قال ابن جني: ولفظه يأتي في الكلام على ضربين: أحدهما: ما أفعله، والآخر: أفعل به، الأول نحو قولك: ما أحسن زيدًا وما أجمل بكرًا، وما أظرف أبا عبد الله وتقديره: شيء أحسن زيدًا أي: جعله حسنًا، فما مرفوعة بالابتداء، وأحسن خبرها، وفيه ضمير «ما» وذلك الضمير مرفوع بأحسن، ٣٧/ألأنه/ فعل ماضي، وزيد منصوب على التعجب وحقيقة نصبه بوقوع الفعل عليه، وتزيد كان فتقول: ما كان أحسن زيدًا فالإعراب باق بحاله، وكان زائدة، لا اسم لها ولا خبر، فإن قلت: ما أحسن ما كان زيد رفعته بكان، وهي تامة، وتنصب «ما» الثانية على التعجب أي: ما أحسن كون زيد. الثاني منهما: نحو قولك: أحسن بزيد، أي: ما أحسن زيدًا وأجمل بجعفر أي: ما أجمل جعفرًا فالباء وما عملت فيه في موضع رفع ومعناه: أحسن زيد أي: صار ذا حسن. وأجمل أي: صار ذا جمال كقولك: أجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربى، وأنحز أي: صار ذا مال فيه النحاز فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، ولهذا قلت في التثنية والجمع: يا زيدان أحسن بعمرو، ويا زيدون أحسن بعمرو، ولم تقل: أحسنا ولا أحسنوا، لأنك لست تأمر أحدًا بإيقاع فعل، فلا ضمير إذًا في قولك: أحسن ونحوه.
_________________
(١) (فهو بنصب أكون عطفًا على أصدق) ومن جزمه عطفه على موضع الفاء وما بعدها لأنهما قد حال محل فعل مجزوم، من حيث إنهما جواب التحضيض، وقيل: إنه جزمه على توهم إسقاط الفاء، لأنه لو أسقطها لجاز جزم الفعل. (باب التعجب) قال ابن الخباز: التعجب معنى من المعاني التي تعرض في النفوس، وهو زائد
[ ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على الخبر، لأنه خبر صادر عن حيرة، وقالوا: لا يكون التعجب إلا من شيء خفي سببه وظهر على نظرائه. فأما قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ والله ﷿ لا يخفى عليه خافية. فالمعنى: أنهم قد بلغوا من الصبر على النار حالة يتعجب منها، وأنواع مجاز القرآن كثيرة، ومن لم يرمها بعين البصيرة ارتبك في الشك وحام حول الظاهر فأقضى به حيامه إلى الضلال البعيد نعوذ بالله منه. وللتعجب ألفاظ كثيرة، وأشهرها في الاستعمال صيغتان: ما أفعله وأفعل به. أما ما أفعله: فنحو قولك: ما أحسن زيدًا وما أجمل جعفرًا، وانلظر / هاهنا في ١٢٣/أثلاثة أشياء: الأول: «ما» وهي اسم، والدليل على اسميتها أنها مبتدأة، وهي مبنية، لأنها تضمنت معنى حرف التعجب، واختلف في «ما»: فقال سيبويه: هي نكرة غير موصولة ولا موصوفة، لأن ذلك يناسب التعجب. وقال أبو الحسن: هي موصولة، والفعل الذي بعدها صلتها، وخبرها محذوف تقديره: ما أحسن زيدًا شيء، فعلى هذا بنيت لافتقارها إلى الصلة. وقال الفراء: هي استفهامية، فبناؤها، لأنها تضمنت معنى حرف الاستفهام. الثاني: أحسن: وهو فعل ماضي، والدليل على أنه فعل اتصال نون الوقاية به كقولك: إذا تعجبت من نفسك: ما أحسنتي. وقال الكوفيون: هيو اسم واستدلوا على ذلك بأن التصغير دخله، قال الشاعر:
(٢) ياما أميلح غزلانًا شدن لنا من هؤليائكن الضال والسمر
[ ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والجواب: أن تصغيره لأنه أشبه الأسماء حيث لم يتصرف، وفاعله ضمير «ما» لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وموضعه رفع بأنه خبر «ما» ولا يكون منه مضارع ولا أمر، لأن التعجب إنما يكون من شيء ثابت فكانت صيغة الماضي أولى. الثالث: زيد، وهو مفعول به صريح، ناصبه أحسن، فمعنى قولك: ما أحسن زيدًا. شيء جعل زيدًا ذا حسن كقولك: (أمر) أقعدك عن الخروج، ومهم أشخصك إلينا. وها هنا مسألة لطيفة: إن قال لك قائل: أي مفعول به لا يجوز أن يرفع في باب مالم يسم فاعله؟ فقل: المنصوب على التعجب، لأنك لو بنيت أحسن للمفعول به لحذفت «ما» فاختلت صيغة التعجب. وإذا قلت: ما كان أحسن زيدًا، ففي كان ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ناقصة وهو قول الزجاجي، فعلى هذا يكون أحسن في موضع نصب، لأنه خبر كان وهذا قول رديء، لأن «ما» التي للتعجب لم تدخل على أحسن وإنما دخلت على كان. ١٢٣/ب القول الثاني / أنها تامة، فعلى هذا يكون أحسن في موضع نصب على الحال، وهذا القول أردأ من الأول، لأنه قد صار فعل التعجب فضلة. القول الثالث: أنها زائدة، دخولها كخروجها، وهذا هو الجيد، وقد ذكرنا
[ ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكم زيادتها. وإذا قلت: ما أحسن ما كان زيد فما الأولى للتعجب، وما الثانية مصدرية وقولك: كان زيد صلتها، أي: ماأحسن كون زيد، ولا يجوز نصب زيد، لأن زيدًا من ذوي العلم و«ما» من غير ذوي العلم، فلو جعلت في كان ضميرًا لأعدته إلى «ما» وجعلته زيدًا في المعنى، فتناقضا، فإن جئت مكان زيد بشيء من غير ذوي العلم جاز النصب كقولك: ما أحسن ما كان ثوبك وثوبك. ويجوز أن تقول: ما كان أحسن ما كان زيد ولكل واحدة منهما حكمها. الصيغة الثانية: أفعل به كقولك: أحسن بزيد، وفي التنزيل: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ ﴿أبصر به وأسمع﴾ ولا شبهة في أن الصيغة صيغة الأمر، لأنه فعل موقوف الآخر. واختلف النحويون فيه، فذهب جماعة منهم كأبي علي وأبي الفتح إلى أن اللفظ لفظ الأمر والمعنى معنى الخبر والباء وما عملت فيه في موضع رفع، لأنها فاعل الفعل كقولك: ﴿كفى بالله﴾ فإذا قلت: أجمل بجعفر فمعناه: أجمل جعفر، أي صار ذا جمال كقولك: أجرب الرجل: أي صار ذا إبل جربى، يجوز أن يكون واحد الجربى أجرب وجرباء، ويقال في جمع الأجرب: جرب، أنشد أبو عليه ﵀ لدريد:
(٢) ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالي أينق جرب ويقال في جمع جرب: جراب، قال الشاعر:
[ ٣٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٠٠ - وفينا وإن نحن اصطلحنا تضاغن كما طرأ وبار الجراب على النشر ٢٤/أوأنحز الرجل، أي: صار ذا مال فيه النحاز، المال ها هنا الإبل /. والنحاز: داء يأخذ الإبل في رئاثها - عن الجوهري ولا ينكر أن يكون اللفظ على طريقة والمعنى على خلافها، ألا ترى أنا نقول: غفر الله له، فلفظه خبر ومعناه دعاء. ومما يدل على أن الفعل به ليس بأمر توحيده في الجمع والتثنية كقولك: يا زيدان أحسن بعمرو، ويا زيدون أحسن بعمرو، وتذكيره مع المؤنث كقولك: يا هند أحسن بعمرو ولو كان أمرًا صريحًا لقلت: أحسنا وأحسنوا وأحسني. وذهب أبو إسحاق الزجاج وبه قال الزمخشري من المتأخرين إلى أنه أمر صريح، فالباء وما عملت فيه في موضع نصب بأنها مفعول. وإنما لم يثن الضمير ولم يجمع ولم يؤنث، لأن الغرض الأمر بجنس المخاطب. مسألة: لا يجوز أن تقول: بزيد أحسن ولا زيدًا ما أحسن ولا ما زيدًا أحسن لأن فعل التعجب غير متصرف، لأنه جرى عندهم مجرى المثل حيث دل على المبالغة والأمثال لا تغير.
[ ٣٨٥ ]
قال ابن جني: واعلم أن فعل التعجب إنما مبناه من الثلاثي تقول: قام زيد ثم تقول: ما أقومه وما أقعده فإن تجاوز الماضي ثلاثة أحرف لم يجز أن تبني منه فعل التعجب وذلك نحو: دحرج واستخرج، فإن أردت ذلك قلت: ما أشد دحرجته، وما أسرع استخراجه، وكذلك ما أشبهه، وكذلك الألوان والعيوب الظاهرة لا تقول من الحمرة: ما أحرمه ولا من الصفرة: ما أصفره، ولا من الحول: ما أحوله. ولا من العرج: ما أعرجه، فإن أردت ذلك قلت: ما أشد حمرته، وما أقبح حوله وعرجه، وكل ما جاز فيه ما أفعله جاز فيه أفعل به، وهو أفعل منك، وما لم يجز فيه ما أفعله لم يجز فيه أفعل به ولا هو أفعل منك، تقول: ما أحسن أخاك وكذلك تقول: أحسن به وهو أحسن منك، ولاتقول: ما أحمره، وكذلك لا تقول: أحمر به، ولا هو أحمر منك، ولكن تقول: ما أشد حمرته، وكذلك تقول: أشدد بحمرته، وهو أشد منك حمرة وأقبح بحوله، وهو أقبح حولًا منك.
_________________
(١) قال ابن الخباز: واعلم أن فعل التعجب في الأصل ثلاثي مجرد نقل بالهمزة فتعدى إلى المفعول به، وهو في الأصل: فعل، كجلس وفعل كفرح وفعل كظرف تقول: ما أجلسه وما أفرحه وما أظرفه. وها هنا نكتة: وهو أنهم لا ينقلونه بالهمزة حتى ينقلوه إلى فعل بالضم إن كان مفتوح العين أو مكسورها كأنهم قالوا: جلس وفرح لأن التعجب من أبواب المبالغة فنقل الفعل الذي يثنى منه إلى بنائها وليس كل فعل يبنى منه فعل التعجب، فالذي يجوز بناؤه منه ما ذكرناه، وما كان في معناه. والذي يمتنع بناؤه منه أربعة أنواع: الأول: أن يكون الفعل ثلاثيًا ميزدًا، وذلك نحو: استغفر وانطلق وتكسر لا يجوز بناء فعل التعجب منه، لأن هذه الزوائد لمعان، فإن حذفتها زالت، وإن أثبتها لم يمكن الإتيان بالهمزة. الثاني: الرباعي، يستوي في ذلك المجرد منه كدحرج، والمزيد منه كأقشعر، لأنه لا يمكن إدخال خمزة النقل عليه. الثالث: أفعال الألوان، يستوي / في ذلك مجردها كسود ١٢٤/ب وزرق ومزيدها كاسود وابيض. الرابع: أفعال العيوب الظاهرة، وكعمي وعور
[ ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعرج وحول وزمن، وعلة هذين النوعين من وجهين: أحدهما: أن لأصل في أفعالهما على أن تستعمل على أكثر من ثلاثة أحرف: والثاني: أنها مخلق ثابتة لا تزول فجرى مجرى الأعضاء كاليد والرجل، فكما لا تقول من اليد ما أيداه، ومن الرجل: ما أرجله، كذا لا تقول: ما أسوده ولا ما أعوره وأجاز الكوفيون: التعجب من فعلي السواد والبياض، واحتجوا بأنهما أصل الألوان. واعلم أن ما أفعله وأفعل به، وهو أفعل منك أخوات، لأن المراد بهن كلهن التفضيل، فكل ما امتنع فيه ما أفعله امتنع فيه أفعل به، وهو أفعل منك فكما لا تقول ما أسوده وما أعوره لا تقول: أسود به ولا أعور به، ولا هو أسود منك وأعور منك. وإن أردت التعجب من شيء من هذا النحو واستعماله مع أفعل التفضيل بنيت فعل التعجب وأفعل التفضيل مما يجوز بناؤهما منه، أعني الفعل الثلاثي، وجئت بالمصدر الذي للفعل الذي لا يجوز بناء فعل التعجب منه فنصبته على التعجب بعد ما أفعله، وجررته بعد أفعل به، ونصبته على التمييز بعد أفعل التفضيل، فقلت: ما أسرع دحرجته، وما أحسن انطلاقه وأكثر باستغفاره، وهو أشد بياضًا منك. وكل ما جاء فيه بناء ما أفعله وأفعل به جاز أن يبنى منه هو أفعل منك تقول: ما أحسنه وأحسن به وهو أحسن منكو لأن المراد بهن كلهن التفضيل كما ذكرنا وأسماء الأعيان لا شيء منها (يبنى منه) ما أفعله ولا أفعل به ولا أفعل التفضيل ولكن يجاء بها منصوبة على التعجب أو على التمييز تقول: ما أكثر ماله، وما أعز نفره، وأكثر بماله وأعزز بنفره، و﴿أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا﴾. ***
[ ٣٨٧ ]