قال ابن جني: الكلمة الموصولة على ضربين: اسم، وحرف، فالأسماء الموصولة: الذي والتي، وتثنتيهما، في الرفع: اللذان واللتان، وفي الجر والنصب: اللذين واللتين، وجمع الذي: الذين في كل حال.
وجمع التي: اللاتي، واللائي، واللاء، وجمع اللاتي: اللواتي، واللائي: اللوائي، ومن وما وأي، والألف واللام، في معنى الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، والأولى في معنى اللذين.
واعلم أن هذه الأسماء لا تتم معانيها إلا بصلات توضحها وتخصصها، ولا تكون صلاتها إلا الجمل والظروف، ولابد في الصلة من ضمير يعود إلى الموصول.
_________________
(١) (باب الموصول والصلة) قال ابن الخباز: حد الموصول: ما لابد له في تمامه اسمًا من جملة يشفع بها، والجملة تسمى صلة لأنها وصلته أو لأنها وصلت به، ويسمى ما لحقته موصولًا، ١٥٩/ألأنه وصل بها والموصول على ضربين: أسماء / وحروف، وكون الاسم موصولًا بعيدٌ في القياس، لأن حقه أن يقوم بنفسه ولا يحتاج إلى غيره، وكون الحرف موصولًا مناسب لحاله، لأنه دال على معنى في غيره. ونبدأ بذكر الأسماء، لأن لها التقدم على الأفعال والحروف، فمنها: الذي، والألف واللام فيها زائدتان غير معرفتين، لأن من وما الموصولتين معرفتان، وليس فيهما ألف ولام وفيه أربع لغات: الذي بتخفيف الياء، والذي بتشديدها قال الشاعر: أنشده أبو سعيد:
(٢) وليس المال فاعلمه بمال وإن أغناك إلا للذي
[ ٤٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والذ بحذف الياء وكسر الذال، أنشد أبو سعيد أيضًا:
(٢) والذ لو شاء لكانت برًا وجبلًا أصم مشمخرًا والذ بسكون الذال، أنشد الواحدي ﵀:
(٣) ولم أر بيتًا كان أعجب ساكنًا من الذ به من آل عزة عامر فإن ثنيته قلت: اللذان في الرفع، واللذين في الجر والنصب، وهو معرب في التثنية لأن التثنية لابد لها من الحروف، وهو يفيد الإعراب، وقد قرئ بتشديد نونه، وفي التنزيل: ﴿اللذان يأتيانهما﴾ وفيه: ﴿ربنا أرنا الذين أضلانا﴾ جعلوا التشديد عوضًا من ياء الذي المحذوفة وتحذف نونه في ضرورة الشعر، قال:
(٤) أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
[ ٤٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإن جمعته قلت: الذين في كل حال، وهو مبني، جعلوا الجمع بمنزلة المفرد في البناء، لأن الجمع يخترع له صيغ كالواحد، ومنهم من يحذف منه الألف واللام في الجمع. وقرئ: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ ومنهم من يعربه إعراب الزيدين، فيقول: اللذون في الرفع، والذين في الجر والنصب، لأن جمع الاسم يؤذن بتمكينه في الاسمية فلذلك أعربه. ومنها التي، وفيها من اللغات ما في الذي، وتثنيتها كتثنيتها، تقول: اللتان ١٥٩/ب واللتين، ويجوز تشديد نونها، وتقول في جمعها / اللاتي كالقاضي، واللات كالقاض واللاء كاللاغ، واللائي كالاغي، وقال أبو علي في الحجة: إن وزن اللاتي واللائي فاعل، وتقول في جمعها: اللواتي واللوائي، قال الشاعر:
(٢) من اللواتي والتي واللاتي زعمن أني كبرت لداتي وقال أيضًا:
(٣) أمنزلتي مي سلام عليكما هل الأزمن اللائي مضين رواجع وأنشد ابن السراج ﵀:
(٤) فإن أدع اللواتي من أناس أضاعوهن لا أدع اللذينا
[ ٤٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما الأولى فيطلق على جمع المذكر وجمع المؤنث، وقد جمعها أبو ذؤيب الهذلي في بيت قال:
(٢) وتبلى الأولى يستلئمون على الأولى تراهن يوم الروع كالحدإ القبل وأما اللاؤن واللائين فهو بمعنى الذين، أنشد أبو علي للكميت:
(٣) ألما تعجبي وترى بطيطًا من اللائين في الحقب الخوالي البطيط: العجب. والذي والتي وتثنيتهما يكونان لمن يعقل ولما لا يقعل، والذين لا يكون إلا لمن يعقل، وكذلك اللاؤن واللائين، وجمع التي يكون لذوات العلم وغيرهن وقد تقدم في الأبيات ما يدلك على ما قدمناه. ومنها: من: وهي مختصة بذوي العلم، مفردة اللفظ في الإفراد والتثنية، والجمع، وإذا جئت لها بصلة، فإن عنيت بها المفرد لم يجز إلا توحيد العائد كقولك، جاءني من أبوه خير منك، وإن عنيت بها التثنية والجمع المذكر والمؤنث جاز توحيد الضمير حملًا على لفظها وتثنيته وجمعه حملًا على معناها، قال الله ﷿: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ وقال: ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾. وقال تعالى: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به﴾ فوحد حملًا على اللفظ / وهو كثير، وقال تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون﴾ فجمع حملًا على المعنى. = ١٦٠/أ
[ ٤٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويجوز الجمع بين الجملتين، وتقديم الحمل على اللفظ هو الأولى، كما جاء في الكتاب العزيز، لأنه هو الظاهر، قال الله تعالى: ﴿أفمن كان على بينة من ربه، كمن زين له (سوء عمله)، واتبعوا أهواءهم﴾ وقال تعالى: ﴿كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ وقال: ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا﴾ وقال الفرزدق:
(٢) تعال فإن عاهدتني لا تخونني تكن مثل من يا ذئب يصطحبان وأما «ما» فهي مختصة بغير ذوي العلم، وأما قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها﴾ فقد قيل: إنها مصدرية، وقيل: إنها بمعنى من، وكلاهما عن أبي بكر. وأما أي: فيكون لذوي العلم وغيرهم بمنزلة الذي والتي، وأكثر استعمالها مضافة، لأن معناها يقتضي الإضافة لأنه اجزء من كل، ولا يجوز حذف ما تضاف إليه إلا إذا دل الدليل عليه كقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ أي: أي الاسمين دعوتم أو أي الأسماء. وأما الألف واللام فلا تخلو من أن تدخل على اسم أو على صفة، فإن دخلت على الاسم فهي لتعريف الجنس أو لتعريف العهد، وقد ذكرنا ذلك.
[ ٤٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن دخلت على صفة من اسم فاعل أو اسم مفعول أو الصفة المشبهة باسم الفاعل كالضارب والمضروب والحسن (فهي اسم بمعنى الذي) وأبو عثمان المازني يذهب إلى أنها حرف وحجته أنها لو كانت اسمًا بمعنى الذي لم يقدم ما في حيزها عليها وقد قام في قوله تعالى: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ وقوله تعالى: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ وقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وابن السراج يذهب إلى أنها اسم بمعنى الذي والتي ولا تلحقها تثنية ولا جمع ولا تأنيث، وإنما يلحق هذا الصفة كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ وكقوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ والدليل على أنها اسم: عود الضمير إليه كقولك: الضارب أباه زيد، وجميع الآيات قدم فيها الجار للتبيين، وهو متعلق بمحذوف، تقديره: وكانوا زاهدين فيه، وكذلك البواقي، فهذه الأسماء الموصولة، وقد بينا معنى الموصول. ولا يجوز إفراد الموصول عن الصلة، فلا تقول: جاءني الذي، ولا مررت بمن، حتى تأتي بالصلة، فأما قول الراجز:
(٢) من مضى ومن بقي، وإنما حذف الصلة (لتوهم أن المعنى الذي قصده) قد بلغ من العظم مالا تؤدي العبارة حقيقته. والذي يوصل به الموصول ستة أشياء: الفعل والفاعل كقولك: جاءني الذي قام أبوه والمبتدأ والخبر كقولك: مررت بمن أبوه أمير، والشرط وجوابه كقولك: الذي إن تكرمه يكرمك عبد الله، والظرف كقولك: الذي خلفك زيد والجار والمجرور =
[ ٤٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كقولك الذي لك درهم، والقسم وجوابه كقولك: الذي حلفت لا أزوره زيد، فإن قيل: لم لم تكن الصلة مفردًا؟ قلت: لأن المفرد لابد له من إعراب، فلو وصل به لم يخل من أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، ومتى كان معربًا بأحد هذه الأنواع لم يخل الموصول من أن يكون مثله فيها أو مخالفًا له، فإن كان مثله فهو تابع، فمن حيث إنه تابع لا يلزم المجيء به، ومن حيث إنه صلة يلزم المجيء به وهذه مناقضة، وإن كان مخالفًا فهو محتاج إلى ضمير مضمر يسوغ له ذلك الإعراب/ وعلى كل تقدير يلجئك ما تضمر إلى المصير إلى الجملة، فبان أن الصلة لابد أن تكون جملة، فأوك يديك على هذا التعليل فإنه دقيق. وإنما وصل الموصول بالظرف طللابًا للاختصار، لأنهم يحذفون ما يتعلق به، وهو مفهوم من الكلام كما يحذفون ذلك في خبر المبتدأ. فإن قلت: الذي خلفك زيد، فمعناه: الذي استقر خلفك زيد. ولم يختلف النحويون في أن الظرف في الصلاة قائم مقام الجملة، واختلفوا في الظرف الواقع خبرًا فيل: هو قائم مقام المفردات، وقيل: قائم مقام الجملة، ومنشأ الوفاق: أن الصلة لا تكون إلا جملة. ومنشأ الخلاف أن الخبر يكون مفردًا وجملة، ولابد في الصلة من ضمير يعود إلى الموصول. والمراد بالعائد ضمير يطابق الموصول في حاله من التكلم والخطاب والغيبة والتذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع، وذلك لأن الصلة جملة والجملة شأنها الاستقلال فلابد لها من رابط. وحكى لي شيخنا ﵀ أن بعضهم قرع الباب على نحوي فقال له: من أنت؟ فقال له: أنا الذي اشتري أخوك التبن فقال له: من عنده؟ فقال: لا. فقال: في داره؟ فقال: لا، فقال: من أجله؟ فقال: لا، فقال: اذهب فليس معك عائد، لأن مضمون الجملة لما لم يتعلق بالذي لم يكن بينه وبين أخي المخاطب علاقة: فلا تقول: مررت بالذي قامت هند.
[ ٤٩٣ ]
قال ابن جني: ولا يجوز تقديم الصلة ولا شيء منها على الموصول، ولا يجوز الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي.
ولا تكون الصلة إلا جملة خبرية، تحتمل الصدق والكذب ولا تعمل الصلة في الموصول، ولا في شيء قبله، تقول: الذي قام أخوه زيد، والذي / أخوه زيد أخوك، ومررت بالذي في الدار، والتقدير: مررت بالذي استقر في الدار، فحذف الفعل وأقيم الظرف مقامه، فانتقل إليه ضميره، وتقول: جاءني من علامة زيد، ورأيت ما رأيته، ونظرت إلى القائم أخوه. أي: الذي قام أخوه، وعجبت من الجالسة أخته، أي من الذي جلست أخته قال الله ﷿: ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ أي: من التي ظلم أهلها، وتقول: لأضربين أيهم قام صاحبه. أي: الذي قام صاحبه.
_________________
(١) قال ابن الخباز: ولا يجوز تقديم الصلة على الموصول وذلك لعلتين: إحداهما: أن الصلة مبينة للموصول، وذكر المبين قبل المبين لا فائدة فيه. والثانية: أن معنى الموصول لا يفهم إلا بالصلة، ومحلها من الموصول محل الراء من جعفر، لأن حصول معنى الكلمة بآخرها، وكما لا يقدم آخر الكلمة على أولها لا يجوز تقديم الصلة على الموصول، والامتناع شامل لتقديم/ الصلة على الموصول. ولتقديم بعضها، لأن بعضها منها، والبيان إنما يحصل بجميع الصلة. (ولا يجوز الفصل بين الصلة) والموصول بشيء أجنبي منهما، لأن الصلة والموصول بمنزلة اسم مفرد، وكما لا يجوز الفصل بين آخر الاسم المفرد (وأوله) لا يجوز الفصل بين الصلة والموصول، وإنما قلت: بشيء أجنبي منهما، احترازًا من تقديم بعض الصلة على بعض فإن ذلك لا يعد فصلًا، لأن ذلك من الصلة. ولا يجوز أن تعمل الصلة في الموصول، لأنها تمامه، ومنزلتها من منزلة بعض الكلمة من بعض، والشيء لا يعمل في بعضه ولا في نفسه، ويجوز أن يقال:
[ ٤٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إنما (لم) تعمل في الموصول، لأنها يجب أن تكون بعده، فإذا كان معمولا لها فالجيد أنيكون بعدها فيكون مستحقًا للتقدم والتأخر في حال واحدة وهذا محال. ولا تعمل الصلة في شيء قبل الموصول، لأن مرتبة العامل أن يكون قبل المعمول، فلو عملت الصلة في شيء قبل الموصول لكان حقها أن تتقدم على ما تقدم على الموصول. وإذا لم يجز أن تتقدم عليه وهي إلى جانبه فألا تتقدم عليه وبينها وبينه فاصل أولى. ولا تكون الصلة إلا جملة خبرية، وقد فسر الخبرية بقوله: (محتملة للصدق والكذب) وإنما وجب أن تكون خبرية لأن التخصيص والإيضاح لا يحصل بغير الخبر، ولهذا كله أمثلة أنا أسوقها واحدًا فواحدًا، وأذكر عند كل مثال منها ما يليق به، تقول: الذي قام أخوه زيد. فالذي مبتدأ وقام فعل وأخوه فاعله، والهاء عائدة إلى الذي، وقد تم الذي بصلته وتمامه عند الهاء، فصار بمنزلة قولك: «هذا» وزيد خبره، وتقول: الذي أخوه زيد أخوك، فالذي مبتدأ أيضًا وأخوه مبتدأ، وزيد خبره، والعائد إلى الذي الهاء، وأخوك خبر الذي. ولا يجوز تقديم زيد في المسألة/ الأولى، ولا تقديم أخوك في المسألة الثانية على الذي، لأن المبتدأ والخبر معرفتان، وإذا كانا معرفتين لم يتقدم الخبر على المبتدأ، لأنه يلتبس بالمبتدأ، ولو قلت الذي قام أخوه عاقل، والذي أخوه زيد كريم، جاز التقديم، لأن المبتدأ معرفة والخبر نكرة. تقول: مررت بالذي في الدار، فالذي مفعول تعدى إليه الفعل بالباء وقد وصل بحرف الجر، والاستقرار محذوف تقديره: مررت بالذي استقر في الدار، إن أردت الماضي، وإن أردت المستقبل قدرت يستقر، وفي الفعل المقدر ضمير يعود إلى الموصول مستكنًا فيه، فلما حذف نقل الضمير الذي كان في الفعل إلى حرف الجر فارتفع به، كما كان يرتفع بالفعل، ولو جئت بظاهر فقلت: مررت بالذي في الدار أبوه كان لك في أبوه وجهان: أن ترفعه بالظرف، لأنه في موضع الضمير. والثاني: أن ترفعه بالابتاء وتجعل الظرف خبرًا مقدمًا، ويجوز أن تقول: مررت بالذي أبوه في الدار، ومررت بالذي هو في الدار، فيكون أبوه وهو مبتدأين،
[ ٤٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والظرف خبره. وفي التنزيل: ﴿الذين هم في خوض يلعبون﴾ وإنما حكمنا بنقل الضمير إلى الظرف لئلا تخلو الصلة من العائد، ولئلا يكثر الحذف وتقول: جاءني من غلامه زيد فمن فاعل، وغلامه زيد صلته، ولا يجوز تقديم زيد على غلامه لما ذكرنا، ويجوز أن تكون من نكرة موصوفة، كأنك قلت: جاءني إنسان غلامه زيد، والفرق بينهما أنك إذا جعلت من موصولة لم يكن للجملة موضع من الإعراب، لأن الصلة لا موضع لها من الإعراب، لأن المفرد لا يقم مقامها، وإذا جعلت من نكرة موصوفة كان موضع الجملة رفعًا لأنها صفة مرفوع، وتقول: رأيت ما رأتيه، فقصة «ما» كقصة من إن جعلتها موصولة لم يكن للجملة موضع من الإعراب، وإن/ جعلتها موصوفة كانت الجملة في موضع نصب، لأن «ما» منصوبة. وتقول: نظرت إلى القائم أخوه فالألف واللام بمعنى الذي، وقائم صلته وهو في تقدير الفعل الصريح، ولما كانت الصلة ها هنا اسمًا صريحًا أعربت، ويدلك على أن اسم الفاعل في معنى الفعل الصريح إجماعهم على إعماله، وهو بمعنى الماضي كقولك: جاءني الضارب زيدًا أمس، فلولا أنه في تقدير الفعل - كأنك (قلت) جاءني الذي ضرب زيدًا أمس لم يجز أن يعمل، وهو للماضي. وقالوا: إنه لا يجوز أن يعمل في المستقبل، فلا تقول: الضارب زيدًا غدًا عبد الله لأن اسم الفاعل يعمل في المستقبل من غير ألف ولام كقوله تعالى: ﴿والله متم نوره﴾. فأما قول جرير:
(٢) فبت والهم يغشاني طوارقه من خوف رحلة بين الظاعنين غدًا فإن غدًا متعلق بين لا بالظاعنين كذا قال أبو علي.
[ ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتقول: عجبت من الجالسة أخته «فالألف واللام (بـ) معنى الذي، لأن العائد عليه مذكر، وإنما أنثت جالسة لأن الفاعة «أخته» فتذكر اسم الفاعل وتأنيثه مبنيان على ما يرتفع به، وتذكير الألف واللام وتأنيثه مبنيان على عائده، وفي التنزيل: ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ فالألف واللام بمعنى التي، لأن العائد مؤنث، وظالم مذكر، لأن فاعله أهلها. وتقول: «لأضربن أيهم قام صاحبه» هذه المسألة ذكرها أبو الفتح وابن السراج قد منع أن توصل «أي» بالفعل الماضي فلا يجيز ضربت أيهم ضربك، ولكن تقول: لأضربن أيهم بضربك، وحكى أن الكسائي سئل عن الفرق بين المسألتين في حلقة يونس فقال: أي خلقت كذا، وذكر ابن السراج في الفرق أن أيًا وضعت على الإبهام فلا يجوز أن توصل بالفعل الماضي/ لأنه ثابت متحقق، فهو ينافي ما وضعت عليه ووصلها بالفعل المستقبل يناسب معناها، لأنه لم يوجد بعد فلم تتعين أي، ومن حكمها أنها إذا وصلت بالمبتدأ والخبر وحذف شطر صلتها بنيت على الضم عند سيبويه كقولك: لأضربن أيهم أفضل، لأن حذف شطر صلتها يمحض نقصها، وقد خولف في ذلك فقال الخليل: هو على الحكاية كأنك قلت: لأضربن الذي يقال له: أيهم أفضل واستصوبه ابن السراج وقال: إن القول يحذف كثيرًا في كلامهم.
[ ٤٩٧ ]
قال ابن جني: فإن كان الضمير في الصلة منصوبًا متصلًا بالفعل، جاز حذفه جوازًا حسنًا لطول الكلام تقول: كلمت الذي كلمت، فحذفت الهاء لطول الاسم.
فإن انفصلت لم يجز حذفها تقول: الذي مررت به زيد، ولا تقول: الذي مررت زيد لانفصال الضمير من الفعل، واتصاله بالباء، ولو قلت: ضربت الذي قامت هند لم يجز، لأنه ليس في الجملة ضمير يعود على الموصول من جهة صلته، فإن قلت:
عنده أو معه أو نحو ذلك، صحت المسألة لعود الضمير من الصلة/ ولو ٥١/ب قلت: ضربت التي سوطا أخوها جعفر لم يجز، لأنك فصلت بالسوط وهو أجنبي بين الصلة والموصول وصحة المسألة أن تقول: ضربت التي أخوها جعفر سوطًا، أو ضربت سوطًا، التي أخوها جعفر، أو سوطًا ضربت التي أخوها جعفر، كل ذلك جائز.
_________________
(١) قال ابن الخباز: ولا يجوز حذف العائد من الصلة، لأنه هو الذي ربطها بالموصول، فحذفه يقطع ما بينها وبينه، فإن كان منصوبًا متصلًا بفعل جاز حذفه، (وقولنا: منصوبًا احترازًا من المرفوع فإن حذفه) يجوز جوازًا قبيحًا كقراءة بعضهم: ﴿تمامًا على الذي أحسن﴾ أي: الذي هو أحسن، وإنما قبح حذفه، لأنه شطر الجملة وقولنا: متصلا، احترازًا من المنفصل كقولك: الذي إياه أكرمت زيد. لا يجوز حذفه، لأن الضمير المنفصل يجري مجرى الظاهر، وقولنا: بفعل احترازًا من المتصل بالحرف كقولك: الذي إنه قائم زيد، لا يجوز حذفه، لأنه في الأصل مبتدأ، وقد كثر حذف العائد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾ وقال تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾ وقال تعالى:
[ ٤٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ وقال تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ وقد جاء الإثبات على الأصل قال تعالى: ﴿الذي يتخبطه الشيطان﴾ وقال تعالى: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب﴾ وإنما حسن حذفه، لأن الموصول والفعل والفاعل والمفعول بمنزلة اسم واحد. فحذف العائد تخفيفًا، فإن اانفصل الضمير عن الفعل واتصل بحرف جر/ لم يجز حذفه تقول: الذي مررت به زيد، وفي التنزيل: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ وإنما لم يجز الحذف لأن حذفه يقضي إلى حذف حرف الجر، لأنه لا يجوز بقاء الجار بغير مجرور، وإجاز ابن السراج مررت بالذي مررت، وسرت إلى الذي سرت، يريد مررت بالذي مررت به وسرت إلى الذي سرت إليه، فحذفت حرف الجر من الصلة، لأنها من جنس الفعل الذي تعدى إلى الموصول، وقد ذكرت مع الفل الأول الحرف الذي حذفته من الصلة، فإن اختلف الفعلان لم يجز الحذف كقولك: مررت بالذي سرت، لأنك لم تذكر إلى. واعلم أن قولك: ضربت الذي قام زيد. يفسد من وجه ويصح من وجه، فوجه الفساد: أن ترفع زيدًا بقام، لأنه ليس في الصلة ضمير يعود إلى الموصول. ووجه الصحة: أن تجعل في قام ضميرًا يعود على الذي وترفع زيدًا بأنه بدل من الضمير، ويظهر أثر ذلك في التثنية والجمع، ويجوز أن تنصب زيدًا فتجعله بدلًا من الذي وإذا رفعت زيدًا بقام وجئت بعائد صحت المسألة كقولك ضربت الذي قام زيد عنده أو ضربت الذي قامزيد معه. ويجوز أن يكون العائد في الصلة بعض الجملة وفضله ويجوز أن يكون قريبًا من الموصول، وأن يكون بعيدًا، منه، لأن اعتلاق الصلة بالموصول حاصل منه على كلا التقديرين. ولا يجوز أن تقول: ضربت التي سوطا أخوها جعفر، لأن التي موصول وأخوها
[ ٤٩٩ ]
قال ابن جني: ولكن لو قلت: سوطًا مررت بالذي ضربته، لم يجز، لأنك قدمت السوط - وهو منصوب بما في الصلة على الموصول. ولو قلت: جاءني الذي هل قام غلامه، لم يجز لأن الاستفهام لا يدخله صدق ولا كذب، فلذلك لا يكون صلة، وكذلك الأمر والنهي، وكذلك لو قلت: الذي يوم الجمعة زيد، لم يجز، لأن ظروف الزمان لا تكون صلات للجثث كما لا تكون أخبارًا عن الجثث. ولكن تقول: عجبت من القيام الذي يوم الجمعة لأن ظروف الزمان تكون صلات للأحداث كما تكون أخبارًا عنها، وتقول: ضربت الذي قام غلامه زيد، وإن شئت زيدًا، وإن شئت زيد، أما الرفع فعلى أن يكون زيد بدلًا من الغلام، والنصب/ على أن يكون بدلًا من الذي، وإذا جررت جعلته بدلًا من الهاء في غلامه، قال الفرزدق:
على حالة لو أن في القوم حاتمًا على جوده لضن بالماء حاتم
جر حاتمًا، لأنه بدل من الهاء في جوده.
_________________
(١) = جعفر صلة وسوطًا مصدر لضربت أجنبي من الصلة والموصول، لأنه مصدر فعل عامل في الموصول، فلو كان في الصلة لم يعمل فيه ما عمل في الموصول. ولصحة المسألة ثلاث صور: إحداها: أن توقع سوطًا بعد الصلة فتقول: ضربت التي أخوها جعفر/ سوطًا، فيكون قولك: التي أخوها جعفر بمنزلة هند كأنك قلت: ضربت هندًا سوطًا. الثانية: أن توقع سوطًا بين ضربت والتي فتقول: ضربت سوطًا التي أخوها جعفر، فكأنك قلت: ضربت سوطًا هندًا. الثالثة: أن تقدم سوطًا على ضربت فتقول: سوطًا ضربت التي أخوها جعفر، هذا ما ذكره، ويجوز سوطًا التي أخوها جعفر ضربت، والتي أخوها جعفر سوطًا ضربت، فهاتان صورتان أخريان. قال ابن الخباز: ولا يجوز أن تقول: سوطًا مررت بالذي ضربته لأن سوطًا
[ ٥٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مصدر عملت فيه الصلة، ولا يقع المعمول حيث لا يقع العامل، وصحة المسألة أن تقول: مررت بالذي سوطًا ضربته، لأن سوطًا من الصلة فيجوز أن يكون إلى جانب الذي، وتقول: مررت بالذي ضربته سوطًا فتوقعه بعد الفعل. ومن الممتنع أن تقول: مررت بسوط الذي ضربته، لأنك فصلت بين الجار والمجرور وقدمت الصلة على الموصول، ولا يجوز مررت سوطًا بالذي ضربته، لأنك قدمت (الصلة على الموصول) فإن قلت: ضربت الذي ضربته سوطًا، فنصبت سوطًا (بضربت) الأول جاز أن تقول: ضربت سوطًا الذي ضربته، وسوطًا ضربت الذي ضربته ولا يجوز ضربت الذي سوطًا ضربته لأنك فصلت بين الصلة والموصول بشيء أجنبي منهما، فإن نصبته بضربت الثاني فقد ذكرنا حكمه، ولو قلت: جاءني الذي هل قام غلامه، لم يجز، لأن الاستفهام ليس بخبر، فلا يكون به إيضاح، والأمر والنهي والنداء والتمني والترجي والتعجب عند ابن السراج، والتحضيض والعرض والدعاء، لا يكون واحد منها صلة للموصول فإن جئت بالقول قبلها كلها جاز وقوعها صلة، لأن القول خبر وهو الصلة، وهذه الأشياء محكمة به، وأنشدو اللفرزدق/:
(٢) وإني لرام نظرة قبل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها إراد قبل التي أقول، وكذلك تقول: جاءني الذي قلت لك: أكرمه، ورأيت الذي قال لك الأمير: لا تذهب إليه، ولا تقول: الذي يوم الجمعة زيد، لأنك لما أخبرت عن الذي يزيد صار جثة. وظروف الزمان لا تكون صلات للجثث كما لا تكون أخبارًا عنها. وقد
[ ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذكرنا علة ذلك في خبر المبتدأ، وكذلك لا تقول: من يوم الخميس عبد الله فإن قلت: عجبت من القيام (الذي) يوم الجمعة جازت المسألة، لأن الذي مصدر، لأنك جعلته صفة للمصدر،. فجاز أن تصله بظرف الزمان، كما يجوز الإخبار عنه، وقد ذكرنا علة ذلك، ولا تقول: التي يوم الجمعة هند، وتقول: عجبت من فعلتك التي يوم الجمعة. وتقول: ضربت الذي قام غلامه زيد، فيجوز في زيد الرفع والنصب والجر، فالرفع على أن يكون بدلًا من غلامه، وهذا مما يستدل به على أن المبدل منه ليس في حكم الطرح، لأنك لو حذفت غلامه تقديرًا لبقي الموصول بلا عائد، وإذا أبدلت زيدًا من غلامه لم يكن هو الذي (و) لابد من غلامه، وهو مضاف إلى ضمير الذي، فلو كان هو الذي لكنت قد أضفت الشيء إلى ضميره، والنصب على أن يكون بدلًا من الذي، لأنه في موضع نصب والجر بأن يكون بدلًا من الهاء في غلامه، وهو في النصب والجر الذي في المعنى، أما النصب فلأن زيدًا فيه بدل من لذي، وأما الجر فلأن زيدًا (فيه) بدل من الهاء التي هي الذي في المعنى قال الفرزدق:
(٢) ولما تصافنا الإداوة أجهشت إلى غضون العنبري الجراضم وجاء بجلمود له مثل رأسه ليسقي عليه الماء بين الصرائم على حالة لو أن في القوم حاتمًا على جوده لضن بالماء حاتم ويورى على جوده ضننت به نفس حاتم * فلا شاهد فيه حينئذ/.
[ ٥٠٢ ]
قال ابن جني: واعلم أن الصفة والتوكيد والبدل والعطف إذا جرى واحد منهن على الاسم الموصول آذن بتمامه وانقضائه، تقول: مررت بالضاربين زيدًا الظريفين، ولو قلت: مررت بالضربين الظريفين زيدًا لم يجز، لأنك لا تصف الاسم وقد بقيت منه بقية، فإن قلت: بالضاربين أجمعون زيدًا، جاز أن تجعل أجمعون توكيدًا للضمير في الضاربين، وكذلك لو قلت: مررت بالضاربين إخواتك زيدًا، فجعلت الإخوة بدلًا من الضاربين لم يجز، لأنك لا تبدل من الاسم، وقد بقيت منه بقية، وصحتها أن تقول: مررت بالضاربين زيدًا إخوتك، ولو قلت: مررت بالضاربين وزيد هندًا، لم يجز، لأنك لا تعطف على الاسم وقد بقيت منه بقية، ولكن تقول: مررت بالضاربين/ هندًا وزيد، وتقول في الصفة: عجبت من الضارب زيدًا الظريف، وتقول: القائمان الزيدان فتثني اسم الفاعل، كما تأتي في الفعل بعلامة التثنية في قولك: اللذان قاما الزيدان، وتقول: القائم أخواهما الزيدان، فتوحد اسم الفاعل كما تفرد الفعل إذا قلت: اللذان قام أخواهما الزيدان، وكذلك الجمع والتأنيث فاعرفه ألا تراك تقول: القائمة أخته زيد، فتؤنث كما تؤنث لفظ الفعل في قولك: الذي قامت أخته زيد، وتقول: الذاهب أخوها هند فتذكر كما تقول: التي ذهب أخوها هند.
_________________
(١) قال ابن الخباز: واعلم أن الموصول والصلة بمنزلة الاسم المفرد، والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصلة لا موضع لها من الإعراب كما لا موضع لبعض الاسم من الإعراب والثاني: أنه لا يجوز الفصل بين الصلة والموصول لا تقديمها عليه. والثالث: أنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة، ولا حذف الصلة وتبقة الموصول، فإن جاء من ذلك شيء فهو قليل لا يعتد به، فإذا عرفت ذلك وأردت أن تجري على الموصول تابعًا من صفة أو توكيد أو بدل أو عطف لم يجز ذلك حتى يستوفى صلته بالغة ما بلغت، ولو بقيت منها كلمة واحدة لم يجز، لأنك لم تتمه، فلا تقول: مررت بالضاربين الظريفين زيدًا، لأن زيدًا منصوب بالضاربين فقد وصفت الموصول قبل تمامه وصحة المسألة أن تقول: مررت
[ ٥٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالضاربين زيدًا الظريفين، ولو قلت: مررت بالضاربين الظريفون زيدًا، فجعلت الظريفين بدلًا من الضمير الذي في الضاربين جازت المسألة، لأنه من الصلة، ولك أن تقدم زيدًا عليه، لأن كل واحد منهما من الصلة، ولا يجوز مررت بالضاربين أجمعين زيدًا، لأنك أكدت الموصول قبل تمامه وصحة المسألة أن تقول: مررت بالضاربين زيدًا أجمعين، ولو قلت: مررت بالضاربين أجمعون زيدًا فجعلت أجمعين توكيدًا للضمير الذي في الضاربين، جازت المسألة، لأن أجمعون قد صار من الصلة، ولا تقول: مررت بالضاربين إخوتك زيدًا، لأنك أبدلت من الموصول قبل تمامه، وصحة المسألة أن تقول: مررت بالضاربين زيدًا إخوتك ولو قلت: مررت بالضاربين أخوتك زيدًا، فجعلت إخوتك بدلًا من الضمير في الضاربين جازت المسألة، لأن إخوتك قد صار من الصلة، ولا تقول: مررت بالضاربين وزيد هندًا، لأنك عطفت على الموصول قبل تمامه، وصحة المسألة أن تقول: مررت بالضاربين هندًا وزيدًا، ولو قلت: مررت بالضاربين وزيد هندًا فرفعت زيدًا عطفًا على المستكن في الضاربين جازت المسألة، لأنه قد صار من الصلة، والجيد أن تؤكد فتقول: مررت بالضاربين هم وزيد هندًا. والحال الاستثناء بمنزلة التوابع تقول: «جاءني الذي قصده أخوك راكبًا يوم الجمعة ماشيًا» فالذي موصول، وقصده أخوك فعل وفاعل، وهو صلته، والهاء عائدة عليه وراكبًا حال من الهاء، ويوم الجمعة متعلق براكبًا، وماشيًا حال من الذي، ولا يجوز الفصل بماش بين الذي وغيره، من هذه الكلم ولا بين كل كلمتين منها إلى يوم الجمعة، ويجوز تقديم ماش على الذي، لأن الذي وصلته كزيد فكأنك قلت: جاءني ماشيًا زيد. وإذا ثبت أن اسم الفاعل بمنزلة الفعل فاعلم أنه يعامل معاملته فيؤخذ مسندًا إلى الاثنين والجمع، تقول: القائم أخواهما الزيدان، كما تقول: اللذان قام أخواهما الزيدان، ومن قال: قاما غلاماك قال: القائمان أخواهما الزيدان، وتقول: الذاهب غلمانه عمرو فتوحد كما تقول: الذي ذهب غلمانه عمرو، ومن قال: أكلوني
[ ٥٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = البراغيث قال: الذاهبون غلمانه عمرو، وتقول: القائمة أخته زيد، فتؤنث اسم الفاعل، لأن الفاعل مؤنث حقيقي كما تقول: الذي قامت أخته زيد، وتقول: الذاهب أخوها هند فتذكر اسم الفاعل، لأن الفاعل مذكر. واعلم أن أبا الفتح قد أشار بهذه المسائل الثلاث التي هي القائم أخواهما الزيدان، والقائمة أخته زيد، والذاهب أخوها هند إلى باب من النحو بديع المعاني رصين المباني، يسميه النحويون: «باب الإخبار بالذي والألف واللام» ويدلك على ذلك أن هذه المسائل الثلاث محلولة من ثلاث جمل. فالأصل: قام أخو الزيدين وقامت أخت زيد، وذهب أخو هند، فلما أخبرت عن المضاف إليه بالألف واللام قلت: القائم أخواهما الزيدان، والقائمة أخته زيد والذاهب أخوها/ هند، وقد رأيت أن لا أخلي هذا الإملاء من هذا الفن، فأحببت أن أذكر منه نبدًا يسيرة تكون للناظر فيها إمامًا به يقتدي، ونجمًا به يهتدي، يستعين بها على تفريع مسائله وإن كانت شفافة لا تبل اللهاة بالنسبة إلى ما ذكره العلماء في فن الإخبار بالذي والألف واللام، وقد جعلت ما ذكرته عشرين مسألة. المسألة الأولى: في معنى قولهم: الإخبار بالذي وبالألف واللام. اعلم أن معنى قول النحويين: «أخبر بالذي وبالألف واللام عن كذا» إنما يعنون به اجعل الذي أو الألف واللام صدرًا للجملة، ونح الاسم المخب رعنه عن موضعه وضع مكانه ضميرًا يعود على الذي أو الألف واللام، واجعل الاسم المخبر عنه خبرًا عن الذي أو الألف واللام. مثال ذلك إن قلت في الإخبار عن زيد في قولك: قامت أخت زيد: القائمة أخته زيد فقد جعلت الألف واللام صدرًا، وأزلت زيدًا عن مكانه، وصيرته خبرًا عن اللام، ووضعت مكانه ضميرًا يعود إليها. المسألة الثانية: اعلم أن الإخبار بالذي أوسع مجالًا من الإخبار بالألف واللام، لأنك تخبر
[ ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالذي عما كان أوله فعلًا أو مبتدأ تقول: قام عمرو، فإن أخبرت بالذي قلت: الذي قام عمرو وتقول: زيد قائم، فإن أخبرت بالذي عن زيد قلت: الذي هو قائم زيد وإن أخبرت عن قائم قلت: الذي هو زيد هو قائم، ولا تخبر بالألف واللام إلا عما كان أوله فعلًا تقول: قام عمرو، فإن أخبرت عنه بالألف واللام قلت: القائم عمرو وإنما لم يجز الإخبار بالألف واللام في الجملة الاسمية، لأنك لو أخبرت عن زيد من قولك: زيد قائم بالألف واللام لقلت: أل هو قائم زيد، فأدخلت الألف واللام على الضمير، وإذا أخبرت بالألف واللام/ عن اسم في جملة فعلية حولت الفعل إلى اسم الفاعل إن كان مسمى الفاعل، وإلى اسم المفعول إن (كان) غير مسمى الفاعل، تقول: قام غلام خالد، وبيعت جارية عمرو، وإن أخبرت عن خالد وعمرو بالألف واللام قلت: القائم غلامه خالد والمبيعة جاريته عمرو. المسألة الثالثة: في شرائط الاسم المخبر عنه، وهي خمس: أن يجوز تعريفه، وأن يجوز إضماره، وأن يجوز رفعه، وأن يكون له معنى في نفسه، وأن لا يكون له حكم يزيله الإخبار وسيأتيك تفصيل هذه الشرائط فيما نذكره من المسائل. المسألة الرابعة: تقول: زيد قائم، فإن أخبرت عن زيد قلت: الذي هو قائم زيد وإن أخبرت عن قائم قلت: الذي (هو) زيد هو قائم، ولا يجوز تقديمه على زيد، لأنه قد صار معرفة بالإضمار، ولا يجوز الإخبار عن الضمير الذي في قائم فلا تقول: الذي زيد قائم هو، لأن الضمير الذي في قائم إن عاد إلى زيد بقي الذي بلا عائد، وإن عاد إلى الذي بقي زيد بلا عائد. المسألة الخامسة: تقول: «زيد يضرب أباه» فإن أخبرت عن زيد قلت: الذي هو يضرب أباه زيد
[ ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن أخبرت عن الضمير الذي في يضرب لم يجز، وإن أخبرت عن أبيه قلت: الذي زيد يضربه أبوه، فإن قلت: (الذي) زيد يضرب أبوه، لم يجز الإخبار عن أبوه، لأنه مضاف إلى الهاء العائدة على زيد. المسألة السادسة: تقول: طلعت الشمس وطلع الشمس، فإن أخبرت عن الشمس بالذي أو بالألف واللام قلت: التي طلعت الشمس، والطالعة الشمس، ولابد من تأنيث الفعل واسم الفاعل، لأن الفاعل قد صار ضميرًا. المسألة السابعة: تقول: ضرب زيد، فإن أخبرت عنه بالذي قلت: الذي ضرب زيد وبالألف واللام المضروب زيد، فإن قلت: زيد ضرب، فهو مبتدأ، فإن أخبرت/ عنه بالذي قلت: الذي هو ضرب زيد، ولا يجوز إكنان الضمير في الفعل، لأنه قبل الإخبار مبتدأ. المسألة الثامنة: تقول: ليس عبد الله ذاهبًا فإن أخبرت عنه لم يجز الإخبار إلا بالذي، تقول: الذي ليس ذاهبًا عبد الله، وذلك لأن اليس فعل غير متصرف، فلو جئت بالألف واللام احتجت إلى أن تنقله إلى اسم الفاعل وليس له اسم فاعل. المسألة التاسعة: تقول: إن زيدًا قائم، فيجوز الإخبار عن زيد، ولا تخبر إلا بالذي تقول: الذي إنه قائم زيد، وكذلك إن أخبرت عن قائم قلت: الذي إنزيدًا هوقائم، وتقول: كأن أباك الأسد، فتخبر عن المنصوب والمرفوع، فإن قلت: ليت أباك قادم، أو لعل أخاك واقف، لم يجز الإخبار، لأن التمني والترجي لا يدخلهما صدق ولا كذب. وإن قلت: لكن أباك قائم، لم يجز الإخبار أيضًا، لأن لكن غير مستقلة لما فيها من معنى الاستدراك.
[ ٥٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) المسألة العاشرة: تقول: لا رجل أفضل منك، فلا يجوز الإخبار عن المنفي، لأنه لا يكون إلا نكرة ولا عن أفضل منك، لأنه كذلك في التنكير. المسألة الحادية عشرة: تقول: «ضربت ضربًا» فلا تخبر عن المصدر إلا على بعد، لأنهم استقبحوه استقباحًا شديدًا، لأن المصدر مؤكد للفعل، فقد جرى مجراه، والفعل لا يخبر عنه، فإن قلت: ضربته ضربة أو ضربتين أو ضربًا شديدًا أو جلدته ثمانين جلدة أو ضربته أشد الضرب، جاز الإخبار عن ذلك كله، لأنه يزيد على الفعل بما تضمنه من التحديد والتعديد وتبيين النوع، وما كان من المصادر غير متصرف كسبحان الله ومعاذ الله ولبيك وسعديك لم يجز الإخبار/ عنه، لأنه لا يرتفع. المسألة الثانية عشرة: تقول: ضربت زيدًا فإن أخبرت عن اسمك قلت: «الذي ضرب زيدًا أنا» «والضارب زيدًا أنا» فصار الضمير المتصل منفصلًا لكونه خبر مبتدأ، وصار المتكلم غائبًا لعوده على الذي، فإن أخبرت عن زيد بالذي قلت: الذي ضربته زيد، ويجوز أن تحذف الهاء فتقول: الذي ضربت زيد، لما ذكرنا في حذف العائد، فإن أخبرت عن زيد بالألف واللام قلت: الضاربه أنا زيد، فالهاء في الضاربه ترجع إلى الألف واللام ولا يجوز حذفها، لأنه لم يطل الكلام مع الألف واللام كطوله مع الذي، و«أنا» يرتفع بضارب، وهو ضمير بارز، لأن ضاربًا للمتكلم، وقد جرى على الألف واللام، وإذا جرى اسم الفاعل على غير من هو له أبرز ضميره كقولك «الحجر الحية أشد عليها من العصا هو». المسألة الثالثة عشرة: فيما يتعدى إلى مفعولين تقول: أعطيت زيدًا درهمًا، فإن أخبرت عن التاء قلت: الذي أعطى زيدًا درهمًا أنا وإن أخبرت عن زيد قلت:
[ ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = «الذي أعطيته درهمًا زيد» والمعطية أنا درهمًا زيد، وإن أخبرت عن الدرهم قلت: «الذي أعطيت زيدًا إياه درهم»، والمعطي أنا زيدًا إياه درهم، وتقول: ظننت زيدًا قائمًا فإن أخبرت عن التاء قلت: «الذي ظن زيدًا قائمًا أنا». «والظان زيدًا قائمًا أنا» وإن أخبرت عن زيد قلت: الذي ظننته قائمًا زيد، والظان أنا قائمًا زيد، وحذف الهاء قبيح مع الذي، وإن أخبرت عن قائم قلت: الذي ظننت زيدًا إياه قائم، والظان أنا زيدًا إياه قائم، ولك أن تثني وتجمع وتذكر وتؤنث في جميع ما ذكرنا. المسألة الرابعة عشرة: في المتعدي إلى الثلاثة تقول: أعلمت زيدًا عمرًا خير الناس/ فإن أخبرت عن التاء قلت: الذي أعلم زيدًا عمرًا خير الناس أنا، والمعلم زيدًا عمرًا خير الناس أنا، وإن أخبرت عن زيد قلت: الذي أعلمته عمرًا خير الناس زيد، والمعلم أنا عمرًا خير الناس زيد، وإم أخبرت عن عمرو قلت: الذي أعلمت زيدًا إياه خير الناس عمرو والمعلم أنا زيدًا إياه خير الناس عمرو، ولا يجوز أن تصل ضمير عمرو بالتاء لئلا يلتبس بالمفعول الأول، وإن أخبرت عن خير الناس قلت: الذي أعلمت زيدًا عمرًا إياه خير الناس، والمعلم أن زيدًا عمرًا إياه خير الناس، ولك التثنية والجمع والتأنيث. المسألة الخامسة عشرة: في الطرفين، تقول: جلست اليوم خلفك، وإن أخبرت عن التاء قلت: الذي جلس اليوم خلفك أنا، والجالس اليوم خلفك أنا، وإن أخبرت عن اليوم وهو ظرف قلت: الذي جلست فيه خلفك اليوم، والجالس أنا فيه خلفك اليوم. وإن أخبرت عنه وقد اتسعت فيه قلت: الذي جلسته خلفك اليوم، والجالس هو أنا خلفك اليوم، وحقيقة الاتساع أن تنصبه نصب المفعول به ولا تضمنه معنى في
[ ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وخلفك بهذه الصفة تقول: الذي جلست اليوم فيه خلفك. والجالس أنا اليوم فيه خلفك، والذي جلسته اليوم خلفك، والجالس هو أنا اليوم خلفك. فإن قلت: جلست ذات اليلة عندك، لم يجز الإخبار عن الزمان ولا عن المكان، لأنهما غير متصرفين، ولا يجوز الإخبار عن المفعول له، لأنه من شرائطه أن يكون مصدرًا. والضمير ليس بمصدر، ويجوز الإخبار عن المفعول معه، تقول: ما زلت أسير والنيل فإن أخبرت عن النيل قلت: الذي ما زلت أسير وإياه النيل. فإن قلت: جاء زيد راكبًا وطاب زيد نفسًا، لم يجز الإخبار عن الحال ولا عن التمييز، لأنهما لا يكونان إلا نكرتين. ويجوز الإخبار / عن المستثنى تقول: قام القوم إلا زيدًا، فإن أخبرت عن زيد قلت: الذي قام القوم إلا إياه زيد، وتقول: كان زيد قائمًا، فإن أخبرت عن قائم قلت: الذي كأنه زيد قائم، وحذف الهاء ضعيف، قال شيخنا ﵀: لأنه في الواصل أحد جزأي الجملة. المسألة السادسة عشرة: لا يجوز الإخبار عن مجرور رب، لأنه لا يكون إلا نكرة والضمير معرفة، ولا يجوز الإخبار عن المجرور بمذ ومنذ وحتى وواو القسم وتائه، لأنه لا يكون مضمرًا، ولا يجوز الإخبار عن المجرور بمن الزائدة، لأنها لا تزاد إلا في الأسماء الشائعة. وإذا قلت: له عشرون ألف درهم لم يجز الإخبار عن درهم، لأن الألف يصير معرفة - وهو مميز -، ولا يجوز الإخبار عن المجرور بالكاف، لأنها لا تدخل على المضمر. وتقول: غلامي ذاهب، فإن أخبرت عن الياء قلت: الذي غلامه ذاهب، فإن أخبرت عن الياء قلت: الذي غلامه ذاهب أنا، واستقبحه المازني، لأن المتكلم أعرف المعارف والإخبار ينقله إلى الغائب فقد نقلت الأقوى إلى الأضعف. المسألة السابعة عشرة: في الإخبار عن التوابع، تقول: جاء زيد نفسه، فلا يجوز الإخبار عن نفسه، لأنك لو أخبرت لقلت: الذي جاء زيد هو نفسه، والظاهر لا يؤكد بالمضمر،
[ ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويجوز الإخبار عن زيد، تقول: الذي جاء هو نفسه زيد، ففي جاء ضمير يعود على الذي وهو توكيد له، ونفسه توكيد الضمير المستكن، ولا يجوز الإخبار عن أجمع وأجمعون وجمعاء وجمع، لأنهن لا يكن غير توكيد، وتقول: قام زيد العاقل فلا يجوز الإخبار عن زيد وحده، لأن المضمر لا يوصف، ولا عن العاقل وحده، لأن المضمر لا يكون صفة، بل يخبر عنهما، تقول: الذي قام/ زيد العاقل. وإذا قلت: مررت برجل حسن وجهه، فقد أجاز أبو سعيد الإخبار عن رجل وحده، فقال: الذي مررت به حسنًا وجهه رجل، فنصب حسنًا على الحال وتقول: رأيت أبا عبد الله زيدًا، لإتجعل زيدًا عطف بيان، ولا يجوز الإخبار عنه قياسًا على الصفة. وتقول: مررت بأخيك زيد، فتجعل زيدًا بدلًا، فإن أخبرت عن أخيك قلت: الذي مررت به أخوك زيد، ومنهم من يقول: الذي مررت به زيد أخوك ومنهم من يجيز الإخبار عن زيد، ومنهم من لا يجيز، وتقول: زيد وعمرو قائمان فإن أخبرت عنهما قلت: اللذان هما قائمان زيد وعمرو، وإن أخبرت عن زيد قلت: الذي هو وعمرو قائمان زيد، وإن أخبرت عن عمرو قلت: الذي هو وزيد قائمان عمرو. وإن أخبرت عن قائمين قلت: اللذان زيد وعمرو هما قائمان، ومسائل العطف كثيرة. المسألة الثامنة عشرة: في الإخبار في باب الفعلين المعطوف أحدهما على الآخر، تقول: ضربت وضربني زيد، وابن السراج فقد استضعف الإخبار في هذا النحو، فإن أخبرت عنه ففيه أربعة مذاهب، فإن أخبرت عن التاء قلت في قول أبي الحسن: الضارب والضاربة زيد أنا، غيرت الناء كما غير التاء، لأنها في معناها. وقلت في قول أصحاب الحذف - وهو قوم من البغدادين: الضارب والضارب زيد أنا، فحذفت الهاء بطول الكلام بالعطف. وقلت في قول أبي عثمان المازني:
[ ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الضارب أنا والضاربي زيد، فتجعل كل واحد من الجملتين مستقلة. وقلت في قول ابن السراج: الضارب وضربه زيد أنا، فتعطف الفعل على الاسم، لأ ن الاسم في معنى الفعل كما جاء في التنزيل: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأفقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾. كأنه قال: إن الذين/ تصدقوا واللاواتي تصدقن وأقرضوا، ومسائل هذا الباب كثيرة أيضًا. المسألة التاسعة عشرة: في الإخبار عن الموصول، تقول: جاءني الذي أكرمك، فإن أخبرت عن الذي قلت: الذي جاءني (الذي) أكرمك، وتقول: «الذي التي أختها هند جاريته زيد» فالذي مبتدأ، والتي مبتدأ ثان، وأختها مبتدأ ثالث، وهند خبر أختها وأختها هندصلة التي، فقد تمت، والتي أختها هند بمنزلة اسم مفرد فالذي لم يتم، وجاريته خبر التي. فقد تم الذي، وزيد خبر الذي، فإن أخبرت عن الذي قلت: الذي هوزيد الذي التي أختها هند جاريته فتجيء بهذا كله، لأنه في مقام أبوك، وبقيت زيدًا ليكون خبر الضمير الغائب. ألا ترى إذا قلت: أبوك زيد، فأخبرت عن أبيك قلت: الذي هو زيد أبوك. «فالذي التي أختها هند جاريته زيد التي أختها هند» فالتي موصول لاحق الكلام الذي في موضعه ونحيت التي أختها هند وجعلتها خبر التي الأولى والضمير الذي في موضعها عائد إلى التي، وجاريته خبر هند، وزيد خبر الذي والتي أخنها هند خبر التي الأولى. المسألة العشرون: في الإخبار عن الاستفهام، تقول: أيكم زيد؟، فإن أخبرت عن زيد فالأصل أن يقال: الذي أيكم هوزيد، فالذي أول الكلام، وهو مكان زيد، ولكن هذا
[ ٥١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا يقال، لأن الاستفهام لا يكون صلة، فينبغي أن يتقدم أيكم، ويكنى عنه فتقول: «أيكم الذي هو هو زيد» فهو الأول كناية عن أيكم لتقدمه، وهو الثاني كناية عن زيد لأنه مخبر عنه، وإن أخبرت عن أيكم فالأًل أن تقول: «الذي هو زيد» أيكم ولكن هذا لا يقال، لأن الاستفهام لا يتأخر، فحقك أن تقدمه/ فتقول: أيكم الذي هو زيد، وكذلك تفعل، تقول: من أبوك؟ وما طعامك؟ وهذا باب غريب، ذكره أبو بكر في الأصول، ومن نقد هذه العشرين مسألة بعين فكره فتحت عليه أبوابًا واسعة من الإخبار، لأن كل مسألة من فن. واعلم أن الإخبار بالذي والألف واللام لا يحيط به علمًا إلا من أحكم أبواب العربية وكان شيخنا ﵀ يقول: مسائل الإخبار بالذي (و) بالألف واللام في النحو كمسائل الأبنية في التصريف، لأن كل واحد من النوعين لا يحيط به إلا من أحكم مباني النوعين، وقيل لبعض الحمقى من أهل عصرنا: إذا قلنا: قام زيد، فكيف تخبر عن زيد؟ فقال: أقول: الذي فعله زيد القيام، وهذا كلام من لا يعرف قول النحويين: كيف تخبر عن كذا؟ ولولا اعتزار كثيرين بظواهر هؤلاء المشتبهين بالعلماء لكان اللائق بنا الإضراب عن ذكر هذه العورات، لأن أقل ما فيها اعتياد اللسان ذكر الحسائس، وذلك محظور في حكم العقل.
[ ٥١٣ ]
قال ابن جني: الحروف الموصولة ثلاثة وهي: «ما» و«أن» الخفية، وأن الثقيلة، ومعاني جميعها بصلاتها المصادر، تقول: سرني ما قمت، أي: قيامك، وعجبت مما قعدت أي: من قعودك قال الله ﷿: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ أي: بتكذيبهم. وأما أن الثقيلة فقد مضى ذكرها في بابها أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، ومعناها معنى المصدر.
وأما «أن» الخفيفة فهي الناصبة للفعل، والفعل/ بعدها أيضًا صلة لها تقول: أريد أن تقوم، ويسرني أن تذهب.
وتقول: أريد أن تذهب فتضرب زيدًا، فتعطف تضرب على تذهب، تقول: أريد أن أزورك فبمعنى البواب، فترفع ينمعني، لأنه ليس معطوفًا على أزورك بل هو مستأنف مرفوع، كما قال الحطيئة:
والشعر لا يسطيعه من يظلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
فرفع يعجمه، لأنه استأنفه، أي: فإذا هو يعجمه، ولو نصبت لفسد المعنى.
_________________
(١) قال ابن الخباز: وأما الحروف الموصولة فهي ثلاثة: «ما» و«أن» الثقيلة، و«أن» الخفيفة أما «أن» الثقيلة: فقد مضى ذكرها في بابها، وهي اسمها وخبرها في موضع مصدر يحكم عليه برفع أوصنب أو جر، تقول: سرني أنك قائم، أي: سرني قيامك وعرفت أنك ذاهب أي: عرفت ذهابك، وعجبت من أنك جالس، أي: من جلوسك ومن أحكامها أنها إذا كانت مرفوعة بالابتداء لم يجز تقديمها تقول: حق أنك ذاهب ولا تقول: «أنك ذاهب حق» لأنها إذا تقدمت صارت معرضة لدخول «إن» فنقول: إن أنك ذاهب حق، وهذا لا يجوز، لأنك قد جمعت بين حرفي توكيد وإذا كانت مفعولة لم يجز تقديمها، تقول: علمت أنك ذاهب، ولا يجوز أنك ذاهب/ علمت، لأنها إذا لم تقدم وهي مبتدأة حقها التقديم فألا تقدم وهي مفعلوة حقها التأخير أولى. وأما «ما» فهي حرف مصدري يوصل بالفعل الماضي والمضارع، تقول: عجبت
[ ٥١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مما قعدت، وسرني ما تقوم، قال الله تعالى: ﴿ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ أي: أجر سقيك، وقال تعالى: ﴿بم كانوا يكذبون﴾ أي بتكذيبهم، واختلف فيها فمذهب سيبويه أنه حرف، واحتج بأن الضمير لا يعود إلهيا من صلتها وذهب أبو الحسن إلى أنها اسم، جاءت بمعنى الحدث كما يجيء الذي بمعناه كقولك: عجبت من القيام الذي يوم الجمعة، والعائد عنده محذوف، فإذا قلت عجبت مما قعدت، فتقديره عنده: مما قعدته، أي من القعود الذي قعدته. وأما «أن» الخفيفة: فهي حرف مصدري بالاتفاق، وتوصل بالفعل الماضي والمضارع، تقول: عجبت من أن قمت، وسرني أن تجلس، فإذا دخلت على المضارع أخلصته للاستقبال، والكثير الشائع فيها نصبه، وقد ذكرنا ذلك في النواصب. ومن العرب من يرفع الفعل بعدها، قال:
(٢) ونحن منعنا البحر أن يشربونه وقد كان منهم ماؤه بمكان وإذا دخلت على الماضي لم تغيره عن مضيه، وليست بمنزلة «إن» الشرطية، لأن تلك تقلب الماضي إلى المستقبل، وهذه لا تغيره، لأن الغرض منها ومن صلتها المصدر، وذلك حاصل من الماضي. وإذا عطفت فعلًا بعد الفعل المنصوب، فإن صح إشراكه معه في النصب جاز عطفه عليه، وإن لم يصح فاقطعه وارفعه، فمما يصح عطفه قولك: أحب أن تذهب فتضرب زيدًا فتنصب تضرب، (و) لا يصح دخوله في الإخبار كأنك قلت: أحب ذهابك/ فضربك زيدًا، والواو وثم وأو بمنزلة الفاء وليس النصب بضربة لازم، بل يجوز أن
[ ٥١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تقول: أحب أن تذهب فتضرب زيدًا فترفع تضرب عطفًا على أحب، والفرق بين العطفين أن الأول عطف مفرد على مفرد. والثاني: عطف جملة على جملة. ومما لا يصح عطفه قولك: أريد أن أزورك فيمنعني البواب، فترفع بمنعني تعطفه على أريد، ولو نصبت لفسد المعنى، لأن التقدير مع النصب. أريد زيارتك فمنع البواب، فقد أردت الزيارة وما يمنع من الزيارة وهو منع البواب، وهذا سفه، فبان أن الرفع هو الصواب، كأنك قلت: كلما أردت زيارتك منعني البواب، قال الحطيئة واسمه جرول، ولقب الحطيئة لقصره:
(٢) والشعر لا يسطيعه من يظلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه فرفع يعجمه، لأنه غير داخل في الإرادة، ولو نصب لفسد المعنى، قوله: يسطيعه أراد: يستطيعه، فحذف التاء، لأنها جامعت الطاء، وكلاهما من مخرج واحد ويقال: استاع بالتاء واستطاع واستطاع، ثلاث لغات، والحضيض: المكان المستقل والقدم: مؤنثه، ولذلك قال: زلت، وفي التنزيل: ﴿فنزل قدم بعد ثبوتها﴾.
[ ٥١٦ ]
قال ابن جني: واعلم أن المصدر إذا كان في معنى أن والفعل ولم يكن مضافًا، عمل عمل الفعل في رفعه ونصبه إلا أنه لا يتقدم عليه شيء مما بعده، ولا يفصل بالأجنبي بينه وبينه.
تقول: عجبت من ضرب زيد عمرًا، ومن ركوب أخوك الفرس، أي: من أن ركب أخوك الفرس، قال الله ﷿: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيمًا ذا مقربة﴾ وقال الشاعر:
بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل
أي: بأن نضرب رؤوس قوم.
فإن كانت فيه اللام: فكذلك أيضًا، تقول: عجبت من الضرب زيد عمرًا أي: من أن ضرب زيد عمرًا، قال الشاعر:
لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعًا
أي: عن أن ضربت مسمعًا. فإن أضفت المصدر إلى الفاعل انجر، وانتصب المفعول به، تقول: عجبت من أكل زيد الخبز، ومن أكل الخبز زيد، قال الشاعر:
أفتى تلادي وما جمعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريق
يروى: أفواه الأباريق، وأفواه الأباريق، رفعًا ونصبًا على ما مضى.
وتقول: سرني قيامك يوم الجمعة، فتنصيب يوم الجمعة ظرفًا لسرني، ولو قلت: سرني يوم الجمعة قيامك، فجعلت يوم الجمعة ظرفًا للقيام لم يجز لتقديمك بعض الصلة على الموصول.
_________________
(١) قال ابن الخباز: واعلم أن المصدر قسمان: ما لا يكون في معنى أن وفعله، وما يكون في معناهما. فالأول: هو الذي ينصبه فعله، ويذكر معه لأحد الأشياء الثلاثة التي ذكرت في
[ ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = باب المفعول المطلق، وذلك نحو قولك: ضربت ضربًا، وسرت سيرًا شديدًا، وقمت قومتين، فهذا ونحوه لا يعمل، لأن حكم كونه عاملًا أن يقدر بأن والفعل، وهذا لا يصح تقديره بهما. فلا يجوز أن تقول: ضربت أن أضرب، لأن الغرض من ذلك معرفة زمان المصدر المخصوص، وإذا ذكرت/ فعله استغنيت عن معرفة زمانه، لأن فعله مشتق منه فهو يفيد زمانه. والثاني: ما كان في معنى أن والفعل، وذلك ما كان معمولًا لغير فعله، فهو يصح تقديره بأن والفعل، ويعمل عمل الفعل في رفع الفاعل ونصب المفعول، ويجري مجرى الفعل المشتق منه، متعديًا كان أو غير متعد، فينصب المفعول والمفعولين والثلاثة، والمصدر والظرفين، والمفعول له والمفعول معه والحال والمستنثى. وإنما عمل المصدر لأنه أشبه الفعل، حيث شاركه في الحروف، ودل على الزمان وصح أن يقدر به، فهذه ثلاثة أوجه. وللمصدر ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون منونًا، وهو أقواها عملًا، تقول: عجبت من ضرب زيد عمرًا. ومن ركوب أخوك الفرس، ويجوز تقديم المفعول على الفاعل، تقول: عجبت من ضرب عمرًا زيد، ولا يجوز تقديم الفاعل عليه، لأنه إذا لم يقدم على الفعل فامتناع تقديمه على المصدر أولى. ولا يجوز تقديم مفعول عليه، ولا شيء من منصوباته، لأنه مقدر بأن الخفيفة والفعل في العمل، وأن الخيفة مشبهة بأن الثقيلة، وتلك لا يتقدم ما في حيزها عليها، فكذلك أن الخفيفة، ولا يجوز الفصل بينه وبين صلته بالأجنبي، لأنه وصلته بمنزلة اسم مفرد، والفصل بين أجزاء الاسم غير جائز. وسيأتي من كلام أبي الفتح في آخر الباب مثال نتكلم عليه ونوضحه إن شاء الله تعالى. وأما قوله ﷿: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتميًا﴾ فيقرأ أطعم على لفظ الفعل، فيكون يتيمًا منصوبًا به، ويقرأ: أو إطعام، فيتيم منتصب
[ ٥١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = منه، والتقدير أو أن أطعم. وإنما كان المصدر المنون أقوى الثلاثة في الإعمال، لأن المنون نكرة فهو بمنزلة الفعل، والفعل عندهم ن كرة لأحد أمرين: إما لأنه يدل على المصدر وهو في الأصل نكرة، وإما لأنه والفاعل يقعان صفة للنكرة كقولك: مررت برجل ذهب أبوه قال الشاعر:
(٢) بضرب بالسيوف رؤوس قوم أزلنا هامهن عن المقيل الهام جمع هامة، وهي أعلى الرأس، ومقيلة: مكانه، ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
(٣) أخذت بسجلهم فنفحت فيه محافظة لهن إخا الذمام أي: لأن أحافظ لهن إخا الذمام. الثاني: ما فيه الألف واللام، وهو بمنزلة المنون في استبانة رفع الفاعل ونصب المفعول بعده، تقول: عجبت من الضر زيد عمرًا، لأن ما فيه الألف واللام ممتنع من الإضافة والذي فيه الألف واللام ضعيف في الإعمال، لأنه لما تعرف بعد من شبه الفعل، وقال أبو علي الفارسي: «لم يجئ شيء من المصادر بالألف واللام معمل في التنزيل، وتأولوا آية حملوها على هذا، وهي قوله تعالى: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ والتقدير: لا يحب الله أن يجهر بالسوء
[ ٥١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلا المظلوم ومن لم يحملها على إعمال المصدر جعل من استثناء منقطعًا، وأما قول الشاعر:
(٢) لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعًا فينشد لحقت وكررت، فمن أنشد لحقت نصب به مسمعًا، لأن الفعل أولى بالإعمال من المصدر المعرف باللام، ومن أنشد كررت نصب مسمعًا بالضرب، لأن كررت لا يتعدى، ولم يجز أبو علي أن يكون التقدير: كررت على مسمع، فلما حذفت حرف الجر تعدى الفعل إلى الاسم، وحجته أنا قد وجدنا ذلك مندوحة بأن ننصبه بالضرب لأنه مصدر فعل متعد، والمغيرة إما أن/ يكون صفة لخيل أو لجماعة وهو اسم فاعل من الغارة والغارة جماعة الخيل، والغارة الجماعة الغزاة، والغارة اسم من أعار يغير إذا فرق خيله أو جماعته للغزو، ونكل عن الشيء إذا تركه، ومسمع: اسم رجل. الحالة الثالثة: أن تضيف المصدر، وتجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول، وإلى أيهما أضفته جررته، وتركت الثاني على إعرابه، تقول: عجبت من أك لزيد الخبز، فزيد مجرور لإضافته إليه، والخبز منصوب، لأن الإضافة لا تكون إلى اسمين. وتقول: عجبت من أكل الخبز زيد، فالخبز مجرور، وزيد مرفوع لما ذكرنا، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاعإليه سبيلا﴾ وتجوز إضافته إلى كل واحد منهما من غير ذكر الآخر كقوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ فهذا مضاف إلى المفعول، ولا فاعل، ومن قرأ: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾. فقد أضافه إلى الفاعل ولا مفعول، وإذا أضفته إلى الفاعل كان مجرور اللفظ
[ ٥٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مرفوع الموضع. وإذا أضفته إلى المفعول كان مجرور اللفظ منصوب الموضع، لأنك لو نونته مع كل واحد منهما لظهر فيه الإعراب الذي يستحقه. فإذا قلت: أعجبني ضرب زيد وعمرو فجعلت زيدًا فاعلًا جاز في عمرو الجر حملًا على اللفظ، والرفع حملًا على الموضع، كأنك قلت: أعجبني أن ضرب زيد وعمرو. وإذا جعلت زيدًا مفعولًا جاز في عمرو الجر حملًا على اللفظ، والنصب حملًا على الموضع كأنك قلت: أعجبني أن ضربت زيدًا وعمرًا، وقال الراجز:
(٢) يحسن بيع الأصل والقيانا فنصب القيان حملًا على موضع الأصل، كأنه قال: يحسن أن يبيع الأصل والقيان. وإنما جاز إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول، لأن كل واحد منهما به ملابسة فالفاعل يلابسه بأحداثه إياه، والمفعول يلابسه بأنه محله وأنشد أبو الفتح ﵀:
(٣) أفنى بلادي وما جمعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريق التلاد: المال القديم، والنشب ها هنا: المستحدث، ألا ترى أنه قال: «وما جمعت» فكأنه قال: أفنى تلادي وطار في، والقرع: الدق، والقوافيز: جمع قاقوزه يقال: قاقوزة وقازوزة، وهي إناء يشرب فيه، والأباريق: جمع إبريق.
[ ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والإبريق أيضًا: السيف المصقول، والمرأة البراقة إبريق، على (رأي). ابن فارس. ومعنى البيت أن ماله القديم والحديث أفناه شرب الخمر، وهذا في المعنى كقول طرفة بن العبد:
(٢) وما زال تشرابي الخمور ولذتي وبيعي وإنفاقي طريفي ومثلدي ولك رفع أفواه ونصبه، فإن رفعته كان القواقيز مفعولًا في المعنى. وإن نصبته كان القواقيز فاعلًا في المعنى، وإنما جاز ذلك، لأن الشيء إذا قرع شيئًا فقد قرعه المقروع فالقواقيز فاعله مفعولة، وكذلك الأفواه، ولو قلت: عجبت من ضرب زيد عمرًا فنصبت عمرًا على أنه مفعول لم يكن لك رفعه، لأنه لا يلزم من كونه مضروبًا أن يكون ضاربًا فرفعه يلبس. وعجبت من أكل زيد الخبز بالرفع من أكل الخبز زيدًا بالنصب، لأن الخبز لا يكون (إلا) مأكولًا، فجعلك إياه فاعلًا غير ملبس. مسألة: يجوز إضافة المصدر إلى الظرف، لأنه فيه، فإذا أضفته إليه بقي فاعله ومفعوله على إعرابهما، تقول: عجبت من ضرب اليوم زيد عمرًا، وإذا أضفت المصدر إلى الظر فخرج عن الظرفية، لأنه إذا كان ظرفًا قدرت فيه في، وإذا أضيف إليه امتنع تقديرها كوجودها، ولو وجدت لحالت بين المضاف والمضاف إليه/ قال الله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ وتقول: سرني إعطاء زيد عمرًا الدرهم ولك أن تضيفه إلى عمرو وإلى الدرهم، وإذا قلت: سرني إعلام أبيك محمدًا عمرًا جالسًا لكانت لك إضفاته إلى محمد دون المفعولين الآخرين، وتقول:
[ ٥٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سرني قيامك يوم الجمعة فلك في يوم الجمعة ثلاثة أوجه: أحدها أن تجعله حالًا من قيامك أي: سرني قيامك موجودًا يوم الجمعة. ولك أن تقول: سرني يوم الجمعة قيامك، كما تقول: جاء راكبًا زيد، ويوم الجمعة سرني قيامك، كما تقول: راكبًا جاء زيد. والثاني: أن تجعله متعلقًا بقيامك، كأنك قلت: سرني أن قمت يوم الجمعة، ولا يجوز تقديمه على قيامك لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، وقد ذكرت علة ذلك، ولا يجوز تقديمه على سرني، لأنه إذا لم يجز تقديمه على قيامك مع أنه إلى جانبه فألا يجوز تقديمه عليه مع الفصل بينهما أولى. والثالث: أن تجعله متعلقًا بسرني، فيجوز أن تقول: سرني قيامك يوم الجمعة وسرني يوم الجمعة قيامك، ويوم الجمعة سرني قيامك. ولا يجوز أن تجعله حالًا من الكاف في قيامك، ولا من الياء في سرني، لأن ظروف الزمان لا تكون أحوالًا للجثث كما لا تكون أخبارًا عنها.
[ ٥٢٣ ]