قال ابن جني: اعلم أن البدل يجري مجرى التوكيد في التحقيق والتشديد ومجرى الوصف في الإيضاح والتخصيص، وهو في الكلام على أربعة أضرب: بدل الكل وبدل البعض وبدل الاشتمال، وبدل الغلط والنسيان، ويجوز أن تبدل المعرفة من المعرفة والنكرة من النكرة، والمعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة والمظهر من المضمر، والمضمر من المظهر، والمضمر من المضمر.
فبدل المعرفة من المعرفة: أقام أخوك زيد، وبدل النكرة من النكرة: مررت برجل غلام رجل. والمعرفة من النكرة: مررت برجل زيد، والنكرة من المعرفة: ضربت زيدًا رجلًا صالحًا والمظهر من المضمر نحو قولك: مررت به أبي محمد. قال الشاعر:
على حالة لو أن في القوم خاتمًا على جوده لضن بالماء حاتم
جر حاتمًا لأنه بدل من الهاء في جوده، والمضمر من المظهر نحو قولك:
رأيت زيدًا / إياه والمضمر من المضمر نحو قولك: رأيته إياه. ٢٤/ب
وعبرة البدل أن يصلح الكلام بحذف الأول وإقامة الثاني مقامة تقول في بدل الكل: قام زيد أخوك، ورأيت أخاك جعفرًا، وتقول في بدل البعض: ضربت زيدًا رأسه.
ومررت بقومك ناس منهم، وتقول في بدل الاشتمال: يعجبني زيد عقله، وعجبت من جعفر جهله وغباوته، وتقول في بدل الغلط: عجبت من زيد عمرو وأكلت خبزًا تمرًا، غلطت فأبدلت الثاني من الأول، ولا يقع مثله في قرآن ولا شعر، قال الله ﷿: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فهذا بدل البعض، وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ فهذا بدل الاشتمال.
_________________
(١) (باب البدل) قال ابن الخباز: يقال: بدل وبدل وبديل كعدل وجمل وقتيل، والبدل في اللغة /: كل شيء قام مقام غيره، ومنه قولهم: إن بدلك زيد، أي: إن القائم = ٨٤/ب
[ ٢٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مقامك زيد، وقال ذو الرمة:
(٢) فيا كرم السكن الذين تحملوا من الدار والمستخلف المتبدل وهو عند النحويين عبارة عن كل اسم يعتمده الحديث. وأما جريه مجرى التوكيد في التحقيق والتشديد فلأنك إذا قلت: قام أخوك زيد، فالبدل والمبدل منه عبارتان عن معنى واحد، فكأنك قلت: قام أخوك أخوك. أو قام زيد زيد، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا رأسه، فقد ذكرت الرأس مرتين، الأولى بذكرك ما هو جزء منه أعني زيدًا، والثانية: بذكرك اسمه وكذلك إذا قلت: أعجبني زيد عقله، فقد ذكرت العقل مرتين: إحداهما: بذكر محله المشعر به. والثانية بذكر اسمه، ولا يتجه في بدل الغلط، لأنك إذا قلت: ركبت فرسًا حمارًا لم تذكر الحمار مرتين، ولا الفرس مرتين، لأن أحدهما غير الآخر من كل وجه، فذكر أحدهما لا يدل على ذكر الآخر. وأما جريه مجرى الوصف في الإيضاح والتخصيص، فلأنك إذا قلت: قام أخوك زيد لم يخل بعض من يسمع ذلك من أن يكون غير عارف بالمذكور من كلتا جهتيه اسمه وقرابته فإذا قلت: قام أخوك وهو لا يعرف أن اسمه زيد، وقام زيد وهو لا يعرف أنه أخوك ثم جمعت بين الاسمين، أفدت بمجموعها بيانًا لا يحصل بأحدهما. والبدل أربعة أقسام: أحدهما: أن تبدل الاسم من الاسم، وهما دالان على معنى واحد، وهذا يسمى بدل كل من كل، لأن الثاني دال على جميع ما يدل عليه الأول. الثاني: أن تبدل الاسم من الاسم والثاني دل على بعض ما يدل عليه الأول، وهذا يسمى بدل بعض. الثالث: أن تبدل الاسم من الاسم والثاني دال =
[ ٢٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على معنى يوصف به الأول، وهذا يسمى بدل المصدر / وبدل الاشتمال أيضًا. ٨٥/ب لأن الأول اشتمل على الثاني. الرابع: بدل الغلط: وهو أن يكون الثاني خارجًا في الدلالة عن الأقسام الثلاثة وإنما انحصر في ذلك، لأن كل شيء ضام شيئًا لم يخل من أن يكون دالًا على ما يدل عليه أو لا، فالأول: البدل الأول، والثاني: لا يخلو من أن يدل على جزئه أولا فالأول: البدل الثاني والثاني إما أن (يدل) على معنى فيه أو خارج عنه، فالأول البدل الثالث، والثاني: مهدر مطرح، لأنه لا فائدة فيه فثبت أن الأبدال المستعملة ثلاثة أقسام. واعلم أن أكثر الناس يمنعون أن يقال: الكل والبعض، لأنهما في نية الإضافة فلا يدخلهما اللام، ومنهم من أجاز ذلك، ومنعه ظاهر كلام سيبويه. وجملة مسائل البدل عشرون، أنا أسوقها إليك واحدة واحدة إن شاء الله. أما بدل الشيء من الشيء وهما لمعنى واحد فمسائله ثمان: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة كقولك: قام أخوك زيد، وفي التنزيل: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ والآية تدل على جواز إبدال الضعيفة من القوية، لأن الثانية مضافة، والأولى معرفة باللام قال الراجز.
(٢) عش كعش الطائر الكركي فالكركي بدل من الطائر. الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: مررت برجل غلام رجل، ويجوز أن يكون وصفا. الثالثة: بدل المعرفة من النكرة كقولك: مررت برجل زيد، وهذا حسن، لأن الثاني واضح، وفي التنزيل: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ ﴿صراط الله﴾ الرابع: بدل النكرة من المعرفة كقولك: ضربت زيدًا رجلًا صالحًا وهذا يجوز أن يكون حالًا، ولو مثل بغير النصب لكان =
[ ٢٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أحسن كقولك: مررت بزيد رجل صالح، وفي التنزيل: ﴿لنسعفًا بالناصية﴾، ٨٥/ب ﴿ناصية / كاذبة خاطئة﴾ وقالوا إن كانت لفظ المعرفة ينبغي أن توصف كالآية، وإن لم تكن من لفظها لم تلزم الصفة وتجوز، قال الشاعر فلم يصف:
(٢) فلا وأبيك خير منك إني ليؤذيني التحمحم والصهيل الخامسة: بدل المظهر من المضمر، وقد انطوى عليه التمثيل. السادسة: بدل المضمر من المضمر كقولك: جئت أنت، ويجوز أن يكون توكيدا ورأيتك إياك، ومررت بك بك. السابعة: بدل المضمر من المظهر كقولك: جاء زيد أنا ورأيت زيدًا إياي، ومررت بزيد يي. الثامنة: بدل المظهر من المضمر، ولا يجوز إلا كان المضمر غائبًا كقول الشاعر: وهو الفرزدق:
(٣) على حالة لو أن في القوم حاتمًا على جوده لضن بالمال حاتم ورأيت في معاني الإشنانداني:
[ ٢٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٨٧ - * على جوده ضنت به نفس حاتم * وأجلى من هذا البيت للاتفاق على روايته قول حاتم:
(٢) فنتجت ميتة جنينًا معجلًا عندي قوابله الرجال مستر مستر بدل من الهاء في قوابله، وقالوا: لا يجوز إبدال الظاهر من ضميري المتكلم والمخاطب، لأنهما في غاية البيان فلا بينهما الظاهر الذي هو أنقص منهما فلا تقول: أكرمتني زيدًا، ولا مررت بكم بني تميم. وأجاز الأخفش المسألة الثانية واحتج بقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم﴾. وقال: الذين بدل من الكاف والميم، ورد عليه بأن الذين مبتدأ، و﴿فهم لا يؤمنون﴾ خبره. وأما بدل بعض الشيء من جميعه فمسائله ست: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة / كقولك: ضربت زيدًا رأسه، وفي التنزيل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ وقيل: إن من فاعل حج. الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: ضربت رجلًا يدًا له، وفي التنزيل: ﴿إن للمتقين مفازًا﴾، ﴿حدائق وأعنابا﴾، ﴿وكواعب أترابا﴾، ﴿وكأسًا دهاقًا﴾. الثالث: بدل المعرفة من النكرة كقولك: ضربت رجلًا يده. الرابعة: بدل النكرة من المعرفة كقولك: ضربت زيدًا يدًا له، ورجلًا، ومنه: =
[ ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مررت بقومك ناس منهم. الخامسة: بدل المظهر من المظهر، وقد انطوى عليه التمثيل. السادسة: بدل المظهر من المضمر كقولك: أعجبني وجهك، وسقط منه مسألتان: بدل المضمر من المضمر، وبدل المضمر من المظهر، فلا يجيزون: رأيت زيدًا إياه ولا رأيته إياه لأن الإضمار لا يدل على الجزئية، ومن النحويين من تكلف إجازته بتمثيل عسير، فقال: أقول: نصف الرغيف أكلته إياه فالهاء للرغيف، وإياه للنصف فهذا يدل مضمر من مضمر، وقال: أقول: نصف الرغيف أكلت الرغيف إياه، فإياه للنصف فهذا بدل مضمر من مظهر، وهذا الذي ذكرته لك لا تكاد تجده في كتاب. وأما بدل الاشتمال فمسائله ست: الأولى: بدل المعرفة من المعرفة كقولك: أعجبني زيد عقله. الثانية: بدل النكرة من النكرة كقولك: أعجبني جارية حسن لها، الثالثة: بدل النكرة من المعرفة كقولك: طاب عبد الله خبر بلغني عنه، وفي التنزيل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ وقال أبو عبيدة: قتال مجرور على الجوار. الرابعة: بدل المعرفة من النكرة كقولك: اشتهيت طعامًا طيبه. الخامسة: بدل المظهر من المظهر وقد انطوى عليه التمثيل. الساسة: بدل المظهر من المضمر كقولك: أعجبني حلمك وأنشد / سيبويه ﵀:
(٢) ذرينى إن أمرك لن يطاعا وما ألفيتني حلمي مضاعا وسقطت منه مسألتان: بدل المضمر من المضمر، وبدل المضمر من المظهر، ومن تكلف إجازة هاتين المسألتين في بدل بعض الشيء من جميعه تكلف إجازتهما ها هنا. فإبدال المضمر من المضمر كقولك: «حسن الجارية الجارية أعجبتني هو» =
[ ٢٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإبدال المضمر من المظهر كقولك: الجارية حسنها أعجبتني الجارية هو، فهذه أربع وعشرون مسألة، ولابد من ختم الباب بثلاث مسائل. المسألة الأولى: أن يقال: إذا كان معنى قولك: ضربت زيدًا رأسه ضربت رأس زيد، فهلا قيل: ضربت رأس زيد؟ قلت بينهما فرق من وجهين: أحدهما: أن قولك ضربت زيدًا رأسه يفيد التوكيد. والثاني: أنه يفيد ضرب الرأس متصلًا بزيد، لأنك ذكرت زيدًا ولو قلت: ضربت رأس زيد لجاز أن يكون متصلا به ومنفصلا عنه. المسألة الثانية: اختلف النحويون في العامل في البدل، فذهب قوم إلى أن العامل فيه العامل في المبدل منه، والمبدل منه كالشرط لنفوذه إليه، وهذا قول مهجور. والقول الثاني - وهو الصحيح -: أن العامل فيه محذوف دل عليه الأول، ويدلك على ذلك مجيئه صريحًا في قوله سبحانه: ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ فمن بدل من الذين بتكرير اللام. وقال تعالى: ﴿ومن النخل من طعامها قنوان﴾ فالطلع بدل من النخل بتكرير من، قال عبد القاهر ﵀: حق عامل البدل أن لا يظهر، لأنه مدلول عليه، وفي الإبدال اختصار فإن ظهر فإنما يكون حرفًا، يريد أن الفعل لا يظهر، فأما قوله: / سبحانه: ﴿واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون﴾، ﴿أمدكم بأنعام وبنين﴾ فالجملة الثانية شارحة للأولى كقولك: ضربت رأس زيد قذفته بالحجر. المسألة الثالثة: اختلفوا في المبدل منه، أهو مطرح أم مراد؟ فمنهم من قال: إنه مطرح، لأن الثاني سمي بدلا لقيامه مقامه، ومنهم من قال: إنه مراد واحتج بقول الشاعر:
(٢) إن السيوف غدوها ورواحها تركت قزارة مثل قرن الأعضب
[ ٢٨٠ ]