مسألة [١٢٥]
مِنَ العربِ مَنْ يلحقُ الفعلَ المسندَ إلى الاثنين، أو الجماعة ألفًا، وواوًا، ونونًا دالة على حال الفاعل الآتي ذكره، فيقولون: قاما اخواك، وقاموا أخوتك، وقمن نسوتك، كما يلحق الجميع تاء ساكنة يدلون بها على حاله في التأنيث، فيقولون: قامت هند، والصحيح أنها حرف كالتاء لا اسمًا مضمرة مبدل منها ما بعدها، أو مخبر بها، أو بفعلها عنه على التقديم والتأخير، وشاهد الالف وقوله: [الطويل].
(تولَّى قتالَ المارقين بنفسهِ وقد أسلماهُ مُبْعِدٌ وحميمُ)
[ ٤٧٣ ]
/٢٨٢ (٢٥٢) / وقوله: [السريع].
(ألفيتا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقيه)
وشاهد الواو قوله: [الطويل].
(بني الأرض قد كانوا بنيّ فعزَّني عليهم لا جال المنايا كتابها)
وشاهد النون قوله: [الطويل].
(ولكنْ ديا فِيَّ أبوه وأمُّهُ بحورانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقاربهُ)
وقوله: [الطويل].
(رأيْنَ الغواني الشيبَ لاح بعارضي فاعرضْنَ عني بالخدودِ النواضِر)
فأما البيت الأول فإنه لابن قيس الرقيات يرثى به مصعب بن الزبير، وقبله:
[ ٤٧٤ ]
(لقد أورث المصرين حزنًا وذلةً قتيلٌ بديرِ الجاثليقِ مقيمُ)
وأما البيت الثاني فإنه لعمرو بن ملقط، جاهلي، وقبله:
(مهما لي الليلة مهما ليه أودى بنعلي وسر باليه)
(يا أوس لو نالتك أرماحُنا كنتَ كمَنْ تهوى بهِ الهاويه)
/٢٨٣ (٢٥٣) / وأما البيت الثالث فإنه للفرزدق. و(بني الأرض) خبر لكان مقدَّمٌ عليها، و(بنيَّ)، اسمها أصله بنوى، والواو في كانوا علامة الجمع. وعزَّني، بالعين المهملة، وبالزاي: غلبني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣].
وأما البيت الرابع فإنه للفرزدق يهجو به عمرو بن عفراء الضَّبيّ، جعله من أهل القرى المتعلمين لاقامة عيشتهم ونفى عنه أن يكون على ما عليه العرب من الاشجاع والحرب.
ودياف: قرية بالشام. والسليط: الزيت، وقيل: دهن السمسم.
[ ٤٧٥ ]
وحوران: من قرى الشام. والكثير بالشام الزيت.
وإنَّما قالَ: يعصرْنَ، بالنون، لأن شبَّههم، لأنَّهم لا شجاعة فيهم، بالنساء، لأنَّ الخدمةَ والتبذّلَ في العرب إنّما هو للنساء، فأمَّا الرجال فشغلهم بالحروب، ولهذا جعل المتنبي الرجال كالنساء، لمّا لَمْ يصونوا الحريم، فقال: [الوافر].
(ومَنْ في كَفِّهِ مِنْهُمْ سِنانٌ كمَنْ في كفِّه مِنْهُمْ خِضابُ)
وقيل: شبّههم ببعير ديافيّ، ثم أقبل يصف أقارب البعير، وأقاربه جمال، فلذلك جاء بالنون.
وقبل هذا البيت:
(ستعلم يا عمرو بن عفرا مَنْ الذي يُلامُ إذا ما الأمرُ غبَّت عواقبهُ)
(فلو كنتَ ظبيًا صفحتُ ولو سرتْ على قدمي حيّاتهُ وعقاربُهُ)
(ولو قطعوا يُمْنَى يديّ غفرتُها لهم والذي يُحصي السرائرَ كاتبهُ)
وبعده:
(وإنَّ امرأً يغتابُني لم أطألهُ حريمًا ولا تنهاهُ عنّي أقاربُهُ)
(كمحتطبٍ ليلًا أساودَ هَضْبةٍ أتاهُ بها في ظُلمةِ الليلِ حاطبُهُ)
وأما البيت الخامس فإنه لمحمد العتبي الشاعر، وبعده:
[ ٤٧٦ ]
مسألة [١٢٦] يجوز اضمار الفعل وحده إذا استلزمه ما قبله، أو أجيب به نفي أو استفهام، ظاهر أو مقدر
(وكُنَّ إذا ابصَرْنَني أو سمعْنَ بي سعين فسددن الكوى بالمحاجرِ)
(فإن عَطفتْ عني أعنّه أعيُنٍ نظرن باحداقِ المهى والجآذرِ)
(فإنّي مِنْ قومٍ كرامٍ ثناؤهم لأقدامِهم صيغتْ رؤوسُ المنابرِ)
ويروي: مفرقي بدل لعارضي.
والنواضر: جمع ناضر، بالضاد، وهو الناعم. والكوى: النقب في الحائط، وفتح كافها أفصح من ضمها، وجمع المفتوحها كِواء، بالكسر والمد، وكِوى بالكسر والقصر، وجمع المضمومها كُوى، بالضم والقصر لا غير.
/٢٨٥ (٢٥٥) / والمحاجر: جمع محجر العين، بفتح الميم والجيم، ما يبدو من النقاب. والجآذر، بالجيم واعجام الذال: جمع جُؤْذُر، بضم أوله وثالثه، وفتح ثالثه: البقرة الوحشية.
مسألة [١٢٦]
يجوزُ اضمارُ الفعلِ وحدَهُ إذا استلزمه ما قبله، أو أجيب به نفي أو استفهام، ظاهر أو مقدر، فالأول كقوله: [الرجز].
(أسْقَى الإلهُ عُدُواتِ الوادي وجَوْفَه كلَّ مُلِثَّ غادِ)
(كلُّ أجشَّ حالكِ السَّوادِ)
[ ٤٧٧ ]
والثاني كقوله: [الطويل].
(تجلدْتَ حتَّى قيلَ لَمْ يَعْرُ قلبَهُ من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجدِ)
والثالث كقوله: [الطويل].
(ألا هل أتى أم الحويرث مرسِلي نعم خالد أن لم تعقْهُ العوائقُ)
والرابع كقوله: [الطويل].
(ليُبكَ يَزيدُ ضارعٌ لخصومة ومختبطٌ ممّا تطيحُ الطوائحُ)
فأما البيت الأول فقوله: اسقى خبر لفظًا، دعاء معنىً أي جعل له شيئًا مما يسقيه.
وقوله: عدوات معناه جنبات، وإنّما رواه سيبويه جنبات، ومفردها
[ ٤٧٨ ]
عِدُوة، بكسر الدال وضمه، ومن قرى بها فإن كسرت فتحت الدال ولم يجز كسرها، ولولا الضرورة لجاز اسكانها، وإن ضمنت فتحت الدال تخفيفا، أو ضممتها اتباعًا، ويجوز في /٨٩ ب/ الكلام اسكانها تخفيفًا.
و«جوفَة» بالنصب عطفًا على عدوات، دعا لجوانبه وبطنه. و«المُلِثّ» بضم الميم وكسر اللام وتشديد الثاء المثلثة: المطر الملازم، من ألثَّ بالمكان إذا اقام به، ومثله ألبَّ، بالموحدة. و«الغادي» الآتي في الغداة، لأنّه يُكون باردًا. و«كلّ» الثانية فاعل اسقى محذوفة دلّ عليها اسقى لا قوله اسقى الاله سحابًا سقى ذلك فكأنَّه قيل: سقاها كلُّ أجش، وهذا محل الشاهد. و«الأجش» بالجيم وبالمعجمة، الشديد صوت الرعد. و«الحالك» الشديد السَّوادِ، وذلك لكثرةِ ما يحملُ من المطرِ، والأحسن خفضه، لأنَّ كّلًا إنّما يُجاءُ بها لا فادةِ الاستغراق، كما أن لام الاستغراق كذلك، والمقصود بالاسناد إليه إنَّما هو المضاف إليه.
وأما البيت الثاني فمعناه: تصبَّرتُ حتَّى قيلَ فيّ لم يَعْرُ قلبَهُ شيءٌ من الوجدِ، ثم قدَّر أنَّهُ سُئِلَ: فما قلتَ أنتَ؟ فقال: قلتُ بل عارني أعظمُ الوجدِ.
فلأجل تقديرِ السؤالِ استأنفَ جملةَ القولِ، ولأجل تقدّم ذكر فعل
[ ٤٧٩ ]
(يَعْرُ) في جملة النفي استغنى عن اعادته في جملة الجواب والهاء في قلبه للحكاية، وإلّا لقال قلبي.
و«من الوجد» حال من شيء.
وأما البيت الثالث فقوله: مرسَل، بفتح السين، و(نعم خالد) جواب الاستفهام، والعجيب هو المستفهم، والتقدير: نعم أتاها خالد، وجواب الشرط يحذف إذا كانت الأداة إنْ، وكان فعل الشرط ماضيًا وضعًا، أو لكونِه مجزومًا بلَمْ.
وأما البيت الرابع فإنه للبيد. والضارع الذليل الخاضع، والمختبط: الطالب للمعروف، واصل الاختباط ضرب الشجر للابل ليسقطَ ورقُها فتعلفَهُ الابلُ، و(مِنْ) للابتداء أو التعليل، وهي متعلقة بمختبط، وما مصدرية، أو موصول اسمي، أو نكرة موصوفة. ويطيح: يذهب ويهلك، يقال اطاحته السنون إذا ذهبت به في طلب الرزق وأهلكته، والعائد محذوف، وهو مفعول (تطيح)، إلّا إنْ قدرت ما مصدرية فلا حاجة إلى عائد. والطوائح على غير قياس، وكان حقّه مطاوح أو مطيحات، لأنّهُ جمع مطيحة، ولكنه جمع على حذف الزيادة وفي التنزيل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] والواحدة ملقحة، وكان الأصل ملاقح أو ملقحات، ولا يكون جمع طائحة، لأن معنى طاح يطيح أو يطوح هلك وسقط. ولو فسر الطوائح في البيت بالهالكات لفسد معناه.
والشاهد فيه رفع مضارع باضمار فعل يدل عليه ما قبله، فإنه لما قال: ليُبْكَ يَزيدُ، ببناء الفعل للمفعول عُلِمَ أنّ ثَمَّ باكيًا لم يبينه، فشوقت نفس
[ ٤٨٠ ]
مسألة [١٢٧] يجوز في الكلام حذف تاء التأنيث من الفعل الماضي المسند إلى مؤنث حقيقي
السامع إلى معرفته، فقدَّرَ أنَّهُ سأل فقال: من يبكيه؟ /٩٠ آ/ فقال مجيبًا: له ضارع أي يبكيه ضارع ومختبط يقول: إنَّهُ كان لنصره للمظلوم ولمواساته للفقراء يقصده هذان النوعان من الناس، فينبغي أن يبكي عليه الآن كلُّ ذليلٍ لا ناصر له، وكلُّ محتاجٍ قد أهلكته حوادثُ الزمان، وتركته لا معينَ له.
وزعم بعضُهم أنَّهُ لا دليلَ في البيت، لجواز أنْ يكونَ يزيدُ منادىَّ، وضارع مفعول يبكي، أي: يا يزيدُ يجبُ بعدَك أنْ يبكي الذليلُ والمحتاجُ فإنَّهما قد هلكا بهلاكك.
والتوجيه الأول أولى، لأنَّه رُوى: ليَبْكِ يزيدَ، بفتح ياء «يبك» وكسر كافة، ونصب يزيد، فلما ظهر (ضارعٌ) فاعلًا في هذه الرواية استحق أن يقدَّرَ فاعلًا في الأخرى ليستويا.
مسألة [١٢٧]
يجوز في الكلام حذفُ تاءِ التأنيث من الفعلِ الماضي المسندِ إلى مؤنثٍ حقيقي إذا فُصِلَ بينهما يغير إلًا، كقوله: [البسيط].
(إنَّ أمرأً غرَّهُ منكن واحدةٌ بعدي وبعدَكِ في الدنيا لمغرورُ)
فإن كان الفاصل إلّا فالحذفُ قليلٌ كقولِه: [الطويل]
([طَوى النَّحْرُ والأجرازُ ما في غُرُوضِها] وما بَقَيْت إلّا الضُّلوعُ الجَراشِعُ)
[ ٤٨١ ]
وأكثرُهم يخصُّهُ بالشعر، ويجوز في الشعر حذف التاء من الماضي المسند إلى ضميره متصل مجازى التأنيث، كقوله: [المتقارب]
(فلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبقلَ إِبقالها)
فأما البيت الأول فـ (غَرَّه) صفه لـ (امرأ)، وواحدة فاعل، وهو صفة لمحذوف، وقد إختلف في تقديره، فقال سيبويه والجمهور: امرأة واحدة مؤنث حقيقي، وترك التاء من الفعل، إذ لم يقل غرته للفصل بالمفعول، وهو الهاء، وبالجار والمجرور، وهو (منكن).
وقال المبرِّد: التقدير: خصلة واحدة، فلا دليلَ في البيتِ حينئذٍ، لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ، والتقدير الأول أظهر، لأنَّه إلى الذهن أسبق، ويؤيدُ صحتَهُ حكايةُ سيبويهِ: حضر القاضي امرأة.
وأما البيت الثاني فإنَّه لذى الرُّمة، صدره:
(طوى النحز والاجراز ما في غروضها)
والنَّحْز، بفتح النون والحاء المهملة والزاي: النخس والاستحثاث الشديد. والاجراز، بالجيم والراء وآخرها زاي، جمع جُرُز، بضمتين، وهي الأرضُ التي لا نبتَ بها، والغُرُوض، بضمتين، أولاهما معجمة، جمع غرض، هو حزام الرجل. والجراشع جمع جُرشع، بضم الجيم والراء [و] المعجمة، المنتفخة الجنوب والبطون، يصفُ ناقَتُه بقول: طوى وهزل
[ ٤٨٢ ]
ما أصابها من شدة الاستحثاث والركض ومن السير في الأرض التي لا نبات بها.
«ما في حزامها» وهو حشاها، فما بقيت من كثرة سبرها إلَّا أضلاع منتفخة عظيمة، يريد ذهب لحمها فلم يبق إلَا ضلوع مشرفة /٩٠ ب/ مرتفعة.
وأما البيت الثالث فإنه لرجل طائي، وهو عامر بن جُوَيْن، بلفظ تصغير الجون، للأسود والأبيض.
و(مزنة) مبتدأ، أو اسم لا، على إلغائها أو أعمالها عمل ليس، وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض، ويقال للمطر حبّ المزن. ووهم ابن يسعون فقال: المطر نفسه، ويرده قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩]، والودق، بالدال المهملة، المطر، وودقت تدق: مطرت، والجملة خبر المبتدأ، أو خبر لا، أو نعت لمزنة والخبر محذوف، أي موجود.
وودقها وإبقالها مصدران يشتبهان. و(أرض) اسم لا التبرئة، وأيقل خبرها فمحله الرفع، أو نعت لاسمها فمحله النصب، أو الرفع.
ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل أبقل، وقد يقال بقل بقلًا
[ ٤٨٣ ]
وبقولًا، ولوجهِ الغلامِ أول ما نبت فيه الشعر (بقل) لا غير.
وأنكر جماعة منهم الأصمعي: بقل في المكان، ولهذا ادعوا أنَّ باقلًا من الشواذ كأعشب، فهو عاشب.
والشاهد في قوله أبقل بإسقاط التاء مع كون الفاعل المؤنث مضمرًا متصلًا، وذلك لوجود شَرْطَيْهِ: كون التأنيث مجازيًا لا حقيقيًا، وكونه في الشعر لا في النثر، وكأنّه لما أُضطُّر حمل الأرض على الموضع أو السهل.
وعن ابن كيسان أنَّ ذلك جائزٌ في النثر، وإن البيت ليس بضرورة لتمكُّنِ قائلِه مِنْ أنْ يقولَ: أبقلت، وأنْ ينقلَ كسرةَ الهمزةِ إلى التاء، ثم يحذف الهمزة.
وأجاب السيرافي بأنَّهُ يجوزُ إِنْ يكونَ الشاعرُ ليس من لغتِه تخفيفُ الهمزة، وحينئذٍ لا يمكنه ما ذكره.
وذكر ابن يسعون أنَّ بعضَ الرواةِ رواه بالتاء، وبالنقل المذكور فإن صحَّتِ الروايةُ وصحَّ أنَّ القائلَ ذلك هو الذي قال: ولا أرض أبقل، بالتذكير، صح لابن كيسان مُدّعاهُ، وإلّا فقد كانت العرب ينشد بعضُهم شعرَ بعضٍ، ولا
[ ٤٨٤ ]
مسألة [١٢٨] اتفقوا على وجوب تأخير المحصور فيه بإنما، مرفوعا كان أو منصوبا، ليتضح بذلك المحصور فيه من غيره، واختلفوا في المحصور فيه بإلا
يتكلم على مقتضى، وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها، ومن هنا تكثَّرتِ الرواياتُ في بعضِ الأبيات.
وذكر القَواسُ في شرح الدُّرَّة أنَّهُ روى ابقالُها، بالرفع، فلا شاهد فيه حينئذٍ.
وزعم بعضُهم أنَّهُ لا شاهدَ فيه على رواية النصب أيضًا، وذلك على أنْ يكونَ الأصلُ لا مكان أرض، ثم حذف المضاف، وقال: ابقل، على اعتبار المحذوف، وقال: ابقالها، على اعتبار المذكور.
مسألة [١٢٨]
اتفقوا على وجوب تأخير المحصور فيه بإنَّما، مرفوعًا كان أو منصوبًا، ليتَّضحَ بذلك المحصور فيه من غيره، واختلفوا في المحصور فيه بإلَّا، فقال المتأخرون: وهو كذلك حملًا لأحد الحصرين على الآخر، ولأنَّ المحصورَ في نحو: ما ضربَ زيدٌ إلًا عمرًا، ضرب وقع من زيد لا مطلق الضرب، وفي: ما ضرب عمرًا إلًا زيدٌ، ضرب وقع على عمرو لا مطلق الضرب، فلو قدمت المحصور فيه /٩٠ آ/ في المثالين لحصرت الصفة قبل تمامها.
وقال الكسائي: يجوز تقديمُه لأمْنِ الالتباس.
وقال البصريون والفراء وابن الأنباري من الكوفيين: إنْ كان مفعولًا جاز
[ ٤٨٥ ]
تقديمه، لأنَّهُ في حالة التقديم في نية التأخير فتقديمه كلا تقديم، وإنْ كان فاعلًا وجب تأخيرُه، لأنَّه في حالة التقدم حال في محله، فلا يجوز أن يُقوي به غير ذلك المحل، وحينئذٍ فيكون تقديمه من جهتي اللفظ والتقدير، وذلك غير لائق بالمحصور فيه، لما قدَّمنا، وبعض النحويين كالناظم يتجوَّز في العبارة فيسمى المحصور فيه محصورًا.
ووهم الناظم وتبعه ابنه فنسب القول بالتفصيل لابن الانباري وحدَهُ.
واحتجَّ مجيز تقدم المحصور فيه بإلًا إذا كان فاعلًا بقول: [الطويل]
(تَزَوَّوْتُ من ليلى بتكليمِ ساعةٍ فما زاد إلًا ضِعْفَ ما بي كلامُها)
وهذا يصحُّ أنْ يحتجَّ به من يقول بالجواز مطلقًا بأنْ يقولَ هو دليلٌ على أنّ كونَ الشيءِ محصورًا فيه وكونه مقدّمًا لا يتنافيان، ووقع ذلك هنا في الفاعل بطريق الاتفاق، إلَا أنَّ الجواز مقَّيدٌ بذلك، ويقوى ذلك بأن يعود ما يشهد لتقدُّم المحصور فيه، وهو مفعول كقوله: [البسيط]
[ ٤٨٦ ]
(ما عابَ إلَّا لئيمٌ فعلَ ذي كرم ولا جَفَا قَطُّ إلَا جَبَّأٌ بطلا)
وقوله: [الطويل]
(فلم يدرِ إلَا الله ما هيَّجَتْ لنا عشيّةً آناءُ الديار وشامُها)
فأما البيت الأول فقد قيل لا دليل فيه لجواز أنْ يكونَ فاعل (زَاد) ليس قوله: (كلامها)، بل ضميرًا مستترًا في (زاد) راجعًا إلى (تكليم ساعة)، وحينئذٍ يبقى (كلامها) لا رافع له في اللفظ، فيحتاجون إلى تقدير عاملٍ له، فيقدّرون زاد في كلامها، وهذا التأويل قد يستبعد، لأنَّ مثلَ هذا إنّما يحسن إذا كان في الكلام السابق إيهام فيستأنف.
حينئذٍ له جملة توضحُهُ، ويقدْر تلك الجملة جوابًا لسؤال كما مرّ في قولك: ليُبْكَ يزيدُ ضارع لخصومه.
ويُجاب بأنَّ الفاعل لمّا لم يكنْ ظاهرًا بل ضميرًا مستترًا حصل إيهام سوِّغ السؤال والجواب، وبعدُ فالصواب الحكم بجواز التقديم قليلًا، أو في الضرورة.
وأما البيتان الآخران فقيل فيهما أيضًا بأنَّ المؤخَّر معمول لمحذوف،
[ ٤٨٧ ]
مسألة [١٢٩] أجاز الأخفش وابن جني وأبو عبد الله الطوال أن يعود ضمير من الفاعل المقدم على المفعول المؤخر
أي: غاب فعل ذي كرم وجبّأ بطلا ودرى ما هيجت لنا، وهذا واضح، لأنَّه إذا قدّر تمام الكلام قبل المفعول حسب السؤال. وإناءًا جمع نأى وهو البعد، وهو مما جمع فيه فعلى الصحيح العين على أفعال كفرح وأفراح وندر ورأد وارآد.
والديار على حذف مضاف، أي: أهل الديار، أو سمى أهل الديار ديارًا تسمية للحال باسم المحل، وعلى الاحتمالين قوله: [الطويل]
/٩١ ب/ (لئن نزحتْ دارٌ لليلى لربَّما غنينا بخير والديار جميعُ)
وقد يكون جميع بمعنى جامعه فلا يحتاج إلى واحد من التأويلين، وقوله: وِشامها، بكسر الواو وإعجام الشين، جمع وشم، وهو.
مسألة [١٢٩]
أجاز الأخفش وابن جني وأبو عبد الله الطوال أن يعود ضمير من الفاعل المقدّم على المفعول المؤخّر، نحو: ضرب غلامه زيدًا، لأن استلزام الفعل للمفعول يقوم مقام تقدّمه، ومنعه الجمهور، لعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبةً، وللاتفاق على المنع في قولك: صاحبُها في الدار، ويشهد للأول قوله: [الطويل]
[ ٤٨٨ ]
(جزى ربُّه عنّي عديَّ بنَ حاتمٍ جزاءَ الكلابِ العاوياتِ وَقَدْ فَعَلْ)
وقوله: [البسيط]
(جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كبرٍ وحسن فعل كما يجزى سنمارُ)
وقوله: [الطويل]
(ولو أنَّ مجدًا خلّدَ الدهرّ واحدًا مِنَ الناسِ أبقَى مَجْدُهُ الدهرَ مُطْعِما)
وقوله: [الطويل]
[ ٤٨٩ ]
(كسى حلمه ذا الحلم أثوابَ سؤددٍ ورقى نداء ذا الندى في ذرى المجدِ)
وقال بعضُهم: هو جائز في الضرورة ممتنعٌ في الكلام، وأجازه ابن الناظم.
فأمّا البيت الأول فإنه لأبي الأسود الدؤلي يهجو عدى بن حاتم.
والجزاء يستعمل في الخير والشر، والجملة خبرية اللفظ دعائية، واختلف في المراد بجزاء الكلاب العاويات، فقيل: هو الضرب والرمي بالحجارة.
وقال الأعلم: ليس هذا بشيء، وإنَّما دعا عليه بالأبنة، إذ الكلام تتعاوى عند طلب السفاد، قال: وهذا من ألطف الهجو.
ومن قال المراد الضرب فليس بشيء، ثم حقّق المدعو به بقوله وقد فعل، ومن هنا اتّجه الأعلم أن سماه هجاء، وإلًا فالدعاء لا هجاء فيه، ونظيره في تحقيق المدعو به قوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقد حققت الجملة المدعو بها في الآية على وجه أكمل، إذ لم يقل: وتبت يداه، بل بأنَّه كلُّه قد خسر، يداه وغيرها.
[ ٤٩٠ ]
وأجاب المانعون بأن الضمير في (ربه) ليس عائدًا إلى (عَدِيّ) بل إلى الجزاء المفهوم من قوله: جزى، وكأنَّه قيل جزاء مالِك الجزاءِ، أي الذي بيده أمرُ الجزاء، ويشهد لهم قول النابغة: [الطويل]
(جزى الله عبسًا والجزاءُ يكفه جزاء الكلاب العاويات وقد فَعَلْ)
وقوله علي (﵁): [الطويل]
(جزى الله عني والجزاء بفضله ربيعة خيرًا ما أعف وأكرما)
وعلى هذا فإذافة كلمة الرب إلى ضمير الجزاء أعطى المعنى الذي تعطيه الجملتان المعترضتان في البيتين.
وفي كتاب النوادر لابي عمر الزاهد غلام ثعلب أن ابن كيسان تسمع ثعلبا يقول: لا يتقدم المكني على الظاهر، فاعترض عليه بهذا البيت، فأجاب بأنَّهُ شاذٌ، وبأنَّه يجوز أن تكون الكناية لغير (عديّ) وكأنّه وصف رجلًا
[ ٤٩١ ]
أحسن اليه، ثم قال جزاه ربُّه خيرًا، وجزى عني عديّ بنَ حاتم شرًّا، فلا شذوذ في البيت، ولا خفاء بما في هذا التأويل من السقوط لكثرة تكلّفه، وادعاء حذف ما لا دليل عليه.
واما البيت الثاني فلا [يحتم] من الضمير ما قدّمنا /٩٥ ب/ من التأويل، و(عن) فيه بمعنى بعد مثلها في «لتركبن طبقًا عن طبق»، وقوله: وحسن فعل، أي لهم، وقوله: يجزي أي جزى، فأتى به على صيغة المضارع لاستحضار الحال الماضي لغرابته، وسِنِمَّار بوزنِ طِرَّماح اسم الرجل من البناة، وهو في الأصل علم للقمر، وهذا الرجل بنى الحورنق، وهو قصر عظيم لم يرَ العربُ مثله، بناه للنعمان الأكبر ملك الحيرة ليكون فيه ولده ونساؤه، ولما بناه رماه من أعلاه، فهلك، فصار يضرب به المثل في سوء المكفأة، فقيل: (جزاني جزاء سنمار)، وكان بناؤه في عشرين سنة، وذكر الجاحظ في كتاب الحيوان لبعض العرب: [الطويل].
(جزاني جزاه الله شرّ جزائه جزاء سنمار وما كان ذا ذنبِ)
(بنى ذلك البنيان عشرين حجة يُعَلَّى عليه بالقراميد والسكبِ)
(فلما انتهى البنيانُ يومَ تمامِه وآضَ وكمثِل الطود واللدع الصعبِ)
[ ٤٩٢ ]
(رمى سنمار على حقّ رأسه وذاك لعمر الله من اعظمِ الخطبِ)
واختلف في سبب ما فعل به ذلك فقيل: لأنه.
واما البيت الثالث فإنه لحسان بن ثابت الانصاري (﵁) يمدح المطعم بن عدي. والدهر هنا جميع الزمان، وهو منصوب بأخلد وبأبقى.
واما البيت الرابع فواضح، وفيه شاهد على هذه المسألة، فهو من أنفع الأبيات.
[ ٤٩٣ ]