مسألة [٨٠]
ربما جاء خبر (عسى وكاد) اسما مفردا، فالأول كقولهم في المثل: "عسى العوير ابؤسا"، وقوله: (الرجز).
(اكثرت في العدل ملحا دائما لأتكثرن أني عسيت صائما)
والثاني كقوله: (الطويل).
(فأبت إلى فهم وما كدت آبيا) (وكم مثلها فارقتها وهي تصفر).
[ ٣٠٩ ]
فأما/١٥٣ / المثل فعسى للاشفاق، و(الغوير) ماء لكلب معروف، قاله ابن الكلبي، وهو في الأصل تصغير غور أو غار.
و(الا بؤس) جمع بؤس، وهو الشدة، واصل المثل: إن الزباء لما قتلت جذيمة جاء قصير إلى عمرو بن عدي، فقال: ألا تأخذ بثأر خالك؟ فقال: كيف السبيل إلى ذلك، فعمد قصير إلى أنفه فجدعها. فقالت العرب: (لا مر ما جدع قصير أنفه) وأتى الزباء، وزعم أنه فر إليها، وأنهم آذوه بسببها، وأقام في خدمتها مدة يتجر لها، ثم أنه أبطأ عنها في سفره، فسألت عنه، فقيل: أخذ طريق الغوير، فقالت،
"عسى الغوير أبؤسا"، ثم لم يلبث أن جاء بالجمال عليها صناديق في جوفها الرجال، فلما دخلوا البلد خرجوا من الصناديق، وانضاف إليهم الرجال الموكلون بالصناديق والجمالون، فقتلوا في الناس قتلا ذريعا، وقتلوا أهل الزباء وأسروها، وفقأوا عينيها، وأتوا بها عمرا، فقتلها، وقيل: أنها امتصت خاتما كان معها مسموما.
[ ٣١٠ ]
ومعنى المثل: لعل الشر يأتي من قبل الغوير، يضرب للرجل يتوقع الشر من جهة بعينها.
وجاء رجل إلى عمر - ﵁ - يحمل لقيطا، فقال له عمر: هسى الغوير أبؤسا.
قال ابن الأعرابي: عرض به، أي لعلك صاحب اللقيط. ووهم ابن الخباز في أصل المثل، فقال: قالته الزباء حين الجأها قصير إلى غارها. انتهى.
وفي الصحاح قال الأصمعي: اصله أنه كان غار فيه ناس، فإنهار عليهم، أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم، فصار مثلا لكل شئ يخاف أن يأتي منه شر.
قلت: وتكون الزباء تكلمت به تمثلا، وهذا أحسن، لأن الزباء فيما زعموا رومية / ١٥٤ /، فكيف يحتج بكلامها، وقد يقال: وجه الحجة أن العرب تمثلت به بعدها.
واختلف في ناصب (أبؤسا)، فعند سيبويه وأبي علي: أنه (عسلا)، وأن ذلك من مراجعة الأصول.
وقال ابن الأعرابي: بـ (صير) محذوفة. وقال الكوفيون: التقدير: أن يكون (أبؤسا)، ومنع سيبويه إضمار أن يكون في قوله: (الوافر).
[ ٣١١ ]
(وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان)
لأن فيه اضمار الموصول، وقدر إلا صفة، وقيل: التقدير يكون أبؤسا. وفيه مجئ الفعل بعد (عسى) بغير (أن)، واضمار (كان) غير واقعة بعد أداة تطلب الفعل. وقيل: التقدير، عسى الغوير يأتي بأبوس.
وفيه ترك (أن) واسقاط الجار توسعا ولكن يشهد له قول الكميت: (البسيط).
(قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم عسى الغوير بإباس وإغوار)
وتلخص أن (أبؤسا) خبر لعسى، أو لكان، أو لصار، أو مفعول به. وأحسن من ذلك كله أن يقدر: ييأس أبؤسا، فيكون مفعولا مطلقا، ويكون مثل قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ أي يمسح مسحا، وقول أبي دهبل الجمحي: (الطويل).
(لأوشك صرف الدهر تفريق بيننا ولا يستقيم الدهر والدهر أعوج)
[ ٣١٢ ]
أي لأوشك يفرق بيننا تفريقا، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى ظرفه، وهذا شعر رقيق، وصدر قصيدته:
(تطاول هذا الليل ما يتبلج وأعيت غواشي الهم ما يتفرج)
(وبت كئيبا ما أنام كأنما جلال ضلوعي جمرة تتوهج)
(فطورا أمني النفس من غمرة المنى وطورا إذا ما لج بي الحب أنشج)
(لقد قطع الواشون ما كان بيننا ونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج)
(أخطط في ظهر الحصير كأنني أسير يخاف القتل ولهان محرج)
/ ١٥٥ / والحذف في الآية خير منه في البيتين، لأن مجئ الفعل بعد عسى وأوشك بغير أن ضرورة.
وفي الوجز على التأويل المذكور مجاز، وهو إسناد الفعل إلى المكان على حد قوله تعالى:
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وهو لازم لمن قدر: يكون أو يصير.
وأما البيت الأول فمشهور، وطعن فيه عبد الواحد الطواح في كتاب
[ ٣١٣ ]
(بغية الأمل ومنية السائل)، فقال: هو بيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين.
وحرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده.
(قم قائما قم قائما إني عسيت صائما)
وإنما "قم قائما" صدر رجز آخر يأتي شرحه - إن شاء الله تعالى - في باب الحال. ولا يتركب قوله:
(إني عسيت صائما) عليه، بل على ما قدمنا فإن معناه: أيها العادل الملح في عدله أنه لا يمكن مقابلة كلامك بما يناسبه من السب، فإنني صائم.
وهو مقتبس من الحديث: "فليقل إني صائم"، ويروى (لا تلحني) مكان (لا تكثرن)، وهو بفتح الحاء، يقال: لحيته، بالفتح، الحاه لحيا إذا لمته.
والشاهد في قوله: "صائما"، فإنه اسم مفرد جئ به خبرا لعسى كذا قالوا، والحق خلافه، وأن (عسى) هنا فعل تام خبري، لا فعل ناقص إنشائي. يدلك على أنه خبري، لا فعل ناقص إنشائي. يدلك على أنه
[ ٣١٤ ]
خبري وقوعه خبرا لأن، ولا يجوز بالاتفاق، أن زيدا هل قام، وأن هذا الكلام يقبل التصديق والتكذيب، وعلى هذا فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائما. فصائما خبر لكان، وأن والفعل مفعول لعسى. وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على المحذوف. ألا ترى أنه قدر في قوله:
/ / "من لد شولا" من لد أن كانت شولا.
ومن وقوع عسى فعلا خبريا قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، ألا ترى أن الاستفهام طلب فلا يدخل على الجملة الانشائية، وأن المعنى: هل طمعتم ألا تقاتلوا، إن كتب عليكم القتال؟
ومما يحتاج إلى النظر قول القائل: عسى زيد أن يقوم. فإنك إن قدرت (عسى) فيه فعلا إنشائيا، كما قال النحويون، أسكل، إذ لا يسند فعل الإنشاء إلا إلى منشئه، وهو المتكلم، كبعت واشتريت واقسمت وقبلت وحررتك.
وأيضا فمن المعلوم أن زيدا لم يترج، وإنما المترجي المتكلم. وإن قدرته خبرا، كما في البيت والآية، فليس المعنى على الأخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه.
فإن قلت: يخلص من هذا الأشكال أنهم نصوا على أن كان وما أشبهها أفعال جارية مجرى الادوات فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال.
[ ٣١٥ ]
قلت: قد اعترفوا مع ذلك أنها مسندة، إذ لا ينفك الفعلا المركب عن الاسناد، إلا إن كان زائدا أو مؤكدا، على خلاف في هذين أيضا.
وقالوا: إن كان مسندة إلى مضمون الجملة، فمعنى: كان زيد أخوك، نسبة الكون والحصول إلى (أخوة) زيد، وقد بينا أن الفعل الإنشائي لا يمكن إسناده لغير المتكلم، وإنما الذي يخلص من الأشكال أن ندعي أنها هنا حرف بمنزلة لعل، كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه.
وقد ذهب أبو بكر وجماعة إلى أنها حرف دائما، وإذا حملناها على الحرفية زال الاشكال، إذ الجملة الإنشائية حينئذ اسمية لا فعلية، كما تقول: لعل/ ١٥٧ / زيدا يقوم.
فاعرف الحق ودع التقليد، وآستفت نفسك وإن افتاك الناس، وميز بين وقوعها خبرا وإنشاء، ووقوعها فعلا وحرفا.
وأما البيت الثاني فإنه لتأبط شرا، واسمه ثابت بن جابر، ووافقه في أسمه واسم أبيه الشنفري، وإنما لقب بذلك، لأن أمه قالت له يوما: إن الغلمان يجنون لا هلهم الكمأة، فهلا فعلت كفعلهم؟ فأخذ جرابه ومضى،
[ ٣١٦ ]
فملأه أفاعي، وأتى متأبطا به، أي جاعلا له تحت إبطه، فألقاه بين يديها، فخرجت الأفاعي منه تسعى، فولت هاربة. فقال لها نساء الحي: ما الذي كان ابنك متأبطا له؟ فقالت: تأبط شرا. فلزمه هذا اللقب.
ومعنى: (أبت) رجعت. و(فهم) قبيلته. ويروى: وما كنت آيبا، ولم اك آيبا. وضعفهما ابن جني في كتاب (التنبيه). وقال: إنما المعنى: فأبت وما كدت آوب، لقولك سلمت وما كدت اسلم. ولا معنى لأن يقول: وما كنت، أو لم أكن. انتهى.
وقال الأعلم: معناهما ما كان حالي حال من يؤوب حين أحيط بي لولا تحيلي.
وعلى هاتين الروايتين فلا شاهد فيه. وتمامه:
وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
أي: وكم خطة مثل هذه لاقيتها وتخلصت منها وهي تصفر ندما حين فتها. وأراد بالصغير النفخ عند الندم.
ومن ألفاظ هذا الشعر.
إذا سد منها منخر جاش منخر
[ ٣١٧ ]
كما سيأتي.
ومن محاسن أهل الأدب أن محيي الدين بن قرناص الأديب قال بحضرة شرف الدين الحلي ملغزا في الشبابة: / ١٥٨ / (الطويل).
(وناطقة خرساء باد شحويها تكنفها عشر وعنهن تخبر)
(يلذ إلى الأسماع رجع حديثها إذا سد منها منخر جاش منخر)
فأجابه في الحال: (الطويل).
(نهاني النهى والشيب عن وصل مثلها وكم مثلها فارقتها وهي تصفر)
وأول الشعر:
(إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر)
(ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا به الخطب إلا وهو للخطب مبصر)
(فذاك قريع الدهر ما عاش حول إذا سد منه منخر جاش منخر)
(أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الباع معور)
(هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر)
(وأخرى أصادي النفس عنها وإنها لمورد حزم إن فعلت ومصدر)
(فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ عبل ومتن مخصر)
(فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحة والموت خزيان ينظر)
(فأبت إلى فهم البيت)
[ ٣١٨ ]
وكان من خبره أنه تدلى من قنة إلى سفحة، ليشتار عسلا، وتحته صخرة ملساء تنتهي إلى الحضيض. وعرفت لحيان بمكانه، وكان يغير عليهم كل وقت، فأتوه وحركوا له الخيل، فسألهم أن يرقى إليهم، ويفدي نفسه فأبوا عليه، فصب العسل على الصفا، وجعل عليه صدره، فنزل قليلا حتى بلغ الحضيض، وهم ينظرون، وكان بين الموضع الذي تدلى منه والذي انتهى إليه ثلاثة أيام لمن سار في أسفل الجبل.
و(القريع) الداهية. و(الحول) المتحول من حال إلى حال. و(جاش) فار/ ١٥٩/ وغلا، وهذا تمثيل.
والمعنى: إذا ضاق عليه مذهب احتال فاتسع له مذهب آخر. و(لحيان) قبيلة من هذيل. و(صفرت) خلت من الشراب. و(الوطاب) زقاق اللبن، ضربة مثلا لإشرافه على الموت حين أحيط به، فجعل نفسه كمن مات فخلا جسمه من روحه، كما تخلو الوطاب من اللبن، ونظيره قول ارئ القيس:
وأفلتن علباء جريضا ولو أدركته صفر الوطاب
أي: هلك. و(معور) بادي العورة للعدو، وإنما ضيق الباع والإعوار لنفسه لا لليوم، ومثله: (والليل إذا يسر) و(الخطتان) الخصلتان، وحذف النون للضرورة.
ومما عزت العرب للبهائم أن الحجلة تقول للقطاة:
بيضك ثنتا وبيضي مئتا
[ ٣١٩ ]
مسألة [٨١] ندر ورود خبر (جعل) جملة اسمية
ومن خفض (اسارا ومنة) فالضرورة في الفصل بين المتضايقين بإما. و(الدم) هنا كناية عن القتل. و(المصاداة) المداراة والمعالجة. والخصلة الأخرى الهبوط على الصفا. و(الجؤجؤ) وسط الصدر. و(العبل) الغليظ. و(المتن) الظهر. و(المخصر) الرقيق الخصر. و(الكدح) التأثير والخدش.
مسألة [٨١]
ندر ورود خبر (جعل) جملة اسمية كقوله: (الوافر).
(وقد جعلت قلوص ابني سهيل من الأكوار مرتعا قريب)
وهو من إقامة الجملة الإسمية مقام الفعلية، كما قيل في (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير)، إن الجملة الاسمية وقعت جوابا ل (لو) على ذلك، وفي قوله: (الطويل).
(ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي فهلا نفس ليلى شفيعها)
أنه وقع الجملة الإسمية بعد حرف التحضيض، وسيأتي البحث فيه عند الكلام على أدوات التحضيض/ ١٦٠/ إن شاء الله تعالى.
[ ٣٢٠ ]
و(القلوص) الشابة من النوق. والمعنى: طفقت يقرب مرتعا من الأكوار. أي أنها لما أعيت حط عنها رحلها. فزعت قريبا ولم تبعد.
وذكر الشلوبين فيما كتبه على الحماسة أن بعض الناس أجاز أن يكون (جعل) بمعنى (صير) وحذف منم (جعلت) ضمير الشأن. والتقدير: وقد جعلته، أي جعلت الأمر والشأن مرتعها قريب من الكوار.
وإن آخر أجاز أن يكون على الغاء (جعلت) مع تقدمها على جد اجازة أبي الحسن: طننت عبد الله منطلق. انتهى.
قلت: إنما يجوز إلغاء أفعال القلوب لا أفعال التصيير ويؤيد القول الأول، وهذا القول، لو صح أنه يروى بنصب (القلوص) على أنه مفعول أول، والجملة الاسمية مفعول ثان، وفاعل (جعلت) على هذه الرواية، وعلى رواية الرفع على التوجيهيين المذكورين آنفا ضمير المرأة السابق ذكرها في قوله:
فلست بنازل إلا ألمت برحلي أو خيالتها الكذوب
[ ٣٢١ ]
مسألة [٨٢] الغالب اقتران الفعل بعد عسى وأوشك بأن
ويقال: خيال وخيالة، كما يقال: حال وحالة، ومكان ومكانة.
وبعده:
(كأن لها برحل القوم بوا وما إن طبها إلا اللغوب)
أي لم يكن داؤها إلا الكلال، فهي لا تبرح. و(البو) جلد الحوار يحشى ويقرب إلى أمه، لتعطف عليه ويدر لبنها، وذلك إذا فقدت ولدها بذبح أو غيره.
مسألة [٨٢]
الغالب اقتران الفعل بعد عسى وأوشك بأن، نحو: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾، وقوله: (الطويل).
(إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا)
وربما تجرد منها كقوله: [الوافر]:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
[ ٣٢٢ ]
وقوله: (المنسرح).
(يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها)
فأما البيت الأول فأنشده ثعلب في أماليه، قال: أنشدنا ابن الاعرابي، وذكره، ومعناه واضح. وفيه رد على الأصمعي إذ زعم أنه يقال: يوشك، ولا يستعمل له ماض، وقبله:
(أبا مالك لا تسأل الناس والتمس بكفيك فضل الله فالله فالله واسع)
وأما البيت الثاني فإنه للكلحبة، بفتحة فسكون ففتح الحاء المهملة وباء موحدة، واسمه عبد الله بن هبيرة. ومعناه: من لم يركب الهول تقطع أمره، وكانوا يقولون: من أشعر نفسه الجرأة والغلبة ظفر، ومن تذكر الذحول أقدم. و(الذحول) بالذال المعجمة: جمع ذحل، وهو العداوة.
[ ٣٢٣ ]
والشاهد في قوله: (أن تقطعا)، فاستعمل الفعل بعد أوشك بأن. وفيه شاهد آخر، وهو الاستغناء بالظاهر عن المضمر، وذلك في قوله: (بالفتى)، وكان الأصل (به)، فلما اضطر أتى بالظاهر، ولم يأت بذلك الظاهر المتقدم، بل بمرادفه، وهو أحسن، دفعا للتكرار، ولنه نسبة الضمير في مخالفته للفظ ما سبق. وفيه استعارة الحبال للهوينا، تنزيلا للمعقول منزلة المحسوس، وترشيح الاستعارة بذكر التقطع، وقبله:
(أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى ولا رأى للمغضي إلا تصنعا /١٦٢/)
وانتصاب (تصنع)، أما لأنه حال من الرأي وإن كان نكرة، لنه في سياق النفيض، أو من ضميره المستتر في صفته، وهي للمغضي، أو لأنه مستثنى على أنه صفة للرأي، وذلك على قول الأخفش: إن إلا تعترض بين الموصوف وصفته.
والفارسي يمنع من ذلك. ومن أبيات القصيد قوله:
(وقد جعلتني من خزيمة إصبعا)
وأما البيت الثالث فإنه لهدبة بن خشرم. والهدبة: طرف الثوب. والخشرم: جماعة النحل.
[ ٣٢٤ ]
وكان من خبره أنه قتل زيادة بن زيد الحارثي، فحمله أخوه عبد الرحمن إلى معاوية ﵁، فأدعى عليه، فقال له معاوية: ما تقول؟ فقال: أأجيبك شعرا أم نثرا؟ فقال: بل شعرا. فقال مرتجلا: (الطويل).
(ألا با لقومي للنوائب والدهر وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري)
(وللأرض كم من صالح قد تلمات عليه فوارته بلماعة قفر)
(فلا ذا جلال هبنة لجلاله ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر)
إلى أن قال:
(رمينا فرامينا فصادق سهمنا منية نفس في كتاب وفي قدر)
(وأنت أمير المؤمنين فما لنا وراءك من مغزى ولا عنك من قصر)
(فإن تك في أموالنا لا نضق بها ذراعا وإن صبرا فنصبر للصبر)
فقال له معاوية: قد اعترفت. فقال: هو ذاك. فقال أخو المقتول: أقدني منه، فنظر معاوية فإذا للمقتول ولد صغير، فقال يحمل إلى المدينة فيحبس بها إلى أن يبلغ الصبي. فلبث في السجن /١٦٣/ سبع سنين، وكان معه رجل مسجون يقال له أبو نمير فجالسه يوما، وأظهر له التألم، فقال:
(يؤرقني اكتئاب أبي نمير فقلبي من كآبته كئيب)
(فقلت له هداك الله مهلا وخير القول ذو اللب المصيب)
[ ٣٢٥ ]
(فإنا قد حللنا دار بلوى فتخطئنا المنايا أو تصيب)
(عسى الكرب البيت)
يروى بفتح التاء من (أمسيت). وبعده:
(فيأمن خائف ويفك عان ويأتي أهله الرجل الغريب)
قوله (دار بلوى) يعني السجن. قوله (ذو اللب) أي قول ذي اللب.
فلما بلغ الصبي عرضت عليه عشر ديات فأبى إلا القود، فدفع إليه، فقتله صبرا، وهو أول مصبور بالمدينة بعد غهد رسول الله ﷺ، قاله ابن المسيب.
ورأيت في بعض الكتب أنه جيء به مقيدا فقال: (الطويل).
(إذا العرش إني مسلم بك عائذ من النار ذوبث إليك فقير)
و(عسى) في البيت للترجي. و(الكرب) الهم لأنه قريب من الإنسان، قال: (الطويل).
[ ٣٢٦ ]
(سبقت إليك الموت والهم كاربي)
و(وراء) ظرف مؤنث، لتصغيره على (وريشة)، وظهور الهمزة في تصغيره دليل على أنه ليس من (وأريت)، كما قال بعضهم. والظاهر أنه بمعنى: أمامه، كقوله تعالى: ﴿مِّن وَرَأَىئِهِ جَهَنَّمُ﴾، و﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
و(الفرج) انكشاف الهم. و(فرج) مبتدأ، وقريب صفة والظرف خبر /١٦٤/، والجملة خبر يكون، واسمها ضمير الكرب، ويكون وما بعده خبر (عسى).
ويجوز تقدير (يكون) تامة، ويكون فاعلها ضمير الكرب، والجملة الاسمية حالا. ويجوز على الوجهين أن يكون (فرج) فاعلا بالظرف، على أنه خبر الناقصة، وحال من فاعل التامة، وهذا أرجح من تقديره مبتدأ. وإنما لم أقدر (فرج) اسم يكون على أنها التامة، و(وراءه) متعلق ب (يكون) كما فعل بعضهم، لأن فاعل الفعل الواقع في باب (كاد) لا يكون إلا ضميرا راجعا للاسم السابق، فلا يجوز (كاد زيد يموت أبوه)، وما خرج عن ذلك نادر فلا يحمل عليه مع وجود مندوحة عنه. وكذلك لا يكون اسم يكون ضمير الشأن كما قدره جماعة، لما ذكرنا.
[ ٣٢٧ ]
وأما البيت الرابع فالمشهور أنه لأمية بن أبي الصلت، وقال صاعد: لرجل خارجي قتله الحجاج.
ومعناه واضح. و(في) متعلقة ب (يوافق)، أو حال من فاعله. و(الغرات) بكسر الغين، جمع غرة، فعلة من الاغترار، أي يوافقها في بعض أوقات غرته، أو كائنا في بعض حالات غرته، أي ذهوله عن التحرز، وقبله:
(ما رغبة النفس في الحياة وإن عاشت قليلا فالموت لاحقها)
وبعده:
(من لم يمت عبطة يمت هرما الموت كأس والمرء ذائقها)
يقال: مات عبطة، بفتح العين المهملة، إذا مات شابا طريا قويا، والدم العبيط: الطري.
وفيه شاهد على أن الكأس مؤنث، وعلى أنها تطلق على نفس الشيء المشروب، وإنما هي في /١٦٥/ الأصل اسم للظرف المعروف ما دام فيه
[ ٣٢٨ ]
مسألة [٨٣] الغالب تجرد خبر كاد وكرب من أن، وربما اقترنا بها ولم يحفظ سيبويه في خبر كرب إلا التجرد
الشراب وإلا فهو قدح. وفي التنزيل: ﴿بِكَاسٍ مِن مَّعِينٍ بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾.
و(عبطة، وهرما) حالان من فاعلي الشرط والجزاء، وبهما صح الكلام، فهما من الأحوال اللازمة.
مسألة [٨٣]
الغالب تجرد خبر كاد وكرب من أن، وربما اقترنا بها ولم يحفظ سيبويه في خبر كرب إلا التجرد، فمن تجرد كاد (وما كادوا يفعلون)، ومن اقترانه بها قول عمر ﵁: "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب".
وقول الشاعر: (الرجز).
(قد كاد من طول البلى أن يمصحا)
وقول الآخر: (الطويل).
[ ٣٢٩ ]
(أبيتم قبول السلم منا فكدتم لدى الحرب أذن تغنوا السيوف عن السل)
ومن تجرد خبر كرب قوله: (الخفيف).
(كرب القلب من جواه يذوب حين قال الوشاة هند غضوب)
ومن اقترانه بها قوله: (الطويل).
(سقاها ذوو الحلام سجلا على الظما وقد كربت أعناقها أن تقطعا)
وقوله: (الرجز).
(قد برت أو كربت أن تبورا لما رأيت بهنسا مثبورا)
فأما الحديث ففي صحيح البخاري بهذا اللفظ، وفي البخاري أيضا وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم
وأما قوله:
«قد كاد إلى آخره»، فهو لرؤبة يصف ربعا لا طريقا، كما قال المطرز و(البلى) بالكسر والقصر، مصدر بلى الثوب يبلى، إذا خلق،
[ ٣٣٠ ]
والمنزل إذا درس، فإن فتحت الباء مددته، قال: (الطويل).
(وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع)
أي مثل بلائهن. و(البلاء أيضا، الاختبار والإنعام، وقد فسر بهما (إن /١٦٦/ هذا لهو البلاء المبين)، أي إن الفداء بالذبح العظيم لهو الإنعام البين، أو إن المر بذبح الولد لهو الاختبار البين. و(مصح) ذهب، وامصحته: أذهبته. فالمعنى: قد كاد يعفو أثره، قال:
(قفا تسأل الدمث الماحجة وهل هي ان سئلت بائحة)
و(من) تعليلية، وتعلقها بكاد لا بيمصح، لأنه صلة لأن، وقبله:
ربع عفاه الدهر دابا فامتحى
وأما قوله: (أبيتم قبول السلم) فمعناه: إنا عرضنا عليكم الصلح، فلم تقبلوه، فلما التقينا جبنتم وعجزتم عن مقاومتنا حتى كدتم تغنونا عن سل السيوف لعدم احتفالنا بكم. و(السلم) ضد الحرب، ونظيرها في التأنيث ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ وفي سينها الفتح والكسر وقرئ بهما.
وأما قوله:
(كرب القلب البيت)
[ ٣٣١ ]
فـ (كرب) بفتح الراء، و(من) للتعليل متعلقة به، أو ب (يذوب) و(الجوي) شدة الوجد، وفعول بمعنى فاعل، كصبور وشكور، يستوي فيه الذكر والنثى.
وأما قوله:
(وقد كربت أعناقها البيت)
فصدره:
(سقاها ذوو الأرحام سجلا على الظمأ)
فالشعر لأبي زيد الأسلمي، وكان من خبره أنه شخص إلى المدينة قاصدا أميرها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي! خال هشام بن عبد الملك، وقصد أبو وجزة السلمي آل الزبير بالمدينة أيضا، فجمعتهما الطريق، فأعلم كل منهما صاحبه بما قصد إليه، فقال أبو وجزة: هلم فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد: كلا، أنا أمدح الملوك، وأنت تمدح السوق، فلما /١٦٧/ دخل أبو زيد على إبراهيم أنشده:
(يا بن هشام يا أخا الكرام)
[ ٣٣٢ ]
فقال: ويحك لم تجعلني منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط. وامتدح أبو وجزة آل الزبير فكتبوا له بستين وسقا من تمر، وقالوا: هي لك في كل سنة، فانصرفا، فقال أبو زيد يهجوه، ويصفه بأنه لم يزل في ضر وبؤس حتى أنقذه ذو رحمه يعني هشاما فجعله ملكا بعد أن كان سوقة، وأنه كلما تذكر ما كان فيه تشدد وبخل:
(مدحت عروقا للندى مصت الثوى حديثا فلم تهمم بأن تتزعزعا)
(نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى وحلبت الأيام والدهر أضرعا)
(سقاها البيت)
(بفضل سجال لو سقوا من مشى بها على الأرض أرواهم جميعا وأشبعا)
(فضمت بأيديها على فضل مائها من الري لما أوشكت أن تضلعا)
(وزهدها أن تفعل الخير في الغتى مقاساتها من قبله الفقر جوعا)
قوله (للندى) اللام للتعليل، وتعلقها ب (مدحت)، ولكنه فصل للضرورة بها وبمجرورها، بين (عروقا) وصفتها. و(التزعزع) التحرك، والمراد به هنا التحرك لفعل الخير، قال متمم: (الطويل).
تراه كنصل السيف يهتز للندى إذا لم تجد عند امريء السوء مطعما
و(نقائذ) جمع نقيذه، أي أنقذت مما كانت فيه من البؤس، ويقال:
[ ٣٣٣ ]
نقيدة للذكر والنثى بالتاء، فالتاء للمبالغة، لا للتأنيث. و(أضرع) جمع ضرع، وهو بدل بعض، يقال: (حلب الدهر أشطره). أي قاسى شدته ورخاءه، وجربهما. والدلو خاصة مؤنث، والغرب مختص بالكبير من الدلاء.
والواو من (وقد) واو الحال. و(تقطع أعناقها) إما لشدة العطش، أو للذل الذي هي فيه. وقال أبو وجزة:
(راحت رواحا قلوصي وهي حامدة آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا)
(راحت بستين وسقا في حقيبتها ما حملت حملها الأدنى ولا السددا)
(ما إن رأيت قلوصا قيلها حملت ستين وسقا ولا جابت به بلدا)
(ذاك القرى لا قرى قوم رأيتهم يقرون ضيفهم الملوية الجددا)
يريد أن ناقته حملت الكتاب الذي كتب له بتلك الأوسق، لا أنها حملت الوسق أنفسها. و(الملوية الجدد) السياط، وفعيل يجمع على فعل إذا كان آسما، كرغيف وقضيب، أو وصفا كالاسم، ومنه: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». الخبث جمع خبيث، وهو ذكر الشياطين. والخبائث جمع خبيثة، وهي إناثهم.
[ ٣٣٤ ]
ويجوز في المضعف نحو: جدد وسرر، فتح عينه تخفيفا. وقد قريء: (على سرر موضوعة).
وأما قوله: (قد برت) فمعناه قد هلكت، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، أي هلكى، جمع بائر كحائل وحول.
و(بيهس) بالباء الموحدة بعدها آخر الحروف والسين مهملة. وفي نسخ الشرح: بهنس، بنون بعد الهاء عوضا عن الباء التي قبلها، وهو تحريف. و(المبثور) المهلك.
مسألة [٨٤]
أفعال هذا الباب لا تتصرف إلا أربعة فاستعمل لها مضارع، وهي: كاد كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾. وأوشك، كقوله ﵊: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
وقوله:
(يوشك من فر من منيته البيت)
وهو أكثر استعمالا من ماضيها، حتى أن /١٦٩/ الأصمعي أنكر استعمال الماضي كما مر.
[ ٣٣٥ ]
وطفق، حكى الأخفش: طفق يطفق كضرب يضرب، وطفق يطفق كعلم يعلم.
وجعل، حكى الكسائي: إن البعير ليهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجه.
واستعمل اسم فاعل لثلاثة، وهي أوشك، كقوله (الوافر).
(فإنك موشك أن لا تراها وتعد دون غاضرة العوادي)
وقوله: (المتقارب).
(فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الأنيس وحوشا يبابا)
و(كاد) كقوله: (الطويل).
(أموت أسى يوم الرجام وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد)
قاله الناظم في شرح الكافية.
و(كرب) كقوله: (الكامل).
(أبني إن أباك كارب يومه فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل)
[ ٣٣٦ ]
فأما الحديث فمتفق عليه.
وأما قوله:
(يوشك من فر البيت) فقد مضى شرحه
وأما قوله:
(فإنك موشك البيت) فإنه لكثير يشبب
بغاضرة، بالغين والضاد المعجمتين، وهي جارية أم البنين بنت عبد العزيز بم مروان، وذلك أن أم البنين استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج، وهو يومئذ خليفة، وهي زوجته، فأذن لها، فققدمت مكة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنا، وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعا أن يذكرها أو من معها أحد منهم، فبعثت إلى كثير وإلى وضاح اليمن أن أنسباني. فأما وضاح فصرح بها فقتله، وأما كثير فأعرض عنها، وشبب بجاريتها غاضرة فقال:
(شجا أضعفان غاضرة العوادي بغير مشورة غرضا فؤادي)
و(تعدو العوادي) بالعين المهملة، أي تعوق عوائق الدهر، وقبله: /١٧٠/.
[ ٣٣٧ ]
(وقال الناصحون تحل منها ببذل قبل شيمتها الجماد)
(تحل) بالحاء المهملة: أصب منها، يقال: ما حليت منه بشيء، ومنه حلوان الراقي. وفي شرح الكافية: تخل بالخاء المعجمة. و(عنها) بدل (منها). ولا معنى لهما هنا. وبعده:
(فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال غاضرة المنادي)
(تمادى البعد دونهم فأمست دموع العين لج بها التمادي)
ومنها:
(أغاضر لو شهدت غداه بنتم جنوء العائدات على وسادي)
أويت لعاشق لم تشكميه نوافذه تلدغ بالزناد
يقال: جنا على كذا، بالجيم والنون والهمزة يجنأ، بالفتح فيهما، جنوءا، إذا أكب. ومنه الحديث: «فرأيت الرجل يجنأ على المرأة، يقيها الحجارة».
و(أويت) رئيت ورقعت. و(تشكميه) تجازيه. وإذا كان العطاء في نقابلة شيء فهو شكم، بالضم، وإن كان ابتداء فهو شكد، بالدال
[ ٣٣٨ ]
المهملة، فإن أردت المصدر منهما فتحت الشين.
و(نوافذه) ما نفذ إلى قلبه. (تلذع بالزناد) كأنه يقدح فيها بالنار.
وأما قوله:
(فموشكة البيت)
فهو لأبي سهم الهذلي وقوله: (خلاف الأنبيس) أي بعده، ومنه: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله)، أي بعده. (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا)، أي بعدك.
ويروى (الخليط) بدل (الأنيس).
وقوله (وحوشًا) يوجد في النسخ بضم الواو، وذلك جمع (وحش) كوجه ووجوه. ووحش هذا بمعنى قفر. يقال. / ١٧١ / بلد وحش، كما يقال: بلد قفر، فهما متوازنان مترادفان. ويوجد في بعضها بفتح الواو، صفة على فعول كصبور.
ولم يؤنث لأن هذا النوع من الصفات يستوي فيه الذكر والأنثى وقوله (يبابًا) هو بالياء آخر الحروف بعدها باءان موحدتان بينهما الف، يُقال: أرض يباب أي خراب، ويقال أيضًا: خراب يباب، على سبيل التوكيد مثل:
[ ٣٣٩ ]
﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾، لا على سبيل الاتباع. مثل جائع نائع.
وأنشد الأصمعي على ذلك: [الرجز].
(قد صبحت وحوضها يباب كأنها ليس لها أرباب (
والعامة تحرف هذا الحرف فتقول: نباب، بالنون، وبعده:
(وتوحش في الأرض بعد الكلام ولا تبصر العين فيها كلابا)
(ولم يدعوا بين عرض الوتير وبين المناقب إلا الذئابا)
(الوتير والمناقب) موضعان. وأما قوله:
(أموت أسي البيت)
فإنه الكثير. وقوله: (يوم الرجام) ثبت في النسخ المعتمدة من (شرح الكافية) بالزاي والحاء المهملة، وهو تحريف، وإنما هو الرجام، بكسر الراء المهملة وبالجيم: اسم موضع.
وقوله: (كائد) أنشده الناظم بالهمزة المبدلة عن عين كاد، كما تقول: قام فهو قائم.
وإنما أنشده يعقوب بن اسحق السكيت في شرح ديوان كثير، بالباء الموحدة، وقال: الكابد، العامل، أي إنني لرهن بعملي.
[ ٣٤٠ ]
قلت: وهو من المكابدة أي الاجتهاد في العمل، وليس بجارٍ على الفعل، قال ابن سيدة: كابده مكابدة وكبادًا: قاساه، والاسم كابد كالكاهل والغارب انتهى.
ومما يشهد لقول يعقوب أنه لم يأتِ بعد اسم الفاعل / ١٧٢ / بما يكون خبرًا له، وكأن الناظم ارتاب بعد ذلك في البيت، ولهذا لم يذكر في (التسهيل) مجئ كائد، ولا في (الخلاصة)، بل غير فيها قوله في الكافية: "وكاد واحفظ كائدًا وموشكا" إلى قوله: "وكاد لا غير وزاد واموشكا".
وبعد، فالظاهر ما أنشده الناظم، وكنت أقمت مدة على مخالفته، وذكرت ذلك في (توضيح الخلاصة)، ثم اتضح لي أن الحق معه، لأن الشاعر قال:
(وكدت وقد جالت من العين عبرة سما عائد منها وأسبل عائد)
(قذيت بها والعين سهو دموعها وعوارها في جانب الجفن زائد)
(فإن تركت للكحل لم تترك البكا وتشري إذا ما حثحثتها المراود)
(أموت أسى البيت)
فقوله (وكدت) خبره قوله (أموت) وما بينهما اعتراض، وكأنه قال: كدت أموت ولا بد لي يقينًا من هذا الأمر الذي أنا كائد ألابسه الآن، و
[ ٣٤١ ]
(عاند) الأول بمعنى مخالف. يُقال: عند، بالفتح، يعند، بالكسر، عنودًا، إذا خالف. والثاني من قولهم: عند العرق، إذا سال ولم يرق، فهو عرق عاند، والسهو: السكون، وللجمع: سهاء، كدلاء، قال: [الوافر].
(تناوحت الرياح لفقد عمرو وكانت قبل مهلكه سهاء)
أي ساكنة.
و(العوار) قذى العين. و(تشرى) بالشين المعجمة: تلج في الدمع. و(الحثحثة) بالحاء المهملة: التحريك.
(وأما قوله: أبني البيت)
فإنه لعبد الله بن خُفاف. ويروى (أحبيل) مكان (أبني).
وبعده:
(أوصيك إيصاء امريء لك ناصحٍ طب بريب الدهر غير مغفل)
والحق أن (كرب) في البيت من كرب التامة المستعملة في قولهم: كرب الشتاء إذا قرب، وبهذا جزم الجوهري، ولهذا لا تجد / ١٧٣ / له في اللفظ خبرًا. والمعنى تام بدون تقدير، فلا شاهد فيه على هذا.
[ ٣٤٢ ]