاة، فأعملوا المصدر الدال على المرة استدلالا بقول الشاعر يصف الصحراء:
ودَاويَّةٍ قَفْرٍ يَحَارُ بِهَا القَطَا … أدلَّةُ رَكْبَيْهَا بناتُ النَّجَائِبِ
يُحَايِي بها الجَلْدُ الذي هو راكبٌ … بضَرْبَةِ كفَّيه المَلَا نَفْسَ راكبِ (^٣)
_________________
(١) سجية: طبعا وخلقا، عرقوب: اسم يضرب به المثل بين العرب في إخلاف المواعيد، يثرب: مدينة الرسول. يقول: لقد وعدت وأخلفت، وهذا من طبعك، مواعيدك لا يوثق بها كمواعيد عرقوب أخاه بيثرب، إذا كان دوما يخلف فيها!! الشاهد: في قوله "مواعيد عرقوب أخاه" إذ أعمل المصدر "مواعيد" وهو جمع "موعد" وهذا اتجاه لبعض النحاة.
(٢) من الآية ١١٥ سورة المائدة.
(٣) الداوية: بتشديد الياء، الصحراء الشاسعة، قفر: جرداء، القطا: من طيور الصحراء التي تعرف فيها، بنات النجائب: النياق النجيبة، بها: بالصحراء الجلد: الصبور القادر على احتمال المكاره، بضربة كفيه الملا: التيمم. يقول: رب صحراء شاسعة يضل سالكها من الإنسان والطيور حتى القطا، سلكتها مع صاحبي بدون دليل سوى ما نركبه من النياق النجيبة، فلما عطشت وأشرفت على الهلاك، قدم لي صاحبي الماء الذي معه، فأحياني به، وتيمم إذ لم يجد الماء. الشاهد: في قوله: "بضربة كفيه الملا" إذ أعمل المصدر "اسم المرة" فأضافه للفاعل، ونصب بعده المفعول به.
[ ٦٥١ ]
ويبدو أن لهذا الرأي الأخير وجاهته، والذوق اللغوي يقبله، إذ تقول: "أفَادتْ رَميةُ حارسِ المرمى الكرةَ فريقَه" وتقول: "جاءت لقطةُ آلةِ التصويرِ الصورةَ محكمةً".
٤ - ألا يوصف المصدر قبل أن يؤدي عمله في الجملة، وخالف في ذلك بعض النحاة، فأعملوا المصدر الموصوف مطلقا، ومن ذلك قول الشاعر:
إن وجْدِي بك الشديدَ أراني … عاذرًا فيك من عَهِدْتُ عذولا (^١)
ولهذا الرأي المخالف وجاهته، والذوق اللغوي يقبله، إذ تقول: "قدمت مشاركتي الجادّةُ الأصدقاءَ معاونةً أكيدةً لهم" وتقول: "كان توقّعي الشديدُ الخطرَ نجاةً لي".
هذا، وأرى أن يترك الحديث عن بقية الصفات السلبية، فكلها موضع أخذ وردّ لا يدرى معه وجه اليقين، خصوصا أن هذه الصفات السلبية وكذلك
_________________
(١) عاذرا: من يقدم تعاطفا ومودة، عذولا: لائما شامتا. الشاهد: في قوله: "إن وجدي بك الشديد" حيث وصف المصدر "وجدي" بصفة هي "الشديد" وقام بعمل الفعل، فأضيف إلى فاعله وهو ياء المتكلم، وتعلق به الجار والمجرور "بك".
[ ٦٥٢ ]
التجربة الذهنية وسائل غير لغوية، لكن ذكرت هنا من باب "العلم بالشيء" لا من باب "العلم باللغة".
صور استعمال المصدر في الكلام العربي:
يأتي المصدر الذي يقوم بعمل الفعل في الكلام العربي على الصور الثلاث التالية:
الصورة الأولى: المصدر المضاف:
وهذه الصورة أكثر ما ترد في استعمال الكلام العربي، ولها في اللغة مظهران:
أ- أن يضاف المصدر للفاعل، كقولنا: "مجاهدةُ المرءِ نفسَه جهادٌ عند الله"، و"كسبُ الإنسانِ احترامَ الناسِ ثمرةُ جهدٍ عظيمٍ"، ومن شواهده ما يلي:
- قول القرآن:
﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (^١).
- قول عمرو بن معد يكرب:
أعاذلُ إنما أفْنى شَبَابِي … إجَابَتِيَ الصّريخَ إلى المُنادِي (^٢)
ب- أن يضاف المصدر للمفعول به كقولنا: "احتمالُ المكارِهِ بِجَلَدٍ
_________________
(١) من الآية ١٦١ سورة النساء.
(٢) الصريخ: المستغيث بالصراخ، المنادي: من يدعو الناس لنجدته. يقول: لقد قضيت عمري في أعمال المروءة والشجاعة، بإجابة المستغيث الملهوف وطالب النجدة. الشاهد: في "إجابتي الصريخ" فقد أضيف المصدر "إجابة" إلى ياء المتكلم من إضافة المصدر إلى فاعله، ونصب بعده المفعول به، وهو "الصريخ".
[ ٦٥٣ ]
دليلُ الصَّبرِ والإرادة" وقولنا: "معاقبةُ الأشرارِ سلامةٌ للمجتمع"، ومن ذلك الشواهد التالية:
- قول الشاعر:
ألا إنَّ ظُلْمَ نفسِه المرء بَيِّنٌ … إذا لم يصُنْها عن هَوًى يغلبُ العقْلا (^١)
- قول الفرزدق يصف ناقته:
تنْفي يداها الحَصَى في كُلِّ هاجِرَةٍ … نَفْيَ الدَّراهيمِ تنْقاد الصَّياريفِ (^٢)
الصورة الثانية: المصدر المقترن "بأل".
توصف هذه الصورة بأنها نادرة في اللغة جدا، حتى لتكاد تصل إلى حد الشذوذ.
ومن شواهدها قول الشاعر:
_________________
(١) الشاهد: في "ظلم نفسه المرء" حيث أضيف المصدر "ظلم" إلى المفعول به "نفسه" من إضافة المصدر للمفعول، وجاء الفاعل بعد "المرء".
(٢) تنفي: تنثر، يداها: رجلاها الأماميتان، هاجرة: وقت الظهر مع اشتداد الحر، الدراهيم: هي "الدراهم"، تنقاد: إعطاء النقود، الصياريف: جاء في القاموس: الصيرفي: المحتال في الأمور كالصيرف وصراف الدراهم جمعه صيارفة، والهاء النسبة، وقد جاء في الشعر "صياريف". الصورة التي تضمنها البيت هي "الناقة تنثر الحصى أمامها وقت الظهيرة" كما ينثر الصيرفي الدراهم حين يعطيها. الشاهد: في قوله "نفي الدراهيم تنقاد الصياريف" حيث أضيف المصدر "نفي" إلي المفعول به "الدراهيم" من إضافة المصدر للمفعول، وجاء الفاعل بعده وهو "تنقاد الصياريف".
[ ٦٥٤ ]
عَجِبْتُ من الرّزْقِ المسيءَ إلهُه … ومن تَرْكِ بعضِ الصالحين فقيرا (^١)
الصورة الثالثة: المصدر المُنَوّن "المجرد من "أل" والإضافة".
هذه الصورة توصف بأنها كثيرة في اللغة أيضا، وإن لم تصل في كثرتها إلى حد المصدر المضاف، كقولك: "من حسْنِ الخُلقِ نطْقٌ صِدقًا وعملٌ معروفًا"، ومن ذلك قول القرآن:
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (^٢).
هذان نوعان خاصان من المصادر يؤديان عمل المصدر الأصلي، وكل واحد منهما في حاجة إلى معرفة معناه، وتقديم بعض شواهد له في كلام مفيد.
اسم المصدر:
قال ابن عقيل عنه: المراد باسم المصدر ما ساوى المصدر في الدلالة وخالفه بخلوّه لفظا وتقديرا من بعض ما في فعله ا. هـ.
ومعنى هذه العبارة يتلخص في أمرين:
أ- أن اسم المصدر يدل على ما يدل عليه المصدر وهو "الحدث" وهذا موضع الموافقة بينهما.
ب- سبق أن المصدر الأصلي يشتمل على حروف فعله وأكثر أما اسم المصدر فتقل حروفه عن حروف فعله، وهذا موضع المفارقة بينهما.
_________________
(١) الشاهد: في "الرزق المسيء إلهه" حيث جاء المصدر مقترنا "بأل" "الرزق" ونصب بعده المفعول "المسيء" ثم جاء الفاعل "إلهه".
(٢) الآيتان ١٤، ١٥ سورة البلد.
[ ٦٥٥ ]
الفعل: اغتسل:
اغتِسَالًا: المصدر.
غُسْلًا: اسم المصدر.
الفعل: أعطى:
إعْطَاء: المصدر.
عَطَاء: اسم المصدر.
واسم المصدر يقوم بعمل المصدر، على حسب التفصيل السابق عن المصدر، ومن شواهد ذلك ما يلي:
- قول الشاعر:
إذا صحَّ عونَ الخالقِ المرْءَ لم يجدْ … عسيرًا من الآمالِ إلَّا مُيسَّرَا (^١)
- قول الشاعر:
بعِشْرَتِكَ الكرامَ تُعد منهم … فلا تُرَيَنْ لغيرهم أَلُوفا (^٢)
المصدر الميمي:
يقصد به صرفيا: ما بدئ بميم زائدة ودل على الحدث مثل "مَوْعِد" بمعنى "وعْد" وكذلك "مُعتقد" بمعنى "اعْتقاد" ومن أشهر شواهده قول الحارث المخزومي:
أظلومُ إنَّ مُصَابَكم رجلًا … أهدى السَّلامَ تحيةً ظَلْمُ (^٣)
_________________
(١) يقول: إذا تحقق عون الله للإنسان، تيسر له كل صعب. الشاهد: في "عون الخالق المرء" فإن "عون" اسم مصدر، ومصدره "إعانة" وقد أدى عمله، فأضيف إليه الفاعل "الخالق" ونصب المفعول به "المرء".
(٢) لا تصاحب إلا الكرام، فمن صاحب الكرام عد منهم. الشاهد: في "بعشرتك الكرام" فإن "عشرة" اسم مصدر بمعنى "المعاشرة" وقد قام بعمل الفعل؛ فأضيف إليه الفاعل "ضمير المخاطب" ونصب المفعول به "الكرام".
(٣) الشاهد: في "إن مصابكم رجلا" فإن المصدر الميمي "مصاب" قام بعمل الفعل، فأضيف إليه الفاعل "ضمير المخاطبين" ونصب المفعول به "رجلا".
[ ٦٥٦ ]
اسم الفاعل:
١ - المقصود باسم الفاعل وكيفية صياغته من الفعل.
٢ - صورة استعمال اسم الفاعل الذي يقوم بعمل الفعل كما وردت في الكلام العربي.
اسم الفاعل وكيفية صياغته:
جاء في قطر الندى: هو الوصف الدال على الفاعل الجاري على حركات المضارع وسكناته ا. هـ.
وفي هذه العبارة يلاحظ أن ما يطلق عليه اسم الفاعل له الصفات التالية:
أ- أن يكون وصفا، والمقصود بذلك -كما سبق غير مرة- ما دل على حدث وفاعله أو مفعوله
ب- أن يكون دالا على فاعله، وبذلك يتميز عن اسم المفعول، فهو أيضا وصف
ج - أن يكون موازنًا لمضارع فعله في حركاته وسكناته، وبهذه الصفة يتميز تماما عن بقية الأسماء الصفات
لاحظ ما يلي:
- جدّ، سهر، حصد، راقب، اجتهد، استعد. فعل ماضٍ.
- يجدّ، يسهر، يحصد، يراقب، يجتهد، يستعد. مضارعه.
- جادّ، ساهر، حاصد، مُراقِب، مُجتهِد:
اسم الفاعل مثل مستعدّ المضارع في حركاته وسكناته.
ويصاغ اسم الفاعل من فعله على النحو التالي:
[ ٦٥٧ ]
أولا: اسم الفاعل من الفعل الثلاثي يأتي على وزن "فاعل" مثل "عالم، قارئ، فاهم، عالٍ، سامٍ، راقٍ".
ثانيا: اسم الفاعل من غير الثلاثي يؤتى به على وزن الفعل المضارع مع قلب حرف المضارعة ميما مضمومة وكسر ما قبل آخره، فكأنما نقوم بعملية ذهنية تمر أولا بالفعل المضارع، ليصاغ بعد ذلك اسم الفاعل، تقول في:
استقام … يستقيم … مُستقِيم
أفاد … يفيد … مُفيد
ذاكر … يذاكر … مُذاكِر
صور استعمال اسم الفاعل في الكلام العربي:
المقصود بذلك اسم الفاعل الذي يقوم بعمل الفعل، إذ يأتي في اللغة على الصورتين الآتيتين:
الصورة الأولى: أن تقترن به "أل":
في هذه الصورة يؤدي اسم الفاعل عمل الفعل بلا شروط، أو كما يرد في كتب النحو "يعمل عمل فعله مطلقا"، تقول "المستبدُّ بالرأي هالكٌ والمشاورُ أهل الرأي ناجٍ" وتقول "الناطقُ الحقَّ في موقف الظلمِ شجاعٌ إنْ عاش وشهيدٌ إنْ قُتِل".
ويقول امرؤ القيس عن قتل أبيه وقتلته:
والله لا يذهبُ شيخي باطلا … حتى أُبير مالكًا وكاهلَا
القاتلين المَلِكَ الحُلَاحِلَا … خيرَ مَعَدٍّ حَسَبًا ونائلا (^١)
_________________
(١) شيخي: المقصود "أبي"، باطلا: هدرا، أبير: أهلك، مالكا وكاملا: قبيلتان من بني أسد، الملك الحلاحل: بضم الحاء الأولى وكسر الثانية السيد الشجاع، حسبا: نسبا، نائلا: عطاء الشاهد: في "القاتلين الملك الحلاحل" حيث قام اسم الفاعل المتصل بالألف واللام "القاتلين" بعمل الفعل، ونصب بعده المفعول به "الملك" وفاعله ضمير مستتر.
[ ٦٥٨ ]
الصورة الثانية: التجرد من "أل":
وفي هذه الصورة لا يقوم اسم الفاعل بعمل الفعل في الجملة التي يرد فيها إلا بتحقيق أمرين له، أحدهما خاص بمعنى الجملة، والثاني خاص بكلماتها على التفصيل التالي:
أ- أن يكون معنى الجملة -بما فيها اسم الفاعل- مما يتحقق في الوقت الحاضر أو المستقبل فقط دون الماضي.
ب- أن يتقدم على اسم الفاعل في الجملة واحد مما يلي:
١ - إحدى أدوات النفي أو الاستفهام أو النداء.
٢ - اسم يأتي اسم الفاعل خبرا له أو صفة له.
فلنطبق الشرطين السابقين على الأمثلة التالية:
ما مُطمئنٌّ قلبُ المنافق ولا هادئةٌ قسماتُ وجهه.
أراضٍ ضميرُك عن عملك، إذن لا تبحثْ عن نتيجته.
الحقُّ قوةٌ قاهرةٌ الباطل إذا توافرت لها الحرية والإرادة.
ومما استوفى الشرطين من الشواهد ما يلي:
- قول القائل:
ما راعٍ الخلّانُ ذِمّةَ ناكثٍ … بلْ مَنْ وَفَى يجد الخليلَ خليلا (^١)
_________________
(١) يقول: لا يفي الأصدقاء لمن لا يفي بالعهد، فالوفاء أصل الصداقة، فإذا تحقق، كان الأصدقاء أصدقاء حقا. الشاهد: في "ما راعٍ الخلان ذمة ناكث" حيث جاء اسم الفاعل "راعٍ" مجردا من "أل" واستوفى شرطيه: كونه للاستقبال واعتماده على نفي سابق هو "ما" ولذلك قام بعمل الفعل، فرفع الفاعل "الخلان" ونصب المفعول به "ذمة ناكث".
[ ٦٥٩ ]
- قول الأعشى:
لأعرفنَّك إن جدَّ النفيرُ بنا … وشبَّت الحربُ بالطُّوَّاف واحْتَمَلُوا
كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهِنَهَا … فلم يَضُرَّهَا وأوْهَى قَرنَه الوَعِلُ
وفي هذا الشاهد الأخير يوجد موصوف محذوف تقديره "كوعل ناطح" (^١).
وبعد: فإنه ينبغي بعد معرفة اسم الفاعل وصوره اللغوية التنبه للنواحي الجانبية التالية:
أولا: أن بعض النحاة لم يشترط في الصورة الثانية -المجرد من "أل"- ما اشترطه الجمهور في معنى الجملة أو في ألفاظها، وأطلق الأمر فيها كالصورة الأولى، وفي ذلك حديث طويل ومناقشات مجهدة لا داعي لذكرها.
ثانيا: المفعول الذي يرد بعد اسم الفاعل يصح لك نصبه ويصح لك إضافته إليه، سواء أكان اسم الفاعل من الصورة الأولى أم من الثانية -الإضافة فيه لفظية على ما تقدم شرحه- فلنطبق ذلك على ما يلي:
- قول القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (^٢).
_________________
(١) جد النفير: المقصود به أعلنت الحرب، الطوَّاف: بضم الطاء المشددة يبدو أن معناها: المقاتلون إذ يطوفون بالميدان، ويطوف كل منهم بالآخر، ليوهنها: ليضعفها، ورواية ديوان الأعشى: ليفلقها، لم يضرها: لم يؤثر فيها، الوعل: ذكر الماعز والظباء. يقول: حين تعلن الحرب وتشب بين المقاتلين سنرى ما تفعل!! إنك لن تنال منا شيئا رغم ما تكابده من مشقة، ستكون كالوعل الذي ينطح الصخرة ليفلقها إنه سيكسر قرنه ولن يؤثر فيها، والبيت الأخير يضرب مثلا لمن يجهد نفسه مع من هو أقوى منه. الشاهد: في "كناطح صخرة" فإن اسم الفاعل "ناطح" قام بعمل الفعل فنصب المفعول به "صخرة" معتمدا على موصوف محذوف تقديره "كوعل ناطح".
(٢) من الآية ٣ سورة الطلاق.
[ ٦٦٠ ]
قرئت هذه الآية على وجهين بتنوين كلمة "بالغٌ" ونصب كلمة "أمرَه" وبغير تنوين لكلمة "بالغُ" وجر كلمة "أمرِه".
- قول القرآن: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ (^١).
قرئت هذه الآية أيضا على وجهين: تمامًا كالآية السابقة.
ثالثا: أن اسم الفاعل سواء أكان مفردًا أم مجموعا جمع مذكر أو مؤنث فإنه ينطبق عليه ما سبق شرحه من معناه وصوره، كما هو واضح في الآية السابقة.
وكقولك: "أحب صديقيّ الحافظَي الغيبةِ الغافِرَي العثرةِ وأكره أدعياءَ الصداقة الثَّالِبين الأعراضَ المُطلقين ألسنتَهم بالسوء".
_________________
(١) من الآية ٣٨ سورة الزمر.
[ ٦٦١ ]
أمثلة المبالغة:
١ - المقصود بالكلمتين "أمثلة، مبالغة".
٢ - أوزان المبالغة الخمسة وشواهدها من الكلام العربي.
لاحظ الأمثلة الآتية:
سَمَّاع، كَرَّار، جَذَّاب، مِقْدَام، جَمُوح، عَذُول.
هذه الكلمات السابقة يطلق عليها "أمثلة المبالغة" ويمكن تحديد الكلمتين نظريا بما يلي:
أمثلة: تعني نماذج لما تكون عليه الكلمات التي تفيد المبالغة، فكأن هذه الأمثلة -التي تذكر- صور لما ينبغي أن يأتي عليه غيرها، وبعبارة أقرب: هي صيغ خاصة تفيد معنى المبالغة، وسيأتي عدّها.
المبالغة: جاء في قطر الندى نصا: كلها تقتضي تكرار الفعل، فلا يقال: "ضَرّاب" لمن ضرب مرة واحدة، وكذا الباقي ا. هـ.
ومعنى ذلك أن المبالغة تأتي من إفادة الأوزان تكرار معناها بحيث يصبح هذا المعنى للمتصف به عادة دائبة له تتكرر كثيرا.
هذا وينبغي التنبه قبل عدّ هذه الأمثلة للأمرين التاليين:
الأول: أن هذه الأمثلة تصاغ من الثلاثي ومن غير الثلاثي على الأوزان نفسها وإن كان الأغلب فيها هو صياغتها من الثلاثي، ومما يذكر للتمثيل لغير الثلاثي -كما جاء في الأشموني- الكلمات "دَرّاك، سَأّر، مِعْطَاء، مِهْوَان، سميعٌ، نذير، زهُوق" وهي على الترتيب مصوغة من الأفعال "أدرك، أسأر، أعطى، أهان، أسمع، أنذر، أزهق" وكلها غير ثلاثية.
[ ٦٦٢ ]
الثاني: أن هذه الأمثلة تؤدي تماما عمل اسم الفاعل بالتفصيل السابق الذي مر عنه، بل إن بعض كتب النحو تذكر أن هذه الصيغ محولة عن اسم الفاعل بقصد إفادته المبالغة، وهذا كلام لا معنى له، فهي صيغ مستقلة مأخوذة من الأفعال دون أن تحول عن غيرها.
أوزان المبالغة وشواهدها:
هي خمسة أوزان، أكثرها استعمالا في العربية الثلاثة الأولى ثم الرابع ثم الخامس، وهي:
١ - فعَّال: مثل "حمَّال، صبَّار، سبَّاق" تقول: "كان الرسول حمَّالًا المكروهَ وصبَّارًا على الأذى وسبَّاقًا لتقديمِ المواساة" ومن ذلك أيضا "طمَّاع، قتَّال" ومن شواهده:
- قول العرب: "أما العسلَ فأنا شرَّاب".
- قول الشاعر:
أخا الحربِ لَبَّاسًا إليها جِلَالَهَا … وليس بوَلَّاجِ الخَوَالِفِ أعْقَلا (^١)
٢ - مِفْعَال: مثل "مِقْدَام، مِضْيَاف، مِتْلَاف، مِزْوَاج" تقول: "من صفات المدنيّ الكريم أن يكون مِقْدَامًا في الحرب مِضْيَافًا في منزله، ومن صفات المتخلّف السفيه أن يكون مِتْلَافًا لأمواله مِزْوَاجًا للنساء دون حاجة" ومن ذلك:
_________________
(١) لباسا إليها جلالها: الجلال: ملابس الميدان، ولاج: كثير الدخول، الخوالف: أعمدة الخيام، أعقلا: الشديد الجبن. يقول: إنني شجاع محارب أجيد ارتداء ملابس الميدان، ولست نذلا جبانا أتسرب بين أعمدة الخيام للاعتداء على الجارات. الشاهد: قوله: "لباسا إليها جلالها" فإن "لباس" صيغة مبالغة على وزن "فعال" بعمل الفعل، ونصب بعدها المفعول "جلالها" وفاعلها ضمير مستتر.
[ ٦٦٣ ]
- قول العرب في الوصف بالكرم: "إنه لَمِنْحِارٌ بَوَائِكَها" (^١).
٣ - فعول: مثل "صَدُوق، كَذُوب، جَهُول، زَهُوق"، تقول: "إن الرجلَ يصدقُ، فيكون ذلك عادةً له، فيصير دائما صَدُوقًا في أقواله، وإن الرجل ليكذبُ فيكون ذلك عادة له، فيصير دائما كَذُوبًا في أقواله".
ومن ذلك قول الراعي النميري:
عَشِيَّةَ سُعْدَى لو تراءتْ لراهبٍ … بدُومَةَ تَجْرٌ دونه وحَجِيجُ
قَلَى دينَه واهتاجَ للشوقِ إنها … على الشوق إخوانَ العزاءِ هَيُوجُ (^٢)
٤ - فَعِيل: مثل "سميع، شبيه، عليم، خبير، بصير، حميد".
_________________
(١) البوائك: سمان الإبل، ومن يكثر ذبح سمان الإبل فهو كريم.
(٢) دومة: اسم سوق للعرب يجتمعون به، تجر: تجار، قلى دينه: كرهه، إخوان العزاء: الصابرون المتجلدون. يقول: إن "سعدى" جميلة جمالا فائقا يؤدي للخبال، فلو تراءت لراهب في سوق به كثير من الناس التجار والحجاج، لسبته، وأهاجت أشواقه، فكره دينه وتبعها. الشاهد: في "إخوان العزاء هيوج" فإن "هيوج" من أمثلة المبالغة على وزن "فعول" وقام بعمل الفاعل، ففاعله ضمير مستتر، ومفعوله مقدم هو "إخوان العزاء".
[ ٦٦٤ ]
ومن ذلك:
- قول العرب: "إن الله سميعٌ دعاءَ منْ دعاه".
- قول ابن قيس الرقيات فيما أنشده سيبويه:
فتاتان أمّا منهما فشبيهةٌ … هِلالًا وأخْرى منهما تُشبهُ البدْرَا (^١)
٥ - فَعِل: مثل: جَدِل، حَذِر، أَكِل، عَجِل، خَصِم" تقول: "أحب كل امرئٍ حَذِرٍ مضاره، وأحتقر كل إنسانٍ جَدِلٍ في حديثه".
ومن ذلك قول الشاعر:
حَذِرٌ أمورًا لا تضيرُ وآمِنٌ … ما ليس مُنْجيه من الأقدار (^٢)
هذا وقد وصف هذا الوزن الأخير بأنه قليل في اللغة.
_________________
(١) الشاهد في قوله: "شبيهة هلالا" فهي مثال للمبالغة على وزن "فعيل" ونصب بعدها المفعول به "هلالا".
(٢) لا تضير: لا تضر. يقول: عجيب ضعف الإنسان وتصور إدراكه، فهو يحذر ما لا يضر ويغفل عما يأتي منه الهلاك من القدر. الشاهد: "حذر أمورا" فإن "حذر" على وزن "فعل" من أمثلة المبالغة وقامت بعمل الفعل، والفاعل ضمير مستتر، والمفعول به "أمورا".
[ ٦٦٥ ]
اسم المفعول:
١ - المقصود باسم المفعول لدى الصرفيين، وكيفية صياغته.
٢ - عمل اسم المفعول في الجملة.
٣ - موازنة بين اسم الفاعل والمفعول من الناحيتين الصرفية والنحوية.
اسم المفعول وكيفية صياغته:
يقصد به لدى الصرفيين: الوصف المشتق من الفعل المبني للمجهول للدلالة على من وقع عليه الفعل ا. هـ.
ومن ذلك يفهم أن اسم المفعول هو ما تحققت له الصفات التالية:
أ- أن يكون وصفا، وهو بذلك يشترك مع كل الأسماء المشتقة الدالة على الوصف.
ب- أن يكون مأخوذة من الفعل المبني للمجهول، وبذلك يتميز عن اسم الفاعل.
ج- أن يكون دالا على من وقع عليه الفعل، وبذلك يتميز عن كل أسماء الأوصاف مثل "مَحْمُود، مَكْرُوه، مَذْمُوم، مُنْتَقى، مَكرَّم".
أما كيفية صياغته من الفعل فتكون على النحو التالي:
أولا: من الفعل الثلاثي يصاغ بوزن "مفعول" مثل مكْتُوب، مقْروء، مصْون، ملُوم، مَعِيب، مَجِيء".
ثانيا: من غير الفعل الثلاثي يصاغ بوزن المضارع مع قلب حرف
[ ٦٦٦ ]
المضارعة ميما مضمومة وفتح ما قبل الآخر، مثل "مُقَدَّم، مُشَارَك، مُعَاد، مُسْتَفَاد، مُقَام".
عمل اسم المفعول في الجملة:
علم في معنى اسم المفعول أن من أهم صفات صياغته مجيئه من الفعل المبني للمجهول، ومعنى ذلك أنه يقوم بعمل الفعل المبني للمجهول، وما يرد بعده في الجملة يكون نائب فاعل على النحو التالي:
أولا: إذا كان اسم المفعول مأخوذا من الفعل المتعدي يكون نائب الفاعل أصله المفعول به، تقول: "أمسموعٌ صوتُ الحقِ في عالَمٍ فَقَدَ ضميرَه" وتقول: "ما مُضَيَّعَةٌ حقوقٌ يُطَالِبُ بها أهلُها".
ثانيا: إذا كان اسم المفعول مأخوذا من الفعل اللازم يكون نائب الفاعل معه هو المصدر أو الجار والمجرور أو الظرف "راجع: نائب الفاعل".
تقول: "الكلامُ الرديءُ مسكوتٌ عنه" و"العملُ الجادُّ مُنْصَرَفٌ إليه".
هذا … وينبغي التنبه إلى أن كل ما قيل في اسم الفاعل -من حيث تقسيمه إلى ما فيه "أل" فيقوم بعمل الفعل دون شروط، وإلى المجرد منها ولا بد من الشروط السابقة هناك- هذا كله أيضا يصدق على اسم المفعول تماما كما هو هناك في اسم الفاعل.
الموازنة بين اسمي الفاعل والمفعول:
بمعاودة النظر على ما سبق من حديث اسمي الفاعل والمفعول؛ يمكن -دون عناء كبير- الموازنة بينهما من حيث الصياغة والنحو على التفصيل التالي:
[ ٦٦٧ ]
أولا: من الناحية الصرفية:
يتفق كل من اسم الفاعل والمفعول في أنهما يصاغان من كل من الفعل المتعدي واللازم، فتقول في اسم الفاعل من "شاهد، استراح": "مُشاهِد، مستريح" وتقول في اسم المفعول منهما: "مُشاهَد، مُستَراح له".
ويختلفان في أن اسم الفاعل يصاغ من الفعل المبني للمعلوم، أما اسم المفعول فإنه يصاغ من الفعل المبني للمجهول، أو بعبارة أخرى: يأتي اسم الفاعل في موضع الفعل المبني للمعلوم واسم المفعول في موضع الفعل المبني للمجهول، فأنت تقول: "ما نائمةٌ عينُ الجبان" وتقول أيضا: "ما مُسَهَّدة عينُ الشجاع" ومن البيّن أنه يمكن وضع الفعل "تنَام" موضع اسم الفاعل في المثال الأول وهو مبني للمعلوم، كما يمكن وضع الفعل "تُسَهَّد" موضع اسم المفعول -في المثال الثاني- وهو مبني للمجهول.
ثانيا: من الناحية النحوية:
يتفق كل من اسم الفاعل والمفعول في التفصيلات والشروط التي ذكرت في اسم الفاعل، بمعنى أن كلا منهما إن كان بـ "أل" قام بعمله النحوي بلا شروط، وإن كان بغير "أل" فإنه لا يقوم بهذا العمل إلا بالصفات التي ذكرت في معنى الجملة وألفاظها، كما سبق شرحه.
أما افتراقهما نحويا فيتمثل في أن اسم الفاعل يرفع الفاعل، أما اسم المفعول فيرفع النائب عن الفاعل، وهذا أمر مفهوم مما سبق.
[ ٦٦٨ ]
الصفة المشبهة:
١ - المقصود بالصفة المشبهة، ووجه تسميتها مشبهة.
٢ - ألفاظ الصفة المشبهة بين القياس والسماع.
٣ - الصور اللغوية لجملة الصفة المشبهة، مع بيان إعراب الاسم بعدها.
الصفة المشبهة:
لنلاحظ أولا الأمثلة التالية للصفة المشبهة:
- نقول: "حسَن الوجه، طلْق المحيا، رقيق القلب، طيَّب المعاشرة، شَهْم المعاملة، جمّ المروءة، ليّن الجانب، رَزَان النَّفس".
ونقول: "إنها جميلة الوجه، بضَّة الجسم، عذْبة الروح، سوداء العينين، هيفاء القوام، عفيفة السلوك، حرة الخلق، حَصَان النفس".
في كل هذه الأمثلة السابقة أسماء مما يطلق عليه "الصفة المشبهة" ومنها "حسن، طلق، رقيق، طيِّب، شَهْم، جمّ، لَيّن، رَزَان، جميلة، بَضّة، عذْبة، سوداء، هيفاء، حُرّة، حَصَان"، وغير ذلك كثير جدا وسيأتي.
وقد اختلف أقوال العلماء حول تحديد معنى الصفة المشبهة اختلافا متغايرًا تماما، والحق أن ما ورد عن ذلك لا تناقض فيه، وإنما هو اختلاف في النظرة إلى الصفة المشبهة بين الناحيتين الصرفية والنحوية، فاتجه بعض علماء النحو في بيانها على أساس الصيغة الصرفية، فأوردوا قيودها بناء على ذلك، واتجه آخرون لبيانها على أساس الناحية النحوية، فأوردوا قيودها بناء على ذلك، وهذان الاتجاهان يمكن أن يمثلهما التعريفان التاليان:
الأول: كما جاء في قطر الندى والأشموني- هي الصفة المصوغة لغير
[ ٦٦٩ ]
تفضيل من فعل لازم لإفادة نسبة الحدث إلى الموصوف بها دون إفادة معنى الحدوث" ا. هـ.
ومن البيّن أن هذا التعريف صرفي، وجهته تحديد الصفة المشبهة من حيث صيغتها -وإن تعرض أيضًا للمعنى- فهو يأخذ في اعتباره القيود التالية:
أ- أنها وصف -لغير تفضيل- إذ تدل -كما سبق غير مرة- على حدث وصاحبه، مثل "فَرِح" تدل على شخص موصوف بالفرحة، ومثل "بَطَل" إذ تدل على إنسان متصف بالبطولة.
ب- أنها تصاغ من فعل لازم، وهذا هو الغالب فيها، فمثلا كلمة "ضَخْم" من الفعل "ضَخُم" وهو لازم، وأيضا كلمة "شريف" من الفعل "شَرُف" وهو لازم.
ج- أنها تفيد نسبة الصفة لموصوفها، ولا تفيد حدوثها، بمعنى أنها تدل على ما هو موجود فعلا بالنسبة لصاحبها، ولا تدل على شيء حدث بعد أن لم يكن، كما هو واضح في "جَبَان، شُجاع، بَطَل" فهي صفات موجودة في صاحبها قبل الحديث عنها، وربما استمرت أيضا بعد هذا الحديث.
الثاني: كما جاء في الألفية وشروحها- "هي الصفة التي استحسن أن تضاف لما هو فاعل في المعنى" ا. هـ.
ومن البيّن أن هذا التعريف يأخذ في اعتباره الناحية النحوية من أن الصفة المشبهة تضاف لما هو فاعلها في المعنى، أي أن المضاف إليه معها وإن كان مجرورا لفظا لكنه هو الفاعل الحقيقي لها، مثل "نَقِيُّ الثوبِ" و"طاهرُ العِرْضِ" فإن الكلمتين "الثوب، العرض" مضافتان للصفة وهما في الوقت نفسه الفاعلان في الذهن، فالثوب ينسب له النقاوة، والعرض ينسب له الطهارة، وهذه الطريقة هي التي تحدد بها الصفة المشبهة.
[ ٦٧٠ ]
والحق أن التحديد الأول أدق وأشمل من الثاني الذي عارضه من يُعْتَدّ بهم من النحاة.
لماذا سميت مشبهة؟:
لاحظ الأمثلة التالية:
كان الرسولُ شريفًا النفسَ طيبًا الأخلاقَ.
وكان أبو بكر ضَئيلًا جسمَه شُجاعًا رُوحَه.
في المثالين السابقين نجد في المثال الأول صفتين مشبهتين هما "شريف، طيب" والاسم الذي بعدهما يمكن نصبه فينطق "النفسَ، الأخلاقَ" كذلك في المثال الثاني صفتان مشبهتان هما "ضئيل، شجاع" وبعدهما أيضا اسمان منصوبان هما "جسم، روح".
إن المعني الذي يخطر هنا على الذهن هو: أن الصفة المشبهة تؤخذ من الفعل اللازم -كما سبق القول في تعريفها- فكيف إذن أتى بعدها الاسم منصوبا في الاستعمال اللغوي مع أن الفعل اللازم لا ينصب الاسم بعده؟
هذه هي المشكلة التي واجهت النحاة، فتخلصوا من ذلك بإطلاقهم على هذه الصفات أنها "مشبهة" ومعنى ذلك -في رأيهم- أنها مشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد الذي ينصب بعده المفعول، وما دامت مشبهة به فيصح أيضا أن يأتي بعدها المنصوب، أما وجوه المشابهة بينها وبين اسم الفاعل فتتلخص في أمرين:
الأول: أنها تدل مثله على معنى وصاحبه، فهي وصف مثله تماما، فكما أن "مُكْرِم" اسم فاعل تدل على شخص ينسب له الكرم، وكذلك "كريم" صفة مشبهة تدل على المعنى السابق نفسه.
الثاني: أن كلا منهما يكون مفردًا ومثنى ومجموعًا، مذكرًا ومؤنثًا.
[ ٦٧١ ]
فكما يقال: "عاقل، عَاقِلَان، عَاقِلون، عاقِلة، عاقلتان، عاقلات" يقال أيضا في الصفة المشبهة: "فَرِح، فَرِحان، فَرِحون، فَرِحة، فَرِحَتان، فَرِحات".
من أجل هذين الأمرين السابقين اللَّذيْن يتعلق أحدهما بالمعنى والآخر باللفظ سميت هذه الصفة مشبهة، والذي دعا إلى عقد هذه المشابهة وجود الاسم المنصوب في الجملة التي ترد فيها.
والذي أراه أن الأمر مرجعه أولا وأخيرًا استعمالُ اللغة، فقد ورد الاسم مع هذه الصفة منصوبًا، وكان وصفه -كما ورد- كافيا دون عقد هذه المشابهة وإطلاق هذه التسمية، فهي تراكمات صناعية دعا إليها البحث عن علة المنصوب ثم عقد المشابهة، ثم التسمية، وما كان أغناهم عن ذلك كله لو اقتصروا على الوصف اللغوي وحده.
ألفاظ الصفة المشبهة بين السماع والقياس:
ينبغي باختصار التعرف على المقصود بالقياس والسماع.
فالقياس: يقصد به ذكر قاعدة عامة تنطبق على كل ما يندرج تحتها من الأمثلة؛ كما تقول مثلا: "يصاغ اسم الفاعل من الثلاثي على وزن فاعل" فهذه قاعدة عامة يندرج تحتها "ساهر، نائم، قائم، راكع، ساجد، عالم، جاهل".
أما السماع: فيقصد به أن ذلك المسموع لا يدخل تحت قاعدة عامة، بل سمع عن العرب هكذا، فنقل في كتب اللغة والنحو كما سمع، كقولنا: "اسم المكان المختص الذي ورد منصوبا في اللغة سماعي لا يقاس عليه" مثل "دخلت الدار والمسجد".
تحت أيّ هذين القسمين إذن تأتي ألفاظ الصفة المشبهة؟
إن ألفاظ الصفة المشبهة سماعية، ومن الصعب حصرها، فهي كثيرة جدا
[ ٦٧٢ ]
ولا تندرج تحت قواعد حاسمة تجمعها وكل ما يذكر من قواعد لصياغتها من الثلاثي ومن غيره "راجعها في كتب الصرف" إنما هدفه التقريب لا الحصر ويقصد منه المعاونة على معرفتها لا القياس.
من أجل ذلك أرى من الأفضل إيراد مجموعة من الكلمات الآتية للصفة المشبهة دون إيراد قواعد لصياغتها، فهي غير حاسمة من جهة، وموضعها كتب الصرف من جهة أخرى:
- أشْيَب، شيخ، طيّب، جَوَاد، عفيف، ضيّق.
- فَرِح، أَشِر، بَطِر، لَبِق، فَطِن، نَهِم، جَشِع، شَرِه، لَسِن، غِرّ، حُر.
- أعْرَج، أحْمَق، أهْوَج، أخضَر، أصفَر، أحمَر، أغْيد، أهْيَف، غيداء، هيفاء، سمراء، شقراء، حسناء.
- ريّان، عطشان، شبعان، جوْعان، ظمآن، غَصَّان.
- بخيل، عَمِيل، سقيم، مريض، طبيب، لبيب، ذكيّ، غبيّ، تَقِيّ، نَقِيّ، طَرِيّ، رهيب، عجيب، نبيه، وضيء، عميق، صفيق.
- بطَل، حسَن الوجه، شهْم، ضخْم، نذْل، طلْق المحيّا، صلْب العود.
- حَصَان، رَزَان، جبان، شُجاع، عُضال.
- كريم، عظيم، رقيق، جميل، نبيل، لئيم.
- ضامر البطن، حادّ الذهن، جامد الإحساس، طاهر السيرة.
[ ٦٧٣ ]
جملة الصفة المشبهة وإعراب الاسم بعدها:
ينبغي في عرض هذه الفكرة تجنب ما خاضت فيه كتب النحو من الأعمال الذهنية المجهدة المتشعبة لإيراد صور جملة الصفة المشبهة، فقد أوصلها "الأشموني" إلى ٧٢ صورة و"ابن عقيل" إلى ٣٦ صورة، فهذا عناء يشق فهمه على الدارس العادي "فارجع إليهما في ذلك إن أردت".
فالمهم هنا هو التصور المفيد لجملة الصفة المشبهة من ناحيتين:
الأولى: الصور الثلاث لجملتها بحسب الاسم الذي يقع بعدها.
الثانية: إعراب الاسم الواقع بعدها رفعا ونصبا وجرا.
الناحية الأولى: صور جملة الصفة المشبهة.
الصورة الأولى: لاحظ الأمثلة التالية:
يستحقُّ احترامَنا الأستاذُ الطيّبُ قلبُه الشهْمُ معاملتُه.
ويثير اشمئزازَنا الأستاذُ الضعيفةُ شخصيتُه الشرِسةُ معاملتُه.
فهذه الصورة تتكون -كما ترى في الأمثلة- من الصفة المشبهة معربة بحسب ما يقتضيه نظام الجملة قبلها + الاسم بعدها متصلا بضمير يعود على الموصوف بها.
الصورة الثانية: لاحظ الأمثلة التالية:
يستحق حبَّنا الطالبُ النظيفُ الأخلاق الحرُّ العقل.
ويثيرُ احتقارَنا الطالبُ النّذلُ الأخلاق البليدُ العقل.
فهذه الصورة تتكون -كما ترى في الأمثلة- من الصفة المشبهة معربة بحسب ما يقتضيه نظام الجملة قبلها + الاسم بعدها متصلا بالألف واللام.
[ ٦٧٤ ]
الصورة الثالثة: لاحظ الأمثلة التالية:
يستحق احترامَنا كلُّ جنديّ شجاعٍ قلبًا صلبٍ عودًا.
ويثير احتقارَنا كلُّ جنديّ جبانٍ قلبًا فَسْلٍ تصرفًا.
فهذه الصورة تتكون -كما ترى في الأمثلة- من الصفة المشبهة معربة بحسب ما يقتضيه نظام الجملة قبلها + الاسم بعدها خاليا من الضمير ومن "أل".
الناحية الثانية: إعراب الاسم بعدها:
ورد الاسم بعد الصفة المشبهة في اللغة مرفوعا ومنصوبا ومجرورًا، والقصد هنا توجيه هذه الوجوه الثلاثة من الناحية الإعرابية.
توجيه الرفع: لاحظ المثال التالي:
من الرجولة أن يكون الشابُّ نبيلًا قلبُه ذكيًّا عقلُه.
فكل من الكلمتين بعد الصفة المشبهة -وهما "قلبه، عقله"- مرفوع على أنه فاعل، وهناك رأي آخر يقول: إنه بدل من الضمير المستتر في الصفة، وهو رأي لا شهرة له.
توجيه النصب: لاحظ المثالين:
من الأنوثة أن تكون الفتاةُ رقيقةً قلبَها لبِقَةً حديثَها.
ومن صيانة الأنوثة أن تكون الفتاةُ حُرَّةً نفسًا عفيفةً سلوكًا.
فكل من الكلمتين "قلبها، حديثها" في المثال الأول، ثم "نفسا، سلوكا" في المثال الثاني منصوبة، وفي المثال الأول الكلمتان معرفتان، وفي المثال الثاني نكرتان.
قال النحاة: الاسم المنصوب المعرّف بعد الصفة المشبهة يعرب على أنه "شبيه بالمفعول له" لأن الصفة المشبهة من الفعل اللازم، فلا يصح أن يعرب الاسم بعدها مفعولا به، بل هو شبيه بالمفعول به، أما الاسم المنصوب النكرة بعد الصفة المشبهة، فيعرب على أنه "تمييز" وذلك أحسن ما قيل في هذا الموضوع.
[ ٦٧٥ ]
توجيه الجر: لاحظ المثالين التاليين:
من الأنوثة أن تكونَ الفتاةُ رقيقةَ القلبِ لبقةَ الحديثِ.
ومن الرجولة أن يكون الشابُّ نبيلَ القلبِ ذكيَّ العقلِ.
كل من الكلمات "القلب، العقل، الحديث" في المثالين السابقين مجرورة بعد الصفة المشبهة على أنها "مضاف إليه".
وتتلخص جملة الصفة المشبهة وإعرابها في الآتي:
أ- يأتي بعد الصفة المشبهة اسم مضاف إلى ضمير المتصف بها أو به "أل" أو مجرد من "أل" والإضافة.
ب- تعرب الصفة المشبهة في جملتها بحسب ما يقتضيه سياق الجملة.
ج- الاسم بعدها يجيء مرفوعا على أنه فاعل أو منصوبا على أنه "مشبه بالمفعول به" إن كان معرفة، أو "تمييز" إن كان نكرة، كما يأتي مجرورا على أنه "مضاف إليه".
[ ٦٧٦ ]
اسم التفضيل:
١ - المقصود باسم التفضيل وما يتفرع على صيغته ومعناه.
٢ - صفات الفعل الذي يصاغ منه اسم التفضيل.
٣ - الصور اللغوية لجملة اسم التفضيل وعمله النحوي فيها.
اسم التفضيل:
لاحظ الأمثلة التالية:
العربيُّ أكرم النّاسِ لضيوفه.
والمصريُّ أظرف الناسِ حديثا.
والوطنُ أهمُّ من المالِ والولد.
والدفاعُ عنه أرْوَعُ الأعمال بطولة.
في كل الأمثلة السابقة اسم يدل على التفضيل، والمراد به -استخلاصا من كلام النحاة- كل وصف على وزن "أفْعَل" يدل على أن اثنين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر في تلك الصفة ا. هـ.
ومن البيّن أن "اسم التفضيل" هو ما توافر له الصفات التالية:
أ- أن يكون وصفا، وقد مر أن المقصود بذلك ما دل على معنى وصاحبه.
ب- أن يكون هذا الوصف على وزن "أفعل" بأن تكون صياغته من الفعل على هذا الوزن، كالكلمات "أكرم، أظرف، أهمّ، أرْوَع" في الأمثلة السابقة.
ج- أن يدل على شيئين اشتركا في صفة وزاد أحدهما على الآخر فيها
[ ٦٧٧ ]
كقولنا: "الحريّةُ أغْلَى قِيَمِ الحياة" و"العِلْم أقْرَبُ طريقٍ للحضارة" لكن يتفرع على هذا التحديد المسألتان التاليتان:
الأولى: وردت ثلاث كلمات في اللغة بدون الهمزة وتفيد التفضيل، وهي "خَيْر، شَرّ، حَبّ" إذ تفيد ما يفيده "أخْيَر وأشَرّ وأَحبّ" ومما يساق لذلك الشواهد التالية:
- قول القرآن على لسان إبليس متفضلا على آدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْه﴾ (^١).
- قول القرآن: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).
- قول الآخر:
وزادني كَلَفًا بالحبّ أنْ مَنَعَتْ … وحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعا (^٣)
ويبدو أن الكلمتين الأوليين يستعملان حقا -كما قال النحاة- بدون الهمزة، لكثرة الاستعمال نثرا ونظما، أما الكلمة الأخيرة فيبدو أنها تستعمل على الأصل "أحَبّ" ووردت بذلك في القرآن والنثر الفصيح، ومن ذلك:
قول القرآن: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (^٤).
_________________
(١) الآية ١٢ من سورة الأعراف.
(٢) من الآية ٢٢ سورة الأنفال.
(٣) كلفا: تمسكا شديدا. يقول: الممنوع محبوب، لقد زادني تمسكا بها تمنعها. الشاهد: قوله في الشطر الثاني: "حب شيء إلى الإنسان ما منعا" إذ جاءت "حب" اسم تفضيل بدون الهمزة: وهي من الكلمات الثلاث التي تأتي كذلك لكن للبيت رواية أخرى: "أحب شيء إلى الإنسان ما منعا" باستعمال الكلمة بالهمزة على الأصل، وعلى ذلك لا شاهد فيه.
(٤) من الآية ٣٣ سورة يوسف.
[ ٦٧٨ ]
- قول عليّ: "لَأَنْ أصومَ يومًا من شعبانَ أحبُّ إلى من أن أفْطرَ يوما في رمضان".
أما البيت الذي استُشهد به على استعمال "حَبّ" دون همزة فله رواية أخرى، فقد ورد الشطر الثاني هكذا "أحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعَا" وعليها لا شاهد فيه.
الثانية: أن وزن "أفْعَل" قد يستخدم في الكلام ولا يقصد به المفاضلة بين شيئين، وذلك يرد في صورتين:
أ- ما كان على وزن "أفْعَل" من أوزان الصفة المشبهة، فيدل على مجرد الصفة ولا مفاضلة فيه، مثل: "الإنسانُ الأحمقُ من يتكلمُ قبل أن يَعْرِفَ، ويندفعُ قبل أن يَتَثَبَّتَ".
ب- ما يطلق عليه في النحو "أفعل التفضيل على غير بابه" بأن يقصد منه المبالغة في الصفة دون التفضيل، ويفهم ذلك من ظروف الكلام الذي ورد فيه، تقول: "اللهُ أرْحَمُ بعباده" فالمقصود هو المبالغة في الرحمة دون المفاضلة، وتقول: "الحقُّ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ" فالمقصود هو المبالغة في جدارة الحق بالاتباع.
وقد ورد من ذلك قول الفرزدق:
إن الذي سَمَكَ السماءَ بَنَى لنا … بيتًا دَعَائمُه أعَزُّ وأطْوَلُ (^١)
_________________
(١) سمك السماء: كماء جاء في القاموس- رفعها، دعائمه: أعمدة البيت التي يقوم عليها. يقول مفتخرا: إن الله الذي رفع السماء جعل لنا شرفا عاليا رفيعا لا يدانيه أحد في العز والرفعة. الشاهد: قوله: "دعائمه أعز وأطول" فقد جاء اسم التفضيل على غير بابه فالمقصود به المبالغة في الصفة، والمعنى "دعائمه عزيزة طويلة".
[ ٦٧٩ ]
ما يصاغ منه اسم التفضيل:
قال ابن مالك عن صياغة كل من "صيغتي التعجب واسم التفضيل" من الأفعال:
وصُغْهما من ذي ثلاثٍ صُرِّفَا … قابِلِ فَضْلٍ تمَّ غيرِ ذي انْتفا
وغيرِ ذي وصف يُضَاهِي أشْهَلا … وغيرِ سالكٍ سبيلَ فُعِلَا
ففي هذين البيتين الصفات التي ينبغي توافرها في الفعل الذي يصاغ منه اسم التفضيل -ومثله صيغتا التعجب- وهي -كما وردت في البيتين بالترتيب- سبع صفات:
١ - أن يكون الفعل ثلاثيًّا.
٢ - أن يكون متصرِّفا.
٣ - أن يكون الفعل قابلا للمفاضلة، لكي يحقق معنى "اسم التفضيل".
٤ - أن يكون الفعل تامّا، وقد سبق تحديد التام والناقص.
٥ - ألا يكون الفعل منفيًّا.
٦ - ألا تكون الصفة المشبهة منه على "أفعل" الدال على الألوان أو العيوب والحلي مثل "أشْهَل، أسْوَد".
٧ - ألا يكون مبنيا للمجهول.
فلنلاحظ الأمثلة التالية:
- أفعال استوفت الشروط فيأتي منها اسم التفضيل:
"كَرُمَ، سَاءَ، ضَبَطَ، هَدَى، ضَلَّ، نَبُه، شَرُف".
- أفعال لم تستوفِ الشروط فلا يبنى منها اسم التفضيل.
تجمع، استمع، ليس، نِعْم، بئس، غربت الشمس، مات، كان، أصبح، ما ضلّ وما غَوَى، سَوِدَ، خَضِرَ، قُرِئَ، سُئِلَ.
[ ٦٨٠ ]
هذه صفات ما يبنى منه اسم التفضيل من الأفعال، فما لم يستوف هذه الصفات مجتمعة -بأن نقص منها واحدة أو أكثر- فلا يبنى منه اسم التفضيل على صورته التي سبق شرحها، بل تسلك اللغة طريقتين للإتيان باسم التفضيل منها على التفصيل التالي:
الطريقة الأولى: لاحظ الأمثلة التالية:
الشعبُ المتحضرُ أسْمَى إحْسَاسَا من المتخلِّف.
الظلمُ أشَدُّ سوادًا من الظلام.
تستخدم هذه الطريقة للتفضيل مع صنفين من الأفعال هما: ما زاد على ثلاثة مثل "أحَسَّ" وما كان الوصف منه على أفعل مثل "سَوِدَ".
وتتكون جملة التفضيل فيها -كما ترى في الأمثلة- من الإتيان "باسم مناسب على وزن أفعل + المصدر الصريح للفعل منصوبا على التمييز بعده".
الطريقة الثانية: لاحظ الأمثلة التالية:
الظّلمُ أوْقَعُ ما يكونُ مؤلما مع رؤيةِ الظالم والعجز عنه.
الكلامُ المفيدُ أحَقُّ أن لا يُترَك والكلامُ الرخيصُ أولى أنْ لا يُسمَعَ.
المحسنُ أحَقُّ أنْ يُكَافَأَ والمسيءُ أوْلَى أن يعاقب.
تستعمل هذه الطريقة مع ثلاثة أنواع من الأفعال هي "الناقصة، المنفية، المبنية للمجهول" وتتكون جملة التفضيل فيها -كما ترى في الأمثلة- من الإتيان "باسم مناسب على وزن أفْعَل + المصدر المؤول بعده".
أما الأفعال الجامدة والأفعال التي لا تفاضل في معناها، فلا يأتي منها اسم التفضيل مطلقا.
[ ٦٨١ ]
جملة اسم التفضيل وعمله النحوي فيها:
ينبغي في عرض هذه الفكرة التعرض لناحيتين هما:
أ- الصور الأربع لجملة التفضيل.
ب- الوظيفة النحوية لاسم التفضيل في جملته.
الناحية الأولى: صور جملة التفضيل:
تأتي جملة التفضيل على الصور الأربع التالية:
الصورة الأولى: لاحظ الأمثلة التالية:
قد يكون الصمتُ أقْوَى من الكلام.
وربما كان الساكتون أبْلَغَ من الناطقين.
وفي هذه الجملة يكون اسم التفضيل مجردا من الألف واللام "أل" والإضافة، كما ترى في المثالين السابقين الكلمتين "أقوى، أبلغ" وحينئذٍ توصف جملة التفضيل بما يلي:
أ- يبقى اسم التفضيل دائما مفردا مذكرا.
ب- يؤتى بعد اسم التفضيل بحرف الجر "من" جارّا للمفضل عليه.
الصورة الثانية: لاحظ الأمثلة التالية:
إن قولَ الصّدقِ هو النهجُ الأمْثلُ للنجاة.
وإن سيادةَ العدالة هي الطريقةُ المُثلى لأمن الناس.
فهاتان الصفتان تحققان النّهجين الأمْثلين للنجاة والأمن.
وفي هذه الصورة يكون اسم التفضيل مقترنا بالألف واللام، كما ترى في الأمثلة السابقة "الأمثل، المثلى، الأمثلين"، وحينئذٍ يطابق ما جاء لتفضيله إفرادًا وتثنية وجمعا، وتذكيرًا وتأنيثًا.
[ ٦٨٢ ]
الصورة الثالثة: لاحظ الأمثلة التالية:
التصميمُ أوَّلُ مرحلةٍ لبلوغ الغاية.
والتصميمُ ثم التنفيذُ أهمُّ طريقين لتحقيقِ الغاية.
وفي هذه الصورة يكون اسم التفضيل مضافا لنكرة، كما ترى في الكلمات "أوّل، أهمّ، أقرب"، وحينئذٍ توصف جملة التفضيل بما يلي:
أ- يبقى اسم التفضيل دائما مفردًا مذكرًا، تماما كالمجرد.
ب- النكرة التي أضيفت إليه تطابق ما جاء اسم التفضيل له في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.
الصورة الرابعة: لاحظ الأمثلة التالية:
يقال: أذكياءُ الناس أحْسَنُهم أخلاقًا.
ويمكن: أذكياءُ الناسِ أحَاسِنُهم أخلاقًا.
فالذكاءُ أقْصَرُ الطرقِ للمعرفة والفضيلة.
وفي هذه الصورة يكون اسم التفضيل مضافا لمعرفة، كما ترى في الأمثلة السابقة "أحسن، أحاسن، أقصر"، وحينئذٍ توصف جملة التفضيل بما يلي:
أ- اسم التفضيل يمكن أن يطابق من هو له، ويمكن ألا يطابقه، فيلزم الإفراد والتذكير.
ب- المعرفة التي أضيفت إليه لا تلزم فيها المطابقة.
فلنطبق ما قيل في الصورة الأخيرة على ما يلي:
- قول القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ (^١).
- قول القرآن ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ (^٢).
طابق من هو له في التذكير والجمع.
_________________
(١) من الآية ١٢٣ سورة الأنعام.
(٢) من الآية ٢٧ سورة هود.
[ ٦٨٣ ]
- قول القرآن ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (^١)
لم يطابق فبقي مفردا مذكرا.
- قول الرسول: "ألا أخبركم بأحبِّكم إليّ وأقربِكم مني منازلَ يومَ القيامة أحَاسنُكم أخلاقا المُوطّئون أكنَافا الذين يألَفون ويُؤلَفون".
لم يطابق في "أحب، أقرب"، وطابق في "أحاسن".
وخلاصة هذا الموضوع كله تتلخص في الأمور التالية في المطابقة:
أ- اسم التفضيل المجرد والمضاف لنكرة يجب إفراده وتذكيره.
ب- اسم التفضيل المقترن بالألف واللام يجب مطابقته لما هو له.
ج- اسم التفضيل المضاف لمعرفة تصح فيه المطابقة وعدم المطابقة.
الناحية الثانية: العمل النحوي لاسم التفضيل:
المقصود بذلك بيان ما يأتي بعده من الأسماء مرفوعا ومنصوبا وتوجيه الرفع والنصب، تفصيل ذلك كما يلي:
ما يرفع مع اسم التفضيل:
لاحظ الأمثلة التالية:
الإنسانُ أذكَى من كلِّ المخلوقات.
ذكاءُ الإنسانِ أدْنَى منه ذكاءُ كلِّ المخلوقات.
وما أذْكَى أنت من زميلك، بل أنتما متساويان.
في المثال الأول فاعل اسم التفضيل ضمير مستتر يعود على كلمة "الإنسان".
_________________
(١) من الآية ٩٦ من سورة البقرة.
[ ٦٨٤ ]
فالأصل في اسم التفضيل أن يرفع الضمير المستتر، أما رفع الاسم الظاهر والضمير البارز، كما في المثالين الأخيرين فهو -كما وصفه ابن هشام- لغة ضعيفة.
قال النحاة: ويستثنى من ذلك "مسألة الكحل" فإنه يصح رفع الاسم الظاهر فيها بعد اسم التفضيل قياسا مطردا بلا ضعف.
وضابط هذه المسألة: أن يتقدم على اسم التفضيل نفي بعده اسم نكرة موصوف باسم التفضيل، بعده اسم مفضل على نفسه باعتبارين، فلنتأمل في ذلك الشواهد التالية:
- مثال المسألة: ما رأيتُ فتاةً أحسنَ في عينها الكحلُ منه في عين هند.
- ما ورد في الأثر: "ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ منه في عشر ذي الحجة".
- قول الشاعر:
ما رأيت امرأً أحَبَّ إليه الـ … ـبذلُ منه إليك يا ابنَ سنان (^١)
ومن البيّن أن كل هذه الشواهد مستوفاة للشروط التي سبق ذكرها.
ما ينصب مع اسم التفضيل:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الإنسانُ أعْظَمُ المخلوقاتِ ذَكَاءً.
وهو أفْضَلُها عند الله كرامةً.
ولكنه أقْسَاهَا جُحُودًا ونُكْرَانًا.
_________________
(١) هذا البيت كله وصف لغوي متكامل لمسألة الكحل، فاسم التفضيل "أحب" وصف نكرة "امرأ" بعده اسم مفضل على نفسه باعتبارين هو "البذل" فإن البذل من "ابن سنان" أحب من غيره، ومع هذا الوصف اللغوي يرفع اسم التفضيل الاسم الظاهر فاعلا، وفاعل اسم التفضيل في البيت هو "البذل".
[ ٦٨٥ ]
الأسماء المنصوبة بعد اسم التفضيل في هذه الأمثلة "ذكاء، كرامة، جحودا، نكرانا" منصوبة على التمييز، فاسم التفضيل لا ينصب المفعول به في رأي معظم النحاة.
وخلاصة هذا الموضوع كله تتلخص في الآتي:
أ- اسم التفضيل يرفع الضمير المستتر، كما يرفع الاسم الظاهر في مسألة "الكحل" فقط، أما رفعه غير ذلك من الأسماء الظاهرة والضمائر المنفصلة فلغة ضعيفة.
ب- تجيء بعد اسم التفضيل الأسماء منصوبة على "التمييز".
[ ٦٨٦ ]
تدريبات:
التدريب الأول:
قال دعْبل الخزاعي يعاتب عتابا مرّا ساخرا: (^١)
أما آن أن يُعتِبَ المذنبُ … ويرضى المسيء ولا يغضب
وغُول اللجاجة غرّارة … تجِدّ وتحسبها تلعب
أبعد الصّفاءِ ومَحْضِ الإخاء … يُقِيمُ الجفاء بنا يخطب
وقد كان مشربنا صافيا … زمانا فقد كدِرَ المشرب
وكنّا نزعنا إلى مذهَب … فسيح فضاق بنا المذهب
ومَنْ ذا المواتي له دهره … ومن ذا الذي عاش لا يُنكب
فإن كنتَ تعجب مما ترى … فما سترى بعده أعجب
فعودك من خُدع مورقٌ … وواديك من علل مخصب
فإن كنتَ تحسبني جاهلا … فأنت الأحقّ بما تحسب
فلا تَكُ كالراكبِ السَّبعِ كي … يُهاب وأنت له أهيب
ولو كنت أملك عنك الدفاع … دفعتُ ولكنني أغلب
١ - ما الفرق الصرفي والمعنوي بين الفعل "يعتب" بضم ياء المضارع أو فتحها، أترى لذلك تأثيرا في تعدي الفعل ولزومه، وجه ما تقول.
٢ - كلمة "غرارة" في البيت الثاني، من أي الأسماء التي تؤدي عمل الفعل؟ اشرح كيفية أدائها لذلك، ثم أعربها كما وردت في البيت.
٣ - كلمة "مشرب" في البيت الرابع، من أي المصادر؟؟ اشرح أداءها لعمل الفعل كما وردت في البيت.
٤ - "لا تك كالراكب السبع" يؤدي اسم الفاعل هنا عمل الفعل مطلقا طبق على هذه الجملة القاعدة السابقة.
_________________
(١) ديوان دعبل الخزاعى، طبع بيروت ١٩٦٢ ص ٢٤.
[ ٦٨٧ ]
٥ - "يقيم الجفاء بنا يخطب" لو غيرت كلمة "الجفاء" فنطقت "جفاء" فهل يتغير موقع الجملة بعدها، اذكر القاعدة التي تحكم ذلك.
٦ - "من ذا المواتي له دهره" أعرب هذه الجملة تفصيلا باعتبار "ذا" اسم إشارة أو اسم موصول، ثم وجه الجملة الاسمية بعدها على الاعتبارين.
٧ - "فأنت الأحق بما تحسب" و"أنت له أهيب" خاطب بالجملتين السابقتين المفردة والمثنى والجمع بنوعيهما، راجع قبل ذلك حكم اسم التفضيل في المطابقة
التدريب الثاني:
قال طرفة:
إذا كنتَ في حاجة مُرسلا … فأرسلْ حكيمًا ولا تُوصِه
وإنْ ناصحٌ منك يومًا دنا … فلا تَنأَ عنه ولا تُقصِه
وإن بابُ أمر عليك الْتَوَى … فشاورْ لبيبا ولا تَعْصِه
وذو الحق لا تنتقصْ حقه … فإنّ القطِيعة في نَقصِه
ولا تذكر الدهرَ في مجلس … حديثا إذا أنت لم تُحْصِه
ونُصَّ الحديث إلى أهله … فإن الوثيقة في نصِّه
ولا تحرصَنّ فربّ امرئٍ … حريصٍ مضاعٌ على حرصِه
وكم من فتى ساقطٍ عقلُه … وقد يُعجَبُ الناسُ من شخصِه
وآخر تحسبه أحمقا … ويأتيك بالأمر من فصِّه
لَبِسْتُ الليالي فأفْنَيْنَنِي … وسَرْبَلَني الدهرُ في قُمْصِهِ
[ ٦٨٨ ]
١ - هل يصلح اسم الفاعل "مرسلا" في البيت الأول لأداء عمل الفعل؟ وجه ذلك نظرا وتطبيقا.
٢ - أين المنعوت في الجملتين: "أرسل حكيما، شاور لبيبا" أعرب هاتين الصفتين بتقدير المنعوت أو بدونه.
٣ - "رُبَّ امرئ حريص مضاع على حرصه" اذكر الخواص النحوية للحرف "رب" مطبقا على هذه الجملة.
٤ - "كم من فتى ساقط عقله" ما نوع النعت في هذه الجملة؟ أيد ما تقول تفصيلا، ثم أعرب الجملة كلها باعتبار "كم" خبرية مبتدأ.
٥ - "نُصَّ الحديث إلى أهله" ما معنى هذه الجملة؟؟ أعربها باعتبار "نص" فعل أمر، ثم انطقها باعتباره فعلا ماضيا.
٦ - "لبست الليالي" أدخل الهمزة على الفعل "لبس" للإتيان بجملة جديدة، ثم وازن بين الجملتين نحويا.
٧ - وجه جزم الأفعال "لا تنأ، لا تقصِه، لا تحرَصنَّ، لم تحصه" ثم زنها كما وردت في النص.
التدريب الثالث:
من شعر المتنبي:
ذلَّ من يغبط الذليل بعيش … رُبَّ عيش أخف منه الحِمام
كلّ حلْم أتى بغير اقتدار … حجّةٌ لاجئٌ إليها اللّئام
من يهن يسهل الهَوان عليه … ما لجرح بميِّت إيلام
[ ٦٨٩ ]
١ - "رب عيش أخف من الحمام" يمكن نطق الجملة في النثر "ربَّ عيش أخف من حمام" وازن بين الجملتين معنى وإعرابا.
٢ - ابدأ الجملة السابقة بقولك: "ربَّ أحياء … " ثم أكملها باسم تفضيل مناسب مع المحافظة على معنى الشطر الثاني في البيت الأول.
٣ - عين من البيت الثاني ركني الجملة الاسمية الأساسيين.
٤ - في البيت الثاني نعتان، جملة ومفرد عينهما، ثم وجّه الثاني باعتباره حقيقيا أو سببيًّا.
٥ - ما الذي تغيره في البيت الثاني لتصير جملة "أتي بغير اقتدار" حالا؟ اذكر ما يؤيد ذلك من القواعد.
٦ - استعمل المصدر "اقتدار" في جملتين، يعمل فيهما عمل الفعل منوّنا في واحدة ومضافا للفاعل في الثانية.
٧ - "من يهن يسهل الهوان عليه" غيِّر فعل الجواب بكلمة "سهل" ثم وازن بين الجواب إعرابا واستعمالا.
٨ - " ما لجرح بميت إيلام" ما الموقع النحوي لكل من الجار والمجرور "لجرح بميت" أيد ما تقوله بالقاعدة.
٩ - المصدر "إيلام" استعمله عاملا مضافا في جملتين مختلفين.
١٠ - كيف يأتي التفضيل من المصدر "إيلام" حقق ذلك عمليا بجملتين مختلفي المعنى.
[ ٦٩٠ ]