قال ابن جني: وهما خفيفة، وثقيلة، فالثقيلة: أشد توكيدًا من الخفيفة والفعل قبلهما مبني على الفتح معهما، وأكثر ما تدخلان فيه القسم، تقول: والله لأقومن، وتالله لأذهبن، قال الله ﷿: ﴿لأرجمنك واهجرني مليا﴾.
وقد تدخلان في الأمر والنهي والاستفهام. تقول: اضربن زيدًا ولا تشتما بكرا وقال الأعشى:
*ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا*
وقال الآخر:
فلا تضيقن إن السلم آمنة ملساء ليس بها وعث ولا ضيق
وكذلك المعتل أيضًا تقول: ارمين زيدًا، ولا تعزون جعفرًا، ولا تخشين سوءًا، قال الشاعر:
استقدر الله خيرًا وارضين به فبينمنا العسر إذ دارت مياسير
_________________
(١) (باب النونين) قال ابن الخباز: وهما ثقيلة، وخفيفة، فالثقيلة مشددة بمنزلة نونين، والخفيفة نون واحدة ساكنة لأنه لا حاجة إلى حركتها، فالثقيلة مبنية على الحركة لالتقاء الساكنين، ومفتوحة لأنها والفعل كلمة واحدة، فاختير لها الفتح للطول، وهي أشد توكيدًا من الخفيفة لأن لفظها أكثر من لفظها. فإن قلت: فأيهما الأصل؟ قلت: الخفيفة، لأن الثقيلة أزيد منها لفظًا ومعنى، والزيادة طارئة عارضة فالعاري من الزيادة هو الأصل. فإذا قلت: اضربن بالخفيفة فقد ذكرت الفعل في التقدير مرتين، فكأنك (قلت): اضرب اضرب، فإذا قلت: اضربن بالشديدة فقد كررت الفعل في التقدير ثلاث مرات فكأنك قلت: اضرب اضرب اضرب،
[ ٥٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإذا قلت: والله لتذهبن، بالخفيفة، فقد كررت الفعل في التقدير أربع مرات، فكأنك قلت: تذهب تذهب تذهب تذهب، وإذا قلت: والله لتذهبن بالشديدة فقد كررت الفعل في التقدير خمس مرات، كأنك قلت: تذهب تذهب تذهب تذهب تذهب، وهذا أصل نافع في هذا الباب، فابن عليه مسائله من جهة المبالغة في التوكيد. ولا يخلو الفعل الذي يدخلان عليه من أن يكون مضارعًا أو أمرًا، ولا يدخلان على الماضي، لأنه ثابت متحقق، والمقصود منهما توكيد ما يقع، ليكون ذلك حاملًا على الإيقاع، فإذا كان مضارعًا فلا يجوز أن يكون حالًا، لأنه مشاهد ثابت، فلا فائدة في توكيده، وإن كان مستقبلًا دخلتا عليه وأثر دخولهما البناء على الفتح، أما البناء، فلأن حركة الإعراب لم يبق لها مورد في الفعل، لأن فتحته قد صارت علامة. للواحد، كقولك: (متى) تذهبن؟ وضمته علامة للجمع كقولك: متى تذهبن؟ وكسرته علامة للمؤنث كقولك: متى تذهبن؟ وأما حركته فليست لالتقاء الساكنين بل هي لأن بناء المضارع عارض، والدليل عليه أنك تقول: قولن وسيرن فتثبت الواو والياء، ولو كانت الحركة لالتقاء الساكنين لم تثبتهما كقولك: قل الحق وبع العبد، وخف الله، وأما الفتحة، فإن الفعل متى كان للواحد حرك بها، واختاروا الفتحة، لأنها أخف الحركات، ولأن الضمة/ تلبس بفعل الجماعة، والكسرة تلبس بفعل المؤنث، وإن كان أمرًا فإنه يبنى على الحركة بعد أن كان ساكنًا، وليس كالمضارع في عروض البناء. ولهما مواضع يدخلان على الفعل معها، فالشائع الكثير دخولهما في القسم، لأن أصل المجيء به التوكيد، وهو مفتقر إليه، وفي التنزيل: ﴿ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ وقال تعالى: ﴿لأرجمنك واهجرني مليا﴾ وقال تعالى: ﴿لسنفعًا بالناصية﴾ وقال الأعشى:
[ ٥٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤٣٤ - فلأشربن ثمانيًا وثمانيًا وثمان عشرة واثنتين وأربعا ومن ذلك الأمر والنهي، تقول: اضربن زيدًا ولا تشتمن عمرًا، لأنهما غير واجبين، وفي التنزيل: ﴿ولا تقولن لشيء﴾ وقال الأعشى:
(٢) ولا تسخرن من بائس ذي ضرورة ولا تحسبن المال للمرء مخلدًا ولا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدًا وقال أيضًا:
(٣) وسبح على العشيات والضحى ولا تحمد المثرين والله فاحمدا هكذا قرأته في ديوانه، وقد حرفه أبو الفتح، والبيت (الذي) في آخره واعبدا قوله:
(٤) وذا النصب المنصوب لا تنكسنه لعاقبة والله ربك فاعبدا وقال أفنون التغلبي:
[ ٥٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤٣٨ - ألا لست في شيء فروحًا معاويًا ولا المشفقات إذ تبعن الحوازيا وإذا كان الفعل معتلًا أعدت لامه مع النونين، لأنك إنما تحذفها للجزم وقد أزاله إلحاق النونين، تقول: ارمين واغزون واخشين ولا تعدون ولا ترضين ولا تقضين، قال الشاعر/:
(٢) تأتي أمور فما ندري أعاجلها خير لنفسك أم ما فيه تأخير فاستقدر الله خيرًا وارضين به فبينما العشر إذ دارت مياسير استقدر الله: أي: اسأله أن يقدر لك. وقوله: «وارضين به» أي: ارضين بالخير، وارضين بالله أو ارضين باستقدار الله تعالى. والعشر مبتدأ وخبره محذوف، والماسير: جمع يسر أو جمع ميسيرة، وأصله: مياسر فمطل الكسرة ولهذا الشعر حديث تركته خوف الإطالة. وإذا كانت عين الفعل معتلة أثبتها لتحرك الآخر في الوقف والوصل، قال الشاعر:
(٣) فلا تضيقن إن السلم آمنة ملساء ليس لها وعث ولا ضق يقال: سلم وسلم وهي مؤنثة، ويجوز تذكيرها، ويقال: ضيق وضيق، والوعث: الأذى، وهو من الوعث في الأرض: وهو رخاوتها، يقال: بعير موعث إذا وقع في الوعث، وذلك يشق عليه.
[ ٥٢٧ ]
قال ابن جني: وتدخل في الاستفهام والنفي، قال الشاعر:
هل ترجعن ليال قد مضين لنا والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا
وتقول في التثنية: لتضربان زيدًا، وفي الجمع: لا تذهبن معه، ومع التأنيث: لا تضربن زيدًا، حذفت النون لزوال الرفع، وحذفت الواو والياء/ لسكونهما وسكون النون الأولى بعدهما، وبقيت الكسرة والضمة تدلان عليهما. ولم تحذف الألف من لتضربان، لئلا تشبه الواحد، قال الله ﷿: ﴿لتركبن طبقصا عن طبق﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ وقال تأبط شرًا:
لتقرعن علي السن من ندم إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي
_________________
(١) قال ابن الخباز: وتدخلان في الاستفهام، وأنشد:
(٢) هل ترجعن ليال قد مضين لنا والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا أفنان: جمع فن وانتصابه على الحال من الضمير في منقلب، وقال المرقش الأكبر:
(٣) هل يرجعن لي لمتي إن خضبتها إلى عهدها قبل المشيب خضابها وقال: إنها تدخل في النفي ولم يذكر له مثالًا ولا شاهدًا، وإنما جاز دخولها في النفي لأنه يقصد به ترك الفعل فشبه النهي، وها هنا تنبيه: اعلم أن المنفي بلم ولما يضعف دخول النون عليهما، لأنهما تقلبان معناه إلى المضي، والمنفي بما لا يجوز دخولها عليه، لأنها مخلصة للحال.
[ ٥٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويجوز دخولها على المنفي بلا ولن، لأنهما تخلصانه للمستقبل. وتقول في توكيد فعل الاثنين: لا تضربان زيدًا حذفت نون الرفع/ لأن الفعل صار مبنيًا، وقال ابن الدهان: هو معرب، وهذا بعيد، وكسرت نون التوكيد، لأنها أشبهت نون التثنية بوقوعها بعد الألف. وتقول في توكيد الجمع: لا تذهبن معه، حذفت نون الرفع لما ذكرنا، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، والضمة قبلها تدل عليها، ولم يجز حذف الألف، لأنك لو حذفتها لالتبس فعل الاثنين بفعل الواحد، وتقول في فعل المؤنث: لا تذهبن معه، حذفت نون الرفع والياء لما ذكرناه، وكسرة الباء دليل على الياء، وأما قوله تعالى: ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ فيقرأ بالتشديد والتخفيف فمن قرأ بالتشديد جعل النون للتوكيد، وكانت «لا» للنهي، ومن قرأ بالتخفيف جعل الفعل حالًا وكانت لا للنفي (والنون للرفع) وقيل: إنها للتوكيد، وقد حركت لالتقاء الساكنين، وهو ركيك، وأما قوله تعالى: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ فمن قرأه بفتح الباء جعل المخاطبة للإنسان ومن قرأ بالضم جعله خطابًا للناس، وقوله: ﴿طبقًا عن طبق﴾ أي: حالًا بعد حال من صبي وشباب واكتهال وشيب، وأنشد ابن قتيبة:
[ ٥٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤٤٣ - كذاك المرء إن نيسأ له أجل يركب به طبق من بعده طبق وأما قول تأبط شرًا:
(٢) لتقرعن على السن من ندم إذا تذكرت يومًا بعض أخلاقي فيروى بفتح العين وضمها وكسرها، فمن رواه بالفتح جعله خطابًا للعاذل، لأن قبه يقول:
(٣) يقول أتلفت مالًا لو رضيت به من ثوب صدق ومن بزو أعلاق ومن رواه بالضم جعله خطابا للعذال، لأن الواحد منهم كالجمع/ ومن رواه بالكسر جعله خطابًا للعاذلة، لأن قبله:
(٤) عاذلتي إن بعض اللوم معنقة وهل متاع وإن أبقيته باق
[ ٥٣٠ ]
قال ابن جني: فإذا انفتح ما قبل الواو والياء حركت الواو بالضم، والياء بالكسر، لالتقاء الساكنين تقول: احشون زيدًا، ولا ترضين عن عمرو قال الله ﷿: ﴿لنبلون في أموالكم وأنفكسم﴾ وقال عز اسمه: ﴿فإما ترين من البشر أحدًا﴾ وتقول في جماعة المؤنث: اضربنان زيدًا يا نسوة، ولا تخشينان عمرًا، تفصل بين النونات بالألف تخفيفًا، ومن كلام أبي مهدية في صلاته: اخسأنان عني، اخسأنان عني، فإذا وقعت على النون الخفيفة أبدلت منها للفتحة قبلها ألفًا، تقول: يا زيد اضربا، ويا محمد قوما. فإن لقيها ساكن بعدها حذفت لالتقائهما. وقال الشاعر:
ولا تهيم الكريم علك أن تركع يومًا والدهر فد رفعه
أراد ولا تهينن، فحذف، وقد تدخل النونات في غير هذه المواضع، وليس ذلك بقياس فتركناه.
_________________
(١) قال ابن الخباز: فإن انفتح ما قبل واو الجمع وياء المؤنث لم يجز حذفهما، لأنه ليس قبلهما ما يدل عليهما تقول: لا تخشون سوءًا، ولا ترضين عن عمرو، وضممت الواو، لأن الضمة من جنسها، وكسرت الياء، لأن الكسرة من جنسها، وفي التنزيل: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ ووزنه: تفعون، لأن الواو ضمير، وفيه: ﴿فإما ترين﴾ ووزنه: تقين، لأن الياء ضمير، وقال الزمخشري: قرئ: ﴿ترين﴾ بالهموة وهي رديئة. وإذا أكدت فعل جماعة الإناث قلت: اخشينان ولا تذهبنان وإنما دخلت الألف لتفصل بين النونات، وإذا أدخلوها في قوله تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا﴾ ليفصلوا بين الهمزتين، وهما مثلان فإدخالها للفصل بين ثلاثة أمثال أولى وتكسر النون لوقوعها بعد الألف كما كسرت نون الزيدان، ومن كلام أبي مهدية في
[ ٥٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صلاته: «اخسأنان عني» يقال: خسأت الكلب فخسأ هو أي: أبعدته فبعد، وأبو مهدية أعرابي بالبصرة كان تؤخذ عنه اللغة. قال الأصمعني: أصابته المرة الصفراء فدخلنا عليه فقال: هات خلتك يا أحمر، فناولته قارورة خل فشربها ثم تفلها، فقال: اطلعت في النار فرأيت للشعراء كظيظا وأرجو أن يغفر الله لجرير بدفعه عن نسيات قيس. اخسأنان عني، كذا من أمك يا شيطان، والمخاطب بقوله: اخسأنان عني: خيالات عرضت له، وكل موضع تدخل فيه الثقيلة فالخففة تدخله إلا فعل الاثنين وفعل جماعة النساء، لأنه يلزم من دخولها التقاء الساكنين وتحريك النون غير جائز. وإذا وقفت على النونين فإن كان الموقوف عليه الشديدة كان لك وجهان/: إسكانها كقولك: يا زي اضربن، وتحريكها وإلحاق هاء السكت قال الراجز:
(٢) يا عمر الخير جزيت الجنة اكس بنياتي وأمهنه أقسم بالله لتفعلنه فقال عمر ﵁، وإن لم أفعل، فقال له:
(٣) إنك عن حالي لتسألنه يوم تكون الأعطيات تمه والواقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنة فقال عمر ﵁: يا يرفأ أعطه ما طلب لأجل ذلك اليوم لشعره. وإن كان الموقوف عليه الخفيفة، فإن كانت في مضارع لم يخل من أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجزومًا، فإن كان مرفوعًا وما قبلها ضمة أو كسرة كقولك: هل تضربن يا قوم؟، وهل تذهبن يا هند؟ قلت في الوقف: هل تضربون؟ وهل
[ ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تذهبين؟ رددت نون الرفع لزوال نون التوكيد، ورددت الواو والياء لزوال التقاء الساكنين. وحذفت نون التوكيد، لأنها سكنت وقبلها ضمة أوكسرة فصارت كالتنوين في هذا زيد ومررت بزيد. وإن كان قبلها فتحة: أبدلت منها الألف قياسًا على التنوين في رأيت زيدًا، لأنها مثله في سكونها وفتح ما قبلها تقول: هل تذهبن يا زيد؟ فإذا وقفت قلت: هل تذهبا؟ وإن كانت في الأمر، وقبلها ضمة أو كسرة حذفتها، وأعدت الضمير، تقول اذهبن يا قوم، واضربن يا هند، فإذا وقفت قلت: اذهبوا واضربي، وإن كان قبلها فتحة أبدلت منها الألف تقول: يا زيد اضربا، ويا محمد قوما، قال النابغة الجعدي في المضارع:
(٢) فمن يك لم يثأر بأعراض قومه فإني ورب الراقصات لأثارا أراد: لأثأرن، وقال قطري بن الفجاءة المازني في الأمر/:
(٣) ألا أيها الباغي البراز تقربًا أساقك بالموت الزعاف ملاقشبا فما في تساقي الموت في الحرب سبة على شاربيه فاسقني منه واشربا وإذا لقي النون ساكن حذفت لالتقاء الساكنين، تقول: اضربن وقومن، فإذا وصلتها قلت: اضرب ابنك، وقوم اليوم، ولا تحركها لالتقاء الساكنين كما حركت التنوين في: ﴿وعيون * ادخلوها﴾، ﴿وعذاب * اركض﴾ و﴿أحد * الله﴾ لأن التنوين من خصائص الأسماء، وهذه من خصائص الأفعال، فجعلوا الخصيصة الاسم فضيلة على خصيصة الفعل، وقال الشاعر:
[ ٥٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤٥١ - ولا تهين الكريم علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه أراد: ولا تهيين، وأنشد أبو علي ﵀:
(٢) يا حب أمسينا ولم تنام العينا أراد: ولم تنامن، فحذف، وقد دخلت النون في غير ما ذكرنا، وليس بقياس فمن ذلك دخولها في جواب الشرط، قال الشاعر:
(٣) فمهما تشأ (منه) فزارة تعطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا ومن ذلك دخولها مع ربما، قال جذيمة الأبرش:
(٤) ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات وقالوا: قل ما تقولن، وكثر ما تقولن «وبجهد ما تبلغن»، «وبألم ما تختننه»
[ ٥٣٤ ]