بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
قال الشيخ الإمام العالم حجة العرب شمس الدين أبو العباس أحمد بن الحسين بن أحمد النحوي المعروف بائن الخباز أدام الله توفيقه وأطال بقاءه: أحمد الله على توفيقه وتشديده ومنه علينا بأن جعلنا من أهل توحيده، وأسأله من فضله الجزيل أبلغ مزيده، وأصلي على نبيه محمد الصادق في وعوده، والناطق بجامع الكلم وسديده، وعلى آله المجتهدين في بناء الدين وتشييده، صلاة دائمة ما تلفع عارض ببروده، واختال بين بروقه ورعوده، وسبح لله ملك في ركوعه وسجوده.
أما بعد:
فإن جماعة من حفظه كتاب اللمع في النحو لأبي الفتح عثمان بن جني ﵀ أطمعهم فيه صغر حجمه، وآيسهم منه عدم فهمه، وذلك لأن الكتب المصنوعة لتفسير منها الكبير الممل، ومنها الصغير المخل، والمتوسط بينهما إما يفقد وإما يقل، فضمنت لهم إملاء مختصرًا أقتصر به على توجيه مسائله، وتبليغ وسائله، وكلما مررت ببيت ذكرت إعرابه، أو بلفظ لغوي جليته تجلية تزيل استغرابه، وقد سميته «توجيه اللمع» وعللت فيه المسائل جمع، نفعنا الله وإياهم بالعلم والعمل، ووفقنا لما يرضيه ويزلفنا عنده إنه الجواد الكريم.
[ ٦١ ]
قال ابن جني: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى.
فالاسم: ما حسن فيه حرف من حروف الجر، أو كان عبارة عن شخص، فحرف الجر نحو قولك: من زيد وإلى عمرو، وكونه عبارة عن شخص نحو قولك: هذا رجل وهذه امرأة.
والفعل ما حسن فيه قد أو كان أمرًا، فأما قد: فنحو قولك: قد قام وقد قعد وقد تقوم وقد يقعد. وكونه أمرًا نحو قولك: قم واقعد.
والحرف: ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال، وإنما جاء لمعنى في غيره نحو هل، وبل، وقد، لا تقول: من هل، ولا قد هل، ولا تأمر به.
_________________
(١) قال ابن الخباز: (الكلام) في أصل الوضع مصدر، أنشد أبو علي ﵀.
(٢) فإن تمس ابنه الشهمي منا بعيدًا ما تكلمنا كلاما وهو عند النحويين عبارة عن الجملة المفيدة فائدة يحسن السكوت عليها، وهي مؤتلفة من اسمين كقولك: زيد ذاهب، أو من فعل واشم كقولك: ذهب عمرو، ولا يحتاج في التأليف إلى الثلاثة/. وقوله: (الكلام كله ثلاثة أضرب) يصح بتقدير مضاف أي: مادة الكلام والأضرب جمع ضرب، وهو القسم، وإنما انقسم إلى الثلاثة، لأن هذه الأقسام يعبر بها المتخاطبون عن جميع ما يخطر في أنفسهم من المغاني، فلو كان ثم قسم رابع متروك لبقى في النفوس معان لا يمكن التعبير عنها بإزاء القسم الساقط، ألا ترى أنه لو سقط بعض هذه الثلاثة لسقط معناه؟ ! وقوله: (جاء لمعنى) يريد به معنى غير منصرف، ومعنى ذلك أن معنى الاسم =
[ ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والفعل متصرفان. فالاسم يكون فاعلًا ومفعولًا ومضافًا إليه، والفعل يكون ماضيًا ومضارعًا وأمرًا، والحرف لا يعرض له شيء من ذلك، وبدأ بالاسم لأنه الأصل في التأليف، لأنه يقوم بنفسه كقولك: زيد قائم، والفعل والحرف يحتاجان إليه، وذكر له علامتين عامتين: إحداهما: حرف الجر: وهي تدخل على أكثر أنواعه من المفرد والمثنى والمجموع وغيرها. والثانية: كونه عبارة عن شخص، وهذه ينحاز إليها شطر الأسماء، والعبارة: اللفظ الدال على المعنى والشخص والجثة والعين بمعنى واحد، ومثل برجل وامرأة تبنيها على أن الشخص مذكر ومؤنث، ويجوز في (نحو قولك) و(نحو): الرفع بأنه خبر، والنصب بأنه ظرف، وثنى بالفعل، لأنه يأتلف منه ومن الاسم كلام وذكر له علامتين عامتين أيضًا: الأولى: (قد) وتلي المضارع والماضي، فمعناها في الماضي تقريبه من الحال كقولك: قد فعل، ومعناها في المضارع تقليله كقولهم: إن الكذوب قد يصدق. وقوله: (وكونه أمرًا) لا يستقيم لأن «مه» أمر وليس بفعل، وينبغي له أن يقول: وكونه أمرًا مشتقًا جاريًا على المضارع، وهذه العلامة / الثانية، وحقيقة الأمر طلب الفعل مما هو دونك والرغبة طلبة من مثلك، والدعاء طلبه ممن فوقك. ولم يبق إلا ذكر الحروف فلأجل ذلك كان أخيرًا. وقوله: (ما لم يحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال) فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الحرف سلبًا والسلب لا يكون حقيقة، والثاني: أن من علامات الأسماء والأفعال الحروف، فصار التقدير: والحرف ما لم يحسن فيه الحرف، فيلزم من هذا أن يكون الشيء معروفًا قبل معرفته، ويكثر في عبارة النحويين قولهم: معنى في غيره ومعنى في نفسه، وبيان ذلك أن معنى الكلمة لا يخلو من أن يتوقف فهمه على غير أو لا، فإن توقف فهمه على غيره فهو معنى الحرف، ألا ترى أن «من» تدل =
[ ٦٣ ]