مسألة [١٠١]
إذا ولي لا النافية للجنس نكرةً مفردةٌ، أي غير مضافة، ولا مشبهة بالمضاف، بُنيت على ما تنتصبُ به لو كانتْ معربةً، فنقول: لا رجلَ ولا رجالَ، بالفتح، ولا رجلين ولا قائمين، بالياء، ولا مسلماتِ، بالكسر. وكان الظاهر وجوبه، ولكن الأرجح الفتح للتركيب، قال: [الطويل].
(تعزَّ فلا إلفين بالعيش مُتَّعا ولكنْ لورّادِ المنَوُنِ تتابعُ)
[ ٣٩٥ ]
قال/٢١٣/: [الطويل].
(أرى الربعَ لا أهلين في عرصاتهِ ومن قبلُ عَنْ أهليه كانَ يضيقُ)
وقال: [الخفيف].
(يُحشَرُ الناسُ لا بنينَ ولا آ باءَ إلّا وَقَدْ عَنَتْهم شؤونُ)
وقال: [البسيط].
(لا سابغاتِ ولا جاواءَ باسلة تقي المنونَ لدى أستيفاءِ آجالِ)
وإنَّما بني الاسم في ذلك كله لتركيبه مع لا تركيب خمسةَ عشرَ، ولتضمن الاسم معنى (مِنْ) الاستغراقية بدليلِ ظهورِها في قوله: [الطويل].
(فقامَ يذودُ الناسَ عَنْها بسيفهِ وقالتْ ألا لا مِنْ سبيلِ إلى هندِ)
فأما البيت الأول فمعنى (تعزَّ) تسلَّ وتصبرَّ. وإلْف أليف، بوزن خِلً وخليل، ونِدّ ونَديد، وشِبه وشَبيه. والف بوزن قائم، ثلاثتَها بمعنىً. والباء
[ ٣٩٦ ]
متعلقة بـ (مُتّعا). و(وُرّاد) جمع وارد، كصُوّام وقُوّام في جمع صائم وقائم.
والمعنى: إنه لا يبقى أحدٌ بعد مَنْ مضى، ولكن يتبع بعضهم /٢١٤/ بعضًا.
والشاهد بناء المثنى على الياء، لأن نصبَهُ بها.
وأما البيت الثاني فالعَرَصات، بفتحتين، جمع عَرْصة، بفتح فسكون، وهي المكان الواسع بين الدور.
وجملة (لا) التَّبرئة مفعول ثانٍ، إنْ كانت الرؤية علمية، وإلّا فهي حالُ المفعول، وإنْ تجردَتْ من الواو كما جاءت من الواو كما جاءت في ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] حالا من الفاعل.
ومن اقترانها بالواو: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] وهو الغالب.
و(في عرصاته) خبر (لا)، والياء في (اهلين) نائبة عن فتحة البناء. وفي (اهليه) نائبة عن كسرة الأعراب.
و(مِنْ، وعَنْ) متعلقات بخبر كان.
وصف ربعًا خلال من سُكَّانِه بعد كان يضيقُ عنهم لكثرتِهم.
وأما البيت الثالث فالشاهد فيه كالذي قبله، وجملة (لا) التبرئة فيه حال
[ ٣٩٧ ]
النائب عن الفاعل، واجتمع فيه البناء على الياء في جمع تصحيح المذكر، وعلى الفتح في جمع التكسير.
وفي بعض النسخ (ولا أبناء) وهو تحريفٌ وتكرار لقوله: (لا بنين).
و(إلّا) استثناء مفرغ، والمستثنى حال، والحالان متداخلتان لا مترادفتان.
و(عنتهم) اهمَّتهم، ومنه الحديث: «مِنْ حُسْنِ إسلام المرءِ تركُه ما لا يعنيهِ». وقرأ ابن محيصن /٢١٥/ والزهري ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يَعْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]. بفتح الياء وبالمهملة.
و(الشؤون جمع شَان، كالفلوس جمع فَلْس، والبيت مأخوذ من معنى القراءة. وأما قراءة الجماعة فمعناها يغنيه عن النظر في شأن غيره.
وأما البيت الرابع فالسابغات الدروع الواسعة الطويلة، المفرد: سابغة، لأن الدرع مؤنث.
و(جَاواء) بجيم مفتوحة فهمزة ساكنة فواو فألف ممدودة، الكتيبة يعلوها سوادٌ لكثرة الدروع فيها، وفي الأساس: كتيبة جأواء: كَدْراء اللون في حُمْرة، وهولون صدأ الحديد انتهى. وقال الحماسي: [البسيط].
[ ٣٩٨ ]
(غشّيتُه وهو في جَاواء باسلةٍ عَضْبًا أصاب سواءَ فانفلقا)
(بضربةٍ لم تكن منّي مُخَالسةً ولا تعَجلتُها جُبْنًا ولا فَرَقَا)
(الغضب) السيف. و(السواء) الوسط، ومثله: ﴿فَرَأَىهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصاقات:٥٥]. وقوله: (باسلة) أصله باسلًا أربابها فحذف المضاف وخلفه المضاف إليه، فاستتر وأنّث الوصف حينئذ وجوبًا بعد أن كانوا مذكرًا أو مؤنثًا جوازًا. وقد بسُل، بالضم، شجُع وزنًا ومعنىً، والبسالة كالشجاعة، ومجيء الباسل /٢١٦/ من (بَسُل) كمجيء الحامض من (حمض)، وهو قليل، وإنما الغالب فعل فهو فعيل، كظُرف وشُرف وعظُم.
و(لدى) ظرف لـ (تقى)، أي أن القوم إذا استوفوا آجالهم لم يحِمهم من المتونِ حماةٌ شجعانٌ ذوو عَدَدِ وعُدَدٍ.
والشاهد فيه: جوازُ الفتحِ والكسرِ في نحو: لا مسلماتِ، فإن البيت يروي بهما.
وذهب الأكثرون إلى وجوب الكسر، وقوم /من/ المتقدمين وابن خروف إلى وجوبِه ووجوب التنوين.
والمازني والفارسي والرماني إلى وجوب الفتح، ولو ظفر هؤلاء بالسماع لم يختلفوا.
[ ٣٩٩ ]
وأنشد الناظم على جواز الوجهين قوله: [البسيط].
(أودى الشباب الذي مَجْدُ عواقبُه فيدِ نَلَذُّ ولا لذاتِ للشيْب)
وهذا البيت لسلامة بن جندل، ولا دليل فيه، ووقع فيه تحريف.
أما الأول فلان العرب قالوا: لا أبا لزيد، ولا غلامَيّ لعَمْرو، أما على إضافة الاسم لما بعد اللام، وجعل اللام مقحمة بينهما، أو على تقدير الظرف صفة وتنزيل الموصوف بمنزلة المضاف والأول قول سيبوية والثاني /٢١٧/ قول بعضهم، واختاره الناظم، وأجاز على قياس هذا أن تكون الفتحة في: لا مالَ لزيد، فتحه أعراب على تقدير الإضافة أو شبهها، وأن يكون بناء على تقدير الظرف خبرًا، فعلى هذا يجوز أن تكون الكسرة في (لذاتِ) لكونه معربًا مضافًا أو شبهه، فلا يلزم منه جواز (لا مسلماتِ) بالكسر.
وإما التحريف فلانً الصواب في أوله: إن الشباب. وقوله: (فيه نلذ) خبر لأنَّ، وعلى ما أورده لا يكون له ما يرتبط به، والذي أوله (أودى) بيت آخر، وهو أول القصيد، وهو:
(أودى الشباب حميدًا ذو التعاجيبِ أودى وذلك شأوُ غيرُ مطلوب)
[ ٤٠٠ ]
مسألة [١٠٢] قد يتناول العلم بواحد من المسميين به فيصير نكرة، فيدخل عليه لا التبرئة
وبعده:
(ولَّى حثيثًا وهذا الشيبُ يطلبهُ لو كانَ يُدركُه ركضُ اليعاقيبِ)
(إنّ الشبابَ ) البيت
ومنها:
(يومان يومٌ مقاماتٍ وتَنْديةٍ ويومُ سيْرٍ إلى الأعداءِ تأويبِ)
ومنها: /٢١٨/
(كنا إذا ما أتانا صارخُ فزعٌ كان الصراخُ له قرعَ الظنابيبِ)
(التعاجيب) جمع لا واحد له. و(اليعاقيب) جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل. و(لو) في البيت للتمني، أو شرطية حذف جوابها، أي لطلبناه. و(الظنبوب) بالظاء المعجمة، عظم الساق. قيل عني بهذا سرعة الإجابة، وجعل قرعَ السوط في زجرِ الفرس زجرًا للظانبيب، ويقال: قرع ظنبوبه لهذا الأمر، إذا عزم عليه واهتم به. و(المقامات) المجالس. و(الأندية) الأفنية. و(التأويب) سير يومٍ كامل.
مسألة [١٠٢]
قد يتناول العلم بواحد من المسميين به فيصير نكرة، فيدخل عليه لا التبرئة، كقولهم: «قضية ولا أبا حسن لها» وقوله: [الطويل].
[ ٤٠١ ]
(تبِكّي على زيد ولا زيدَ مثلهُ برىٌ من الحمَّى سليم الجوانجِ)
وهذا البيت لجرير، والمعنى: ولا واحد ممن سمى بزيد مثل زيد هذا. وبعضهم يقدّر الأصل ولا مثلَ أبي حسن. ثم حذفت مثل، وخلفها أبو حسن في التنكير، وكذا يقدر في الباقي.
وردَّه الناظم بالبيت /٢١٩/ المذكور، فإن الخبر كلمة مثل، فيصير المعنى: ولا مثلَ زيدٍ. وهو متناقضٌ، ولهذا قال ابن عصفور: يقدّر مثل، إلّا إنْ كان الخبرُ كما في البيت، فيؤول بقولك: لا واحدَ مِمَّن يُسمَّى بكذا.
وما قالاه مردودٌ، لأنه إذا قيلَ: لا مثلَ زيدِ في اسمهِ أو شكلهِ، أو نحو ذلك مثله في الصفاتِ لم يكن فيه تناقضً. ونظير هذا الوهم قول أبي حيانٍ في تخريج أبي الفتح قراءة سعيد بن جبير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادًا
[ ٤٠٢ ]
أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤]، على أن النافية عمل ليس، إن ذلك يُؤدي إلى تناقض هذه القراءة مع قراءة السبعة (أنّ) بالتشديد، فإن المعنى في قراءتهم على الإثبات. قال: فالواجب تقدير (إنْ) في قراءة سعيد مخففة من الثقيلة ناصبة للجزأين على حد قوله: إنْ حراسَنا أسدًا انتهى.
ولم يُسْمَعْ نصبَ المخففةِ للجزأين، ولا ثبتَ ذلك في المشدَّدة، والبيتُ ونحو محمولٌ على إضمار (نحسبهم) ونحوه، والمماثلة المثبتة في قراءة الجماعة المماثلة في المخلوقية، أي أنهم مثلكم في أنهم /٢٢٠/ مخلوقون مربوبون فكيف تعبدونهم.
والمنفية في قراءة سعيد مماثلتهم إياهم في الحواس والأعضاء، ولهذا اتبع بقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا الآية﴾ [الأعراف:١٩٥]، وإذا كان المنفي والمثبت غيرين فلا تناقض.
وقوله: «برئ وسليم» مرفوعان، ولا يجوز النصب لأنه لم يرد: لا زيد مثله في حال الصحة، وإنما أراد أنَّه لم يرَ مثلّه أحدًا، ثم استأنف، فقال: هو يرى.
وكان السبب في قول جرير هذا الشعر أنه اشترى جاريةً من رجلِ من أهلِ اليمامة يقال له: زيد بن النجار، فكرهته وكرهت خشونة عيشهِ، فقال:
(اعزيك من زيد لتسْلى وقد أرى لعينيكِ من زيدِ قذّى غير بارحِ)
(فإن تقصد فالقصد منه سجيةٌ وإنْ تحجمي تَلْقَىْ لجامَ الجوامحِ)
[ ٤٠٣ ]
(تبكي على زيد البيت)
ويروي: ولم يرَ مثله.
و(لجام الجوامح) يريد به سوطًا يضربها به شبهه باللجام حين شبهها إذا تركت القصد، وهو العدل بالفرس الجموح.
وأما البيت الخامس فقوله: (يذود) بمجمعة فواو فمهملة، أي يكفّ ويمنع، وفي التنزيل: ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]، وأكثر ما يُستعمل الذيادُ في الغنمِ والإبلِ، ومنه في غيرها الحديث: «ليذادن أناس عن حوضي».
وجملة (يذود) حال الفاعل، أو خبر (قام) إن فسرت بشرع، كقوله: [الوافر].
(على ما قامَ يشتمنُي ليئمُ [كخنزير تَمَرَّغَ في رمادِ])
وليست لا مهملة لنقلها من النكرة بمن، لأن المهملة يجب تكرارها، وإنما منع الفصل التركيب، على هذا فيقال في أي موضع أعراب اسم لا المفرد، وليست (هند) نائبة عن الضمير، لأن هذا حكاية قول الذائد.
[ ٤٠٤ ]
مسألة [١٠٣]
يجوز في نحو: (لا حول ولا قوة إلّا بالله) خمسة أوجه، أحدها: فتح الاسمين، وهو أشهرُها، وعليه ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة:١٩٧]، فمن قرأ كذلك وهو الذي التزَمهُ الناسُ في المثالِ، فلو قِيلَ بوجوبه فيه إنْ لَمْ يكنْ سُمِعَ فيه غيرهُ لم يمتنعْ لجريانِه مجرى الأمثال لكثرة الاستعمال.
والثاني: رفعهما كما في الآية فيمن قرأ كذلك، وقال: [البسيط].
(وما هجرتُك حتَّى قُلْتِ معلنةً لا ناقةً لي في هذا ولا جملُ)
والثالث: فتح الأول ونصب الثاني، كقوله: /٢٢٢/ [السريع].
(لا نَسَبَ اليوم ولا خُلَّةً اتَّسعَ الخرقُ على الراقعِ)
والرابع: فتح الأول ورفع الثاني، كقوله: [الكامل].
(هذا لعمُرُكُمُ الصَّغارُ بعينهِ لا أمَّ إنْ كانَ ذاك ولا أبُ)
[ ٤٠٥ ]
الخامس: عكسه، كقوله: [الوافر].
(فلا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها وما فاهوا به أبدًا مُقيمُ)
فأما البيت الأول فإنَّهُ للراعي، ويُروي (وما صَرمتُك)، أي: ما قطعت حبلَ ودَّكِ حتى تبرأتِ منّي معلنةً بذلك، وضرب قوله: لا ناقةً لي البيت، مثلًا لبراءتِها منه، وهو مثلٌ مشهورٌ في هذا المعنى.
و(لي) صفة. و(في هذا) خبر. وحذف مثلها من الثاني. وموضع الخبر نصبٌ أو رفعٌ على تقدير (لا) عاملةً عمل ليس، أو ملغاةً لتكرِّرها، وكون الرفع في النكرة بالابتداء أقيس من كونه بلا، لأن الكلامَ جوابٌ لمَنْ قالَ: ألَكَ ناقةً أو جملٌ؟ والرفع في ذلك على الابتداء والخبر واجبٌ، والأصل تناسب الجوابِ والمُجابِ. وأول القصيدة: /٢٢٣/.
(قالت سُلَيَّمَى أتثوى أنت أم تَغِلُ وقد ينسّيك بعضَ الحاجةِ الكسلُ)
[ ٤٠٦ ]
فقلن ما أنا مَمَّنْ لا يوافقني ولا ثوائي ألّا رَيْثَ ارتحلُ)
(أمّلتُ خيرَك هل تأتي مواعدةً واليوم قصّر عن تلقائك الأملُ)
(وما صَرَمْتُكِ البيت)
يقال: وغل في السير وأوغل إذا جدَّ فيه. ومعنى البيت الثاني: من لا يوافقني فليس مني، ولا أنا منه، وليس ثوائي عنده إلّا قدر ما ارتحل عنه. و(التَّلقاء) بمعنى اللقاء، وكل مصدر هكذا فهو مفتوح التاء، كالتَّجوال والتَّطواف إلّا التَّلقاء والتَّبيان. وإمّا التَّلقاء في قوله: ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٧] فظرفٌ لا مصدرٌ.
أما البيت الثاني فإنه لأنس بنَ العباس بن مرداس السُّلَميّ، وروي القالي عجزه: الفتق على الراتق، وهو الصواب، لأنَّ قبلَهُ:
(لا صلح بيني فاعملوه ولا بينكم ما حملت عاتقي)
(سيفي وما منا بنجد وما قَرْقَرَ قُمْر الواد بالشاهق /٢٢٤/)
وفي البيتين فصل المتعاطفين بالجملة الاعتراضية، وتأنيث العاتق، والأفصحَ تذكيره، وفيه التضمين، وهو من العيوب، فإن قوله: سيفي معمول لـ «حملت» وحذف ياء المنقوص غير المنوّن للضرورة.
و(الراتق) الذي يلحم الفتقَ، يقول إنَّهُ أصابتْهُ شِدَّةٌ تبرَّأ منه فيها الولي والصديق، وضرب اتساع الخرق مثلًا لتفاقُمِ الأمْرِ.
والشاهد فيه: نصب المعطوف على إلغاء لا الثانية وزيادتها لتوكيد
[ ٤٠٧ ]
الأولى، وجاز العطف على لفظ المبنى تنزيلَا لحركة البناء العارضة بسبب داخل دخل منزلة حركة الأعراب. ومثله: يا زيدٌ الفاضلُ، برفع الصفة.
هذا قول النحويين، قال الناظم: وهو عطف على محل اسم (لا) بعد دخولها، فإنَّ له محلين، محلًا قيل دخولها وهو الرفع بالابتداء، ومحلًا بعد دخولها وهو النصب بلا، فإنها عاملةٌ عملَ إنَّ.
وقال يونس في (خُلةً): أنه مبني، ولكنه نون للضرورة. وليس بشيء.
وفي البيت قطع ألف الوصل في الدرج للضرورة، وحسَّنَهُ هنا أنَّها في أول الشطر الثاني من البيت، وهو محل ابتداء.
وأما البيت الثالث فقال سيبوية: لرجلٍ من مَدْحج، وأبو رياش: لهمام أخي /٢٢٥/ جساس ابني مرة، والأصفهاني: لضمرة بن ضمرة، ويشكل عليه ندلؤه ضمرة في أول بيت من القصيدة، وسيأتي، وقد يكون نادي آخر اسمه كأسمه، والحاتمي: لابن احمر، وابن
[ ٤٠٨ ]
الأعرافي: لرجل من بني عبد مناف قبل الإسلام بخمس مئة سنة، وروى: وجدكم بدل لعمركم.
و(الصَّغار) كالهَوان وزنًا ومعنىً. خاطب بهذا البيت أمَّهُ، وأهْلَهُ كانوا يؤثرون عليه أخاه جُنْدُبًا، وقبلَهُ:
(أضمرُ أخبرْني ولستَ بكاذبٍ وأخوك نافعُكَ الذي لا يكْذبُ)
(أمِنَ السويَّةِ أنْ إذا استغنيْتُم وسعدتُّم فأنا البعيدُ الأخيبُ)
(وإذا الشدائدُ بالشدائدِ مرةً أشجَتْكُم فأنا الحبيبُ الأقربُ)
(ولجُنْدَّبٍ سَهْلُ البلادِ وغَدْبُها ولي المِلاحُ وحَزْنُهن المُجْدِبُ)
(وإذا تكونُ كريهةً أدْعَى لها وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعىً جُنْدُبُ)
وبعده: /٢٢٦/.
(عجبٌ لتِلْكَ قَضيّةٌ وإقامتي فيكم على تلكَ القضية أعْجَبُ)
يقول: إذا كانت شدة دعوني لعلمهم أنَّي أغْنَي عنهم، وإذا كان رخاءٌ دعوا جُنْدُبًا، وهذا عين الهوان، فإن رضيت به فليس لي أمُّ ولا أبٌ معروفان. بل أنا حينئذ لقيطٌ.
وفيه الاعتراض بين المبتدأ والخبر بالقسم، وبين المتعاطفين بالشرط، وزيادة الباء في كلمة العين المؤكدة بها، كما يقال: جاءَ زيدٌ بعينهِ.
وقيل: إنَّ (بعينه) في البيت في موضع الحال، أي هذا الصَّغارُ حقًا.
[ ٤٠٩ ]
وقوله: (إن كان ذاك) أي احتمال ذاك وإلّا فذاك كابن.
والشاهد فه: رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، وذلك إما على إلغاء (لا) الثانية، ورفع تاليها بالعطف على محل الأول مع اسمها، وعلى هذا فخبرُها واحدٌ. وأما على تقدير (لا) الثانية مقيدًا بها عاملة عمل ليس، فيكون لكل من الأولى والثانية خبرٌ يخصُّها، لأنَّ خبرَ الأولى مرفوعٌ، والثانيةِ منصوبً.
و(ضمرٌ) مرخَّم ضمرة. وجملة (وليست /٢٢٧/ بكاذب) حاليةٌ أو مستأنفةٌ، فهي توصيةً له بالصِّدْقِ على الأول وثناءٌ عليه به على الثاني. والأظهرُ الأول. لكن يُروي: ولستَ بصادقي.
و(السَّوِيَّة) العدل. و(الاجنب) بالجيم والنون، من الجنابة وهي البعد. ويروي بالخاء المعجمة والياء، من الخيبة. و(الكريهة) القصة المكروهة، وأنَّثَتْ بالثاء لغلبة الاسمية كالنطيحة. و(الحيس) طعام فاضل عندهم، يتخذ من سمن وأقط. و(جُنْدُبِ) بضم الدال وفتحها. (الثماد) جمع ثمد، وهو الماء القليل. و(المِلاح) بكسر الميم، جمع مَليح، وهو الماء المالح. و(عجبًا) مصدر نائب عن (أعجب)، ويُروي بالرفع على الابتداء، وإن كان نكرةَ، لتضمُّنِه معنى التعجب، أو لأنَّه مصدرٌ في الأصل، وإنما عُدِلَ إلى رفعةِ لإفادةِ معنَى الثبوت.
وأما البيت الرابع فإنه لأمية بن أبي الصَّلْت من كلمةٍ أولها:
(سلامَك رَّبنا في كلَّ فَجْرٍ بريئًا ما تليق بك الذمومُ)
(عبادُك يخطئون وأنت رَبَّ بكفيّك المنايا والحتومُ)
[ ٤١٠ ]
ومنها يذكر القيامة وأهل الموقف والجنة والنار.
(غداة يقول بعضُهم لبعضٍ ألا يا ليت أمُّكُمُ عَقيمُ)
(فلا تدنو جهنمُ مِنْ بَرِئٍ ولا عدنً يحلُّ بها الأثيمُ)
(ونخلَّ ساقطً القِنوانِ فيه خلال أصول رطب قميم)
(وتفاحٌ ورمّانٌ وتينٌ وماءٌ باردٌ عذبً سليمُ)
(وحورً لا يريْنَ الشمسَ فيها على صور الدُّمَى فيها سهومُ)
(نواعم في الأرائك قاصرتٌ فهُنَّ عقائل وهم قُرومُ)
(على سررٍ تُرَى متقابلاتٍ ألا ثَمَّ النضارةُ والنعيمُ)
(عليهم سندسٌ وجيادُ رَبْط وديباجُ يُرَى فيهم قتومُ)
(وتحتهم نمارق من دِمَقسٍ ولا أحد يَرى فيهم سئيم)
(ولا لغوّ ولا تأثيمٌ فيها ولا حَيْنٌ ولا فيها مُليم)
(وفيها لحم ساهرةٍ وبَحْرٍ وما فاهوا به لهم مقيم)
كذا ثبت هذا البيتان في ديوانه الذي رواه علماء اللغة والشعر.
ويتبين بذلك أن النحويين حرّفوه، فركبوا صدر بيت على عجز آخر. وأورد المفسرون البيت على /٢٢٩/ الصواب عندما تكلموا على تفسير قوله تعالى ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٤]، فقالوا: الساهرة، وجه الأرض، وأنشدوا.
والمعنى: وفيها لحم بَرٍّ وبَحْرٍ، ورواه بعضُهم: وفيها لحمُ ساهرةٍ وطيرٌ.
ومن الغريب قولُ قتادة: الساهرةُ جهنم، لأنها لا نوم فيها.
[ ٤١١ ]
وقوله: (سلامَك) بالنصب، أي: سلمتٌ يا ربَّنا.
و(بريئًا) حال مؤكدة لعاملها، مثل: ولَّي مدبرًا.
وروى النحويون بدل (ما تليق به) ما تَغَنَّتُك، بثلاث فتحات على تاء المضارعة وعين معجمة ونون مشددة بعدهن ثاء مثلثة مضمومة، أي: ما يلتصق بك، والأصل: تتغنثك، فحذف التاء الثانية.
و(الذموم) بالضم، جمع ذم. و(القيم) المجموع المكنوس، كما تقم القمامة. و(السِهوم) الضمور وقلة لحم الوجه، و(الأرائك) السرر عليها الحِجال. و(العقائل) الخيار. و(القُروم) الفحول. و(القتوم) من القُتمة، بالضم، لون فيه غبرة وحمرة. و(الدمقس) الابرسيم.
(الذي سئم) الذي يصرُّ لا روح له، و(المليم) الآتي بما يلام عليه.
وأميّة هذا كان قد قرأ الكتبَ فعلم منها أنّه أظلَّه زمانُ نبي فترجَّي أنْ يكونَ هو. فضمَّنَ أشعارَه المواعظَ والحِكَمَ، وذكر الحشر، فلما بعث اللهُ محمدًا ﷺ /٢٣٠/ حَسَدهُ، فكذَّبَهُ، فيُقال إنَّ فيه نَزَلَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا ﴾ [الأعراف:١٧٥].
مسألة [١٠٤]
إذا عطفت على اسم (لا)، ولم تكررها جاز في المعطوف الرفعُ
[ ٤١٢ ]
والنصبُ دون الفتح، وشاهد النصب قوله: [الطويل].
(فلا أبَ وابنًا مثلُ مروانَ وابنهِ إذا هو بالفضلِ ارتدى وتأزَّرَا)
وهو لرجلٍ من بني عبد مناة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك وجعلهما لشهرة مجدهما كلابسين له متردين به، ويحتمل مثل الصفة والخبر، فعلى الخبر هو مرفوع لا غير. ولا حذف، وعلى الصفة يجب تقدير الخبر، ويحتمل (مثل) النصب على اللفظ، والرفع على المحل، واستقبحَهُ الفارسيّ، قال: لأنَّك عطفتَ بالنصب فلا يحكم برفعه بعدما حكمت بنصبه، قال: وإنّما جاز أنْ يرجعَ إلى مراعاةِ (من) ونحوها بعدما حملت على معناها، ولكن ذاك أسهل، لأن الاسم كما يُعْلَمُ منه الأفرادُ يُعْلَمُ منه الجمعُ، ولا يُعْلَمُ النصبُ من الرفعِ، ولا العكس.
ولا يكون مثل صفةً للمعطوف فقط، لإضافته إلى مروان وابنه المتعاطفين بالواو التي هي للجمع، وإنّما يصحُّ له أن يكون َ خبرًا عن الاثنين، أو صفةً لهما مع أفراد /٢٣١/، لفظه، كما صحَّ مجيئهُ للجماعة في
[ ٤١٣ ]
مسألة [١٠٥] تدخل الهمزة على لا التبرئة فيبقى أحكام اسمها وخبرها وأحكام توابع اسمها، وأكثر ذلك والاستفهام للتوبيخ
قولهِ تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] وإذًا منتصبة بها في مثل من معنى المماثلة سواء قدرت مثلًا صفة، أو خبرًا أو منتصبًا بالخبر الذي تضمره إذا قدرت مثلًا صفة، وأفراد ضمير (ارتدى وتأزرا) بمنزلة الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١].
وروى ابن الأنباري:
(إذا ما ارتدَى بالمجدِ ثُمَّ تأزَّرا)
رواية سيبوية أولى، لأن الائتزار قبل الارتداء، والواو تأتي لغير الترتيب بخلاف ثُمّ.
مسألة [١٠٥]
تدخل الهمزة على لا التبرئة فيبقى أحكام اسمها وخبرها وأحكام توابع اسمها، وأكثر ذلك والاستفهام للتوبيخ، كقوله: [البسيط].
(ألا طِعانَ ولا فرسانَ عاديةً إلّا تجشُّؤُكم حَوْلَ التنانير)
أو إنكار، كقوله [البسيط].
(إلَا ارعواء لِمَنْ ولّتُ شَبيبتهُ وآذنَتْ بمشيبٍ بعدَهُ هَرمُ)
[ ٤١٤ ]
ويأتي الاستفهام على حقيقةِ كقولهِ: [البسيط].
(ألا اصطبار لسلمى أم لها جَلَدً إذا ألاقي ما لاقاه أمثالي)
ولقلتِه لم يطلعْ عليهِ الجزولي فانكرَ وجودَهُ.
وقد ترد (الا) بجملتها لأحد ثلاثة معانٍ /٢٣٢/، أحدها: التمني، فتخصُّ أيضًا بالجملةِ الاسمية، وتعمل عمل لا، لكن تعطي حكم ليت في أنَها لا تُلْغَي وإنّ تكررَتْ، وأنّه لا يجوزُ مراعاةُ محلِ اسمِها من الابتداءِ، ومن ذلك قوله: [الطويل].
(الا عُمْرَ وَلَّي مستطاعٌ رجوعهُ فيرأبَ ما أثأتْ يدُ الغَفَلاتِ)
وقول قوم منهم الشارح: إنَّ المفيدَ للتمنِّي سهوٌ، ويلزم منه كون التمنِّي جملةَ النفي، فيكون معنى قولك: ألا ما أتمنَّى عدم الماء، وهو عكس المراد.
الثاني: العرض، فتختص بالجملة الفعلية، نحو: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة:١٣]، وقد يكون الفعل مقدَّرًا كقوله: [الوافر].
(ألا رجلًا جزاهُ اللهُ خيرًا يَدُلُّ على مُحصِّلةٍ تَبيتُ)
[ ٤١٥ ]
أي: ألا تروني رجلًا؟
والثالث: التنبيه والاستفتاح، فيدخل على الجملتين، نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، ﴿أَلا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود:٨].
أما البيت الأول فإنه لحسان بن ثابت الأنصاري من كلمة يهجو فيها، الحارث بن كعب النجاشي، وقبلَهُ:
(حار بن كعب الا أحلام تزجُركم عنَّا وأنتم من الجُوفِ الجماخيرِ)
(لا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عظمٍ جسم البغالِ وأحلام العصافيرِ)
وبعده: /٢٣٣/.
(كأنَّكم خُشُبً جُوفً اسافلُه مثقبٌ نفخت فيه الأعاصير)
(لا ينفع الطول من نوكِ الرجال ولا يهدي الالهُ سبيلَ المعشرِ البورِ)
حذف حرف النداء من حارث، ورخَّمه، وجمع الحلم، وهو العقل. وقوله: (عنّا) أي عن هجائنا، وذلك إنَّ النجاشي الشاعر هجا بني النجار من الأنصار، فشكو ذلك لحسان فقال هذه الأبيات، ثم قال: القوها على صبيان المكاتب، ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان، فأوثقوا النجاشي، وأتوا به إلى حسان، وحكَّموه فيه، فأمر الناس فحضروا، وجلسَ على
[ ٤١٦ ]
سريرهِ، واحقره موثقًا، فنظر إليه مليًا ثم قال لابنه عبدِ الرحمن: هاتِ الدراهمَ التي بقيتْ من صِلَةِ معاوية، وائتني ببغلةٍ، ففعلَ، ففلّ وثاقَهُ وأعطاه الدراهمَ، واركبَهُ البغلةَ، فشكرَهُ الناسُ.
و(الجُوف) جمع أجوف، كالسُود جمع أسود، وهو الواسع الجوف. و(الجماخير (جمع جمخور، وهو العظيم الجسم، القليل العقل والقوة.
وأفرد في البيت الثاني الجسم، وجمع الحلم، وكان القياس العكس، لأن وضع الجسم للواحد، والحلم للجنس، ويجمع كل منهما على أفعال وفعول، قال الله تعالى: ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، ﴿أَمْ تَامُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ﴾ [الطور:٣٢]، وقال الشاعر: /٢٣٤ (٢٠٤) / [البسيط].
(هل من حلومٍ لأقوامٍ فتنذرهم ما جَرَّبَ الدهرُ مَنْ عضِّي وتضريسي)
وقال الآخر: [الوافر].
(ولكني بُليتُ بوصلِ قومٍ لهم لحمٌ ومنكرةً جُسومُ)
(وروي أنَّ بني عبد المدان كانوا يفتخرون بعظم أجسامهم)
حتى قال فيهم حسان هذا الشعر، فتركوا ذلك، ثم إنهم قالوا لما
[ ٤١٧ ]
رضي عنهم: أفسدت علينا أجسادنا، فقال: [الوافر].
(وقد كنَّا تقولُ إذا أتيْنَا لذي حسبٍ يُعَدُّ وذي بيانِ)
(كأنَّك أيه المُعطَى بيانً وجسمًا من بني عبدِ المدانِ)
فعادوا إلى الافتخار بذلك.
ويروي: ولا فرسانَ.
و(عادية) بالمهملة من العدوان، وبالمعجمة من الغدو مقابل الرواح. و(تجشؤكم) بالجيم، من الجشأ: نفس المعدة، وبالحاء المهملة، من الانحشاء.
والاستثناء منقطعُ. والمعنى: ألا طعان عندكم، ولا فرسان فيكم يعدون على أعدائهم، أي لستم بأهلِ حرب، وإنّما أنتم أهلُ أكلٍ وشربٍ، كما قال الآخر: [الكامل].
(إنّي رأيتُ من المكارم حسبكم أنْ تلبسوا خزَّ الثيابِ وتشبحوا)
وقوله: /٢٣٥ (٢٠٥) / [البسيط].
(دَعِ المكارم لا ترحلْ لبُغْيَتها وأقعد فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي)
و(الأعاصير) بالرفع على الأقواء، و(البور) جمع بائر، وهو الهالك.
وأما البيت الثاني: فالارعواء: الانكفاف، مصدر ارعوى عن الشيء،
[ ٤١٨ ]
أي: الانكفاف عن القبيح. و(لمن) خبر. و(أذنت) عطف على (ولَّت) فلا موضع له. ومعناه: أنذرت. وجملة (بعده هرم) صفة لشيب.
وأما البيت الثالث فأمْ فيه متصلةً معادلةً للهمزة، عاطفة اسمية مثبته على مثلها منفية.
والمعنى: ليت شعري إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت، أينبغي الصبرُ عن هذه المرأة أم يثبت لها. وكنَّى عن الموت بما ذكر تسليةً لها.
وأما البيت الرابع فقوله: (الا) كلمة واحدة للتمني، كما قدمنا، و(عمر) اسمها، و(ولَّى) صفته، و(مستطاع رجوعه) اسمية قدم خبرها، والاسمية كالفعلية في الوصفية، وموضوعهما النصب. فإن قلت: أما يجوز أن يكونَ محلهُما الرفعُ. أو كون الاسمية خبرًا، أو كون (مستطاع) صفة على الموضع، أو خبرًا، و(رجوعه) مرفوع به على الوجهين.
قلتُ: أمَّا عند سيبوية فلا، لأنَّه لا يُجيزَ مراعاةَ محلِ اسمِها اجراءً /٢٣٦ (٢٠٦) / لها مجرى ليت، وليس لها عنده خبر لا لفظًا ولا تقديرًا، وأن نحو: الا. ما، كلام تام محمول على معناه، وهو: أتتمنى ما، وعلى هذا فهو كلام مركب من اسم وحرف كما في: يا زيد، عند أبي علي. وأما عند المازني والمبرّد فيجوز، لأنَّهما يجريانهما مجرى (الا) التي للإنكار والتوبيخ سواء.
[ ٤١٩ ]
وقوله: (فيرأب) منصوب في جواب التمنّي، مثل: فأفور. يقال: رأبه يرأبه، بالفتح فيهما، إذا أصلحه، وأصله من: رَأَيْتُ الإناء إذا شَعبته، والمحفوظ في البيت: يرأب، مبنيًا للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول. و(أثأت) بالمثلثة: أفسدت منقول بالهمزة من (ثأى، يثأى) بالفتح، فسد. واستعار للغفلات يدا كما استعارها زهير للشمال في قوله: [الكامل].
([وغداةَ ريحٍ قد وزعْتُ وقِرَّةٍ] إذا أصبحْت بيد الشَّمالِ زِمامُها)
وأما البيت الخامس ففي (رجلًا) ثلاث روايات، أحدها: الرفع، وبه جَزَمَ الجوهري، ووجهه أن يكون فاعلًا بفعلٍ محذوف يفسِّرُهُ (يدل).
والثانية: الجر على إضمار (من) وفيه ضعف، لأعمال الجار محذوفًا، ويزيده ضعفًا كونهُ زائدًا، ونظيره في الضعيف قوله:
([فلم أرَ مِثْلَها خُباسةَ واحِدٍ] ونَهْنَهْتُ نفسي بعدَما كِدتُ أفْعَلَهُ)
[ ٤٢٠ ]
على قول سيبويه: إنَّ التقدير: أن أفعلَهُ، لأن (أن)، وإن كانت غير زائدة، لكنَّ دخولَها في خبرِ (كاد) قليلٌ.
والثالثة /٢٣٧ (٢٠٧) /: النصب وهي المشهورة، فقال الخليل وسيبوية: (ألا) للعرض والفعل مقدَّر، أي: ألا تروني رجلًا.
وقال يونس: (ألا) للتمني، و(رجلًا) اسمها، ونُوَّنَ للضرورة وقال بعضهم: منصوب بمضمره يفسره (جزى)، وعلى هذا فألا للاستفتاح لا للعرض، إذ لا يدخل حرف العرض على فعل طلبي.
وقوله: (محصِلة) بكسر الصاد، أي امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن، وتخلصه منه. وقوله: (تبيت) قال الأعلم: تبيت تفعل ذلك، أو للفاحشة. وقال السيرافي: إنما الرواية (تبيث) بالثاء المثلثة، من الاستباثة، وهي الاستخراج، أي: تستخرج الذهب من ترابه انتهى.
وكلامهُما كلامُ مَنْ لم يقفْ على ما بعد البيت، وهو:
(تُرجِّل لمّتى وتَقُّمُ بيتي وأعطيها الإتاوةَ إنْ رضيَّتُ)
فالقافية تاه مثناة. و(ترجل إلى آخره) خبر بات، والبيت متعلق بما قبله، وفي الشعر تضمين، وهو من العيوب كما مرَّ. والبيتوتة للترجيل، والقم كما ذكر لا لشيء آخر وأيضًا فالمعروف في الفعل الثلاثي المعبَّر به عن البحث عن الشيء. وباث عنه يبوث بوثًا، بالواو، لا باث يبيث، بالياء. و
[ ٤٢١ ]
مسألة [١٠٦] يجب ذكر الخبر إذا كان غير معلوم
(الإتاوة) الخّراج. /٢٣٨ (٢٠٨) /.
مسألة [١٠٦]
يجبُ ذكرُ الخبرِ إذا كانَ غيرَ معلومٍ، نحو: (لا أحد أغير من الله ﷿). وقوله: [البسيط].
(ورّدَّ جازرّهم حرفًا مصرَّمةً ولا كريمَ من الولدان مصبوحُ)
فإن كان معلومًا التزم حذفه التميميون والنجديون، وأجازَ الوجهين الحجازيون.
وهذا البيت ممّا رُكِبَ فيه صدرُ بيتٍ على عَجز آخر. وقد أوردَهُ سيبوية والجرمي في كتاب (الفرج)، وأبو بكر في (أصوله)، وأبو علي في (إيضاحه)، وتبعهم على ذلك خلق كثير، كالشارح، ولم يورد الزمخشري في مفصّله إلا عجزَهُ، فسلم من ذلك الغلط، ولكنَّهُ وقعَ في غبطٍ آخر، وهو
[ ٤٢٢ ]
أنَّهُ نسبَه لحاتم الطائي، كما غلط الجرمي، إذ نسب البيتَ كلَّه لأبي ذؤيب، والصواب أنَّه لرجلٍ جاهلي من بني النبيت، اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند ماويَة بنت عَفْزَر خاطبين لها، فقدَّمتْ حاتمًا عليهم وتزوَّجَتْهُ، فقال هذا الرجل:
(هلّا سألت النبيتين ما حَسَبي عندَ الشتاءِ إذا ما هبْتِ الريحُ)
(وَرَدّ جازرُهم حرفًا مصرمةً في الرأسِ منها وفي الأصلاءِ تمليحُ)
٢٣٩ (٢٠٩) (إذا اللقاحُ غَدَتْ مُلقىً أصَرتُها ولا كريمَ من الولدانِ مصبوحُ)
ويروى: هلا سألتِ هداكِ الله.
و(الجازر) هنا للجنس، إذ لا يكون في العادة للحيّ جازر واحد. و(الحرف) قال أبو عمرو: الناقة المُسنَّة البازل، أبو زيد: النجيبة التي انضتها الأسفار، لانحرافها عن السمن إلى الهزال، صاحب العين وابن الأنباري: الصُّلْبة، شُبِّهتْ بحرف الجبل، وقيل: بحرف السيف، لمضائها.
و(المصرّمة) المقطوعة اللبن، لعدم الرعي. و(الكريم) الشريف الحسب. و(المصبوح) الذي يُسْقَى اللبنَ في الصباح، أي أنهم في جَدْب، واللبن عندهم متعذر، ولا يسقاه الوليد الكريم النسب فَضْلًا عن غيره لعدمِه. فجازرهم يرد عليهم من المرعى ما ينحرون للضيف، إذ لا لبنَ عندهم.
[ ٤٢٣ ]
وجزم سيبويه بأن (مصبوحًا) خبر كما جزم به الشارح، وأجازه الجرمي والفارسي، وأجاز أن يكون صفة لكريم على الموضع، والخبر محذوف، وتبعُهما الزمخشري فقال بانيًا على توهُّمهِ أنَّهُ لحاتم: يُحْتَمل أنَّهُ تركِ طَائيتَه إلى اللغة الحجازية، ويُحْتَمل أنَّهُ قدَّرَهُ صفة.
قال ابن معزوز: وهذا جهلٌ بما قال سيبوية، فإنَّهُ جزمَ بأنَّه خبرٌ، وهو الصواب /٢٤٠ (٢١٠) /، فإن المراد أنَّهُ لا كريمَ يُصبحُ، ولم يرد أنْ ينفيَ وجودَ الولدان المصبوحين، وإذا قدّر خبرًا لم يقع النفي على وجودِهم، بل يقع على المصبوحِ، لأنَّ الخبرَ محطُ النفي.
و(الاصلاء) جمع صلأ، وهو ما حول الذنب. و(التلميح) شيءٌ من ملح، أي شحم. و(الأصرّة) جمع صرار، ما شُدَّ به الطبي، لئلا يرتضعَه الفصيلُ، وإنما أُلقيَتْ حيثُ لم يكنْ ثَمَّ لبنً.
[ ٤٢٤ ]