قال ابن جني: الحال: وصف هيئة الفاعل أو المفعول به، وأما لفظها: فإنها نكرة تأتي بعد معرفة، قد تم عليها الكلام، وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى، والعامل في الحال على ضربين: متصرف، وغير متصرف، فإذا كان العامل متصرفًا، جاز تقديم الحال عليه وتأخرها عنه.
تقول في المتصرف: جاء زيد راكبًا، وجاء راكبًا زيد، وراكبًا جاء زيد، كل ذلك جائز، لأن جاء متصرف، والتصرف: هو التنقل في الأزمنة تقول: جاء يجيء مجيئًا فهو جاء، وكذلك أقبل محمد مسرعًا، وأقبل مسرعًا محمد، ومسرعًا أقبل محمد، لأن أقبل متصرف.
_________________
(١) = كان زيد قائمًا، واسم إن كقولك: إن زيدًا قائم، وحال كقولك: جاء زيد راكبا، فهذه المنصوبات هي المرفوعات في المعنى، وتنقسم بعبارة أخرى إلى قسمين: إلى فضلة، وإلى عمدة، فالفضلة ما يجوز تركه، وهو الحال، والتمييز، والمستثنى، والعمدة: ما لا يجوز تركه وهو خبر كان واسم إن (وخبر كان في الأصل خبر المبتدأ، واسم إن) في الأصل المبتدأ، وكل واحد منهما أحد جزائي الجملة. (باب الحال) قال ابن الخباز: الحال: عبارة عن وصف هيئة الفاعل عند صدور الفعل عنه، أو المفعول عند وقوع الفعل به، فالأول: كقولك: جاء زيد راكبًا، والثاني: كقولك: كلمت هندًا جالسة/ ويجوز وقوعها منهما لجواز اشتراكهما في الحال ٧٥/ب الواحدة، وهي إما مجموعة: كقولك: لقيتك راكبين ومنه قول عنترة:
(٢) متى ما تلقني فردين ترجف روانف إليتيك وتستطارا وإما مفرقة: كقول العرب: لقيته مصعدًا منحدرًا، فمصعد للهاء، ومنحدر للتاء. =
[ ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإعراب الحال النصب، لأنها أشبهت المفعول بوقوعها فضلة في الكلام، ولذلك لزم أن تكون فضلة، لأنها لو كانت غير فضلة لم تستحق النصب. وإنما وجب تنكيرها، لأنها تشبه التمييز، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد، احتمل المجيء أن يكون على ضروب وصفات مختلفة؟ ! فإذا قال: راكبًا، بين هيئة المجيء، كما أنه إذا قال: لي عشرون، احتمل أجناسًا من المعدودات، فإذا قال: درهمًا، فقد بين ما وقع عليه العشرون. وإنما لزم تعريف صاحبها، لأنه لو كان نكرة لكان الاتباع أولى كقولك: جاءني رجل راكب، وأما في الحديث من قوله ﵇: «فجاء على فرس سائقًا» فسائقا حال من فاعل جاء. ويجوز تنكير صاحبها إذا قدمت عليه، أنشد سيبويه ﵀:
(٢) وبالجسم مني بينا لو علمته سحوب وإن تستشهدي العين تشهد وإذا قلت: جاء زيد راكبًا، فالراكب هو زيد في المعنى، فهذا معنى قوله: (وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى). ولا يخلو العامل فيها من أن يكون متصرفًا أو غير متصرف، فالمتصرف من صفات الفعل، لأن الفعل بني من المصدر ليدل على الحدث والزمان مقترنين، ٥٨/أفلذلك من صيغة إلى صيغة كقولك: /ضرب يضرب اضرب، فإن كان العامل فعلًا متصرفًا، جاز تقديمها عليه قياسًا على المفعول، تقول: راكبًا جاء =
[ ٢٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = زيد، ومسرعًا أقبل محمد، كما تقول: عمرًا ضرب زيد، لأنها أفعال متصرفات، قال سويد بن أبي كاهل:
(٢) مزيدًا يخطر ما لم يرنين فإذا أسمعته صوتي انقمع ومن كلامهم: شتى تؤوب الحلبة. ويجري مجرى الفعل أسماء الفاعلين والمفعولين كقولك: أضحاكين قائم أخوك؟ وما مسرعتين مذهبة أختاك، وأبتسمين حسن وجوهكما، لأنها أسماء تشارك الفعل في الاشتقاق، وتجري عليه. وقال لنا الشيخ ﵀: إذا كان اسم الفاعل والمفعول صلة للام لم يجز تقديم الحال عليه تقول: زيد المنطلق مسرعًا، ولا يجوز زيد مسرعًا المنطلق، لتقديمك بعض الصلة على الموصول.
[ ٢٠٤ ]
١٨/أقال ابن جني: فإن لم يكن / العامل متصرفًا، لم يجز تقديم الحال عليه.
تقول في غير المتصرف: هذا زيد قائمًا، فتنصب قائمًا على الحال بما في هذا من معنى الفعل، لأن ها للتنبيه، و«ذا» للإشارة، فكأنك قلت: أنبه عليه قائمًا، وأشير إليه قائمًا. ولو قلت: قائمًا هذا زيد، لم يجز، لأن هذا لا ينصرف، قال جرير:
هذا ابن عمي في دمشق خليفةً لو شئت ساقكم إلى قطينا
فتنصب خليفة بهذا أو بالظرف، وتقول: زيد في الدار قائمًا، فتنتصب قائمًا على الحال بالظرف، ولو قلت: زيد قائمًا في الدار لم يجز، لأن الظرف لا يتصرف.
وتقول: مررت بزيد جالسًا، ولو قلت: مررت جالسًا بزيد، والحال لزيد لم يجز، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه، وتقول: مررت بهند جالسة، ولا يجوز: مررت جالسة بهند، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وإن لم يكن العامل متصرفًا لم يجز تقديم الحال عليه، لأنه بعد من الفعل أيما بعد لفقد التصرف، فمن ذلك قولنا: هذا زيد قائمًا يجوز رفع قائم ونصبه، فرفعه من خمسة أوجه: الأول: أن يكون «هذا» مبتدأ وزيد مبتدأ ثانيًا، وقائم خبر زيد، والجملة خبر هذا. (الثاني: أن يكون «هذا» مبتدأ وقائم خبره، وزيد خبر مبتدأ محذوف) الثالث: أن يكون هذا مبتدأ وزيد خبره، وقائم خبر مبتدأ محذوف. الرابع: أن يكون هذا مبتدأ، وزيد بدلًا منه، وقائم خبر هذا. الخامس: أن يكون هذا مبتدأ وزيد خبره، وقائم بدلًا منه. وأما النصب فعلى الحال، وفي العامل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون «ذا»، لأن فيه معنى أشير. الثاني: أن يكون «ها» لأن فيه معنى أنبه. الثالث: أن يكونا كلاهما =
[ ٢٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عاملين. وفيه نظر، وما ذكرته إلا بعد أن سمعته، ووجه / ضعفه عندي ترادف ٥٨/ب العاملين على معمول واحد. ولا خلاف في جواز تقديم قائم على زيد تقول: هذا قائمًا زيد، وكذلك كل حال يجوز تقديمها على صاحبها، أنشد أبو سعيد:
(٢) أترضى بأنا لم تجف دماؤنا وهذا عروسًا باليمامة خالد ولا يجوز تقديمها على «هذا»، لأنه غير متصرف، فإن أعملت «ها» فيها جاز أن تقول: ها قائمًا ذا زيد، لأنك لم تقدمها على العامل. ومن ذلك زيد في الدار قائمًا، يجوز رفع قائم ونصبه، فالرفع على أن يكون خبر زيد، وفي الدار متعلق به. والنصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار الذي يتعلق به الجار، ويجوز: في الدار زيد قائمًا، وفي الدار قائمًا زيد، لأنك لم تقدمها على العامل. ولا يجوز: قائمًا زيد في الدار، ولا قائمًا في الدار زيد، لأنك قد قدمتها على العامل. واختلفوا في قولنا: زيد قائمًا في الدار، فسيبويه لا يجيزه، لأن العامل غير متصرف وأبو الحسن يجيزه، لأن الحال وقعت بين جزءين، أحدهما محتاج إلى الآخر، فتقديمها كلا تقديم، وينصر قوله بيت الفرزدق:
(٣) أبنو كليب في الفخار كدارم أم هل أبوك مدعدعا لعقال
[ ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتقول: مررت بزيد جالسًا، [فجالس] حال من زيد. واختلفوا في جواز تقديمها عليه كقولك: مررت جالسًا بزيد، فمنهم من لم يجزه، لأن العامل في زيد «الباء»، وهي غير متصرفة. ومنهم من أجاز، واحتج بقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافلة للناس﴾ وأجاب المانعون بأن كافة حال من الكاف، وكذلك قولنا: مررت بهند جالسة. ٥٩/أوقلت للشيخ / ﵀: أيجوز مررت جالسًا بزيد، على أن يكون جالس حالًا من التاء؟ فقال: نعم. على أن يكون جالس بمعنى منجد، وأنشدنا:
(٢) قل للفرزدق والشفاهة كاسمها إن كنت كارة ما أمرتك فاجلس
[ ٢٠٧ ]
باب: