من ذلك قول الله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذي قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾.
يتوهمون الآية على العموم، وأن النصارى بخلاف اليهود والذين أشركوا، وأن الله قد مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا. وليس كذلك إنما عنى الله ﷿ النجاشي ومن آمن معه، والدليل على ذلك قوله ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾.
ونحو ذلك وله ﷿: ﴿يأيها الذي آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾.
يحتجون بهذه الآية على من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، حتى عطلوا بذلك فرضا من فروض الله ﷿ ولا يعلمون أنها منسوخة بآية السيق، والمنسوخ لا يحتج به.
وروى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ على هذه الأعواد يقول: يا أيها الناس إنكم لتقرأون هذه الآية ﴿والذي بعثني بالحق
[ ٢٤٦ ]
لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعقابه ثم لتدعن فلا يجاب لكم﴾.
ومن ذلك توهم قول النبي ﷺ: وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج: أن معناه: حدثوا عن بني إسرائيل بما صح عندكم وبما لم يصح. وليس كذلك. قال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: إنما المعنى لا حرج عليكم ألا تحدثوا عن بني إسرائيل، لأن أول الحديث واجب، عليكم أن تبلغوا عني ولو آية. وليس بواجب عليكم أن تحدثوا بما صح عندكم من حديث بني إسرائيل، بل إن شئتم حدثوا، وإن شئتم لا تحدثوا، لا حرج عليكم في ذلك، كما عليكم الحرج إذا لم تبلغوا عني.
ومن ذلك احتجاج من أذنب ذنبا بأن آدم حج موسى بقوله: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟ وليس لأحد منا أن يحتج بهذا الحديث. ولا يجوز أن نقيس ذنوبنا بذنب آدم ﵇ لأنه قد غفر الله له، وأعلمنا بذلك. وما غفره الله من الذنوب فلا يلام عليه صاحبه. وإنما اللوم والعقوبة منا على من لم يعلمنا الله تعالى أنه قد غفر له. ألا ترى أن الكافر إذا أسلم لا يلام ولا يعاقب على شيء مما أتى في حال كفره، لأن الله ﷿ قد أعلمنا مغفرته له بعقوبة: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ والمؤمن المذنب بخلاف ذلك. فالأمران مفترقان.
ومن ذلك قولهم: العامة مشتقة من العمى. وليس كما ظنوا. إنما العامة من العموم ولو كانت من العمى لقيل: العامية بالياء وتخفيفها.
[ ٢٤٧ ]
وقولهم: إنما سمي المنزل لأجل الماء، والأصل الماء انزل أي هذا الماء فانزل.
وليس كما ظنوا. وإنما هو اسم المكان من نزل ينزل، كما تقول هذا مضرب القوم، لموضع الضرب، ومجلسهم لموضع الجلوس.
وقولهم: افحام الصبي من البكاء يعنون أنه اسود من شدة ما بكي، حتى صار كلون الفحم.
وليس كذلك: إنما يقال بكى الصبي حتى فحم، أي انقطع صوته، فهو من الانقطاع لا من السواد وتقول منه: جادلت فلان فأحمته، أي أسكته وقطعت كلامه. وشاعر مفحم أي منقطع.
وقولهم: ضربه فأشواه يعنون أنه أحرقه بالضرب كما يشوي اللحم في النار. وليس كذلك.
إنما معناه: أشواه، أصاب شواه، والشوى: أطراف الجسد، كاليدين والرجلين. ومنه قول الله تعالى: ﴿نزاعة للشوى﴾ وقيل: الشوى: جلدة الرأس والشوى أيضا: رذال المال ويقال: شوى ما أخطأ دين الإنسان أي هين.
[ ٢٤٨ ]