مسألة [٧٥]
يبطل عملُ ما الحجازية إنْ تقدَّمَ خبرُها، كقولهم: ما مُسِيءٌ مَنْ أعتَبَ)، أيْ مَنْ رَجَعَ عن الإساءة، وإنْ اقترنَ خبرُها بإلا، نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ﴾، أو اسمُها بإنْ الزائدة، كقوله: [البسيط].
(بَني غُدانةَ ما إنْ أنتم ذَهَبٌ ولا صريفٌ ولكِنْ أنتُم الخَزَفُ)
[ ٢٧٧ ]
وقوله: [الوافر].
(فما إنْ طِبُّنا جُبُنٌ ولكِنْ مَنايانا ودَوْلَةُ آخرينا)
أو بمعمول الخبر وليس ظرفًا ولا مجرورًا، كقوله: [الطويل].
(وقالوا تَعَرَّفْهَا المنازلَ مِنْ مِنًى وما كلُّ مَنْ وافَى مِنًى أنا عارفُ)
فأما البيت الأولُ فغُدانةُ بالمعجمة المضمومة والدال المهملة: حي من يَربوع، و(ما) نافية، و(أن) زائدة كافة لما عن العمل.
وزعم الكوفيون أنّها نافية مؤكدة، ويَلزمهم أن لا يبطل عمل (ما) كما لا يَبْطُلُ عملُها إذا تكررت على الصحيح.
بدليل قوله: [الكامل].
(لا يُنسِك الأسَى تأسيًا فما من حِمامٍ أحدٌ معتصِمًا)
نعم، رَوى يعقوبُ: ذَهبًا وصَريفًا، بالنصب، فعلى هذا هي نافية مؤكدة لما.
[ ٢٧٨ ]
ومعنى هذا البيت: لا ينسك ما أصابك من الحُزْنِ /١٣٦/ علَى مَنْ فَقَدْتَهُ، أنْ تتأسى بِمَنْ سَبقك مِمنَ فَقَدَ أحبابَهُ، فليسَ أحدٌ ممنوعًا من الموت.
ومَنْ زَعَمَ أن (ما) إذا تكررت بطل عملُها جعل مَنْفِي (ما) الأولى محذوفًا، أي فما ينفعك الحزن، وهو تَكلُّف.
و(الصَّريف) الفِضّة. و(الخَزَفُ) الجَرُّ جَمْعَ جَرَّةٍ.
وأما البيت الثاني فإنّه للكميت، أو لفروة بن مُسَيْكٍ، بضم الميم وفتح السين. والشاهد فيه كالشاهد في الذي قبله.
و(الطِبُّ) العادة. و(الجُبُن) بضم الباء وبإسكانها: ضد الشجاعة، والذي يؤكل أيضًا، وفي المأكول لغةٌ ثالثة، وهي تشديد النون.
يقول: إنْ كنا قد حصل لنا أسر وقتل فليس ذلك، لأنّ عادتنا الجبن، ولكن الله تعالى قدّر منايانا وحصول دَولةٍ لغيرنا فلا مَفَرَّ من ذلك. ويُروى (وطعمة) بدل (ودولة). وقبلَهُ:
[ ٢٧٩ ]
(فإن نَغْلِبْ فغلابُون قِدمًا وإنْ نُغلَبْ فغيرٌ مُغَلَّبينا)
وبعده:
(كذاك الدهرُ دَولتهُ سِجالٌ تكرُّ صُروفُهُ حينًا فحينا)
(فبينا ما تُسَرُّ به وتَرَضَي ولو لُبِسَتْ غضّارتُه سنينا)
(إذا انقلبت به كرّاتُ دَهْرٍ فألفيتَ الأُولى غُطبطُوا طَحينا)
(ولو خَلَد الملوكُ إذًا خَلَدْنَا لو بَقي الكرامُ إذًا بَقِينا)
وأما البيت الثالث فإنَّهُ لمزاحم العُقيليّ يذكرُ امرأةً يَهْواها، فإنه سأل عنها، فقيل له: تَسلْ عَنْها في منازل الحاجّ بمنى، فقال: أنا لا أعرفُ كلّ مَنْ وافَى مِنى.
قال النّحاسُ: قلتُ لأبي إسحاق: الإنسانُ يسألُ مَنْ يَعْرِفُهُ ومَنْ لا يَعْرِفُهُ، فقال: إنّما يسأَلُ عَنْها مَنْ يَعْرِفُه، ويَعْرِفُها. وانتصابُ المنازلِ على إسقاط (في) توسعًا لا على الظرْفِ، لأنهُ مختصٌ. وكل منصوب بعارف وأوقعه /١٣٧/ إلى جانب (ما) وليس بظرفٍ، فلذلك قال: (عارفُ) بالرفع. ويُروَى: (كُلُّ) بالرفع على أنَّه اسم (ما)، والجملةُ من قوله: (أنا عارفُ) خبرها، والعائد محذوف، أي: عارفهُ، وذلك مستسهل إذا كانَ
[ ٢٨٠ ]
مسألة [٧٦] زعم ابن مالك وابنه أن (ما) قد تعمل مع تقدم خبرها
المخبَرُ عنه (كُلاُّ) كقراءة ابن عامر: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى﴾، وكقوله: [الوافر].
(ثلاثٌ كلُّهنَّ قتلتُ عمدًا فأخزى اللهُ رابعةً تعودُ)
وقول أبي النجم: [الرجز].
(قد أصبحْت أمُّ الخيارِ تدَّعي عليَّ ذنبًا كلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ)
مسألة [٧٦]
زَعَمَ ابن مالك وابنُه أنّ (ما) قد تُعمَلُ مَعَ تقدُّم خبرها، كقوله: [البسيط].
(فأصبَحُوا قد أعادَ اللهُ نِعمتَهُم إذْ هُمْ قريشٌ وإذْ ما مِثْلَهُمْ بَشَرُ)
[ ٢٨١ ]
ومع انتقاض نفي الخبر بإلا كقوله: [الوافر].
(وما حَقُّ الذي يَعتو نَهَارًا ويَسْرِقُ ليلَهُ إلا نَكَالا)
وقال آخر: [الطويل].
(وما الدّهرُ إلا منجنونًا بأهْلهِ وما صاحبُ الحاجات إلا مُعَذَّبا)
فأما البيت الأول فإنه للفرزدق يمدحُ به بني أميّةَ، يقول: إنّ مُلْكَ العرب كان في الجاهلية لغير قريش وسائر مَضُر، وكانوا أحق به لفضلِهم على جميع البشر، فلما جاء الإسلام رجعَ إليهم الملكُ الذي كانوا أحقّ الناسِ به.
وهذا البيتُ حملَهُ سيبويه على ما ذكرنا من أعمال (ما) مع تقدّم خبرِها، وهو مُشكل؛ لأن الفرزدق تميمي، وبنو تميم لا يعملون (ما) مع تأخُّرِ خبرها، فكيف مع تقدّمه.
وقد أُجيب: بأنّه أرادَ أنْ بتشبه بالحجازيين فلم يَدْرِ ما شرطُ إعمالِها عندهم، وبأنَّهُ أرادَ أنْ يُخَلِّصَ الكلامَ للمدح، لأنَّك إذا قُلْتَ: ما مثلُكَ أحدًا، فنفيت الأحدية، احتمل المدح والذمَّ، فإن نصبتَ المثل ورفعتَ (أحدًا) تعيَّنَ للمدح.
[ ٢٨٢ ]
وفي الجوابين نظرٌ، لأن الشاعرَ إذا جازَ أنْ يَغْلطَ في لغةٍ غيره جازَ أنْ يَغْلَطَ في لغةِ نفسهِ /١٣٨/، وزالتِ الثّقةُ بكلامهِ، ولأنّ السياقَ يعيّن الكلامَ للمدحِ.
وقال غيرُ سيبويه: لا إعمال في البيت، ثم قيل: مثلَهُم، مبتدأ، وفتحتُه، بناء، لا بهامهِ ولإضافتِه لمبني مثل: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فيمن قرأه بالفتح، وقيل حالٌ من (بشر) وحُذِفَ الخبرُ، والأصل: ما في الوجود بَشرٌ مثلُهُم، برفع (مثل) على الصفة للنكرة، ورُدَّ بأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة، وقيل ظرف.
والمعنى: ما بَشَرٌ في مكان مثل مكانِهم، ثم أنيبَتِ الصفةُ عن الموصوف، والمضافُ إليه عن المضاف. ورُدَّ بأنّ الصفة إنّما تخلف الموصوف إذا اختصَّتْ بجنسهِ، ولهذا جازَ: رأيتُ كاتبًا، وامتنع: رأيتُ طويلًا.
وأما البيت الثاني فهو لمغلِّس بن لقيط. و(يَعْتُو) بالمهملة، أي: يستكبر أشدَّ الاستكبار، ويتجاوزُ الحدَّ. قاله الزُّبَيْديُّ، ويشهد له ﴿فَعَتَوْا
[ ٢٨٣ ]
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾، وقال الزمخشري: يتجاوزُ الحد في الظلم، وشهدُ له: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ والعطفُ يؤذِنُ بالمُغابرة. وقوله: (إلا نَكالا) وهو محل الاستشهاد، ولا دليلَ فيه لوجهين، أحدُهما: لاحتمالهِ انّ الأصل (بألا نكالان) أي نكالٌ لعُتْوِّه، ونَكالٌ لسرقته، ثم حَذَفَ النونَ للضرورة، فهو حينئذِ مرفوعٌ لا منصوبٌ.
والثاني: أن يكون أصله (إلا ينكل نكالًا) فالنصبُ على المصدريّةِ لا على الخبرية، ونظيرهُ: ما زيدٌ إلا سَبْرًا، أي إلا يَسيرُ، ولكن هذا ضعيف من وجهين، أحدُهما: أن فيه إضمار أن المصدرية وصلتِها، وإبقاء معمولِ الصلةِ، وذلك نظير حَذْفِ الاسم وابقاءِ بعضه، والثاني: أنّ المخبرَ عنه ليس اسم عَيْن كما هو في المثال، فالقياسُ فيهِ أنْ يرفعَ عبى الخبريةِ /١٣٩/ نحو: ما شأنُك إلا سَيْرٌ.
وأما البيتُ الثالثُ، فالمنجنونُ: الدُّولاب، ولا دليل فيه أيضًا، لاحتمالهِ لأنْ يكونَ من باب "ما زيد إلا سَيْرًا" على أنّ الأصل: إلا يَدورُ دورانَ مَنْجَنُونٍ، وألا يُعَذَّبُ مُعَذَّبًا، أيْ تعذيبًا.
كما قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي تمزيق، ثم حُذِفَ الفعلان وما أُضيف إلى منجنون، وأقيمَ المنجنون مقامَهُ.
[ ٢٨٤ ]
مسألة [٧٧] قد تدخل الباء الزائدة على خبر كان المنفية
وجوز ابن با بشاذ أن يكون الأصل: إلا كنجنون، ثم حُذِفَ الجار، فانتصب المجرور.
ومَنْ زَعَمَ أن كافَ التشبيه لا تَتَعلَّقُ بشيء فَهَذَا التخريج عندَهُ باطلٌ، إذْ كانَ حَقُّه أنْ يرفعَ المجرورَ بَعْدَ حَذْفِها، لأنَّهُ كانَ في محلِّ رفع على الخبرية لا في موضعِ نَصْبٍ باستقرار مقدر، فإذا ذهبَ الجارُّ ظهرَ ما كان للمحلِّ.
مسألة [٧٧]
قد تدخلُ الباءُ الزائدةُ على خبر كان المنفية كقوله: [الطويل].
(وإنْ مدت الأيدي إلى الزادِ لَمْ أكُنْ بأعجلهِم إذْ أجْشَعُ القَومِ أعْجَلُ)
وعلى المفعول الذي أصله خبر المبتدأ إذا نفي عاملهُ كقوله: [الطويل].
[ ٢٨٥ ]
(دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بقُعْدَدِ)
وعلى خبر مبتدأ مسبوق بهل كقوله: [الطويل].
(ويقول إذا أقلولي عليها وأقْرَرَتْ ألا هَلْ أخو عيشٍ لذيذٍ بدائمِ)
وعلى خبر أن كقوله: [الطويل].
(فإن تنأ عنها حقيةً لا تُلاقِها فإنّك مِما أحدَثَتْ بالمجربِ)
فأما البيت الأول فإنه للشَّنْفَري الأزديّ، واسمه ثابت بن جابر، وهو أحد خُرَّاب العرب، أي لصوصهم، والواحد حَارِبٌ. و(الزاد) في الأصل الطعام الذي يتخذ للسفر، ثم أطلق على /١٤٠/ كل طعام. و(الجَشَع) بالجيم فالمعجمة فالمهملة: أشد الحرص على الأكل، ويُقال منه: جَشِعَ، بالكسرِ، فهو جَشِعٌ ومِجْشَاعٌ، قال: [الطويل].
(ولستُ بِمْجْشَاعٍ وإنْ كُنْتُ أخمصًا ولا هَلِعٌ عند الصريخِ المُثوِّبِ)
و(أعجلُ) في البيت بمعنى: عجِل، لا للتفضيل.
[ ٢٨٦ ]
والبيت من كلمة شهيرة تسمى لامية العرب، وكان أهل الأدب يقولون: أولى ما تراض به الأبناء لاميةُ العرب، أو السّبْعُ الطِّوال، فإنّها تفتق الألسنَ بالفصاحة، وتهذّب الأخلاقَ، وتزيد في العقل. وأولها:
(أقيموا بني أُمّي صدورَ مطيُكم فإني إلى قومٍ سواكم لا ميلُ)
(فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ وشُدَّت لطيّاتٍ مَطايا وأرحلُ)
(وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى مُتحولُ)
(لعَمْرُكَ ما في الأرض ضيق على امرئٍ سَرَى راغبًا أو راهبًا وهو يَعقِلُ)
(ولي دونَكم أهلون سِيد عملسٌ وأرقطَ زهلولٌ وعَرفاءَ جَيْألُ)
(هُم الأهل، لا مستودعُ السرِ شائعٌ لديهم ولا الجاني بما جَرِّ يُخْذَلُ)
(وكلُّ أبيُّ باسِلٌ غيرَ أنني إذا عرضت أولى الطرائدِ أبْسَلُ)
(وإن مُدَّتِ الأيدي البيت)
(وما ذاك إلا بَسْطَةٌ عن تفضُّلٍ عليهم وكانَ الأفضلَ المتفضِّلُ)
ومنها:
(أُديمُ مطالَ الجوعِ حتى أُميتَهُ واضرب عنه الذكرَ صَفْحًا فأذْهَلُ)
(وأسْتفُّ تُرْبَ الأرض كيلا يُرى له عليَّ من الطَّوْلِ امروءٌ مُتَطَولُ)
(ولولا اجتناب الذامِ لَمْ يُلْفَ مَشْرَبٌ يُعابُ بِهِ إلا لَدي ومأكل)
(ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي على الخَسْفِ إلا رَيْثَما أتحوَّلُ)
[ ٢٨٧ ]
ومن أبياتها بيت يأتي شرحه- إن شاء الله تعالى- في حروف الجر.
يقال: أقام /١٤١/ صدر مطيّتهِ، إذا سار. و(حُمَّتْ) بالمهملة المضمومة: قُدِّرتْ. و(مُقْمِرٌ) واضح. والطِّيَّة، بكسر المهملة: الحاجة. و(مَنْأَى) مَبْعَدٌ. و(سِيدٌ) ذئبٌ، وجمعه سيدانٌ. و(عملَّس) خفيف. و(أرقط) نمرٌ. و(زُهلول) خفيف اللحم. و(عَرفاء) ضَبُعٌ. و(جيأل) علمٌ عليها، فهو بدل من ضبع، لا عطف بيان، لأن عرفاء نكرة، ولا صفة لأن العلم لا يوصف به و(الباء) في (بما) باء السببية، وهي متعلقة بجر، و(جرَّ) من (الجريرة)، وهي الجناية. و(أبيُّ) حميُّ ممتنعٌ، و(باسل) شديد الإقدام، وأَبْسَل: أشدّ بسالةً.
وأما البيت الثاني فإنه لدريد بمن الصِّمة الجُشَمي. و(القُعْدَد) بضم الدال وفتحها، قال في المحكم: الجبان: اللئيم القاعد عن الحرب والمكارم. وقال ابن السيد في شرح الكامل: الجبان وأيضًا أقعد القرابة في النسب أي أحطهم فيه. وقال الجوهري: القريب الأباء إلى الجد الأكبر، وأنشد عليه البيت.
قال: ووجه الذَّمِّ به أنه من أولاد الهَرْمَى، فيكون ضعيفًا، ويمدح به أيضًا، لأن الولاء للكُبْر. وكان من خبر هذا الشعر أن عبد الله أخا دريد غزا بقومه غطفان، فغنم وانصرف ونزل بمنقطع اللوى، فقال له دريد: ليس هذا بمنزل لك والقوم تابعوك لأجل ما غنمت منهم، فلم يسمع منه، فطلع دريد
[ ٢٨٨ ]
على رابية وأنذرهم مجئ الخيل، ووصف من عليها، فقال عبد الله: هذه فزارة، ولا بأس علينا، ثم أنذرهم آخرين ووصفهم، فقال: هذه أشجع ولا بأس، ثم أنذرهم بآخرين ووصفهم، فقال: هذه عبس، وقد جاءكم الموت، فأدركتهم الخيل، وقاتلوهم قتالًا شديدًا، وطعن ذؤاب ابن أسماء عبد الله، فسقط إلى الأرض واستغاث بدريد، فأقبل يدفع عنه الخيل ساعة، ثم صرع دريد وقتل عبد الله، وانهزم أصحابه، واستنقذت الغنيمة، ويسمى ذلك يوم / ١٤٢/ اللوى، فقال دريد:
(نصحت لعارض وأبناء عارض ورهط بني السوداء والقوم شهدي)
(وقلت لهم إن الأحاليف كلها قعود على ماء الشليل فثهمد)
(وقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج سراتهم بالفارسي المسرد)
(أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد)
(فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد)
(وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد)
(تنادوا وقالوا أردت الخيل فارسًا فقلت أعبد الله ذلكم الردى)
(دعاني أخي البيت)
[ ٢٨٩ ]
(فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت وحتى علاني حالك اللون اسود)
(طعان امرئ آسى أخاه بنفسه ويعلم أن المرء غير مخلد)
(فإن يك عبد الله خلى مكانه فما كان وقافًا ولا طائش اليد)
(كميش الازار خارج نصف ساقه صبور على اللأواء طلاع أنجد)
(قليل التشكي للمصيبات حافظ من اليوم أعقاب المصيبات في غد)
(وهون وجدي أنني لم أقل له كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي)
(فإن تعقب الأيام والدهر تعلموا بني قارب أنا غضاب بمعبد)
(الشهد) جمع شاهد، بمعنى حاضر. و(الأحاليف) الأصحاب، والواحد حليف، كحديث وأحاديث. (والمدجج) بالفتح والكسر: الكامل السلاح، وقيل: لابس السلاح، وإن لم يكمل وقيل: هو بالكسر للفارس، وبالفتح للفرس، وإنهم كانوا يدرعون الخيل. و(الفارسي) دروع تصنع بفارس. و(المسرد) المنسوج بالحلق المحكم. وقيل: الدقيق محل السرد. و(سراتهم) أشرافهم، والواحد سري. و(منعرج / ١٤٣ / اللوى) ما انعطف من الرمل. وقوله (اسودى) أصله (أسودي) بياء مشددة
[ ٢٩٠ ]
للمبالغة في معنى الصفة، كما يقال: احمري، ثم خفف فينبغي كتابته بالياء. و(كميش) مرتفع.
وأما البيت الثالث فإنه للفرزدق يهجو كليبًا، ويرميهم بإتيان الأتن، كما أن بني فزارة يرمون بإتيان الابل. قال: [البسيط].
(لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار)
وقبل البيت:
(وليس كليبي إذا جن ليله إذا لم يذق طعم الأتان بنائم)
وقد وهم أبو علي في (التذكرة)، فقال في قول الفرزدق يرمي كليبًا بذلك: [الوافر]
كأن فوارسًا لبني كليب ضفادع سبحت بمغير بان
وما تنفك تبصر في طريق كليبيًا عليه مزادتان
أنه يريد أنهم حمارة، وأن زجرهم للحمير عند سيرهم بها كصوت الضفادع.
والصواب أنه إنما أراد ما قدمنا، وأنه يريد أنهم أولاد الحمير. و(آقلولي) بالقاف: ارتفع. و(اقرد) بالقاف: لصق بالأرض من ذلة أو فزع.
[ ٢٩١ ]
وإذا قدّرت (هل) بمعنى ما مثلها في ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، فلا دليل فيه.
ويروى: ألا ليت ذا العيش اللذيذ.
فيكون دليلًا على أن الباء قد تدخل على خبر ليت، وقد دخلت بعدها على أن السادة هي وصلتها مسد اسمها وخبرها في قول الحطيئة: [الوافر]
(ندمت على لسان كان مني فليت بأنه في جوف عكم)
و(اللسان) هنا الكلام لا الجارحة، لأن الندم لا يكون على الأعيان / ١٤٤ /، واستعمله مذكرًا، وهو لغة التنزيل لجمعه فيه على ألسنة. و(العكم) هنا باطن الجنب، أتى به على المثل.
وأما البيت الرابع فإنه لامرئ القيس. ومعنى (تنأى) تبعد. و(حقبة) مدة و(لا تلاقيها) بدل من (تنأى)، لأن النأي مشتمل على عدم اللقي. و(المجرب) ويروى بكسر الراء. وعليه يأتي الاستشهاد، أي: فإنك المجرب، ويكون فما أحدثت، إما (تبيينًا) بتقدير (أعني) أو متعلقًا بالمجرب وباؤه للتعليل، أي بسبب ما أحدثته قبل ذلك في حال غيبتك.
ويروي بفتحها، فالمجرب، قال أبو علي الجرجاني: اسم مكان، والباء ظرفية مثلها في ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ أي بحيث يفوزون
[ ٢٩٢ ]
مسألة [٧٨] إعمال لا النافية عمل ليس قليل وكثير
منه، وبحيث جربت، وقال غيره: صدر كالممزق في الآية، والباء بمعنى على، أي فإنك ستراها على التجربة التي عهدت وأول القصيدة.
(خليلي مرا بي على أم جندب تقضي لبانات الفؤاد المعذب)
(فإنكما أن تنظراني ساعة من الدهر ينفعني لدى أم جندب)
(ألا ليت شعري كيف حادث وصلها وكيف تراعي وصلة المتغيب)
(أدامت على ما بيننا من مودة أميمة أم صارت لقول المخبب)
(اللبانات) الحاجات. وقال: نظره بمعنى انتظره. و(المخبب) بالخاء المعجمة والباء الموحدة المكسورة: المفسد / ١٤٥ /.
مسألة [٧٨]
إعمال لا النافية عمل ليس قليل وكثير، فالقليل حيث لا تقترن بها التاء. وتختص هذه بالنكرات كالعاملة عمل أن المؤكدة ويغلب ترك خبرها كقوله: [مجزؤ الكامل].
(من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح)
ومن ذكره قوله: [الطويل]
[ ٢٩٣ ]
(تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا)
قيل: وقد تعمل في اسم معرفة كقوله: [الطويل].
(وحلت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا)
والكثير حيث تقترن بالتاء، وتختص هذه بأسماء الزمان ويجب حذف أحد معموليها. والغالب كونه الاسم وكون معمولها لفظة (الحين) كقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وقرئ شاذًا برفع الحين وقال: [كامل]
(ندم البغاة ولات ساعة مندم والبغي مرتع مبتغيه وخيم)
فاعملها في (الساعة) وقال: [الخفيف].
[ ٢٩٤ ]
(طلبوا صلحنا ولات اوان فأجبنا أن ليس حين بقاء)
فاعملها في الأوان، وإنما كسره ونونه لما سيأتي.
فأما البيت الأول فهو لسعد بن مالك القيسي، جد طرفه بن العبد.
ومعناه: من أعرض عن اصطلاء نار الحرب فإنا مخالف له، لأني الفتى الأصيل المعروف المستغني بشهرته عن إطالة نسبته. وقوله (لا براح) تقرير للجملة السابقة، أي لا براح لي عنها. و(البراح) مشترك بين المكان والزمان. تقول: ما برحت من مكاني براحًا وبروحًا. وما برحت افعل كذا براحًا.
وقيل: لا شاهد فيه، لجواز كون (براح) مبتدأ. ورد بأن / لا / الداخلة على الجمل الاسمية يجب إما اعمالها، أو تكرارها، فلما لم تتكرر / ١٤٦ / عُلِمَ أنها عاملة.
فأجيب بأن هذا شعر، والشعر يجوز فيه أن ترد غير عاملة، ولا
[ ٢٩٥ ]
مكررة. فرد بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة، وأول القصيد:
(يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا)
(والحرب لا يبقى لجا حمها النخيل والمراح)
(إلا الفتى الصبار في الـ نجدات والفرس الوقاح)
وبعد البيت:
(صبرًا بني قيس لها حتى تريحوا أو تراحوا)
(إن الموائل خوفها يعتاقه الأجل المتاح)
قوله (يا بؤس للحرب) نداء في معنى التعجب، أي: ما ابأسها وأشدها. واللام الجارة مقحمة لتوكيد معنى الإضافة، ويختص ذلك في النداء بهذه اللفظة ولا تقع في غير النداء إلا في باب (لا) يقولون لا أبا لزيد ولا أخا لعمرو، ولا غلامي لك، ولولا قصد الإضافة لم تحذف نون المثنى.
ولم تثبت ألفًا (أب وأخ) فإن ذلك يقوله من ليس من لغته القصر، ولقيل: يا بؤسًا، بالنصب، أو يا بؤس، بالضم.
و(الوضع) ضد الرفع، أي أنها اسقطت شرفهم، إذ تركوها لعجزهم فاستراحوا من تحمل المشاق في ابتغاء الحمد.
[ ٢٩٦ ]
وقال رجل للأخنف: ما أبالي أمدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام.
و(أراهط) جمع أرهط، قال: [رجز].
وفاضح مفتضح في أرهطه [من أرفع الوادي ولا من يعتطه]
و(أرهط) جمع (رهط)، وهذا أولى من قول سيبويه: إن أراهط جمع رهط على غير القياس.
و(جاحم الحرب) معظم شدتها. و(التخيل) الخيلاء. أي: صاحب التخيل. و(المراح) / ١٤٧ / المرح واللعب، أي أنها تشغله عن خيلائه ومرحه. و(الفتى) بدل من صاحب التخيل على لغة تميم في إبدال المنقطع. و(النجدات) الشدائد. و(الوقاح) الصلب الجلد والحافر.
ثم أمر إخوانه من بني قيس أن يصبروا للحرب حتى يظفروا بعدوهم، فيريحوا قومهم منه، أو يقتلهم عدوهم، فيريحوهم، و(الموائل) مفاعل من (وأل) منه إذا خلص، أي أن الذي يطلب الخلاص من الحرب لخوفه منهلا لا بد له من الموت. و(المتاح) المقدر. وما أحسن قول قطري بن الفجاءة، يخبر عن مخاطبته نفسه. واسم الفجاءة مازن، وسمي فجاءة
[ ٢٩٧ ]
لأن أباه جاء به من اليمن فُجأة بعد ما صار رجلًا: [البسيط].
(أقول لها وقد طارت شعاعًا من الأبطال ويحك لا تراعي)
(فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي)
(فصبرًا في مجال الموت صبرًا فما نيل الخلود بمستطاع)
(سبيل الموت غاية كل حي وداعيه لأهل الأرض داع)
(ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع)
(وما للمرء حير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع)
(الشعاع) بالفتح: المتفرقة. و(من الأبطال) إما متعلق بـ (تراعي) أو بـ (طارت). (يعتبط) بالعين والطاء المهملتين، يمت شابًا طريًا.
وأما البيت الثاني فظاهر. و(التعزي) التصبر، مطاوع عزيته و(الوزر) الملجأ، وأصله الجبل، والجاران متعلقان باخبرين بعدهما، أو الأول صفة لما قبله.
وأما البيت الثالث فإنه للنابغة الجعدي ﵁. وحمله بعضهم / ١٤٨ / على ظاهره، فأجاز عملها في اسم معرفة وهو قول أبي الفتح في كتاب (التمام)، وابن الشجري، وعلى ذلك يتخرج قول المتنبي: [الطويل].
[ ٢٩٨ ]
(وإذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا)
والأولى في بيت النابغة أن يؤول على أن الأصل: لا أوجد باغيا. ثم حذف الفعل وحده، فبرز الضمير وأنفصل أولا أنا أوجد باغيا، ثم حذف الخبر، وبقي معموله كقراءة علي - ﵁ - (ونحن عصبة) أي نوجد عصبة.
ويروى:
(لا أنا مبتغ سواها .. ولا عن حبها متراخيا)
وعلى هذه الرواية أيضا معملة، ولكنه سكن ياء مبتغ للضرورة كقوله: (الوافر).
كفى بالنأي من أسماء كاف (وليس لحبها ما عشت شاف)
وقول الفرزدق في هشام: (الطويل).
(يقلب رأسا لم يكن رأس سيد .. وعينا له حولاء باد عيوبها)
وكان الأصل (كافيا) على التمييز، و(باديا) صفة لـ (عينا). و(عيوبها) فاعل بـ (باد)، ولو كان (باد) خبرا عن (عيوبها) لوجب أن
[ ٢٩٩ ]
يقول: بادية. و(متراخيا) معطوف على (مبتغ).
وجوز ابن الشجري كون (لا) مهملة فـ (مبتغ) مرفوع، قال: ويكون أعمل (لا) الثانية، وحذف اسمها، أي: ولا أنا متراخيا عن حبها، وحسن حذفه تقدم ذكره انتهى.
ولم يثبت أن اسم لا هذه يحذف، والقياس يأباه، لأن اسم ليس لا يحذف، فالمحمول عليها أحرى بذلك. وقبله:
(دنت فعل ذى ود فلما تبعتها تولت وخلت حاجتي في فؤاديا)
وبعده:
(أتيحت له وآلهم يحتضر المفتى ومن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا)
(فلا هي ترضى دون أمرد ناشئ ولا أستطيع أن أعيد شبابيا/ ١٤٩ /)
(وقد طال عهدي بالشباب وطيبه ولاقيت أياما تشيب النواصيا)
(ولو دام منها وصلها ما قليتها ولكن كفى بالهجر للحب شافيا)
(وما رابها من ريبة غير أنها رأت لمتي شابت وشاب لداتيا)
(ولكن أخو العلياء والجود مالك أقام على عهد النوى والتصافيا)
(فتى كملت خيراته غير أنه جواد فما يبقي من المال باقيا)
(فتى ثم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعاديا)
وهذان البيتان بديعان، ولم يورد أبو تمام في حماسته سواهما.
[ ٣٠٠ ]
وانتصاب (غير) على الاستئناء المنقطع، ولولا أن القوافي منصوبة لكان يصح له أن يقول في بيت الشاهد:
ولا في حبها متراخي
على أن يكون من الضرب الثالث من أضرب الطويل، وهو فعولن كقوله: (الطويل).
(أقيموا بني النعمان عنا صدوركم وإلا تقيموا صاغرين الرؤوسا)
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، فالواو واو الحال، وقلما تستعمل (لات) إلا بعدها.
و(لات) هي لا النافية زيدت عليها التاء لتأنيث اللفظة، أو للمبالغة في معناها، وإنما حركت لالتقاء الساكنين، وكانت الحركة فتحة لمناسبة الألف، لأنها أخف.
والمعنى: وليس ذلك الحين حين فرار، فحذف اسمها، وبقي خبرها. هذا قول الجمهور. وقال الأخفش: هي لا العاملة عمل إن، وحين مناص اسمها، والمحذوف خبرها، قال: أو التقدير: لا أرى حين مناص، فانتصاب الحين على المفعولية.
وقرئ برفع (الحين)، فقال الجمهور: هي على حذف الخبر،
[ ٣٠١ ]
فهي أفصح قياسا لا استعمالا. وقال أبو الحسن: مبتدأ حذف خبره.
وقرئ بجر (الحين) فقال الفراء: هي حرف جر، وقال بعضهم: على اضمار (من)، وقال الزمخشري: الأصل مناصهم، ثم حذف الضمير. وشبه (مناص) / / بـ (إذ) في قوله: وأنت إذ صحيح. فبناه على الكسر، وعوضه التنوين، وصح فيه ذلك وإن لم يكن زمانا، لأنه مخفوض بإضافة الزمان، والمتضايقان كالشئ الواحد، ثم بنى (الحين) لاضافته إلى المبني.
وأما البيت الرابع فواضح أيضا. و(البغاة) جمع باغ، والواو للحال مثلها في الآية. و(مندم) مصدر ميمي كمناص. و(المبتغي) الطالب. و(الوخيم) كالوبئ وزنا ومعنى.
وأما البيت الخامس فإنه لأبي زبيد الطائي.
[ ٣٠٢ ]
وروى أبو عمرو الشيباني وآبن الأعرابي أن رجلا من بني شيبان نزل برجل من طئ، فاضافة وسقاه، فلما سكر قام إليه بالسيف فقلته وهرب، فافتخرت بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد: (الخفيف).
(خبرتنا الركبان أن قد فرحتم وفخرتم بضربة المكاء)
(ولعمري لعارها كان أدنى لكم من تقى وحسن وفاء)
(ظل ضيفا أخوكم لأخينا في صبوح ونعمة وشواء)
(لم يهب حرمة النديم ولكن يا لقوم للسوءة السواء)
(فآصدقوني وقد خبرتم وقد ثا بت إليكم جوائب الانباء)
(هل علمتم من معشر سافهونا ثم عاشوا صفحا ذوى غلواء)
(كم أزالت رماحنا من قتيل قاتلونا بنكبة وشقاء)
(بعثوا حربنا عليهم وكانوا في مقام لو أبصروا ورخاء)
(ثم لما تشذرت وأنافت وتصلوا منها كريه الصلاء)
[ ٣٠٣ ]
طلبوا صلحنا البيت
(ولعمري لقد لقوا أهل بأس يصدقون الطعان عند اللقاء)
(إننا معشر شمائلنا الصبر ودفع الأسى بحسن العزاء)
(ولنا فوق كل مجد لواء فاضل في التمام كل لواء)
(فإذا ما استطعتم فاقتلونا من يصب يرتهن بغير فداء)
(المكاء) اسم للرجل الذي قتل و(جوائب) جمع جائبة، يقال: هل عندكم من جائبة خبر - وهو ما يجوب البلاد أي يقطعها. و(تشذرت) رفعت ذنبها، وأنافت: رفعت رأسها.
وفي توجيه قوله: (ولات أو ان) أقوال، أحدها للفراء: أن لات تستعمل حرف جر. الثاني: لابن جني: أن الأصل ولات حين أوان صلح، ثم حذف خافض الأوان، وبقي عمله، وحذف محفوضه ورجع بالتنوين. والثالث للزمخشري: إن الأصل: أوان صلح، فحذف ثم أنه شبه أوانا بـ (إذ) في قوله: وأنت إذ صحيح. في أنه زمان قطع عن الاضافة، فبناه على الكسر، وعوض التنوين.
وفيه نظر في موضعين، أحدهما: أن (إذ) لم تبن على الكسر بل على
[ ٣٠٤ ]
مسألة [٧٩] يقل إعمال (إن) النافية عمل ليس، وذكر أنه لغة أهل العالية
السكون، ثم لما جاء التنوين كسرت لالتفاء الساكنين، ولا يمكن هنا أن يقال: بنى (أوان) على السكون لأن ما قبل آخره ساكن. والثاني: أن العوض يسد مسد المعوض منه، ولو صرح بالمضاف اليه وجب الاعراب، فكذلك يجب مع عوضه.
والرابع ذكره ابن الناظم، وهو أن الأصل (أوان صلح) ثم حذف المضاف إليه وبنى المضاف، كما في (قبل وبعد)، ولكن جعل بناءه على الكسر، تشبيها له بـ (نزال) في الوزن، ثم نونه للضرورة.
مسألة [٧٩]
يقل إعمال (إن) النافية عمل ليس، وذكر أنه لغة أهل العالية، وعليه قراءة سعيد بن جبير:
(إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم) بنون خفيفة مكسورة، ونصب ﴿عِبادًا أمثالَكُمْ﴾، وقول الشاعر/ /: (المنسرح).
[ ٣٠٥ ]
(إن هو مستوليا على أحد إلا على أضعف المجانين)
فأما القراءة فخرجها على ذلك أبو الفتح، وتبعه الناظم وابنه، وظن أبو حيان أن تخريجها على ذلك يوقع في تناقض القراءتين فإن الجماعة يقرأون بتشديد النون وفتحها، ورفع (عباد وأمثالكم)، وذلك إثبات، وقراءة سعيد على هذا التخريج نفي، فخرجها على أنها إن المؤكدة خففت ونصب الجزأين، كقوله:
إن حراسنا أسدا.
(إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا إن حراسنا أسدا)
ولم يثبت الاكثرون إعمال (ان) النصب في الجزأين، وتاولوا ما أوهم ذلك، ثم القائلون به لم يذكروه إلا مع التشديد، لا مع التخفيف، ثم التناقض الذي توهمه مدفوع، لأنهم أمثالهم في أنهم مخلوقون، وليسوا
[ ٣٠٦ ]
أمثالهم في الحياة والنطق، وقراءة سعيد على هذا التخريج أقوى في التشنيع عليهم من قراءة الجماعة، ويؤيدها ما بعدها من قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآيات).
وأما البيت فواضح، وهو من إنشاء الكسائي، ويروى:
إلا على جذبه الملاعين وفيه على الروايتين شاهد على مسألة أخرى، وهي أن انتقاض النفي بعد الخبر لا يقدح في العمل، ومثله في ذلك قول الآخر: (الطويل).
(إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا)
[ ٣٠٧ ]