قال ابن جني: وتستفهم بأسماء غير ظروف، وبظروف، وبحروف، فالأسماء: «من وما وأي وكم»، والظروف: «متى وأين وكيف وأي حين وأيان وأنى» والحروف: «الهمزة وأم وهل» ولكل واحد من هذه الكلم موضع، فمن سؤال عمن يعقل.
«وما» سؤال عما لا يعقل، «وأي» سؤال عن بعض من كل، يكون لمن يعقل لما لا يقعل، و«كم» سؤال عند العدد، ومتى سؤال عن الزمان و«أين» سؤال عن المكان، و«كيف»: سؤال عن الحال، و«أي حين كمتى»، «وأيان» كذلك أيضًا، وأنى كأين تقول: من عندك؟ فجوابه: زيد أو عمرو أو نحو ذلك.
ولا تقول: حمار ولا فرس ولا نحو ذلك، وإذا قال: ما معك؟ قلت: دراهم أو نحو ذلك، وإذا قال: أيهم عندك؟ قلت: محمد، وإذا قال: أي الدواب ركبت؟ قلت: الأشقر، وإذا قال: كم مالك؟ قلت: ألفان، ونحو ذلك، وإذا قال: متى جئت؟ قلت: يوم لجمعة. وإذا قال: أين كنت؟ قلت: عند زيد، وإذا قال: كيف أنت؟ قلت: صالح، وإذا قال: أي حين قمت؟ قلت: أمس، وكذلك: أيان انطلاقك؟ فتقول: غدًا، قال الله ﷿: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ أي: متى ظهورها وحلولها. وقال تعالى: ﴿يا مريم أنى لك هذا﴾ أي: من أين لك هذا ﴿قالت هو من عند الله﴾.
_________________
(١) «أومل» «وأوجر» فتثبت الهمزة التي هي فاء الفعل، لأنه الأصل. والله أعلم. (باب الاستفهام) قال ابن الخباز: الاستفهام: طلب الفهم. يقال: فهم وفهم وفهامتة، وحقيقته: استعلام المجهول، وقد تجيء على غير ذلك، وقالوا في قوله تعالى:
[ ٥٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ وقوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ إنهم يسألون سؤال تقريع لا سؤال استعلام. وكلم الاستفهام نوعان: حروف وأسماء، فالأسماء نوعان: ظروف وغير ظروف فغير الظروف أربعة: «من وما وأي وكم» والظروف خمسة «متى» (وأيان) وأين وأنى وكيف. وعده «أي حين» في الظروف غير مستقيم، لأن السؤال بأي وإنما صارت ظرفًا، لإضافتها إلى الحين، وهذه الأسماء التسعة متضمنة معنى الهمزة وقائمة مقامها، وفي وضعها موضعها / حكمة بديعة، لأنها عامة للأجناس التي وضعت مسئولا بها عنها، فكل واحد منها في موضعه يغنيك عن تكرير الهمزة وذكر أسماء ذلك الجنس «فمن» سؤال عمن يعقل يعم جميع أسمائهم، تقول: من عندك؟ فيصلح أن يجيبك بالمذكر والمؤنث مفردًاومثنى ومجموعًا فيقول: زيد أو الزيدان أو الزيدون، أو هند أو الهندان أو الهندات، لأن من تحتمل هذا كله، ويجوز أن يجيب بالنكرة فيقول: رجل أو امرأة، إذا كان السائل يجهل النوع المعين، فإن قال: «من عندك من الرجال»؟ لم يجز أن يجيب بالمؤنث، ولو قال: «من عندك من النساء؟ لم يجز أن يجيب بالمذكر لأن التبيين قلل العموم. و«ما» سؤال عما لا يعقل، نعم أسماءه، تقول: ما معك؟ فيقول: دراهم أو دنانير أو ثياب، ويجوز أن يجيب بالمذكر والمؤنث مفردًا ومثنى ومجموعًا للعموم. «وأي» سؤال عن ذوي العلم وغيرهم، لأنها بعض من كل، ومعناها يستبين بإضافتها، تقول: أي الرجال عندك؟ فيقول: زيد وأي الدواب ركبت؟ فيقول: الأشقر. وتقول: أي النساء عندك؟ وأية النساء عندك؟ فمن ذكر حمله على البعض ومن أنث قال: هو امرأة، والذي جاء في التنزيل: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ فذكر. «وكم» سؤال عن العدد، تقول: «كم مالك»؟ فيقول: ألفان، وله أن
[ ٥٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يجيب بأي عدد شاء، وإذا قلنا: إن العدد جملة منقسمة إلى آحاد لم يجز أن يجاب «كم» بالكسور، لأنها ليست بعدد، والاستعمال يخالف هذا. و«متى» سؤال عن الزمان/ وكذلك «أيان» فإذا قلت: متى سرت؟ قال أمس. ولا يجوز أن يقول: غدًا، لأن المسئول عنه ماض. وإذا قال: متى تسير؟ قلت: غدًا، لأن المسئول عنه مستقبل، ولا تقول: أمس، فإن قال «متى» سيرك؟ جاز أن تجيب بأي زمان شئت. وأما قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ فيجوز في «المرسى» أن يكون مصدرًا بمعنى «الإرساء»، ويجوز أن يكون زمان الإرساء وفسره بالظهور والحلول، والمعروف في المرسى الإثبات، يقال: رسى الجبل وأرساه الله. و«أنى وأين» سؤال عن المكان، يقول: أنى زيد؟ فتقول: أمامك، وأين أقمت؟ فتقول: بدمشق، وقوله تعالى: ﴿أنى لك هذا﴾ تفسيره: من أين، والدليل على ذلك قولها في الجواب: ﴿من عند الله﴾. وكيف، سؤال عن الحال، تقول: كيف زيد؟ فيقول: غني أو فقير أو صحيح أو مريض وقالوا: كان القياس ذكر جميع صفاته، ولكنه ترك، لأن السائل لا يتعلق له غرض بمجموعها أو لأن المسئول لا يمكنه الإحاطة بها.
[ ٥٨٢ ]
قال ابن جني: وأما «الهمزة وأم» فقد تقدم ذكرهما في باب العطف، وأما «هل» كقولك: هل قام زيد؟ وهل يقوم جعفر؟، فجوابه: نعم أو لا، وقد تكون «هل» بمعنى قد، قال الله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ أي: قد أتى عليه حين من لدهر، وقال الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم
أي: أقد رأونا؟
واعلم أن «من، وما، وأي» في الاستفهام نكرات غير موصولات، وجميع الأسماء والظروف المستفهم بها مبني لتضمنه معنى حروف الاستفهام «إلا أيا» وحدها، فإنها معربة حملًا على البعض أو الكل، وحركت «الفاء» في كيف «والنون» من أيان، ومن أين، لسكونهما وسكون ما قبلهما. وإعراب الجواب عن إعراب السؤال إن رفع رفعت، وإن نصب نصبت، وإن جر جررت يقول: من هذا؟ فتقول: زيد، فترفع، لأن من مرفوعة بالابتداء، وإذا قال: من ضربت؟ قلت: زيدًا، وإذا قال: بمن مررت؟ قلت: بزيد، فتأتي بحرف الجر، لأن حروف الجر لا تضمر.
_________________
(١) قال ابن الخباز: النوع الثاني: الحروف، وهي ثلاثة: أم والهمزة وهل، فأم حرف عطف وقد ذكرنا حكمها. وأما «الهمزة وهل» فيدخلان على الجملتين الاسمية والفعلية، تقول: أذهب عبد الله؟ أمحمد جالس؟ وهل سافر بشر؟ وهل الحسن قادم؟ قال الله ﷿: ﴿اصطفى البنات على البنين﴾ وقال تعالى: آلله أذن لكم﴾ وقال تعالى: ﴿هل يستطيع ربك﴾ وقال تعالى: ﴿فهل أنتم شاكرون﴾. وقال الشاعر:
[ ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥٠٤ - يا أم أبيض حم يوم فراقكم فهل اللقاء لعاشق مقدور والفرق بين «الهمزة وهل» أن الهمزة تستعمل في الإنكار، إذا قال زيد: غلبني الأمير، قلت منكرًا لرأيه: آلأميروه، وأن الهمزة تقع معادلة لأم وقد شرح وقد جاءت هل بمعنى قد، وفي التنزيل: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ أي: قد أتى لأن الكلام إخبار قال الشاعر:
(٢) سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم أي" أقد رأونا، لأنها لو كانت استفهامًا لجمعت بين حرفين بمعنى واحد. والشدة الحملة. والسفح: الجانب، والقف: الجبل الصغير. والأكم: جمع أكمة، وهي التلال، ويربوع: حي من تميم. وإذا سألت بالهمزة أو بهل فجوابه: «نعم» في الإيجاب «ولا في النفي»، وفي «نعم» ثلاث لغات: نعم ونعم وقد قرئ بهما ونحم بالحاء وهي لغة كنانة، وأجاز أبو علي: نعم بكسر النون اتباعًا للعين و«من وما وأي» في الاستفهام أسماء تامة لا تحتاج إلى صلة، لأن موضوع الاستفهام الإبهام، وموضوع الصلة الإيضاح، فلم يجتمعا، وهن فيه نكرات، لأنهن يجبن بالنكرة. فإن قلت: لإهن معارف، لأنهن يجبن بالمعرفة.
[ ٥٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: إذا أجبن بالمعرفة والنكرة، فالأصل في الأسماء النكرة فيحملن عليها. وجميع الأسماء المستفهم بها مبنية لتضمنها معنى الهمزة إلا «أيا» فإنها معربة، وفي ذلك أربعة أجوبة: قال عبد القاهر: تضمن الاسم معنى الحرف مجوز للبنائ لا موجب، فلذلك لم بين «أي» وقيل أعربت تنبيها على أن الأصل في الأسماء الإعراب، وقيل: أعربت حملًَا على نظيرها، وهو بعض، وهو/ معرب، وقيل: أعربت حملًا على نقيضها، وهو كل وهو معرب، وقد ذكرنا تحريك «أين وكيف» وأما أيان فبنيت على الفتحة لثلاثة أوجه: أحدها: طلب الخفة. والثاني: إتباع للألف. والثالث: إتباع للفتحة التي قبلها. ويقال: إيان، بكسر الهمزة عن الجوهري. ولابد للسؤال من جواب، وحده: ما كان مطابقًا للسؤال، وسمي جوابًا لأنه يقطع السؤال يرفع إن رفع وينصب إن نصب، ويجر إن جر، فإذا قال: من عندك؟ قلت: زيد، فرفعت لأن «من» في موضع رفع بالابتاء، وإذا قال: من ضربت؟ قلت: زيدًا، فنصبت، لأن «من» في موضع نصب بالفعل، ويجوز أن تقول: زيد فترفع، أي: الذي ضربته زيد وهو ضعيف للعدول عن الظاهر وإذا قال: بمن مررت؟ قلت: بزيد، فتعيد الجار لأنه عامل ضعيف لا يضمر ولو أضمر لم يبعد، لأنه قد جرى ذكره في السؤال، وإذا كان رؤبة قد أضمر في قوله: «خير عافاك الله» أي: بخير، إذ قيل له: كيف أصبحت؟ فهذا أولى، ويجوز الرفع، أي: الذي مررت به زيد، وهذا ضعيف أيضًا للعدول عن الظاهر.
[ ٥٨٥ ]