قال ابن جني: إذا استفهمت «بمن» عن الأعلام والكنى، فإن رفعت، كان على الظاهر، وإن شئت حكيت الإعراب، إذا قال: رأيت زيدًا، قلت: من زيد؟ وإن شئت من زيدًا، وإذا قال: مررت بزيد، قلت: من زيد؟ وإن شئت من زيد، وإذا قال لقيت أبا محمد، قلت: من أبو محمد؟ وإن شئت: من أبا محمد؟ ولو قال: رأيت أخاك، أو كلمت غلامك، أو نحو ذلك، لرفعت فقلت: من أخوك؟ ومن غلامك؟ لأنأخاك وغلامك ليسا علمين ولا كنيتين.
فإن عطفت فقلت: ومن زيد؟ أو فمن زيد؟ رفعت مع العطف ألبتة.
_________________
(١) (باب الحكاية) قال ابن الخباز: وهي من قولك: حاكيت الشيء إذا شاكلته، وبهذا المعنى هي عند النحويين قال صاحب الكشاف: الحكاية: أن تجيء بالقول على استبقاء سيرته الأولى. ووقعت الحكاية في كلام العرب بعد ثلاثة أشياء: من، وأي، وفعل الول وتصاريفه، هذا هو الأكثر، وقد حكوا الجمل المسمى بها، لإلم يغيروها، قال رؤبة:
(٢) سميتها إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن زميت وأجروا سمعت مجرى قلت، لأن المسموع يحكى كالمقول قال ذو الرمة:
(٣) سمعت الناس ينتجعون غيثا فقل: لصيدح انتجعي بلالا
[ ٥٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا ينشد إلا برفع الناس، لأنه سمع قائلًا يقول: الناس ينتجعون غيًا، فحكى ما سمعه، وحدثت أن بعض الحمقى أنشد بنصب الناس، وبفتح الباء من بلال، ولا خفاء في جهله بالبيت، لأن ذا الرمة يمدح بلال بن برده، وصيدح اسم ناقته وهو «فيعل» من صدح إذا صوت. فإذا سألت «بمن» فالسؤال بها على قسمين: الأول: أن يكون عن معرفة والثاني: أن يكون عن نكرة، فالمعرفة قسمان: علمٌ، وغير علم، فالعلم: نحو زيد وأبي محمد وبطه، وللعرب فيه مذهبان: أما أهل الحجاز فيحكون إعرابه إذا سألوا عنه رفعًا ونصبًا وجرًا، فإذا قلت: جاءني زيد أو قام أبو محمد قال: من زيد (و) من أبو محمد، وإذا قلت: رأيت زيدًا وكلمت أبا محمد، قالوا: من زيدًا؟ ومن أبا محمد؟ وإذا قلت: مررت بزيد أو مررت بأبي (محمد) قالوا: من زيد؟ ومن أبي محمد؟ وإنما حكوا الإعراب ليعلم السائل المتكلم أن سؤاله عمن ذكره، لأنه لفظ به كما لفظ به، والحكاية مخالفة للأصل، لأنه لا يلزم من كون الاسم معربًا إعرابًا خاصًا في كلام المسئول إعرابه ذلك الإعراب في كلام السائل، لأن العاملين مختلفان. فإن عطفت فلت لمن قال: رأيت زيدًا: فمن زيد أو ومن زيد، بطلت الحكاية لأنك لما جئت بحرف العطف علم أنك تسأله عمن ذكره لعفطك على كلامك. وبنو تميم يرفعون جمع ذلك، فيقولون لمن قال: جاءني زيد، أو رأيت زيدًا، أو مررت بزيد: من زيد؟ لأن جهتي الكلامين مختلفتان. وغير العلم: نحو: المضاف والمعرف باللام لا يحكي، فإذا قال: رأيت أخاك أو مررت بالرجل، قلت: / من أخوك؟ ومن الرجل؟ . وإنما اختصت الحكاية بالعلم، لأنها باب من أبواب التغيير، والأعلام موضوعة على التغيير، وهي شاذة فلا تطرد في غيره، وإذا قلت حاكيًا: من زيدًا؟ ومن زيد؟ كان من في موضع رفع بالابتداء والمنصوب والمجرور بعده مرفوع الموضع، لأنهما خبره.
[ ٥٩٢ ]
قال ابن جني: فأن سألت «بمن» عن نكرة حكيت الإعراب في «من» نفسها، إذا قال: رأيت رجلًا، قلت: مناه، وإذا قال: جاءني رجل، قلت: منو، ومررت برجل، فتقول: مني، وعندي رجلان، فتقول: منان، وعندي امرأة، فتقول: منه، وعندي امرأتان، فتقول: منتان، ورأيت رجلين، فتقول: منين. ومررت بامرأتين، فتقول: منتين، وعندي رجال، فتقول: / منون، ومررت بنساء، فتقول: منات.
فإن وصلت أسقطت العلامة من الجميع، فتقول إذا قال: رأيت نساء، أو كلمني رجل، أو مررت بامرأة: من يا فتى في هذا كله.
وإذا سألت «بأي» أعربتها في الوصل والوقف. تقول: جاءني رجل، فتقول: أي يا فتى، ولقيت امرأة فتقول: أية، ومررت برجلين فتقول: أيين، ولقيت نساء فتقول: أيات يا فتى.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وأما النكرة فإذا سألت عنها «بمن» فإن كانت مفردة قابلت حركة الإعراب في لفظ المسئول بما يجانسها من حروف اللين في كلامك، فإذا قال: جاءني رجل قلت: منو، وإذا قال: رأيت رجلًا قلت: منا، وإذا قال: مررت برجل، قلت مني، واختلف النحويون في هذه الحروف، فمنهم من قال: حركت النون ومطلت الحركة، فنشأت المدة، وهذا رديء، لأن «من» مبنية على السكون. ومنهم من قال: ألحقت المدات، وحركت النون قبلهن اتباعًا لهن لئلا يجتمع ساكنان. وإن كانت مثناة أو مجموعة في التذكير والتأنيث جئت بأدلة هذه المعاني، فإذا قال: جاءني رجلان، قلت: منان، وإذا قال: رأيت رجلين أو مررت برجلين، قلت: منين. وإذا قال: جاءني رجال، قلت: منون، وإذا قال: رأيت رجالًا ومررت برجال، ٌلت: منين، والنون ساكنة في هذا كله، لأنه في موضع الوقف، فإذا قال: جاءتني امرأة، أو رأيت امرأة، أومررت بامرأة. قلت: منه بهاء ساكنة للتأنيث في الجميع وإذا قال: جاءتني امرأتان. قلت: منتان، وإذا قال: رأيت امرأتين أو مررت
[ ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بامرأتين قلت: منتين، تسكن نون «من» والنون التي بعد المدة، وإذا قال: جاءتني نساء، ورأيت نساء، أو مررت بنساء، قلت: منات بتاء ساكنة في الجميع. واعلم أن هذه الزوائد ليست بإعراب، وإنما هي أدلة على أحوال المسئول عنه، وذلك لأن الإعراب يزول في الوقف ويثبت في الوصل. وهي تثبت في الوقف وتزول في الوصل، فإذا وصلت، قلت: من يا فتى في الجميع وأما قول الشاعر:
(٢) أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلامًا ففيه شذوذان: إثبات العلامة في الدرج، وتحريك النون التي حقها السكون وهو من لحن الفقهاء، لأنه يعرض لهم في بعض المسائل الخلافية، وإذا قال: رأيت رجلًا وامرأة، قلت: «من، ومنه» وإذا قال: مررت بامرأة وكلمت رجلين، قلت: «من، ومنين» تحذف العلامة من الأول، لأنه موصول، وتثبتها في الثاني، لأنه موقوف عليه. فإن قلت فلماذا أعادوا اللفظ المعرفة في السؤال ولم يعيدوا لفظ النكرة؟ قلت: لأن السؤال في المعرفة واقع على صفتها، فأعيد لفظها، لأنه لابد من ذكر الموصوف مع الصفة، والسؤال في النكرة واقع على ذاتها فلم تحتج إلى إعادة لفظها، لأنها كذكر الموصوف وحده. وإذا سألت «بأي» عن المعرفة لم تحك، فإذا قال: رأيت أبا محمد، قلت: أي أبو محمد؟ يستوي قول أهل الحجاز وبني تميم في الرفع، وذلك لأن «أيا» ظهر فيها الإعراب، فرفعوا ما بعدها ليشاكلها، «ومن» لم يظهر فيها الإعراب.
[ ٥٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإذا سألت بها عن نكرة حكيت الإعراب والتأنيث والتثنية والجمع، فإذا قال: جاءني رجل، قلت: أي، وإذا قال: رأيت رجلًا، قلت: «أيا». وإذا قال: مررت برجل، قلت: «أي» وهذا إعراب، لأن أيا اسم متمكن. فإذا وقفت عليه مرفوعًا أو مجرورًا حذفت التنوين والحركة، وإذا وقفت عليه منصوبًا أبدلت من التنوين ألفًا، وإذا وصلت أثبت/ الحركات والتنوين. وإذا قال: جاءني رجلان، قلت: أيان، وإذا قال: رأيت رجلين أو مررت برجلين، قلت: أبين، فإذا وصلت حركت النون، وإذا وقفت أسكنتها، وإذا قال: جاءتني امرأة أو رأيت امرأة أو مررت بامرأة، قلت: أية، فإن وصلت، قلت: أية يا فتى وأية يا فتى وأية يا فتى، وإذا قال: جاءتني امرأتان، قلت: أيتان، وإذا قال: رأيت امرأتين أو مررت بامرأتين، قلت: أيتين، وإذا قال: جاءتني نساء أو رأيت نساء أو مررت بنساء، قلت: أيات وأيات، وكل هذه العلامات تثبت في الوصل وعلة ذلك كله أن «أيا» معربة فخالفت «من» لأنها مبنية. وأما مسائل القول في الحكاية فحاصلها: أن الجملة تحكي بعده ولا تغير، كقولك قال زيد: عمرو منطلق، لأنها لو غيرت لم تكن المقولة، ولو سمعت رجلًا يلحن بأن قال: حاطبت أخوك، وجاز أن تحكى كلامه جريًا على سنن القول. وجاز أن ترده إلى الإعراب الصحيح، لأنه هو الأصل، فتقول حاكيًا: قال: خاطبت أخوك، وغير حاك: خاطبت أخاك.
[ ٥٩٥ ]