مسألة [٢٥]
من الأسماء المشار بها إلى المفرد المؤنث تا، كقوله: [الوافر].
(وليس لعيشنا هذا مهاهٌ وليستْ دارنا هاتا بدارِ)
هذا البيت لعمران بن حطان الخارجي السدَوسي، و(مهاٌه) فعال، عينه ولامه هاء، أي صفاء ورونق، يقال: وجهٌ له مهاهٌ، هذا قول النحويين، وقال الأصمعي: مهاةٌ، بالتاء فوزنها فعلة كحصاةٍ، وإنما
[ ١٢١ ]
المهاة: البلورة، والبقرة الوحشية، هذا المعروف، وذكر بعضهم أنها أيضًا تكون بمعنى الصفاء والرونق، وأن أصلها مَوَهةٌ، من مادة الماهِ قلبوا العين إلى موطن اللام على أن هذا القلب قد استعمل في فعل الماء، قال الكندي، يصف سهمًا: [المديد].
(راشَهُ من ريشِ ناهضةٍ ثم أمهاهُ على حَجَرِهُ)
أي حدّده، وسقَاه الماء، والأصل أماهه، ثم قلب، فوزنه أفلعه، ووزن مهاة فَلَعَةٌ،/ وإذا سقطت التاء من مهاة، الذي بالتاء صار للجماعة/، وإذا سقطت الألف من مهاه، الذي بالهاء فمعناه الشيء اليسير السهل، قالت العرب: كل شيء مَهَةٌ ما النساء وذكرهن، والأصل: ماعدا النساء، فحذف الصلة وبقي معمولها: لا أكلمه وما أن في السماء نجمًا، أي ما ثبت، وقيل: استعمل ما النافية للاستثناء، كما استعملت ليس كذلك، ويروى:
(وليست دارنا الدنيا بدار)
وبعد البيت
[ ١٢٢ ]
مسألة [٢٦] الغالب في أولاء أن يكون للعقلاء، وقد يأتي لغيرهم
(وما أموالنا إلا عوارٍ سيأخذها المعير من المعار)
مسألة [٢٦]
الغالب في أولاء أن يكون للعقلاء، وقد يأتي لغيرهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، وقول الشاعر: [الكامل]
(ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللوى والعَيْشُ بعد أولئكَ الأيامِ)
هذا البيت لجرير، وهو مما حسن للفظه لا لمعناه، وهو أحسن /٤٨/ بيت ذكر فيه اللوي، ولأولئك فيه موقع بديعٌ، وأول القصيد:
(سَرَتِ الهمومُ فبِتْنَ غيرَ نيامِ وأخو الهمومِ يرومُ كلَّ مَرامِ)
ومنها:
(وإذا وقفْتُ على المنازل باللوى .. فاضتْ دموعي غيرَ ذاتِ نظامِ)
(طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيادة فارجعي بسلامَ)
وقد عيب عليه إذ طرد خيال محبوبته، وأُجيبَ بأنه طرقَه في حال السفر، فأشفق عليه من الخطر.
[ ١٢٣ ]
مسألة [٢٧] دخول حرف التنبية على المجرد من الكاف كثير
والأرجح في قوله (ذمّ) كسر الميم الذي هو واجبٌ إذا فكّ الادغام على لغة الحجاز، ودونه الفتح للتخفيف، وهو لغة بني أسد، والضم ضعيف، ووجهه إرادة الإتباع، و(المنازل) جمع منزل أو منزلة، فهو كالمساجد أو كالمحامد، وهو أولى، لقوله: منزلة اللوى، و(بعد) إما حال من المنازل، أو ظرف للأمر، وفيه حذف، أي بعد مفارقة منزلة اللوي، و(العيش) عطف على (المنازل)، و(الأيام) صفة للإشارة، أو عطف بيان.
ويروى (الأقوام) بدل (الأيام)، فلا شاهد فيه. وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشده (الأيام)، وأن الزجاج تبعه في هذا الغلط.
مسألة [٢٧]
دخول حرف التنبية على المجرد من الكاف كثير، نحو: هذان وعلى المقرون بها دون اللام قليل، نحو: هذاك، وعلى المقرون بهما ممتنع، ومن القليل قوله: [الطويل].
[ ١٢٤ ]
(رأيتُ بني غبراء لا ينكرونني ولا أهلُ هذاك الطِّرافِ الممددِ)
وهذا البيت لطرفة بن العبد، من معلقته، وأولها: /٤٩/.
(لخولة أطلالٌ ببرقةِ ثَهْمَدِ ظللتُ بها أبكي وأُبكي إلى الغَدِ)
(وقوفًا بها صحبي علي مطيَّهم يقولون لا تهلكْ أسى وتجلدَ)
ومن محاسنها قوله:
(ووجه كأن الشمس ألقت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدَّدِ)
وقوله:
(إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلدِ)
ولست بحلال التلاع مخافةً ولكن متى يسترفد القومُ أرفدِ)
وقيل البيت:
(ومازال تَشرابي الخمور ولذتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي)
(إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت أفراد البعير المعبَّدِ)
وبعده:
(ألا أيهذا الزاجري احضُرَ الوغي وأن أشهد اللذاتِ هل أنت مُخلدي)
(فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي)
ويأتي شرح هذا، إن شاء الله تعالى، في باب إعراب الفعل، ومنها:
[ ١٢٥ ]
(ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ)
(ويأتيك بالأنباء من لم تَبِعْ له بتاتًا ولم تضرِبْ له وقتَ موعدِ)
ومنها:
(وظلم ذوي القُربى أشَدُّ مضاضةً على المرء من وقع الحسامِ المهنَّدِ)
و(خولة) امرأة من كلب، و(البُرقة) بضم الباء، رابية فيها رمل وطينَ، أو طين وحجارة يختلطان، و(ثَهْمَد)، بالثاء المثلثة: موضع.
والبيت الثاني توارد فيه مع امرئ القيس إلا في شطر كلمة، وهما: وتجلد وتجمل، وكان أبو هلال صاحب الصناعتين ينكر المواردة حتى /٥٠/ وارد غيره في قوله: [الطويل].
(سفرن بدورًا وانتقبن أهلَّةً ومَسْنَ غصونًا والْتَفَتْنَ جآذرا)
فاعترف بها.
قال المتنبي: الشعر ميدان والشعراء فرسان، فربما اتفق توارد الخواطر كما قد يقع الحافر على الحافر، وطرفة أول من ذم سرقة الشعر فقال: [البسيط]
(ولا أغير على الأشعار أسرقها عنها غنيت وشر الناس من سرقا)
[ ١٢٦ ]
مسألة [٢٨] هنا للمكان
وقال الأعشى: [المتقارب].
(فكيف أنا وانتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عارا)
فاعترف بها.
والتخدُّد والتغضُّن: اضطراب الجلد واسترخاء اللحم، والتشراب، بفتح التاء: كثرة الشرب، والطريف: ما استحدثته، والتالد والتليد: ما كان عندك قديمًا، والبعير المعبد: الأجرب الذي ذلله الجرب، فإنه يفرد عن الإبل، لئلا يعديها، و(بنو غبراء) الفقراء الغرباء والسؤال، و(الطّراف) بكسر الطاء المهملة: بيتٌ من أَدَم، وأهله الأغنياء، أي أنه يعرفه الفقراء، لأنه يرفدهم، والأغنياء، لأنه ينادمهم.
وأهل مرفوع بالعطف على فاعل (ينكرونني)، للفصل بينهما بالمفعول، و(تبع) تشتر، والبتات: المتاع.
مسألة [٢٨]
هنا للمكان، نحو: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وقد تأتي للزمان،
[ ١٢٧ ]
وقد حمل عليه، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا﴾، وقال الأفوه الأودي: [الكامل].
(وإذ الأمور تعاظمت وتشابهت فهناك تعترفون أين المَفْزَعُ)
وقال بعض الخوارج: [الطويل]
(أرى أم عمرو ما تزالُ تفجَّعُ تلومُ وما أدري علامَ توجَّعُ)
(تلوم على أنْ أمنحَ الوَرْدَ لِقْحَةً وما تستوي والوَرْدَ ساعةَ تَفْزِعُ)
(إذا هي قامتْ حاسرًا مشمعِلةً نخيبَ الفؤادِ رأسُها ما يُقنّعُ)
[ ١٢٨ ]
(وقمتُ إليهِ باللجام مُيّسرا هنالك يّجزيني الذي كنتُ أصنعُ)
يقول: إنها تلومه على إيثاره عليها فرسه الوَرْد بشرب اللبن، ومعنى قوله: وما أدري أنه لا يدري لذلك وحبها صحيحًا وإلا /٥١/ فقد ذكر سبب توجُّعها بعده.
و(اللِقحة) بكسر اللام: الناقة ذاتُ اللبن، فالتقدير: لبن لقحة، و(الوَرْد) صفة أو علم، وهو/ في من نصبه/ مفعول معه، ومن رفعه عطف على المستتر في (تستوي)، من غير فصل بينهما، وإذا ما يدل من ساعة فليس فيها معنى الشرط، أو أول كلام مستأنف ففيها معناه، وجملة (هنالك تجزيني) جواب على الثاني، مستأنف على الأول، وقوله (حاسرًا) أي غير مقنعة، و(مشمعلة) يا لمعجمة ثم المهملة: مسرعة، و(نخيب) بالنون المفتوحة فالمعجمة المكسورة، أي منخوبة القلب، أي طائرته من شدة الفزع، و(رأسها) مبتدأ، وحذف الراجع من الخبر، أي ما تقنعه، مثل ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، ومن نصبه فظاهره حجة للكوفيين غير الفراء، على أن ما النافية ليس لها الصدر، ونظيره قوله: [الرمل].
(لم يكن غيرها لي خلة ولها ما كان غيري خليلا)
[ ١٢٩ ]
وقوله: [الرجز].
ونحن عن فضلك ما استغنينا.
وذلك مستسهل في البيتين للضرورة، ولأن المتقدم ظرف ولا ضرورة فيه، وأما بيت الشاهد فلا ظرف ولا ضرورة فيه، لإمكان الرفع، نعم من يقول في (زيد ضربت) أنه خاص بالضرورة فهو ضرورة رفع أو نصب، وقال الآخر. [الكامل].
(حنّت نَوارُ ولاتَ هَنَّا حنّت وبدا الذي كانتْ نَوارُ أَجنَّتِ)
(نوار) بالنون، علم امرأة، مكسورة عند الحجازيين، وتميم تمنعه الصرف، والواو للحال، وكذا وجدتها حيث وقعت قبل لات، ولات عند الفارسي معملة، و(هنا) خبر، و(حنّت) مبتدأ بإضمار أن، مثل:
[ ١٣٠ ]
مسألة [٢٩] يقال: هنا بوزن هدى: للقريب، فإذا زدت الكاف صار للبعيد
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وعند ابن عصفور معملة، و(حنت) بتقدير: /٥٢/ وقد حنت، وهو الخبر، ويلزمه التصرف في (هنا)، والجمع بين اسم لات وخبرها وأعمالها في معرفة ظاهرة وحذف ما أضيف إلى الجملة، وفي النهاية لابن الخباز أنها معملة مضافة إلى (حنت)، ويرده إن اسم الإشارة لا يضاف، و(بدا) بمعنى ظهر، و(أجنت) بالجميم: سترت.
مسألة [٢٩]
يقال: هُنا بوزن هُدى: للقريب، فإذا زدت الكاف صار للبعيد، وهَنَّا، بتشديد النون وفتح الهاء وكسرها، وكلاهما للبعيد، قال أبو الحارث غيلان بن عقبة الملقب ذا الرّمة: [البسيط].
(هنَّا وهنَّا ومن هنّا لهُنَّ بها ذاتَ الشمائلِ والأيمانِ هَيْنُوم)
وهذا من كلمته التي أولها:
[ ١٣١ ]
(إن ترسّمْتَ من خرقاء منزلةً ماءُ الصّبابةِ من عَيْنيك مسجومُ)
(تلك التي يتّمَتْ قلبي فصارَ لها من حُبِّه ظاهرٌ بادٍ ومكتومُ)
وقبله في صفة فلاة:
(للجِنِّ بالليلِ في حافاتِهَا زَجَلٌ كما تجاوب يومَ الريحِ عَيْشومُ)
(زجل) بالزاي والجيم مفتوحتين، صوت رفيع. و(عيشوم) بالمهملة فآخر الحروف المعجمة، ما هاج من الحماض، الواحد (عيشومة) وشجره مما يشتد صوت الريح فيه، و(هَنّا) في البيت بفتح الهاء وتشديد النون فيهن وهي أضعف اللغات، لأنها إن كانت فعّل فليس من أوزان الأسماء، فأما شلّم ويُقَّمً فأعجميان، وإن كان فَعْلى فقد خرجت عن مادة هنا، لأن ألفه لام.
و(هنَّا) الأول ظرف لزجل في البيت قبله، و(لهن هينوم) مبتدأ وخبر، و(بها) متعلق بالاستقرار و(ذات) ظرف له، أو لهينوم، وهو من /٥٣/ الهَيْنَمة، وهي الصوت الخفي، والضمير (لهن) راجع إلى العيشوم أو للجنّ، والأول أظهر في اللفظ، والثاني أظهر في المعنى، وهو على حد قوله: [الوافر].
(وقد نظرت طوالعكم إلينا بأعينهم وحقَّقنَ الظنونا)
يريد طوالع العسكر فأعاد عليهم ضمير جماعة المؤنث (والإيمان) بتقدير وذات الإيمان، ومن أبيات هذه القصيدة بيت يستدلون به على مجيء (قد) من المضارع للتكثير، لأن فيه افتخارًا ولا يفتخر بما يقل، وهو: [البسيط].
[ ١٣٢ ]
(قد أعسف النازح المجهول مَعْسِفهُ في ظلِّ أخضر يدعو هامَهُ البومُ)
والعَسْف والتعسُّف والاعتساف: المشي على غير بصيرة بالطريق، والنازح: البعيد، والمجهول: الذي لا يكاد يسلكه الناس، والظل: الستر، والأخضر: المراد به الليل الأسود لأن الخضرة إذا اشتدت صارت سوادًا.
ومنها بيت استدلوا به على إطلاق الاسم وإرادة المسمى، وهو قوله يصف غزالًا: [البسيط].
(لا يَنْعَشُ الطرفَ إلا ما تخوَّنَهُ داعٍ يُناديه باسم الماءِ مَبْغُومُ)
نَعَشه ينعُشه، بالفتح فيهما: رفعه، والعامة تقول: أنعشه والطرف: العين، والأصل طرفه، فأناب أل عن الضمير، وماك فاعل واقع على أمه، وتخونه: تعهده، وفي الحديث: «كان يتخوّننا بالموعظة»، وداع: بدل من (ما)، والأصل بالصوت المسمى (ما)، وذلك الصوت هو نفس (ما)، ومبغوم: بمعنى باغم، لأنه صفة لداع، والبُغام: صوت الظبية، وهو هنا للأم لا للولد.
[ ١٣٣ ]