مسألة [٤٥]
المبتدأ نوعان: مفتقرٌ إلى الخبر كزيد قائم، ومستغنٍ عنه، وهو الوصف الرافع لمنفصل مغنٍ، وشرطه عند غير الأخفش من البصريين أن يعتمد على استفهام، كقوله: [البسيط].
(أقاطنٌ قومُ سلمى أم نَووا ظَعنا إنْ يَظعنوا فعجيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنا)
أو نفي، كقوله: [الطويل].
(خليليَّ ما وافٍ بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على مَنْ أقاطعُ)
[ ١٨١ ]
وأجازه الأخفش والكوفيون بدونهما، واستدل لهم بقوله: [الطويل].
(خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلا تكُ مُلْغيًا مقالةَ لهبي إذا الطيرُ مرتِ)
وقول الآخر: [الوافر].
(فخيرٌ نحنُ عند الناسِ منكمُ إذا الداعي المثوَّبُ قالَ يا لا)
فأما البيت الأول: فقاطن اسم فاعل من قطن بالمكان، أي أقام به وتوطنه، وجمعه قُطَّان وقَطينٌ، وقد جاء في بيت /٨٠/ تنازعه فيه ثلاثة عوامل، وهو: [م. الرمل].
(علموني كيف أبكيـ هم إذا خفَّ القطينُ)
فأعمل فيه (خف)، ومعناه: قل واضمر في الأول على القياس، وفي الثاني على غير القياس، لأنه فصله وقوم فاعل مغنٍ عن الخبر، لأنه مع الوصف في قوة الفعل وفاعله حَسُنَ عطف الفعل وفاعله عليهما، بأم المعادلة و(عجيب) خبر مقدم لا مبتدأ، وإن كان وقوع النكرة بعد فاء الجزاء مسوِّغًا للابتداء، نحو:
[ ١٨٢ ]
(إن مضى عَيْرٌ فعير في الرباط)
لأن المعنى على الإخبار عن (عيش) من أقام بعد أولئك، بأنه عيش عجيب، لا عن العكس.
وأما البيت الثاني ففيه شاهد على ما ذكرنا وعلى إبطال قول الكوفيين، ومن تبعهم كابن الحاجب والسهيلي أنه يجب في نحو: أقائم أنت؟ كون أنت مبتدأ مؤخرًا وكأنَّ الزمخشري يوافقهم أيضًا، لأنه جزم في: ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ﴾ بذلك، وشُبْهَتُهم أن الفعل لا يليه فاعله منفصلًا، لا يقال: قام أنت. فكذا الوصف.
والجواب: أن الفعل أقوى في العمل، فلما قوي عمله امتنع فصله، وإنا أجمعنا على أن فاعل الوصف ينفصل إذا جرى على غير صاحبه، وألبس، فكما فُصِل لهذا الغرض يُفصل لغرض آخر صحيح، وهو كونه في اللفظ سادًا مسد الخبر، وهو وَاجب الفصل.
ثم كيف يصنعون بهذا البيت، فإنهم إذا قدّروا الضمير فيه مبتدأ لزم الإخبار عن الاثنين بالمفرد، وأمّا استدلال بعضهم بقول الآخر: [الطويل].
(فما باسطٌ خيرًا ولا دافعٌ أذى من الناس إلا أنتمُ آل دارم)
[ ١٨٣ ]
فباطل، لأن الحصر يصحح الفصل في مرفوع الفعل كقوله: [السَريع].
(قد عَلِمتْ سَلْمى وجاراتُها ما قطرَ الفارس َ إلا أنا)
فهذا لا يمنعه أحد في وصف ولا غيره، وإطلاقهم مقيد بما عدا ذلك ونحوه، وأولى ما يردّ به عليهم /٨١/ قوله تعالى ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ﴾، لأن الوصف قد تعلق به عن ومجرورها فلو كان خبرًا يقتضيه مذهبهم وكما ذكرهُ الزمخشري لزم الفصل بين العامل ومعموله بالأجنبي، وقد تبين بهذا أيضًا فساد قول من يجوز في الآية الوجهين اللذين في: أقائمٌ زيد.
أما البيت الثالث فإنه لبعض الطائيين، وتوجيه الاستدلال به أن (خبير) لو كان خبرًا مقدمًا لزم الإخبار عن الجمع بالواحد، فلما بطل هذا تعيَّن كونه مبتدأ، و(بنو) فاعل به، ويُردّ هذا أن فعيلًا قد يأتي للجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأوجهٍ أعداءٍ وهنَّ صديقُ)
وقول رؤبة: [الرجز]
(رؤبةُ دَعْها فما النجوى من صديقها)
[ ١٨٤ ]
لأنه يقال: ما فلان من الناس، ولا يقال: ما هو من الرجل وقد ظفرت بذلك في لفظه خبير نفسها، قال: [الوافر].
(إذا لاقيتِ قومي فاسأليهمْ كفى قومًا بصاحبهم خبيرًا)
وفاعل (كفى) ضمير السؤال المفهوم من سأل، و(قَومًا) مفعول، و(خبيرًا) صفة له، و(بصاحبهم) متعلق به.
و(لِهب) بكسر اللام، وهي أحذق الناس بالعيافة والزجر، ولهذا وصفهم الشاعر بالخبرة، ونهى عن إلغاء قولهم إذا مرّت الطير، وقال الآخر: [الطويل].
(سألت أخا لهب ليزجر زجره وقد صار زجر العالمين إلى لِهبِ)
وأما البيت الرابع فهو لزهير بن مسعود الضبي، و(خيرٌ) فيه مبتدأ، و(نحن) فاعل، وفيه شذوذان، أعمال الوصف غير معتمدٍ، ورفع اسم التفضيل للظاهر في غير مسألة الكحل، ولا يكون (خيرٌ) خبرًا مقدمًا لئلا يلزم الفصل بين اسم التفضيل و(من) بالأجنبي، وهو المبتدأ /٨٢/، وقد يؤول هذا البيت على تقدير (خير) خبرًا لنحن محذوفة، وجعل (نحن) المذكورة مؤكدة للضمير المستتر في (خير) العائد على (نحن) المحذوفة، والمثوب الذي يدعو الناس يستنصر بهم دعاء يكرره، ومنه التثويب في الصبح.
[ ١٨٥ ]
مسألة [٤٦] إذا أخبر بصفة عن اسم وهي في المعنى لغيره، ورفعت ضميره، وخشي الإلباس وجب إبراز ذلك الضمير إجماعا
قوله: (يا لا) أراد، يا لَفُلانٍ، فحكى صوت الصارخ المستغيب، وخلط اللام بيا، وجعلها كالكلمة، حتى أن الفارسي زعم أن الألف الآن يقدر انقلابها عن الواو، وعلى القياس في الألف المتوسطة المجهولة، وبعده:
(ولم تَثِق العواتقُ من غَيورٍ بغَيْرتِه وخَلَّيْنَ الحِجالا)
(العواتق) اللاتي لم يتزوجن، وتخليتهن الحجال من الفزع وعدم وثوقهن بأن آباءهن وحُماتهن يمنعونهن.
مسألة [٤٦]
إذا أُخبر بصفةٍ عن اسم وهي في المعنى لغيره، ورفعت ضميره، وخُشِيَ الإلباس وجب إبراز ذلك الضمير إجماعًا. نحو: غلامُ زيد ضاربه هو، إذا كان الضارب زيدًا فإن أُمِنَ الإلباس نحو: غلامُ هند ضاربتُه.
فالبصريون يلتزمون الإبراز أيضًا فيقولون: ضاربته هي، طردًا للباب، وخالفهم الكوفيون وتمسكوا على ذلك بشواهد الأول قوله: [البسيط].
(قومي ذُرَى المجد بانوها وقد علمتْ بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وقحطانُ)
ووجهه أنهم قدروا: (قومي وذرى) مبتدأين، و(بانوها) خبر الثاني،
[ ١٨٦ ]
والجملة خبر الأول، فأخبروا ب (بانوها) عن (الذُّرى) وإنما هو في المعنى للقوم، لأنهم البانون، والذرى مبنية، ولم يقل: بانيها هم، لأنه قد أمِنَ الإلباس وفي الشرح: أنه لو أبرز لقال: بانوها هم، وهذا سهوٌ، لأن إفراد الوصف حين الإبراز واجب إلا في لغة: أكلوني البراغيث.
والجواب: إنا نمنع كون (ذرى) مبتدأ، بل مفعول لوصف حذف على /٨٣/ شريطة التفسير، وذلك الوصف هو الخبر، وهو جارٍ على من هو له، والوصف المذكور بدلٌ منه، ونظيره قولك: زيد الخبز أكلَهُ، إن نصبت الخبز استتر الضمير، وإن رفعته أبرزت، و(الذُّرَى) بالضم جمع ذُروة بالضم أيضًا، كمُدية ومُدى، وذُروة الشيء أعلاه، ومن قال: ذِروة بالكسر فقياسه ذِرى بالكسر، مثل مِرية ومِرى، ومن قال: ذروة بالفتح فقياسهِ ذراء، كَركوة وركاء، وظَبية وظِباء، وشذّ قَرية وقُرى.
و(كَنُهْ) الشيء نهايتُه، يقال: أعرفه كنه المعرفة، ولا فعل من هذه المادة، وقولهم: لا يكتنه كنه كذا، مولدٌ وصاحب الكشاف يستعمله.
ويروي: بصدق ذلك، وهو أظهر. وعدنان: ابن أدّ أبو معدّ، أطلق على القبيلة المتشعبة منه، ولهذا أنت فعله في قوله: [البسيط].
(وكم أبٍ قد علا بابْنٍ ذُرَى حَسَبٍ كما عَلَتْ برسولِ اللهِ عدنانُ)
وهو المراد في بيت الشاهد، وقحطان أبو اليمن.
[ ١٨٧ ]
الشاهد الثاني: [الطويل].
(وإنّ أمرًا أسرى إليك ودونَهُ من الأرضِ مَوْماةٌ ويبداءُ سَمْلَقُ)
(لمحقوقةٌ أن تستجيبي لصوتِهِ وأن تعلمي أنَّ المُعافَ مُوفَّقُ)
وهذا الشعر للأعشى، ووجه الشاهد أن (محقوقة) خبر عن اسم أن، وهو في المعنى للمرأة المخاطبة ولم يقل (لمحقوقة أنت) بل ترك الضمير مستترًا.
والجواب: أن (محقوقة) ليست مسندة إلى ضمير المرأة البتة، بل إلى (أن تستجيبي) أي: لمحقوقة استجابتك، والتأنيث للاستجابة لا للمرأة، حتى أنه لو قال: لمحقوق، بالتذكير لكان جائزًا في الكلام، لأن تأنيث الاستجابة غير حقيقي. و(الموماة) الأرض التي ليس فيها ماء، والبهماء التي لا طريق بها، و(السملق) المستوية.
الشاهد الثالث /٨٤/، وقوله: [الكامل].
(إن الذي لهواكِ آسف رَهْطَهُ لجديرةٌ أن تصطفيهِ خليلا)
(آسف) اغضب، ومنه ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾، وتأوله بعضهم على أن (جديرة) خبر لمحذوف، آي: لأنت جديرة، والجملة خبر لأن، وفيه تكلف.
[ ١٨٨ ]
الشاهد الرابع، قوله: [الوافر].
(ترى ارباقَهُمْ متقلديها إذا حمي الحديدُ على الكُماةِ)
وذلك أن (متقلديها) مفعول ثانٍ، فإن كانت (ترى) علمية فهو خبر في الأصل، وحالٌ إن كانت بصرية، والخبر والحال والنعت سواء في هذا الحكم. و(متقلديها) جارٍ في اللفظ على الارباق، وهو لأصحابها.
ولم يقل: متقلدها هم. وقد أجيب بأن أصلَهُ: ترى أصحاب أرباقهم، ثم حذف المضاف، فمتقلديها جارٍ على الأصحاب لا الارباق.
و(الارباق) جمع رِبْق بالكسر: حبل فيه عُرى تشدّ فيه صغار الضأن، وكل من تلك العرى يسمى ربقة.
و(الكمُاة) جمع الكمي، وهو الشجاع المتكمي في سلاحه، لأنه كَمىَّ نفسه أي سترها بالدرع والبيضة.
يهجوهم بأن شهودَ الحرب ليس من شأنِهم، وأن الشجعان إذا حمي عليهم لباس الحرب كانوا مشغولين برعي صِغار الضأن، ولهذا قال يتمدَّح: [الرجز].
(قد لفها الليل بسوّاقٍ حطم ليس براعي إبل ولا غنم)
ومما استدل به الكوفيون أيضًا قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقهمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
[ ١٨٩ ]
وحكاية الفراء: كل ذي عين ناظرة إليك، برفع ناظرة على الخبرية، وحكاية غيره: يدك بالخير باسطها.
وأجيب عن الآية بأن الأصل: فظلوا، ثم أُقحمت الأعناق لبيان محل/٨٥/ الخضوع، ثم ترك الكلام على أصله، وبأنّ الأصل (خاضعةٌ)، ولكنْ لما وصفت بالخضوع، وهو من شأن العقلاء، قيل: خاضعين، كـ ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وبأن المراد بالأعناق الرؤساء، كما يقال لهم: الرؤوس والنواصي والصدور، بأن المراد الجماعات، لأنه يقال: جاءنا عنق من الناس، أي فوج منهم، وعن الحكايتين بأن التقدير: إلحاظ كل ذي عين، وأنت باسطها، فحذف المضاف من الأول، والمبتدأ من الثاني.
واعلم أن إيراد جماعة من النحويين الآية الكريمة، والحكاية على البصريين لخصوصيتهم سهوٌ، بل تأويلهما لازم لأهل البلدين جميعًا، لأن الخبر المشتق لم يرجع منه فيهما ضميرٌ للمخبر عنه في الظاهر إلا بالتأويل.
وأما الحكاية الأخيرة فيتأتى إيرادها، لأن مع الخبر ضميرين بارزًا يرجع للمبتدأ، ومستترًا يرجع للمخاطب، فكان حقّه أن يبرزه فيقول: باسطها أنت.
[ ١٩٠ ]
مسألة [٤٧] قد يخبر باسم الزمان عن الجثة إذا كان اسم الجثة على حذف مضاف
مسألة [٤٧]
قد يخبر باسم الزمان عن الجُثَّة إذا كان اسم الجُثَّة على حذف مضاف، كقولهم: اليوم خمرٌ، أي: شرب خمر، والليلة الهلال، أي ظهوره أو رؤيته وقوله: [الرجز].
(أكلَّ عام نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتَجونَهُ)
وهذا الرجز لبعض صبيان العرب يخاطب به من أغار على إبل لقومه، وبعده:
(أربابه نوكى فلا يحمونه ولا يُلاقون طِعانًا دونَهُ)
(أنعم الأبناء تحسبونه هيهاتَ هيهاتَ لما ترجونَهُ)
الهمزة للاستفهام الإنكاري، و(كل) ظرف زمان خبر مقدمٌ، و(نَعَمٌ) مبتدأ مؤخر، وتقدير: نهب نعم، أو: إحراز نعم والأحسن أن يكون (نَعَمٌ) فاعلًا بالظرف لاعتماده، فلا مبتدأ ولا خبر، ومع هذا فلابد من التقدير أيضًا، لأنه لأجل /٨٦/ المعنى لا لأجل المبتدأ، إذ الذي يحكم له بالاستقرار هو الأفعال لا الذوات.
وأكثر ما يطلق (النعم) على الإبل، ويطلق أيضًا على ما ينطلق عليه الأنعام، وهو الإبل والبقر والغنم، ومنه: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهو مذكر بدليل (يحكم به) في الآية، و(تحوونه) في البيت وما بعده في الأبيات، ويجوز تأنيثه.
[ ١٩١ ]
مسألة [٤٨] يجب تأخير ما حصر من مبتدأ
ويقال: ألقح الفحل الناقة، والريح السحاب، ونتج أهل النوق نوقهم، بفتحتين، ينتجونها، بكسر العين، ونتجت هي، بضم أوله وكسر ثانيه، وأنوك نوكى كأحمق حمقى وزنًا ومعنى.
ومن النوادر ما حكاه ابن خالويه في كتاب "ليس" من أن رجلًا قال للآخر: أنت أنوك، فقال: أنت انيك وأنيك فحقق نوكه بذلك.
مسألة [٤٨]
يجب تأخير ما حصر من مبتدأ، نحو: إنما في الدار زيدٌ، وما في الدار إلا زيدٌ، أو خبرًا نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ﴾، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُول﴾. وقد يقدم الخبر المحصور بإلا في الشعر كقوله: [الطويل].
(فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول)
وهذا البيت للكميت والاستفهام فيه أولًا وثانيًا مراد به.
و(النصر يرتجى) جملة اسمية و(بك) متعلق ب (يرتجى)، وقد للضرورة، وليس محل الاستشهاد، ولأنه ليس الخبر، نعم قد يقال: إن
[ ١٩٢ ]
مسألة [٤٩] قد يبتدأ بالنكرة في غير المسائل المذكورة في الخلاصة
تقديم معمول الخبر إذا كان ذلك المعمول محصورًا يستلزم جواز تقديم الخبر إذا كان محصورًا، فيكون دليلًا بهذه الطريق، و(عليهم) تبين وهو متعلق في المعنى بالنصر، ولكن الصناعة تأباه، إذ لا يخبر عن المصدر قبل تمامه بمعموله، لئلا يلزم الفصل بالأجنبي، و(المعول) مبتدأ مؤخر، و(عليك) خبر مقدم، وهو محل الاستشهاد صريحًا، وليس لك هنا /٨٧/ أن تجيز في المعمول الفاعلية، وإن كان الظرف معتمدًا، لأن الظرف على هذا التقدير في محل لأنه خلف عن الفعل، وكما لا يجوز: ما إلا قام زيد، كذلك لا يجوز: ما إلا في الدار زيدٌ.
مسألة [٤٩]
قد يبتدأ بالنكرة في غير المسائل المذكورة في الخلاصة، كقوله: [المتقارب]
(فيومٌ علينا ويوم لنا ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ)
وقوله: [الطويل].
(سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمْذْ بدا محيّاك أخْفَى ضوءهُ كل شارق)
[ ١٩٣ ]
فأما البيت الأول فإنه للنمرين تولب العكلي ﵁، وفيه الابتداء بالنكرة أربع مرات، ولم يذكر الناظم ولا الشارح ضابطًا لذلك.
وضابطه أن تستعمل النكرة في التقسيم، وفيه أيضًا حذف رابط الجملة المخبر بها، إذ الأصل: نساء فيه ونسر فيه.
ثم اختلف: فعن سيبويه أن الجار والمجرور حذفا دفعة، وعن الأخفش أنه حذف الجار، فانتصب الضمير، واتصل بالفعل، كما في قوله: في ساعة يحبها الطعام. إذ الأصل: يُحَبُّ فيها، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾.
وفي أمالي ابن الشجري: أن الأول قول الكسائي، وأنه أقيس، وأن الثاني قول نحوي آخر، وأن أكثر أهل العربية منهم سيبويه والأخفش يجوزن الأمرين جميعًا. انتهى.
[ ١٩٤ ]
وهو غريب، ويأتي الخلاف في نظائر ذلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَاّ تَجْزِي نَفْسٌ الآية]، و﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
ولا يجوز نصب اليومين الأولين لعدم الناصب، ولا يحسن نصب الأخيرين. وروى ابن الأعرابي نصبهما، وهو ضعيفٌ، لأن الكلام الأول في تقسيم الأيام لا في تقسيم الأحوال والأفعال، وإن كان كل من المعنيين لازمًا عن الآخر، ولكن انتظام الكلام مطلوب، وروى ابن الأعرابي نصبهما، وهو ضعيف.
وقبله: [المتقارب].
(سلام الآله وريحانُهُ ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ)
(غمامٌ يُنَزِلُ رزقَ العبادِ فأحيا البلاد وطاب الشّجَرْ)
(أرى الناس قد أحدثوا شيمةً وفي كُلِّ حادثةٍ يُؤْتَمَرْ)
(يُهينُون مَنْ حَقَروا شَيْئَه وإن كانَ فيهم يفيء أو يُبَدر)
(ويعجُبَهم مَنْ رأوا عِنْدَهْ سَوَامًا وإنْ كان فيه الغَمَرْ)
(ألا يا لذا الناس لو يَعْملونَ للخَيْرِ خَيْرٌ وللشرِ شرّث)
(دِرَرَ) جمع درة، مثل عِدّة وعِدَد، أي تَدُرُّ بالمطردِرَّة بعد أخرى، و(رَيْحانُه) رزقه، و(غَمامٌ) بدل من (سماءٌ) و(شيمة) خُلُقًا. يقول: صاروا يأتمرون في كل حقٍ، كصلة الرحم، وقِرى الضيف بالتركِ له لا يُمضونَه على ما كان يكون، فمِما أحدثوا إهانة من قلَّ ماله وإنْ كان بَرًا
[ ١٩٥ ]
وفيًا. و(الغَمَر) بفتحتين وبالمعجمة: الدنس أي الخلق المكروه.
واللام في البيت الأخير بالكسر، أي يا قوم لهذا الناس لو كان للناس علمٌ لوضعوا بإزاء كل شيء ما يناسبه.
ويروى: لا الخير خير ولا الشر شر، أي إن الأوضاع تغيرت، وهو راجع لمعنى الرواية الأخرى.
وأما البيت الثاني: فقوله (سَرَيْنا) من السُّرى، وربّما صحف بشربنا من الشرب، والواو من قوله (ونجم) واو الحال، وهي ضابط جواز الابتداء بالنكرة في هذا النوع. وفي الحديث: «دخل وبُرْمَةٌ على النار»، ويحتمل أن منه ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أو أن المسوغ التفصيل، إذ المعنى: طائفة غشيتهم وطائفة لم يغشَهُمْ، أو صفة مقدرة، أي: وطائفة من غيركم، ويحتمل أن الجمل الثلاث بعده صفاتٌ والخبر محذوف، أي: ومنكم طائفة هذه صفتهم، أو أن الجملة الأولى صفة، والثالثة خبر، والثانية /٨٩/ إما خبرٌ أول، أو صفة ثانية.
تنبيه: ليس الشرط في مسألة الحال وقوع النكرة بعد الواو كما صرحوا به بدليل قول الحماسي: [البسيط].
(تركت ضاني تود الذئبَ راعيها وأنها لا تراني آخر الأبدِ)
(الذئب يطرُقُها في الدهر واحدةَ وكل يومٍ تَراني مُدْيَةٌ بيدي)
[ ١٩٦ ]
مسألة [٥٠] الصفة المقدرة في تسويغ الابتداء بالنكرة كالصفة المذكورة
مسألة [٥١] يجب تأخير الخبر إذا استوى الجزءان تعريفا وتنكيرا
فيمن يروي (مُدْيَةٌ) بالرفع، وأما من نصبها فهي مفعول لمحذوف، أي حاملًا أو آخذًا، أو بدلٌ من الياء، وهو ضعيف.
مسألة [٥٠]
الصفة المقدرة في تسويغ الابتداء بالنكرة كالصفة المذكورة نحو: السَّمنُ مَنَوان بدرهم، أي منه، ونحو: (وطائفة) في الآية على أحد الأوجه، وقوله: [البسيط].
(إني لأكثرُ مما سُمْتَني عجبًا يد تَشجُّ وأخرى منك تأسوني)
أي: يد منك، ويجوز أن يكون المسوغ التفصيل، وقوله: (سمْتَني) بفتح التاء، يقال: سامه كذا، أي أنزله به، وأسَوْتُ الجُرْحَ، بالقصر آسُوه، بالمد. وقبله:
(قل للذي لستُ أدري من تَلِّونهِ أناصحٌ أم على غش يُداجيني)
وبعده:
(تغتابُني عند أقوامٍ وتَمُدَحني في آخرين فكُلُّ عنك يأتيني)
مسألة [٥١]
يجب تأخير الخبر إذا استوى الجزءان تعريفًا وتنكيرًا إلا إن عينت
[ ١٩٧ ]
القرينةُ ابتدائية أحدِهما كقوله [الطويل].
(بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا بَنُوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ)
أصله: بنو أبنائنا مثل بنينا، فقدّم وأخر وترك كلمة مثل للعلم بقصد التشبيه، وبأن المراد تشبيه أبناء الأبناء بالأبناء لا العكس.
وقد يقال: أن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وأنه جاء على عكس التشبيه للمبالغة، كقول ذي الرمة: /٩٠/ [الطويل].
(ورَمْلٍ كأوراكِ العذارى قَطَعْته إذا جللته المظلمات الحنادس)
فكان ينبغي للشارح أن يستدل بما أنشده والده في شرح التسهيل في قوله: [البسيط].
(قبيلة الأمُ الأحياءِ أكرمها وأغدرُ الناس بالجيرانِ وافيها)
إذ المراد الأخبار عن أكرمها بأنه ألام الأحياء، وعن وافيها بأنه أغدر
[ ١٩٨ ]
الناس لا العكس، وفيه شاهدان، وهذا البيت لحسان ﵁، وقبله:
(أبلغ هوازن أعلاها وأسفلَها أنْ لَسْتُ هاجيَها إلا بما فيها)
وبعده:
(وشرّ من يحضر الأمصار حاضرهم شر باديةِ الأعرابِ باديها)
(تَبْلَى عِظامُهم إما هٌمٌ دُفِنوا تحت التراب ولا تَبلى مَخازيها)
وفي الأول من هذين البيتين شاهدان أيضًا على ذلك، وأنشد الناظم أيضًا: [الكامل].
(جانيكَ مَنْ يَجني عليكَ وقَدْ يُعدِي الصحاحَ مباركَ الجُرْبُ)
(جانبك) خبر و(من) مبتدأ، ومعناه: أن الذي تعود جنايته عليك من العاقلة هو الذي يُكسبك، و(الصحاح) مفعول، و(مبارك) تمييز عن الفاعل، و(الجُرب) فاعل (تُعدِي)، والمعنى: وقد تعدى الإبل الجُرْبُ الإبل التي صحّت مباركها.
وزعموا أن من خفض (الجرب) مخطئ، وذكر بعضهم أن ذلك رواية.
وهذا عندي جيد، ويكون الشاعر أقوى في بيت آخر في القصيدة
[ ١٩٩ ]
سنورده والمعنى على ذلك حسن.
والشعر لذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، وهو أول من أطال الشعر بعد مهلهل، وقبله:
(يا كَعْبُ إنَّ أخاكَ مُنْحَمِقٌ فاشدُدْ إزارَ أخيك يا كَعْبُ)
وبعده:
(والحربُ قد يُضْطَرُ جانيها نحو المضيق ودونَهُ الرَّحْبُ)
(ولرُبَّ مأخوذٍ بذنب عشيرةٍ ونجا المقارفُ صاحبُ الذنبِ)
ورأيت في أخبار السليك أنه وفد على الحجاج، فقال: يا أيها الأمير عَصَى عاصٍ من عشيرتي فهُدِمَ منزلي، وحُرِمْتًُ عطائي، فقال: ألم تسمع /٩١/ إلى قول الشاعر:
(جانيك البيت)
فقال: يا أيها الأمير إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ نَاخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُْ﴾. فأمر أن يعاد منزله، وأن يصرف إليه عطاؤه، وأن يُنادَى: صدق الله وكذِبَ الشاعر.
مسألة [٥٢]
إذا لابس المبتدأ ضميرًا عائدًا على بعض الخبر لزم تقدم الخبر،
[ ٢٠٠ ]
نحو: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه»، على التمرة مثلها زيدًا، وقوله: [الطويل].
(أهابك إجلالًا وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها)
وهذا البيت لنصيب الذي قال فيه عمر ﵁: نصيب أشعر أهل جلدته.
ومعناه: أهابك لا لاقتدارك علي، ولكن إعظامًا لقدرك، لأن العين تمتلئ بمن تحبه، فتحصُل المهابة.
و(إجلالًا) مفعول لأجله، و(مِلء) خبر، و(حبيب) مبتدأ، وإنما يتم هذا الاستشهاد على ما هو المشهور من أنه إذا اجتمعت نكرة ومعرفة كانت المعرفة هي المبتدأ مطلقًا.
وأما على ما يراه سيبويه من أن النكرة إذا كانت مقدمة، وكان لها مسوغ كانت هي المبتدأ فلا. ولهذا قال في: كم جريبًا أرضك؟ بأن (كم)
[ ٢٠١ ]
مسألة [٥٣] يجوز حذف المبتدأ لدليل
مبتدأ. وبقوله قال أبو الفتح في البيت، فأعرب (ملء) مبتدأ و(حبيب) خبرًا. وبعده:
(وما هجرتْكِ النفسُ أنكِ عندها قليلٌ ولكن قل منك نصيبُها)
مسألة [٥٣]
يجوز حذف المبتدأ لدليل كقوله: [الطويل].
(أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوههم دُجَى الليل حتى نظَّم الجَزْع ثاقبهُ)
(نجومُ سماءٍ كل ما انقضَّ كوكبٌ بد كوكبٌ تأوى إليه كواكبهُ)
أي هم نجوم، وهذا الشعر لأبي الطحان، بفتحتين، واسمه حنظلة /٩٢/ جاهلي معمر من بَلْقَين، وقبل البيتين:
(وأني من القوم الذين همُ همُ إذا مات منهم سَيدٌ قام صاحبُه)
وبعدهما:
(وما زال حيث كانوا مُسَودٌ تسير المنايا حيث سارتْ ركائبُهْ)
[ ٢٠٢ ]
كذا روى جماعة منهم المرزباني، وأورد أبو تمام في حماسته:
(إذا قيل أيُّ الناس خيرٌ قبيلة وأصبرُ يومًا لا تُوارَى كواكُبه)
(فإن بني لام ابن عمروٍ أرومةٌ سَمَتْ فوق صَعِبٍ لا تُنال مَراقبُه)
(أضاءت لهم البيت) ولم يَزدْ عليهن.
وقوله (أضاءت البيت) قيل: أمدح بيت قيل في الجاهلية، وقيل: أكذب بيت.
ويقال: ضاءت النار. غير متعد، وأضاءت، وأضاءها الله. ويحتمل في البيت التعدي والقصور، (فدجى) مفعول أو ظرف. و(الأحساب) جمع حَسَب، بفتحتين، ما تحسبه من مفاخرك. و(دجى) جمع دُجية: ظلمة الليل. و(الجَزْع) بالفتح: الخَرَز اليماني الذي فيه سَوَادٌ وبياضٌ.
وقوله: (حتى نظم) زعم المرزوقي أن المعنى: حتى نظم ثاقبُ حَسَبهم الجزع لثاقب الجزع، أي حتى مكنه من أن ينظمه، فالهاء على هذا للإحساب على حد قوله: [الراجز].
(مثل الفراخ تنقبت حواصله)
[ ٢٠٣ ]
و(الثاقب) المضيء من قولهم: نجم ثاقب، أي يثقب الظلام بضوئه.
والظاهر أن الهاء للجزع، وأن الثاقب من ثقب الدر بالمثقب، وأن (نظم) بمعنى نظم بالتخفيف، ولكن شدد للتكثير والمبالغة في الوصف بالإضاءة، وفيه جعل المعقول كالمحسوس، وعدل عن ناظمه إلى ثاقبه، ليشير إلى حصولهما.
ولام (لهم) لتأكيد إضافة الإحساب والوجوه إليهم، والمعنى: أضاءت أنوار أحسابهم وأنوار وجوههم ظلمات الليل، أو في ظلماته حتى نظم الجَزْعَ في السلكِ /٩٣/ مَنْ يثقبه، وهذا تمثيل، ثم شبههم بالنجوم في الرفعة والاشتهار، وتزين الدنيا بهم، واهتداء أهلها بهم، والهاء في (كواكبه) للكوكب أو للسماء على حَدِّ السماء منفطرٌ به.
وانقض النجم: هوى للمغيب. و(نجومُ سماءٍ) تشبيهٌ بليغٍ لا استعارة على الأصح، لأن المشبه المطوى ذكرُه صالح لأن يذكر بخلاف قولك: رأيت أسدًا.
و(كل) ظرف ل (بدا)، وما مصدرية نائبة هي وصلتها عن الزمان، ووصفهم بصلاحية، كل منهم للاقتداء به، فكلما مات منهم واحد خلفه آخر، وانقاد إليه الباقون.
[ ٢٠٤ ]
مسألة [٥٤] يجوز حذف الخبر لدليل
مسألة [٥٥] إذا أخبر بمصدر مبدل من اللفظ بفعله وجب حذف المبتدأ
مسألة [٥٤]
يجوز حذف الخبر لدليل كقوله: [المنسرح].
(نحن بما عندنا وأنتَ بما عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ)
أي: نحن راضون بما عندنا.
والبيت لقيس بن الخطيم، بالخاء المعجمة المفتوحة والطاء المهملة المكسورة، وفيه شذوذ، لأنه حذف من الأول لدلالة الثاني.
وتحيّل ابن كيسان لإزالة ذلك، فقدّر (نحن) للواحد المعظم نفسه، و(راضٍ) خبرًا عنه، والمحذوف خبر أنت، وفيه نظرٌ، لأن الإخبار بالمفرد عن (نحن) ممتنع، وإنْ كان للواحد.
مسألة [٥٥]
إذا أُخبر بمصدر مُبْدلٍ من اللفظ بفعله وجب حذف المبتدأ كقوله: [الطويل].
[ ٢٠٥ ]
(فقالت حَنانٌ ما أتى بك ها هُنَا أذو نَسَبٍ أم أنتَ بالحي عارفُ)
أي: أمري حنانٌ عليك، أي رحمة لك، والأصل: اتحننُ عليك تحننًا. وقد نطق الحطيئة بهذا الفعل فقال يخاطب عمر ﵁: [الخفيف].
(تحننْ على هداك المليك فإن لكل مقام مقالا)
ثم حُذف الفعل وزوائد المصدر، فصار حنانًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، وأنيب المصدر عن الفعل، ثم رفع، ليفيدَ الكلامُ ثبوتَ التحنُّن، وإنما رَحِمَتْه خشية عليه من قومها، ثم سألته عن عِلة مجيئه، هل هو /٩٤/ لنسب بينه وبين قومها، أو لمعرفة بينه وبينهم كقوله: [الرجز].
(شكى إليّ جملي طولَ السُّرَى صَبْرٌ جميلٌ فكلانا مُبْتَلَى)
والأصل في هذا أيضًا: أصبر، ثم صبرًا، ثم صبرٌ، بتقدير: شأنك
[ ٢٠٦ ]
صبرٌ، ويُروى (صبرًا) بالنصب، و(قليلًا) بدل (جميلًا) وبين هذين البيتين أبيات أوردها العسكري في جمهرة الأمثال وغيره.
(يشكو إليّ جملي طول السرى يا جملي ليس إليّ المشتكى)
(الدرهمان كلفاني ما ترى شد الجواليق وجَذْبًا بالبُرَى)
(صبرًا قليلًا فكلانا مُبْتَلَى
مسألة [٥٦]
ذكر الفارسي أنهم التزموا حذف المبتدأ في قولهم: في ذمتي لأفعلن، يريدون: في ذمتي يمين، قال: [الطويل].
(تُساور سوارًا إلى المجدِ والعُلَى وفي ذِمتي لئن فَعَلْتَ ليفعلا)
وهذا البيت لليلي الأخيلية من شعر تهجو فيه النابعة الجعدي، وتفضل عليه سوار ابن أوفى القشيري، وذلك لأن النابغة كان قد هجاها بقصيدة أولها:
(ألا حييا ليلى وقولا لها هَلا فقد ركبَتْ أمرًا أغرَّ محجَّلا)
وأول شعرها:
(أنابغَ لم تَنْبَغ ولم تَكُ أولا)
و(تُساور) بضم التاء وإهمال السين، والمساورة المواثبة والمغالبة.
[ ٢٠٧ ]
وفي نسخ من الشرح: تَسَور سَوارٌ وهو تحريف. وألف (ليفعلا) مُبْدَلَةٌ من النون الخفيفة، والجملة جواب القسم.
مسألة [٥٧]
من ذكر الخبر بعد لولا قول الزبير: [الطويل].
(ولولا بنوها حولها لخبطتها)
وقول المعري: [الوافر].
(يذيبُ الرعبُ منه كل عَضبٍ فلولا الغمد يمسكه لسالا)
فأما البيت الأول فوقع محرفًا في شرحي الكافية والخلاصة، والصواب فيه (لخبطتُها) من الخبط لا من الخِطْبة، لأن تمامه:
(/٩٥/ كخَبْطةِ عُصْفورٍ ولَمْ أتلعْثَمِ)
والزبير هو ابن العوام حواري رسول الله ﷺ، أي ناصره، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، ويلتقي معه في قُصي، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الخلافة، وأخبر أنه ﵇ تُوفي وهو عنهم راضٍ. قتل بوادي السباع بناحية البصرة سنة ست وثلاثين، وقد نَيفَ عن الستين بستٍ أو سبعٍ أو أربع. والضمير في (بنوها)
[ ٢٠٨ ]
لزوجته أسماء بنت الصديق ﵃ أجمعين، وهي ذات النطاقين، وكان الزبير ضرابًا للنساء، وكانت أسماء رابعة أربع نسوة عنده، فإذا غضب على إحداهن ضربها بعود المشجب حتى يكسره، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها ولاسيما ولدها عبد الله.
ويقال: خبطتُ الشجرةَ، إذا ضربتَها بالعصا، ليسقط ورقها، و(تلعثم) في الأمر: تمكث وتأنى.
والشاهد في قوله: (حَوْلَها).
وأما البيت الثاني فإنه في صفة السيف، ومعناه: أن سيف هذا الممدوح تهابه السيوف، كما أن هذا الممدوح تهابه الرجال، حتى أن السيوف يذوب حديدها، فلولا أن أَغمادها تمسكُها لسالت، ومنه متعلق بالرعب، ومفعول (يُذيب)، والخبر قوله (يمسكه)
وليس ذكر هذا البيت للاستشهاد، بل للتمثيل، لأن المعَرّى لا يحتج بشعره، وقد لحنه في هذا البيت القائلون بوجوب حذف بعد لولا مطلقًا.
ويمكن تخريجه على غير الخبر، وهو أن يكون الأصل: أنْ يمسكَه، وتكون أن وصلتها بدل اشتمال من (الغمد)، ثم حُذِفَ (أن) ورُفِعَ الفعلًُ.
وأما تخريج بعضهم له على أنه حال والخبر محذوف، أي لولا الغمد موجود ممسكًا له، فمردود بما ذكره الأخفش من /٩٦/ أنهم لا يذكرون الحال بعد لولا كما يذكرون الخبر.
[ ٢٠٩ ]
مسألة [٥٨] يجب حذف الخبر إذا كان المبتدأ قد عطف عليه اسم بواو هي نص في المعية
أما حكاية بعضهم: لولا رأسك مدهونًا، فشاذة لا يعول عليها، والبيت من القصيدة التي أولها:
(أعَنْ وَخْدِ القلاصَ كَشْفْتِ حالًا ومن عند الظلامِ طَلَبْتِ مَالا)
(ودُرًا خِلْتِ أنْجمه عليه فهلا خِلْتِهِنَّ بِهِ ذُبالا)
(وقُلْتِ الشمسُ بالبيداءِ تِبْرٌ ومثلكِ من تخيل ثم خالا)
(وفي ذَوْبِ اللُجَينِ طمعْتِ لمّا رأيتِ سرابهَا يَغْشَى الرِّمالا)
والاستفهام إنكاري والتاءات مكسورة، لأنه يخاطب نفسه، أي أتكشفين حال مسير النوق السريع بسؤالك عنه. وتطلبين مالًا من عند الظلام، أي ليس ينبغي لكم ذلك، وذلك أنها حثته على سُرى الليل، وتأويب النهار، طلبًا للغنى، وظنًا أن نجوم الليل در، وإن شمس النهار تبر، وإن لمعان السرب ذوب الفضة، والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة، أي: هلا ظننت النجوم فتلا فائدتها الإضاءة.
وللبيت الثالث حكاية لطيفة أوردها إن شاء الله تعالى في باب ظَنَّ.
مسألة [٥٨]
يجب حذف الخبر إذا كان المبتدأ قد عُطِفَ عليه اسم بواو هي نصّ في المعيّة، نحو: كلُّ رجل وضيعته، أي حرفته وصناعته، وسميت بذلك، لأنه يضيعُ بتضييعه إياها، وكل عمل وجزاؤه. وكل ثوب وقيمته، أي مقرونان.
فإن قلت: زيد وعمرو مجتمعان، كنت في الحذف والإثبات بالخيار، لأن الواو ليست نصًا في المعية، ومن ذكره قوله: [الطويل].
[ ٢١٠ ]
مسألة [٥٩] منع الفراء وقوع الجملة الحالية السادة مسد خبر المبتدأ فعلية
(تمنوا لي الموتَ الذي يَشْعَبُ الفَتَى كل امرئ والموتُ يلتقيان)
يقال: شَعَبَه، بالتخفيف، إذا فرقه، وفي الحديث: «ما هذه الفتيا التي /٩٧/ شعبت بها الناس» ومنه قيل للمنية: شَعُوب، وهو بفتح الشين.
وهذا البيت في معناه نظير قول الشافعي ﵁: [الطويل].
(تمنى رجالٌ أن أموت فإن أَمُتْ فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأَوْحَدِ)
مسألة [٥٩]
منع الفراء وقوع الجملة الحالية السادة مسد خبر المبتدأ فعليةً، نحو: ضربي زيدًا يقوم.
ويرده قولهم: سَمْعُ أذني زيدًا يقول كذا. وبصر عَيْني فلانًا كذا.
وقوله: [الرجز].
[ ٢١١ ]
مسألة [٦٠] المبتدأ نوعان، أحدهما أن يكون متعددا مخبرا عن أجزائه، فيجب في خبره أمران: التعدد والعطف بالواو
(ورأيُ عيني الفتى أباكا يُعطي الجزيل فعليك ذاكا)
الرأي: مصدر مشترك بين الاعتقاد، كقولك: هذا رأي أبي حنيفة، والرؤية، كقوله سبحانه: ﴿رَايَ الْعَيْنِ﴾، وكهذا البيت.
و(رأيُ) مبتدأ، و(عيني) مضاف إليه في محلّ رفع، و(الفتى) مفعول، و(أباك) عطف بيان، و(يُعطي) جملة حالية، و(عليك) اسم فعل بمعنى إلزَمْ، و(ذاك) مفعوله.
والمعنى: رؤية عيني أباك حصلَتْ إذ كان يُعطي العطاءَ الجزيلَ، فإلزم طريقته.
مسألة [٦٠]
المبتدأ نوعان، أحدهما أن يكون متعددًا مُخْبَرًا عن أجزائه، فيجب في خبره أمران: التعدد والعَطْفُ بالواو، نحو:
أخواك فقيهٌ وكاتبٌ. وهذا ليس تعددًا في الحقيقة، بل الكلام في قوة مبتدأين لكل منهما خبر، وشاهده قوله: [المتقارب].
(يداك يدٌ خَيْرُها يُرْتَجَى وأُخرى لأعدائها غائظة)
ومن هذا قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية﴾.
[ ٢١٢ ]
وقول الشاعر: [البسيط].
(والمرءُ ساع لأمرٍ ليس يُدركه والعَيْشُ شُحُّ وإشفاقٌ وتأميلُ)
لأن الحياة والعيش متعددان في المعنى، وإن كانا مفردين في اللفظ والنوع. الثاني: أن يكون متعددًا مُخْبَرًا عن جملته أو غير متعدد، /٩٨/ فيجوز بالإجماع أنْ يُخْبَرَ عنهما بخبرين، أو إخبار في معنى خَبَرٍ واحد من غير عطف، نحو قولك: هذا الرمان حلو حامض، إذا أردت أن كُلًا من أفراده فيه حلاوة وحموضة.
وهذه الرمّانةُ حلوة حامضة، ومعنى ذلك: مُزّ ومُزَّةٌ، ومثله قولهم: فلان أعسرُ يَسَرُ، وهو الذي يعمل بيساره كما يعمل بيمينه، وبعض العرب يقول: أعسرُ أيسرُ، بالألف فيهما، والأول أفصح.
ويجمع الخبرين قولك: أضبط، والأُنثى ضَبْطاء، ولا يقال: عسرًا ولا يسرًا، حكى ذلك كله أبو عمرو الزاهد في شرح الفصيح عن ابن الأعرابي.
ولا يَسُوغُ العطف في هذا النوع من الأخبار، كما لا يسوغ في أجزاء الكلمة الواحدة، وعن أبي علي إجازته احتجاجًا بقوله: [المتقارب].
(لقيمُ بنُ لُقْمان من أُخته فكانَ ابنَ أختٍ وإبنمَا)
[ ٢١٣ ]
وإن لم يكن الخبران أو الأخبار في معنى خبر واحد جاز بالإجماع التعدد في اللفظ على وجهين، أحدهما: أن يكون بالعطف، نحو: زيد شاعر وكاتب. والزيدون شعراء وكُتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
والثاني: أن يكون بغير العطف، لا على أنها أخبارٌ تعددت بالحقيقة، بل على أن تقدر لغير الخبر الأول مبتدآت محذوفة.
وهل يجوز على وجه ثالث، وهو قصد التعدد الحقيقي، وهو أن تكون محمولة على مخبر عنه، وأحد كما هو ظاهر اللفظ فيه خلاف، والمختار عند الناظم وابنه الجواز فعلى هذا الخلاف في التأويل لا في التركيب، ومن أدلة التركيب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، وقول الشاعر: [الطويل].
(ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْهِ وَيَتقي بأُخْرَى الأعادي فهو يَقْظَانُ هاجعُ)
/٩٩/ وقول الراجز:
(مَنْ كانَ ذا بَت فهذا بَتّى مُضَيَّفٌ مقيظٌ مُشَتي).
[ ٢١٤ ]
وقد اشتملت هذه المسألة على خمسة أبيات، فأما البيت الأول ففيه الوصف بالكرم والشجاعة، وقلما يفترقان وقال لي بعض العصريين: كان هذا مما حرّفه الناس، ولعل الشاعر إنما قال: غائضة، بالضاد، أي: منتقصة، وإنه من باب المقابلة، خيرها يرتجى دالُّ على أنها تعطي الزيادة.
فقلت: بقية القوافي تأبى ذلك، فإن بعده:
(فأما التي خيرها يرتجى فأجودُ جَودًا من اللافظهُ)
(وأما التي شرها يُتَّقَى فنفس العدو بها فائظه)
و(اللافظه) البحر، والهاء فيه للمبالغة، مثلها في رواية، وفي المثل: "أسمح من لافظه"، وذلك لأنه يلفظ بالعبر والجوهر، قالأ:
(تَجُودُ فَتُجْزِلُ قبل السؤالِ وكَفكَ أسمحُ من لافظهْ)
وقوله: (أجود جودًا) من باب قولهم: جدّ جِدُّه، إذ التمييز التالي لأفعل التفضيل لابد أن يكون فاعلًا في المعنى.
وقوله: (فائظه) بمنزلة تابعه أو قائمه، فإنه يقال: فاظت نفسه تفيظ فيظًا، وفاظت تفوظ فوظًا، والثانية نادرة.
وفي قوله: (فنفس العدو بها فائظة) رَدٌّ على أبي عمرو بن العلاء، إذ زعم أنه إنما يقال: فاظ الرجل، كما قال رؤبة: [الرجز].
[ ٢١٥ ]
(لا يدفنون منهمُ مَنْ فَاظا)
ولا يقال: فاظتْ نفسه. وعلى من قال: إنما يقال: فِعْلُ النفس، بالضاد. وبعضهم يخصّ الضاد بلغة تميم، واتفقوا في: فاظ الرجل أنه بالظاء.
وحكى أبو محمد ابن حزم أنّ الوزير أبا الحسن المُصحَفي كتبَ إلى صاحب الشُّرطة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي /١٠٠/ اللغوي كتابًا فيه: فاضت نفسه، بالضاد، فكتب له معرِّضًا:
(قل للوزيرِ السنّي مَحتدِهُ لي ذِمّةٌ منك أنتَ حافظُها)
(إنْ لم تحافِظْ عصابةً نُسِبَتْ إليك قِدمًا فمَنْ يُحافظُها)
(لا تَدَعًا حاجتي مطرحةً فإن نفسي قد فاظ فائظُها)
[ ٢١٦ ]
فأجابه:
(خَفْضْ قليلًا فأنت أوحدُها عِلْمًا ونقابُها وحافظُها)
(كيف تضيعُ العلومُ في بلدٍ أبناؤها كلهُمْ تُحافظُها)
(ألفاظهم كلها معطلةٌ ما لم يعوّل عليك لافظها)
(وقد أتتني- فُدِيتَ- شاغلةٌ للنفس إن قلتُ فاظ فائظها)
(فأوضحنَهْا تَفُز بنادرةٍ قد بَهَظَ الأولين باهظُها)
(الباهظ) المعجز. فأجابه وضمن شعره الشاهد على ذلك:
(أتاني كتابٌ من كريم مكرمٍ فنفّس عن نفسٍ تكادُ تفيظُ)
(فسرَّ جميع الأولياء وروده وسِئ رجالٌ آخرون وغيظوا)
(لقد حَفِظ العهدَ الذي قَدْ أضاعَهُ لدي سِواهُ والكريمُ حفيظُ)
(وباحثٍ عن فاظتْ وقبلُ أفادَها رجالٌ لديهم في العلوم حُظوظُ)
(رواه ابنُ كيسانٍ وسَهْلٌ وأنشدا مقال أبي الفياض وهو يفيظُ)
(وسُميت غياظًا ولستّ بغائظٍ عدوًا ولكنَّ الصديقَ تَغِيظُ)
(فلا حَفِظَ الرحمنُ روحَكَ حيّةً ولا وهي في الأرواحِ حين تفيظُ)
نقلت هذه الحكاية من كتاب: مرج البحرين فوائد المشرقين/ ١٠١ / والمغربين، لابن دِحْية ذي النسبين، واختصرت منها أبياتًا.
[ ٢١٧ ]
وأما البيت الثاني فإنه لَعبْدةَ بن الطبيب من كلمة أولها:
(هَلْ حَبلُ خولةَ بعد الهجرِ موصولُ أم أنت عنها بَعيدُ الدارِ مشغولُ)
(وللأحبةِ أيامٌ تذكرها وللنَّوى قَبْلَ يومِ البينِ تأويلُ)
(إن التي ضَرَبَتَ بيتَا مُهاجرةَ بِكوفِة الجُندِ غَالتْ وُدِّها غُولُ)
(فَعَدِّ عنها ولا تشغلْك عن عَمَلٍ إن الصبابةَ بعدَ الشَّيْبِ تَضْليلُ)
ومنها:
(لما وَردنا رَفَعْنا ظِلَّ أَخْبيةٍ وفارَ باللحم للقَوْمِ المراجيلُ)
(ثمت قمنا إلى جُردٍ مسوّمةٍ أعرافهُن لأيدينا مناديلُ)
ومنها:
نرجو فواضلَ رَبَّ سَيْبَه دِيَمٌ وكُلُّ خَيْرٍ لَدَيْهِ فهو مأمولُ)
(رب حبانا بأموالٍ مُخَوَّلةٍ وكُل شيءٍ حواهُ المرءُ تَخْويلُ)
(والمرء ساع البيت)
وكان عمر ﵁ تُعجبه القسْمة التي فيه، والتي في قول زهير: [الوافر].
(فإنَّ الحقَّ مَقْطَعَهُ ثلاثٌ يَمينٌ أو نِفارٌ أو جَلاءُ)
[ ٢١٨ ]
ويقول: لو أدركته لوليته القضاء، لمعرفته به.
ومن بديع أبيات التقسيم قول نُصَيْب: [الطويل].
(فقال فريقُ القوم لا، وفريقُهُم نَعَمْ وفريقٌ لَيُمْنَ الله ما نَدْرِي)
فإنه استوفى أقسام ما يقع به الجواب.
ومعنى: (ضربتْ بيتًا) بنتْهُ وسكنته، و(هل) استفهام تلهف وتحسُّر، و(أم) للإضراب، وأصل (تذكّرها) أي تذكيرك الأحبة. ويروي بثلاث فتحات وضم الراء، أي: تتذكرها. و(للنوى تأويلٌ) أي علاماتٍ تُبيّنُ لك أنه سيقع.
يقول: إن التي نزلت بالأمصار مهاجرةٌ للإعراب ذهب بودِّها ذاهبٌ، فانصرِف /١٠٢/ عنها، ولا تشتغل بها عن ضَيعتِكَ، وأضاف الكوفة إلى الجند لمقامهم فيها، و(المراجيل) جمع مرجل: وهو القدر من النحاس، والياء إشباع مثلها في الصياريف، و(الجرد) الخيل القصار الشعر، و(المسومة) المعلمة، وعن عبد الملك أنه قال لجلسائه: أي المناديل أفضل؟ فوقعوا في أنواع المناديل يُعَدّدونها، فقال: أفضلها التي ذكرها امرؤ القيس: [الطويل].
(تَمَشُّ بأعرافِ الجيادِ أكفنا إذا نحنُ قُمْنا عنِ شواءٍ مُضَهّبِ)
[ ٢١٩ ]
يقال: مششتُ يدي، بفتح الشين المعجمة، أي مسحتها بشي لِتُنظِّفَها، و(المضهب) بالضاد المعجمة، المشوى الذي لم يبالغ في نُضجِه، ومثله في المعنى بيت عبدةَ بن الطبيب هذا. و(السَّيْبُ) العطاء.
وفي البيت دليل على دخول الفاء في خبر (كل) المضافة لنكرة موصوفة بالظرف، و(مُخَوَّلة) مملكة لنا.
ومعنى بيت الشاهد: أنَّ الإنسان لا يزال حليف البخل بما معه، والخوف من أن لا يعود عليه مثله وتأميل ما لا يدركه.
وأما البيت الثالث: فإنه للنمر بن تولب من كلمة أولها:
(سَلا تذكره تكتما وكان رهينًا بها مُغْرمًا)
(وأقصرَ عنها وآياتُها يذكَرنَهُ داءَهُ الأَقدما)
(فأُوصى الفتى بابتناءِ العَلاءِ وأنْ لا يخونَ ولا يأثما)
(ويَلْبَسَ للدهر إجلالهُ فلن يبتنى الناسُ ما هَدما)
(/١٠٣/ وإنْ أنتَ لاقيتّ في نَجْدَةٍ فلا تَتَهيّبْك أن تُقْدما)
(فإن المنِيةَ مَنْ يَخشَها فسوف تصادفُهُ أيْنَما)
(ولَنْ تتخطاك أسبابُها .. فإن قُصاراك أن تَهْرَمَا)
(ولو أن من حتفهِ ناجيًا لألفيتَه الصدَعَ الأعْصَما)
(باسِبيل ألقَتْ به أُمهْ على رأس ذي حُبُكٍ أيهما)
(إذا شاءَ طالعَ مَسجورةً ترى حولَها النبعَ والسأسما)
(تكون لأعدائه مَجْهَلًا مضلًا وكانَتْ له مَعْلَما)
[ ٢٢٠ ]
(سقَتْها رواعدُ مِن صَيِّفٍ وإنْ مِنْ خَريفٍ فلَنْ تَعْدما)
(أتاحَ له الدهرُ ذا وَفْضَةِ يُقلِّبَ فِي كفِّهِ أسْهُما)
(فأرسلَ سَهْمًا على غِرُّةٍ وما كانَ يَرْهَبُ أَنْ يُكْلمَا)
(فأدركهُ ما أتى تُبّعًا وأبْرَهَةَ المَلِكَ الأَعْظَما)
(لُقَيْمُ البيت)
(لياليَ حُمِّق فاسْتَحْصَنَتْ إليه فَغُرَّ بها مُظْلَما)
(فأحْبَلَها رجلٌ نابِهٌ فجاءتْ به رجلًا مُحْكما)
وتركت منها أبياتًا.
(تكتم) مثنى التاءين مضموم أولاهما، علم لامرأة، و(الآيات) الآثار والعلامات. ومعنى عجز البيت الرابع: إنه إذا ضيَّع مجده لم يبنه له الناس. و(النجدة) القتال.
ومعنى (لا تتهيبك) لا تتهيبها، فقلب الكلام.
ومثله بيت ابن مقبل: [البسيط].
(ولا تهيّيبْني الْموماةُ أركبُها إذا تجاوبتِ الأصداءُ بالسَّحَرِ)
و(قصاراك) غايتك. و(الصَّدَع) /١٠٤/ مهمل الحروف مفتوحها، الوعل الذي بين الجسيم والضئيل، وأيضًا الوسط من كل شيء،
[ ٢٢١ ]
يقال: فرس صَدَع ورجل صَدَع. و(العُصْمة) بياض في يده. و(إسبيل) بوزن قنديل، بلد، قال: لا أرض إلا إسبيل وكل أرض تضليل. و(أيهم) بالياء آخر الحروف، ولا يهتدي لطريقه. و(مسجورة) بالجيم، مملوءة. و(السأسم) بالهمزة وفتح المهملتين، الأَبنوس. و(أعداء الوعل) الناس. و(مَجْهَل) بفتح ثالثه، و(مضل) بكسره، وميماهما مفتوحتان. و(مَعلَم) بفتح الميم واللام، أي هي مَجْهل لأعدائه ومعلمٌ له.
وقوله: سقته البيت، يأتي شرحه إن شاء الله تعالى في باب العطف. و(أتاح) قدر. و(الوفضة) والكِنانة والجفير: ظرف السهام و(أبْرهة) ملك الحبش، و(تُبَّع) ملك اليمن.
ولبيت الشاهد حكاية: وهي أن أخت لُقمان بن عادٍ، كانت تحت رجل ضعيف أحمق، فولدت له فأحمقَتْ، فأحبّت أن يكون لها ولد كأخيها، فرغبت إلى امرأة أخيها أن تتركها تنام في مرقدها، ليقع عليها، فعسى أن تلد ولدًا نجيبًا، فأجابتْها، وأسكرتاهُ، وضاجعته فغشيها فأتت منه بولد، فسمَّته لُقَيْمًا، وكان من أحزم الناس، ولذلك يقول النمر:
(فكان ابن أختٍ له وابنما)
وكل من هذين الخبرين مستقل بمعناه كما في قولك: زيد صديقي وابن عمي، وليس من: حلو حامض.
[ ٢٢٢ ]
و(حُمِّق) غُيِّبَ عقله بالسكر، والمفضل يرويه حَمَّق بفتحتين، وزعم أنه يقال: حمَّق إذا شرِب الخمرَ، والخمر يقال لها: الحُمُق، ولهذا قال أكثم ابن صيفي: لا تجالسوا السفهاء على الحُمُق. و(اسْتَحْصَنَتْ) كما تأتي المرأة الحَصَان زَوْجَها.
وأما البيت الرابع فإنه لحميد، وهو في صفة الذئب /١٠٥/، تَزْعَمَ العربَ أنه ينام بعين ويحرسُ بأُخرى.
وقال الرشيد للمفضَّل الضَّبيّ: ما أحسن ما قيل في الذئب ولك هذا الخاتم؟ فأنشده، فقال: ما ألقى هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم، فاشترته منه أم جعفر بألف وست مئة دينار، وأرسلت به إليه، وقالت: كنت أراك معجبًا به، فقال للمفضل: خذه وخذ الدنانير، فما كنا لنرجع فيما وهبنا.
وقبله:
(ترى طرفيهِ يَعْسلان كلاهما كما اهتزَّ عود النبعةِ المتتابعُ)
وأما البيت الخامس، فالبتُّ بلفظ البتِّ الذي هو القطع: كساء غليظ من وبر وصوف، وقيل: طيلسان من خز وصوف، وجمعه بتوت، وبائعه بتات وبتي، وكذا صانعه. و(المقيّظ) بالظاء المشالة، من القيظ: شدة الحر.
وفي البيت أشكال، لأن كون ذلك البت بته لا يتسبب عن كون غيره ذا بَت، فكيف صحّ الشرط والجزاء؟.
[ ٢٢٣ ]
والجواب: أن المعنى: من كان ذات بت فأنا مثله، لأنّ هذا البتّ بتّي، فحذف المسبب وأناب عنه السبب.
أو المعنى: فلا يفخر عليّ فإني ذوبَت مثله.
وبعده:
(تَخِذْتُهُ من نعجات سِتِّ سُود نِعاج من نعاجِ الدَّشتِ)
والدشت، بمهملة فمعجمة: الصحراء، فارسي معرب.
[ ٢٢٤ ]