أكثرهم لا يبالي بإظهار النون الخفيفة والتنوين عند الياء والواو، ولا يتحسس إلى ذلك، ولا يعده لحنا، كقوله تعالى: ﴿أن يقولوا﴾ ﴿من يلمزك﴾ ﴿أليما. يوم ترجف الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ ﴿من جنات وعيون وزروع ومقام كريم﴾، وما أشبه ذلك، حيث وقع في القرآن.
ولم يقرأ أحد من الأئمة مثل هذا بالإظهار. وسألت أبا علي الحلولي ﵀ عن الصلاة خلف من يظهر النون الخفيفة والتنوين عند الياء والواو، فقال: نكره الصلاة خلفه، لأنه قد خرق الإجماع، وقرأ بما لم يقرأ به أحد. وقال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: رأى بعض أهل العلم أن اللحن الذي لا يجوز مثل إظهار هذه النون الخفيفة. والتنوين عند الياء والواو، وتبديل الضاد ظاء، والظاء ضادًا، وأشباه ذلك، إذا كان في غير أم القرآن، أن الصلاة خلف القاريء بذلك جائزة. قال: ومنع أبو الحسن بن القابس ﵀ من الصلاة خلفه، وإن كان لحنه في غير أم القرآن. قال الشيخ أبو محمد: وهذا صحيح، لأنه إذا غير القرآن كان متكلما في الصلاة، إذ كلام الله ﷿ غير
[ ٢٠٢ ]
ملحون، فليس الذي تكلم به كلام الله تعالى، وإنما هو كلامه، فصار كمن تكلم في الصلاة متعمدًا.
قلت أنا: فأما إظهار بعض المؤذنين التنوين عند الراء في قوله: أشهد أن محمدا رسول الله، فغير صواب أيضا، إلا أن الراء في هذا أخف من الياء والواو، لأن حفصا عن عاصم أظهر النون عند الراء في حرف واحد، وهو قوله تعالى: ﴿وقيل من راق﴾ ولكنه سكت على النون سكتة خفيفة، وهو يريد الوصل، وقال بعض أهل العلم: إنما أظهر وسكت تلك السكتة، ليفهم السامع أنهما كلمتان، إذ لو أدغم كما قرأ سائر الناس لأمكن أن يتوهم السامع أن من راق كلمة واحدة، وأنها فعال من مرق يمرق.
وسمعت من يقرأ: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ بتشديد الواو من قوله تعالى: ﴿فأحسن صوركم﴾، وتشديدها لا يجوز. وسمعت من يخفف العين من قوله تعالى: ﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾ وتخفيفها لا يجوز، لأنه من قوله تعالى ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا﴾ يقال: دعه يدعه، إذا رفعه، على وزن: شده يشده.
ومنهم من يبالغ في إظهار النون الخفيفة والتنوين، عند العين وما أشبهها، حتى تصير إلى التشديد، فيقول يومئذن، في قوله تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾.
ورأيت بعض أئمة المساجد يتعمد الوف على قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت
[ ٢٠٣ ]
ثم ويبتديء رأيت نعيما﴾، وعلى قوله: ﴿مطاع ثم﴾ ويبتديء ﴿أمين﴾، وعلى قوله تعالى: ﴿كيف فعل ربك بعاد﴾ ويبتديء ﴿إرم ذات العماد﴾ وبعضهم يتعمد الوف على إرم، ويبتديء بذات العماد.
وكذلك ربما تعمدوا الوف على قوله تعالى: ﴿يدخلون في دين الله أفواجا﴾ وعلى قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾.
وهذا المواضع وأمثالها لا يجوز أن يقف عليها إلا من غلبه النفس. وليس هذا موضع ذكر العلل التي يقبح الوقف من أجلها، لاقتضائها اتساع الكلام فيخرج الكتاب عن حده، وبعضهم إذا وقف على آخر سورة القدر فقال: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ زاد ألفا بين الفاء والجيم. وكذلك إذا وقف على آخر سورة العصر، فقال: وتواصوا بالصبر مد صوته حتى يتولد بين الصاد والباء ألف. ومثل هذا لا يجوز. لأنه زيادة حرف في كتاب الله ﷿.
وكذلك إذا وقف على آخر سورة الانفطار، قوله تعالى: والأمر يومئذ لله لم يثبت الألف التي بعد اللام في اسم الله ﷿، وهذه الألف محذوفة في الخط، ثابتة في اللفظ على كل حال، لا يجوز حذفها إلا في ضرورة الشعر، كما جاء عن بعض العرب:
ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما الله بارك في الرجال
[ ٢٠٤ ]
وقال آخر:
أقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغله
فأما في القرآن، فلا يجوز، لأنه نقص من كتاب الله ﷿.
ومثل ذلك كثير، مما لو تقصيته لطال، وإنما أذكر بعض الشيء، ليستدل به على جميعه. وهذا لا يقدر على التحرز منه إلا من قرأ شيئا من العربية، أو واظب على قراءة القرآن على الأئمة.
[ ٢٠٥ ]