قال ابن جني: اعلم أن الترخيم: حذف يلحق أواخر الأسماء المضمومة في النداء تخفيفًا. وهو في الكلام على ضربين: أحدهما - وهو الأكثر - أن تحذف آخر الاسم وتدع ما قبله على ما كان عليه من الحركة والسكون. والآخر: أن تحذف ما تحذف وتجعل / ما بقي بعد الحذف اسمًا قائمًا بنفسه كأن لم تحذف منه شيئًا، الأول منهما نحو قولك في حارث: يا حار، وفي مالك: يا مال وفي جعفر: يا جعف، وفي برثن يا برث، وفي قمطر: يا قمط، قال زهير:
يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقه قبلي ولا ملك
الثاني نحو قولك في حارث: يا حار، وفي جعفر: يا جعف.
_________________
(١) ومما يحتج به عليه أن هذا الكلام يستعمل في موضع لو كان فيه كما زعم الفراء لكان فيه من المنافرة مالا يخفى كقوله تعالى: ﴿قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون﴾ فلو كان الأصل أمنا بخير لكان التقدير: قل: الله أمنا بخير أنت تحكم بين عبادك، وهذا كلام لا يأخذ بعضه بحجز بعض. والله أعلم. (باب الترخيم) قال ابن الخباز: وله معنيان: لغوي وصناعي، فاللغوي: التليين، ومنه قولهم: كلام رخيم أي: لين، قال جحيش الهمداني:
(٢) يا حبذا قرينتي رعوم وحبذا منطقها الرخيم ومنه قولهم: رحمه أي: رحمه، قال أبو النجم:
(٣) * مدلل يشتمنا ونرخمه *
[ ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهو عند النحويين عبارة عن حذف أواخر الأسماء المفردة المضمومة في النداء ففي هذا قيود، الأول: الأواخر، وإنما اختص بالآخر لوجهين: أحدهما: أن الأواخر محال التغيير. والثاني: أن معظم الاسم إذا مضى على السلامة كان أدل على باقيه. الثاني: المفردة، وإنما لم ترخم المضاف والمشابه له، لأنهما في النداء مثلهما في غير النداء حيث كانا معربين، فلا أثر للنداء فيهما. الثالث: المضمومة، فلا يجوز ترخيم، النكرة المحضة، لأن النداء لم يغيرها. الرابع: قولنا: في النداء، وإنما اختص ذلك بالنداء، لأن النداء كثير في كلامهم فخففوا فيه الأسماء وأجازوا للشاعر الترخيم في غير النداء / أنشد سيبويه ﵀:
(٢) فإن ابن حارث إن اشتق لرؤيته أو امتدحه فإن الناس قد علموا أراد ابن حارثة، فأما ما أنشده ابن الأعرابي من قوله:
(٣) وضمرة سدى للخطيم بطعنةٍ أرته صغيرات الكواكي نهارا فليس ذلك بترخيم، وإنما أبدل الياء من الباء، لأن الياء في هذا الموضع لا تحرك والباء تحرك، فكره أن يسكن في الوصل ما يحتمل الحركة. وللعرب في الترخيم مذهبان: أحدهما: أن يحذفوا آخر الاسم ويدعوا الباقي قبل المحذوف على ما كان عليه من ضمة أو فتحة أو كسرة أو سكون، تقول في حارث: يا حار، وفي جعفر: يا جعف، وفي برثن إذا شئت: يا برث، وفي هرقل: يا هرق فتبقى الراء على كسرها، والفاء على فتحها، والثاء على ضمها، والقاف على
[ ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) سكونها. وهذا هو الأكثر في كلامهم، لأ (نه) أدل على المحذوف. وأنشد أبو الفتح ﵀ لزهير:
(٢) يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك وقال النابغة:
(٣) فصالحونا جميعًا إن بدالكم ولا تقولوا لنا أمثالها عام أراد: يا عامر، وقد رخمت العرب حارثًا ومالكًا وعامرًا كثيرًا، لأنهم كثيرًا ما يسمون بها وخالف الفراء البصريين في ترخيم هرقل على القول الأول، فقال: أقول: ياهر بحذف القاف واللام، لأني لو أبقيت القاف ساكنة لصار آخره كآخر الحروف، ويقال للمحتج عنه: أخبرنا عن وزن المرخم في قولك: يا حار ما هو؟ فإن قال: هو فعل فقد أخطأ، لأنه فاعل من الحرث. وإن قال: وزنه فاع فيقال له: أهذا وزن موجود في الكلام أم غير موجود؟ فإن قال: موجود فقد أخطأ، وإن قال: غير موجود، فيقال له: لماذا فررت من قولك / يا هرق لئلا يشبه الحروف ولم تفر من قولك يا حار، لأنه على وزن معدوم، والإلزامات في هذا كثيرة. والمذهب الثاني: تنزيل الاسم المرخم منزلة ما لم يحذف منه شيء، لأنهم كرهوا أن يكون النداء لبعض الاسم، فيضمون المكسور والمفتوح والساكن، فيقولون: ياحار ويا جعف ويا هرق، وأما المضموم نحو برثن، فإنك تقول فيه على القولين: يا برث فضمة الثاء في القول الأول هي الضمة التي كانت في حشو الكلمة نحو برثن. وهي في القول الثاني ضمة مستأنفة بمنزلة الضمة في قولك: يا حار.
[ ٣٣٢ ]
قال ابن جني: فإن كان في الاسم زائدتان زيدتا معًا، حذفتا للترخيم معًا، وذلك قولك في حمراء يا حمر أقبل، وفي عثمان: يا عثم أقبل، وفي مروان: يا مرو أقبل. قال الفرزدق:
يا مرو إن مطيتي محبوسة ترجو الحياء وربها لم ييأس
وفي زيدون اسم رجل: يا زيد أقبل، وفي بصري علمًا: يا بصر أقبل، وفي زيدي علمًا: يا زيد هلم، وفي هندات علمًا: يا هند.
فإن كان آخر الاسم أصلًا إلا أن قبله حرف مد زائد حذفتهما جميعًا، لأنهما أشبها الزائدين اللذين زيدا معًا فحدفا معًا، وذلك إذا كان يبقى بعد حذفهما ثلاثة أحرف فصاعدا تقول في ترخيم منصور: يا منص، وفي عمار: يا عم، وفي زحليل يا زحل، فتحذف الطرف / وما قبله لما ذكرت لك، وتقول في ترخيم عماد وعجوز وسعيد: يا عما ويا عجو ويا سعي.
_________________
(١) = ولا تستنكر مثل هذا فإنه كثيرًا ما تتفق الألفاظ وتختلف التقديرات، ولا ينكر ذلك إلا الجاهل بمذاهب كلام العرب. وقال عبد القاهر: العجب ممن يرد على الأئمة وهو لا يعرف مقاصدهم. والحذف من المرخم قسمان: أحدهما: حذف حرف كما مثلنا. والثاني: حذف حرفين وذلك على قسمين: أحدهما: أن يكونا زائدين، والآخر: أن يكونا زائدًا وأصلًا. فالأول سبعة أقسام: الأول: أن تكون الزائدتان للتأنيث، وذلك نحو أسماء وحمراء تقول فيهما علمين: يا أسم ويا حمر، ويا أسم ويا حمر على المذهبين قال لبيد:
(٢) يا أسم صبرًا على ما كان من حدث إن الحوادث ملقي ومنتظر قال ابن الخباز: الثاني: الألف والنون المزيدتان في فعلان وما جرى مجراه من
[ ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأوزان، تقول في ترخيم مروان. يا مرو وفي نعمان: يا نعم، قال الفرزدق:
(٢) يا مرو إن مطيتي محبوسة ترجو الحياء وربها لم ييأس الحباء: العطية، وأنشد سيبويه:
(٣) * يا نعم هل تحلف لا تدينها * الثالث: الياءان المزيدتان للنسب كبصري ومكي، فإذا / رخمتهما علمين قلت: يا بصر ويامك. الرابع: الزائدتان للإلحاق، وذلك نحو علباء وحرباء تقول في ترخيمهما علمين: يا علب ويا حرب. الخامس: الألف والتاء في جمع التأنيث، تقول في ترخيم هندات ومسلمات علمين: يا هند، ويا مسلم. السادس: الزائدان في التثنية نحو: زيدان وعمران تقول في ترخيمهما علمين: يا زيد ويا عمر. السابع: الزائدتان في جمع التذكير نحو زيدين وعمرين تقول في ترخيمهما علمين: يا زيد ويا عمرو، ولك أن تضم ذلك كله،. وعلة حذف الزائدتين معا أنهما زيدا معًا، فلما لم يكن الزائد الأول منفصلًا عن الثاني جريا مجرى الزائد الوحد. وأما ما آخره حرف أصلي وقبله زائد فهو على قسمين: أحدهما: أن يكون على أكثر من أربعة أحرف، والآخر: أن يكون على أربعة أحرف، الأول: نحو منصور وعمار ومسكين، وفي تمثيله بزحليل نظر، لأن اللام الأخيرة مكررة مزيدة، ولعله
[ ٣٣٤ ]
قال ابن جني: ولا تحذف حرف اللين لئلا يبقى الاسم على حرفين. فإن كان الاسم على ثلاثة أحرف لم يجز أن ترخمه، لأنه أقل الأصول، فلم يحتمل الحذف لئلا يلحقه الإجحاف به.
فإن كان الثالث هاء التأنيث جاز ترخيمه، تقول في ترخيم ثبة: ياثب أقبل، ومن قال: يا حار، قال: ياثب أقبل.
_________________
(١) = يرى أن المزيد في المكرر الأول، فإذا رخمتها حذفت الآخر وأتبعته الزائد تقول: يا منص ويا عم ويا مسك، لأنهم إذا حذفوا الأصلي فالزائد أولى، لأن الأصلي الذي قبله الزائد كالزائد حيث حذف فجرى الزائد الذي قبله مجرى الزائد قبل الزائد وإنما اشترط في المزيد أن يكون مدة، لأنه لو كانت الياء والواو غير مدتين لم تحذفا وإن كانتا مدتين (حذفتا) تقول في ترخيم قنور وهبيخ: يا قنو ويا هبي لتحصنها بالحركة ولو كان قبل الآخر ألف منقلبة عن ياء أو واو هما عينان لم تحذف الألف لأنها بدل من أصل، تقول في ترخيم منقاد ومختار: يا منقا ويا مختا بالألف، ولو كانت الياء والواو ساكنتين وقبلهما فتحة لم تحذفا، فلو سميته بفردوس وغرنيق قلت في قول من قال يا حار بالكسر: يا فردو ويا غرني. ومن قال: يا حار بالضم، قال: يا فردا ويا غرنا فيقلب الياء والواو ألفين لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. قال ابن الخباز: والثاني نحو /: عماد وسعيد وثمود، تقول في ترخيمه: يا عما ويا سعي ويا ثمو فتبقى حرف اللين، لأنك لو حذفته لبقي الاسم على حرفين، فنقص على أقل الأصول أنشد سيبويه لأوس بن حجر:
(٢) تنكرت منا بعد معرفة لمي وبعد التصافي والشباب المكرم يريد بها لميس، وتقول في ترخيم يزيد: يا يزي، فلا تحذف الياء لعلتين: أحدهما: النقص على أقل الأصول. والثاني: أن الياء عين الفعل، ومن قال: يا حار فضم قال: يا ثمي، فقلت الواو ياء بعد أن أبدل من ضمة الميم كسرة، لأنه
[ ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ليس في (الأسماء اسم في آخره، واو قبلها ضمة. وتقول في ترخيم يغوث ويعوق: يا يغو (ويا يعو) فثبت الواو للعلتين المذكورتين في إثبات ياء يزيد. ومن قال: يا حار، قال: يا بغي ويا يعي. ولا خلاف بين النحويين في ترخيم ما زاد على ثلاثة أحرف، إن انضمت إليه الشرائط. فإن كان على ثلاثة أحرف فهو قسمان: الأول: الخالي من تاء التأنيث، وهو قسمان: متحرك العين كعمر وساكن العين كعمرو، فالبصريون يمنعون ترخيمه على كل حال لأن أقل عدد تكون عليه الأسماء المتمكنة ثلاثة أحرف مبتدأ به (و) موقوف عليه ووصل بينهما، وما جاء على حرفين قليل جدًا، فلو رخم لعدل به عن الأكثر الغالب إلى الأقل النادر. وذهب الفراء إلى جواز ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف متحرك الأوس فتقول في عمر: يا عم وفي عتق وكبد علمين: يا عن ويا كب، واحتج بأنه إذا رخم كان له نظيره من الأسماء، لأنه قد جاء فيه ما هو على حرفين متحرك الثاني / كيد ودم. وبنى المتبني على ذلك بيتًا من شعره فقال:
(٢) لعمرك ما تنفك عان تفكه عم بين سليمان ومالا يقسم أراد عمر بن سليمان، وهذه القصيدة يمدح بها عمر بن سليمان. وحدثت عن بعض الحمقى أنه ترخيم عمران، وقد جمع هذا بين جهلين: جهلًا بالعربية وجهلًا باسم الممدوح. وأما ما فيه هاء التأنيث نحو قبة وهبة فإنه يمتاز على غيره في الترخيم بحكمين: أحدهما: أنه يجوز ترخيمه وإن كان غير علم، فمن ترخيم العلم قول سحبان:
[ ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يا طلح أكرم من مشى حسبًا وأعطاهم لتالد ومن ترخيم غير العلم قول أبي ذويب:
(٢) أعاذل إن الرزء مثل ابن مالك زهير وأمثال ابن نضرة واقد أراد عاذلة، وإنما جاز ذلك لأنهم ينادون ما يه تاء التأنيث كثيرًا وهي مع ما قبلها بمنزلة اسم ضم إلى اسم. الحكم الثاني: أنه يرخم كثيرًا - وإن كان على ثلاثة أحرف قالوا: يا شا ادجني أراد: يا شاة ادجني أي: أقيمي، يقال: جن أي: أقام قال الأعشى:
(٣) وأدجن بالريف حتى يقال ألا طال بالريف ما قد دجن وإنما جاز ذلك لأن تاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم. ولا يجوز ترخيم النكرة، لأنها لا تخلو من أن تكون شائعة أو مقصودة، فإن كانت شائعة: فهي معربة فلم يؤثر فيها النداء، وإن كانت مقصودة: فلا يعتد بتعريفها لأنها إذا فارقت النداء تنكرت.
[ ٣٣٧ ]
قال ابن جني: واعلم أنك لا ترخم مضافًا ولا مشابهًا للمضاف من أجل طوله، ولا جميع ما كان معربًا من النداء، لأنه لم يكن مبنيًا على الضم فيتسلط عليه الحذف، وتقول في ترخيم كروان: يا كرو أقبل، ومن قال: يا حار قال: يا كرا أقبل بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكذلك الياء في نحو صميان. وتقول في ترخيم ترقوة وعرقوة: يا ترقو ويا عرقو، ومن قال: يا حار قال: يا ترقي ويا عرقي بقلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة، لأنه ليس في الكلام اسم في آخره واو قبلها ضمة، ومثله قولهم: دلو وأدل وحقو وأحق، والأصل: أدلو وأحقو. ففعل بهما من القلب والتغيير ما ذكرت لك /. ٣٢/أ
_________________
(١) قال ابن الخباز: ولا يجوز ترخيم المضاف ولا المضاف إله، أما امتناع ترخيم المضاف فلأنه معرب والمضاف إليه حال محل التنوين، وأما امتناع ترخيم المضاف فلأنه معرف والمضاف إليه حال التنوين، وأما امتناع ترخيم المضاف إليه فلأنه معرب ولأنه غير منادى، وقد جاء ترخيم المضاف إليه في ضرورة الشعر، قال الشاعر:
(٢) خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا أواصرنا والرحم بالغيب تذكر / أراد يا آل عكرمة، ولا ترخم مستغاثا به، لأنه معرب، ولا ترخم مندوبًا ١٠٧/ب لأن المقصود من الندبة شهرة المصيبة، فإذا وفرت حروف الاسم كان أدل على المعنى. ولا يجوز ترخيم المشابه للمضاف، لأنه معرب منون، وجملة الأمر أن مالم يؤثر فيه البناء النداء لم يرخم، لأنه إذا كان معربًا فهو مثله في غير النداء.
[ ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واعلم أن أبا الفتح ذكر في آخر الباب أربع مسائل يفرق بها بين مذهبي الترخيم وكل مسألة أصل من أصول التصريف هي مبنية عليه، وأنا أذكر أصل كل مسألة وأفرعها عليه. الأصل الأول: اعلم أن الواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا عينين كانا أو لامين، والعين نحو قال وباع، واللام نحو غزى ورمى، فإذا كانتا لامين ولاقتا ألفًا هي ضمير أو ألف تثنية أو كانت في بناء المفرد صحتا، فالضمير نحو غزوًا ورميًا، وألف التثنية نحو عصوان ورحيان، والتي في حشو البناء ككروان وصميان، وإنما لم تقلبا ألفا لأنهما لو قلبتا لاجتمع ألفان، وحذف إحداهما واجب فيختل البناء. والكروان: طائر، والصميان: الماضي في الأمور. فإذا سميت بهما قلت في قول من قال: يا حار بكسر الراء: يا كرو ويا صمي فتصحح الواو والياء، وإن تحركتا (وفتح) ما قبلهما، لأنهما حشوان في التقدير، وإن كانتا طرفين في اللفظ، فالألف منوية بعدهما، ولو ثبتت الألف لم تقلبا، فكذلك إذا نويت. ومن قال: يا حار فضم الراء قلت على قوله: يا كرا ويا صما، لأنك جعلت الواو والياء نهاتين للاسم فقلبتهما ألفًا، ومن أمثالهم: «أطرق كرا إن النعام في القرى». والأصل الثاني: أنه ليس في كلامهم اسم معرب في آخره واو أو ياء قبلها ضمة. فقولنا: اسم احترازًا من الفعل فقد جاء فيه يغزو ويدعو، وقولنا: «قبلها ضمة» ١٠٨/أاحترازًا مما قبلها ساكن نحو غزو ورمي / وقولنا: «معرب» احتراز من المبني منه المضمرات هو، ومن الموصلات ذو في اللغة الطائية. فإذا أدى فيها قياس تصريفي إلى أن تقع واو أو ياء في آخر الاسم وقبلها ضمة أبدلت من الضمة كسرة، فإن كان بعدها ياء سلمت كياء القاضي، وإن كان بعدها واو قلبت ياء كياء الداعي، والذي يؤدي إلى ذلك ثلاثة أشياء: الأول: أن يكون الجمع بينه وبين واحده تاء التأنيث، وذلك نحو قلنسوة ورقوة، فإذا جمعته أسقطت التاء، فاللفظ حينئذ قلنسو وعرقو فقد وقعت الواو طرفًا وقبلها
[ ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ضمة. الثاني: أن تسمى بنحو قنسوه وعرقوة وترخم على قول من قال: يا حار بالضم فتقول: يا قلنسو ويا عرقو. الثالث: أن يكون الاسم على فعل ولامه واو نحو حقو ودلو، فإذا جمعته على أفعل ككلب وأكلب قلت: أحقو وأدلو، فأنت في هذه الأحوال كلها تبدل من الضمة كسرة، ومن الواو ياء، فتقول في الأول: رأيت قلنسيا وفي الثاني: يا قلنسي وفي الثالث: رأيت أحقيا، فيصير بمنزلة المنقوص وقد تقدم حكمه. قال الراجز:
(٢) لا صبر حتى تلحقي بعنس أهل الرباط البيض والقلنسي وقال:
(٣) حتى تقضي عرقي الدلي وأنشدني الشيخ ﵀ لذي الرمة:
(٤) تلوي الثنايا بأحقبها حواشيه لي الملاء بأبواب التفاريج =
[ ٣٤٠ ]
قال ابن جني: وتقول في ترخيم شقاوة وعباية: يا شقاو ويا عباي، ومن قال: يا حار قال: يا شقاء ويا عباء أبدل الواو والياء همزة لوقوعهما طرفًا بعد ألف زائدة. فإن سميت رجلًا بحبليان تثنية حبلى قلت على يا حار: يا حبلي أقبل. تحذف الألف والنون وتدع الياء مفتوحة بحالها. ومن قال يا حار لم يجز على قوله ترخيم حبليان، لئلا تنقلب الياء ألفا، فتقول: يا حبلي، وهذا فاسد، لأن ألف فعلى لا تكون أبدًا منقلبة، إنما هي أبدًا زائدة، فعلى هذا فقس، فإن في المسائل طولًا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الأصل الثالث: إذا وقعت الواو والياء طرفين بعد ألف زائدة قلبتهما همزة، فمن الواو: كساء وشقاء، وأصلهما كساو وشقاو، لأنهما من الكسوة والشقوة. ومن الياء: سقاء وقضاء، لأنك تقول في الفعل: سقيت وقضيت، وللتصريفين في ذلك قولان: أحدهما: أن الواو والياء قلبتا همزتين من أول الأمر. ١٠٨/ب والثاني: أن الواو / والياء قلبتا ألفين، لأن الألف التي قبلها زائدة ساكنة، فصارت الواو والياء في التقدير إلى جانب فتحة العين فقلبا ألفًا فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فإذا كان بعد الواو والياء تاء التأنيث فمنهم من يجعل وجودها كعدمها، فيقلب معها كما يقلب مع طرحها فيقول: عباءة كما يقول عباء. قال كعب بن زهير:
(٢) ألما على رسم بذات المزاهر سحيق كأخلاف العباءة داثر ومنهم من يبني الكلمة على التاء فلا يعل، فيقول: عباية وعضاية وغباوة وشقاوة قال امرؤ القيس:
[ ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢٥٦ - كأن سراته لدى البيت قائما مداك عروس أو صلاية حنظل فإذا سميته بعباية وشقاوة، فإن رخمت على قول من قال: يا حار بالكسر قلت: يا عباي ويا شقاو، فلا تقلب الياء والواو، لأنك تنوي التاء، وإن رخمته على قول من قال: يا حار بالضم قلت: يا عباء ويا شقاء، قلبتهما همزتين، لأنهما صارا طرفين. الأصل الرابع: أن الاسم (الذي) على أربعة أحرف إذا كان آخره ألفًا وثنيته رددت ألفه إلى الياء، تستوي في ذلك المبدلة والزائدة، فالمبدلة: كقولك في أعمى: أعميان، وفي أعشى: أعشيان، فالأولى من الياء، والثانية من الواو لقولهم: عمياء وعشواء. والزائدة: إما للإلحاق كقولك في أرطى: أرطيان، وإما للتأنيث: كقولك في حبلى: حبليان. فإن سميته بأعميان جاز ترخيمه على المذهبين فمن قال: يا حار بضم الراء قال: يا أعمي، فقلب الياء ألفًا، وهذا صحيح، لأن ألف أفعل لا تكون إلا منقلبة، وإن سميته بحبليان جاز ترخيمه على قول من قال: يا حار بالكسر، لأنك تقول: يا حبلي فتصح الياء، ومن قال: يا حار بالضم فقد منع المبرد ترخيم حبليان على هذا القول وبه قال أبو الفتح، لأنك / تقول: يا حبلي فتقلب الياء ألفًا، فتصير ألف فعلى منقلبة، وهي إنما تكون ١٠٩/أزائدة ومن لنحويين من يجيزه، لأن هذا تغيير عارض. وها هنا لطيفة فتأملها، اعلم أن إذا قلبنا ياء حبلي فقلنا: يا حبلى، فينبغي لحبلى هذه أن تنون، لأن الألف لا يجوز أن يحكم عليها بأنها للتأنيث، لأنها قد
[ ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) صارت منقلبة، وألف التأنيث لا تكون إلا زائدة. ومما يجرى مجرى التثنية حبلوي، تقول في ترخيمه على قول من قال: يا حار بالكسر يا حبلو بكسر الواو ومن أجاز ترخيمه على المذهب الثاني قال: يا حبلي، فتكون ألف فعلى ها هنا منقلبة عن واو، والواو منقلبة عن ألف التأنيث، ولا خفاء في أن هذه ليست ألف تأنيث وهذه المسائل الأربع تفرق بين مذهبي الترخيم. وأن أضيف إليها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: (إذا سميته) بتمرتان قلت في قول من قال: يا حار بالكسر يا تمرت أقبل بفتح التاء، فإذا وقفت قلت: يا تمرت فلا تبدلها هاء، لأنها في حشو الكلمة. ومن قال يا حار بالضم قال: يا تمرت، فإذا وقف قال: يا تمره. المسألة الثانية: إذا سميته بفاضون قلت في قول من قال: يا حار بالكسر: يا قاض أقبل بضم الضاد. ومن قال: يا حار بالضم قال: يا قاضي فرد الياء المحذوفة، لأنها قد صارت طرفًا. المسألة الثانية: لو سميته بأبيلي قلت في ترخيمه على قول من اقل: يا خار بالكسر: يا أبيل. والمبرد لا يجيز ترخيمه على القول الثاني، لأنه ليس في الأسماء فيعل بضم العين. ومن أجاز ترخيم حبليان في القول الثاني أجاز ترخيم أيبلي. ***
[ ٣٤٣ ]