قال ابن جني: اعلم أن حبذا معناها المدح وتقريب المذكور بعدها من القلب، وهي ترفع المعرفة وتنصب النكرة التي يحسن فيها من على التمييز تقول: حبذا زيد، وحبذا أخوك، فحبذا في موضع اسم مرفوع بالابتداء، وزيد في موضع خبره، وحقيقة القول: أن الأصل فيها حبب ككرم وظرف فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية، وذا مرفوع بفعله وزيد يرتفع كما يرتفع بعد نعم وبئس. وتقول: حبذا رجلًا زيد أي: من رجل فتنصبه على التمييز، وحبذا مع الواحد والواحدة، والاثنين والاثنتين، والجماعة بلفظ واحد، لأنه جرى مجرى المثل تقول: حبذا زيد، وحبذا هند، ولا تقول: حبذهو وكذلك حبذا الزيدان وحبذا الزيدون وحبذا الهندات، كله بصورة واحدة، قال الشاعر:
يا حبذا القمراء والليل الساج وطريق مثل ملاء النساج
_________________
(١) (باب حبذا) قال ابن الخباز: (ومعناها المدح وتقريب المذكور بعدها من القلب) لأنه موضع المحبة. وهي مركبة من حب واسم الإشارة، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها فعل تغليبًا لأول الجزأين، والثاني: أنها اسم تغليبًا لثاني الجزأين. والثالث: أن كل واحد من الشطرين باق على حاله وحال ذا في الافتقار إلى المفسر كحال الضمير في نعم، وبنيهما فرق: وهو أنه لابد من تفسير ضمير نعم و«ذا» يستغني عن المفسر، لأنه اسم ظاهر تقول: نعم رجلًا زيد، وحبذا زيد، وإنما اختاروا «ذا» بخفته بإفراده وتذكيره وأصل حب: حبب ككرم لوجهين أحدهما: أنهم قالوا في اسم الفاعل: حببت قال عروة العذري:
(٢) لئن كان حلو الماء حران صاديا إلى حبيبا إنها لحبيب
[ ٣٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والثاني: أنهم قالوا: حب بضم الحاء فنقلوا الضمة إليها من الباء، قال ساعدة الهذلي:
(٢) هجرت غضوب وحب من يتجنب وعدت عواد دون وليك تشعب ١٢٦/ب / وإذا قلت: حبذا رجلا زيد، فانتصاب رجل على التمييز، والعامل فيه حب وهو مفسر لذا، والدليل على أنه تمييز دخول من عليه، قال جرير:
(٣) يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا وقيل فيه إذا كان مشتقًا: إنه حال كقولك: حبذا راكبًا زيد. وفي ارتفاع المخصوص أوجه مبنية على الخلاف في حبذا، فمن قال: إنها بجملتها فعل كان المخصوص فاعلًا، ومن قال: إنها اسم كان المخصوص مبتدأ وهي خبره، أوخبرًا وهي متبدأ، ومن قال: إنها فعل واسم فله أن يجعل المخصوص بدلًا من ذا، وله أن يجعله مبتدأ، خبره الجملة المتقدمة، وذا يعني عن العائد، وله أن يجعله خبر مبتدأ محذوف، وهذان الوجهان وجها رفع المخصوص بعد نعم. ولا يختلف «ذا» باختلاف المشار إليه، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فلا تقول حبذان ولا حب أولائي ولا حبذه، ولا حب تان، لأنه جرى مجرى المثل
[ ٣٩٣ ]