قال ابن جني: الإعراب ضد البناء في المعنى، ومثله في اللفظ، والفرق بينهما: زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته.
فالإعراب أربعة أضرب: رفع، ونصب، وجر، وجزم، فالرفع والنصب: يشترك فيهما الاسم والفعل، والجر: يختص بالأسماء، ولا يدخل الأفعال، والجزم يختص بالأفعال ولا يدخل الأسماء.
_________________
(١) = فيهن مدًا فزيدت، وخصت الهمزة بالمتكلم لأنه أول، والهمزة أول الحروف مخرجًا وخصت التاء بالمذكر الحاضر والمؤنثة الغائبة، لأنها تكون للخطاب كقولك: أنت، وللتأنيث كقولك: فعلت. وخصت النون بأكثر من المتكلم، لأنها ذات مخرجين: تارة تخرج من الخيشوم وتارة من الفم، وخصت الياء بالغائب، لأنها خفية فهي تناسب حالة، وإنما كان حرف الإعراب أخيرًا، لأنه تعذر أن يكون أولًا، من حيث إن حركة الأول واجبة وحركة الإعراب جائزة فتدافعنا، وتعذر أن يكون أولًا، من حيث إن حركة الأول واجبة وحركة الإعراب جائزة فتدافعنا، وتعذر أن تكون وسطًا، لأن من الكلم ما لا وسط له كيد وجعفر ومستخرج. فإن قلت: أجعله حرفًا بين الطرفين؟ فليس على التخصيص دليل. وأدل «من» على يقوم، لأن النحويين إذا ترجموا عن الأحكام الإعرابية لم يكن لهم بد من إدخال العوامل على الأفعال والحروف والجمل، لأن العبارة غير ممكنة بغير ذلك. فإن قلت: فلم لا يجوز إدخال الألف واللام على ما ذكرت؟ . قلت: الفرق بين حرف الجر وبين الألف واللام: أن حرف الجر لا يغير معنى ما يدخل عليه والألف واللام تغيره من التنكير إلى التعريف. (باب الإعراب والبناء) قال ابن الخباز: (الإعراب ضد البناء في المعنى)، لأن حقيقة الإعراب اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العوامل كقولك: جاء رجل، ورأيت رجلًا، ومررت برجل. وهو في اللغة عبارة عن البيان. يقال: أعربت عن الأمر إذا بينته، أنشد يعقوب =
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في الإصلاح:
(٢) وقد كنت أكنو عن قذور بغيرها وأعرب أحيانًا بها فأصارح فسمى به اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العوامل، لأنه يبين المعاني. وحقيقة البناء: ثبوت أواخر الكلم على صورة واحدة - وإن اختلفت العوامل - كقولك: جاءت حذام، ورأيت حذام، ومررت بحذام، وهو في اللغة: عبارة عن وضع الشيء على الشيء على صفة يراد بها الثبوت كبناء الجدار، وسمى به ثبوت أواخر الكلم للزومه، وإنما كان مثله في اللفظ، لأن آخر الكلمة لا يخلو من الحركة والسكون، فالحركات ثلاث: ضمة وفتحة وكسرة. والسكون خلو الحرف من إحدى هذه الثلاث، وقد اشترك الإعراب والبناء في الحركة والسكون، كقولك في الضمة: الليث حيث زيد قائم، وفي الفتحة: أين رأيت الحسين. وفي الكسرة: مررت بهؤلاء العلماء. وفي السكون: لم أكرمك. والفرق بينهما، أي: بين الإعراب والبناء: زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله، لأن حركة الإعراب حدثت بدخول العامل، نزول بزواله (وانتقاله) لأنه معطوف على زوال. وقوله: (الحادث) في صفة البناء فيه نظر، لأنه إن أراد به بناء الأفعال والحروف فهو أصلي، وإن أراد به بناء الأسماء فلا معنى للفرق بين الإعراب وبعض البناء، والذي يعتذر به عنه أن يقال: وصف البناء بالحادث لأنه يكون بالحركة والسكون لأنهما حادثان في الحرف، والجيد أن يعلق (من) باللزوم، لأن لزوم البناء (من) غير عامل، وقد ثبت أن الحر ثلاث والسكون واحد، وأن ذلك =
[ ٦٨ ]
قال ابن جني: والبناء أربعة أضرب: ضم، وفتح، وكسر، ووقف. فالضم يكون في الاسم نحو حيث، ومن قبل، ومن بعد. وفي الحرف في «منذ «في لغة جربها. ولا ضم في الفعل.
والفتح يكون في الاسم نحو أين وكيف، وفي الفعل نحو قام وقعد، وفي الحرف نحو إن وثم.
والكسر يكون في الاسم نحو أمس وهؤلاء. وفي الحرف في «جير».
_________________
(١) = يقع في الإعراب والبناء ففرقوا بين أسمائها لاختلاف صفاتها فسموا حركات الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا وسكونه جزمًا. وحركات / البناء ضمًا وفتحًا وكسرًا، وسكونه وقفًا. فالرفع: عبارة عن اختصاص الآخر بالضمة التي يحدثها العامل. [والنصب: اختصاص الآخر بالفتحة التي يحدثها العامل] والجر: اختصاص الآخر بالكسرة التي يحدثها العامل. والجزم: اختصاص الآخر بالسكون والحذف اللذين يحدثهما العامل. واشترك الاسم والفعل في الرفع والنصب، لأن الأصل في الأسماء أن تكون معربة وإعراب الأفعال لمشابهتها، وإعراب الأسماء ثلاثة أنواع: رفع ونصب وجر. فأعربت الأفعال بالرفع والنصب قضاء من حق المشابهة. وانفرد الاسم بالجر، لأن عامله لا يصح دخوله على الفعل. وانفرد الفعل بالجزم، لأن عامله لا يصح دخوله على الاسم. قال ابن الخباز: وكما كان الإعراب أربعة أضرب يكون البناء أربعة أضرب: لحصول الحركات الثلاث والسكون فيه. والأصل في الإعراب الحركة، للفرق بين المعاني من الفاعلية والمفعولية والإضافة. والأصل في البناء السكون، لأن حركته لا تفيد معنى. وإنما بنيت (حيث) لأنها تفتقر إلى الإضافة في فهم معناها، فجرت مجرى الحرف الذي لابد له من غيره، وحرك آخرها لالتقاء الساكنين، وضمت ضبيها بقبل وبعد، لأنها تلزم الإضافة، ومن العرب من يفتحها طلبًا للخفة، ومنهم من يكسرها على أصل التقاء الساكنين. =
[ ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبنيت قبل وبعد: لأنهما قطعتا عن الإضافة، ونوي معهما ما تضافان إليه، فصارتا كبعض الكلمة، وذلك لا يستحق إعرابًا، وحرك آخرهما، لأن بناءهما عارض، وضمتا لأنه جعل ذلك جبرًا للوهن اللاحق بحذف المضاف إليه. وفيما بعد «منذ» لغتان: الرفع والجر تقول: «ما رأيته منذ البارحة ومنذ البارحة فإذا جررت كانت حرفًا فبناؤها لأنها حرف وتحريك الآخر لالتقاء الساكنين، والضم / إتباع الذال الميم، ولا عبرة بالحاجز الذي هو النون، لأنه ساكن، وهو حاجز غير حصين. وقد قالوا: منتن فضموا التاء. وقرئ: (وإنه في إم الكتاب) بكسر الهمزة إتباعًا للفاء. وإذا رفعت ما بعد «منذ» فهي اسم، فبناؤها لأنها لا تخلو من أن تكون بمعنى الأمد أو لأول الوقت، فإن كانت لأول الوقت فهي بمنزلة «من» التي لابتداء الغاية. وقد ذكرنا علتي تحريك آخرها وضمها. ولم يبن الفعل على الضم، لأنه ثلاثة أقسام: الأمر: وسندل على وجوب السكون له، والماضي: وسندل على وجوب الفتح له، والمضارع: وقد وجب إعرابه. ولما كانت الفتحة أخف من الضمة بنوا عليها أشياء من الكلم الثلاث: فمن الأسماء «أين وكيف» فبنيت أين، لأنها تكون استفهامية كقولك: أين جلست؟ وشرطية كقولك: أين تجلس أجلس، فهي في الأول: واقعة موقع حرف الاستفهام. وفي الثاني: واقعة موقع حرف الشرط، وحرك آخرها لالتقاء الساكنين، وفتحت، لأنها كثيرة الاستعمال والفتحة خفيفة. وبنيت كيف، لوقوعها موقع الاستفهام كقولك: كيف زيد؟ وتحريك آخرها وفتحه كتحريك أين وفتحه. ويدخل حرف الجر على (أين) ولا يدخل على «كيف»، وشذ قول الشاعر:
(٢) هلا سألت بنا والدهر ذو غير عن كيف صعقتنا ذهل بن شيبانا =
[ ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن الأفعال الفعل الماضي نحو: قام وقعد، وبناؤه، لأنه فعل، والأصل في الأفعال البناء، لأنها تدل بالصيغ المختلفة على المعاني المختلفة، وحرك آخره، لأنه ضارع الأسماء مضارعة ناقصة حيث وقع صفة، وبعد حرف الشرط كقولك: مررت برجل قام، وإن ذهب زيد جلس عمرو وبني على الفتحة، لأن الأصل فيه أن يبنى / على السكون فلما تعذر لمضارعة الأسماء بني على أقرب الحركات إلى السكون، وتلك الفتحة. وبنيت إن وثم، لأنهما حرفان، وحركتهما، لالتقاء الساكنين، وفتحهما، طلب للخفة، وقال أبو سعيد: لو ضمتا لتوالت في ثم ضمتان وفي إن كسرة وضمة، ولو كسرتا لتوالت في إن كسرتان، وفي ثم ضمة وكثرة فلم تبق إلا الفتحة. والكسرة أثقل من الفتحة فقل البناء عليها، كما قال البناء على الضمة. وبنيت «أولاء»، لأنهما تضمنت معنى حرف الإشارة، وحركت، لالتقاء الساكنين، وكسرت، على أصله، وها حرف تنبيه، وليست من الاسم ومنهم من يقصرها فيقول: «أولًا» وهي مبنية على السكون، لأن آخرها ألف. قال الكميت:
(٢) وكنت لهم من هؤلاء وهؤلا مجنًا على أني أدم وأقصب وبنيت «أمس»، لأنها تضمنت لام التعريف، والدليل على ذلك وجهان: أحدهما: صحة ظهورها معها، كقول ذي الرمة:
(٣) أو مقحم أضعف الأبطان حادجه بالأمس فاستأخر العدلان والقتب والثاني: صفتها بالألف واللام، كقول يزيد بن الصعق: =
[ ٧١ ]
قال ابن جني: وفي لام الإضافة وبائها / نحو لزيد وبزيد.
ولا كسر في الفعل. والوقف يكون في الاسم نحو: «من وكم» وفي الفعل نحو: خذ وكل، وفي الحرف نحو: هل وبل.
_________________
(١) = ٧ - أبني عبيد إن ظلم صديقكم والبغي تارككم كأمس الدابر وحركتها لالتقاء الساكنين، وكسرتها على أصله، فإن أضفته أو أدخلت عليه الألف واللام أو جمعته أعربته، تقول: كان أمسنا طيبًا ومضى الأمس وجئت أول من أموس. وبنيت «جير»، لأنها حرف، وحركتها، لالتقاء الساكنين، وكسرتها، على أصله. ومعناها التصديق، قال الراجز: أنشده أبو الفتح في الخصائص:
(٢) إني أراك هاربًا من جور من هذه السلطان قلت: جير ومن العرب من يفتحها طلبًا للخفة. قال ابن الخباز: وبنيت «اللام والتاء»، لأنهما / حرفان، وحركا، تقوية لهما لكونهما على حرف واحد، وكسرا، لأن الكسرة من جنس عملهما، وهذا تعليل المبرد. ومن العرب من يفتح اللام والباء وهو قلل، وحكيك «لحق جئناك به» وإنما قال: (لام الإضافة وبائها) لأنهما حرفا جر، وحروف الجر تسمى حروف الإضافة، لأنهما تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء. =
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولم يبن الفعل على الكسر، لما ذكرناه في الضم فأما قوله تعالى: ﴿خذ الكتاب﴾، ﴿وقل اعلموا﴾، و﴿قم الليل﴾ فكسر لالتقاء الساكنين، وذلك عارض لزواله في الوقف. ولا خفاء في أن السكون أخف من الحركة، فلأجل ذلك كثرت المبنيات عليه، فمن الأسماء «من وكم» فبناء «من» لأنها تكون استفهامية، كقولك: «من عندك؟» وبناؤها، لوقوعها موقع حرف الاستفهام. وشرطية، كقولك: «من تكرم أكرم» [وبناؤها، لوقوعها موقع حرف الشرط. وموصولة كقولك: مررت بمن أهواه] وبناؤها، لافتقارها إلى الصلة. ونكرة موصوفة، كقولك: «مررت بمن صالح» أي: بإنسان صالح، وبناؤها، لافتقارها إلى الصفة. وأما «كم» فبنيت لأنها تكون استفهامية كقولك: كم ثوبك؟ وبناؤها، لوقوعها موقع حرف الاستفهام. وخبرية، كقولك: «كم رجل أفضل منك» وبناؤها، لافتقارها إلى الإضافة أو إلى الصفة، وسكون «من وكم» على أصل البناء. وبيني «خذ وكل» لأنهما فعلان، وسكنا لأنه الأصل، وذهب الكوفيون إلى أن الأمر معرب مجزوم بلام الأمر المحذوفة، فالأصل عندهم: لتأخذ ولتأكل، فحذفت اللام والتاء والسكون جزم لا وقف، وهذا عندنا فاسد، لأنه لما حذف منه حرف المضارعة جرى مجرى الماضي في التعري منه فعاد إلى البناء. وبناء «هل وبل» لأنهما حرفان، وسكونهما لأنه الأصل في البناء /. وجميع ما ذكرناه من السواكن تعرض له الحركة لالتقاء الساكنين كقولك: من الرجل. وكم المال؟ ولا عبرة بهذا الكسر، لأنه عارض يزيله الوقف، فاعرف الفرق بين الكسرة في قولك: من الرجل، وبين الكسرة في قولك: «أمس» فإن هذه إذا لاقت متحركًا زالت، وتلك إذا لاقت متحركًا ثبتت كقولك: كم درهمك؟ وأمس قدمت. =
[ ٧٣ ]