قال ابن جني: اعلم أن نعم وبئس فعلان ماضيان غير متصرفين، ومعناهما: المبالغة / في المدح أو الذم، ولا يكون فاعلاهما إلا اسمين معرفين باللام ٣٧/ب تعريف الجنس أو مضمرين على شريطة التفسير، ثم يذكر بعد ذلك المقصود بالمدح والذم تقول: نعم الرجل زيد، وبئس الغلام جعفر، فالرجل مرفوع بفعله، وزيد مرفوع، لأنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلًا قال: من هذا الممدوح؟ فقلت: زيد أي هو زيد، وإن شئت كان زيد مرفوعًا بالابتداء، وما قبله خبر عنه مقدم عليه والمضاف إلى اللام كاللام تقول: نعم غلام الرجل زيد وبئس وافد العشيرة جعفر.
فإنوقعت بعدها النكرة نصبتها على التمييز تقول: نعم رجلًا أخوك، وبئس صاحبًا صاحبك، والتقدير: نعم الرجل أخوك، فلما أضمرت الرجل فسرته يقولك: رجلًا، فإن كان الفاعل مؤنثًا كنت في إلحاق العلامة وتركها مخيرًا، تقول: نعم المرأة هند، ونعمت المرأة هند، فمن ألحق العلامة قال: هذا فعل كسائر الأفعال، ومن لم يلحقها أراد معنى الجنس فغلب عنده التذكير.
_________________
(١) (باب نعم وبئس) قال ابن الخباز: / نعم وبئس فعلان عند البصريين، واحتجوا على ذلك من ١٢٥/أوجهين: أحدهما اتصال تاء التأنيث بهما، وفي الحديث: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» والثاني: أنهم قد قالوا: نعما ونعموا وهذه علامات الأفعال. وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان واحتجوا من وجهين: أحدهما: النداء كقولهم: يا نعم المولى والثاني: دخول حرف الجر كقول حسان:
[ ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ألست بنعم الجار يؤلف بيته أخا ثلة أو معدم المال مصرمًا والجواب أن دخول حرف الجر وحرف النداء على تقدير الحكاية، أي: (يا) من يقال (له) نعم المولى. ويا من يقال له: نعم النصير، وألست بجاز يقال (له) نعم الجار، وهما ماضيان لأنهما مبنيان على الفتح، وإنما كانا غير متصرفين، لأن نعم للمبالغة في المدح وبئس للمبالغة في الذم، والمبالغة معنى فأشبها الحروف حيث دلا على معنى في غيرهما، وإنما اختيرت لهما صيغة الماضي لأن المبالغة في المدح والذم إنما تكون بالشيء الثابت، وفيهما أربع لغات نعم وبئس كسمع، ونعم وبئس بكسر الفاء والعين، ونعم وبئس بكسر الفاء وسكون العين، ونعم وبئس بفتح الفاء وسكون العين، قال طرفة:
(٢) ما أقلت قدم ناعلها نعم الساعون في الأمر المبر وكل اسم أو فعل على فعل بكسر العين عينه أحد الحروف الحلقية الستة التي هي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء، يجوز فيه هذه اللغات الأربع أنشد سيبويه للأخطل:
[ ٣٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجدى فضله وجداوله ولابد لهما من فاعل، لأنهما فعلان، وفاعلهما قسمان: ظاهر ومضمر، فالظاهر قسمان: أحدهما: معرف باللام تعريفًا جنسيًا كقولهم: نعم الرجل زيد وبئست المرأة هند. والثاني: مضاف / إلى المعرف الجنسي كقولك: نعم غلام ١٢٥/ب الرجل زيد، وبئس صاحب القوم عمرو ومن مسائل الأصول: نعم العمر عمر بن الخطاب وبئس الحجاج حجاج بن يوسف، وإنما كان فاعلهما كذلك لوجهين: أحدهما: أن معناهما المبالغة في المدح والذم وإذا كان المعرف جنسيًا صار المخصوص بالمدح أو الذم كالمذكور مرتين معمومًا ومخصوصًا. والثاني: أنك إذا ذكرت المعرف الجنسي وأردفته بالمخصوص آذنت في المدح بأنكل فضيلة اقترفت في الجنس اجتمعت فيه، وآذنت في الذم بأن كل نقيصة افترقت في الجنس اجتمعت فيه. والمضمر لا يكون إلا على شريطة التفسير، وذلك قولك: نعم رجلًا زيد، وبئست امرأة هند، وفي التنزيل: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾. والفاعل مضمر، والنكرة مفسرة منصوبة على التمييز، وبها عرف الجنس المضمر ما هو؟ فإذا قلت: نعم رجلًا زيد فكأنك قلت: نعم الرجل رجلًا زيد. فإنقلت: من أي وجه يرتفع المخصوص بالمدح أو الذم؟ قلت: يرتفع من وجهين: أحدهما أن يكون مبتدأ فإذا قلت: نعم الرجل عبد الله فالأصل عبد الله نعم الرجل، لأن مرتبة المبتدأ التقديم، فهو مؤخر في اللفظ مقدم في المعنى وقد قدمه ذو الرمة قال:
[ ٣٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٠٤ - أبو موسى فجدك نعم جدًا وشيخ الحي خالك نعم خالا فإنقلت: الخبر جملة، فإين العائد منها؟ قلت: إذا قلت: عبد الله نعم الرجل فالرجل جنس يشمل عبد الله وغيره، فقام عمومه مقام العائد كما تقول: أما العبد فلا عبد لك، وأما المال فلا مال لزيد والثاني أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنك لما قلت: نعم الرجل، قيل لك: من هذا الذي أثنيت عليه؟ قلت: عبد الله أي هو عبد الله فالكلام على هذا جملتان: ١٢٦/أالأولى فعلية / والثانية اسمية. وإذا كان فاعل نعم مؤنثًا جاز إلحاق التاء وحذفها تقول: نعمت المرأة هند ونعم المرأة هند، والإلحاق أجود، لأن الفاعل مؤنث، وإنما جاز الحذف لأن المرأة جنس لا واحد منه، والجنس مذكر، فإن أضمرت جنسًا مؤنثًا كقولك: نعمت جارية زينب، فلابد من إلحاق التاء، لأن اتصال الفاعل المضمر أشد من اتصال الفاعل المظهر، ألا ترى أنه يجوز أن تقول: طلعت الشمس وطلع الشمس، ولا يجوز أن تقول: الشمس طلع، وإنما تقول: الشمس طلعت.
[ ٣٩١ ]