قال ابن جني: وهو كان وصار وأمسى وأصبح وظل وبات وأضحى، وما دام، وما زال، وما انفك، وما فتئ، وما برح، وليس، وما تصرف منهن، وما كان في معناهن مما يدل على الزمان المجرد من الحدث، فهذه الأفعال كلها تدخل على المبتدأ والخبر فترفع المبتدأ ويصير اسمها، وتنصب الخبر ويصير خبرها، واسمها مشبه بالفاعل، وخبرها مشبه بالمفعول تقول: كان زيد قائمًا، وصار محمد كاتبًا، وأصبح الأمير مسرورًا، وظل جعفر جالسًا، وبات أخوك لاهيًا، وما دام سعيد كريمًا، وما زال أبوك عاقلًا، وما أنفك قاسم مقيمًا، وما فتئ عمرو جاهلًا، وليس الرجل حاضرًا. وكذلك ما تصرف منها، تقول: يكون أخوك. منطلقًا، وليصبحن الحديث شائعًا.
_________________
(١) (باب كان وأخواتها) قال ابن الخباز: إنما قدم باب كان، لأنها أفعال، وهي أقوى من إن وأخواتها في العمل، لأن تلك حروف. والدليل على أنهن أفعال حسن علامات الأفعال فيها تقول: قد كان وسيكون، وسوف يكون ولم يكن، وتصرف منها المضارع والأمر واسم الفاعل، كقولك: أصبح يصبح، وأصبح، مصبح، وعبر الزجاجي عنها بالحروف، وذلك يجوز، لأن الحرف في الأصل قطعة من الشيء، وهذه طائفة من الكلم. وإنما بدأ بكان لأنها أعم الأفعال، لأن كل شيء داخل تحت الكون، وإنما عملت هذه الأفعال، لأنها أشبهت الأفعال الحقيقية بالفعلية. وتسمى هذه الأفعال ناقصة، لأنها لا تستغنى بالمرفوع. وفائدة دخولها على الجملة (أنها) تضمنها =
[ ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = معانيها التي تدل عليها، فكان لمضي مضمون الجملة وصار للانتقال، وأصبح لاقتران المضمون بالصباح وأمسى لاقترانه بالمساء، وأضحى لاقترانه بالضحى، وظل لاقترانه بالنهار، وبات لاقترانه بالليل. وما دام للتأبيد، وما زال وما برح وما فتئ وما أنفك لاستمرار وجود الخبر بالمبتدأ. وليس: لنفي مضموم الجملة في الحال. تقول: كان زيد قائمًا، فزيد مرفوع بكان موجبة كانت أو غير موجبة كقولك: ما كان زيد قائمًا. ولا يجوز تقديمه عليها كما لا يجوز تقديم الفاعل على الفعل. فإن قلت: زيد كان قائمًا، فهو مبتدأ، وفي كان ضمير، ولابد من الإتيان بالخبر، وذلك لأن ٣٢/ب الاسمين في الأصل مبتدأ وخبر، ولابد لأحدهما من الآخر، ولا يجوز أن / يكون قائمًا مفعولًا به، لأن ذلك يجوز حذفه، وهذا لا يجوز حذفه، ولأنه يلزم من تثنية المرفوع وجمعه تثنيته وجمعه، وذلك لا لزم في المفعول به. ولا يجوز أن يكون حالًا، لأنه يقع معرفة كقولك: كان زيد أباك، والحال لا يكون إلا نكرة. وكان وأخواتها متصرفات إلا فعلين، وهما: ليس، وما دام، فامتناع ليس من التصرف، لأن الغرض من المضارع حاصل منها، ألا ترى أنك إذا قلت: «أزورك ما دمت مقيمًا» فإنما تشترط اتصال الزيارة ودوامها، وموضع «ما دمت» نصب على أنه ظرف زمان والعامل فيه «أزورك» فالماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل فوضى في رفع الأول ونصب الثاني كقولك: يكون أخوك منطلقًا، وأصبح الأمير سائرًا، وعبد الله كائن مقيمًا. ويسمى المرفوع اسم كان، لأنه اسم عملت فيه فأضيف إليها للملابسة، ويسمى المنصوب خبر كان، لهذه العلة. ومن ظن الأمر غير ذلك فقد أخطأ. وقوله: (على الزمان المجرد من الحدث) يعني به أن كان وأخواتها لا مصادر له، لأنهم أجروها مجرى الحروف، وألزموا مرفوعها المنصوب، ومثل هذا لا يكون في الفعل الحقيقي. والخبر عوض عن المصدر.
[ ١٣٥ ]
قال ابن جني: فإذا اجتمع في الكلام معرفة ونكرة جعلت اسم كان المعرفة وخبرها النكرة تقول: كان عمرو كريمًا، ولا يجوز كان كريم عمرًا إلا في ضرورة الشعر، قال القطامي:
ففي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا
فجعل موقفًا وهو نكرة اسمها والوداع - وهو معرفة - خبرها. فإن كانا جميعًا معرفتين / كنت فيهما مخيرًا أيهما شئت جعلته اسم كان، وجعلت ١١/ب الآخر الخبر تقول: كان زيد أخاك، وإن شئت كان أخوك زيدًا.
_________________
(١) = وقوله: (وما كان في معناهن) قد جاءت ستة أفعال أجرتها العرب مجرى كان في رفع الاسم ونصب الخبر، وهي بمعنى صار، وهي: آض، وعاد، وغدا، وراح، وجاءت، وقعدت، قال الله ﷿: ﴿فتقعد مذمومًا مخذولا﴾ أي: تصير. وقالت الخوارج لابن عباس: «ما جاءت حاجتك» تقديره: أية حاجة صارت حاجتك. / وقال المرقش الأكبر: ٣٣/أ
(٢) فاض به جذلان ينقص رأسه كما آض بالنهب الكمي المحالس وقال ربيعة بن مقروم الصبي:
(٣) فدارت رحانا بفرسانهم فعادوا - كأن لم يكونوا - رميما فرميما خبر عادوا، ويكونوا تامة، والمعنى عليه. قال ابن الخباز: وحال الاسم والخبر في التقسيم إلى المعرفة والنكرة في هذا =
[ ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الباب كحالهما في باب المبتدأ والخبر، فالأعدل أن يكون الاسم معرفة والخبر نكرة كقولك: كان عمرو كريمًا، وقد يجيء في الشعر للاضطرار الاسم نكرة والخبر معرفة، والمقصود منه إقامة القافية كقول القطامي، وهو شاعر من تغلب يسمى عمير بن شييم، قال الجوهري: هو القطامي بالضم. فأما الصقر فيقال له: قطامي وقطامي. وقال:
(٢) قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا أراد: ضباعة فرخم، والألف للإطلاق، «وموقف» اسم «كان» وهو نكرة. والوداع خبرها وهو معرفة، ولو أعطاه حقه في الكلام لنسب «موقفًا» ورفع «الوداع» ولكنه نكب عن ذلك، لأنه عيب في القافية شديد القبح، وهو اجتماع الرفع والنصب في قصيدة وهذه القصيدة منصوبة وبعد هذا البيت:
(٣) ففي فأفدي أسيرك إن قومي وقومك لا أرى لهم اجتماعا وقيل: لا حجة لابن جني في هذا البيت من وجوه: أحدها: أن «موقفًا» نكرة موصوفة. وتعريف الوداع جنسي وذلك قريب من المعرفة، وهذا قريب من النكرة. ٣٣/ب الثاني: أن كان تامة / وموقفًا فاعل، والوداع منصوب بموقف، لأنه مصدر. الثالث: أن الوداع يجوز أن يكون منصوبًا بقفى، أي: قفى الوداع. والمعرفتان: كقولنا: كان زيد أخاك، ويجوز كان أخوك زيدًا، وقد ذكرت الفرق بين الكلامين في باب خبر المبتدأ، قال الله عز وجلك ﴿فما كان جواب قومه إلا أن
[ ١٣٧ ]
قال ابن جني: ويجوز تقديم أخبار كان وأخواتها على أسمائها وعليها أنفسها تقول: كان قائمًا زيد، وقائمًا كان زيد، وكذلك ليس قائمًا زيد، وقائمًا ليس زيد. وتكون كان دالة على الحدث فتسعفني عن الخبر المنصوب. تقول: قد كان زيد أي: قد حدث وخلق كما تقول: أنا مذ كنت صديقك، أي: أنا صديقك مذ كنت وخلقت. قال الشاعر:
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء
أي: إذا حدث الشتاء ووقع، وكذلك أمسى زيد، وأصبح عمرو كقولك: أمسينا وأصبحنا، وقد يضمر فيها اسمها، وهو ضمير الشأن والحديث، فتقع الجمل بعدها أخبارًا عنها تقول: كان زيد قائم، أي: كان الشأن والحديث زيد قائم. قال الشاعر:
إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
أي: كان الشأن، والحديث: الناس صنفان.
_________________
(١) = قالوا﴾ يقرأ برفع الجواب ونصبه. والنكرتان إن كانتا خاليتين من التخصيص أو أحدها لم يجز، فال تقول: كان إنسان حليمًا. قال سيبويه: لأن المخاطب لا يستنكر أن يكون في الدنيا إنسان هكذا. فإن وصفت النكرة كقولك: كان رجل عالم خيرًا منك، وما كان رجل (عجول) مصيبًا، أو كانت النكرة عامة كمسألتي الكتاب: ما كان أحد مثلك، وما كان أحد مجترئًا عليك جاز، لأن فيه فائدة. قال ابن الخباز: ويجوز تقديم أخبار كان وأخواتها على أسمائها لأنها أخبار، والأخبار مشبهات بالمفعول، فكما يجوز تقديم [المفعول] على الفاعل يجوز تقديم الخبر على الاسم قال الله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا أن أوحينا﴾ وقال:
[ ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾. وقوله: (وعليها أنفسها) غير مستقيم، لأنه لا يجوز تقديم الخبر على العامل في هذا الباب مطلقًا، وفيه تفصيل. أما كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات، فيجوز تقديم أخبارها عليها: قال الله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ وقال: ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ لأنها أفعال متصرفات واجبة، وأما ما زال، وما برح، وما فتئ، وما انفك: فمذهب البصريين أنه لا يجوز تقديم أخبارها عليها فلا تقول: قائمًا ما زال زيد. لأن في أوائلها «ما» النافية، وما في حيزها لا يتقدمها. ومذهب الكوفيين جواز التقديم، لأن معاني هذه الأفعال النفي قبل دخول «ما» فلما ٣٤/أدخلت «ما» قلبت المعنى إيجابًا / فصار ما زال زيد قائمًا بمنزلة كان زيد قائمًا، وثم يقدم الخبر فكذلك هنا. وأما «ما دام» فلا يجوز تقديم خبرها عليها، فلا تقول: أزورك مقيمًا ما دام زيد لأن «ما» في أولها مصدرية، وصلة المصدر لا تقدم عليه. وأما ليس فالمتقدمون من البصريين يجيزون تقديم خبرها عليها فيقولون: قائمًا ليس زيد واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم﴾ والمتأخرون من البصريين والكوفيين يمنعون تقديم الخبر عليها، واحتجوا بأنها فعل غير متصرف جرى مجرى الحرف. واعلم أن لكان موضعًا آخر تكون فيه دالة على الحدث وتستغني بالمرفوع، تقول «كان الأمر» أي: وجد، وهذه ذات مصدر تقول: كان الأمر كونًا، وفي التنزيل: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ وقراءة عثمان بن عفان بالنصب، ومن =
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك قولهم: «أنا مذ كنت صديقك» أنا مبتدأ، وصديقك خبره، ومن نصبه فقد أخطأ لبقاء المبتدأ بلا خبر، والبيت الذي أنشده للربيع بن ضبع الفزاري وهو:
(٢) إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء وبعده:
(٣) فإما حين يذهب كل فر فسربال خفيف أو رداء فإذا قلت في التامة: كان زيد قائمًا، فانتصابه على الحال، وكذلك أمسى وأصبح تستعملان تامتين أيضًا، فتستغنيان بالفاعل، قال الله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ أي: تدخلون في المساء والصباح، وهما ذواتا مصدرين قال الشاعر: / ٣٤/ب
(٤) كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء واعلم أنهم يقدمون على الجملة ضميرًا يعود إلى غير مذكور يسميه البصريون ضمير شأن ويسميه الكوفيون مجهولًا، فتعليل الأول أنه كناية عن الأمر والحديث. وهما شأن ويسميه الكوفيون مجهولًا، فتعليل الأول أنه كناية عن الأمر والحديث. وهما الشأن بمعنى، وتعليل الثاني أنه يعود إلى غير مذكور، وذلك قولك: هو زيد قائم، فهو مبتدأ أول، وزيد مبتدأ ثان، وقائم خبر زيد، وهما خبر هو، وموضع الجملة الرفع، فإذا دخل على هذا الكلام كان انتقل ضمير الشأن من البروز إلى الاستكنان، ومن الانفصال إلى الاتصال وصار موضع الجملة التي بعده نصبًا، لأنها خبر كان، ولا تغيرها كان، لأنها (لا) تؤثر في لفظ الجملة بل في موضعها، كقولك: كان زيد قائم، والبيت الذي أنشده للعجير السلولي من أبيات الكتاب.
(٥) إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع =
[ ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتوهم الزمخشري أن كان المستكن فيها ضمير الشأن قسم من أقسامها، وليس الأمر كذلك، لأن كان وأخواتها يدخلن على الجملة التي صدرها ضمير الشأن: قال هشام أخو ذي الرمة:
(٢) هي الشفاء لدئي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول ولا يجوز تقديم الخبر على كان في هذا الموضع، لأنها مفسرة لضمير الشأن، وكذلك قبل دخول كان لا تقدم على «هو» لهذه العلة. ويجوز تأنيث هذا الضمير إذا كان في الكلام مؤنث. قال الله تعالى: ﴿فإنها لا تعمي الأبصار﴾ ويسمى ضمير القصة. وأجاز أبو سعيد إضمارها مع المذكر، فتقول: كانت عمرو ذاهب. ٣٥/أفالتأنيث / للقصة، وأصل الكلام قبل دخول كان هي عمرو ذاهب، أي: القصة هذا.
[ ١٤١ ]
قال ابن جني: وقد تزاد كان مؤكدة للكلام، فلا تحتاج إلى خبر منصوب تقول: مررت برجل كان قائم، أي مررت برجل قائم، وكان زائدة / لا اسم ١٢/ألها ولا خبر تقولك زيد كان قائم. قال الشاعر:
سراة بنى أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب
أراد على المسومة العراب، وألغى كان. وأخبار كان وأخواتها كأخبار المبتدأ من المفرد والجملة والظرف، تقول في المفرد: كان زيد قائمًا، وفي الجملة: كان زيد وجهة حسن. وفي الظرف: كان زيد في الدار.
_________________
(١) قال ابن الخباز: ولكان موضع آخر تكون فيه زائدة، ولزيادتها شرطان: أحدهما: أن تكون ماضية فلا تزاد مضارعة. والثاني: أن تكون متوسطة أو متأخرة، فلا تزاد متقدمة تقول: زيد كان قائم، وزيد قائم كان، ومررت برجل كان قائم، ومررت برجل قائم كان. وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد، لأنه تكلم لغير فائدة، وما جاء من ذلك حمله على التوكيد وهو أمر مطلوب بدليل أنهم وضعوا له ألفاظًا تخضه وستذكر في بابها. واختلف النحويون في معنى زيادة كان، فذهب أبو علي الفارسي إلى أن زيادتها عبارة عن دخولها في الكلام مجردة من الفاعل، وحجته أنا لو جعلنا لها فاعلًا لكانت معه جملة، والجملة لا تزاد. وذهب أبو سعيد السيرافي إلى أن معنى زيادتها عدم اختلال الكلام بسقوطها، ولابد لها من الفاعل عنده، لأنها فعل، وكلا القولين حسن موافق لأصول كلام العرب، وأنشد أبو الفتح في زيادتها:
(٢) سراة بني أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب
[ ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السراة جمع سري وهم السادة، وقوله: «تسامى» أراد تنسامى. وهذا البيت يقوي قول أبي علي، لأنها زيدت بين الجار والمجرور، فلو كان لها فاعل لكثر الفصل بينهما، والأصل عدمه، وجميع ما وقع خبرًا عن المبتدأ يخبر به عن كان وأخواتها. وجملة الأمر أن أحكام الخبر ها هنا أحكام الخبر ثم، إلا في أشياء، ونحن نفرع مسائله ليبين منها القوي والضعيف، والجائز والممتنع تقول: كان زيد منطلقًا، فتخبر بالمفرد المشتق، وكان زيد أخاك، فتخبر بالمفرد غير المشتق. ويجوز في باب كان: كان أخاك زيد، فقدم الخبر المعرفة. وإن كان لا يجوز ٣٥/ب تقديمه ثم، والفرق بينهما / أن إعراب الاسمين هناك متفق، فلو قدم الخبر لالتبس بالمبتدأ، وإعراب الاسمين ها هنا مختلف فإذا قدم الخبر لم يلتبس. ويقبح أن تقول: كان زيد قام أبوه، لأن كان تدل على مضي مضمون الجملة وكون الخبر فعلًا ماضيًا يغني عنها، فإن جئت بقد حسن، لأنها تقربه من الحال. قال الأعشى:
(٢) فأصبحت قد ودعت ما كان قد مضى وقبلي قد مات ابن ساسان ومورق وتقول: كان زيد أبوه منطلق، وموضع الجملة النصب، لأنها حلت محل المفرد المنصوب، ولا يجوز: كان زيد يذهب عمرو لخلو الجملة من العائد، ويجوز: كان البر الكر بستين، لتقدير العائد، ويجوزك كان زيد خلفك، ولا يجوز: كان زيد يوم الجمعة فإن جعلت كان تامة جاز، ويجوز: كان قيامك خلف زيد، وكان جلوسك يوم الجمعة، وكان زيد من الكرام، ويجوز: كان خلفك زيد وكان قائمًا زيد وقد ذكر، وإذا قال: كيف كنت؟ فالجيد أن تقول: صالحًا بالنصب، لأن خبرها في السؤال في موضع نصب؟ ويجوز أن تقول: صالح. وإذا قلت: =
[ ١٤٣ ]
قال ابن جني: وتزاد الباء في خبر ليس مؤكدًا فتقول: ليس زيد بقائم، أي: ليس زيد قائمًا، وليس محمد بمنطلق، أي: ليس محمد منطلقًا، وتشبه «ما» بليس في لغة أهل الحجاز، فيقولون: ما زيد قائمًا، وما عمرو جالسًا، وأما بنو تميم فيجرونها مجرى «هل، وبل» ولا يعملونها، فيقولون: ما زيد قائم. فإن قدمت الخبر، أو نقضت النفي بإلا، لم يجز فيه إلا الرفع تقول: ما قائم زيد، وما زيد إلا قائم، فترفع في اللغتين جميعًا.
_________________
(١) = كان زيد وجهه حسن، جاز أن ترفع وجهه مبتدأ وبدلًا، فإن كان مبتدأ رفعت حسنًا، وإن كان بدلًا نصبته، وعلى الوجهين قول عبدة بن الطبيب:
(٢) وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما يروى «هلك واحد» بالرفع والنصب. ويجوز زيادة الباء في خبر ليس، كقولك: ليس زيد بقائم، قال الشاعر:
(٣) ولست بهياب لمن يهابني ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا قال ابن الخباز: وموضع الباء وما بعدها النصب، لأنها لو سقطت لكان منصوبًا، ولو عطفت عليه اسمًا، لجاز جره حملًا على اللفظ / ونصبه حملًا على ٣٦/أالموضع، تقول: ليس زيد بجبان ولا بخيل، ولا بخيلًا، وأنشد سيبويه لعقبة الأسدي:
(٤) معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا وإنما زيدت الباء دون غيرها، لأن معناها الإلصاق، وإنما زيدت في الخبر، لأنه مشبه بالمفعول، وهي تزاد معه كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وأما «ما» =
[ ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النافية للحال فحكمها أن لا تعمل، لأنها حرف يلي الأسماء والأفعال كقولك: ما قام زيد وما زيد قائم، فجرى مجرى حرفي الاستفهام، ألا تراك تقول: هل قمت، وهل أنت قائم؟ وإهمالها لغة بني تميم، قال سيبويه: ويقرأون: (ما هذا بشر) إلا من درى كيف هي في المصحف؟ ومن لغة بني تميم قول جحيش الهمداني:
(٢) أرى الطير تخبرني أنني جحيش وأن أبي حرشف وأنى لهمدان في عزها وما أن جاف ولا أهيف وقول جرير: وهو تميمي ثم يربوعي - أنشده الزجاج في المعاني:
(٣) أتيما تجعلون إلى ندا وما تيم لذي حسب نديد وأما أهل الحجاز فتعمل عندهم عمل ليس، لأنها أشبهتها من وجهين: أحدهما: أنها تنفي ما في الحال. والثاني: أنها تدخل على المبتدأ والخبر، فيقولون: ما عبد الله ذاهبًا، كم يقولون: ليس عبد الله ذاهبًا، وفي التنزيل: ﴿ما هذا بشر﴾ ﴿ما هن أمهاتهم﴾ وأنشد أبو عثمان سعيد بن هارون الإشنانداني في كتاب المعاني:
[ ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٥٨ - وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها أبناؤها متكنفون أباهم حنقوا الصدور وما هم أولادها ويجوز: ما زيد بجبان ولا بخل بجر بخيل ونصبه كما جاز في / ليس، والمعنى ٣٦/ب لا يختلف، وتقول: ما أنت كزيد ولا شبيه به، فتجر شبيهًا وتنصبه، والمعنى مختلف. ويبطل عمل «ما» بأمرين: أحدهما: دخول إلا في الخبر. وتقول: ما زيد إلا قائم، وفي التنزيل: ﴿وما أمرنا إلا واحدة﴾ وذلك لأن إلا قلبت الكلام إيجابًا فزال النفي الذي أشبهت به «ما» ليس، فأما قول الشاعر:
(٢) وما الدهر إلا منجنونًا بأهله وما طالب الحاجات إلا معذبًا فإنه نصبهما مصدرين. الثاني: تقديم الخبر، كقولك: ما قائم زيد، وذلك لأن «ما» حرف، وليس للحرف من التصرف ما للفعل، فأما قول الفرزدق:
(٣) فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر ففيه أربعة أوجه: أحدها: أن مثلهم مبني كقوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ والثاني: أنه صفة نكرة تقدم عليها فنصب على الحال والخبر محذوف. والثالث: أنه على لغة أهل الحجاز، والفرزدق غلط بتقديم الخبر. والرابع: أن مثلهم ظرف فكأنه قال: وإذ ما إزاءهم بشرُ. وهذا قول الكوفيين.
[ ١٤٦ ]