مسألة [١٣٤]
إذا كان في العامل المتعدّي بالحرف. ثم حذف الجار توسعًا نصب المجرور، كقولك في: شكرت لزيد، ونصحت لعمرو، شكرت زيدًا ونصحت عَمْرًا، وقوله: [الكامل].
(لَدْنُ بهزِ الكَفِ يَعْسِل مَتْنُهُ في كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ)
وقوله: [الوافر].
(تمرّون الديارَ ولم تعوجوا كلامكم عليَّ إذن حرامُ)
[ ٥٠٣ ]
وقوله: [البسيط].
(استغفِرُ الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَهُ ربَّ العِبادِ اليه الوَجْهُ والعَمَلُ)
وقوله [البسيط]
(آليت حب العراق الدهر اطعمه والحب يأكله في القرية السوس)
وقوله: [الطويل].
(تَحِنُّ فتُبدي ما بها مِنْ صَبابةٍ وأُخفي الذي لولا الأسَى لقضاني)
وقد يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الطويل].
(إذا قيل أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ؟ اشارتْ كليبٍ بالاكفِ الاصابعُ)
فاما البيت الأول فإنه لساعدة بن جؤية الهذلي، وجؤيّة، بضم الجيم ففتح الهمزة فتشديد الياء.
[ ٥٠٤ ]
واللِّدن، بفتح اللام، الناعم اللين، ويُروى: لذّ، أيْ مُسْتَلَذٌ عند الهز للينه. والباء متعلقة بـ (يعسل)، والعسلان: الاضطراب، وهو في الأصل سيرٌ سريعٌ في اضطراب.
وقال: (متنه) لأنَّهُ إذا اضطرب المتن فما ظنُّك بالطرفين. والهاء المجرورة بفي للدن، أو للهزّ، يصف رمحًا لين المهز، فشبَّهَ اضطرابه في نفسه، أو في حال هزّه يعسلان الثعلب في سيره.
والشاهد فيه نصب /٩٣ آ/ الطريق بعد نزع الخافظ، وهو (في)، ولا يُقالُ الطريق ظرف مكان، ولا منصوب على التوسُّع، لأنَّهُ اسم خاص للموضع المستطرق، وإنّما ينتصب على ظرفية المكان مبهمًا، ونحوه في التوسَّع قولهم: ذهبت الشام، إلى أن الطريق أقرب إلى الابهام من الشام، لأن الطريق مكان في كل موضع يسار إليه فيه، وليس الشام كذلك.
وزعم أبو الحسين ابن الطراوة: أنَّ الطريق آسمٌ لما يمكن استطراقه لهم وعلى هذا (مبهمًا). وردّ على سيبويه إذ جعل انتصابه على التوسع. قال الشلوبين: وهذا كذب، وإنّما الطريق ما يُسْتَطْرَقُ، ولا يُسمَّى نحو: المسجد والدار طريقًا، لا مكان استطراقه.
وقال ابن أبي الربيع: زعم ابن الطراوة أنَّ الطريقَ مبهمٌ، واستدل
[ ٥٠٥ ]
بغير دليل، ولجأ إلى غير سبيل، فنسأل الله أنْ يُسَدِّدَ أذهانَنا، وأنْ يُزيلَ عنَّا التبجُّحَ بالرِّد على علمائنا، فإنه أكبر داء وأعظم حجاب.
وأما البيت الثاني فأنشده الكوفيون لجرير هكذا، ورواه بعضهم: اتمضون الرسوم ولا تحيا.
وفي هذا أيضًا شاهد، إذ التقدير: أتمضون عن الرسوم. وقال النحّاس: سمعت على بن سليمان الأخفش الأصغر يقول: حدَّثني محمد بن يزيد، يعني المبرِّد، قال: حدَّثني عمارة بن بلال بن جرير قال: إنَّما قال جدِّي: مررتم بالديار. وعلى هذا فلا شاهد، وأول القصيدة:
(متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتُّها الخيامُ)
(تنكر من معالمها ومالت دعائمها وقد يلي الشمام)
(أقول لصحبتي وقد ارتحلنا ودمع العين منهمل سجام)
تمرون البيت)
(أقيموا إنما يوم كيوم ولكن الرفق له ذمام)
(بنفسي من تجنيه عزيز على ومن زيارته لمام)
(ومن أمسى واصبح ولا أراه ويطرقني إذا هجع النيام)
قوله: أقيموا البيت. يقول: أقيموا يومكم هذا فإنكم تدركون ما تطلبون، وأقضوا ذمامي بالمقام.
وأما البيت الثالث فاصله من ذنب، فالذنب للجنس ولهذا صحَّ وصفه بقوله: (لستُ مُحْصِيَهُ).
[ ٥٠٦ ]
والوجه والتوجّه: القصد، والمراد: أي إليه التوجّه في الدعاء والطلب والمسألة، وله العمل، أي هو المستحق للعبادة.
وأما البيت الرابع فإنه للمتلمّس، واسمه جرير بن عبد المسيح الضُّبَعي، بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحدة، واختلف الرواة في أول البيت، فمقتضى كلام العسكري في كتابه جمهرة الأمثال أنه بضم التاء، لأنَّ المتلكِّس /٩٣ ب/ لما ألقى الصحيفة في الماء مضى إلى الشام، وقال يخاطب ناقته:
(أميّ شآمية إذ لا عراق لنا قومًا نودهم إذا قومنا شوسُ)
(آليت حب العراق البيت)
وصرَّحَ غيرهُ من العلماء بالشعر واللغة: أنه بالفتح، وكذا ضبطوه في كتاب سيبويه، وقالوا: أنه يُخاطب بذلك عمرو بن هند ملك الحيرة. وكان المتلمِّس قد بلغه عنه أنَّه هُجاه، وبلغ ذلك المتلمس فخافه على نفسه، ففرّ إلى الشام، ومدح ملوكها، فحلف عمرو لا طعم المتلمس بعدها حب العراق، أي أنَّه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق، فلا سبيلَ له إلى أكل حبِّها، فقال المتلمس ذلك، أي حلفت لا تتركني أقيم بالعراق، وتطردني عنها، والطعام لا يبقى أن استبقيته، بل يسرع إليه الفساد، ويأكله السوس، فالبخل به قبيح، وبعده:
[ ٥٠٧ ]
(لم تدرِ بُصْرَى بما آليتُ مِنْ قسمٍ ولا دمشقُ إذا دِيسَ المكاديسُ)
أي أن (بصري) لم تدر أنَّكَ حلفْتَ، فأنا أكل من طعامها، وكذلك وأنا في خصب وخير.
وبُصرى، بضم الباء الموحدة، وأخرها ألف، مدينة بالشام أضاءت لأهل مكة قصورها ليلة مولد رسول الله -ﷺ-، وكذا دمشق لم تدرِ.
والمكاديس: أكداس الطعام، ولا واحد لها من لفظها، قال النّحاس. وفي الصحاح: والكُدس، بالضم، واحد أكداس الطعام.
والشاهد في قوله: حبّ العراق، فإنه منصوب بآليت بعد نزع الخافض، وهو (على).
فإنْ قلتَ لا يتعيّن ذلك لجواز أن يكون انتصابُه بمضمر يفسّره (اطعمه)، قلت: هذا قول المازنّي نقله عنه ميرمان في حواشيه، ويأبى ذلك إن أطعمه بتقدير: لا أطعمه، مثل: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف ٨٥]، وهذا لأن المعنى على ذلك لوجود التوكيد في الاثبات، نحو: ﴿تَاللَّهِ
[ ٥٠٨ ]
لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وما لا يعمل لا يفسّر عاملًا. فإنْ قلتَ: ألم يأتِ نحو قوله: [المتقارب].
(إلا إنّ قُرطًا على آلةٍ ألَا إنّني كيدَهُ لا أكيدُ)
قلت: إنّما يكون لـ (لا) الصدر في جواب القسم خاصة، وذلك لحلولها محل الأحرف الواقعة في الأبيات، وكلها لها الصدر، وأما في غير ذلك فلا، ألا ترى أنَّها قد اعترضت بين العامل ومجروره، وفي نحو: جئت بلا زاد، ومنصوبه في نحو: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، ومجزومه نحو: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وأما البيت الخامس فإنه لرجل من بني حلاف، وضمير (تَحِنُّ)
لناقته، لأن قبله:
(فمَنْ يكُ لم يغرض فإنّي وناقتي بحَجر إلى أهل الحمى غرضان)
قال المبرِّد في الكامل: وهذا الشعر مما يستحسن لفظه ويستعذب معناه. انتهى.
يقال: غَرِضَ /٩٤ آ/ لكذا، بمعجمتين بينهما مهملة مكسورة، يَغَرَضُ، بالفتح: إذا اشتاق. وحَجْر، بالمهملة: اسم موضع.
[ ٥٠٩ ]
وقوله: فتبدى، رواه أبو علي في العشريات وتبدى، بالواو. وقوله: (الأُسى)، هو بضم الهمزة: جمع أُسوة، بضمها، أو بكسر الهمزة جمع إسوة، بكسرها: وهي ما يتأسَّى به الحزين، يتعزَّى به، ويُسمَّى الصبر أُسى، بالضم، وهو محتمل هنا. وسمعت كثيرًا ينشدون البيت بفتح الهمزة، وهو خطأ، لأن المفتوح بمعنى الحزن، ويفسد المعنى ذلك.
وقوله: لقضاني، أي لقضى عليَّ الموت، وهذا محل الاستشهاد. وقد يكون مضمنًا معنى قتل أو أهلك فيتعَّدى لذلك بنفسه ولا يكون على اسقاط على.
وأما البيت السادس فإنَّه للفرزدق يخاطب جريرًا، والأصل: اشارت إلى كليب الاكف بالأصابع. فاسقط الجار وقلب الكلام، فجعل الفاعل مفعوله عكس. ومن أبيات هذه القصيدة:
(أخذْنا بأطرافِ السماءِ عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع)
وقوله:
(فوا عجبًا حتَّى كليب تسبّني كأنَّ أباها نهشلٌ أو مجاشعُ)
وقوله:
(ومنّا الذي اختيرَ الرجالَ سماحةً وجودًا إذا هبَّ الرياحُ الزعازُع)
وهذا البيت أسقط فيه أيضًا الخافض، لكن نصب الاسم بعد ذلك، والأصل: أُخْتِير من الرجال.
[ ٥١٠ ]
مسألة [١٣٥] يجوز اسقاط الجار قياسا من أن وأن
يصف قومَهُ بالجود والكرم عند اشتداد الزمان، وذلك في الشتاء وقت الجدب وهبوب الرياح الشديدة، والواحد منها زعزع، ويقال أيضًا زعزوع وزعزاع، والجمع زعازع. وبعده:
(ومنّا الذي قادَ الجيادَ على الوَجَى لنجرانَ حتَّى صبحتها النزائعُ)
و(سماحةً وجودا) مصدران انتصبا على التمييز، أو المفعول له، أو الحال من الرجال.
والوجَىَ: الحفا، أي أنه يَعدُ الغزاة بهما حرست. والنزائع: الخيل الكرام، قيل هي التي تنزع إلى أوطانها.
مسألة [١٣٥]
يجوز اسقاط الجار قياسًا من أنْ وأَنَّ، نحو: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]، ونحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] الآية أي بأنَّ لهم، ومن أنْ يضرب.
وفي محله بها بعد الحذف قولان، فمذهب الخليل أنّه نُصبّ، ومذهب [الكسائي] أنَّهُ جَرَّ، ومذهب سيبويه احتمال الأمرين، وقد استدل المدعي الجر بقوله: [الطويل].
(وما زرتُ ليلى أنْ تكونَ حبيبةً إلىَّ ولا دَيْنٍ بها أنا طالبُهُ)
[ ٥١١ ]
يجر المعطوف على أن يكون /معلم أنه في محل جر/ وقيل لا دليل في ذلك لجواز أن يكون عطفًا على توهم دخول اللام كما قال زهير: [الطويل].
(بدا ليَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مضَى ولا سابقٍ شيئًا إذا كانَ جائيا)
/٩٤ ب/ فجّر سابقًا بالعطف على مدرك على توهم دخول الباء عليه، وقوله تكون بمعنى كانت، كما قال: [الكامل].
(وآنضحْ جوانبَ قبرهِ بدمائها فلقد يكون أخَادَمٍ وذبائحِ)
وقوله: بها متعلّق بـ (طالبه)، والباء بمعنى من، وجملة (أنا طالبه)، صفة لدين.
وهذا البيت للفرزدق من كلمة يمدح فيها المطلّب بن عبد الله المخزومي، أولها:
(تقول ابنة الغوشي مالك ها هنا أنت تميمي مع الشرق جانبه)
(فقلت لها الحاجات يطرحن بالفتى وهم تعناني معنى ركائبه)
وبعده:
(ولكن أتينا حندفيًا كأنَّه هلالُ غيومٍ زالَ عنهُ سحائبهُ)
[ ٥١٢ ]