قال ابن جني: اعلم أن حكم جميع الأسماء في الأصل أن تكون منصرفة، ومعنى الصرف ما تقدم ذكره إلا أن ضربًا منها شابه الفعل من وجهين، فمنع ما لا يدخل الفعل من التنوين والجر والأسباب التي إذا اجتمع في اسم واحد منها سببان منعاه الصرف تسعة: وهي وزن الفعل الذي يغلب عليه أو يخصه، والتعريف، والتأنيث بغير فرق، والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث، والوصف، والعدل، والجمع، والعجمة، وأن يجعل اسمان اسمًا لشيء واحد.
_________________
(١) (معرفة ما ينصرف وما لا ينصرف) قال ابن الخباز: (اعلم أن حكم جميع الأسماء في الأصل أن تكون منصرفة) وذلك لعلتين: إحداهما: أن الأًل فيها أن تكون معربة، فينبغي أن تستوفي أنواع ١٢٩/ب الإعراب والثانية: أن امتناع الصرف لا يحصل إلا بسبب / زائد، والصرف يحصل بغير سبب زائد، وما حصل بغري زائد أصل لما حصل بزائد. واختلف النحويون في اشتقاق المنصرف، فقال قوم: هو مأخوذ من الصرف، والتصريف، وهو تقليب الشيء في جهات مختلفة، وفي التنزيل: ﴿وتصريف الرياح﴾ لأنها تهب شمالًا ودبورًا وجنوبًا وصبًا، وذلك على حسب اختلاف جهاتها. وقال قوم: هو مشتق من الصريف: وهو صوت الناب والبكرة والقلم والباب قال النابغة:
(٢) مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد
[ ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأنشد الجوهري:
(٢) وباب إذا ما هز للغلق بصرف فوجه الاشتقاق في القول الأول أن الاسم المنصرف متقلب بأنواع الإعراب والتنوين. ووجهه في القول الثاني: أن في آخره التنوين، وهو غنة خيشومية تجري مجرى الصريف. واختلفوا في حد المنصرف، فقال قوم: هو ما دخله التنوين، واحتجوا على ذلك من وجهين: أحدهما: أن الشاعر إذا اضطر إلى تنوين مالا ينصرف في موضع الجر نون وجر، ولو كان الجر من الصرف لم يجز، لأنه لا يزاد على مقدار الضرورة. الثاني: أنه يسمى في حالة الرفع والنصب منصرفًا مع أنه لا جر فيه. وقال قوم: المنصرف عبارة عما دخله التنوين والجر، وحجتهم أن الجر من خصائص لأسماء فكان من الصرف قياسًا على التنوين، وهذا باطل بالألف واللام والإضافة، فإنهما من خصائص الأسماء وليسا من الصرف، ولما كان الأصل في الأسماء الصرف لم يجز تركه إلا بمانع، لأنه لا يجوز مخالفة الأصل من غير حاجة داعية إليها. وفي العربية علل تسع هن فروع على أصول إذا اجتمع في الاسم منها علتان منعتاه الصرف، وذلك لأنه يصير بحصولهما فيه مشبهًا للفعل في الفرعية، وذلك / ١٣٠ ألأن الفعل فرع على الاسم من وجهين: أحدهما: أنه مشتق من المصدر، والمصدر اسم والمشتق فرع على المشق منه. الثاني: أن الفعل لا يفيد مع الفعل، ولابد له من الفائدة من الاسم، فلا تقول: كتب ينطلق، ولكن تقول: كتب عبد الله، فلما كان الفعل فرعًا على الاسم، وحصل في الاسم علتان فرعيتان صار فرعًا على أصول الأسماء العارية من هذه العلل وقد اعينا أن هذه التسعة فروع على أصول، ونحن نسوقها واحدة فواحدة ونذكر وجه فرعيتها، وبعد ذلك نفصل مسائلها، وقبل
[ ٤٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الخوض في هذين الأمرين، لم لم تكن العلة الواحدة مانعة من الصرف؟ فنقول: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: الأول: أن الأصل في الأسماء أن تكون منصرفة فليس للعلة الواحدة من القوة ما تجذبه عن الأصل، وشبهوه ببراءة الذمة، فإنها لما كانت هي الأصل لم تصر مشتغلة إلا بشهادة عدلين، وذلك لأن الأصول تراعى ويحافظ عليها. العلة الثانية: أن الأسماء التي تشبه الأفعال من وجه واحد كثيرة، فلو راعينا الوجه الواحد، وجعلنا له أثرًا لكان أكثر الأسماء غير منصرف، فكثرت مخالفة الأصل. العلة الثالثة: أن الفعل فرع على الأسماء في الإعراب فلا ينبغي أن يجذب الأصل إلى خير الفرع إلا بسبب قوي، وقد ذكرنا أن مالا ينصرف يفتح في موضع الجر، ويجر مع اللام والإضافة في باب إعراب الاسم الواحد. ذكر أسباب التسعة ووجوه فرعيتها الأول: وزن الفعل، وحقيقة ذلك أن يكون الاسم على بناء من أبنية الفعل مماثل له في الحركات والسكنات والزوائد والأصول، والذي يمنع منه قسمان: أحدهما: المختص، وهو أن تنقل الفعل الذي وزنه لا يشاركه فيه الأسماء فتسمى به نحو: ١٣٠/ب يشكر وتغلب فوزن / يشكر: يفعل، ووزن تغلب: تفعل، وهذان المثالان لا يكونان في الأسماء، فإذا نقلتهما وسميت بهما فقد صار الاسم على وزن مختص بالفعل لأن أصله أنيكون في الفعل، وكونه في الأسماء عارض بالتسمية. الثاني: الغالب، ومعنى ذلك أن يكون الاسم على وزن يغلب وجوده في الأفعال وتشركه فيه الأسماء وذلك نحو يرمع مثاله يفعل، ووجوده في الفعل أكثر منه في الاسم، وإنما كان وزن الفعل فرعًا، لأن الفعل الموزون فرع، والوزن صفة الموزون فإذا كان الموصوف فرعًا فالأولى بالوصف أن يكون فرعًا. الثاني: التعريف: وقد بينا أن المعارف خمسة أقسام، والمانع هنا التعريف العلمي دون غيره، لأن المضمر والمبهم مبنيان، والمضاف والمعرف باللام يدخلهما الجر في موضع فلم يبق إلا العلم، وإنما كان التعريف فرعًا، لأن نسبته إلى التنكير نسبة الخصوص إلى العموم، وقد بينا فرعيته في بابه بأبلغ من هذا.
[ ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثالث: التأنيث: وإنما كان فرعًا، لأنه لا يحصل إلا بزيادة، والتذكير يحصل بغير زيادة فكان فرعًا عليه. ومعنى قوله: (لغير فرق) أن يكون التأنيث لازمًا لا يجوز إسقاط علامته. وسألت شيخنا ﵀: عن تحقيق ذلك فقال لي: تأنيث الصفات غير لازم لأنه للفرق بين المذكر والمؤنث نحو ضارب وضاربة، وتأنيث العلم لازم نحو طلحة لأنك سميته بهذا الاسم (و) فيه التاء. الرابع: الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث، وهما المزيدتان أخيرًا، وذلك نحو الألف والنون في سكران، وذلك لأنهما ضارعتا الألفين اللتين في حمراء وسنذكر ذلك عند ذكرهما، وإنما كانتا فرعًا، لأنهما مزيدتان، والمزيد فرع على الأصل. الخامس: الوصف، وإنما كان فرعًا لوجهين: أحدهما: أنه بمنزلة الفل في الاشتقاق من المصدر، ألا ترى أن أحمر مشتق من الحمرة (/) كما أن احمار ١٣١٣/ب مشتق منها. الثاني: أنه لا يذكر إلا بعد الموصوف، فهو محتاج إليه كاحتياج الفعل إلى الفاعل. السادس: العدل، وإنما كان فرعًا، لأن الأصل في كل صيغة تكلم بها أن يراد بها صيغة أخرى، قال أبو علي: «وموضع الثقل فيه أن المسموع لفظ، والمراد ها هنا جمع التكسير لأن الجمع بالواو والنون معرب بالحروف، والجمع بالألف ها هنا جمع التكسير لأن الجمع بالواو والنون معرب بالحروف، والجمع بالألف والتاء مثله في أنه مصحح، ولأن جمع التصحيح لم يتغير فيه الواحد، (بل هو) باق، وهو لا يمنع الصرف لأصالته. الثامن: العجمة، وحقيقتها أن يكون الاسم ليس من كلام العرب، وقال شيخنا ﵀ في تعليل فرعية العجمة: إنما كانت فرعًا، لأنه ليس الدعي في القوم كالنسيب فيهم، وتحقيق هذا الكلام أن من ربي في قوم ينبغي أن يتكلم بلغتهم فلغتهم بالنسبة
[ ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إليه أصلية ولغة غيرهم بالنسبة إليه دخيلة. التاسع: التركيب: ولا خفاء في فرعيته، لأ (نه) يشتمل على اسمين والاثنان بعد الواحد في الرتبة، فهذا وجه فرعية الأسباب. وقد بينا أن المعتبر في المنع اجتماع سببين، وليس كل سببين اجتمعا يمنعان، ألا ترى أنك لو سميت امرأة بإبراهيم ثم نكرتها ففي الاسم التأنيث والعجمة وهو منصرف، وقد يجتمع في الاسم أكثر من سببين، والعبرة بالسببين، وذلك نحو أذربيجان، وقد جاء في أشعار العرب قال الشاعر:
(٢) تذكرتها وهنا وبيني وبينها قرى أذربيجان المسالح والجالي وفيها خمسة أسباب: التركيب، والتعريف العلمي، والعجمة والتأنيث والألف والنون الزائدان، وهو مع ذلك كله إذا نكر انصرف، وإن كان فيه أربعة أسباب ولم ١٣١/ب أر أحدًا علل ذلك، والذي عندي فيه أن / للتعريف فضلًا على الأسباب كلها وبيانه أن كل واحد من الأناسي والبلاد وكثيرًا من الحيوان المتخذ المألوف من الخيل والإبل والغنم والكلاب والحمير لا يخلو من علم، وليس من ضرورة العلم أن يكون فيه غير العلمية نحو التأنيث والتركيب والزيادة فتدبر هذا فإنه لطيف، فلما كان له فضل على غيره أخل فقده بمنع الصرف. ونعود إلى ذكر الأسباب فنقول:
[ ٤٠٧ ]
قال ابن جني: الأول: وزن الفعل الذي يغلب عليه أو يخصه: وهو كل ما كان على مثال أفعل ويفعل وتفعل وفعل وفعل وانفعل، وكذلك جميع ما اختص من الأمثلة بالفعل.
أو كان فيه أكثر منه في الاسم من ذلك: أحمد لا تصرفه معرفة للتعريف، ومثال أفعل وتصرفه نكرة، لأن السبب الواحد لا يمنع الصرف فتقول /: رأيت ٤١/أأحمد وأحمدًا آخر وكذلك: يزيد وتغلب وأعصر لا تصرف شيئًا من ذلك معرفة وتصرفه نكرة.
وكذلك كل ما هذه حاله، فإن سميته حملًا أو قلمًا، أو نحو ذلك صرفته معرفة ونكرة، وإن كان على مثال ضرب وقتل - لأن مثال فعل يكثر في القبيلين جميعًا فلا يكون الفعل أخص به من الاسم.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الأول: وزن الفعل، وقد ذكر أبو الفتح ستة أمثلة، الأول: أفعل وقد جاء على وزن أسماء وصفات، فالاسم نحو أفكل وأبدع والصفة نحو أحمر وأصفر وأما أحمد فيحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مضارع حمدت، وقد سمى به مع نزع الضمير منه. والثاني: أن يكون فعلًا ماضيًا من أحمدت الشيء إذا وجدته محمودًا، والثالث: أن يكون أفعل التفضيل كقولك: زيد أحمد منك. الثاني: يفعل، وقد جاءت منه أسماء وصفات، فالاسم يرمع: وهي حجارة بيض رقاق. والصفة: يلمع، يقال: رجل يلمع أي: كذاب، قال الشاعر:
(٢) ولما شكوت الحب كيما تثبيني يؤدي قالت إنما أنت يلمع الثالث: تفعل: وقد جاء منه اسم، قالوا: تألب: وهو شجر، التاء فيه
[ ٤٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = زائدة. والتألب: حمار الوحش، قال امرؤ القيس:
(٢) كأكدر ملتئم خلقه تراه إذا ما عدا تألبا الرابع: فعل: وهو كثير في الأفعال، وقد جاء في الأسماء منه: شلم: وهو اسم بيت المقدس، وخضم: وهو لقب العنبر بن عمرو بن تميم، وعثر: وهو اسم مأسدة، وبدر وهو اسم موضع. وبقم ويقال إنه أعجمي. الخامس: فعل: وهو من الأوزان الخاصة كضرب، وقد جاء في الأسماء الدئل ١٣٢/أوهو: اسم دويبة، وبه سمي الئل حتى من كنانة / قال الشاعر:
(٣) جاءوا بجمع لو قيس معرسه ما كان إلا كمعرس الدئل السادس: انفعل: نحو انسكر، وهو من الأوزان الخاصة، وأما يزيد فهو يفعل كيضرب، نقل وسمي (به) وأما تغلب فتفعل كتضرب نقل وسمي به وأما أعصر فهو جمع عصر، نقل وسمى به كما سموا بأكلب جمع كلب وهو على زنة أقتل. ومتى سميت بشيء من جميع ما ذكرناه مذكرًا أو مؤنثًا لم ينصرف في المعرفة، لاجتماع التعريف ووزن الفعل، فإن نكرته صرفته لزوال أحد السببين تقول: هذا أحمد ورأيت أحمد فلا تصرف، ومررت بأحمد وأحمد آخر، فتصرف لزوال
[ ٤٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التعريف. ولو حقرت أحمد تحقير الترخيم لصرفته كقولك: حميد، لأنه قد صار على زنة عبيد. مسألة: لو سميته بضرب وهو فعل لم يسم فاعله لم تصرفه، لاجتماع التعريف والوزن الخاص، فإن أسكنت راءه بعد التسمية فسيبويه لا يصرفه لأن الإسكان عارض والمبرد يصرفه لزوال وزن الفعل. مسألة: لو صغرت أحمد على لفظه كقولك: أحيمد لم تصرفه، لأن التحقير لم يزل بناء الفعل، ألا ترى أنك تقول: بيقرت أبيقر. مسألة: لو سميته بانطلق ونحوه مما في أوله همزة الوصل قطعت الهمزة بعد التسمية، فكنت تقول: هذا انطلق، وإنما قطعت الهمزة، لأن همزة الوصل في الأصل من أحكام الفعل. مسألة: لو صغرت بزيد على لفظه لم ينصرف، كقولك: بزيد. فإن قلت: فما وزنه في التصغير؟ قلت يفيعل. ومن قال: إنه يفعل فقد أخطأ، لأن الياء الأولى زائدة للتصغير، والثانية عين الفعل. مسألة /: لو سميته بضرب وقتل وهو مسمى الفاعل فسيبويه والخليل يصرفانه، ١٣٢/ب لأن مثال فعل يكثر في القبيلين جميعًا، فلا يكون الاسم أولى به من الفعل ولا الفعل أولى به من الاسم، وعيسى بن عمر لا يصرفه لأنه يراعى فعليته في الأصل.
[ ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واحتج بقول سحيم بن وثيل الرباحي:
(٢) أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة يعرفوني وأجاب سيبويه بأن جلا صفة لموصوف محذوف تقديره: أنا ابن رجل جلا. مسألة: يحتاج إليها في هذا الموضع: الأسماء من جهة الصرف ومنعه في التصغير والتكبير أربعة أقسام: قسم ينصرف مصغرًا ومكبرًا كزيد في اسم مذكر. وقسم لا ينصرف مصغرًا ولا مكبرًا كأحمد إذا لم يحقر تحقير الترخيم، وقسم ينصرف مكبرًا ولا ينصرف مصغرًا كتضارب مصدر تضارب، فإنك تقول في تحقيره: تضيرب. وقسم ينصرف مصغرًا ولا ينصرف مكبرًا كعمر المعدول، وتقول في تحقيره: عمير فتصرفه.
[ ٤١١ ]
قال ابن جني: التعريف: ومتى انضم إلى التعريف سبب من الأسباب الباقية منعًا الصرف التأنيث.
الأسماء المؤنثة على ضربين: مؤنث بعلامة، ومؤنث بغير علامة، والعلامة على ضربين: هاء وألف، فكل اسم فيه هاء التأنيث فإنه لا ينصرف معرفة وينصرف نكرة، وذلك مثل طلحةوعزة تقول: رأيت طلحة وطلحة آخر، ومررت بعزة وعزة أخرى، وإنما لم ينصرف معرفة، لاجتماع التعريف والتأنيث فيه.
وأما ألف التأنيث فعلى ضربين: ألف مفردة نحو حبلى وسكرى وحبارى وجمادى / وألف وقعت بعد ألف زائدة فحركت فانقلبت همزة، وذلك نحو ٤١/ب صحراء وحمراء وأصدقاء وأنبياء. وضعفاء وشركاء، فكل اسم وقعت فيه واحدة من ألفي التأنيث فإنه لا ينصرف معرفة ولا نكرة، وإنما لم ينصرف نكرة، لأنه مؤنث، وتأنيثه لازم، فكأن فيه تأنيثين.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الثاني: التعريف، وقد بينا أنه لا يعتبر إلا العلمية، ويمنع التعريف مع وزن الفعل كأحمد، ومع المؤنث بالتاء طلحة، ومع المؤنث بالمعنى كسعاد وسقر، ومع العدل في نحو: عمر ومع الألف والنون كعثمان، ومع العجمة كإبراهيم، ومع التركيب كبعلبك. ولا يمنع مع الوصف، لأنهما لا يجتمعان، لأنك متى سميت بالوصف زالت الوصفية. ونبين هذه بمشيئة الله تعالى، ولا يمنع مع ألفي التأنيث المقصورة والممدودة لأن نحو: حبلى وحمراء غير منصرفين في النكرة ولا يمنع في نحو: سكران لأن فعلان الذي مؤنثه فعلى غير منصرف في النكرة، وما أحد سببيه العلمية إذا نكرته انصرف لزوال / أحد السببين، والتمثيل ظاهر. ١٣٣/أ الثالث: التأنيث، الأسماء المؤنثة على ضربين: مؤنث بعلامة، ومؤنث بغير علامة، فالمؤنث بالعلامة على ضربين: مؤنث بالتاء ومؤنث بالألف والمؤنث بالتاء نحو طلحة وحمدة فهذا لا ينصرف مذكرًا سميت به أو مؤنثًا تقول: هذا طلحة وجاءت حمدة، لأنه علم مؤنث بالتاء، فإن نكرته صرفه تقول: مررت بطلحة وطلحة آخر، وهذه حمدة وحمدة أخرى.
[ ٤١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال أبو الفتح ﵀: (هاء وألف) لأنها تكتب بالهاء، ولأن الوقف عليها بالهاء، ومذهب البصريين أن التاء الأصل والهاء بدل منها، واحتجوا على ذلك بأن (التاء) تثبت في الوصل وفي الوقف في بعض اللغات. والهاء لا تثبت إلا في الوقف، ولو صغرت طلحة أو حمدة لم ينصرف كقولك: طليحة وحميدة، لأن التحقير لا يغير السببين. والمؤنث بالألف قسمان: مؤنث بالألف المقصورة كحبلى، وبالألف الممدودة كصحراء، واختلف سيبويه والأخفش في الهمزة من صحراء، فذهب سيبويه إلى أنها بدل من الألف فالأصل: صحرى كسكرى، فزيدت قبلها ألف المد فلم يمكن اجتماعهما فقلبت الثانية، لأنها طرف، وقلبت همزة، لأنها من مخرجها، والدليل على أن الهمزة بدل أنك تقول في الجمع: صحاري، فأعدت الألف وقلبتها ياء في الجمع، ولو كانت الهمزة مزيدة من أول الأمر للتأنيث لقلت في جمعه: صحارى كمصاريع. وكل واحد من القسمين لا ينصرف في النكرة وكل واحدة من القسمين تقع في ١٣٣/ب المفرد والجمع، فالألف التي في المفرد نحو سكرى / والتي في الجمع نحو قتلى والهمزة التي في المفرد نحو صحراء، والتي في الجمع نحو أصدقاء وأنبياء. وإنما لم ينصرف في النكرة، لأن الألف والهمزة جرتا مجرى الحرف الأصلي من الكلمة، فالتأنيث بهما متصل، والتأنيث بالتاء منفصل، ولا خفاء في فضل المتصل على المنفصل في القوة. والدليل على أن الألف والهمزة جاريتان مجرى الأصل من وجهتين: إحداهما: أن الكلمة تبنى عليهما وليس لها بناء مستعمل قبلهما، ألا ترى أنهم لم يقولوا: حبل ولا صحر ثم قالوا: حبلي وصحراء وليست كذلك التاء فإنها ترد على بناء سابق ألا ترى أنك تقول: طلح وحمد وله معنى ثم تقول: طلحة وحمدة. الوجه الثاني: أن تاء التأنيث تثبت في المصغر قلت حروفه أو كثرت تقول في طلحة: طليحة وفي قاعدة: قويعدة، وفي مقتولة: مقيتيلة. والألف إذا وقعت خامسة فصاعدًا حذفت تقول في جحجبي: جحيجب،
[ ٤١٣ ]
قال ابن جني: وأما المؤنث بغير علامة: فعلى ضربين أيضًا: ثلاثي، وما فوق ذلك، فإذا سميت المؤنث باسم مؤنث ثلاثي ساكن الأوسط فأنت في صرفه معرفة وترك صرفه مخير. تقول: رأيت هند، وإن شئت هندًا، وكلمت جمل وإن شئت جملًا، فمن لم يصرف احتج باجتماع التعريف والتأنيث، ومن صرف اعتبر قلة الحروف وسكون الأوسط، فخف الاسم عنده بذلك فصرفه. فأما في النكرة: فهو مصروف البتة.
فإن تحرك الأوسط لم ينصرف معرفة البتة لثقله بتحرك أوسطه، وانصرف نكرة نحو امرأة سميتها بقدم وفخذ وكبد تقول: رأيت قدم وقدمًا أخرى، ومررت بفخذ وفخذ أخرى، فإن سميت مذكرًا بمؤنث ثلاثي صرفته ساكن الأوسط كان أو متحركًا / وذلك نحو رجل سميته هندًا أو قدمًا أو عجزًا فيمن ٤٢/أأنت تصرفه البتة، لخفة التذكير.
_________________
(١) وفي شقارى: شقيقير، فهذا يدلك على (أن) التاء بمنزلة ثاني شطري المركب، وهو يثبت في التصغير، وعلى أن الألف بمنزلة الأصل الخامس، وهو لا يثبت في التصغير، لأنك تقول في سفرجل: سفيرج، فإن سميت رجلًا أو امرأة بحبلى أو صحراء لم ينصرف لأنه إذا لم ينصرف في النكرة كان انصرافه في المعرفة أبعد، ولأن التعريف إذا لم يزده ثقلًا فلا أقل من أن يبقيه على حاله، فإن نكرته بعد التسمية لم تصرفه أيضًا، لأن قصارى أمره مرجعه إلى التنكير وقد كان فيه قبل التسمية غير منصرف، فإن حقرت حبلى وصحراء نكرتين أو معرفتين لم ينصرفا /. ١٣٤/ألأن التحقير لا يزيل علامة التأنيث، وقول أبي الفتح: (لأنه مؤنث وتأنيثه لازم) إشارة إلى ما شرحناه من اتصال الألف وانفصال التاء. قال ابن الخباز: وأما المؤنث بغير علامة فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف: أو على أكثر منها فإن كان على ثلاثة أحرف: لم يخل من أن يكون ساكن الأوسط أو متحركًا، فإن كان ساكن الأوسط نحو هند ودعد وجمل
[ ٤١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فللعرب فيه مذهبان: الصرف ومنعه، فمن صرف اعتبر قلة الحروف وسكون الأوسط، لأن الاسم بهما على أقل عدد الأسماء المتمكنة وأخف الأبينة ومن لم يصرف اعتبر اجتماع علتين، قال الله تعالى: ﴿اهبطوا مصرًا﴾ وقال تعالى: ﴿ادخلوا مصر﴾ قال الشاعر:
(٢) لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلب فجمع بين اللغتين. وقال لي بعض الحمقى: يجوز أن يكون الصرف في البيت، لأن الشاعر أراد سلامة الجزء من الزحاف، فقلت له: لا شك في أنك جاهل بالعروض أتدري البيت من أي بحر هو؟ فقال: لا، فقلت: هو من المنسرح الأول، وتأليفه من ستة أجزاء منها خمسة مزاحفة مطوية، فلماذا مال الشاعر إلى سلامة الجزء الرابع دون غيره؟ مع أن طي المنسرح يعذب في الذوق، فأرتج عليه. وإن كان متحرك الأوسط نحو سقر لم ينصرف وفي التنزيل: ﴿كلا إنها لظى﴾ و﴿سأصليه سقر﴾ وإنما لم ينصرف، لأن حركة أوسطه نزلت منزلة الحرف الزائد على الثلاثة. ألا ترى أنهم يقولون في النسب إلى حبلى: حبلوي وحبلي، فإذا تحرك الثاني نحو دقري لم يقولوا في النسب: إلا دقري ولم يقولوا: دقروي كما لم يقولوا في حبارى: حباروي، وكذلك (كل) اسم مؤنث
[ ٤١٥ ]
قال ابن جني: فإن تجاوز المؤنث ثلاثة أحرف لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة مذكرًا سميت به أو مؤنثًا لأن الحرف الزائد فيه على الثلاثة ضارع تاء التأنيث وذلك نحو رجل أو امرأة سميتها سعاد أو زينبت أو جيأل، لا تصرف شيئًا من ذلك معرفة، وتصرفة نكرة البيتة.
الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث: كل وصف كان على فعلان ومؤنثه فعلى فإنه لا ينصرف معرفة ولا نكرة، وذلك نحو سكران وغضبان وعطشان لقولك في مؤنثه: سكرى وغضبى وعطشى، وذلك لأن هاتين الألف والنون ضارعتا ألفي التأنيث في نحو حمراء وصفراء، لأنهما زائدتان مثلهما، ولأن مؤنثهما مخلف لبنائهما كمخالفة مذكر حمراء وصفراء لها.
_________________
(١) = / سميت به مؤنثًا نحو قدم وكبد وعضد، فإن نكرت الساكن الأوسط والمتحرك ١٣٤/ب الأوسط صرفتهما لزوال أحد السببين. ولو حقرت هند قلت: هنيدة، فلم تنصرف على كل قول، لأن التحقير أدخل فيها علامة التأنيث، فصارت بمنزلة طلحة. ولو سميت رجلًا بهند أو قام صرفته لأنه على ثلاثة أحرف، وقد زال تأنيثه بالتسمية فصار كالمسمى بعدل وجمل، فإن صغرته قلت: هنيد وقديم فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى التذكير، قال يونس: أقول: هنيدة وقديمة، لأنه في الأصل مؤنث واحتج بقول العرب: نويرة ونهيرة وأذينة في أسماء رجال، ولا حجة له في ذلك، لأن العرب سمت بهذه الأسماء مصغرات. قال ابن الخباز: وإن كان المؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف، نحو سعاد وزينت وجيأل، لم ينصرف في المعرفة، لأنه معرفة، والحرف الزائد على الثلاثة ضارع تاء التأنيث ويدلك على ذلك أنهم صغروا المؤنث الثلاثي بالتاء كقولهم: عيينة وأذيتة، وصغروا الرباعي بغيرتاء كعنيق وأبين. وسعاد: اسم مرتجل، وهو مشتق من السعد. وزينب فيعل وهو مرتجل، وجيأل: من أسماء الضبغ، وهو مرتجل أيضًا. قال المرقش الأكبر:
[ ٤١٦ ]
قال ابن جني: فإن كان فعلان لسي له فعلى لم ينصرف معرفة حملًا على ٤٢/ب باب غضبان وعطشان، وانصرف نكرة لمخالفته إياه / في أنه لا فعلى له وذلك نحو حمدان وبكران وكذلك كل مثال في آخره ألف ونون زائدتان لا فعلى له، فعلان كان أو غيره نحو عمران وعثمان وغطفان وحدرجان وعفرزان وعقربان، لا ينصرف شيء من ذلك معرفة، وينصرف نكرة.
_________________
(١) ذهب السباع بأنفه فتركته أعثى عليه بالجبال وجيالا ولو سميت رجلًا بهذه الأسماء لم ينصرف في المعرفة لأن رابعها بمنزلة التاء كما لم ينصرف طلحة. وكل ذلك منصرف في النكرة لزوال أحد السببين. الرابع: الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث: وما هما فيه نوعان: أحدهما: ١٣٥/ب أن يكون فعلان مؤنثة فعلى / وذلك مختص بالصفات نحو: سكران وغضبان وعطشان ومؤنثها: سكرى وغضبى وعطشى، فهذا لا ينصرف في النكرة، لأنه أشبه باب حمراء من أربعة أوجه: الأول: أن الزائد الأول لم ينفرد بنفسه ثم أتى بعده الثاني. الثاني: أن الزائدتين جيء بهما بعد سلامة الصدر واستيفاء الأصول. الثالث: أن الألف والنون زائدان معًا والاشتقاق شاهد عدل، لأنهن مشتقات من السكر والغضب والعطش. الرابع: أن بناء مؤنث فعلان مخالف لبناء مذكره كما أن بناء مذكر حمراء مخالف لبناء مؤنثة. فسكرى مخالف سكران وأحمر مخالف حمراء، فإن سميته به رجلًا لم ينصرف، لأن التعريف زاده ثقلًا، فإن نكرته بعد التسمية لم ينصرف أيضًا لأنه كان قبل أن يسمى به نكرة غير منصرف. قال ابن الخباز: النوع الثاني: ما كان في آخره ألف ونون زائدتان وليس مؤنثة فعلى فعلان كان أو غيره، ومتى كان علمًا لم ينصرف للتعريف والألف والنون، لأنه أشبهه بهما سكران، وانصرف نكرة، لأنه ليس بمنزلته في أن له فعلى فمن ذلك حمدان وبكران في اسمي رجلين، هما من الحمد والبكور، وحدرجان
[ ٤١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من المحدرج وهو الأملش، قال سحيم:
(٢) أخذت برجليها وصوبت رأسها وسبسبت فيها كالبري المحدرج والحدرجان: القصير، وقيل: إن عفرزان اسم محنث. واختلف النحويون في «رمان» فذهب الخليل وسيبويه إلى أن نونه زائدة، فلو سميت به لم ينصرف، واشتقاقه عندهما من الرم وهو الجمع، وقال أبو الحسن: نونه أصل ووزنه فعال، لأنه نبات. وقد جاء كثير / منه على فعلا كعلام وقلام ١٣٥/ب وسماق وطباق وكراث وتفاح وسمان (وتبان) منصرفان مع العلمية، لأنهما مأخوذان من السمن والتبن وحسان بضم الحاء منصرف في التعريف، لأنه من الحسن وحسان اسم الشاعر غير منصرف، لأنه مأخوذ من الحسس وهو القتل، وقال حسان:
(٣) ما هاج حسان رسوم المقام ومظعن الحي ومثنى الخيام فلم يصرف اسمه.
[ ٤١٨ ]
قال ابن جني: الوصف: من ذلك: أحمر وأصفر، وكل أفعل مؤنثة فعلاء فإنه لا ينصرف معرفة للتعريف، ومثال الفعل تقول: اشتريت فرسًا أشهب، وملكت عبدًا أسود، وقطعت ثوبًا أحمر، وقميصًا أخضر، وعلى ذلك لم ينصرف أصرم وأكثم اسمًا رجلين للتعريف ومثال الفعل.
ومن الوصف قولك: مررت بأمرأة ظريفة وكريمة وقائمة وقاعدة، فإن قيل: لم صرفته وهناك الوصف والتأنيث؟ فلأن التأنيث هنا إنما هو للفرق بين ظريف وظريفة، وقائم وقائمة، فلم يعتد لما ذكرنا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الخامس: الوصف ومنه ما جاء على وزن أفعل، وأفعل إذا كان وصفًا ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون أفعل مؤنثه فعلاء، وذلك نحو أحمر وأصفر وهو كثير فهذا لا ينصرف في النكرة للوصف ومثال الفعل، فإن حقرته لم ينصرف، لأنه التحقير لم يزل بناء الفعل كقولك: أحيمر وأصيفر، فإن سميت به لم ينصرف للتعريف ووزن الفعل فإن نكرته بعد التسمية فقد اختلف فيه سيبويه وأبو الحسن، فمذهب سيبويه منع الصرف لأنه لما نكر بعد التسمية صار بمنزلته قبل التسمية في التنكير، وقد كان حينئذ غير منصرف للوصف ووزن الفعل. (وأبو الحسن يصرفه، لأن منعه من الصرف كان للوصفية ووزن الفعل) فلما سمي به زالت الوصفية، وصار فيه التعريف ووزن الفعل فلما نكر زال التعريف وبقي وزن الفعل، والسبب الواحد لا يمنع الصرف، وقد انتصر لكل واحد من القولين بكلام يطول شرحه. الثاني: أفعل التفضيل، وذلك نحو أكرم منك وأفضل منك، فهذا لا ينصرف في النكرة للوصف ومثال الفعل، ولم ينصرف منه إلا خير منك وشر منك لزوال ١٣٦/أوزن الفعل عنهما، فإن سميت بأفعل التفضيل مع منك كأفضل من زيد إذا / سميت به لم ينصرف للتعريف ووزن الفعل، فإن نكرته لم ينصرف بالإجماع من سيبويه وأبي الحسن، لأن وجود منك معه يؤكد الوصفية، وإن سميت
[ ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بأفضل وحده لم ينصرف في المعرفة للسببين، فإن نكرته صرفته بالإجماع من سيبويه وأبي الحسن لأن زوال منك أزال الوصفية فلا وجه لملاحظتها. الثالث: ما خلا عن هذين القسمين، وذلك نحو أرمل وهو الرجل الذي لا زوجه له، فهذا ينصرف في النكرة، لأن تاء التأنيث تلحق بناءه قال متمم:
(٢) وأرملة تمشي بأشعث محثل كفرح الحبارى ريشه قد تضوعا فإن سميت به لم ينصرف، فإن نكرته انصرف. وأما أصرم وأكثم فغرضه من التشبيه بهما أنك إذا سميت بأحمر لم ينصرف كما لم ينصرفا، ولا يعني أنهما كانا صفتين ثم سمى بهما. ومن الوصف: ظريفة وكريمة وهو منصرف. فإن قلت: فلماذا صرف، وفيه الوصف والتأنيث؟ قلت: لأن التاء غير لازمة ألا ترى أنها دخلت للفرق بين ظريف وظريفة، فإن سميت رجلًا وامرأة بظريفة لم ينصرف، لأن التاء صارت لازمة بالعلمية، وعلى ذلك لم ينصرف، فاطمة وآمنة وعائشة لأنهن صفات منقولات إلى العلمية.
[ ٤٢٠ ]
قال ابن جني: العدل: معنى العدل: أن تلفظ ببناء وأنت تريد بناء آخر نحو ٤٣/أعمر وأنت تريد عامرًا، وزفر وأنت تريد / زافرًا. من ذلك فعل: وهي في الكلام على ضربين: فإن كانت الألف واللام تدخلان عليه فليس معدولًا، وذلك نحو: جرذ وصرد ونغر وثقب وغرف، فإن ذلك كله مصروف لقولك: الصرد والجرذ والنعر والثقب والعرف.
وإن لم تكن اللام تدخله فإنه معدول نحو ثعل وجشم وعمر لا تصرف ذلك معرفة للتعريف، والعدل، وتصرفه نكرة، يدل على أنه معدول أنك لا تقول: الجشم والثعل ولا العمر كما تقول: الصرد والنغر، ومن ذلك مثنى وثلاث ورباع. لا تصرف ذلك للوصف وأنه معدول عن اثنين وثلاثة وأربعة، قال الشاعر:
ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد
فأجراه وصفًا كما ترى.
وتقول: مررت بزيد ورجل آخر، فلا تصرفه للوصف ومثال أفعل، وكذلك أخر لا تنصرف للوصف والعدل عن آخر من كذا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: السادس: العدل: وهو أن تلفظ ببناء وأنت تريد بناء آخر، وهو في الكلام على ضربين: أحدهما: أن يكون في المعارف، وذلك نحو عمر وزفر وجشم وثعل فهذا لا ينصرف لأنه معرفة ومعدول عن عامر وزافر وجاشم. فإن قلت: فما فائدة العدل؟ قلت: له فائدتان: إحداهما: تخفيف اللفظ، والثانية: إزالة توهم الفعل لأن ١٣٦/ب عامرًا يكون / صفة فلو بقي على لفظه لتوهمت العمارة، فإن حقرته صرفته لزوال العدل بالتحقير. وأما تقسيم فعل: فهي في الكلام على أقسام: أحدها: أن يكون اسمًا علمًا كعمر. والثاني: أن يكون اسم جنس بينه وبين واحده التاء كرطب. والثالث: أن
[ ٤٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (لا) يكون كذلك كربع، لأن هذا يراد به الواحد. والرابع: أن يكون جمعًا كحجر. والخامس: أن يكون وصفًا كنخع. والسادس: أن يكون وصفًا معدولًا في النداء كقولهم: يا غدر. وكل هذه إذا سميت بها ما خلا الأول (منعت الصرف مؤنثة) وانصرفت مذكرة، لأنها كانت نكرات على هذه الصيغة. فإن قلت: فما تقول في قول الشاعر:
(٢) أخور غائب يعطيها ويسألها يأتي الظلامة منه النوفل الزفر فإنه أدخل عليه الألف واللام، وقد زعمت أنه لا ينصرف. قلت: هذا مما اتفق لفظه واختلف حكمه، فزفر العم معدول عن زافر، والزفر في البيت بمعنى السيد، ولم يوضع معدولًا عن زافر. والثاني: أن يكون العدل في النكرة، وذلك في نوعين: أحدهما: الأعداد، وجاء منه ستة أسماء أحاد وموحد، وثناء ومثنى وثلاث ورباع فهذا لا ينصرف للوصف والعدل، وهو معدول عن أعداد مكررة، فإذا قلت: جاءوا ثلاث، فالأصل: جاءوا ثلاثة ثلاثة، أي: فرقًا، فعدل، ولا خفاء في خفة اللفظ بالعدل هنا، لأنه كفى مؤونة التكرير والدليل على وقوعه صفة قوله تعالى: ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ وقال ساعدة بن جوبة الهذلي:
(٣) فلو أنه إذ كان ما حم واقعًا بجانب من يحفى ومن يتودد ولكنما أهلي بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد
[ ٤٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٣٧/أ = وأنشد البيت الذي قبله ليعلم أن القوافي مرفوعة/. وأما قولنا: مررت بزيد ورجل آخر، فآخر أفعل التفضيل، فلم ينصرف للوصف ووزن الفعل وهو أفعل من التأخر، ولا يوصف به إلا بعد تقدم شيء من جنس موصوفه كقوله تعالى: ﴿ولا تدع مع الله إلهًا آخر﴾ لأن الله إله، ولا يجوز: رأيت فرسًا وحمارًا آخر، لأن الحمار ليس بفرس، وأما قول الشاعر:
(٢) صلى على عزة الرحمن وابنتها ليلى وصلى على جارتها الأخر فإنما جاز ذلك، لأنه جعل البنت جارة. وأما أخر فهو جمع أخرى كالكبرى والكبر، فلا ينصرف، وفي التنزيل: ﴿وأخر متشابهات﴾ ومن صرفه فقد لحن. وإنما لم ينصرف، لأن فيه الوصف والعدل وما رأيت أحدًا يدري معنى قول النحويين: «إن أخر معدول» ولقد كشفه أبو سعيد، وأنا أذكر كلامه، قال: أخر جمع أخرى مؤنث أخر، وحقها أن تستعمل بالألف واللام أو الإضافة، فيقال: أخرهن والأخر كما يقال: كبرهن والكبر، فترك ذلك. فمعنى العدل أنها عدل بها عن طريقة استعمال أمثالها وإلى هذا أشار أبو الفتح
[ ٤٢٣ ]
قال ابن جني: الجمع: كل جمع فهو جار مجرى الواحد على / بنائه يمنعه ٤٣/ب من الصرف ما يمنعه ويوجبه له ما يوجبه له فرجال إذًا ككتاب، وصبيان إذًا كسرحان، وقفزان إذًا كقرطان وقتلى إذًا كعطشى، وكذلك جميعه إلا ما كان من الجمع على مثال مفاعل ومفاعيل، فإنه لا ينصرف. معرفة ولا نكرة، لأنه جمع ولا نظير في الآحاد له، فكأنه جمع مرتين تقول: قبضت دراهم ودنانير، واشتريت دواب ومخاد، لأن الأًل: دوابب ومخادد، فإن كانت فيه هاء التأنيث عاد إلى حكم الواحد فلم ينصرف معرفة وانصرف نكرة.
وذلك نحو صياقلة وملائكة وكيالحة وموازجة، فإن كانت لامه معتلة انصرف في الرفع والجر لنقصانه، ولم ينصرف في النصب لتمامه تقول:
هؤلاء جوار وعواش، ومررت بجوار وغواش، ورأيت جواري وغواشي.
_________________
(١) بقوله: (للعدل عن آخر من كذا)، وإن كان فيه تخليط ووجه التخليط، أنه يعلل (منع) صرف أخر لا آخر، والمعدول عن آخر من كذا آخر لا أخر. قال ابن الخباز: السابع: الجمع، وهو على قسمين: أحدهما: ماله نظير في الآحاد. والآخر: ما (لا) نظير له في الآحاد. أما الأول: فهو جار مجرى نظيره في المعرفة والنكرة، فرجال منصرف وإن سميت به كما ينصرف كتاب. فإن قلت: رجال مؤنث لقولنا: قامت الرجال فهلا منعته الصرف في تسمية المذكر؟ قلت: تأنيثه مبني على التأويل، وذلك لأنه جماعة فلقائل أن يقول: هو مذكر لأنه جمع. وقفزان / بمنزلة قرطان ينصرف في النكرة، فإن سميت به لم ١٣٧/ب ينصرف للتعريف والألف والنون الزائدتين، والقرطان البردعة، وقتلى بمنزلة سكرى لا ينصرف في النكرة والمعرفة لألف التأنيث.
[ ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأما مالا نظير له في الوحدان فهوم ثالات مفاعل كمساجد ومفاعيل كمحاريب فأما قولهم: حضاجر في اسم الضبع فقيل: إنها سميت بجمع حضجر كما يسمى الرجل بقضائل. وأما سراويل: فهو أعجمي، ولا حجة فيه، وقد قيل: إنه جمع واحدته سروالة وإنما لم ينصرف هذا الجمع، لأنه جمع، وليس في الأول له مثال، وقيل: إنما لم ينصرف لأنه يمتنع من التكسير، فأشبه الفعل، فإن سميت رجلًا بمساجد لم ينصرف لأنه شابه الأعجمي المعرفة نحو: إبراهيم وإسماعيل حيث لم يكن له في الوحدان نظير. فإن صغرته صرفته لأنك تقول في تصغيره: مسجد كمنير في تحقير منبر فكذلك لو سميت رجلًا بمحاريب وصغرته صرفته، لأنك تقول: محيريب كمحيميد وإن لحقته تاء التأنيث انصرف، ولا تخلو التاء من أن تكون لتأكيد التأنيث كصياقلة أو عوضًا من ياء النسب كمسامعة في جمع مسمعي، أو للتعريف كموازجة وكيالجة والموازجة: جمع موزج وهو الخف، وأصله بالفارسية: موزة ومنه قولهم: سرموزه يعنون: رأس (الخف). والكياليج: جمع كيلجة والكيلجة: أربعة أرباع، والربع: نصف سدس المكوك، لأن المكوك خمسة عشر رطلًا وهو رطل وربع، أو للنسب والعجمة كسبايجة: وهم قوم يبذرقون المراكب في البحر أو التعويض من ياء مفاعيل كزنادقة، وهذا كله ينصرف في النكرة لأنه بدخول التاء عليه أشبهه ٣٨/أالآحاد نحو الكراهية والحزابية وهو الحمار الغليظ / وأنشد الجوهري:
(٢) أو أصحم حام جراميزه حزابية حيدا بالدحال
[ ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإن سميت به لم ينصرف كطحلة (فإن) نكرته بعد التسمية انصرف كما ينصرف طلحة فإن كان آخر شيء من ذلك ياء نحو جوار وغواش، فالنحويون متفقون على تنوينه في الرفع والجر وفي التنزيل: ﴿ومن فوقهم غواش﴾ واختلف النحويون في التنوين فمذهب سيبويه أن الياء حذفت، لأنها ياء قبلها كسرة في جمع طويل البناء في موضع رفع أو جر، فهو ثقل من وجوه، فلما حذفت الياء صار كجناح ودجاج فألحق التنوين علامة للصرف. وقال أبو إسحاق: ألحق التنوين عوضًا من الحركة، فعلى هذا حذفت الياء عند التقاء الساكنين، فإذا نصبت قلت: رأيت جواري، فلم تلحق لتمام البناء، وإنما تم لخفة النصب وقد يضطر الشاعر فيفتحه في موضع الجر قال الكميت:
(٢) خريع دوادي في مهمه تأن طورًا وتلقي الإزارا
[ ٤٢٦ ]
قال ابن جني: العجمة: الأسماء الأعجمية على ضربين: أحدهما: ما يدخله لام التعريف. والآخر: مالا تدخله اللام. الأول نحو: ديباج وفرند ٤٤/أونيروز وإبريسم وإهليلج وإطريفل / فهذا الضرب كله جار مجرى العربي، يمنعه من الصرف ما يمنعه، ويوجبه له ما يوجبه فهذا كله ينصرف معرفة ونكرة تقول في رجل اسمه نيروز أو ديباج: هذا نيروز، لأنه كقيصوم، ومررت بديباج، لأنه كديماس.
الثاني من الأعجمية: ما لا تدخله اللام وذلك نحو إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وأيوب وخطلخ وتكين وهزار مرد فهذا كله لا ينصرف معرفة للعجمة والتعريف، وينصرف نكرة. وإنما اعتد فيه بالعجمة لأنك لا تقول الإبراهيم ولا المخطلخ ونحو ذلك.
التركيب: كل اسمين ضم أحدهما إلى الآخر على غير جهة الإضافة فتح الأول منهما لشبه الثاني بالهاء، ولم ينصرف الثاني معرفة للتعريف والتركيب وانصرف نكرة نحو حضر موت، وبعل بك ورام هرمز ودرا بجرد، وكذلك معد يكرب، ومنهم من يضيف معدي إلى كرب، فيصرف كرب تارة ولا يصرفه أخرى، كأنه إذا لم يصرفه مؤنث عنده. وكذلك حضرموت إن شئت ٤٤/ب ركبت / وإنم شئت أضفت فقلت: هذا حضرموت: ونحو ذلك على طرائقه إلا أن ياء معد يكرب ساكنة على كل حال ركبت أو أضفت.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الثامن: العجمة: الأسماء الأعجيمة على ضربين: أحدهما: ما كان نكرة فتكلمت به العرب وغيرته بوجه من الوجوه، فمن ذلك: ديباج: عربوه على وزن ديماس وهو السرب، والديباج: الإبريسم اللين، قال الراجز:
(٢) والله للنوم على الديباج على الحشايا والسرير العاج مع الفتاة الطفلة المغناج أهو يا عمرو من الإدلاج
[ ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = * وزفرات البازل العجاج * ومن ذلك فرند، وفيه ثلاث لغات: فرند بكسر الراء وفتحها، وبرند بكسر الراء لا غير. وجاء في شعر البحتري أفرند ولا / يعرف، والفرند: ماء السيف وأما نيروز ١٣٨/ب فأصله: نوروز، وهو يوم معروف، وصار بالتعريب على وزن قيصوم، وهو نبت، وأما آجر، فأصله بالفارسية آغر ويخفف، قال الشاعر:
(٢) تضحى إذا دق المطي كأنها فدن ابن حية شادة بالآجر وأما إبريسم. فأصله بالفارسية أوريشم، وأما إهليلج فيقال: إهليلج (وإهليلج بفتح اللام الثانية وكسرها) والإطريفل: دواء معروف، فهذه كلها منصرفات في النكرة، لأنهم لما غيروها لم يعتد بعجمتها، فإن سميت بها مذكرًا انصرف وإن سميت بها مؤنثًا لم ينصرف كالعربي. ومن قال: آجر فخفف لم يصرفه في تسمية المذكر لأنه على وزن الفعل نحو آخذ. فإن قلت: فبم تعرف أن الاسم أعجمي؟ قلت: بثلاثة أمور: أحدها: بتلقيه من أهله كدشت وأنكرو، وهو العنب. والثاني: أن يكون على بناء لا يكون عليه العربي كجالينوس وإبراهيم، لأنه ليس في العربية مثل جاعيفور وسفراجيل. والثالث: أن يكون مركبًا من حروف لا يركب من مثلها العربي نحو قليج وكرج، لأن العرب لا تجمع بين الكاف والجيم في كلمة، ووضعت لبعض الحمقى من أهل بلدنا كلمة، فقيل له: ما الكبينج؟ فقال: أبصرها في المجمل، ولو كان
[ ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عند المغفل علم بأن العرب لا تجمع بين الكاف والجيم لم يقل هذا. الثاني من الأعجمية: ما كان باقيًا على عجمته، وهو معرفة، فإن كان على ثلاثة أحرف انصرف مذكرًا ساكن الأوسط كان أو متحركًا، كنوح ولوط وهود وجقر، لأنه على أقل الأسماء عددًا. وإن كان اسم مؤنث لم ينصرف، وذلك نحو ١٣٩/أماه وجور في اسمي بلدتين. ومن صرف هندًا لم يصرفهما / لأنهما معرفتان مؤنثتان أعجميتان فإذا قاوم سكون الأوسط أحد الأسباب الثلاثة بقي سببان سالمان عن المقاوم فمنعا. وإن كان على أكثر من ثلاثة أحرف لم ينصرف للتعريف والعجمة، وذلك نحو إبراهيم، ويقال: إبراهام وإبرهم وإبرهم وإسماعيل وإسحاق. فإن قلت: فإسحاق مصدر إسحاق الثوب إذا بلي. قلت: هذا اتفاق وقع بين اللغتين، وأيوب ولا يقال: فيعول من الأوبة لأنه لو كان كذلك لانصرف. وخطلخ: ولا يضره كونه على وزن يرثن. وهزارمود وهو أعجمي مركب ومعناه: ألف رجل. وتكين: والتاء مكسورة، وكسرها مما يدل على أنه ليس بعربي، فإن نكرت ذلك كله صرفته، وإن صغرت شيئًا من ذلك لم ينصرف لأن التصغير لا يزيل العجمة، وذلك نحو: بريهيم وسميعيل. التاسع: التركيب، وحقيقهت: ضم اسم إلى اسم على غير جهة الإضافة وهو على ضربين: أحدهما: ما يقتضي تركيبه بناء الشطر الأول، والثاني: ما يقتضي تركيبه بناء الشطرين، فمن الأول: بغلبك. وإنما بني الشطر الأول، لأنه تنزل منزلة الصدر من العجز، وهو اسم مدينة، وبعل صنم، وبك اسم الموضع قال امرؤ القيس:
(٢) لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ولابن جريج في قزى حمص أنكرا
[ ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ومن ذلك: حضرموت وهو اسم مدينة، قال جرير:
(٢) وطوى الطراد مع القياد بطونها طي التجار بحضرموت برودا قال أبو زكريا: ومنهم من يقول: حضرموت، فيضم الميم. ومن ذلك: رامهرمز وهو اسم بلد. ومن ذلك دار بجرد وهو اسم بلد. ومن ذلك معدي كرب وهو اسم رجل، ولك في هذا التركيب والإضافة، فإذا ركبت فتحت الشطر الأول / إلا معدي كرب فإنك تسكن ياءه استثقالًا للحركة، وجعلت آخر الثاني ١٣٩/ب معتقب الإعراب فلا يصرف للتعريف والتركيب، فإن نكرته صرفته، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فإن كان الثاني، يستوجب الصرف صرفته كقولك: هذه حضرموت وإن كان لا يستوجب الصرف لم يصرف كقولك: هذا رامهرمز، لأن الثاني أعجمي. وإذا أضفت معدي كرب أسكنت ياءه في موضع النصب كما أسكنتها مع التركيب استثقالًا للحركة عليها. وإذا أضفت فمنهم من يصرف كربًا، لأنه مذكر، ومنهم من لا يصرفه كأنه يراه مؤنثًا وأجاز أبو سعيد أن يكون مبنيًا.
[ ٤٣٠ ]
قال ابن جني: فإن كان الاسم الثاني أعجميًا بني على الكسر البتة، ولم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة، وذلك قولك: هذا سيبويه وعمرويه وحمدوية، تقول: هذا سيبويه ومعه سيبويه آخر. ورأيت عمرويه، ومعه عمرويه آخر، قال الشاعر:
يا عمرويه انطلق الرفاق وأنت لا تبكي ولا تشتاق
وقد شبه أشياء من نحو هذا بخمسة عشر وبابه لفظًا، وذلك قولهم: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة، وهو يأتينا صباح مساء، والقوم فيها شغر بغر أي: متفرقين، وتساقطوا بين بين، قال عبيد:
نحمي حقيقتنا وبعـ ـض القوم يسقط بين بينا
ومثله تساقطوا أخول أخول أي: متبددين، فهذا كله مبني على الفتح ولا يكون ٤٥/أإلا / فضلة ظرفًا أو حالًا.
_________________
(١) قال ابن الخباز: الثاني: ما اقتضى تركيبه بناء شطريه، وذلك نوعان: أحدهما: ما ثانيه صوت كسيبويه وعمرويه، والأصل أن يقال: عمروه، لأنهم إذا نادوا ألحقوا آخر الاسم واوًا وهاءً، فعربت العرب عمروه وما أعربوه، فقالت: عمرويه، لأن الثاني صوت والأصوات تستوجب البناء، قال البارقي: إن معنى سيبويه رائحة التفاح، لقب بذلك لذكائه، قال الراجز:
(٢) يا عمرويه انطلق الرفاق وأنت لا تبكي ولا تشتاق وعمرويه يجري مجرى أسماء الأفعال نحو مه وصه، إذا كان معرفة لم ينون، =
[ ٤٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإن كان نكرة نون تقول: هذا عمرويه آخر كما تقول: مه ومه، ومنهم من يثني عمرويه ويجمعه ومنهم من لا يثنيه ولا يجمعه، فمن أجاز ذلك احتج بأنه مركب هو بمنزلة معدي كرب، ومن منع ذلك احتج بأن ثانية صوت، فإن قلت: كيف أثنيه وأجمعه على هذا القول؟ / قلت: سلت شيخنا ﵀ عنه فقال: أقول: جاءني ذوا عمرويه (وذوو ١٤٠/ أعمرويه) أي: صاحبا هذا الاسم وأصحاب هذا الاسم. وأما ما ليس ثانيه صوتًا فإنما بني ثاني شطريه لأنه تضمن معنى الحرف، وهو ضربان: عدد، وغير عدد، فالعدد من أحد عشر إلى تسعة عشر وسيذكر في باب يطأ عقب هذا الباب. والثاني: ألفاظ جاءت فضلة إما ظروفًا وإما أحوالًا فمن ذلك قولهم: هو جاري بيت بيت ومعناه: هو جاري ملاصقًا، وأصله: بيت إلى بيت أو بيت لبيت والعامل في الحال جاري. ومنع أبو سعيد أن يقال: هو بيت بيت جاري، لأن جاري ليس باسم جار على لفعل، فإن قلت: هو مجاوري بيت بيت جاز التقديم فتقول: هو بيت بيت مجاوري، لأن مجاور كيجاور - ومن ذلك لقيته كفة كفة ومعناه متكافين، وهو حال. والمراد أن كل واحد منا يكف صاحبه وقت اللقاء عن تجاوزه ومن ذلك هو يأتينا صباح مساء وأصله: صباحًا ومساءً، أي كل صباح وكل مساء وهوظرف، قال الشاعر:
(٢) ومن لم يصرف الواشين عنه صباح مساء يضنوه خبالا
[ ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومن ذلك: القوم فيها شغر بغر وهو حال ومعناه منتشرين هائجين، يقال: اشتغرت عليه ضيعته إذا فشت وانتشرت، وبغر النجم إذا هاج بالمطر، ومن ذلك: سقط بين بين أي: بين هذا وبين هذا، ومنه قول النحويين: الهمزة التي تكون بين بين قال عبيد بن الأبرص الأسدي:
(٢) هلا سألت جموع كنـ ـدة يوم ولوا أين أينا نحمي حقيقتنا وبعض القو م يسقط بين بينا ١٤٠/ب / ومن ذلك تساقطوا أخول أخول أي: متبددين، قال أبو سعيد: ويقال «إن أخول أخول شرر الحديد المحمى» وأنشد لضابئ البرجمي:
(٣) يساقط عنه روقه ضارياتها سقاط حديد القين أخول أخول
[ ٤٣٣ ]