قال ابن درستويه٥ وكذلك قوله: وقفت الدابة، وقفت وقفا للمساكين، وقفت أنا، لا يجوز أن يكون الفعل اللازم من هذا النحو، والمجاوز على لفظ واحد في النظر والقياس؛ لما في ذلك من الإلباس وليس إدخال الإلباس في الكلام من الحكمة والصواب، وواضع اللغة ﷿ حكيم عليم، وإنما اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاوز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين، أو أحدهما ضد الآخر لما كان في ذلك إبانة، بل كان تعمية وتغطية، ولكن قد يجيء الشيء النادر من هذا لعلل، كما يجيء فعل وأفعل فيتوهم من لا يعرف العلل أنهما
_________________
(١) ١ انظر ليس لابن خالوية ص ٤٦. ٢ انظر اللسان، وإبدال ابن السكيت ص ٢٥. ٣ انظر اللسان، وابن يعيش جـ١٠ ص٥. ٤ انظر الجمهرة جـ٣ ص٤٣٨، والممتع لابن عصفور جـ ١ ص٣٩٩، وما اختلفت ألفاظه واتحدت معانيه ص٣٢، والتصريف الملوكي ص٤٤. ٥ انظر تصحيح الفصيح جـ١ ص ١٦٦ تحقيق عبد الله الحبوري طبعة بغداد.
[ 50 - 51 / ٢٧٨ ]
لمعنيين مختلفين، وإن اتفق اللفظان فالسماع في ذلك صحيح عن العرب والتأويل عليهم خطأ، وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع فتأوّل فيه الخطأ وذلك أن الفعل الذي لا يتعدى فاعله إذا أصبح إلى تعدية لم يجز تعديته على لفظه الذي هو عليه حتى يغير إلى لفظ آخر.
ومما يدل على أن الأصل في وقف ما ذكرنا أنهم يقولون:-
ما أوقفك هاهنا؟ ١ بالألف، ويجدونه أحسن وأفصح عندهم من قولهم: ما وقفك هاهنا، وهو أكثر استعمالا منه فالأصل في وقفت أن يكون غير متعد بنفسه إلى مفعول مثل ثبت ولبثت، وألا يتعدى إلا بزيادة قبله أو بعده أو غير ذلك، فيقال أوقفته أو وقفت به أو وقفته بالتشديد، ثم يجوز حذف الجار بعد ذلك لما ذكرنا من وجوب التخفيف وكثرة الاستعمال، وطول معرفته واعتياده؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ لأنه بمعنى حبسوا أو محبوسون.
ثم استطرد يفسر هذه المادة فقال:٢ وأما قوله: (أي ثعلب) وقفت الدابة أقفها فمعناه: حبست الدابة عن السير، وكذلك وقفت وقفا للمساكين أي حبسته عليهم، وكذلك وقفت أنا أي احتبست عن الشيء، أو المضي، وثبت مكاني قائما، واسم فاعله واقف، ومفعوله موقوف، ومصدرها لا يتعدى منه الوقوف. ومصدر المتعدى الوقف.
[ 50 - 51 / ٢٧٩ ]