بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله المنعوت بجميل الصفات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات والمبعوث بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وعلى آله وصحبه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن بيضة الدين حتى رفع الله بهم مناره، وأعلى كلمته وجعله دينه المرضيّ وطريقه المستقيم.
وبعد، فهذا "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك".
للمرادي المعروف بابن أم قاسم المتوفى عام ٧٤٩هـ.
وفي هذا الشرح ظهرت شخصية ابن أم قاسم واضحة جلية دلت على قدرته وحصافة رأيه وتجلت فيه مواهبه وأفكاره.
ولا شك أنه شرح أوفى على الغاية ويمتاز بالدقة والسهولة، وإيضاحه لآراء النحاة ومذاهبهم.
وقد أرشد المؤلفين من بعده؛ لأن عنايته كانت متجهة إلى إيضاح ألفية ابن مالك وتبيان مقصودها.
فكان هذا الشرح مددا لمن بعده من شراح الألفية ومصدرا وثيقا لدى النحويين، وقد استمد منه المؤلفون خير ما يؤلفون.
وقد حققت من أول هذا الكتاب إلى باب الإضافة، نلت بهذا القسم درجة العالمية "الدكتوراه" مع مرتبة الشرف الأولى.
ثم حققت باقي الكتاب.
[ ١ / ٣ ]
وجعلته قسمين:
القسم الأول: الدراسة
ويقوم على ثلاثة أبواب:
الباب الأول: عصر ابن أم قاسم، ويشتمل على فصلين:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن مصر في العصر المملوكي، ونظم الحكم والأحوال الاجتماعية والاقتصادية والحركة العلمية.
الفصل الثاني: تحدثت فيه عن مصر وتربتها الطيبة وسماحة أهلها، وعن النحو والنحاة، ودور العلماء حينما رأوا إقفار البلاد من الكتب العربية.
الباب الثاني: حياة ابن مالك وابن أم قاسم ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: تناولت فيه حياة ابن مالك صاحب الألفية وبعض شراحها وأصحاب الحواشي.
الفصل الثاني: تناولت فيه التعريف بابن أم قاسم.
الفصل الثالث: تحدثت فيه عن شيوخ ابن أم قاسم وتلاميذه ومؤلفاته ووفاته.
الفصل الرابع: تناولت فيه الذين تأثروا به ودرسوا كتبه ونقلوا عنها.
الباب الثالث: موقف المؤلف من ابن مالك وما يعتمد عليه، ويضم أربعة فصول:
الفصل الأول: عرضت فيه مسائل من نقوله عن ابن مالك ودفع الاعتراضات الواردة عليه.
الفصل الثاني: سقت مسائل تفيد أنه كان يعتمد على السماع أكثر من القياس، ويميل إلى البصريين أكثر من الكوفيين.
الفصل الثالث: دونت فيه أمثلة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأشعار العرب وأقوالهم.
الفصل الرابع: ذكرت فيه مسائل تبين موقفه من ألفية ابن مالك، وألفية ابن معط.
[ ١ / ٤ ]
القسم الثاني: التحقيق
ويحتوي على تحقيق "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك" للمرادي المعروف بابن أم قاسم.
فقد حققت هذا الكتاب ووثقته وضبطت شواهده وشرحتها ونسبتها إلى أصحابها، وخرجت الأحاديث وشرحت ما صعب منها، وعرفت بالأعلام التي وردت في النص، وعلقت عليه، وقد أبرزت محاسنه وأظهرت مناقبه، ولاحظت أن المرادي في شرحه اعتمد كثيرا على ابن مالك. وأعتقد أن المكتبة العربية في أمسّ الحاجة إلى هذا الكتاب الذي يعد من أهم المراجع في إحياء التراث العربي.
بذلك أكون قد أضفت شيئا جديدا تعتز به المكتبة العربية.
والله أسأل أن يسدد خطانا على طريق الحق والصواب، وأن يكون عملي مثمرا نافعا، إنه سميع مجيب الدعاء.
والحمد لله رب العالمين.
أ. د/ عبد الرحمن عليّ سليمان
عميد كلية البنات الإسلامية
جامعة الأزهر، أسيوط
[ ١ / ٥ ]
القسم الأول: الدراسة
الباب الأول: التعريف بالمرادي المعروف بابن أم قاسم
الفصل الأول:
العصر المملوكي
مصر في عهد المماليك ٦٤٨هـ-٩٢٣هـ "١٢٥٠م- ١٥١٧م":
نقصد بهذا العصر الفترة التي حكم فيها سلاطين المماليك في مصر، منذ انقضاء عهد الأيوبيين عام ٦٤٨هـ إلى أن فتحها الأتراك العثمانيون عام ٩٢٣هـ.
ولا نقصد هنا استيعابا تاريخيا للعصر المذكور وتفصيلا وافيا لحوادثه العامة، فإن ذلك مما يضيق به هنا.
لفظ مملوك:
لفظ مملوك كان معناه في الأصل الرقيق الأبيض الذكر، والشرقيون في أوج عزهم -أي: في عهد صلاح الدين- هم أول من أدخل المماليك إلى مصر، وقد كانوا -بادئ بدء- ميليشيا ذليلة ثم تحولوا إلى طبقة عسكرية، وأخيرا أصبحوا الطبقة الحاكمة.
ولقد بلغ من قوة المماليك في سنة ١٢٥٠م أنهم اغتالوا أحد السلاطين الفاطميين، وتولوا بعده ترشيح السلاطين من بين زعمائهم١.
أصل المماليك:
كان الرق منتشرا في العصور الوسطى، وكانت تجلب الغلمان المرد والفتيان الحسان من بلادهم البعيدة إلى أسواق الرقيق، حيث توجد الرغبة في اقتنائهم، وحيث يتنافس في ذلك المتنافسون للخدمة أو للهو.
وطريقة جلبهم لهذه البضائع، السرقة والخطف، يسرقون الغلمان ويخطفون العذارى من أهلهم ثم يستحلون بيعهم للناس، ويستحل الناس شراءهم.
ولم يبل بالرق شعب دون آخر أو جنس دون غيره فقد كان من الأرقاء التركي والجركسي والرومي والحبشي والفارسي وغيرهم، وأروج ما كانت تجارتهم في الأجناس التركية والجركسية لما تتصف به من جمال وطيب مجلس.
_________________
(١) ١ راجع: تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، للمستر جون بانج، تعريب عليّ أحمد شكري.
[ ١ / ١١ ]
وأول من استخدمهم وجلبهم إلى مصر وجعلهم عمدة جيشه هو "أحمد بن طولون" قال القلقشندي في صبح الأعشى الجزء الثالث في الكلام عمن ولي مصر ملكا قبل الفاطميين: "وأولهم أحمد بن طولون وهو أول من جلب المماليك الأتراك إلى الديار المصرية واستخدمهم في عسكرها"١.
انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك:
أخذ عدد المماليك يتكاثر في مصر زمن الأيوبيين، وأخذ نفوذهم يزداد ويعظم، وقد قوي بأسهم في عهد الملك الصالح نجم الدين الأيوبي.
وقد انتصروا على الفرنجة في موقعة "فارسكور" بمعاونة الفلاحين. وهذه الموقعة كانت سببا مباشرا في توطيد سلطة المماليك وظهور قوتهم، وظلوا بعدها يتلمسون الفرصة للوثوب العملي إلى عرش البلاد، وقد أتيحت لهم هذه الفرصة عندما أساء لهم "توران شاه" وإلى "شجرة الدر" معا، وما زالوا يأتمرون حتى قتلوه، وملكوا عليهم من بعده "شجرة الدر" زوجة أبيه ثم ضربت "شجرة الدر" الحجاب على نفسها ورأت أخيرا بثاقب نظرها وبعيد رأيها أن تخلع نفسها عن الملك بعد أن مكثت ثمانين يوما، فتمت المشورة بسلطنة "عز الدين أيبك" ثم تزوج "شجرة الدر" ليكون واصلة بالبيت المالك القديم، وكان ذلك في ربيع الآخر سنة ٦٤٨هـ ولقبوه بالملك المعز، فكان أول سلاطين المماليك بالديار المصرية٢.
دولتا المماليك ٦٤٨هـ-٩٢٣هـ:
واتفق المؤرخون على تقسيم دولة المماليك في مصر إلى قسمين:
الأول: الدولة المملوكية الأولى المعروفة باسم دولة الأتراك أو البحرية، لأن معظم سلاطينها من الأتراك الذين أسكنهم الملك الصالح "جزيرة الروضة" وجعل منهم فرقة البحرية الصالحية، وامتد عصر هذه الدولة أكثر من مائة عام "١٢٥٠-١٣٨٢م".
_________________
(١) ١ راجع: عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق ١/ ١٣-٢٠ ملخصا، وتاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان. ٢ عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق ١/ ٢٢-٢٦ ملخصا.
[ ١ / ١٢ ]
وامتاز بما ظهر من سلاطين أقوياء أمثال "قطز، والظاهر بيبرس" وغيرهما.
أما القسم الثاني: فهو الدولة المملوكية الثانية التي أطلق عليها اسم دولة الجراكسة أو المماليك البرجية، لأن معظم سلاطينها من الجراكسة الذين اشتراهم السلطان قلاوون، وأنزلهم أبراج قلعة الجبل، وألف منهم فرقة الحرس الخاص.
وامتد حكم هذه الدولة إلى سنة ١٥١٧م وهي السنة التي استولى فيها العثمانيون على مصر١.
حضارة مصر في عهد المماليك:
نظام الحكم:
حينما انتقل الحكم إلى المماليك وتلقب المماليك بلقب السلاطين، بقيت القلعة مركز الحكم في البلاد حتى أواخر هذا العهد، وتأثرت أنظمة الحكم زمن المماليك بمن قبلهم.
فمن ذلك:
تعميم نظام الإقطاع في مصر، وكان الإقطاع مكافأة لكبار رجال الدولة من الأمراء والقواد بدل الرواتب والأعطية.
ومع هذا حاول سلطان من السلاطين أن يجعل السلطنة في ابنه من بعده خضوعا لعاطفة الأبوة، غير أن هذا لم يكن إلا وسيلة مؤقتة حتى يتيسر للأمراء شيء من الإجماع على سلطنة واحدة من كبارهم، فإذا تم ذلك خلع الأمراء ابن سلطانهم القديم وأرسلوه إلى أمه أو نفوه، وترتب على هذا من التولية والعزل في السلطنة، مما أدى إلى اضطراب الأحوال في كثير من الأحيان٢.
الأحوال الاجتماعية:
وفد إلى مصر كثير من المماليك من مختلف الأجناس الآسيوية والأوربية
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك، تاريخ مصر إلى الفتح العثماني تأليف عمر السكندري. ٢ عصر سلاطين المماليك، للأستاذ محمد رزق، وتاريخ مصر إلى الفتح العثماني لعمر السكندري.
[ ١ / ١٣ ]
حتى صار منهم التركي والجركسي واليوناني والصيني والروسي، واعتزت هذه الجماعات المملوكية الوافدة على مصر بما صار لأفرادها من أنواع القوة والنفوذ والسلطان والعنف.
وعاش المماليك عيشة النعيم متمتعين بخيرات البلاد، وكان كل أمير مملوكي عبارة عن سلطان من حيث إقامته في قصر وإحاطته بالأتباع واتخاذه موظفين له.
وكون المماليك طبقة منفصلة تمام الانفصال عن سائر سكان سلطنتهم، ولم يكن كثير منهم متقنا للغة العربية، وفضل بعضهم التكلم بالتركية.
ومع وجود الطبقات والانفصال غلبت مظاهر القناعة على أهل البلاد بسبب ما أفادوا من أجور ومكافآت مقابل ما قاموا به للمماليك أرباب السيف وللموظفين أرباب القلم من صناعة الأقمشة والملابس والأواني والأطعمة كما أكثر المماليك من إنشاء التكايا والسبل والحمامات الشعبية١.
الأحوال الاقتصادية:
الزراعة: اهتم السلاطين بالزراعة فشقوا الترع وحفروا القنوات وقووا الجسور وأقاموا القناطر والسدود، غير أن اهتمامهم بالزراعة اقتصر في جملته على استغلال الأرض دون مصلحة الفلاح.
الصناعة: وتقدمت الصناعة في هذا العصر، ويصف المقريزي أحد الأسواق المصرية زمن المماليك بأنه "معمور الجانب من أوله إلى آخره بالحوانيت، ففي أوله كثير من البزازين الذي يبيعون ثياب الكتان من الخام".
التجارة: اتسعت التجارة في مصر إلى حد لم تبلغه قبلا، وكانت الإسكندرية مركزا لتجارة الأوربيين، كما كانت قوص مركزا لتجارة المصريين، واعتمدت حكومة المماليك على هذه التجارة وكسبت من ورائها أموالا طائلة، هي أحد أسرار عظمة الدولة المملوكية.
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك، تاريخ مصر إلى الفتح العثماني، تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان.
[ ١ / ١٤ ]
ثم اكتشف البرتغال طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند، وحلت لشبونة محل الإسكندرية، فانقطع ذلك المصدر الذي استمدت منه دولة المماليك معظم ثروتها.
العلوم والفنون: شهد العصر المملوكي ما لم يشهده عصر إسلامي سابق من حركة واسعة في البناء والتعمير، فامتلأت مصر بالمساجد والمدارس والمنشآت العسكرية والمدافن التي لا تزال معظم آثارها قائمة في القاهرة والإسكندرية، ومنها جامع الظاهر بيبرس وجامع الناصر محمد بالقلعة، ومدرسة السلطان حسن بالقاهرة، وقلعة قايتباي بالإسكندرية١.
الحركة العلمية:
انتقال النشاط العلمي إلى مصر والقاهرة:
تلفت المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يبحثون لأنفسهم عن ملجأ يلجئون إليه ومأوى يأوون فيه بعد النكبات المتلاحقة "في عهد التتار" وبعد سقوط أكبر دولتهم سقوطا نهائيا، وهي الدولة العباسية، فلم يجدوا أمامهم غير مصر وبلاد الشام، حيث أسس المماليك لهم وأقاموا لأنفسهم سلطانا، فقد عمل المماليك على رد طغيان التتار، وما وقف سلاطين المماليك وأمراؤهم المواقف تلك، إلا أنهم مسلمون معنيون بشئون دينهم مطالبون بدفع الأذى عنه.
فتوجهت أنظار المسلمين إلى مصر ولفتوا قلوبهم وأرواحهم إلى القاهرة باعتبارها عاصمة جديدة.
وبذلك كله اكتسبت مصر مكانا في الحياة جديدا، لذلك انتقل النشاط العلمي من العراق وبغداد إلى مصر وقاهرتها، ونشرت القاهرة زعامتها العلمية وقيادتها الأدبية على البلاد الإسلامية تقريبا زهاء هذه القرون الثلاثة التي عاشت فيها دولة المماليك٢.
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك، تاريخ مصر إلى الفتح العثماني، تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل، تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان. ٢ المراجع السابقة.
[ ١ / ١٥ ]
عوامل نشاط الحركة العلمية:
تنقسم العوامل إلى خارجية وداخلية ونعني بالعوامل الخارجية ما وقع منها في خارج مثل ولم يكن لمصر ولا لأهلها يد في تدبيرها.
والداخلية: نعني بها ما وقع منها داخل مصر، وكان لأهلها يد في تدبيرها.
العوامل الخارجية:
وإيجازها فيما يلي:
١- وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد المغول، فغطى سيل التتار من أواسط آسيا إلى الشام، فكان مسرحا للنزاع العنيف بين دول التتار والمماليك، فالتف المسلمون حول من يحافظون عليهم من سلاطين المماليك، وعملوا على تدعيم ملكهم، ومن أهم وسائل تدعيم الملك إحياء العلوم والمعارف.
٢- قتل العلماء وإتلاف الكتب العلمية، وعلى أثر ذلك فر من فر من العلماء من وجه التتار، أو أنف الإقامة في ظلهم واستقر بهم المقام في كف سلاطين مصر.
٣- وفود العلماء والأدباء إلى مصر والشام، ومن هؤلاء ابن مالك الأندلسي وابن خلدون وغيرهما.
٤- زوال الخلافة العباسية، فاتجهت الأعين إلى مصر حيث كانت مركزا للخلافة١.
العوامل الداخلية:
١- غيرة السلاطين والأمراء: وقد تجلت هذه الغيرة منهم في كفاحهم للتتار ومحاربتهم للفرنجة. حتى ردوا هؤلاء وهؤلاء عن مصر والشام والبلاد المقدسة، وهذه النزعة من دأبها أن توقظ أمثالها في نفوس العلماء وتدفعهم إلى رفع راية التعليم والتأليف ومواصلة البحث والاطلاع.
_________________
(١) ١ المراجع السابقة.
[ ١ / ١٦ ]
٢- تعظيمهم لأهل العلم: فقد أقاموا للعلماء وزنا، ولا ريب أن هذا التعظيم له الأثر المباشر في نفوس العلماء على أن يظلوا حريصين على الشريعة، وأن يبثوا هذه الروح في نفوس طلابهم.
٣- شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه: فكان لهذا التنافس الشديد الأثر المفيد في إحياء العلوم، وبخاصة في ميدان العلم والتأليف.
٤- انصراف العناية إلى اللغة العربية: ولا شك أن مما عاون أهل العلم في تلك الآونة عناية السلاطين باللغة العربية التي اضطرتهم الظروف إليها اضطرارا، فأطلقوها تجري كما شاءت لها الأقدار في ضبط أمور الملك والسياسة والقضاء والعلوم، وذلك لعجز لغتهم التركية أو الجركسية عن أداء ما يتطلبه الملك الواسع من ضبط وأمن وربط، ونشر تعليمات وبعث مراسلات وكتابة.
٥- إنشاء دور التعليم ونظامها: لا شك أن إنشاء دور التعليم يعتبر سببا أساسيا وحيويا لتنشيط الحركة العلمية، لما تضمنه من مدرسين وطلاب.
وسأذكر هنا على سبيل المثال بعض المدارس التي بنيت في عهد المماليك أو ظلت مزدهرة إلى العصر:
أ- المدرسة المعزية: عمرها السلطان عز الدين أيبك الجاشنكير أول ملوك البحرية، وذلك عام ٦٥٤هـ.
ب- جامع القلعة: أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون عام ٧١٨هـ وجعل فيه درسا وقراء.
جـ- مدرسة السلطان حسن: أنشأها السلطان الناصر حسن بن قلاوون، ابتداء من عام ٧٥٧هـ، واستمر العمل فيها ثلاث سنوات.
د- المدرسة المؤيدية: هي الجامع المعروف بجوار باب زويلة أسسها المؤيد شيخ المحمودي وانتهت عمارتها عام ٨١٩هـ. وغير ذلك من المدارس والخوانق والزوايا.
[ ١ / ١٧ ]
٦- رصد الأوقاف على هذه المدارس والإحسان إلى أهلها، حيث إنه لا يمكن لمنشأة من المنشآت العامة أن تبقى دون أن توجه إليها عناية ورعاية.
ولا ريب في أن وجود دور الكتب العامة أو الخاصة له الأثر المحمود في النهوض العلمي ونشاط حركة التأليف ونذكر فيما يلي بعض دور الكتب التي عرفت في العصر المملوكي نقلا عن المقريزي ج٤ من خططه:
أ- خزانة كتب المدرسة الظاهرية البيبرسية: التي أنشأها الظاهر بيبرس عام ٦٦٢هـ، وكانت تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم.
ب- خزانة الكتب بجامع الحاكم بأمر الله: وهي التي زوده بها الأمير بيبرس الجاشنكير عام ٧٠٣هـ.
ج- خزانة الكتب بالمدرسة الناصرية: التي بدأها كتبغا وأكملها الناصر قلاوون عام ٧٠٣هـ.
د- خزانة الكتب بجامع الحظيري ببولاق: التي زوده بها منشئه الأمير عز الدين إيدمر الحظيري عام ٧٣٧هـ.
هـ- خزانة الكتب بجامع المؤيد: قال المقريزي عنه: "نزل السلطان -أي المؤيد- في ٢٠ محرم عام ٨١٩هـ إلى هذه العمارة ".
وغير ذلك من خزانات الكتب.
٧- العناية باختيار العلماء: وقد عني السلاطين والأمراء ومنشئو المدارس باختيار علمائها الذين يشرفون على أمورها، وأساتذتها الذين يتولون التدريس فيها وغير التدريس، فانتخبوهم من بين الأفذاذ ذوي الشهرة المعروفين بالعلم والفضل.
وحسبنا أن نذكر على سبيل المثال جانبا من هؤلاء الذين حملوا أعباء النهوض العلمي، وحافظوا على التراث الديني واللغوي في هذه الحقبة القاسية من تاريخ مصر فأسدوا إليها يدا بيضاء:
[ ١ / ١٨ ]
أ- ممن تولى التدريس بالمدرسة الصلاحية في عصور مختلفة وولي أمرها، شمس الدين ابن اللبان شيخ المرادي، وبرهان الدين بن جماعة، وتقي الدين بن دقيق العيد وغيرهم.
ب- ممن تولى التدريس بالمدرسة الحزومية: المنشأة بعد عام ٧٥٠هـ الشيخ بهاء الدين بن عقيل مدرسا للفقه.
جـ- ممن تولى التدريس بالمدرسة الناصرية: التي أنشأها العادل وأكملها الناصر بن قلاوون، القاضي زين الدين عليّ بن مخلوف المالكي لتدريس فقه المالكية١.
٨- تشجيع المؤلفين: حيث إن العلماء قد وجدوا كل ضرب من ضروب التشجيع على المضي قدما في الناحية العلمية ففتحت لهم المدارس وأجريت لهم المرتبات، وأغدقت عليهم النعم الوفيرة إلى غير ذلك، وبذلك قد وجدوا ما يشجعهم على المضي في التأليف والتدوين والتصنيف.
٩- تنافس العلماء: التنافس هنا ليس المراد منه تنافسهم في سبيل العلم وفي سبيل التأليف ومباراتهم بالمناظرات والمحاضرات وما إليها مما يكون ذا أثر كبير وبديع في الحركة العلمية، إنما التنافس هو في سبيل بلوغ المراكز العالية التي خصصت لهم في القضاء وفروعه، وفي مشيخة الإسلام وفي مشيخة المساجد والخوانق، سواء أكان الإغراء بالرواتب المادية أم المنزلة الأدبية التي يصلون إليها بمصاحبة السلطان.
وتنافس العلماء من هذه الناحية كان من وسائل تشجيع الحركة العلمية٢.
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق، والخطط للمقريزي. ٢ عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق، تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل.
[ ١ / ١٩ ]
نتائج نشاط الحركة العلمية:
تنحصر هذه النتائج في ثلاثة أمور:
أولا: وفود الطلاب إلى دور التعليم
لا شك أن افتتاح المدارس وتعيين العلماء فيها للتدريس والعناية باختيارهم وإجراء الرواتب على الطلاب من شأنه أن يجذب إليها قلوب الطلاب ووفد الطلاب إلى دور التعليم من مصر وغيرها إذ أصبحت مصر أهم كعبة علمية إسلامية يحج إليها محبو العلم وطلابه.
ثانيا: كثرة العلماء والأدباء
إذ زخر العصر بالعدد الوافر من علماء المذاهب الأربعة والأصوليين والنحويين واللغويين والأدباء والمؤرخين وغيرهم.
وقد نشط كثير من هؤلاء العلماء إلى التأليف والفتوى والتدريس والوعظ، وشغلوا مناصب القضاء والكتابة، وشغفوا بالمحاورات والمناظرات.
وعن المناظرات. قال صاحب الدرر الكامنة ٣/ ٨٠٣ في ترجمة تاج الدين محمد المراكشي المولود في القاهرة: "إنه تناظر هو والفخري فكان من حضر لا يفهم ما يقولانه لسرعة عبارتهما".
ثالثا: نشاط الحركة التأليفية
هذه الحركة من أهم نتائج النشاط العلمي إذ هي الثمرة الخالدة والأثر الباقي وكانت مصر مفخرة بسببها.
وأتناول هنا بالكلام بعض العلوم المختلفة على سبيل المثال مركزا على العلوم اللغوية "النحو والصرف" حيث إني بصدده، وسأجمل القول فيما عداها، ولم نعن في هذا المقام إلا بالمؤلفين الذين اتصلوا بمصر والشام في ذلك العصر اتصالا ما، مثل الاستيطان أو الزيارة أو الوظيفة.
[ ١ / ٢٠ ]
المؤلفات:
لا نبالغ إذا قلنا: إن مؤلفات علماء مصر في خلال عصر المماليك -وهو أقل من ثلاثمائة عام- تبلغ عدة آلاف، وحسبنا دليلا على ما نقول أن بعضهم عرف عنه أنه وحده ألف مئات من الكتب والرسائل كالسيوطي، فقد قيل: إن مؤلفاته أربت على ستمائة، وكابن تيمية الحراني، فقد قيل: إن مؤلفاته أربت على خمسمائة، وغير ذلك.
وبلا ريب كانت هذه المؤلفات تملأ دور الكتب المصرية في العصر المذكور بجوار دور التعليم، فلما جاء الفتح العثماني عام ٩٢٣هـ وأزالوا حكم سلاطين المماليك نهبوا ذخائر البلاد ونفائسها وفي مقدمتها تلك المؤلفات. وحملوا ما حملوا إلى عاصمة بلادهم وجملوا بها دور كتبهم، ولم يبق في مصر إلا صبابة من تلك الكأس المليئة مبعثرة هنا وهناك، وكانت هذه الصبابة هي النواة لإنشاء دار الكتب المصرية بالقاهرة في عهد الخديو إسماعيل.
وبعد، فلنعد إلى هذه المؤلفات المصرية وعصر تأليفها وهو العصر المملوكي، وسأذكر أمثلة مقتصرة حيث المقام لا يتسع، ومن المؤلفات التاريخية:
١- وفيات الأعيان لابن خلكان المتوفى عام ٦٨١هـ وبه أكثر من ثمانمائة ترجمة.
٢- الطالع السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد، تأليف كمال الدين جعفر بن ثعلب الأدفوي المتوفى عام ٧٤٨هـ وهو معجم حافل به أكثر من ٥٩٠ ترجمة لأعلام الصعيد من معاصري المؤلف.
٣- تاريخ النحاة، مؤلفه تاج الدين أبو محمد أحمد بن عبد القادر محمد بن مكتوم المتوفى عام ٧٤٩هـ.
٤- الوافي بالوفيات، وهو لصلاح الدين الصفدي المتوفى عام ٧٦٤هـ وهو في نحو خمسين مجلدا.
٥- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني، وهو أربعة أجزاء تحتوي على أكثر من ألف ترجمة لأعلام هذه المائة مرتبة حسب الحروف، وغير ذلك.
[ ١ / ٢١ ]
تاريخ الخطط والآثار:
وهي المؤلفات التي تحدثت عن البلاد والمدن والمواضع، ومن مؤلفات:
١- الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة: مؤلفها محيي الدين عبد الظاهر المتوفى عام ٦٩٢هـ.
٢- نهاية الأرب في معرفة كلام العرب: مؤلفه شهاب الدين القلقشندي المتوفى عام ٨٢١هـ.
٣- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: مؤلفه تقي الدين المقريزي المتوفى عام ٨٤٥هـ وهو أربعة أجزاء.
المؤلفات الدينية:
قد سرت النزعة الدينية والروح الإسلامية في أرجاء البلاد واعتنى العلماء بالتأليف، ومن ذلك على سبيل المثال:
١- الروضة: مؤلفه محيي الدين النووي المتوفى عام ٦٧٦هـ.
٢- الشامل: مؤلفه بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز المتوفى عام ٨٠٥هـ.
٣- الفتاوى المصرية، لتقي الدين بن تيمية الحراني المتوفى عام ٧٢٨هـ، وهو سبعة مجلدات وغير ذلك من الكتب الكثيرة.
تفسير القرآن الكريم:
١- تفسير القرآن الكريم: مؤلفه عبد العزيز أحمد بن سعد الديريني المتوفى عام ٦٩٧هـ.
٢- إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب، لأثير الدين بن حيان شيخ المرادي، المتوفى عام ٧٤٥هـ. وغير ذلك من الكتب.
القراءات:
١- شرح الشاطبية: مؤلفه الحسن بن أم قاسم المرادي المتوفى عام ٧٤٩هـ.
٢- المقدمة الجزرية: وهي منظومة في علم التجويد من وضع شمس الدين الجزري المتوفى عام ٨٣٣هـ. وغير ذلك١.
_________________
(١) ١ راجع عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود
[ ١ / ٢٢ ]
مؤلفات عربية:
بنفس الروح التي أثارت الجد في نفوس علماء الدين، ثار الجد في نفوس علماء العربية بجميع فنونها، ونبغ فيها علماء أجلاء منهم من يعتبر إماما في فنه وقدوة في مادته، والعربية كانت ولا تزال وستبقى، أهم الأدوات لفهم الدين وتوضيح مسائله، بينهما من الوشائج ما لا تستطيع الأيام فصله، ومن ثم لم تكن لعلماء اللغة تلك المنازل المرموقة التي سما إليها علماء الدين، لذلك لم يكن غريبا أن يحرص العلماء على أن ينبغوا أولا في علوم الشريعة، ثم يفيئوا إلى اللغة وفنونها فيتعهدوها بالعناية.
على أن هناك بعضا من العلماء غلب عليه الاشتغال باللغة وفنونها، لرغبة فيها وولوع فأجاد وأفاد، وسجل لنفسه بما ألفه ودونه من مسائلها سجلا خالدا.
كتب النحو والصرف:
ولعل النحو والصرف في مقدمة فنون العربية التي حظيت من العناية بنصيب أوفر، فقد وضعت فيهما أسفار قيمة، وعرف بهما رجال أفذاذ.
ونحن لا ننكر أن نحويي هذا العصر، لم يأتوا بجديد ممتع ولا بمبتكر رائع، وقصارى جهودهم بذلت في توضيح مسائل النحو وتوجيه قواعده، والاستدلال لها مع عرض الآراء المتناقضة أحيانا، والموازنة بينها وترجيح أحدها أحيانا أخرى.
ونحا بعضهم إلى وضع المتون ثم إلى شرحها ثم إلى شرح هذا الشرح أو اختصاره، وذلك على نمط مما كان يفعل علماء الدين بكتب الفقه، وزادت التحشية على المؤلفات، والاستدراك عليها ونحوه، حتى نتج من ذلك كله نتاج وفير في هاتين المادتين: النحو والصرف.
غير أننا لا نرى مناصا من التنويه بأن بعضهم كانت له في بحوثه شخصية وقوة تشعرنا بأنه كان حسن الذوق لمادته عميق الفهم، كامل الإلمام، دقيق الملاحظة والموازنة، جديد التوجيه والتعليل.
[ ١ / ٢٣ ]
وأفضل الأمثلة لذلك: ابن هشام المصري. ذلك العلامة الذي قال فيه ابن خلدون: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه".
ونشير في هذا المقام إلى جالية علماء الأندلس بالمشرق وعلى رأسها جمال الدين بن مالك الأندلسي الذي وفد إلى بلاد الشام في عهد الملك الظاهر بيبرس، وتتلمذ له كثيرون من أبنائها، وانتشرت بينهم كتبه ومنظوماته، كالألفية والتسهيل وكلاهما في مقدمة الكتب التي اتخذت محورا للتأليف.
وكذلك أبو حيان الأندلسي، فقد وفد على مصر وتتلمذ لبعض رجالها وتتلمذ له بعض رجالها كابن أم قاسم المرادي، وأفادوا منه كما أفاد منهم.
وإليك بعضا من المؤلفات والرسائل في هذين الفنين على سبيل المثلا:
١- الألفية والتسهيل والكافية الشافية وهي أرجوزة في أكثر من ٢٧٥٠ بيتا لخص منها ألفيته وسبك المنظوم وفك المختوم، ولامية الأفعال لابن مالك المتوفى عم ٦٧٢م.
٢- شرح التسهيل، وشرح الألفية، والجنى الداني في حروف المعاني، ورسالة في الجمل التي لا تكون لها محل من الإعراب، وشرح باب وقف حمزة وهشام على الهمزة من الشاطبية، وشرح المقصد الجليل في شرح علم الخليل، والمفيد وهو شرح عمدة المفيد وعدة المجيد في التجويد، وشرح الاستعاذة والبسملة، لبدر الدين وهو ابن أم قاسم حسن بن قاسم المرادي المتوفى عام ٧٤٩هـ.
٣- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وقطر الندى وبل الصدى، وشذور الذهب، وأوضح المسالك والجامع الصغير، والروضة الأدبية، وموقد الأذهان، والإعراب عن قواعد الإعراب، لابن هشام المصري المتوفى عام ٧٦١هـ.
٤- المساعد في شرح التسهيل، وشرح الألفية، لبهاء الدين بن عقيل المتوفى عام ٧٦٩هـ.
[ ١ / ٢٤ ]
٥- شرح الألفية ولم يكمله، وشرح التسهيل، لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي المتوفى عام ٧٧٧هـ.
٦- شرح الألفية، لشمس الدين بن الصائع محمد بن عبد الرحمن بن عليّ الزمردي المتوفى عام ٧٧٧هـ.
٧- شرح الألفية وشرح التسهيل، لناظر الجيش محب الدين محب محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم الحلبي المتوفى عام ٧٧٨هـ.
٨- شرح ألفية ابن مالك، لأكمل الدين البابرتي المتوفى عام ٧٨٦هـ.
٩- حاشية على مغني اللبيب، لبدر الدين الدماميني المتوفى بالهند عام ٨٢٧هـ.
١٠- الألغاز النحوية، والتصريح بمضمون التوضيح، وشرح الآجرومية، وإعراب الألفية، لخالد الأزهري الجرجاوي المتوفى عام ٩٠٥هـ.
١١- البهجة المرضية في شرح الألفية، الأشباه والنظائر في النحو، والفريدة في النحو والصرف والخط والنكت على الألفية والاقتراح في أصول النحو، وهمع الهوامع، وشرح شواهد المغني لجلال الدين السيوطي المتوفى عام ٩١١هـ١.
علم العروض:
فعلى سبيل المثال:
١- كتاب في العروض لابن مالك النحوي الأندلسي المتوفى عام ٦٧٢هـ.
٢- شرح المقصد الجليل في شرح علم الخليل، لابن أم قاسم المرادي المتوفى عام ٧٤٩هـ.
٣- كتاب القوافي، وجواهر البحور في العروض، لبدر الدين الدماميني المتوفى عام ٧٢٨هـ٢.
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق. ٢ نفس المرجع.
[ ١ / ٢٥ ]
علوم البلاغة:
أما علوم البلاغة فالمعروف أنها نضجت قبل هذا العصر نضوجا محمودا، فقد هذب عبد القاهر الجرجاني المتوفى عام ٤٧١هـ مسائلها ووجه أنواعها ورتب قواعدها في كتابيه: أسرار البلاغة في قالبها الأخير في كتابه مفتاح العلوم، وجاء العصر المملوكي فاشتغل علماؤه بالشرح والتفصيل أو الاختصار وعلى رأسهم جلال الدين القزويني وهو محمد بن عبد الرحمن المتوفى عام ٧٣٩هـ فوضع تلخيص المفتاح من كتاب السكاكي، وسأذكر بعض المؤلفات على سبيل المثال:
١- المسترجل في الكنى، والمقتنى في سرد الكنى، لشمس الدين الذهبي المتوفى عام ٧٤٨هـ.
٢- مختصر أساس البلاغة للزمخشري، لشهاب الدين بن حجر العسقلاني المتوفى عام ٨٥٢هـ.
٣- الإفصاح، وهو نكت على التلخيص في البلاغة، وعقود الجمان في المعاني والبيان، وشرح أبيات تلخيص المفتاح، لجلال الدين السيوطي المتوفى عام ٩١١هـ١.
الكتب الجامعة:
١- لسان العرب. المعجم اللغوي المشهور، لابن منظور الأفريقي المتوفى عام ٧١١هـ.
٢- طبقات الشافعية: وهو في تراجم أعلام الشافعية: لتاج الدين السبكي المتوفى عام ٧٧١هـ.
٣- تاريخ ابن إياس، وهو المعروف ببدائع الزهور في وقائع الدهور، لابن إياس المتوفى عام ٩٣٠هـ٢.
_________________
(١) ١ عصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق. ٢ نفس المرجع.
[ ١ / ٢٦ ]
الفصل الثاني:
مصر:
وبعد الخلاصة الموجزة عن العصر المملوكي تناولت فيها نظم حكمه وأحواله الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، حيث العصر الذي عاش في كنفه ابن أم قاسم المرادي وتأثر به في كل أحواله لا يفوتنا، أنه عاش في مصر وقاهرتها واستظل بسمائها، وافترش أرضها وشرب من ماء نيلها، لذلك سأسرد نبذة موجزة عن مصر وجوها وأحوالها فنقول:
مصر بنت النيل، الطيبة تربتها، الصافية سماؤها، المعتدل جوها، الرضية حياتها، السمح أهلها، الرحب جنابها، مرت بها العصور تتوالى دونها، صاحبت الشمس منذ مطلعها، ورافقت الزمن منذ نشأته، وعبرت بها الأحداث حيرى دونها، مع كثرة غيرها وصروفها، ولكن مصر كانت هادئة بإيمانها مطمئنة بيقينها، لذلك لم تكن تألو أن تخلع على هذه الأحداث والغير والصروف أثوابا من الهزء، وأردية من السخرية أن آمنت أن العاقبة لها، وأن الخلود في جانبها، وأن البقاء من نصيبها، أما ما دونها من عوادي الزمن ومحن الأيام، فإنها أمامها أشبه ببساط منشور يستعين به الهراجون والمتبذلون فيفكهون الناس حينا ببعض قصصهم، فإذا ما انقضت آونتهم وانتهت فترتهم، طووا بساط اللهو، فينشر غيرهم بساطا آخر جديدا، وهكذا دواليك، بين هذه الأمواج الصاخبة في بحر الزمان، وبين هذه العواصف المتلاحقة في جو الليالي، شهدت مصر ألوانا شتى من قصص الحياة ومثلها، آنًا تسمو إلى ما هي له أهل من السمو فتقبض بيدها على صولجانها، فيأتمر الناس بأمرها، وينتهون بنهيها، وآنًا تهددها الأحداث، وتتعاورها الخطوب، فتنثني باسمة أمام العاصفة، فتهزم شدتها بما وهب لها من لين، وتقهر قسوتها بما منحته من لطف، وهي هي مصر الباقية الوادعة.
وإذا كانت مصر هكذا كالطود الشامخ، فهي جديرة بأن تخرج أفذاذا وأشبالا في اللغة وغيرها مثل ابن أم قاسم المرادي وغيره، فهؤلاء استمدوا قوتهم من قوتها وتأثروا بجوها وحوادثها ومناخها.
[ ١ / ٢٩ ]
فكان أدعى أن يحفزهم إلى العمل الجاد من أجل إعلاء اللغة العربية الغنية بألفاظها وأساليبها ومعانيها.
النحو والنحاة في عصر المماليك:
إن مصر والشام في هذه الآونة كانتا مستقلتين تخفق عليهما راية واحدة حملها المماليك الذين ولوا أمرهما بعد الأيبوبيين سنة ٦٤٨هـ واتخذوا القاهرة قاعدة ملكهم.
وكان المماليك لشعورهم بنقص أحسابهم، ولأنهم دخلاء يحاولون استكمال مهابتهم بغرس ما يثمر النفع للبلاد، ثم كان حادث بغداد موجبا إليهم جسامة العبء الملقى على كاهلهم، فناصروا اللغة العربية؛ لأنها لغة الدين والشعب، ولم تحل جنسيتهم التركية والجركسية دون اعتمادها لسان الدولة الرسمي، وتحبيب علمائها لنشرها ورفع لوائها، ليستعيدوا مجد العراق في بلادهم. ثم تمكن المماليك من القبض على زمام المقاليد في مصر والشام، والعراق حينئذ في الاحتضار والأندلس في سبيل الزوال، وأن علماؤهما لم يلفوا أمامهم موطنا يعيشون فيه ويجدون مبتغاهم من الهدوء ونشر العلوم، وأن العلماء قد رأوا إقفار البلاد من الكتب العربية. يقول السيوطي وهو من علماء هذا العهد: "وقد ذهب جل الكتب في الفتن الكائنة من التتار وغيرهم بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا تجيء حمل جمل واحد".
وربما كان في هذا الكلام شيء من الغلو إلا أنه -أيا ما كان- دليل على إحساسهم بالنقص والخسارة، وواجب الدين في أعناقهم يقضي عليهم بإحياء ما درس من علوم لغة الدين، وبينهم بعض المشارقة الذين فروا من وجه المغول، والجم الغفير من المغاربة والأندلسيين الذين وردوا القطرين من عهد بعيد، فهبت حركة طيبة في علومها، وفي مقدمتها النحو.
ومن الإنصاف أن نقول: إن عماد هذه الحركة التي كان فيها إمساك للحوباء إنما هي جالية الأندلس والمغرب، فألفية ابن مالك الأندلسي التي كثرت الشروح
[ ١ / ٣٠ ]
عليها، وطاف المؤلفون في القطرين حولها، هي التي توزعت دراستها على مراحل التعليم باعتبار شروحها سهولة وصعوبة واختصارا واتساعا، وكذا الكافية الشافية.
ففي هذا العصر فاضت دراسة النحو في أغلب القطرين وبخاصة القاهرة ودمشق وحلب، وقد كانت الدراسة أول أمرها أشبه بعلاج المريض الذي لم يبق فيه إلا الذماء، ولكن الترغيب والتقدير قد أكسبها استعادة ما فقد من الازدهار، فظهر جهابذة حفظوا وجود هذا العلم بعد نكبتي المشرق والمغرب. ونشطت حركة التأليف لتزايد الإقبال عليها.
ومن مظاهر هذا النشاط أن توخى أغلب المؤلفين في مؤلفاتهم التدرج والتنويع فيها، لاختلاف قدر الطالبين من مبتدئ وشاد ومنته، فجمعوا فيها بين وجيز ووسيط وبسيط، حبا في تعميم النفع كما صنع ابن مالك وابن أم قاسم وابن هشام والسيوطي.
فالتأليف على عمومه في خلال هذا العهد قد طرأ عليه اتجاه جديد.
ففي هذا العهد طفق المؤلفون ينشئون المتون مع استيعابها لما في المطولات، ويعملون على إيجازها ما وسعت قدرتهم، ومن هنا مست الحاجة إلى الشروح وربما جللت بالحواشي، وأقرب الأمثلة لهذا شروح ألفية ابن مالك وكافية ابن الحاجب.. وبعض الحواشي.
وهذه المؤلفات التي كانت غزيرة المادة العلمية من الجهة النحوية لم يعبها إلا ما شابها من الشروح والحواشي من كثرة بيان اللهجات العربية لكثير من الكلمات مما يمت إلى فقد اللغة بسبب وثيق، ومن التعليل والتوجيه لتضارب الآراء النحوية مما لا يعود بطائل على النحو، ومن محاولتهم أخذ القاعدة النحوية من مادة الكتاب المعلق عليه وكثيرا ما يكون في العبارة قصور في الدلالة.
لكن هذه الهنات لم تذهب بمحاسن هذه المصنفات، وجلها لا يزال إلى يومنا عتاد طلاب النحو ومطمح أنظارهم، ويظهر أن الحامل لهم على الإكثار من المتون حبهم في سرعة تلافي ما ضاع من كتب النحو.
والمتون كفيلة بجمع ما كثر من القواعد في موجز الكلام، فلكي يسهلوا على الراغبين جمع شتات هذا الفن في قبضة اليد صنفوها كعلاج بدا لهم.
[ ١ / ٣١ ]
فلم يكن بعد هذا بد من شروح تكشف قناع هذه المخدرات المكنونة، وبالتالي قد تقتضي الشروح تفصيلا لما أجمل فيها فكانت بعض الحواشي.
فما أجدر عهد المماليك بتسميته عهد المتون والشروح، وقلما ترى حاشية لمؤلف منهم كل ذلك والأقطار الإسلامية الأخرى منصرفة عن هذا العلم وغيره، ترزح تحت نير الظلم من ملوك لا تحنو على اللغة وعلومها ولا تربطها بها أسباب.
فإن المطالع لصفحات تاريخ النحويين لهذا العهد لا تكاد تقع عيناه عليهم إلا متواطنين بالقطرين إما نازحين إليهما أو مولودين بهما.
فمما لا مرية فيه أنه لولا القطران في هذا الأمد لانقطعت الصلة بين النحو قديمه وحديثه ولكان له نظام آخر١.
المعاصرون للمرادي المعروف بابن أم قاسم:
لما كان المرادي المعروف بابن أم قاسم يعيش في عصر المماليك، الذي اشتهر بعهد المتون والشروح رأيت أن أذكر نبذة موجزة عن بعض هؤلاء النحاة الذين عاصروا ابن أم قاسم، سواء أكانوا من مواليد مصر أم من النازحين إليها، مراعيا في ذلك الترتيب الزمني في وفياتهم.
مع العلم أنني لم أعثر على ما يدل على أنه يجتمع بهؤلاء ويناظرهم، والرابط بينهم هو العصر، وأن بعضهم كان قد تلقى عن شيخه أبي حيان.
١- برهان الدين السفاقسي:
نسبه: هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم القبسي المالكي العلامة برهان الدين أبو إسحاق السفاقسي النحوي، صاحب إعراب القرآن.
مولده: قال ابن حجر في الدرر الكامنة: ولد في حدود سنة ٦٧٧ سبع وسبعين وستمائة من الهجرة.
_________________
(١) ١ نشأة النحو بتصرف "المزهر السيوطي".
[ ١ / ٣٢ ]
من حياته: تنقل في أماكن مختلفة، وجلس في حلقة العلماء حتى تفقه في كل باب طرقه فسمع ببجاية من شيخها ناصر الدين، ثم قصد بيت الله الحرام فحج، وقدم القاهرة، وأخذ على الشيخ أبي حيان وملأ جعبته من علمه، ثم توجه إلى دمشق فسمع من المزي وزينب بنت الكمال وخلق كثير، وكان لتجويله في البلدان وتنقله فيها وسماعه العلم من أهلها وعلمائها أثر طيب في نفسه، إذ برع في العربية واشتهر وعلا قدره.
صفاته: كان فاضلا محبا للناس متوددا إليهم منفقا مما منحه الله من الخير، يرضى بكل تعب يلقاه من أجل العلم والمعرفة.
وفاته: مات في ثامن عشر ذي القعدة سنة ٧٤٢هـ اثنتين وأربعين وسبعمائة من الهجرة.
٢- ابن المرحل:
نسبه: هو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن يوسف بن أبي العز عزيز بن نعمة بن ذوالة الحراني الأصل، الشافعي المعروف بابن المرحل العلامة شهاب الدين النحوي يكنى أبا الفرج بن عز الدين.
من حياته: سمع من ابن الحبوبي وعليّ البكري وشهاب المحسني وغيرهم، وقرأ بنفسه وخرج له تقي الدين بن رافع جزءا من حديثه، وتصدر الجامع الحاكمي، وانتفع به الناس، وقال الأسنوي في الطبقات: كان أبوه يبيع الرحال للجمال، فذلك سمي بابن المرحل وكان فاضلا في النحو واللغة والمعاني والبيان والقراءات، وكان تاجرا في الكتب، اعتنى بالعربية وخصوصا ألفية ابن مالك، فكان فيها ماهرا، وقرأها فأخذها جماعة بحلب والقاهرة منه، وكان شديد التثبيت في النقل.
وقد أخذ عنه الشيخ جمال الدين بن هاشم، وهو الذي نوه به وعرف بقدره، وكان يطريه ويفضله على أبي حيان وغيره، ويقول: كان الاسم في زمانه لأبي حيان والانتفاع بابن المرحل، وأخذ عنه الشيخ شمس الدين بن الصائغ، ورثاه لما مات بقصيدة على قافية الباء الموحدة أولها:
سما الفضلاء وانقض بعد شهاب فقل في مصيب عز فيه مصاب
[ ١ / ٣٣ ]
وذكر الشيخ شمس الدين بن الصائغ، أن الشيخ عبد الله المنوفي الزاهد المشهور، بات عنده ليلة دفنه، وقرأ عليه ختمة.
وفاته: مات ابن المرحل بالقاهرة في المحرم سنة ٧٤٤ أربع وأربعين وسبعمائة من الهجرة، وقد جاوز الأربعين١.
٣- ابن التركماني:
نسبه: هو أحمد بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان المارديني الأصل المعروف بابن التركماني الحنفي القاضي تاج الدين.
مولده: قال ابن حجر في الدرر الكامنة، ولد بالقاهرة ليلة السبت الخامس والعشرين من ذي الحجة ٦٨١ إحدى وثمانين وستمائة من الهجرة.
من حياته: تقلب بين يدي العلماء، وجلس في حلقاتهم، وولي مناصب هامة في الدولة واشتغل بأنواع العلم ودرس وأفتى وناب في الحكم، وصنف في الفقه والأصلين والحديث والعربية والعروض والمنطق والهيئة، وسمع من الشيخ الدمياطي وابن الصواف والحجار، وحدث وسمع منه الكثير وجلس في حلقات درسه.
مصنفاته:
١- تعليقه على المحصل للإمام فخر الدين الرازي.
٢- وشرح المنتخب للباجي.
٣- وثلاثة تعاليق على الخلاصة في الفقه.
٤- وشرح الجامع الكبير في الفقه.
٥- وشرح الهداية.
٦- ومصنفات في الفرائض.
٧- وتعليقه على مقدمة ابن الحاجب في النحو.
٨- وشرح المقرب لابن عصفور.
٩- وشرح عروض ابن الحاجب.
١٠- وكتاب أحكام الرمي والسبق والمحلل.
١١- وكتاب الأبحاث الجلية على مسألة ابن تيمية.
١٢- وشرح الشمسية في المنطق.
١٣- وشرح التبصرة في الهيئة للخرفي. ذكر ذلك المقريزي في المقفى في ترجمته.
وفاته: مات ابن التركماني في أوائل جمادى الأولى سنة ٧٤٤ أربع وأربعين وسبعمائة من الهجرة٢.
_________________
(١) ١ الدرر الكامنة ج٣ ص٢، طبقات الشافعية ج٥ ص٢٣٨. ٢ بغية الوعاة للسيوطي ص١٤٥، الدرر ج١ ص٢١.
[ ١ / ٣٤ ]
٤- قوام الدين الكرماني:
نسبه: هو مسعود بن محمد بن محمد بن سهل قوام الدين أبو محمد بن برهان الدين بن شرف الدين الكرماني الحنفي الصوفي.
مولده: قال ابن حجر في الدرر الكامنة: ولد سنة ٦٦٤ أربع وستين وستمائة من الهجرة.
من حياته: تقلب وتنقل في البلدان طلبا للرزق وعونا على العيش، وجلس في حلقات علماء هذه البلاد واستفاد منهم وأفاد الناس، وشغلهم بعلمه وعربيته.
قال في الدرر الكامنة: واشتغل في تلك البلاد ومهر في الفقه والأصول والعربية، وكان نظارا بحاثا، وقدم دمشق فظهرت فضائله، ثم قدم القاهرة وشغل الناس بالعلم.
وكان باهرا في الأصول والفقه والعربية والنظم، فصيح العبارة، وأخذ عنه البرزالي وابن رافع.
وفاته: مات في منتصف شوال سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين وسبعمائة من الهجرة١.
٥- أحمد بن مكتوم النحوي:
نسبه: هو أحمد بن عبد القادر بن أحمد مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم بن محمد القيسي تاج الدين أبو محمد الحنفي النحوي.
مولده: قال في الدرر الكامنة: ولد في آخر ذي الحجة سنة ٦٨٢ اثنتين وثمانين وستمائة.
من حياته: كان نحويا بارعا، أخذ النحو عن البهاء بن النحاس، ولازم أبا حيان دهرا طويلا، وأخذ عن السروجي وغيره، وتقدم في الفقه والنحو واللغة، ودرس وناب في الحكم، وكان سمع من الدمياطي اتفاقا قبل أن يطلب، ثم أقبل على سماع الحديث ونسخ الأجزاء فأكثر عن أصحاب النجيب وابن علاق.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٣٩١، والدرر ج٥ ص١١٦.
[ ١ / ٣٥ ]
وقال في ذلك:
وعاب سماعي للحديث بعيد ما كبرت أناس هم إلى العيب أقرب
وقالوا إمام في علوم كثيرة يروح ويغدو سامعا يتطلب
والرواية عنه عزيزة، وقد سمع منه ابن رافع وذكره في معجمه.
مصنفاته منها:
١- الجمع بين العباب والمحكم في اللغة.
٢- وله كتاب الجمع المتناهْ في أخبار اللغويين والنحاهْ، عشرة مجلدات، وكأنه مات عنها مسودة فتفرقت عنه شذر مذر.
٣- شرح الهدياة في الفقه.
٤- شرح كافية ابن الحاجب.
٥- شرح شافية ابن الحاجب.
٦- شرح الفصيح.
٧- الدر اللقيط من البحر المحيط، مجلدان قصره على مباحث أبي حيان مع ابن عطية والزمخشري.
٨- التذكرة ثلاثة مجلدات، سماها بقيد الأوابد -بخطه في المحمودية- قال السيوطي: وقفت عليها بخطه من المحمودية أعادنا الله إلى الانتفاع منها كما كنا قريبا بمحمد وآله.
وفاته: توفي الشيخ تاج الدين في الطاعون العام في رمضان سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة١.
٦- شمس الدين الأصبهاني:
نسبه: هو محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عليّ شمس الدين أبو الثناء الأصبهاني.
مولده: قال السيوطي: ولد في شعبان ٦٩٤ أربع وتسعين وستمائة.
من حياته: اشتغل ببلاده ومهر وتميز وتقدم في الفنون، وتجول في البلدان، واستمع من علمائها وجلس في حلقاتهم، ثم قدم دمشق فبهرت فضائله، وسمع كلامه التقى ابن تيمية فبالغ في تعظيمه، ولازم الجامع الأموي ليلا ونهارا مكبا على التلاوة، وشغل الطلبة ودرس بعد ابن الزملكاني بالرواحية، ثم قدم القاهرة
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي، ص١٤٠، طبقات القراء ج١ ص٧٠، الدرر الكامنة ج١ ص١٨٩.
[ ١ / ٣٦ ]
واشتهر بين الناس وعلا قدره وسطع نجمه وبنى له قوصون الخانقاه بالقرافة ورتبه شيخا بها.
قال الأسنوي: كان بارعا في العقليات صحيح الاعتقاد.
صفاته: كان قوي الإيمان صالحا محبا لأهل الصلاح طارحا للتكليف، وكان يمتنع كثيرا من الأكل لئلا يحتاج إلى الشرب فيحتاج إلى دخول الخلاء فيضيع عليه الزمان.
تصانيفه منها:
١- صنف تفسيرا كبيرا.
٢- شرح كافية ابن الحاجب.
٣- شرح مختصر أصول ابن الحاجب.
٤- شرح منهاج البيضاوي وطوالعه.
٥- شرح بدائع ابن الساعاتي.
٦- شرح الساوية في العروض، وغير ذلك.
وفاته: مات في ذي القعدة سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة بالطاعون العام١.
٧- ابن الوردي المصري:
نسبه: هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس الإمام زين الدين بن الوردي المصري الحلبي الشافعي.
من حياته: كان إماما بارعا في النحو عالما فيه، تنقل بين يدي كثير من العلماء، وأخذ عنهم، فقرأ على الشرف البارزي وغيره، وبرع في الفقه والنحو والأدب مفننا في العلم، ونظمه في الذروة العليا والطبقة القصوى، وكان قد نشأ بحلب وتفقه بها ففاق الأقران، وكان ينوب في الحكم في كثير من معاملات حلب وولي القضاء وكان فاضلا حتى اشتهر بفضائله بين الناس، والرواية عنده عزيزة، وقد تحدث عنه أبو اليسر بن الصايغ الدمشقي، قال السيوطي: روى لنا عنه أعنى عن أبي اليسر جماعة بالإجازة.
تصانيفه منها:
١- البهجة في نظم الحاوي الصغير.
٢- شرح ألفية ابن مالك.
٣- ضوء الدرة على ألفية ابن معطي.
٤- اللباب في علم الإعراب
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٣٨٨، طبقات الشافعية ج٥ ص٤١، الدرر ج٥ ص٩٥.
[ ١ / ٣٧ ]
قصيدة شرحها.
٥- مختصر الملحة نظمها.
٦- تذكرة الغريب في النحو نظمها وشرحها.
٧- المسائل الملقبة في الفرائض.
٨- منطق الطير في التصوف.
٩- أرجوزة في تعبير المنام.
١٠- أرجوزة في خواص الأحجار والجواهر، وغير ذلك، وله مقامة في الطاعون العام، ومن نظم ابن الوردي:
لا تقصد القاضي إذا ما أدبرت دنياك واقصد من جواد كريم
كيف يرجى الرزق من عند من يفتي بأن الفلس مال عظيم
وفاته: قال السيوطي: واتفق أنه مات بآخرة في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة١.
٨- أبو عبد الله بن الصائغ:
نسبه: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن لب أبي عبد الله محب الدين بن الصائغ الأموي المري.
من حياته: قال في تاريخ غرناطة: قرأ النحو في القاهرة إلى أن ذاع صيته وعلا قدره وازدهر نجمه، وأصبح النحو قرينا له، حتى صار يقال له: أبو عبد الله النحوي، وتنقل بين يدي العلماء واستمع إليهم، وكان قرأ على أبي الحسن بن أبي العيش والخطيب بن الفنجاطي، ولازم أبا حيان وجلس في حلقات درسه واستفاد منه وانتفع بما معه، وتعلم الضرب بالعود فنبغ فيه، وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: كان ماهرا في العربية واللغة قيما بالعروض ينظم نظما وسيطا.
أخلاقه: كان سهلا دمث الأخلاق شغوفا بمحبة الناس وولائه لهم محبا للطلب دءوبا.
وفاته: مات أبو عبد الله بالطاعون العام سنة ٧٤٩هـ تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة٢.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٣٦٥، الدرر الكامنة ج٣ ص٢٧٢. ٢ بغية الوعاة للسيوطي ص٦٠، طبقات القراء ج٢ ص١٨٥، والدرر ج٤ ص١٠٥.
[ ١ / ٣٨ ]
٩- شهاب الدين السمين النحوي:
نسبه: هو أحمد بن يسوف بن عبد الدائم بن محمد الحلبي شهاب الدين المقرئ نزيل القاهرة المعروف بالسمين.
من حياته: كان عالما من علماء النحو، برز فيه وظهر، وأخذ مكانه في علم القراءات، وتولى تدريسه، وارتقى مناصب عالية، وجلس في حلقات الحديث بين يدي علمائه.
قال في الدرر الكامنة: تعانى النحو فمهر فيه، ولازم أبا حيان إلى أن فاق أقرانه، وأخذ القراءات عن التقي الصائغ ومهر فيها، وسمع الحديث من يونس الدبوسي، وولي تدريس القراءات بجامع ابن طولون والإعادة بالشافعي، ونظر الأوقاف، وناب في الحكم، وقال الأسنوي في طبقات الشافعية: كان فقيها بارعا في النحو والقراءات ويتكلم في الأصول أديبا.
مصنفاته منها:
١- له تفسير القرآن.
٢- الإعراب ألفه في حياة شيخه أبي حيان، وناقشه فيه كثيرا.
٣- وشرح التسهيل.
٤- شرح الشاطبية وغير ذلك.
وفاته: مات السمين في جمادى الآخرة سنة ٧٥٦هـ ست وخمسين وسبعمائة١.
١٠- ابن عقيل:
نسبه: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عقيل القرشي الهاشمي العقيلي الهمداني الأصل ثم البالسي المصري قاضي القضاة بهاء الدين بن عقيل الشافعي، نحوي الديار المصرية.
مولده: قال ابن حجر والصفدي والسيوطي: ولد يوم الجمعة تاسع المحرم سنة ٦٩٨ ثمان وتسعين وستمائة، وفي شذرات الذهب: ولد سنة ٦٩٤ أربع وتسعين وستمائة، وقال الشوكاني في البدر الطالع: ولد سنة سبعمائة.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص١٧٥، وطبقات القراء ج١ ص١٥٢، والدرر ج١ ص٣٦٠.
[ ١ / ٣٩ ]
من حياته: قدم إلى القاهرة وحرص على طلب علوم اللغة إلى أن مهر، ولازم أبا حيان، وقرأ عليه النحو وبرع فيه، وفي الشذرات: وقرأ النحو على أبي حيان ولازمه في ذلك اثنتي عشرة سنة حتى قال أبو حيان: ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل.
وأخذ القراءات عن التقي الصائغ، والفقه عن الزين الكتاني، ولازم العلاء القونوي في الفقه والأصول والخلاف والعربية والمعاني والتفسير والعروض وبه تخرج وانتفع.
ولازم جلال الدين القزويني، وسمع من الحجار ووزيره وحسن بن عمر الكردي، والشرف بن الصابوني والوافي وغيرهم، وسمع الحديث من ابن الصاعد وابن الشحنة وأبي الهدى أحمد بن محمد وغيرهم.
وقد برع حتى صار إماما في علوم العربية وممتازا في الفقه والأصول والقراءات، واشتهر اسمه وعلا ذكره، وناب في الحكم، فناب في القضاء بمصر والجيزة، وعن شيخه القزويني بالحسينية وعن العز بن جماعة بالقاهرة فسار سيرة حسنة ثم عزل لواقع وقع منه في حق القاضي موفق الدين الحنبلي في بحث فتعصب ضرغتمش له فولي القضاء الأكبر، وعزل ابن جماعة فلما أمسك ضرغتمش عزل وأعيد ابن جماعة فكانت ولايته ثمانين يوما، وكان قوي النفس يتيه على أرباب الدولة، وهم يخضعون له ويعظمونه ويحترمونه.
قال الأسنوي في طبقاته: ولما تولى جاء ابن جماعة فهنأه ثم راح هو إليه بعد ذلك وجلس بين يديه وقال: أنا نائبك.
وقال ابن رافع: كان قوي النفس تخضع له الدولة، ولا يتردد إلى أحد وعنده حشمة بالغة وتنطع زائد في الملبس والمأكل، وكان لا يبقي على شيء حتى مات وعليه دين، وقد ولي القضاء ثمانين يوما، وفرق على الطلبة والفقهاء في ولايته مع قصرها نحو ستين ألف درهم، يكون أكثر من ثلاثة آلاف دينار. درس بالقبطية والخشابية والجامع الناصري بالقلعة، والتفسير بالجامع الطولوني بعد شيخه أبي حيان، وختم به القرآن تفسيرا في مدة ثلاث وعشرين سنة، ثم شرع بعد ذلك من أول القرآن فمات في أثناء ذلك.
[ ١ / ٤٠ ]
قال السيوطي: قرأ عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وتزوج بابنته فأولدها قاضي القضاة جلال الدين وأخاه بدر الدين، وروى عنه سبطه جلال الدين والجمال بن ظهيرة والشيخ ولي الدين العراقي.
صفاته: كان ابن عقيل غير محمود التصرفات في الشئون المالية، حاد الخلق، جوادا مهيبا لا يتردد إلى أحد ولا يخلو في مجلسه من المترددين إليه، كريما كثير العطاء لتلاميذه في لسانه لثغة.
مصنفاته: صنف وانتفع الناس بمصنفاته ولا يزالون ينتفعون حتى اليوم ومنها:
١- شرح ألفية ابن مالك: شرحها شرحا متوسطا حسنا، لكنه اختصر في النصف الثاني جدا، وقد ترجم مع الألفية إلى اللغة الألمانية.
٢- شرح التسهيل: شرحه شرحا متوسطا سماه بالمساعد.
٣- وشرع في تفسير مطول وصل فيه إلى أثناء النساء.
٤- وله آخر لم يكمله سماه بالتعليق الوجيز على كتاب العزيز.
٥- الإمام محمد بن إدريس.
٦- جامع للخلاف والأوهام الواقعة للنووي، ثم لخصه في كراس واحد.
٨- وله رسالة على قول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى
من شعره:
قسما بما أوليت من فضلكم للبعد عن قوارع الأيام
ما غاض ماء وداده وثنائه بل ضاعفته سحائب الإنعام
وفاته: قال السيوطي والشوكاني: مات بالقاهرة ليلة الأربعاء ثالث وعشرين ربيع الأول سنة ٧٦٩ تسع وستين وسبعمائة، ودفن بالقرب من الإمام الشافعي١.
١١- ناظر الجيش:
نسبه: هو محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم القاضي محب الدين ناظر الجيوش بالديار المصرية الحلبي الأصل، المصري المولد والدار.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٢٨٤، والبدر الطالع للشوكاني ج١ ص٣٨٦ وعصر سلاطين المماليك لمحمود رزق ج٤ ص١٣٦، وشذرات الذهب ج٦ ص٢١٤، وكتاب الأعلام للزركلي ج٢ ص٥٦٤.
[ ١ / ٤١ ]
مولده: قال السيوطي وابن حجر: ولد سنة ٦٩٧هـ سبع وتسعين وستمائة من الهجرة.
من حياته: اشتغل ببلاده وتنقل على أيدي علمائها وجلس في حلقات دروسهم، ثم قدم القاهرة، ولازم أبا حيان، والجلال القزويني والتاج التبريزي وغيرهم، ومهر في العربية ونبغ فيها وبرع، وحفظ المنهاج والألفية وبعض التسهيل وتلا بالسبع على التقى الصائغ. وسمع الحديث من الحجار ووزيره وجماعة وحدث وأفاد، وكان له في الحساب يد طولى ثم ولي نظر الجيش ونظر البيوت والديوان، وكان مجيدا للقراءة.
قال ابن الجزري في طبقات القراء: قرأ على الصائغ، وعمر زمانا ولم أعلمه أقرأ القراءات بل كان في وظيفته متصديا لقضاء أشغال المسلمين ونفع الخلق وبرهم، قرأ عليه البقرة جمعا الفخر عثمان بن عبد الرحمن الضرير، وقال: إنه سمع من لفظه جميع القرآن بقراءة أبي عمرو غير مرة.
صفاته: كان عالي الهمة نافذ الكلمة كثير البذل والجود والعطاء والرفد للطلبة والرفق بهم، وكان من العجائب، قال السيوطي: أنه مع فرط كرمه وبذله الآلاف في غاية البخل على الطعام حتى كان يقول: إذا رأيت شخصا يأكل طعامي أظن أنه يضربني بسكين.
وقال ابن حجر: إنه مع فرطه وكرمه في غاية البخل على الطعام.
وكان كثير الظرف والنوادر، وبلغت مرتباته في الشهر ثلاثة آلاف.
وكان من محاسن الدنيا مع الدين والصيانة.
مؤلفاته منها:
١- شرح التسهيل إلا قليلا، واعتنى بالأجوبة الجيدة عن اعتراضات أبي حيان.
٢- شرح تلخيص المفتاح شرحا مفيدا.
وفاته: قال السيوطي: مات ثاني عشر ذي الحجة سنة ٧٧٨هـ ثمان وسبعين وسبعمائة.
وقال ابن الجزري: وقد جاوز الثمانين ولم يخلف بعده مثله١.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص١١٨، طبقات القراء لابن الجزري ج٢ رقم ٣٥٥٠، شذرات الذهب ج٦ ص٢٥٩، حسن المحاضرة ج١ ص٢٣١.
[ ١ / ٤٢ ]
الباب الثاني:
الفصل الأول:
صاحب الألفية:
فلما كان موضوع بحثي هو "تحقيق لشرح من شروح ألفية ابن مالك" فمن الحق أن أتكلم أولا بصورة موجزة عن تاريخ صاحب الألفية ثم انتقل بعد ذلك إلى الكلام على الألفية نفسها وشراحها.
صاحب الألفية:
نسبه: هو محمد بن عبد الله بن مالك العلامة جمال الدين الطائي الجياني الشافعي النحوي الأستاذ إمام زمانه في العربية.
مولده: ولد بجيان -بفتح الجيم وتشديد الياء- بلد بالأندلس سنة ٦٠٠هـ ستمائة أو إحدى وستمائة كما قال الذهبي.
شيوخه: في بلدته جيان، أخذ النحو والقراءات عن ثابت بن حيان، ثم قدم دمشق وأخذ عن أبي الحسن عليّ بن محمد السخاوي، وسمع منه ومن أبي الفضل مكرم بن محمد بن أبي الصقر، وأبي صادق بن الصباح، وله شيخ جليل هو ابن يعيش الحلبي.
تلاميذه: روى عنه ابنه الإمام بدر الدين، والشمس بن أبي الفتح البعلي، والبدر بن جماعة، والعلاء بن العطار، وخلق كثير.
عمله: استوطن دمشق ونزل بالعادلية الكبرى وولي مشيختها الكبرى التي من شروطها القراءات والعربية، وكانت ولايته بعد أبي شامة، وأقام بالعادلية، وألف التواليف المفيدة في فنون العربية.
طرف من حياته وعلمه: كان همه التردد على العلماء والأخذ عنهم حتى يتفنن ويتذوق العلم الذي يريد أن يصل إليه، ولما دخل حلب لازم حلقة ابن يعيش ثم حضر عند تلميذه ابن عمرون ولزمه وكان ذهنه من أصح الأذهان مع ملازمته العمل والنظر والكتابة والتأليف، وصار أستاذ أهل زمانه وإمام أوانه، فقد صرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق وأربى على المتقدمين، وكان إماما في القراءات وعللها، وأما اللغة فكان إليه المنتهى في الإكثار
[ ١ / ٤٥ ]
من نقل غريبها والاطلاع على وحشيها، وأما في النحو والتصريف فكان فيهما بحرا لا يجارى وحبرا لا يبارى، وأما أشعار العرب التي يستشهد بها على اللغة والنحو فكانت الأئمة الأعلام يتحيرون فيه ويتعجبون من أين يأتي بها، وكان نظم الشعر سهلا عليه رجزه وطويله وبسيطه وغير ذلك.
أخلاقه: كان ابن مالك رجلا ورعا تقيا اكتسى حلة الدين المتين وصدق اللهجة وكثرة النوافل وحسن السمت ورقة القلب وكمال العقل والوقار والتؤدة، كثير العبادة، وانفرد عن المغاربة بشيئين، بالكرم ومذهب الإمام الشافعي.
قال أبو حيان: "بحثت عن شيوخه فلم أجد له شيخا مشهورا يعتمد عليه ويرجع في حل المشكلات إليه إلا أن بعض تلامذته ذكر أنه قال: قرأت على ثابت بن حيان بجيان وجلست في حلقة أبي عليّ الشلوبين نحوا من ثلاثة عشر يوما، ولم يكن ثابت بن حيان من الأئمة النحويين، وإنما كان من الأئمة المقرئين، قال: وكان ابن مالك لا يحتمل المباحث، لأنه إنما أخذ هذا العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه هذا مع كثرة ما اجتناه من ثمرة غرسه".
مؤلفاته:
١- ألفية ابن مالك، التي اشتهرت في البلاد العربية وغيرها وهي المكونة من ألف بيت، وقد كثر شراحها.
٢- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، هو مختصر كتاب له اسمه: "كتاب الفوائد" في النحو، ضاع، ومن هذا المختصر نسخ في برلين وليدن وباريس والأسكوريال، وله شروح في دار الكتب المصرية أحدها لابن أم قاسم المتوفى سنة ٧٤٩ وقد شرحه ابن عقيل أيضا وغيره.
٣- لامية الأفعال أو كتاب المفتاح في أبنية الأفعال، ويقال لها "لامية ابن مالك" منها نسخ في غوطا ومنشن وباريس والأسكوريال، ولها شروح منها: شرح لابنه بدر الدين في برلين وباريس، وطبع في بطرسبورج سنة ١٨٦٤، في ليبسك سنة ١٨٦٦ وغيرهما. وهناك شروح أخرى بعضها في دار الكتب المصرية.
[ ١ / ٤٦ ]
٤- الكافية الشافعية: أرجوزة في النحو ٢٧٥٧ بيتا، ومنها لخص ألفيته المتقدم ذكرها ومن الكافية نسخة في مكتبة الأكاديمية في فيينا.
٥- عدة الحافظ وعمدة اللافظ في النحو أيضا في باريس.
٦- سبك المنظوم وفك المختوم في النحو في برلين.
٧- إيجاز التعريف في علم التصريف في الأسكوريال.
٨- شواهد التوضيح وتصحيح مشكلات جامع الصحيح في الأسكوريال وطبع في الهند سنة ١٣١٩.
٩- كتاب العروض في الأسكوريال.
١٠- تحفة المودود في المقصور والممدود، قصيدة همزية فيها الألفاظ التي آخرها ألف، وتشتبه أن تكون مقصورة أو ممدودة. منها نسخة في دار الكتب المصرية مع لامية العجم.
١١- الألفاظ المختلفة: مجموع مترادفات في برلين.
١٢- الاعتقاد في الفرق بين الصاد والضاد: قصيدة مشروحة في برلين.
١٣- الإعلام بمثلث الكلام: أرجوزة في نحو ٣٠٠٠ بيت. ذكر فيها الألفاظ التي لكل منها ثلاثة معان باختلاف حركاتها، ورتب الألفاظ على الحروف الأبجدية، فهي كالمعجم للمثلثات، منها نسخة في دار الكتب المصرية في ١٤٥ صفحة وقد طبعت بمصر.
وفاته: توفي ابن مالك بدمشق ليلة الأربعاء الثالث عشر من شعبان سنة ٦٧٢هـ اثنتين وسبعين وستمائة، وصلى عليه بالجامع الأموي، ودفن بسفح قاسيون، وقد رثاه شرف الدين الحصني بقوله:
يا شتات الأسماء والأفعال بعد موت ابن مالك المفضال
وانحراف الحروف من بعد ضبط منه في الانفصال والاتصال١
_________________
(١) ١ طبقات القراء لابن الجزري ج٢ رقم ٣١٦٣، وبغية الوعاة للسيوطي ص٥٣، وفوات الوفيات لابن شاكر ج٢ ص٢٢٨، طبقات الشافعية للسبكي ج٥ ص٢٨، تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان ج٣ ص١٥١، شذرات الذهب ج٥ ص٣٣٩.
[ ١ / ٤٧ ]
ألفية ابن مالك:
لفظ ألفية:
لفظ المنسوب إليه وهو الألف. ويميل إليه العرب من قديم في عطاياهم ومنحهم وتعبيراتهم، وهو عدد دال على الكمال عندهم.
ولما نظمت العلوم وشاع هذا النوع من التأليف في آخر القرن السادس الهجري وما بعده من عصور المؤلفات المختصرة حفظا لقواعدها وتسهيلا للطالبين في حفظ ضوابطها مالوا إلى هذا العدد فنظموا عليه.
وفي فهرس كشف الظنون لمادة ألفية لم نجد أسبق من ألفية ابن معط ثم تليها ألفية ابن مالك ثم تتابعت المنظومات التي بهذا الاسم.
نبذة عن الألفية:
"الألفية في النحو" للشيخ العلامة جمال الدين أبي عبد الله الطائي الجياني المعروف بابن مالك النحوي المتوفى سنة ٦٧٢هـ اثنتين وسبعين وستمائة. وهي مقدمة مشهورة في ديار العرب، وجمع فيها مقاصد العربية وسماها "الخلاصة" في علمي النحو والتصريف، أخذها ابن مالك من الكافية الشافية، جعلها في أرجوزة لطيفة مع الإشارة إلى مذاهب العلماء وبيان ما يختاره من الآراء أحيانا، وقد كثر إقبال العلماء على هذا الكتاب من بين كتبه بنوع خاص حتى طويت مصنفات أئمة النحو من قبله، وإنما اشتهرت بالألفية، لأنها ألف بيت في الرجز أولها:
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك
وقد نشرها كثيرون وترجمها المستشرق "بنتو" إلى الفرنسية، وطبعت مع الأصل العربي في الأستانة سنة ١٨٨٧م، وقد شرحها الكثير من النحاة. أبرزوا معانيها وأظهروا محاسنها.
شروحها: منها:
١- شرح ابن مالك صاحب الألفية، قال الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام في ترجمة ابن مالك "وله الخلاصة وشرحها والله أعلم".
[ ١ / ٤٨ ]
٢- شرح الألفية لولده بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الأندلسي الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٦٨٦ ست وثمانين وستمائة، وهو شرح منفتح وهو المعروف بشرح ابن المصنف، خطأ والده في بعض المواضع، وأورد الشواهد من الآيات القرآنية، أوله: أما بعد حمد الله سبحانه بما له الحمد إلخ. فرغ من تأليفه في محرم سنة ٦٧٦هـ ست وسبعين وستمائة.
"وعلى هذا الشرح":
أ- حاشية للشيخ عز الدين محمد بن أبي بكر بن جماعة الكناني المتوفى سنة ٨١٩هـ تسع عشرة وثمانمائة.
ب- وحاشية للشيخ العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العيني المتوفى سنة ٨٥٥هـ خمس وخمسين وثمانمائة.
ج- وحاشية للقاضي زكريا بن محمد الأنصاري المتوفى سنة ٩٢٨هـ ثمان وعشرين وتسعمائة سماها "الدرر السنية" أولها "الحمد لله الذي منحنا علم اللسان" إلخ. علقها سنة ٨٩٥هـ خمس وتسعين وثمانمائة.
د- حاشية للقاضي تقي الدين بن عبد القادر التميمي المتوفى سنة ١٠٠٥هـ خمس وألف، جمع فيه أقوال الشراح، وحاكم فيما بينهم.
هـ- وحاشية للشيخ شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي جردها الشيخ محمد الشوبري الشافعي المتوفى سنة ١٠٦٩هـ تسع وستين وألف.
والتعليق على الشرح: علق الشيخ جلال الدين عبد الرحمن أبو بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ إحدى عشرة وتسعمائة، وصل فيها إلى أثناء الإضافة وسماها "المشنف على ابن المصنف".
٣- شرح الألفية للشيخ محمد أبي الفتح أبي الفضل الحنبلي النحوي المتوفى سنة ٧٠٩هـ تسع وسبعمائة.
[ ١ / ٤٩ ]
٤- شرح الألفية للعلامة شمس الدين بن محمد بن محمد بن الجزري المتوفى سنة ٧١١هـ إحدى عشرة وسبعمائة.
٥- شرح الألفية للشيخ نور الدين إبراهيم بن هبة الله الأسنوي المتوفى سنة ٧٢١هـ إحدى وعشرين وسبعمائة.
٦- شرح العلامة أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي النحوي المتوفى سنة ٧٤٥هـ خمس وأربعين وسبعمائة. ولم يكمل هذا الشرح، فقد شرح نصف الألفية في مجلدين وسماه "منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك". أوله: حمد الله من أوجب من افتتح به الإنسان إلخ، ذكر أن غرضه من مقاصد ثلاثة: تبيين ما أطلقه وتبينه على الخلاف الواقع في الأحكام وحل المشاكل.
٧- ومن الشروح المشهورة شرح العلامة بدر الدين الحسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المعروف بابن أم قاسم النحوي المتوفى في يوم عيد الفطر سنة ٧٤٩هـ، أوله: الحمد لله والشكر له إلخ، وهو الشرح الذي نعمل على تحقيقه.
٨- شرح الشيخ زين الدين عمر بن المظفر الوردي بن عمر بن أبي الفوارس بن علي الشافعي المشهور بابن الوردي المتوفى سنة ٧٤٩هـ تسع وأربعين وسبعمائة.
٩- شرح الشيخ جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي المتوفى سنة ٧٦٢هـ اثنتين وستين وسبعمائة. قال السيوطي في طبقات النحاة: لم يكمله.
١٠- شرح العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف المعروف بابن هشام النحوي المتوفى سنة ٧٦٢هـ اثنتين وسبعمائة نثرها في مجلد وسماه "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" ثم اشتهر بالتوضيح.
"ومن الشروح عليه":
شرح الشيخ خالد بن عبد الله الأزهري النحوي الذي فرغ منه سنة ٨٩٠هـ تسعين وثمانمائة، وهو شرح عظيم ممزوج سماه "التصريح
[ ١ / ٥٠ ]
بمضمون التوضيح". أوله: الحمد لله الملهم لتوحيده إلخ، ذكر أنه رأى ابن هشام في منامه فأشار إليه بشرح كتابه فأجاب.
ومن الحواشي عليه:
وعلى التوضيح تعليقات منها:
أ- حاشية عز الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر بن جماعة المتوفى سنة ٨١٩هـ تسع عشرة وثمانمائة.
ب- وحاشية بدر الدين محمود بن أحمد العيني المتوفى سنة ٨٥٥هـ خمس وخمسين وثمانمائة.
ج- وحاشية سيف الدين محمد بن محمد البكتمري المتوفى في حدود سنة ٨٧٠هـ سبعين وثمانمائة.
د- وحاشية محيي الدين عبد القادر بن أبي القاسم السوري المالكي المتوفى سنة ٨٨٠هـ ثمانين وثمانمائة، سماه "رفع الستور والأرائك عن مخبئات أوضح المسالك". أولها: أما بعد حمد الله ذي الجلال إلخ.
هـ- وحاشية برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الكركي المتوفى في حدود سنة ٨٩٠ تسعين وثمانمائة.
ووحاشية الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١ إحدى عشرة وتسعمائة.
ز- وحاشية اللقاني العلامة ناصر الدين أبي عبد الله محمد اللقاني المالكي المتوفى سنة ٩٥٨هـ ثمان وخمسين وتسعمائة على أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام.
١١- شرح أبي أمامة محمد بن عليّ الدكاكي المتوفى سنة ٧٦٣ ثلاث وستين وسبعمائة.
١٢- شرح العلامة محمد بن أحمد الأسنوي المتوفى سنة ٧٦٣ ثلاث وستين وسبعمائة.
[ ١ / ٥١ ]
١٣- شرح الشيخ برهان الدين بن محمد بن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٦٥ خمس وستين وسبعمائة وسماه: إرشاد السالك.
١٤- شرح قاضي القضاة عبد الله بهاء الدين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل القرشي الهاشمي العقيلي -من ولد عقيل بن أبي طالب- المولود في يوم الجمعة التاسع من شهر المحرم سنة ٦٩٨هـ ثمان وتسعين وستمائة، والمتوفى بالقاهرة ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٧٦٩هـ تسع وستين وسبعمائة، ودفن بالقرب من مشهد الإمام الشافعي. أوله: "الكلام المصطلح عليه عند النحويين عبارة عن اللفظ المفيد إلخ". وهو من الشروح المشهورة. طبع في مصر والشام وغيرهما، وقد ترجم هذا الشرح إلى الألمانية وطبع في برلين سنة ١٨٥٢.
وعلى هذا الشرح:
أ- حاشية لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ سماها "السيف الصقيل" على شرح ابن عقيل.
ب- حاشية للعلامة أبي الفتح أحمد بن عمر المعروف بالأسقاطي الحنفي المتوفى سنة ١١٦٩هـ على شرح ابن عقيل على الألفية، أولها بعد الديباجة: هذه فوائد شريفة وفرائد لطيفة نفعها جزيل إلخ، فرغ من تأليفه ١١٥٠هـ.
ج- حاشية الأجهوري: هو العلامة الشيخ عطية بن عطية البرهاني الشافعي الشهير بالأجهوري، المتوفى سنة ١١٩٠هـ، شرح ابن عقيل للألفية.
د- التحفة الوفية على شرح ابن عقيل للألفية، وهي حاشية للعلامة الشيخ محمد بن محمد بن أحمد البديري الدمياطي الشافعي المشهور بابن الميت الدمياطي، من علماء القرن الثاني عشر الهجري على شرح ابن عقيل على الألفية. أولها: الحمد لله الذي من نحاه ما خاب إلخ.
[ ١ / ٥٢ ]
هـ- حاشية الخضري. هو العلامة الشيخ محمد الخضري الدمياطي الشافعي المتوفى سنة ١٢٨٨هـ على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، أولها: بحمدك اللهم على ما وجهت نحونا من سوابغ النعم إلخ، وفرغ من تأليفها سنة ١١٩٣هـ.
١٥- شرح الشيخ عماد الدين محمد بن الحسين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٧هـ سبع وسبعين وسبعمائة ولم يكمله.
١٦- شرح الشيخ محمد شمس الدين بن عبد الرحمن بن الصائغ الزمردي المتوفى بالقاهرة سنة ٧٧٧ سبع وسبعين وسبعمائة قيل: وهو شرح حسن.
١٧- شرح الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ بن جابر الهواري الأندلسي المرسيني المالكي الضرير النحوي المتوفى سنة ٧٨٠ ثمانين وسبعمائة، أوله: "الحمد لله الذي أرسل إلينا أشرف المرسلين إلخ"، وهو شرح مفيد نافع للمبتدئ لاعتنائه بإعراب الأبيات وتفكيكها وحل عبارتها، قال السيوطي: لكنه وقع فيه تتبعته في تأليفي المسمى بتحرير الأعمى والبصير، فرغ من تأليفه سنة ٧٥٦هـ، ومات في منتصف رمضان سنة ٧٧٩ تسع وسبعين وسبعمائة.
١٨- شرح القاضي برهان الدين بن برهان بن عبد الله الحكري المصري المتوفى سنة ٧٨٠هـ ثمانين وسبعمائة.
١٩- شرح الإمام الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي المعروف بالشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠هـ تسعين وسبعمائة. على ألفية ابن مالك، والأجزاء الموجودة الأول والثاني والثالث والخامس من نسخة في أربعة مجلدات بقلم نسخ قديم بخط عمر بن عبد الله المنظراوي، والثالث سنة ٨٦٨هـ، والخامس سنة ٨٧٢هـ. بكل من الأول والثاني والثالث خرم، والثالث ينتهي باسم الفاعل، ويبدأ الخامس بعوامل الجزم وينتهي بالنسب.
[ ١ / ٥٣ ]
٢٠- شرح العلامة أبي زيد عبد الرحمن بن صالح المكودي الفاسي المتوفى في حدود سنة ٨٠٠هـ ثمانمائة، كبيرا وصغيرا، شرحه الصغير وصل الديار المصرية، وهو شرح لطيف نافع استوفى فيه الشرح والإعراب.
وعليه حاشية للشيخ عبد القادر بن القاسم بن أحمد بن محمد الأنصاري السعدي العبادي المالكي المتوفى سنة ٨٨٠هـ ثمانين وثمانمائة، وحاشية للعلامة الملوي.
٢١- شرح الشيخ برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأنباسي الشافعي المتوفى سنة ٨٠٢هـ اثنتين وثمانمائة. أوله: "الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين إلخ" فرغ من تأليفه في السابع عشر من شهر شوال سنة ٧٦٥هـ بالجامع الأقصى من القدس الشريف، وهي المسماة "بالدرة المضيئة" نسخ في مجلد مخروم الأول، وأول ما فيها من أواخر باب المعرب والمبني، وأخرى تنتهي بأفعل التفضيل.
٢٢- شرح الشيخ سراج الدين عمر بن عليّ الشهير بابن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤هـ أربع وثمانمائة.
٢٣- شرح الشيخ بهرام بن عبد الله الديري المالكي المتوفى سنة ٨٠٥هـ خمس وثمانمائة.
٢٤- شرح الألفية -بلغة ذي الخصاصة في حل الخلاصة- لمحمد بن محمد الأسدي القدسي المتوفى سنة ٨٠٨هـ ثمان وثمانمائة.
٢٥- شرح القاضي جمال الدين يوسف بن الحسن بن محمد الحموي المتوفى سنة ٨٠٩هـ تسع وثمانمائة.
٢٦- شرح الشيخ جلال الدين محمد بن أحمد بن خطيب داريا المتوفى سنة ٨١٠ هـ عشر وثمانمائة، مزج فيه المتن.
٢٧- شرح القاضي أحمد بن إسماعيل الشهير بابن الحسباني المتوفى في حدود سنة ٨١٥هـ خمس عشرة وثمانمائة.
[ ١ / ٥٤ ]
٢٨- شرح الشيخ أبي عبد الله بن أحمد بن مرزوق التلمساني الصغير المتوفى سنة ٨٤٢هـ اثنتين وأربعين وثمانمائة.
٢٩- شرح الشيخ شمس الدين بن زين الدين المتوفى سنة ٨٤٥هـ خمس وأربعين وثمانمائة، شرحها نظما.
٣٠- شرح الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد القباقبي الحلبي المتوفى في حدود سنة ٨٥٠هـ خمسين وثمانمائة.
٣١- شرح الشيخ محمد بن محمد الأندلسي الشهير بالراعي النحوي المتوفى سنة ٨٥٣هـ ثلاث وخمسين وثمانمائة.
٣٢- شرح الألفية -تأليف أحد الفضلاء- الموجود منه الجزء الثاني مخروم من الأول وأول ما فيه من باب نعم وبئس وما جرى مجراهما ينتهي إلى أثناء باب إعراب الفعل تليه كراسة من الجزء الأخير منه -مخطوط بخط محمد بن محمد المنظراوي، فرغ من كتابته في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة ٨٦٨هـ.
٣٣- شرح العلامة تقي الدين أحمد بن محمد الشمني المتوفى سنة ٨٧٢هـ اثنتين وسبعين وثمانمائة، وهو شرح بديع مهذب المقاصد، أوله "حمدا لله تعالى على ما منح من أسباب البيان" إلخ.
٣٤- شرح العلامة زين الدين بن عبد الرحمن بن أبي برك الشهير بابن العيني الحنفي المتوفى سنة ٨٩٣هـ ثلاث وتسعين وثمانمائة، شرحها مزجا، وهو شرح مختصر جدا، أتمه تأليفا سنة ٨٩٣هـ.
أوله: الحمد لله رب العالمين إلخ، مخطوط بقلم معتاد، وتمت كتابته في أوائل شهر ذي القعدة سنة ١٠٤٣هـ.
٣٥- ومنها "التحفة المكية في شرح الأرجوزة الألفية" هو شرح للعلامة شهاب الدين أحمد بن محمد المقرئ المغربي المالكي من علماء القرن التاسع الهجري. على ألفية ابن مالك، أوله: "الحمد لله الذي لا يستفتح بأجل من اسمه كلام إلخ" نسخة في مجلد بقلم معتاد.
[ ١ / ٥٥ ]
٣٦- شرح الشيخ جلال الدين بن أبي بكر المعروف بالسيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ إحدى عشرة وتسعمائة، وهو شرح مختصر ممزوج، مكث في تأليفه سنتين سماه "البهجة المرضية"، أوله: "أحمدك اللهم على نعمك وآلائك إلخ" وله مختصر في الألفية في ستمائة بيت وثلاثين دقيقة وسماه "الوفية".
٣٧- ومنها "فتح الرب المالك بشرح ألفية ابن مالك" وهو شرح للعلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قاسم المغزي الشافعي المتوفى سنة ٩١٨هـ على ألفية ابن مالك. أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي نحمد الله المانح من أراد لسانا عربيا إلخ" نسخة في مجلد بقلم معتاد وبها خرم في ٢٠٤ ورقة.
٣٨- شرح ابن داود على الألفية. هو العلامة زين الدين أبو يحيى داود بن داود محمد المالكي على الألفية، أوله: "الحمد لله حمدا يليق برضائه إلخ" نسخة في مجلد بقلم معتاد، نقلت في نسخة المؤلف بخط عليّ بن سليمان سنة ٩٢٠هـ بها خرم وآثار رطوبة.
٣٩- ومنها "الدرة السنية على شرح الألفية" لشيخ الإسلام زكريا، وهو الإمام شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري الشافعي المتوفى سنة ٩٢٥هـ خمس وعشرين وتسعمائة. نسخة في مجلد.
٤٠- شرح الألفية -لم يعلم مؤلفه- أوله: الحمد لله المجيب النداء بلا ابتداء " إلى أن قال: "وبعد فهذا ما فتح الله تعالى به شرحا أو كالشرح على الألفية إلخ" نسخة في مجلد بقلم معتاد قديم ويغلب على الظن أنها مكتوبة في عصر المؤلف بآخرها تملك لأحد الأفاضل بتاريخ أواخر شهر رجب سنة ١٠٣٧هـ.
٤١- شرح العلامة نور الدين أبي عليّ بن محمد الأشموني المتوفى سنة ٩٢٩ تسع وعشرين وتسعمائة.
ومن الحواشي عليه:
[ ١ / ٥٦ ]
أ- حاشية ابن قاسم العبادي، وهو العلامة أبو العباس شهاب الدين أحمد بن قاسم العبادي المصري الشافعي الأزهري المتوفى سنة ٩٩٤هـ على شرح الأشموني على الألفية. نسخة في مجلد بها خروم وأكلة أرضة.
ب- حاشية للعلامة أحمد بن عمر الحنفي المشهور بالأسقاطي المتوفى سنة ١١٦٩هـ على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك والمسماة "تنوير الحالك على منهج السالك إلى ألفية ابن مالك" أولها: "الحمد لله رافع الدرجات لمنخفض الجناب إلخ" فرغ من تأليفها سنة ١١٢٠هـ نسخة في مجلد بها خروم.
ج- حاشية الحفني، هو العلامة العارف بالله شمس الدين أحمد بن سالم بن أحمد المعروف بالحفني الشافعي المصري المتوفى سنة ١١٩٠هـ. على شرح الأشموني على الألفية. نسخة في مجلد بقلم معتاد.
د- حاشية الصبان، وهو العلامة أبو العرفان محمد بن علي المعروف بالصبان الشافعي الحنفي المتوفى سنة ١٢٠٦هـ على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، أولها: "نحمدك اللهم على ما وجهت نحونا من سوابغ النعم إلخ" فرغ من تأليفها سنة ١١٩٣هـ.
هـ- حاشية لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عليش المعروف بالشيخ عليش المالكي المولود في القاهرة سنة ١٢١٠هـ والمتوفى سنة ١٢٩٩هـ والمسماة "هداية السالك".
٤٢- ومن شرحها "فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك"، وهو شرح العلامة محمد بن أحمد الشربيني الشافعي المعروف بالخطيب المتوفى سنة ٩٧٧هـ على ألفية ابن مالك، أوله: "الحمد لله الذي أنزل قرآنا عربيا على أفضل خلقه إلخ"، فرغ من تأليفه سنة ٩٧٦هـ. نسخة في مجلد بقلم معتاد بها أوراق بخط مغاير وآثار رطوبة في ٣٣٧ ورقة.
[ ١ / ٥٧ ]
٤٣- شرح الشيخ بدر الدين محمد بن محمد الرضي الغزي المتوفى في حدود سنة١٠٠٠ ألف، وله ثلاثة شروح منثور ومنظومان.
٤٤- ومنها "المنح الوفية بشرح الخلاصة الألفية" وهو شرح للشيخ أحمد بن علي المعروف بالسندوبي الشافعي من علماء القرن الحادي عشر الهجري على ألفية ابن مالك، أولها: "الحمد لله الذي رفع السموات بقدرته وعنايته إلخ" فرغ من تأليفه سنة ١٠٦٠هـ نسخة في مجلد بقلم معتاد وبهامشه حواش وبها خروم وترميم.
٤٥- شرح الشيخ العلامة المختار بن بون وهي تقييدات كالشرح على ألفية ابن مالك.
٤٦- شرح الألفية للشيخ أحمد بن أحمد الإصطهناوي الشافعي الأحمدي. أتمه سنة ١٢٠٧هـ أوله: "نحمدك يا مفيض الخيرات ومقدر الحركات والسكنات إلخ". أتم جمعه يوم الخميس المبارك ثالث عشر شهر رجب سنة ١٢٠٠هـ ألف ومائتين. نسخة في مجلد.
٤٧- ومنها "الكواكب السنية" وهو شروح للعلامة الشيخ عبد الرحمن حسين الإدكاوي من علماء القرن الثالث عشر على الألفية لابن مالك، أوله: "الحمد لله رافع الدرجات لمن انتصب لشكر أفضاله إلخ" بخط تلميذ الشارح مرسي حسن السقا، فرغ من كتابتها اليوم الخامس من شهر رجب سنة ١٢٨٩هـ.
٤٨- ومنها "الأزهار الزينية شرح متن الألفية" لحضرة العالم العامل السيد أحمد بن السيد زيني دحلان، أوله: "الكلام على البسملة شهير فلا حاجة إلى الإطالة فيه"، ولد سنة ١٢٣١هـ موافق سنة ١٨١٦، توفي سنة ١٣٠٤هـ سنة أربع وثلاثمائة وألف من المحرم موافق ١٨٨٦م، ودفن في البلد الحرام في مقبرة لمعلى ذات المقام أعلى الله مقامه، وكان قد فرغ من تأليفه سنة ١٢٧٦هـ نسخة في مجلد طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية.
[ ١ / ٥٨ ]
٤٩- ومنها "الكواكب الدرية شرح منظومة الألفية"، للعلامة جمال الدين بن مالك، تأليف حجة العلماء والعاملين الشيخ صالح عبد السميع الآبي الأزهري.
٥٠- ومنها "غنية السالك على ألفية ابن مالك" وهو شرح للعلامة الشيخ عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عليّ بن مكي بن أحمد المشهور بالسيوطي الجرجاوي الواعظ من علماء القرن الرابع عشر الهجري على ألفية ابن مالك، أوله: "الحمد لله الذي رفع من انتصب لنفع العباد إلخ". نسخة ضمن مجموعة في مجلد بقلم معتاد بخط المؤلف.
إعراب الألفية:
وفي إعراب الألفية:
١- كتاب للشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين الرملي الشافعي المتوفى سنة ٨٤٤ أربع وأربعين وثمانمائة.
٢- كتاب للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري المتوفى سنة ٩٠٥ خمس وتسعمائة. مجلد سماه "تمرين الطلاب في صناعة الإعراب"، أوله: "الحمد لله الذي رفع قدر من أعرب بالشهادتين إلخ" وفرغ منه في رمضان سنة ٨٨٦ ست وثمانين وثمانمائة.
شرح شواهد شروح الألفية:
وفي شرح شواهد شروح الألفية كتابان، كبير وصغير للشيخ أبي محمد محمود بن أحمد العيني المتوفى سنة ٨٥٥ خمس وخمسين وثمانمائة، سمي الكبير بالمقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، وقد اشتهر بالشواهد الكبرى جمعها في شروح التوضيح وشرح ابن المصنف وابن أم قاسم وابن عقيل، ورمز إليها بالظاء "لابن الناظم" والقاف "لابن أم قاسم" والهاء "لابن هشام" والعين "لابن عقيل" وعدد الأبيات المستشهدة ألف ومائتان وأربعة وتسعون، وفرغ من الشرح في شوال سنة ٨٠٦هـ ست وثمانمائة١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون ج١ ص١٠٩، ١١٠، ١١١. وفهرست دار الكتب المصرية، وفهرست مكتبة الأزهر الشريف.
[ ١ / ٥٩ ]
الفصل الثاني
المرادي المعروف بابن أم قاسم:
نسبه:
هو الحسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ أبو محمد بدر الدين المعروف بابن أم قاسم المرادي المصري المولد المغربي المحتد الفقيه المالكي النحوي اللغوي١.
مولده:
لم أر مؤرخا تعرض لتاريخ ميلاده، وهذا شأن بعض العلماء حيث لم يعثروا له على تاريخ يحدد مولده.
ولكن ذكر السيوطي أنه "ولد بمصر"٢، وغيره: المصري المولد٣.
تسميته بابن أم قاسم:
نسبة إلى جدته من أبيه كانت تعيش في بلاد المغرب في مدينة أسفى الساحلية الواقعة على المحيط الأطلنطي في المغرب، ولكن شاءت الأقدار أن ينتقل ولدها إلى مصر فصحبته، وكانت هذه المرأة على جانب كبير من الخلق والتدين والصلاح، فالتف الناس حولها وأجلوها وأكرموها واحترموها، ووضعوها في مكان يليق بها فخارا وإكبارا.
وكان اسمها زهراء، ولاعتقادهم فيها حينما وفدت من المغرب سموها بالشيخة.
فلما ولد الحسن المرادي في مصر وشب، وكان أكثر الناس التفافا بجدته، وكان أكثر حبا وتقربا وملازمة لها، لقبوه بها وقرنوا اسمها باسمه، فصار اسمها عنوانا عليه وشهرته تابعة لها يعرف ويتميز به عن غيره.
_________________
(١) ١ راجع: بغية الوعاة للسيوطي ص٢٢٦، وحسن المحاضرة ص٢٣٠، وطبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧، والدرر الكامنة ج٢ ص١٦ رقم ١٥٤٦، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥. ٢ راجع: حسن المحاضرة للسيوطي ص٢٣٠. ٣ راجع: طبقات القراء ج١ ص٢٢٧، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥.
[ ١ / ٦٣ ]
"المعروف بابن أم قاسم وهي جدته أم أبيه واسمها زهراء، وكانت أول ما جاءت من المغرب عرفت بالشيخة فكانت شهرته تابعة لها". ا. هـ١.
وقيل: إن هذه المرأة ليست جدته، إنما هي امرأة من بيت العز والسلطان والملك أحبت الحسن لخلقه وتقواه وحسن معاملته منذ صغره، وتبنته وادعت أنه ابنها واشتهر بذلك اسمه باسمها.
"الشهير بابن أم قاسم لامرأة تبنته تدعى أم قاسم من بيت السلطان". ا. هـ٢.
تسميته بالمرادي:
باطلاعي على كتب المؤرخين لم أعثر على سبب تسميته بالمرادي، ولعل المؤرخين لم يهتموا بهذه التسمية فأهملوا سببها.
وأقول: ربما يكون نسبة إلى قبيلة مراد باليمن أو نسبة إلى جد له يسمى المرادي.
علمه:
ابن أم قاسم النحوي:
هو اللغوي التصريفي البارع، كان ابن أم قاسم في النحو نابغة من نوابغه، أغرم به منذ صغره، وشغف بالتدوين والتصنيف.
فهو الإمام الذي خدم هذا الفن أكثر عمره واشتهر اسمه وطار صيته، حيث كان الحاجة في هذا العصر أدعى إلى نشاط حركتي التدوين والتصنيف، فبرزت شخصيته النحوية بروزا لا نظير له، وانكب وسهر الليالي على كتب السابقين فتأثر بهم، وأخذ ما حلي له من اليواقيت النحوية وأزهاره الباسمة، فكانت نتيجة اطلاعه على آراء السابقين ومصنفاتهم، أنه أصبح علما من الأعلام القادرين على
_________________
(١) ١ راجع: بغية الوعاة ص٢٢٦، والدرر الكامنة ج٢ ص١١٦، رقم ١٥٤٦، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥. ٢ راجع: الدرر الكامنة لابن حجر ج٢ ص١١٦ رقم ١٥٤٦.
[ ١ / ٦٤ ]
تخطي الصعاب، والبروز إلى الوجود في ثوب قشيب يحقق للنحو كل آماله وأمانيه.
فنراه في كتبه نقل عن السابقين واهتم برأيهم واعتمد عليهم وناقش رأيهم في بعض المسائل، وليس هذا فحسب، بل إنه تتلمذ على رجال عظام من أئمة النحو وكبرائهم أمثال أبي عبد الله الطنجي، والسراج الدمنهوري وأبي زكريا الغماري، والشيخ أبي حيان.
"وأخذ العربية عن أبي عبد الله الطنجي والسراج الدمنهوري وأبي زكريا الغماري وأبي حيان". ا. هـ١.
فهؤلاء كانت لهم اليد الطولى على ابن أم قاسم حيث نبغ وتقدم واشتهر في فن النحو فتأثر واقتدى بهم وسار على طريقهم.
ولكن بالبحث رأيت أنه لم ينقل في كتبه عن شيوخه إلا عن شيخه أبي حيان. وأعلل ذلك بأنه كان من أفاضل الشيوخ وكان آخرهم، وأكثر ملازمة له "عن جماعة آخرهم أبو حيان". ا. هـ٢.
وهكذا كان شأن ابن أم قاسم يتقلب هنا وهناك لينال الحظ الوفير من اللسان العربي القديم، وأغلب الظن أنه كان في منطقة شمال القاهرة حيث دفن هناك.
وفعلا أصبح نحويا بارعا نال إعجاب الجميع، وكان من أكابر عصره، نهل الكثير من مؤلفاته التي لا ينضب معينها سواء كانوا في عصره أم بعده، وجميع مؤلفاته مصادر وثيقة لدى النحاة، ولقوة حرصه على تعلم النحو خرجت كتبه إلى الوجود مزهوة بنفسها بما فيه من معان فياضة وآراء سديدة، فلذلك كثر الناقلون عنه.
"ورأيت بخط العلامة شهاب الدين الأبذي ما صورته: قال محمد بن أحمد
_________________
(١) ١ راجع: بغية الوعاة ص٢٢٦، حسن المحاضرة للسيوطي ٢٣٠، وطبقات القراء ج١ ص٢٢٧، والدرر الكامنة ج٢ ص١١٦ رقم ١٥٤٦، شذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، روضات الجنات ص٢٢٥. ٢ راجع طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧ رقم ١٠٣٨.
[ ١ / ٦٥ ]
ابن حيدر الأنصاري معرفا للشيخ المرادي أنه شرح الجزولية والكافية الشافية والتسهيل، والفصول لابن معط، والحاجبية النحوية والعروضية ". ا. هـ١.
ابن أم قاسم الفقيه:
لم يكن المرادي حبيس فن واحد فقد كان مع ذلك فقيها في المذهب المالكي. درس الفقه وأتقنه، ونبغ فيه حتى صار إليه ناس للفتيا يعتدون برأيه، ويأتمرون بقوله، حتى إنه كان يجلس في بعض الأمكنة لمنح الناس درسه، والانتفاع به في أحكام الشريعة، وذلك لأنه تلقى عن علم من أعلام المذهب المالكي وهو الشرف المغيلي المالكي، فبث فيه روحه ولقنه أحكام الفقه وشرائعه.
"والفقه عن الشيخ شرف الدين المغيلي الملاكي". ا. هـ٢.
فلم يلبث ابن أم قاسم أن بث روح الشريعة بين جلسائه ومستمعيه في أماكن خاصة فاستفاد منه الجميع وانتفعوا به.
ولكن لم يثبت أن ألف كتبا في الفقه المالكي.
ابن أم قاسم الأصولي:
لم يكتف ابن أم قاسم بالنحو والفقه المالكي بل نبغ أيضا في علم الأصول، فكان أصوليا ماهرا متينا فيه مجيدا، فكان لا يضن بعلمه ولا يبخل به على أحد.
هذا أدبه وعادته؛ لأنه كان تقيا ورعا محبا للخير للناس عامة، وذلك أنه تلقى على شيخ من شيوخ الأصول، وهو الشيخ شمس الدين بن اللبان.
"والأصول عن الشيخ شمس الدين بن اللبان". ا. هـ٣.
_________________
(١) ١راجع: الدرر الكامنة لابن حجر ج٢ ص١١٦ رقم ١٥٤٦. ٢ راجع: بغية الوعاة للسيوطي ص٢٢٦، وطبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧، والدرر الكامنة ج٢ ص١١٦ رقم ١٥٤٦، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥. ٣ راجع: بغية الوعاة للسيوطي ص٢٢٦، وطبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧، الدرر الكامنة ج٢ ص١١٦ رقم ١٥٤٦، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥.
[ ١ / ٦٦ ]
ومع تفوقه لم يرد أنه صنف في علم الأصول، فهو كغيره من العلماء يتناولون جميع الفنون وينبغون في فن ويشتهرون به.
ابن أم قاسم المقرئ:
وأيضا نبغ ابن أم قاسم في القراءات، وتفنن فيها وتبحر وأجاد، وكان له مجلس يفد إليه الكثير لتعلم القراءات والاقتداء به، كما اقتدى هو بعلم من أعلام القراء الذي اتبع طريقه واهتدى بهديه، وهو الشيخ مجد الدين إسماعيل.
"قرأ القراءات على العلامة مجد الدين إسماعيل ابن الشيخ تاج الدين محمد البناكتي". ا. هـ١.
وثبت أنه ألف كتابا صغير الحجم، في وقف حمزة على الهمز في مصنف وذكر فيه احتمالات أكثرها لا يصح ". ا. هـ٢.
وأخيرا:
كان مجيدا في تصنيفه متفننا فيه "وصنف وتفنن وأجاد". ا. هـ٣.
ورأيت أن الأيدي لم تمتد إلى تحقيق مخطوطاته القيمة إلا في هذه الآونة، مع قوتها واتساع مداركها وتزويدها بالمعلومات الهامة.
فمد البعض يده إلى تحقيق الجنى الداني في حروف المعاني، والآخر إلى شرح التسهيل.
وبعون الله سأعمل على تحقيق شرحه لألفية ابن مالك.
خلقه: كان ابن أم قاسم على خلق كبير صالحا متدينا تقيا ورعا يخاف الله
_________________
(١) ١ راجع طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧ رقم ١٠٣٨. ٢ راجع طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧ رقم ١٠٣٨. ٣ راجع: بغية الوعاة للسيوطي ص٢٢٦، وطبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧، والدرر الكامنة ج٢ ص١٦، رقم ١٥٤٦، وشذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، وروضات الجنات ص٢٢٥.
[ ١ / ٦٧ ]
ويخشاه، كثير المروءة والتواضع غير مزاحم على المناصب، فقد وصل إلى ما وصل إليه من العلم والإجادة فيه دون أن يرتقي منصبا من المناصب.
وكان متعبدا حسن الشمائل كثير المحاسن، عظيم الوقار والسكينة محمود السيرة جليل القدر ظاهر الخشوع كثير القناعة معظما عند الخاصة والعامة، حسن العشرة رحب الصدر، متقربا إلى الله ﷿ وليا من أوليائه يكثر من قراءة القرآن والصلاة على النبي ﷺ، وكان تقيا صالحا". ا. هـ١.
رؤيته للنبي ﷺ:
وكان دائما يجالس الناس ويحاضرهم في مسجد مصر القديمة وكانت له كرامات ظهرت على وجه البسيطة، فلقد رأى النبي ﷺ في منامه يحثه ويحضه على عمل الخير لرغبة الناس فيه وقربهم منه.
"وله كرامات كثيرة منها أنه رأى النبي ﷺ في النوم، فقال له: يا حسن اجلس. نفع الناس بمكان المحراب بجامع مصر العتيق بجوار المصحف". ا. هـ٢.
أسرة المرادي المعروف بابن أم قاسم:
ما وصل إلين من كتب المؤرخين من أخبار هذه الأسرة لا يعدو مجرد إشارات عابرة، ولم يثبت أن المرادي حدثنا في هذا الشأن بما يضيء جوانبه ويظهر معالمه، ومن ثم لا نعرف ما إذا كان المرادي تزوج وأنجب أم لا.
وكان ما انتهى إليه من حديث آبائه وأجداده، ما قيل عن جدته كما سبق "المعروف بابن أم قاسم وهي جدته من أبيه، واسمها زهراء، وكانت أول ما جاءت من المغرب عرفت بالشيخة ". ا. هـ.
شخصية المرادي:
أعني بالشخصية هنا ما يمتاز به ابن أم قاسم من صفاته الخلقية والجسمية؛ أما الخلقية فقد ذكرتها.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب ج٦ ص١٦٠، روضات الجنات ص٢٢٥. ٢ الدرر الكامنة لابن حجر ٢/ ١١٦ رقم ١٥٤٦ تحقيق الأستاذ محمد سيد جاد الحق.
[ ١ / ٦٨ ]
وأما الجسمية: فلم يرد في كتب المؤرخين ما يصور لنا هذه الصفة.
وكنت أود وأتمنى أن أقدم صورة واضحة لأسرة المرادي وبيئته التي عاش فيها وأن أظفر بالنصوص التي تعطينا ملامح وشخصية المرادي، ولكن لم يرد من ذلك شيء حتى يفسح الطريق لرسم صورته.
ويبدو أن هذا الأمر لم يكن يشغل بال الأقدمين من المؤرخين، وربما كان الحديث عن خاصة أسرته وبيئته يعد عندهم من لغو القول.
ففات بذلك علينا أشياء ثمينة لها أثرها الفعال في تحقيق شخصيته.
أما شخصيته العلمية: فتنصب في مؤلفاته وشروحه التي ركن إليها المتأخرون ونهلوا من معينها واستندوا على أقواله واعتدوا بآرائه ونقلوها عنه.
فهذا يدل على سعة مداركه وشخصيته العلمية الهامة التي تمثلت في هذه المؤلفات.
[ ١ / ٦٩ ]
الفصل الثالث:
شيوخ ابن أم قاسم:
نبغ الشيخ المرادي المعروف بابن أم قاسم، وذاع صيته واشتهر بين الخلق وبرع في النحو والفقه والأصول والقراءات، وله في كل فن خبرة، وأخذ عنه الكثير ونقلوا من كتبه، وذلك لدقة قوله وحصافة رأيه، ووضعه الأمور في نصابها، ووزن رأيه بميزان العدل فرجحت كفته، وفاق الكثير من أقرانه. وذلك بفضل شيوخه الذين تلقى عنهم وتعلم على أيديهم وجلس في حلقات دروسهم، واستمد شعاع النور منهم على نهجهم، معضدا ذلك بأفكاره وآرائه ومقترحاته، وبالبحث لم ينقل إلا عن شيخه أبي حيان.
وسأذكر بعض شيوخ ابن أم قاسم الذين تتلمذ عليهم، حسب الترتيب الزمني في وفياتهم.
١- أبو زكريا الغماري:
نسبه: هو يحيى بن أبي بكر عبد الله الغماري التونسي أبو زكريا الصوفي.
مولده: قال السيوطي: ولد سنة ٦٤٣ ثلاث وأربعين وستمائة من الهجرة.
من حياته: تعلم العربية ومهر فيها، وانتفع من الكثير وأفاد الجمع من علمه بعربيته، وتقلب على أيدي العلماء وجلس في حلقاتهم طلبا للعلم والتحصيل، وكان بارزا في العربية لامعا بين أقرانه.
قال السيوطي: قرأ العربية بتونس على أبي الحسن بن العصفور وبدمشق على ابن مالك صاحب الألفية، وبالقاهرة على الشيخ البهاء بن النحاس، ومع ذلك كانت بضاعته في النحو مزجاة، وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: أخذ عن عبد الحق بن سبعين، كتب عنه ابن سيد الناس وابن رافع، وكان عالما بالقراءة متقنا لها متفننا فيها، ذاع أمره واشتهر بين الناس وعلا قدره وازدهر نجمه، حتى عين مقرئا، فالتف حوله خلق كثير، وكان متوقد الذكاء صافي الذهن حريصا على القراءة حرصا لا يضاهيه أي حرص.
[ ١ / ٧٣ ]
قال ابن الجزري في طبقات القراء: قرأ على بعض أصحاب الصايغ ورجع إلى بلاده، وأخبرني غير واحد من أصحابه الواردين علينا من تلك البلاد أن ذهنه جيد واعتناءه بالقراءات تام وحرصه زائد.
وكان متعمقا في الأدب مطلعا عليه يميل إليه برغبة جذابة قوية، جعلته هذه الرغبة مضطرا لأن يقول الشعر ويترنم به، متغنيا بمصر وعظمتها ومجدها الخالد التليد.
قال في الدرر الكامنة: ومن شعره:
بعينيك هل أبصرت أحسن منظرا على طول ما أبصرت من هرمي مصر
أناخا بأعنان السماء وأشرفا على الأرض إشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا كأنهما نهدان قاما على صدر
وهكذا كان الغماري مفيدا قويا نافعا في عربيته أمينا وحريصا بكل ما يملك من قوة على فن القراءات ولا يفوته أن يفخر ويتحدث عن مصر وقديمها، وبالبحث لم أعثر على اسم مؤلف من مؤلفاته.
وفاته: قال السيوطي، وابن حجر: مات أبو زكريا الغماري في ثالث عشر من ذي الحجة سنة ٧٢٤هـ أربع وعشرين وسبعمائة١.
٢- أبو حيان الأندلسي:
نسبه: هو محمد بن يوسف بن عليّ بن يوسف بن حيان الإمام أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي النفزي نسبة إلى نفزة -بفتح النون وسكون الفاء- قبيلة من البربر، فهو الغرناطي المولد والمنشأ والمصري الدار.
مولده: ولد بمطخشارش -مدينة في حضرة غرناطة- في أواخر شوال سنة ٦٥٤هـ أربع وخمسين وستمائة.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٤١٠، طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٣٧٩ رقم ٣٨٦٩، والدرر الكامنة لابن حجر ج٥ ص٢٠٦ رقم ٥٠٥٩ تحقيق الأستاذ محمد سيد جاد الحق.
[ ١ / ٧٤ ]
من حياته: أبو حيان نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومؤرخه وأديبه.
أخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطباع، والعربية عن أبي الحسن الآبذي وأبي جعفر بن الزبير وابن أبي الأحوص وابن الصائغ وأبي جعفر اللبلي، وبمصر عن البهاء بن النحاس وجماعة، وتقدم في النحو، وأقرأ في حياة شيوخه بالمغرب، وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز من نحو أربعمائة وخمسين شيخا، منهم أبو الحسين بن ربيع وابن أبي الأحوص والرضي والشاطبي والقطب القسطلاني والعز الحراني.
وأجاز له خلق من المشرق والمغرب، منهم الشرف الدمياطي والتقي ابن دقيق العيد والتقي رزين وأبو اليمين بن عساكر.
وأكب على طلب الحديث وأتقنه وبرع فيه، وفي التفسير والعربية والقراءات والأدب والتاريخ، اشتهر اسمه وطار صيته.
وأخذ عنه أكابر عصره وتقدموا في حياته كالشيخ تقي الدين السبكي وولديه والجمال الأسنوي وابن أم قاسم وابن عقيل والسمين وناظر الجيش والسفاقسي وابن مكتوم وخلائق.
قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان ثبتا قيما عارفا باللغة، وأما النحو والتصريف فهو الإمام المطلق فيهما، خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض فيهما غيره، وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس، ومعرفة طبقاتهم وخصوصا المغاربة، وأقرأ الناس قديما وحديثا وألحق الصغار والكبار وصار تلامذته أئمة وشيوخا في حياته، والتزم ألا يقرئ أحدا إلا في كتاب سيبويه أو التسهيل أو مصنفاته.
وكان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع وقد وقعت بينه ويبن أستاذه أبي جعفر بن الزبير واقعة فنال منه وتصدى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان فأمر بإحضاره وتنكيله فاختفى ثم ركب البحر ولحق المشرق.
[ ١ / ٧٥ ]
قال السيوطي: ورأيت في كتابه "النضار" الذي ألفه في ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته: أن مما قوى عزمه على الرحلة عن غرناطة أن بعض العلماء رموه بالمنطق والفلسفة والرياضة والطبيعة. قال للسلطان: إني كبرت وأخاف أن أموت فأرى أن ترتب لي طلبة أعلمهم هذه العلوم، لينفعوا السلطان من بعدي، قال أبو حيان: فأشير إليّ أن أكون من أولئك، ويرتب لي راتب وكسوة وإحسان فتمنعت ورحلت مخافة أن أكره على ذلك.
قال الصفدي: وقرأ على العلَم العراقي وحضر مجلس الأصبهاني، وتمذهب للشافعي، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهريا.
وقال ابن حجر: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه، وكان ابن تيمية ثم وقع بينه وبينه في مسألة نقل فيها أبو حيان شيئا عن سيبويه، فقال ابن تيمية: وسيبويه كان نبي النحو!! لقد أخطأ سيبويه في ثلاثين موضعا من كتابه فأعرض عنه ورماه في تفسيره النهر بكل سوء.
وقال الصفدي: وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لججها.
وكان يقول عن مقدمة ابن الحاجب: هذه نحو الفقهاء، وكان له إقبال على الطلبة الأذكياء وعنده تعظيم لهم.
تولى تدريس التفسير بالمنصورية والإقراء بجامع الأقمر.
صفاته: قال الأدفوي: كان يفخر بالبخل كما يفخر الناس بالكرم، وكان ثبتا صدوقا حجة، سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم، ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة عليّ بن أبي طالب، كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرآن، وكان شيخا طوالا حسن النغمة مليح الوجه ظاهر اللون مشربا بحمرة، منور الشيبة، كبير اللحية، مسترسل الشعر.
وكانت عبارته فصيحة لكنه في غير القرآن يعقد القاف قريبا من الكاف.
مصنفاته: منها:
١- البحر المحيط في التفسير.
[ ١ / ٧٦ ]
٢- النهر مختصره في مجلدين.
٣- إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب.
٤- التذييل والتكميل في شرح التسهيل مطول.
٥- ارتشاف الضرب من لسان العرب. قال السيوطي: لم يؤلف في العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع، ولا أحصى للخلاف والأحوال وعليهما اعتمدت في كتابي جمع الجوامع.
٦- التنخيل الملخص في شرح التسهيل للمصنف وابنه بدر الدين.
٧- الأسفار الملخص في شرح سيبويه للصغار.
٨- التجريد لأحكام سيبويه.
٩- التذكرة في العربية. أربعة مجلدات كبار.
١٠- التقريب في مختصر المقرب.
١١- التدريب وشرحه.
١٢- المبدع في التصريف.
١٣- غاية الإحسان في النحو.
١٤- شرح الشذا في مسألة كذا في النحو.
١٥- اللمحة الشذرة في النحو.
١٦- الارتضاء في الضاد والظاء.
١٧- عقد اللآلي في القراءات على وزن الشاطبية وقافيتها.
١٨- الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية.
١٩- نحاة الأندلس.
٢٠- الأبيات الوافية في علم القافية.
٢١- منطق الخرس في لسان الفرس.
٢٢- الإدراك للسان الأتراك.
[ ١ / ٧٧ ]
٢٣- زهو الملك في نحو الترك.
٢٤- الوهاج في اختصار المنهاج، للنووي، وغير ذلك، ومما لم يكمل:
١- شرح نصف ألفية ابن مالك في مجلدين.
٢- نهاية الإعراب في التصريف والإعراب.
٣- أرجوزة خلاصة التبيان في المعاني والبيان.
٤- أرجوزة نور الغبش في لسان الحبش.
٥- مجاني الهصر في تواريخ أهل العصر.
وفاته: مات في ثامن عشرين صفر سنة ٧٤٥ خمس وأربعين وسبعمائة ودفن في مقبرة الصوفية١.
٣- الشرف المغيلي:
نسبه: هو عيسى بن مخلوف بن عيسى المغيلي الشيخ شرف الدين.
من حياته: كان عالما من علماء المالكية، درس مذهب الإمام مالك ونبغ فيه، والتف الجميع حوله ينتفعون به ويتلقون عنه، وولي مناصب دينية هامة، وكان حكما عدلا يعطي الحقوق لذويها، حتى أحبه الناس وأكبروه وأجلوه لنزاهته وحصافته.
قال ابن فرحون: كان من فضلاء المالكية وأعيانهم بالديار المصرية، وولي قضاء المالكية بها فحمدت سيرته.
وكان من أعلام الأصول والفروع جليل القدر عظيم الشأن، انتقل إلى العراق، ففاق الأقران وصحح كثيرا من المتون، وجلس الكثير في مجلسه وأذن
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص١٢١، وطبقات القراء لابن الجزري ج١ رقم ٣٥٥٥، وطبقات الشافعية للسبكي ج٦ ص٣١، والبدر الطالع للشوكاني ج٢ ص٢٨٨، وشذرات الذهب لابن العماد ج٦ ص١٤٥.
[ ١ / ٧٨ ]
لهم بالتدريس ومنحهم إجازات، وكان همه وضع الأمور في نصابها، فكثر الملتفون حوله واقتدوا به ونهلوا من معينه.
قال خالد البلوي في رحلته: "شيخنا العالم الأوحد أبو الأصبغ أحد الأعلام الجلة وعلماء الملة إمام الأئمة، وعلم الأعلام في الفروع والأصول والكلام، مصيبا في اختياراته من استقصاء واقتصار واستيفاء واختصار، فات قدره الأقدار في ضبط الفوائد، ولقط الفرائد، فهو على الإطلاق العالم الصدر العالي القدر، رحل للعراق، فأحرز خصال السباق، واكتسب بخطه الأصول العتاق، صحح متونه، وحدق للصواب عيونه، وتبدو لها بشر ونشر كأنما تبلج وجه الصبح، أو نفح العطر، سمعت فوائد من لفظه، وقيدت شوارد من حفظه، قرأت عليه بعض مختصر الحلاب للعز النيلي المختصر الأكبر، وأذن لي في تدريسه. ا. هـ.
صفاته: كان رجلا عالي الهمة عظيم القدر، يمتاز بالكرم، والمروءة، وحسن الأخلاق بصيرا بالأمور، ومحبة الناس له أثمن شيء عنده، كثير الاعتناء بنفسه في بعد عن العجب والخيلاء، وكان ذا عقل راجع مفكر حصيف الرأي، كثير الفضل على الناس.
قال خالد البلوي: عالي القدر جمع إلى معارفه بين كرم ومروءة وظرف وفتوة وروايات، وعقل وحصاة، وفضائل غير مستقصاة. ا. هـ. وبالبحث لم أعثر على مؤلف له.
وفاته: توفي ﵀ سنة ٧٤٦هـ ست وأربعين وسبعمائة من الهجرة١.
٤- المجد إسماعيل الششتري:
نسبه: هو إسماعيل بن محمد بن عبد الله الششتري مجد الدين النحوي المقرئ الأستاذ والششتري، نسبة إلى قريته ششتر.
من حياته: لم يتعرض مرجع من المراجع إلى تاريخ ميلاده، وكان إماما عالما حافظا عارفا باللغة العربية مقرئا ضابطا متقنا للقراءات حتى صار شيخا للقراء، درس الأصول وبرع فيه وتفنن وأجاد.
_________________
(١) ١ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون ص١٨٤، نيل الابتهاج بتطريز الديباج لسيدي أحمد بابا التنبكتي ص١٨٩.
[ ١ / ٧٩ ]
وتقلب في مناصب علمية ومختلفة وترأس مدارس علمية وظهرت حصافته، وهذا مما زاد من علو قدره وازدهار علمه بالقراءات وسمو اسمه، حتى سمع به خلق كثير، ووفدوا إلى مدرسته وتعلموا فيها وجلسوا في مجلسه ثم نقلوا ما حملوه إلى ذويهم، ومن يلتف حولهم من طالبي الفن.
وكان كعادة غيره، تقلب على أيدي علماء عصره، فنهل من معينهم وتزود من علمهم وشرب منهم ما يشفي غليله ويروي ظمأه، وهذه طبيعة العالم الناجح الذي يريد أن ينتفع به الناس ويتزودوا به.
أخذ العربية عن جماعة وصحب العلاء القونوي، وأخذ عنه العربية والأصول وغير ذلك.
وأخذ القراءات وأتقنها وأجادها على الشطنوفي والتقي الصائغ، وبرع في كل باب طرقه وفي كل فن اندمج فيه حتى أصبح العلامة الأوحد وأستاذ القراءة والنحو والأصول.
قال ابن الجزري في طبقات القراء: إمام صفة صلاح الدين بالصلاحية ثم خانقاه سرياقوس، شيخ القراء العلامة الأوحد الأستاذ المقرئ النحوي الأصولي الشافعي، برع في القراءات والأصول والعربية، وكان شيخ القراءات بالمدرسة الفاضلية، مشهورا بحسن القراءة وجودة الأداء، انتفع به جماعة، وبالبحث لم أعثر على اسم مؤلف له.
وأخذ عنه البدر ابن أم قاسم.
صفاته: كان رجلا عالما فاضلا تقيا ورعا محبا للخير والعلم والانتفاع به، كثير الإنفاق من أجله، وليس هذا بغريب عليه، بل هو قدوة لوالده الذي كان من كبار أولياء الله تعالى، والناس يفدون إلى قبره ويزورونه تبركا به.
قال ابن الجزري: كان والده من كبار الأولياء مدفون بقريته، ينعت بالشيخ تاج الدين البناكتي يزار ويتبرك به.
وفاته: قال السيوطي وابن الجزري: مات سنة ٧٤٨ ثمان وأربعين وسبعمائة من الهجرة١.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص١٩٩، طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص١٦٨، رقم ٧٨١.
[ ١ / ٨٠ ]
٥- شمس الدين بن اللبان:
نسبه: هو محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الشيخ شمس الدين بن اللبان الدمشقي ثم المصري الشافعي الإمام العلامة المعروف بابن اللبان.
مولده: قال في شذرات الذهب: ولد سنة ٦٨٥ خمس وثمانين وستمائة من الهجرة.
من حياته: كان عارفا بالفقه والأصول والعربية، أديبا شاعرا، سمع بدمشق من أبي حفص عمر بن المنعم بن القواس.
وقدم إلى الديار المصرية فأنزله ابن الرفعة بمصر وأكرمه إكراما كثيرا، وسمع بها من شرف الدين الدمياطي ومن عبد الرحمن بن عبد القوي بن عبد الكريم الختعمي، وحدث بالديار المصرية، وسمع الحديث، وتفقه على كثيرين، وبرع في جملة الفنون، وزاول التدريس بزاوية في جامع عمرو بن العاص ثم بزاوية الإمام الشافعي، وسار على طريق الشاذلية، وصحب ياقوت العرش المتصوف، فاشتهر غير أنه تكلم كلاما صوفيا يشعر بالاتحاد، فهاج عليه الفقهاء وحاكموه أمام قاضي القضاة ثم استنقذه ابن فضل الله.
قال السبكي في طبقات الشافعية: تفقه على نجم الدين بن الرفعة وصحب في التصوف الشيخ ياقوت بالإسكندرية، وكان الشيخ ياقوت المقيم بالإسكندرية من أصحاب سيدي الشيخ أبي العباس المرسي صاحب سيدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وبرع ابن اللبان فقها وأصولا ونحوا وتصوفا، ووعظ الناس وعقد مجلس التذكير بمصر، وبدرت منه ألفاظ يوهم ظاهرها ما لا شك في براءته منه، فاتفقت له كائنة شديدة ثم نجاه الله تعالى، ودرس بالآخرة بالمدرسة المجاورة لضريح الشيخ الشافعي ﵁.
وفي شذرات الذهب، قال الحافظ زين الدين العراقي: أحد العلماء الجامعين بين العلم والعمل، امتحن بأن شهد عليه بأمور وقعت في كلامه، وأحضر إلى مجلس الجلال القزويني وادعي عليه بذلك فاستتيب ومنع من الكلام على الناس وتعصب عليه بعض الحنابلة وتخرج به جماعة من الفضلاء.
[ ١ / ٨١ ]
وسمع منه الطلبة وخرج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي جزءا من حديثه، وكان أديبا شاعرا عالما بالعربية ذكيا فصيحا متجمعا عن الناس هماما مهيبا.
صفاته: كان ابن اللبان لسنا فطنا ذا همة وقوة وصرامة وحزم، يميل إلى الجد ولا يحاول الاندماج في الناس وقد يرغب في الابتعاد والانقباض عنهم، ومع هذا كان محترما مقدرا بين الخلق يخافونه ويهابونه.
مؤلفاته: منها:
١- ترتيب الأم للإمام الشافعي ولم يبيضه.
٢- واختصر الروضة ولم يشتهر لغلاقة لفظه.
٣- ومختصر في علوم الحديث.
٤- وجمع كتابا في النحو.
٥- وكتاب في التصوف.
٦- وله تفسير لم يكمله.
٧- وله كتاب متشابه القرآن والحديث تكلم فيه على طريقة الصوفية، وهو مختصر حسن تكلم فيه عن بعض الآيات والأحاديث المتشابهات.
وفاته: في شذرات الذهب وأخبار مصر والقاهرة وطبقات الشافعية والوافي بالوفيات: مات ابن اللبان بالطاعون في شوال سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة١.
٦- سراج الدين الدمنهوري:
نسبه: هو عمر بن محمد بن عليّ بن فتوح سراج الدين أبو حفص الغزي الدمنهوري المصري الشافعي.
مولده: قال ابن الجزري في طبقات القراء: مولده بعد الثمانين وستمائة من الهجرة.
_________________
(١) ١ حسن المحاضرة للسيوطي ج١ ص١٨٠، الأعلام للزركلي ج٣ ص٨٥٣، وشذرات الذهب لابن العماد ج٦ ص١٦٣، وعصر سلاطين المماليك لمحمود رزق ج٤ ص١١٨، والوافي بالوفيات للصفدي ج٢ ص١٦٨ رقم ٤٢٥.
[ ١ / ٨٢ ]
من حياته: كان عالما مفضالا متقنا جامعا للعلوم، تنقل بين يدي العلماء في كثير من الفنون وجلس في حلقاتهم، واستمع إلى دروسهم، وناقش وعارض في مجلس شيوخه في سبيل الوصول إلى ما تصبو إليه نفسه من الحصول على أكبر قدر من العلوم والفنون، فجلس في حلقات النحو والقراءات والحديث والفقه متلقيا عن شيوخ وثق فيهم، وبرع على أيديهم.
أخذ العربية عن الشيخ شرف الدين محمد بن عليّ الحسني الشاذلي، وعن التقي ابن الصائغ أيضا وغيره، وأخذ القراءات عن الشيخ شرف الدين بن الشواء الضرير بالإسكندرية وعن التقي الصائغ، والمعاني عن الجلال القزويني، والأصول عن العلاء القونوي، والفقه عن جماعة منهم العلامة نور الدين عليّ بن يعقوب القرشي البكري، وسمع من الحجار والشريف والمرسوي، وأذن له بالإفتاء جماعة آخرهم الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وبرع في الأصول ونبغ فيه حتى صار أستاذا يعتد به ويؤخذ عنه.
ودرس في أماكن مختلفة ومتعددة، وصحب القونوي وقرأ عليه مختصر ابن الحاجب وتلخيص المعاني والبيان، ولم يجد بدا من أن يعمل على منفعة الناس وطلابه ورواده، فكان ينتقل إلى المكان الأكثر نفعا لهم، ويلقى المتاعب والصعاب في سبيل إفادة جمع غفير من الخلق، فأحبه الجميع وأحاطوا به حتى سمي بالعلامة الأوحد، وصار شيخا للقراءة والكل يسمع لحديثه ويعمل بإفتائه.
قال ابن الجزري: "العلامة الأوحد المقرئ الفقيه المفتي شيخ القراء" ولحرصه على إفادة الجمع، أقرأ بمكة والمدينة وأفاد الكثير من الناس.
وحدث عنه أبو اليمن البصري، ومع كل هذا كان يبخل بعلمه، وقد خلف حمل بعير من كتبه دون الانتفاع بها، وهلكت دون أن تملكها اليد التي تعمل على ضمها وجمعها.
قال ابن الجزري في طبقات القراء: "وأقرأ القراءات بالحرمين الشريفين وأفاد، وكان ضنينا بعلمه وخلف جملة من الكتب والدنيا وهلكت بعده فلم ينتفع بها".
[ ١ / ٨٣ ]
وإنني أنظر إلى هذا العالم الأصولي الذي أصبح شيخا للقراء، الفقيه صاحب الفتوى، الذي ذاع صيته وطار اسمه بين الخلق وفي الأرض المكرمة، ومع كل هذه المنح الربانية العظيمة. كيف يضن بما أعطاه الله وأسبغه عليه من نعمة العلم؟
يخيل إليّ أنه كان يحب المحافظة والحرص كل الحرص على ما وهبه الله وعلى كل ما يقتنيه وتضمه مكتبة منزله، وبالبحث لم أعثر على اسم مؤلف له.
وفاته: قال ابن حجر في الدرر الكامنة: مات سراج الدين الدمنهوري سنة ٧٥١ إحدى وخمسين وسبعمائة من الهجرة.
وقال الفاسي: هذا وهم بل مات في يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الأول سنة ٧٥٢هـ اثنتين وخمسين وسبعمائة.
وقال ابن الجزري في غاية النهاية: توفي بمكة شهر ربيع الأول سنة ٧٥٢هـ اثنتين وخمسين وسبعمائة١.
٧- أبو عبد الله الطنجي:
تصفحت المراجع فلم أعثر له على ترجمة، وقال السيوطي في كتاب بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ص٢٩٤: أبو عبد الله الطنجي شيخ من أهل النحو نقل عنه أبو حيان في الارتشاف وذكره هكذا.
_________________
(١) طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٥٩٧ رقم ٢٤٣٢، بغية الوعاة للسيوطي ص٣٦٣ شذرات الذهب لابن العماد ج٦ ص١٧٢، الدرر الكامنة لابن حجر ج٢ ص٢٢٣.
[ ١ / ٨٤ ]
تلاميذ المرادي المعروف بابن أم قاسم:
لقد تأثر ابن أم قاسم بعلماء عصره وتتلمذ على أيديهم وتلقى عنهم وجلس في حلقات دروسهم، فما دام قد تأثر بالغير ونبغ عن طريقهم، فلا بد أن يكون قد خرج أجيالا برزوا إلى المجتمع تأثروا به وتتلمذوا عليه وجلسوا في حلقات درسه، وأفادوا غيرهم بما وهبهم الله من نعم العطاء.
وأقول: بعد البحث والاستقصاء لم أجد نصا في كتب التاريخ يذكر فيه من تتلمذ على ابن أم قاسم سوى جلال بن أحمد المعروف بالتباني، ولم أتمكن من الحصول على أي مؤلف للشيخ جلال التباني حتى أحكم بأنه نقل عن شيخه أم لا.
فعلى ذلك اتخذته تلميذا له -وأيضا ابن هشام- وإن كان لم يثبت أنه تتلمذ عليه، فإنه نقل عنه وهو في عصره.
وسأذكر بعض التلاميذ الذين تأثروا بابن أم قاسم وأخذوا عنه.
وذلك حسب الترتيب الزمني في وفياتهم.
١- ابن هشام الأنصاري:
نسبه: هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري الشيخ جمال الدين الحنبلي النحوي المصري الفاضل العلامة المشهور أبو محمد.
مولده: قال ابن حجر في الدرر الكامنة: ولد في ذي القعدة سنة ٧٠٨هـ ثمان وسبعمائة.
من حياته: لزم الشيخ الشهاب عبد اللطيف بن المرحل وتلا على ابن السراج، وسمع من أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى ولم يلازمه ولا قرأ عليه، وحضر دروس الشيخ تاج الدين التبريزي، وقرأ على الشيخ التاج الفاكهي شرح الإشارة له إلا الورقة الأخيرة، وتفقه للشافعي ثم اندمج في المذهب الحنبلي فحفظ مختصر الخرقي في دون أربعة أشهر وذلك قبل موته بخمس سنين.
وأتقن العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، وحدث عنه ابن جماعة بالشاطبية وتخرج به جماعة من أهل مصر وغيرهم.
[ ١ / ٨٥ ]
وتصدر للتدريس ونفع الطالبين وانفرد بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة والاستدركات العجيبة والتحقيق البارع والاطلاع المفرط والاقتدار على التصرف في الكلام والملكة التي يتمكن من التعبير بها عن مقصوده بما يريد مسهبا وموجزا.
وكان ابن هشام من كبار علماء اللغة العربية، اشتهر بالتحقيق وسعة الاطلاع والاقتدار على التصرف في الكلام، وذاع صيته في العالم الإسلامي وطارت مصنفاته في غالب الديار.
قال ابن خلدون في ابن هشام:
مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه.
مخالفته لأبي حيان:
قال الشوكاني في البدر الطالع: كان كثير المخالفة لأبي حيان شديد الانحراف عنه، ولعل ذلك -والله أعلم- لكون أبي حيان كان منفردا بهذا الفن في ذلك العصر غير مدافع عن السبق فيه، ثم كان المنفرد بعده هو صاحب الترجمة -ابن هشام- وكثيرا ما ينافس الرجل من كان قبله أو بالتمكن من البلوغ إلى ما لا يبلغ إليه، وإلا فأبو حيان هو من التمكن من هذا الفن بمكان، ولم يكن للمتأخرين مثله ومثل صاحب الترجمة.
وهكذا نافس أبو حيان الزمخشري فأكثر من الاعتراض عليه في النحو لكون الزمخشري ممن تفرد بهذا الشأن وإن لم يكن عصره متصلا بعصره.
وهذه دقيقة ينبغي لمن أراد إخلاص العمل أن يتنبه لها فإنها كثيرة الوقوع بعيدة الإخلاص.
صفاته: كان ابن هشام يميل إلى التواضع ويعطف على أقربائه ويبرهم ويعطي الفقراء والمحتاجين ويشفق عليهم، وكان دمث الأخلاق، رقيق القلب، سهلا لينا وديعا يحب التعامل مع الناس.
ما انتفع به ابن هشام من المرادي: قالوا: إن ابن هشام استفاد من المرادي وتأثر به، وظهر هذا الأثر في الجزء الأول من كتابه المسمى بمغني اللبيب في
[ ١ / ٨٦ ]
مواضع متعددة، فنقل لفظه أو اقتبس معناه معتمدا عليه وذلك من كتاب ابن أم قاسم السمعي بالجنى الداني في حروف المعاني.
مصنفاته: منها:
١- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب في النحو. منه نسخ في أكثر مكاتب أوربا، ودار الكتب المصرية، وطبع في طهران سنة ١٢٧٤ وفي مصر مرارا. وله عدة شروح:
أ- شرح للدماميني.
ب- شرح للشمني.
جـ- شرح للدسوقي.
د- شرح للأمير.
٢- قطر الندى وبل الصدى من أهم كتب النحو، عليه شرح المؤلف. طبع بمصر وتونس مرارا، واهتم الإفرنج به فنقله كوجيار إلى الفرنسية، وطبع في ليدن سنة ١٨٨٧م وعليه شروح كثيرة.
٣- الإعراب عن قواعد الإعراب في النحو. منه نسخة خطية في برلين وغوطا. وله شروح.
٤- شذور الذهب في النحو. طبع مرارا، وله شروح أكثرها مطبوع.
٥- موقد الأذهان وموقظ الوسنان. في أغوص مسائل النحو، منه نسخ خطية في برلين وباريس ودار الكتب المصرية.
٦- ألغاز نحوية. طبع بمصر.
٧- الروضة الأدبية في شواهد علوم العربية. عول فيها على ابن جني، وهو في برلين.
٨- الجامع الصغير. في النحو. بباريس وفي الخزانة التيمورية. وعليه شروح.
٩- التوضيح على ألفية ابن مالك. مجلد.
[ ١ / ٨٧ ]
١٠- رفع الخصاصة عن قراءة الخلاصة. أربعة مجلدات.
١١- عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب. مجلدان.
١٢- التحصيل والتفصيل لكتاب التذييل والتكميل. عدة مجلدات.
١٣- شرح التسهيل. مسودة.
١٤- شرح الشواهد الكبرى.
١٥- شرح الشواهد الصغرى.
١٦- القواعد الكبرى والصغرى.
١٧- الجامع الكبير والصغير.
١٨- شرح اللمحة لأبي حيان.
١٩- شرح بانت سعاد.
٢٠- شرح البردة.
٢١- التذكرة. خمسة عشر مجلدا.
٢٢- المسائل السفرية في النحو. وغير ذلك.
وله عدة حواش على الألفية والتسهيل ورسائل وكتب أخرى متفرقة في مكتبات أوربا.
وفاته: قال ابن حجر والسيوطي والشوكاني: مات ليلة الجمعة خامس ذي القعدة سنة ٧٦١ إحدى وستين وسبعمائة١.
٢- جلال التباني:
نسبه: هو جلال بن أحمد بن يوسف التيزيني -بكسر الفوقانية والزاي وقبلها وبعدها تحتانية ساكنة- المعروف بالتباني -بمثناة ثم موحدة ثقيلة- لنزوله التبانة ظاهر القاهرة، جلال الدين ويقال اسمه رسولا.
_________________
(١) ١ تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان. تعليق الدكتور شوقي ضيف ج٣ ص١٥٤، بغية الوعاة للسيوطي ص٢٩٣، وحسن المحاضرة للسيوطي ج١ ص٢٣٠، الدرر الكامنة لابن حجر ج٢ ص٤١٥، رقم ٢٢٤٨، شذرات الذهب لابن العماد ج٦ ص١٩١، البدر الطالع للشوكاني ج١ ص٤٠١.
[ ١ / ٨٨ ]
من حياته: قدم القاهرة فأقام بمسجد التبانة فغلب عليه نسبته إليها، وتقلب بين يدي العلماء. قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: قدم القاهرة قبل الخمسين، وسمع في البخاري من الشيخ علاء الدين التركماني، وأخذ عنه وعن القوام الإتقاني، وأخذ في العربية عن ابن أم قاسم والقوام والإتقاني والشيخ جلال الدين بن هشام وابن عقيل، وبرع في الفنون مع الدين والخير، وكان فقيها أصوليا نحويا بارعا وأفتى ودرس سنين، وولي وكالة بين المال ونظر الكسوة ومشيخة خانقاه شيخون.
وانتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه، وعرض عليه القضاء غير مرة فأصر على الامتناع. وقال: هذا فن يحتاج إلى دراية ومعرفة إصلاح ولا يكفي فيه الاتساع في العلم.
ودرس بالضرغتمشية والألجهية ومدرسة الجائي وكتب على الفتوى.
وممن أخذ عنه ولده الشيخ شرف الدين، والشيخ عز الدين الحاضري الحلبي.
وكان له صلة بالأمراء والأكابر، وعظم وضخم وتردد الناس إلى بابه وهو مع ذلك ملازم للاشتغال والأشغال مع الديانة والصيانة.
وكان شديد الحرص على ملاقاة العلماء والاجتماع بهم وملازمته لهم، لأنهم كانوا سببا في نبوغه وشهرته وعظمته وعلو قدره.
صفاته: كان محبا في السنة حسن العقيدة شديدا على الإلحادية والمبتدعة، وكان ذا همة عالية ومكارم أخلاق، كثير البر على الناس عطوفا عليهم، كثير الصدقة على الفقراء والمحتاجين، وكان له حرمة في الدولة وكلمة مسموعة.
مصنفاته: وصنف تصانيف منها:
١- المنظومة في الفقه.
٢- شرح المنظومة في الفقه. في أربعة مجلدات.
٣- شرح المشارق.
[ ١ / ٨٩ ]
٤- شرح المنار.
٥- شرح التلخيص.
٦- اختصر شرح مغلطاي على البخاري. قال ابن حجر العسقلاني: رأيته بخطه.
٧- له تصنيف في منع تعدد الجمع.
٨- تصنيف في أن الإيمان يزيد وينقص.
٩- له كتاب علق فيه على البزدوي.
وفاته: قال السيوطي في بغية الوعاة وابن العماد في شذرات الذهب: مات بالقاهرة في ثالث عشر رجب سنة ٧٩٣ ثلاث وتسعين وسبعمائة عن بضع وستين سنة١.
مؤلفاته:
مؤلفات ابن أم قاسم:
للمرادي مؤلفات بذل فيها كل جهده وكرس حياته من أجلها، فدرس كتب السابقين وتفحصها، فاقتطف منها أزهارها وجنى ما أعجبه من ثمارها، وأضاف ذلك إلى ما حوته قريحته وجاد به تفكيره، فأعجب المعاصرين والخلف فاعتمدوا على مؤلفاته ونقلوا منها وكانت مصدرا لكل باحث ومنارة لكل من يريد أن يسترشد، فنهلوا من معينه الذي لا ينضب ومن علمه الذي لا ينفد، ومن ذلك.
١- الجنى الداني في حروف المعاني.
٢- شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك.
٣- شرح ألفية ابن مالك.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص١٢٣، وحسن المحاضرة للسيوطي ج١ ص٢٠٠، والدرر الكامنة لابن حجر ج٢ ص٨٢، شذرات الذهب لابن العماد ج٦ ص٣٢٧، البدر الطالع للشوكاني ج١، روضات الجنات للخوانساي ص١٦٢.
[ ١ / ٩٠ ]
٤- شرح باب وقف حمزة وهشام على الهمزة من الشاطبية.
٥- شرح المقصد الجليل في علم الخليل "وتسمى مقدمة ابن الحاجب في علم العروض".
٦- شرح المفيد على عمدة المجيد في علم التجويد للسخاوي.
٧- رسالة في الجمل التي لا محل لها من الإعراب.
٨- شرح الاستعاذة والبسملة، قال السيوطي: قلت: وشرح الاستعاذة والبسملة كراس ملكته بخطه. لم أعثر عليه.
١٠- تفسير القرآن الكريم في عشرة مجلدات أتى فيه بالفوائد الكثيرة وإعراب القرآن. لم أعثر عليه.
١١- شرح الجزولية. لم أعثر عليه.
١٢- شرح الكافية الشافية. لم أعثر عليه.
١٣- شرح الفصول لابن معط. لم أعثر عليه.
١٤- شرح الحاجبية النحوية. لم أعثر عليه.
وسأذكر نبذة موجزة عن كل مؤلف عثرت عليه في المكتبات.. وهي:
أولا- كتاب الجنى الداني في حروف المعاني:
هو كتاب مخطوط مودع بدار الكتب المصرية تحت أرقام ٥٤١، ٣٨١ عام، وطلعت، وتيمور، ويحتوي على ١٤٢ ورقة ومسطرته ١٩ سطرا.
أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم. الحمد له. بجميع محامده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم أنبيائه وبعد:
فإنه لما كانت مقاصد كلام العرب على اختلاف صنوفه مبنيا أكثرها على معاني حروفه صرفت الهمة إلى تحصيلها إلخ".
[ ١ / ٩١ ]
حقا إنه كتاب قيم عظيم طرق صاحبه فيه الأبواب الموصدة ففتحها على مصراعيها، حيث أنار القارئ طريق الهداية، فقد دقق كلامه، ووضع نصب عينه الحروف ومعانيها فكشف عن غامضها، ويسر الوقوف عليها. وذكرها جملة وتفصيلا، وهي مع قلتها كثر درها وبعد غورها.
فقرب البعيد وسهل ما صعب منها، وجعله في متناول أيدينا وسماه الجنى الداني في حروف المعاني.
ويحتوي هذا الكتاب الذي ندر وجوده وقل ما يماثله أو يضاهيه على مقدمة وخمسة أبواب، واشتملت المقدمة على خمسة فصول.
بين في الفصل الأول حد الحرف، وفي الثاني لماذا سمي حرفا؟ وفي الثالث في جملة الحرف ومعانيه وأقسامه، حتى إنه قال: إن النحويين جعلوا للحرف خمسين معنى.
وفي الرابع في بيان عمله، وقال: إنه عامل وغير عامل، والخامس في عدة الحروف وقال: إن بعض النحويين قالوا: إن جملة المعاني ثلاثة وسبعون حرفا، ذكر بعضهم نيفا وتسعين حرفا.
ولقد وقف ابن أم قاسم على كلمات أخر مختلف في حرفيتها ترتقي لها عدة الحروف إلى المائة، وهي منحصرة في خمسة أقسام وجعل لكل قسم بابا.
فالباب الأول في الأحادي، وهي أربعة عشر حرفا. الهمزة، والباء، والتاء، والسين، والشين، والفاء، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو، والألف، والياء، وقد جمعها ابن أم قاسم في كتابه هذا في قولك "بكشف سألتمونيها".
ثم بدأ بالهمزة مفصلا ضاربا الأمثلة من القرآن الكريم وأشعار العرب عارضا رأي النحاة فيما يدرو في هذا الموضع وما يطرأ عليه من تغيير.
ثم عرض الباء موضحا معانيها زائدة وغير زائدة.
وقد يعتمد على رأي سيبويه في عرضه للكلام، فمثلا قال: رد كثير من المحققين سائر معاني الباء إلى معنى الإلصاق، كما ذكر سيبويه، وجعلوه معنى لا يفارقها
[ ١ / ٩٢ ]
وهكذا، عارضا ما في الباب الأول من حروف المعاني مع توضيح وإزالة الغموض وإبراز المحاسن وفي بعض الأحيان يسأل ويجيب ليقرب المعاني إلى ذهن القارئ مزيلا ما فيه من شبهات، وقد يذكر تنبيهات عقب كل قسم من الأقسام، لإبداء ملاحظاته، أو توضيح ما أشكل ولإظهار ما أبهم. عارضا فيه رأي النحاة.
فمثلا في تنبيه له "لام الاستغاثة" قيل: هي زائدة، فلا تتعلق بشيء، وقيل: ليست زائدة فتتعلق.
وعلى هذا: ففي ما يتعلق به قولان: أحدهما أنه الفعل المحذوف، وهو اختيار ابن عصفور، والثاني: أنه حرف النداء، وإليه ذهب ابن جني، وذهب الكوفيون إلا أن هذه اللام بقية أل وهكذا يوضح ويبين.
وكثيرا ما يعتد برأي ابن مالك ويؤيده، ويعتمد على ابن الناظم في شرحه للألفية وغير ذلك من النحاة البارزين المشهورين أمثال الأخفش وابن الأنباري والزجاج والمبرد وابن يعيش وغيرهم.
ثم انتقل إلى الباب الثاني، وهو الثنائي وقسمه إلى ضربين: ضرب متفق عليه ومختلف فيه وجميع ذلك ثلاثة وثلاثون حرفا وهي: إذ، وأل، وأم، وإن، وأو، وأي، وبل، وإذا إلخ.
ثم ذكرها على ترتيب مبينا معانيها وأغراضها عارضا رأي النحاة مؤيدا ما يراه متفقا والمقصود، مستشهدا بكتاب الله وأشعار العرب.
ثم ينتقل إلى الباب الثالث في الثلاثي، وهو ضربان: متفق عليه ومختلف فيه وجملة ذلك أربعة وثلاثون حرفا، وهي: أجل، وإذن وإذا وإلا، وإلى، وإما إلخ، ذكرها مرتبة مبينا معانيها وما يتعلق بها ضاربا لذلك الأمثلة.
وقد يذكر فوائد عقيب بعض المسائل، ليعرض فيها رأي النحاة في إيجاز واقتصار، ليقف القارئ على رأي النحاة في مسألة ما.
فمثلا قال: فائدة في "لات" قرئ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بفتح التاء وضمها وكسرها والفتح هو المشهور، والوقف عليها بالتاء عند سيبويه والفراء، وابن كيسان والزجاج، وبه وقف أكثر القراء وبالهاء عند الكسائي والمبرد وبه قرأ الكسائي.
[ ١ / ٩٣ ]
ثم انتقل إلى الباب الرابع في الرباعي، وهو ضربان: متفق عليه ومختلف فيه وجملته تسعة عشر حرفا وهي:
إذما، وألا، وأما، وإما إلخ. ثم ذكرها أيضا على الترتيب. بسطها بأسلوبه بسطا يزيل كل شبهة.
وقد اعتمد على أبي حيان، واعتد برأيه معارضا رأي ابن مالك، قال في "حتى": ولا يجوز أن تقول: أكلت السمكة حتى نصفها أو ثلثها، قال الزمخشري: لأن تفعل المتعدي بها الغرض منه أن ينقضي شيئا فشيئا حتى يأتي عليه. وقال ابن مالك: لا يلزم واستدل بقول الشاعر:
عينت ليلة فمازلت حتى نصفها راجيا فعدت يئوسا
قال الشيخ أبو حيان: ولا حجة له في هذا البيت إلخ.
ثم انتقل إلى الباب الخامس في الخماسي: وهو ثلاثة أحرف، واحد متفق على حرفيته وهو "لكن"، واثنان فيهما خلاف وهما "أنتما وأنتن" ذكر ذلك مفصلا.
وكان يعقب كل قسم من الأقسام بقوله: "والله أعلم".
وفي نهاية كتابه قال: وذكر بعضهم أن "كان" الزائدة حرف، وكذلك "أصبح وأمسى" في قول العرب: "ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها" قال: لأن الأفعال لا تزاد.
وقد كان حق هذه الألفاظ أن أذكرها في باب الثلاثي والرباعي، وإنما أهملت ذكرها هنا لشهرتها وغرابة القول بحرفيتها.
وهكذا كان كتاب الجنى الداني في حروف المعاني بحرا فياضا لمن أراد أن يرتوي، وبلسما شافيا لمن أراد أن يستشفي، ومعينا لا ينضب لمن أحب تزويد نفسه.
فنرى ابن هشام في كتابه مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، قد أدلى بدلوه، ونهل من معينه وسار على نهجه واتبع طريقته.
[ ١ / ٩٤ ]
ثانيا: شرح "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" لابن مالك
شرحه ابن أم قاسم، وهو كتاب مخطوط في مجلدين ووقع مرة أخرى في ثلاثة، مودع بدار الكتب المصرية ومكتبة الأزهر تحت أرقام ٦٥٣٠ طلعت -٦٣- ١٢٦٢.
أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله على التوفيق لحمده إلخ".
وهو كتاب ضخم قيم جمع بين دفتيه قواعد النحو وأسرارها بابتكار يدل على تعمق في النحو، واستكشاف لمخبآته، وإحاطة بأوابده.
وهو الفيصل تستحكم الفكرة عنده فيبرزها مدعومة بالدليل النقلي والنظري. فعلق ابن أم قاسم على التسهيل تعليقا يفيد المعنى ويبين المراد، وقد ذيله بفوائد جمة تكشف مقاصده، وتفصح عن مكنونه.
ولكنه مال إلى عدم الإكثار والإسهاب، بل وضع الأمر في نصابه دون ملل أو خلل، فبدأ أول ما بدأ بشرح الكلام على حسب طريقة ابن مالك، عارضا آراء النحاة وخلافاتهم، فيعرض أولا كلام المصنف ثم يعقبه بشرحه الوافي المختصر حتى يتسنى للقارئ أن يفهمه دون جهد ونصب وعناء.
شافعا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأمثال العرب وأشعارهم وقد يعرض تلخيصا بعد سرد المسألة وشرحها ورأي العلماء فيها، ليقربها إلى الأفهام، فقال في إلحاق نون الوقاية بقد وقط:
"وتلخص من نقل الكوفيين أن من جعلهما اسمي فعل قال: قدني وقطني بالنون وتكون الياء في موضع نصب، ومن جعلهما بمعنى حسب. قال: بغير نون".
وقد يأتي بالشاهد ثم يعلق عليه برأيه ورأي النحاة، تسهيلا وتقريبا إلى الأذهان وإزالة الشبهات ورفع الغموض الذي يسيطر على الشاهد، فيبرزه في صورة براقة تصل إلى مدارك المتعلم والقارئ دون تعب ومعاناة.
وفي باب إن وأخواتها بين الطريق الذي سار عليه ابن مالك في اقتدائه بالنحاة فقال في إن وأخواتها: "عد المصنف هذه الأحرف خمسة لأن أن المفتوحة فرع من إن المكسورة اقتداء بسيبويه والمبرد في المقتضب وابن السراج في الأصول".
[ ١ / ٩٥ ]
ونراه حينما يدخل في باب من الأبواب، فإنه يأتي له بمقدمة من عنده ثم يعرض شرحه وقد يعرض رأي النحاة ذاكرا النص من كتبهم باسطا آراءهم.
وقد ينقد ابن مالك في ترتيبه الكلام، ويدافع عنه، ففي العدد، فصل.
"استعمل لخمسة عشر ظروف كيوم يوم صباح مساء وبينَ بينَ".
قال المرادي: "ليس هذا الفصل من باب العدد في شيء، ولكن استطرد ذكره، لكون هذه الأسماء ناسبت خمسة عشر في تركيبها إلخ".
وقد يعارض المصنف وابنه، ففي باب التعجب قال ابن مالك: "وكذا إن تعلق بهما وكان غير ظرف وحرف جر".
قال المرادي: "نحو ما أحسن زيدا مقبلا، وأكرم به رجلا".
فلو قلت: ما أحسن مقبلا زيدا وأكرم رجلا به لم يجز بإجماع. قال المصنف: وتبعه في نقل الإجماع ولده في شرح الألفية. وليس كذلك.
وقد اعتمد في النقل على كثير من النحاة في شرحه أمثال أبي حيان والمبرد والأخفش والسهيلي والزمخشري وغيرهم.
قال في نون التوكيد: قال سيبويه أما يونس وناس من النحويين فيقولون:
اضربان واضربنان زيدا، فهذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها.
واعتمد أيضا على شيخه أبي حيان فقال في زيادة الواو في أو، ولو.
قال الشيخ أبو حيان: لم أظفر في تعليله بنص، ويمكن عندي أن يكون زادوا الواو منه للفرق بين أولى حالة النصب والجر وبين إلى الحرف، وحملت حالة الرفع على النصب والجر، ولا أراه تعرض لشيخ آخر من شيوخه في النقل عنه أو التأسي به والسير على نهجه، وقد يعارض النحاة في آرائهم مراعيا ضبط الحقائق مع ترجيح ما يراه ملائما ونافعا مفيدا.
فقال في قول ابن مالك: "بلام الابتداء".
قال المرادي: زعم أكثرهم أنها مخلِّصة للحال، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣] فيحزن مستقبل لإسناده إلى متوقع.
[ ١ / ٩٦ ]
ونراه يجاري المصنف في "لدن" ويؤيده حينما قال ابن مالك: "نون مكسورة للوقاية وحذفها مع لدن وأخوات ليت جائز".
قال المرادي: من حذفها مع لدن قراءة نافع وأبي بكر: "قَدْ بَلَغْتُ مِن لَدُنِي عذرا". قال المصنف: زعم سيبويه أن عدم لحاقها للدن من الضرورات، وليس كذلك، لقراءة نافع.
وهكذا كانت عادة ابن أم قاسم يعرض الآراء ويفندها ويرجح ما فيه الفائدة والنفع.
وحقا إنه شرح مفيد جعل تسهيل ابن مالك مسهلا على كل قارئ وباحث، فهو منهل لمن أراد أن ينهل من شرابه العذب، حيث أبرز محاسن التسهيل، وجعله قطفا دانيا طيب الرائحة طعم المذاق، ومفتاحا لكل طارق لأبواب النحو، فكان مصدرا وثيقا للنحاة ينقلون عنه ويعولون عليه، وهذا يدل على براعة ابن أم قاسم وحسن لباقته واجتهاده وانكبابه على كتب السابقين والاقتداء بهم.
فأخرج مؤلفات وشروحا يانعات قاصدا بها أن تكون هداية للمهتدين وطريقا للسالكين ومرضاة للباحثين.
ثالثا: شرح ألفية ابن مالك
نسخة مخطوطة في مجلد مودع بدار الكتب المصرية ومكتبة الأزهر تحت رقم ٣٢٣-١٥٠ تيمور -٣٢٣٨.
وفي المقدمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم. فهذا توضيح لمقاصد ألفية ابن مالك ﵀ يجلو معانيها على طلابها ويظهر محاسنها لخطابها، سألنيه بعض حفاظها المعتنين لاستنباط بعض فوائدها من ألفاظها إلخ".
تمعنت هذا الشرح فظهرت فضائله وبرزت محاسنه، فإذا قرأه قارئ أحس بالارتياح والاطمئان وخرج منه بنتائج باهرة وآراء صائبة.
فقد ظهرت شخصية ابن أم قاسم واضحة جلية دلت على قوة قدرته وحصافة رأيه وتجلت فيه مواهبه العظيمة وأفكاره وآراؤه السديدة.
[ ١ / ٩٧ ]
ولا شك أنه شرح أوفى على الغاية، وبلغ النهاية. فقد عمل على استكمال ما فات، وانسجام في ترتيب المعلومات، ومن تنسيق في ضم القواعد المتصلة بعضها ببعض.
ويمتاز بالدقة والإتقان والسهولة، فلا يحتاج إلى جهد وعناء، مع إيضاحه وبسطه لآراء النحاة ومذاهبهم.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا الشرح أرشد المؤلفين من بعده، ووضع منهاجا لهم ونسقا يسيرون عليه فإن عنايته كانت متجهة إلى إيضاح ألفية ابن مالك وتبيان مقصودها.
والحق أنه غزير المادة، ومن أوفى الكتب بسطا لمذاهب النحاة وتعليلاتهم على نمط العناية والتفصيل.
ولا غرابة أن يجمع في شرحه ما جمع فأمامه من المؤلفات القيمة الواسعة من كتب السابقين كارتشاف الضرب والتسهيل وشرحه وغير ذلك.
مضيفا إليها ما حوته قريحته وجاد به تفكيره.
فكان هذا الشرح مددا لمن بعده من شراح الألفية، ومصدرا وثيقا لدى النحويين، وقد استمد منه المؤلفون، يعولون على آرائه ويعتمدون على أفكاره وقد ظهر هذا واضحا في الناقلين عنه.
وإذا درسنا شرح الألفية للأشموني وجدناه قد تتبع أسلوب ابن أم قاسم في الشرح وذكر التنبيهات، ونقل الكثير عنه، وفي بعض الأحيان يذكر نص الألفاظ، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني بعد قول الناظم:
وقصرها من نقصهن أشهر
قال المرادي في التنبيه الثالث:
وقد أفرده الأشموني في تنبيه أيضا فقال الأشموني ٣٠/ ١ نقلا عن المرادي١: "مذهب سيبويه أن "ذو" بمعنى صاحب وزنها فَعَلَ -بالتحريك-
_________________
(١) ١ راجع التحقيق ص٣١٩، ٣٢٠، ٣٢١ من الرسالة.
[ ١ / ٩٨ ]
ولامها ياء. ومذهب الخليل أن وزنها فَعْل -بالإسكان- ولامها واو، فهي من باب قوة، وأصله ذوو.
وقال ابن كيسان: تحتمل الوزنين جميعا.
و"فوك" وزنه عند الخليل وسيبويه: فَعْل -بفتح الفاء وسكون العين- وأصل فوه لامه هاء.
وذهب الفراء إلى أن وزنه فُعل -بضم الفاء.
وأب وأخ وحم وهن: وزنها عند البصريين فَعَل -بالتحريك- ولاماتها واوات، بدليل تثنيتها بالواو.
وذهب بعضهم إلى أن لام حم ياء من الحماية، لأن أحماء المرأة يحمونها وهو مردود بقولهم في التثنية: حَموَان، وفي إحدى لغاته حمْوٌ.
وذهب الفراء إلى أن وزن أب وأخ وحم فعْل -بالإسكان.
ورد بسماع قصرها، وبجمعها على أفعال.
أما "هن" فاستدل الشارح على أن أصله التحريك بقولهم: هنة وهنوات، وقد استدل بذلك بعض شراح الجزولية.
واعترضه ابن إياز بأن فتحة النون في هنة يحتمل أن تكون لهاء التأنيث، وفي هنوات لكونه مثل جفنات، ففتح لأجل جمعه بالألف والتاء، وإن كانت العين ساكنة في الواحد.
وقد حكى بعضهم في جمعه أهناء، فبه يستدل على أن وزنه فَعَل -بالتحريك". هذا نص كلام المرادي.
مسألة "٢":
في الضمير بعد قول الناظم:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية وليسي قد نظم
قال الأشموني في تنبيه له ٥٥/ ١ نقلا عن المرادي١:
_________________
(١) ١ راجع التحقيق في نون الوقاية.
[ ١ / ٩٩ ]
"ومذهب الجمهور أنها إنما سميت نون الوقاية لأنها تقي الفعلَ الكسرَ.
قال الناظم: بل لأنه تقي الفعل اللبس في "أكرمني" في الأمر، فلولا النون لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكر بأمر المؤنثة، ففعل الأمر أحق بها من غيره، ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر".
مسألة "٣":
في اسم الموصول بعد قول الناظم:
وصفة صريحة صلة أل وكونها بمعرب الأفعال قل
قال الأشموني في تنبيه له ٧٦/ ١ نقلا عن تنبيه أيضا للمرادي١:
"تنبيه شذ وصل "أل" بالجملة الاسمية كقوله:
من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد
وبالظروف، كقوله:
من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشة ذات سعه
مسألة "٤":
في اسم الموصول بعد قول الناظم:
في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
قال الأشموني في التنبيه الثاني ٨٠/ ١ نقال عن المرادي من التنبيهين الرابع والخامس٢:
"إذا حذف العائد المنصوب بشرطه ففي توكيده والعطف عليه خلاف: أجازه الأخفش والكسائي، ومنعه ابن السراج وأكثر المغاربة.
_________________
(١) ١ ص٤٤٦، ٤٤٧. ٢ ص٤٥٦.
[ ١ / ١٠٠ ]
واتفقوا على مجيء الحال منه إذا كانت متأخرة عنه نحو: هذه التي عانقت مجردة، أي: عانقتها مجردة، فإن كانت الحال متقدمة -نحو هذه مجردة عانقت- فأجازها ثعلب ومنعها هشام".
مسألة "٥":
في المعرف بأداة التعريف بعد قول الناظم:
كالفضل والحارث والنعمان
قال الأشموني في تنبيه له ٨٦/ ١ نقلا عن المرادي في تنبيه له أيضا١:
"تنبيه: في تمثيله بالنعمان نظر؛ لأنه مثل به في شرح التسهيل لما قارنت الأداة فيه نقله، وعلى هذا فالأداة فيه لازمة، والتي للمح الأصل ليست لازمة".
مسألة "٦":
في كان وأخواتها بعد قول الناظم:
وكل سبقه دام حظر
قال الأشموني ١١٣/ ١ نقلا عن المرادي٢:
"وفي دعوى الإجماع على منعها نظر، لأن المنع معلل بعلتين:
إحداهما: عدم تصرفها، وهذا بعد تسليمه لا ينهض مانعا باتفاق، بدليل اختلافهم في ليس مع الإجماع على عدم تصرفها.
والأخرى أن "ما" موصول حرفي ولا يفصل بينه وبين صلته، وهذا أيضا مختلف فيه، وقد أجاز كثير الفصل بين الموصول الحرفي وصلته، إذا كان غير عامل كما المصدرية".
_________________
(١) ١ راجع التحقيق ص٤٦٧. ٢ ص٤٩٦.
[ ١ / ١٠١ ]
مسألة "٧":
في الفاعل بعد قول الناظم:
وشذ نحو زان نوره الشجر
قال الأشموني ٧٨١/ ١ نقلا عن المرادي١:
"قال الناظم: والنحويون -إلا أبا الفتح- يحكمون بمنع هذا، والصحيح جوازه، واستدل على ذلك بالسماع وأنشد على ذلك أبياتا، وذكر الأشموني أبياتا، وذلك لجوازه وجها من القياس، وممن أجاز ذلك قبله وقبل أبي الفتح من البصريين والطوال من الكوفيين.
وتأول المانعون بعض هذه الأبيات بما هو خلاف ظاهرها.
وقد أجاز بعض النحاة ذلك في الشعر دون النثر، وهو الحق والإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر".
مسألة "٨":
في النائب عن الفاعل بعد قول الناظم:
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد
قال الأشموني في تنبيه له ١٨٤/ ١ نقلا عن المرادي٢:
"إذا فقد المفعول به جازت نيابة كل واحد من هذه الأشياء قيل: ولا أولوية لواحد منها، وقيل: المصدر أولى، وقيل: المجرور، وقال أبو حيان: ظرف مكان".
مسألة "٩":
في المفعول به بعد قول الناظم:
والعكس في مصحوب أل
_________________
(١) ١ ص٥٩٧. ٢ راجع التحقيق ص٦٠٧.
[ ١ / ١٠٢ ]
قال الأشموني في خاتمة له ٢١٧/ ١ نقلا عن المرادي في تنبيه له١.
"إذا دخلت "أل" على المفعول له أو أضيف إلى معرفة تعرف بأل أو بالإضافة، خلافا للرياشي والجرمي والمبرد في قولهم: إنه لا يكون إلا نكرة، وإن "أل" فيه زائدة، وإضافته غير محضة".
وقد أحسن ابن أم قاسم في أن نسب الآراء إلى أصحابها المتقدمين، وهو كثير لا يقع تحت حصر. وكان موقفه من ابن مالك موقف الناقد البصير. يناقشه فيما يستحق المناقشة ويؤيده فيما يستحق التأييد.
وذلك لما له من سعة اطلاع مكنه من معرفة آراء السابقين والحكم عليها بعد الموازنة بينها، وقد كثر استشهاده في هذا الشرح بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأشعار العرب وأمثالهم.
وهكذا كان ابن أم قاسم في مادته العلمية بحرا فياضا بذل جهده وكرس حياته من أجل إيجاد قطوف دانية يتناولها القاصي والداني.
رابعا: شرح باب وقف حمزة وهشام على الهمز من الشاطبية للقاسم ابن فيره بن خلف:
نسخة في مجلد بقلم نسخ بخط أحمد بن يوسف السمنودي الشاذلي الأحمدي. فرغ منه في ذي الحجة سنة ١٢٢٨هـ مجدولة بالمداد الأحمر في ٥٣ ورقة ومسطرتها٢١. مودعة بدار الكتب المصرية قسم المخطوطات تحت رقم ٤٢.
نبذة عن الكتاب:
بدأ المرادي كتابه بتعريف الوقف لغة واصطلاحا، ثم قسم الوقف إلى أربعة أقسام: اختياري واضطراري واختباري وتعريفي، وقال: لا فرق بين أن يكون الوقف على الهمز في هذا الباب اختياريا أو غيره.
وقال فيه: بدأ الناظم بحمزة أولا في قوله:
وحمزة عند الوقف سهل همزه إذا كان وسطا أو تطرف منزلا
_________________
(١) ١ راجع التحقيق ص٦٥٦.
[ ١ / ١٠٣ ]
لأنه أقعد الباب ثم أردفه هشاما.
ونرى المرادي أتى بأبيات من الشاطبية ثم شرحها شرحا مفصلا معتمدا فيه على آراء القراء ساردا كل رأي في حرية وطلاقة.
ففي البيت الأول -بعد أن عرض كلام الناظم بأسلوب يتفق والبيت- وفي آخره قال: هذا نقل الناظم ثم قال: وروى الضبي عن سليم تخفيف الهمز الواقع أول الكلمة مطلقا، ونقل الحافظ أبو العلاء عن حمزة تخفيفه مطلقا إذا تقدمه حرف ولو منفصلا. قال أبو الفتح ابن سَبْطا: لأنها باتصالها بما قبلها تصير كالمتوسط. وكان أبو طاهر لا يأخذ فيها إلا التخفيف.
وقد ينسب إلى الناظم وغيره في بعض الأحيان النسيان وعدم الانتباه في رأيه معللا ذلك.
فمثلا بعد قول الناظم: وحمزة عند الوقف إلخ. قال في تنبيه له بعده: "روي عن حمزة أنه قال: إذا كان الوقف على المهموز بغير همز يزيل المعنى فالوقف بالهمز. فمن القراء من انتبه كطاهر بن غلبون ومنهم من لم ينتبه كالداني والناظم، ولذلك أطلق في قوله: وحمزة عند الوقف سهل همزه. وبعد أن ينتهي المرادي من شرح البيت يعربه زيادة في توضيح معناه ولا يغفل عن الأمثلة الكثيرة للاستفادة منها.
وقد يعلل التقديم في كلام الناظم. فمثلا:
فأبدله عنه حرف مد مسكنا ومن قبله تحريكه قد تنزلا
قال المرادي: أبدأ بالهمز الساكن لقلة أحكامه.
وقد يعقب على البيت بفائدة أو تنبيه يعرض فيهما ما يستنتجه من بيت الناظم. فمثلا بعد قول الناظم: فأبدله عنه حرف إلخ، قال في تنبيه له: "وافق الرسم القياس في هذا النوع إلا مع همز الوصل ولم ترسم في ادَّارأتم والرؤيا".
وفي تنبيهاته قد يوضح كلام الناظم بطريقة بلاغية مشوقة للنفس تقريبا للأذهان وتوضيحا للعبارة، فتراه مثلا بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٠٤ ]
ويسمع بعد الكسر والضم همزه لدى فتحه باء وواو محولا
قال: جمع الناظم بين الكسر والضم أولا ثم جمع بين الياء والواو ثانيا فانصرف الأول للأول والثاني للثاني، ويسمى هذا في علم البديع لفا ونشرا وهو ضربان: مرتب كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] ومعكوس كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٧] .
وقد ينوه إلى ذكر بعض الوقائع تمكينا للكلام وتأييدا للكلام وتأييدا للرأي. فمثلا بعد قول الناظم:
ويبدله مهما تطرف مثله ويقصر أو يمضي على المد أطولا
حكى ابن جني في الخصائص أن شخصا ادعى عند الزجاج أنه يجمع بين ألفين وأخذ يطول صوته يقال ويمططه، فقال له الزجاج لو مددتها إلى العصر هي الألف واحدة.
وقد يتعرض لذكر تعريف بعض الأعلام كالأخفش مثلا..
واعتمد المرادي في كتابه هذا على كثير من الأعلام مثل الأخفش وسيبويه وأبي شامة ويونس وغيرهم، وقد يعرض رأيه في بعض الأبيات المشكلة التي اضطرب في شرحها بعض الشراح فقال في قول الناظم:
وما قبله التحريك أو ألف محرْ رَكا طرفا فالبعض بالروم سهلا
ومن لم يرم واعتد محضا سكونه وألحق مفتوحا فقد شذ موغلا
قال المرادي: هذان البيتان من المشكلات وقد اضطرب في شرحهما شارحو القصيدة، وأنا أذكر ما وقفت عليه من كلامهم والله الموفق.
فأقول: اعلم أن البيت من هذين البيتين يحتمل أن يكون من البيت الذي قبله وهكذا عارضا رأي أبي عبد الله الفاسي وسيبويه.
وقد يتعرض لبعض الأمثلة القرآنية في مسائل يوضح فيها الآية، واضعا نصب أعيننا أوجه القراءة حتى يستطيع القارئ فهمها وتدبرها، فمثلا مسألة في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] يجوز فيها نقل حركة الهمزة إلى الياء
[ ١ / ١٠٥ ]
مع الإسكان والروم والإشمام، ويجوز المد والقصر في الياء على وجه الإسكان ووجه الإشمام صارت خمسة أوجه، ويجوز حذف الهمز للرسم فيمد ويقصر ويندرجان، ويجوز الإدغام مع الإسكان والروم والإشمام فالمجموع ثمانية.
ونرى المرادي يعقب على كل مسألة من هذه المسائل بنظم بديع يسهل على الإنسان الفهم والإدراك، وقد تعددت هذه المسائل في آخر الباب وكثرت.
وقال عقيب المسألة المتقدمة:
يضيء قياسه نقل بروم وإسكان وإشمام وحذف
ومع نقل بلا روم وحذف يمد وقصره إن شئت فاقف
وأدغم ثم أسكن أو فأشمم ورم أيضا فخذ نظما يخف
ومجموع الأبيات المشروحة من الشاطبية هو ١٧ سبعة عشر بيتا.
شرح المرادي كل بيت عارضا رأي القراء والنحاة، فسار على هدي الهداة ونهج الناهجين حتى لا يفلت الزمام من يده، فاستنار بآرائهم.
ثم أعقب الكلام كله بمسائل متفرقة ومتنوعة جمع فيها آراء القراء والنحاة وأعقبها بشيء جميل تحرص عليه النفس ولا تنساه، وهو نظم لطيف يمكن القارئ من الاستفادة المثمرة.
خامسا: شرح المقصد الجليل في علم الخليل
هو شرح للمقصد الجليل في علم الخليل الذي نظمه جلال الدين أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب المالكي النحوي المتوفى عام ٦٤٦هـ، وتسمى مقدمة ابن الحاجب في علم العروض وتحتوي على ثلاثين ورقة. ضمن مجموعة مخطوطة. مودع بدار الكتب المصرية تحت رقم ٧٣ مجاميع. وأول هذه القصيدة:
الحمد لله ذي العرش المجيد على إلباسه من لباس فضله حللا
ثم على المصطفى الهادي صلاة فتى يرجو لها سكن الفردوس مبتهلا
وبعد إن عروض الشعر قد صعبت نثرا فخذ نظمها تجده قد سهلا
[ ١ / ١٠٦ ]
نبذة عن شرح المقصد الجليل:
نرى المرادي في شرح هذه القصيدة أوجز فيها العبارة واكتفى بالإشارة، وهو مع ذلك كافل لفتح مغلقها وإيضاح مشكلها واف بشرح مقاصدها ومذيل بفوائد لفوائدها، وقد عرف أولا العروض في اللغة وذكر اشتقاقه ثم تعرض لموضوعه وفائدته وبين الزحاف والعلل، وأوضح الكلام في إيجاز مفيد على ضوء القصيدة مستنيرا بها.
ثم تعرض للبحور ولماذا سميت بحورا؟
ثم تكلم عن الدوائر العروضية فقال: إن جميع البحور الخمسة عشر أو الستة عشر منحصرة في خمس دوائر وهي: دائرة المختلف، ودائرة المؤتلف، ودائرة المجتلب، ودائرة المشتبه، ودائرة المتفق، وهكذا. ثم رسم صورة لكل دائرة وضع على محيطها الحركات والسكنات حتى يسهل للقارئ معرفتها وعرف كل قسم من أقسام الشعر الثلاثة وضرب له الأمثلة.
وبعد ذكر الزحاف والعلل عرف كل نوع على حدة وما يتعلق به ذاكرا الخلاف الذي وقع بين الخليل وغيره، ولا أرى المرادي ذكر رأيا له في هذا الباب، بل كان كل عمله هو الشرح والتوضيح في كلام موجز مقتضب مفيد. وابن الحاجب يذكر البحر ثم أعاريضه مفصلا، وما على المرادي إلا أن يفند ويضرب الأمثلة لكل ضرب من الأضراب تقريبا للأذهان، مستدلا بذلك من أشعار العرب، ذاكرا كل بحر وما يعرض له من تغيير، وقد يعلق على بيت من أبيات القصيدة بتنبيه يذكره دون أن يعترض على كل شيء كما حدث في آخر الطويل فقال:
"تنبيه: جرت عادة أكثر أهل العروض عند ذكرهم زحاف كل بحر أن يجمعوا العلل والزحاف من غير تمييز لأحدهما عن الآخر كما فعل الناظم ". ونقل عن الفراء في بحر المقتضب فقال: "والطي فيه أحسن من الخبن وقد منعه بعضهم. وزعم الفراء ومن وافقه أنه لا مراقبة بين الواو والفاء في مفعولات وأنه يجوز خبله فينقل إلى فعلات ".
ثم انتقل بعد ذلك إلى القافية موافقا لترتيب ابن الحاجب، قال المرادي: لما كان الشاعر محتاجا إلى علم القوافي كحاجته إلى علم العروض أكمل قصيده
[ ١ / ١٠٧ ]
بالمتمم. وعرف القافية وسبب تسميتها بذلك، وقال: ذكروا في تعريف القافية عشرة أقوال. سرد هذه الأقوال وأوضحها ولم يعلق على شيء من هذه التعاريف، إلا أنه قال معترضا على التعريفين التاسع والعاشر بقوله: وفي ذكر هذا القول والذي قبله نظر، والله أعلم.
ونراه يعتذر عن الناظم في الاقتضاب ففي البيت:
كوس وركب وتررد فهم ألقابها متفاعلن إذا انتقلا
قال: القوافي خمسة أقسام وألقابها المتكاوس والمتراكب والمتدارك والمتواتر والمترادف ويجمع في "سكرف" ولما لم يمكن الناظم ذكر ألفاظها قال كوس إلخ.
ثم عرف المرادي كل لقب من هذه الألقاب مع ضرب الأمثلة التي تظهر المعنى وتوضحه، وسبب تسمية كل منها.
ثم شرح الأبيات التي تشتمل على الحروف والحركات اللازمة للقافية وهي ستة، معرفا كل قسم وسبب تسميته، ضاربا لذلك الأمثلة.
وأخيرا شرح الأبيات التي تذكر عيوب القافية وهي خمسة، وعرف كل قسم منها، وأيضا لا أرى في هذا الشرح سوى التوضيح الموجز لهذه القصيدة، فما هو إلا تبيين لها وليس له رأي في ذلك بل عرض رأي الخليل والمخالفين له.
وقد اعتمد في النقل على بعضهم كالفراء وابن قطاع والأخفش وغيرهم.
سادسا: شرح المفيد على عمدة المجيد في علم التجويد للإمام السخاوي
نسخة في مجلد صغير الحجم. مودع بدار الكتب المصرية قسم المخطوطات تحت رقم ٤٦٢ تيمور وأول متن عمدة المفيد للسخاوي "نونية":
يا من يروم تلاوة القرآن ويرود شأو أئمة الإتقان
لا تحسب التجويد مدا مفرطا أو مد لا مد فيه لوان
أو أن تشدد بعد مد همزة أو أن تلوك الحرف كالسكران
[ ١ / ١٠٨ ]
وآخره:
فانظر إليها وامقا متدبرا فيها فقد فاقت بحسن معان
واعلم بأنك جائر في ظلمها إن قستها بقصيدة الخاقاني
نبذة عن شرح المفيد:
أوله: الحمد لله الذي شرفنا بحفظ كتابه ثم قال: ولما كانت نونية الإمام العالم أبي الحسن عليّ بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المقرئ النحوي، المسماة عمدة المجيد في النظم والتجويد من المقاصد النافعة تكرر عليَّ سؤال بعض المشتغلين أن أشرحها شرحا يعين على فهمها وينوه على ما اشتملت عليه مع صغر حجمها من بديع محاسنها وغزير علمها فأجبته إلى ذلك
واشتمل هذا الشرح على مقدمة تحوي خمسة فصول:
الأول: في تعريف علم التجويد، ثم بين أن تجويد القرآن يعتمد على أربعة أمور.
شرح ذلك معتمدا على أبي عمرو الداني.
الثاني: في مخارج الحروف، وقال: إن حروف العربية تسعة وعشرون حرفا وجملة مخارجها عند سيبويه ﵀ وأكثر المحققين ستة عشر مخرجا. ثم شرحها يبين المعنى موضحا للطالب ما يريد، معتمدا في ذلك على سيبويه، ومستدلا بأمير المؤمنين عمر. قال: "وكان عمر بن الخطاب ﵁ يخرج الضاد من الجانبين وأدنى حافته إلى طرفه ومحاذي ذلك من الحنك الأعلى".
وقال سيبويه في اللام: "فوق الضاحك والناب والرباعية والثنية وذلك أن مخرج اللام أقرب إلى مقدم الفم من مخرج الصاد".
الثالث: في بيان ما يعرف به مخرج الحروف وذكر الفروع، وقال: إن لهذه الحروف فروعا تستحسن وفروعا تستقبح، وقد بلغت الحروف بفروعها خمسين حرفا، معتمدا في شرح هذا على رأي سيبويه والأخفش وابن خروف وابن عصفور، فقال: "وقال ابن عصفور: الذي يبين لك أن النون المخفية ليس لها نصيب من الفم أنك لو أمسكت بأنفك حين النطق بها لأخل ذلك بها ".
[ ١ / ١٠٩ ]
الرابع: في صفات الحروف. وقسم هذه الصفات، معتمدا في شرحها على الكوفيين ومكيّ وشريح والمبرد. قال: "وذهب الكوفيون وتبعهم مكيّ رحمه الله تعالى إلى أن الراء تنحرف كاللام والتكرار صفة الراء لارتعاد طرف اللسان عند النطق بها ".
الخامس: في انقسام هذه الصفات إلى مميز ومحسن وذي قوة وذي ضعف، معتمدا في ذلك على الرماني والمازني. قال: "قال المازني رحمه الله تعالى: الذي فصل بين الحروف الذي ائتلف منها الكلام سبعة أشياء ".
وبعد أن أنهى المقدمة شرع في شرح أبيات متن عمدة المجيد مبينا الغرض من هذه الأبيات وكل ما يتعلق بها، ثم سرد روايات منها: "روي عن أبي بكر بن عياش رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إمامنا يهمز مؤصدة فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته يهمزها" وقد يوضح كلام الناظم بالاستشهاد. فقال فبعد قوله:
وامدد حروف المد عند مسكن أو همزة حسنا أخا إحسان
قال: والمد الطبيعي كالمد في الرحمن الرحيم. وروى البخاري قال: سئل أنس بن مالك ﵁: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ فقال: كان يمد مدا. ثم قرأ بسم الله الرحم الرحيم أخذ يشرح الآيات متعرضا للقراءات السبع وقال: إنهم متفاوتون في مقدار المد فأطولهم مدا ورش وحمزة ثم عاصم ثم ابن عامر والكسائي ثم قالون وابن كثير وأبو عمرو، ضاربا لذلك الأمثلة.
فسار المرادي في طريق المتن شارحا حروف العربية وما يترتب عليها من قراءات واستعمالات، وكان عقيب شرح كل بيت يقول: والله أعلم.
وقد يتعرض لكثير من الخلافات في المسائل ليتحقق القارئ من معرفة ما وصل إليه كل مذهب من هذه المذاهب وموقف الناظم من ذلك. فبعد قوله:
لكن مع البا مع إبانتها وفي إخفائها راياتُ مختلفاتُ
قال المرادي: "أجمع القراء إلا من شذ على أن الميم الساكنة لا تدغم في الباء ثم اختلفوا هل تظهر أو تخفى على ثلاثة أقوال: أحدها أنها تظهر ولا تخفى وإليه ذهب كثير من المحققين منهم طاهر بن غلبون وابن المنادى والإمام شريح وبه جزم مكيّ.
[ ١ / ١١٠ ]
والثاني أنها تخفى وإليه ذهب قوم منهم أبو الحسن الأنطاكي وأبو الفضل الخزاعي. والثالث التخيير في إظهارها وإخفائها ونسبه بعضهم إلى ابن مجاهد. وليس في كلام الناظم ترجيح "، وهكذا نراه يعارض الخلافات المطولة ليستفيد القارئ، وقد يتساءل المرادي ويجيب تعليقا على كلام الناظم بعد قوله:
رتل ولا تسرف وأتقن واجتنب
قال متسائلا:
فإن قلت: فلم اقتصر الناظم على الترتيل؟
قلت: لأنه أفضل أنواع القراءة قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وروى مالك عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان النبي ﷺ يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.
وأخيرا قال المرادي: والغرض من هذه الأبيات التنبيه على ما تحلت به هذه القصيدة من نظم بديع ومعنى رفيع، فلذلك قال: فاقت بحسن معان، وأنفت أن تقاس بقصيدة الخاقاني ثم قال: فهذا ما يسره الله ﷿ على هذه القصيدة على سبيل الاختصار، وهو بحمد الله وإن صغر حجما فقد كفى وملئ علما.
سابعا: رسالة ابن أم قاسم في الجمل التي لا محل لها من الإعراب
مذكرة صغيرة ضمن مجموعة، وهي تشتمل على ١٣ ثلاث عشر صفحة مخطوطة، مودعة بمكتبة الأزهر تحت رقم ١٧٩٠.
ومكتوب عليها: دخلت في نوبة الفقير أحمد السبرطلي سنة ١٢٦٨هـ. هذه رسالة في الجمل لابن أم قاسم في النحو. نفع الله بها آمين. ومكتوب دعاء لابن مسعود ﵁ أوله:
قال ابن مسعود ﵁:
ما من عبد يدعو الله في يوم عرفة إلخ، وقد قصت الورقة فلم يتمم الكلام الجانبي.
وأول هذه المخطوطة: بسم الله الرحمن الرحيم.
[ ١ / ١١١ ]
سألت وفقك الله عن بيان الجمل التي لا يكون لها محل من الإعراب بين فيها ابن أم قاسم أن أصل الجملة ألا يكون لها محل من الإعراب؛ لأن أصلها أن تكون مستقلة لا تتعدد بمفرد، ولا تقع موقعه، وما كان من الجمل له محل من الإعراب فإنما ذلك، لوقوعه موقع المفرد وسد مسده، فتصير الجملة الواقعة موقع المفرد جزءا لما قبلها، فنحكم على موضعها بما يستحقه المفرد الواقع في ذلك.
ونراه قد ذكر أولا: الجمل التي لها محل من الإعراب بأنها سبع:
١- الخبرية.
٢- والحالية.
٣- والمحكية بالقول.
٤- والمضاف إليها.
٥- والمعلق عنها العامل.
٦- والتابعة لما هو معرب أو له محل من الإعراب.
٧- والواقعة جواب أداة شرط جازمة مصدرة بالفاء أو إذا أو قد.
ثم تناول هذه الجملة، وتكلم عليها بإيجاز غير مخل، عارضا رأي النحاة، ضاربا لذلك الأمثلة من القرآن الكريم وأشعار العرب.
وكثيرا ما يقف في بعض الأماكن لإزالة الغموض وكشف ما أبهم، ليتسنى للقارئ الفهم والمعرفة على ضوء بسط المسائل وعرضها.
فوقف عند الجملة الواقعة بعد "مذ ومنذ" فقال السيرافي: في موضع نصب على الحال. والجمهور: أنه لا موضع لها من الإعراب.
وبعد أن أنهى الكلام على هذا القسم وما احتواه من معان وآراء وخلافات، دخل في القسم الثاني: وهو الجمل التي لا موضع لها من الإعراب.
فقال: هي تسع:
١- الابتدائية.
٢- والاعتراضية.
٣- والصلة.
٤- والتفسيرية.
٥- وجواب القسم.
٦- والواقعة بين أدوات التحضيض.
٧- والواقعة بعد أدوات التعليق غير العاملة.
٨- والواقعة جوابا لها.
٩- والتابعة لما لا موضع له.
وقد جمع هذا القسم والذي قبله في أبيات شعرية يسهل على القارئ حفظها ثم بسطها مع إيجاز يستطيع المريد أن يستنبط هذه الأحكام في صورة مجملة موجزة يسهل عليه استيعابها.
[ ١ / ١١٢ ]
ولا ريب في أن ابن أم قاسم كعادته، يعتمد على كثير من آراء نحاة العرب، ليستشف ما صلح منها، ولينهل من معينها.
فنراه في الابتدائية في "حتى" عرض خلافا دار بين النحاة. فقال:
فالجملة بعدها لا موضع لها من الإعراب، وذهب الزجاج وابن درستويه إلى أن الجملة بعد "حتى" في موضع جر بحتى وذلك خلاف الجمهور.
وفي الجملة التفسيرية اعتمد على رأي أبي عليّ. فقال: والمشهور أنه لا موضع للجملة المفسرة من الإعراب، وقال الأستاذ أبو عليّ: والتحقيق أنها على حسب ما يفسر.
وإن هذه الرسالة مع إيجازها واختصارها قد أفادت المراد وفتحت الطريق أمام الباحث كي يستنير بها ويهتدي بهديها.
وكانت نبراسا لابن هشام في كتابه مغني اللبيب، حيث استفاد منها طريقة التقسيم والتنظيم، غير أنه جعل القسم الثاني في العدد كالأول.
وقد قال ابن أم قاسم في آخرها:
وقد تم الكلام على الجمل التي لا محل لها من الإعراب على سبيل الاختصار دون الإكثار.
وفاته:
لما كان تقيا ورعا وليا من أولياء الله أحسن الله له الخاتمة، فتوفي في يوم مبارك ميمون وهو عيد الفطر المبارك سنة ٧٤٩هـ تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة١، وقيل: سنة ٧٥٥هـ.
"وذكر أن وفاته يوم عيد الفطر سنة ٧٤٩هـ، وقد رأيت بخطي ولا أدري من أين نقلته: وكانت وفاته سنة ٧٥٥هـ والله أعلم". ا. هـ٢. ودفن بسرياقوس٣.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة للسيوطي ص٢٢٦، حسن المحاضرة ص٢٣٠، طبقات القراء ج١ ص٢٢٧، وعصر سلاطين المماليك للأستاذ محمود رزق ج٤ ص١١٧، روضات الجنات ص٢٢٥. ٢ الدرر الكامنة لابن حجر تحقيق الشيخ محمد سيد جاد الحق ج٢ ص١١٦، رقم ١٥٤٦. ٣ طبقات القراء لابن الجزري ج١ ص٢٢٧ رقم ١٠٣٨.
[ ١ / ١١٣ ]
وتوجهت إلى سرياقوس بحثا عن قبره فلم أعثر عليه، فلعله اندثر بين المقابر.
نبذة عن سرياقوس:
سرياقوس التي دفن بها المرادي المعروف بابن أم قاسم "هي قرية من قسم الخانقاه محافظة القليوبية موضوعة على الشاطئ الشرقي لترعة الإسماعيلية وفي غربي الخليج المصري بنحو مائتي متر، وفي غربي الخانقاه مائلة إلى الجنوب بنحو ثلاثة آلاف متر وخمسمائة وفي جنوب كفر حمزة كذلك، وأغلب أبنيتها بالآجر، ولها جامع بمنارة، وفيها من الجهة البحرية دوار أوسية للخديوي إسماعيل باشا، وفي مقابلتها قنطرة على الترعة الإسماعيلية، ويزرع في أراضيها صنف البصل والتنباك بكثرة، وكذا قصب السكر وله فيها عصارات، والعسل السرياقوسي مشهور في مصر بالجودة وهي من البلاد القديمة والسلطان محمد بن قلاون كان يتردد إلى سرياقوس كثيرا، وأنشأ في شرقيها ميدانا بالقرب من الخانقاه. وكان إنشاؤه سنة ٧٢٣هـ ثلاث وعشرين وسبعمائة، وبنى فيه قصورا جليلة ". ا. هـ١.
وفي رحلتي إليها وجدتها كما وصفها المؤرخون.
عام الوفاة: رأيت أن أذكر شيئا عن العام الذي توفي فيه ابن أم قاسم حيث إنه ملئ بالنكبات والأمراض. "في عام تسع وأربعين وسبعمائة". الفناء وقع بالديار المصرية وعم سائر البلاد، فكان يخرج من القاهرة في كل يوم ما ينوف عن عشرين ألف جنازة، وقد ضبط في شهر شعبان ورمضان فبلغ عدد من مات فيهما من الناس نحو تسعمائة ألف إنسان، ولم يسمع بمثل هذا الطاعون فيما تقدم من الطواعين المشهورة في صدر الإسلام.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: إن الطواعين المشهورة في مبتدأ الإسلام خمسة: "وهي طاعون شيرويه، وطاعون عمواس كان في زمن عمر بن الخطاب وطاعون الجارف وقع في زمن عبد الله بن الزبير وطاعون الفتيات كان بالبصرة وواسط وطاعون جاء في سنة إحدى وثلاثين ومائة من الهجرة يسمى طاعون قتيبة ".
_________________
(١) ١ الخطط التوفيقية ج١٢ ص٢٠.
[ ١ / ١١٤ ]
فلم يسمع بطاعون هذه السنة؛ لأنه عم البلاد قاطبة، ومات فيه من الناس ما لا يحصى عددهم من مسلم وكافر، وأقام دائرا في البلاد نحو سبع سنين حتى عزت جميع البضائع لقلة الجالب في البلاد، وبلغ ثمن الراوية من الماء اثني عشر درهما بالقاهرة.
وسبب ذلك موت الجمال، وبلغ طحن الأردب القمح خمسة عشر درهما، ولم يزرع من أراضي مصر في تلك السنة إلا القليل بسبب موت الفلاحين وعدم من يزرع، فوقع الغلاء حتى بيعت كل ويبة قمح بمائتي درهم، وكادت مصر أن تخرب في تلك السنة، ووقع الطعن أيضا في القطط والكلاب والوحوش.
وفي تاريخ مصر لابن إياس ج١ ص١٩١: "نقل ابن حجر في كتاب بذل الماعون في أخبار الطاعون. قيل: لما زاد أمر الطاعون بالديار المصرية أمر بعض العلماء بأن الناس يخرجون قاطبة إلى الدعاء برفعه فخرج الناس قاطبة إلى الصحراء، وفعلوا كما يفعلون في الاستسقاء، فلم يفد ذلك شيئا، بل زاد أمر الطاعون حتى عم سائر البلاد، ودخل مكة، ولم يعهد هذا قط سوى هذه السنة". ا. هـ١. ومع انتشار هذا الداء الوبيل لم يثبت مؤرخ من المؤرخين أن ابن أم قاسم المرادي مات بسبب هذا الطاعون.
مع أن كثيرا من علماء وقته ابتلوا بهذا البلاء أمثال الشيخ شمس الدين اللبان شيخ المرادي، والشيخ أحمد بن مكتوم النحوي، وأبي عبد الله بن الصائغ، وغيرهم. وأقول: إن هذا الأمر يضاف إلى كرامات ابن أم قاسم التقيّ الوليّ.
"﵀ رحمة واسعة".
_________________
(١) ١ الخطط التوفيقية لعليّ مبارك، الخطط المقريزية للمقريزي، تاريخ مصر لابن إياس.
[ ١ / ١١٥ ]
الفصل الرابع:
الناقلون عن المرادي المعروف بابن أم قاسم:
الأول: ما استفاده ابن هشام في كتابه مغني اللبيب الجزء الأول منه من كتاب الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم:
الكتاب:
هو كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. الذي طارت شهرته إلى المغرب.
يقول ابن خلدون: "وصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها إلى أن قال: فأتى من ذلك بشيء عجيب دال على قوة ملكته والله يزيد في الخلق ما يشاء".
أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: حمدا لله على أفضاله، والصلاة والسلام على محمد وآله. وعليه شروح.
ما استفاده ابن هشام في كتابه من الجنى الداني:
لقد استفاد ابن هشام في الجزء الأول من كتابه مغني اللبيب من الجنى الداني في حروف المعاني لابن أم قاسم، فاتبع النهج والطريق من حيث التنظيم والتقسيم وبيان معاني الحروف الذي اتبعه ابن أم قاسم في الجنى الداني وسار عليه.
وقد ينقل اللفظ في بعض الأحيان أو المعنى.
وسأقتصر على بعض المواضع في الموازنة بين الكتابين وذلك على سبيل المثال.
١- "قد". قال في الجنى الداني ص٥٨:
"الأول: أن تكون بمعنى حسب. تقول: قدني بمعنى حسبي، والياء متصلة بها مجرورة الوضع بالإضافة، ويجوز فيها إثبات نون الوقاية وحذفها، والياء في الحالين في موضع جر. هذا مذهب سيبويه وأكثر النحويين.
الثاني: أن يكون اسم فعل بمعنى كفى ويلزمها نون الوقاية مع ياء المتكلم
[ ١ / ١١٩ ]
كما تلزم مع سائر أسماء الأفعال، والياء متصلة بها في موضع نصب، وهذا القسم نقله الكوفيون عن العرب.
وقول الشاعر:
قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخبيبين قَدِي
يحتمل قول: قدني وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى حسب، والياء في موضع الجر.
والثاني: أن يكون اسم فعل والياء في موضع نصب، وقوله في آخر البيت: "قدي" يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون بمعنى حسبي، ولم يأت بنون الوقاية على أحد الوجهين.
ثانيها: أن يكون اسم فعل وحذف النون ضرورة.
وثالثها: أن تكون اسم فعل والياء للإطلاق وليست ضميرا". ا. هـ.
وقال ابن هشام في مغني اللبيب ص١٤٦:
""قد" على وجهين: حرفية وستأتي، واسمية، وهي على وجهين: اسم فعل وسيأتي واسم مرادف لحسب، وهذه تستعمل على وجهين:
مبنية، وهو الغالب؛ لشبهها بقد الحرفية في لفظها ولكثير من الحروف في وضعها، ويقال في هذه: "قد زيد درهم" بالسكون، وقدني بالنون حرصا على بقاء السكون؛ لأنه الأصل فيما يبنون.
ومعربة، وهو قليل. يقال: "قد زيد درهم" بالرفع كما يقال حسبه درهم بالرفع "وقدي درهم" بغير نون. كما يقال حسبي.
والمستعملة اسم فعل مرادفة ليكفي "قد زيدا درهم وقدني درهم" كما يقال: "يكفي زيدا درهم ويكفيني درهم"، وقوله:
قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخبيبين قَدِي
تحتمل قد الأولى أن تكون مرادفة لحسب على لغة البناء، وأن تكون اسم فعل.
[ ١ / ١٢٠ ]
وأما الثانية: فتحتمل الأول، وهو واضح.
"والثاني: على أن النون حذفت للضرورة كقوله: إذ ذهب القوم الكرام ليسي. ويحتمل أنها اسم فعل لم يذكر مفعوله فالياء للإطلاق والكسرة للساكنين". ا. هـ.
٢- "وا" قال في الجنى الداني ص٧٨:
"وا: حرف نداء يختص بياء الندبة فلا ينادى به إلا المندوب نحو "وا زيداه".
والندبة: هي نداء المتفجع عليه والمتوجع منه، وذهب بعض النحويين إلى أن "وا" يجوز أن ينادى بها غير المندوب، فيقال: "وا زيد أقبل"، ومذهب سيبويه وجمهور النحويين ما سبق. واختلف في "وا" فقيل:
"وا" قسم آخر، وهو أن يكون اسم فعل بمعنى التعجب والاستحسان كقول الشاعر:
وا بأبي أنت وفوك الأشنب
". ا. هـ.
وقال في مغني اللبيب ج٢ ص٣٨:
"وا على وجهين: أحدهما أن تكون حرف نداء مختصا بباب الندبة نحو "وا زيداه" وأجاز بعضهم استعماله في النداء الحقيقي.
والثاني: أن تكون اسما لأعجب كقوله:
وا بأبي أنت وفوك الأشنب كأنما ذر عليه الزرنب
". ا. هـ.
٣- بجل. قال في الجنى الداني ص٩٤:
"بجل: لفظ مشترك يكون اسما وفعلا. فأما "بجل" الحرفية فحرف جواب بمعنى نعم، ويكون في الخبر والطلب.
وأما "بجل" الاسمية فلها قسمان. أحدهما: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي فتلحقها نون الوقاية مع ياء المتكلم فيقال: "بجلني".
والثاني: أن يكون اسما بمعنى "حسب" فتكون الباء متصلة بها مجرورة الموضع ولا يلحقها نون الوقاية، وذكروا أنها تلحقها نون الوقاية، والأكثر ألا يلحقها كقول طرفة:
[ ١ / ١٢١ ]
ألا بجلي من ذا الشراب ألا بجلي
". ا. هـ.
وقال في مغني اللبيب ص١٠٣:
"بجل: على وجهين: حرف بمعنى نعم، واسم وهي على وجهين: اسم فعل بمعنى يكفي اسم مرادف لحسب، ويقال: على الأول "بجلني" وهو نادر وعلى الثاني "بجلي" قال:
ألا بجلي من ذا الشراب ألا بجلي
". ا. هـ.
٤- لات. قال في الجنى الداني ص١١٠٩:
"لات: حرف نفي أصله "لا" ثم زيدت عليها التاء كما في ثمت وربت. هذا مذهب الجمهور". ا. هـ.
٥- إلا بالكسر والتشديد. قال في الجنى الداني ص١١٨:
"القسم الثاني: التي بمعنى غير. اعلم أن أصل "إلا" أن تكون استثناء، وأصل "غير" أن تكون صفة، وقد يحمل "إلا" على "غير" فيوصف بها، كما حملت "غير" على "إلا" فاستثنى بها. فللموصوف بإلا شرطان:
أحدهما: أن يكون جمعا أو شبهه.
والآخر: أن يكون نكرة أو معرفا بأل الجنسية كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] . ا. هـ.
وقال في مغني اللبيب ص٦٧:
"الثاني: أن تكون بمنزلة "غير" فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه، فمثال الجمع المنكر ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فلا يجوز في "إلا" هذه أن تكون للاستثناء من جهة المعنى، إذ التقدير حينئذ: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا". ا. هـ.
[ ١ / ١٢٢ ]
الثاني: ما نقله عبد الرحمن المكودي في كتابه شرح الألفية عن المرادي
التعريف بالمؤلف: هو عبد الرحمن بن عليّ بن صالح أبو زيد المكودي نسبة إلى قبيلة قريبة من فاس، وكان نحويا عالما وإماما بارعا في العلوم ورعا زاهدا، وهو آخر من قرأ كتاب سيبويه بفاس.
ومن مؤلفاته هذا الشرح، وألف شرحا آخر أكبر منه ولم يصل إلى القاهرة حيث أحرقه أعداؤه حسدا، والمتداول بين الطلبة هو الأصغر، وهو نافع للمبتدئين وله شرح على منظومة الإمام ابن مالك في المقصور والممدود، وشرح على الأجرومية، وغير ذلك. توفي سنة إحدى وثمانمائة كما في التوشيح.
الكتاب:
وأول هذا الشرح: والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.
أما بعد: فهذا شرح مختصر على ألفية ابن مالك مهذب المقاصد واضح المسالك، تفهم به ألفاظها، ويحظى بمعانيها حفاظها معرب عن إعراب أبياتها ومقرب لما شرد من عباراتها.
وهو كتاب مطبوع بالمطبعة العامرة البهية وذلك في جمادى الآخرة سنة ١٣٢٠هـ.
ومودع بمكتبة الأزهر تحت رقم ٢٠٠٦، ٢٣٠، ٨٠٧، ٣٧٣.
ما نقله الشيخ عبد الرحمن المكودي في كتابه شرح الألفية:
بعد اطلاعي على هذا الكتاب وجدته نقل كثيرا عن المرادي المعروف بابن أم قاسم معتمدا عليه في كثير من الأحيان.
فنراه نقل عنه في أبواب: الكلام، أفعال المقاربة، التنازع -في موضعين- الاستثناء -في موضعين- حروف الجر، الإضافة -في موضعين- عطف النسق، البدل، الندبة، الترخيم، ما لا ينصرف -في موضعين- جمع التكسير.
وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال:
[ ١ / ١٢٣ ]
١- في الاستثناء بعد قول الناظم:
وإن تكرر لا لتوكيد فمع تفريغ التأثير بالعامل دع
في واحد مما بإلا استثني وليس عن نصب سواه مغني
قال الشيخ المكودي في شرحه معلقا على "وليس عن نصب سواه مغني": يعني أن ما سوى المستثنى الذي تلغى إلا معه ينصب ونصبه بالعامل الذي هو "إلا" وعلى هذا الوجه جعل المرادي العامل. وحمله ابن عقيل على أنه العامل الذي قبل إلا وجعل دع بمعنى اجعل. ا. هـ.
وما ذكره المرادي أصوب لثلاثة أوجه:
الأول: أن في التنبيه على أن "إلا" هي العامل في المستثنى وهو الموافق لتصريح الناظم به في غير هذا النظم.
الثاني: أن دع بمعنى اجعل غير معهود في اللغة وإنما يكون دع بمعنى اترك.
الثالث: أن ما قبل إلا في التفريغ قد يكون غير عامل نحو ما في الدار إلا زيد. ص٧١.
٢- في باب حروف الجر بعد قول الناظم:
وقد يجر بسوى رب لدى حذف وبعضه يرى مطردا
قال الشيخ المكودي في معنى "وبعضه يرى مطردا": وذلك في لفظ "الله" في القسم نحو والله ولأفعلن. وبعد "كم" الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر نحو "بكم درهم" أي بكم من درهم.
وذكر المرادي في هذا الفصل مواضع غير هذين لم تشتهر. ص٨٤.
٣- في باب الإضافة بعد قول الناظم:
وألزموا إضافة لدن فجر
قال المكودي: " وفهم من قوله "فجر" أنه لا تضاف إلا للمفرد. وجعل المرادي قوله: "فجر" شاملا للجر في اللفظ والمحل لتندرج الجملة، وجعل من إضافتها إلى الجملة قوله: "لدن شب حتى شاب سود الذوائب".
[ ١ / ١٢٤ ]
وأجاز المرادي أيضا أن يضاف إلى الجملة الاسمية كقوله: "لدن أنت يافع". ص٨٩.
٤- في باب النعت بعد قول الناظم:
واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها أو بعضها اقطع معلنا
قال المكودي: "وفهم من قوله: "أو بعضها اقطع" قطع بعضها واتباع بعضها ويلزم على هذا أن يكون بعضها منصوبا على أنه مفعول باقطع". وبهذا جزم المرادي ص١١٦.
٥- في باب البدل بعد قول الناظم:
التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلا
قال المكودي: "وقوله: "بلا واسطة" قال الشارح: أخرج به المعطوف ببل فحمل المقصود بالحكم إلى المستقل بالقصد فإن المعطوف بغير بل غير مستقل بالقصد.
وحمله المرادي على أنه المقصود بالحكم مطلقا فأخرج به المعطوف عطف النسق ببل وغيرها وهو أظهر". ص١٢٣.
٦- في باب الترخيم بعد قول الناظم:
ترخيما احذف آخر المنادى كيا سعا فيمن دعا سعادا
قال المكودي معلقا على "ترخيما": أجاز في نصبه الشارح أن يكون مفعولا لأجله فيكون التقدير: احذف لأجل الترخيم، أو مصدرا في موضع الحال فيكون التقدير: "احذف في حال كونك مرخما" أو ظرفا على حذف مضاف فيكون التقدير حذف وقت الترخيم.
وزاد المرادي وجها رابعا وهو أن يكون مفعولا مطلقا". ا. هـ. ص١٣١.
٧- في باب جمع التكسير بعد قول الناظم:
وناب عنه أفعلاء في المعل لاما ومضعف وغير ذاك قل
[ ١ / ١٢٥ ]
قال المكودي: ونبه بقوله "وغير ذاك قل" على ما جاء من أفعلاء في غير المعتل والمضاعف نحو نصيب وأنصباء وهين وأهيناء وصديق وأصدقاء، على هذا حمله الشارح وتبعه المرادي. ص١٦٩.
الثالث: أ- ما نقله الدماميني في كتابه "تعليق الفرائد" عن المرادي
التعريف بالمؤلف: هو محمد بن بدر الدين بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني نسبة إلى دمامين "قرية قريبة من الأقصر" ولد بالإسكندرية سنة ٧٦٣، وتعلم بها ثم هبط مصر وارتفع والتف حوله الطلاب بالأزهر، ثم اشتغل بالدنيا، ولما نكب بالحريق هرب من الغرماء إلى الصعيد فاستقدموه مرغما، وبعد صلاح حاله غادر الديار المصرية، فدرس في جامع زبيد باليمن وترك اليمن متجها إلى الهند، وله مؤلفات كثيرة.
توفي بالهند في كلبرجا سنة ٨٢٧هـ-١٤٣٤م.
الكتاب: تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك. نسخة في مجلد كامل تحتوي على جزءين. بقلم معتاد مجدولة بالمداد الأحمر والأزرق وبأولها فهرس، في ٥٤٧ ورقة، ومسطرتها ٣٣ سطرا، ٢٩سم. مودع بمكتبة الأزهر قسم المخطوطات تحت رقم "١٠٥٧" ٣٧٥١. ونسخة أخرى بدار الكتب المصرية قسم المخطوطات تحت رقم ٣٠١ تيمور.
وقد ذكر الدماميني في كتابه "ابن قاسم" أراد بذلك ابن أم قاسم المرادي والذي يؤيده في النسخة الأولى في باب الموصول تعليق على الهامش يقول: "قوله في شرح ابن قاسم -أي ابن أم قاسم- هو العلامة المرادي، وقد حرفت النساخ وحذفوا لفظ أم جهلا منهم أي: لكاتبه".
أ- ما نقله عن المرادي:
نقل الدماميني في كتابه هذا عن المرادي واعتمد عليه في نقله في أبواب متفرقة منها: الكلام، إعراب المثنى والمجموع -في مواضع- كيفية التثنية وجمعي التصحيح -في مواضع- العلم، الضمير، الإشارة، الموصول -في مواضع- المبتدأ والخبر -في مواضع- الأفعال الرافعة للاسم الناصبة للخبر، أفعال المقاربة،
[ ١ / ١٢٦ ]
الأحرف الناصبة للاسم الرافعة للخبر، العدد، الإضافة، عطف البيان، المنادى، التذكير والتأنيث، وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- باب التثنية الهمزة المبدلة من أصل:
قال الدماميني: وقد تقلب الهمزة المبدلة من أصل ياء. فيقال: كسايان ولا يقاس عليه خلافا للكسائي بل الكوفيين قاطبة. قال ابن قاسم: والحق أن يقاس عليه، لأنها لغة فزارة. حكاها أبو زيد في كتاب الهمزة.
٢- العلم:
قال الدماميني: علم الجنس كأسامة للأسد وثعالة للثعلب وبرة للمبرة فهذه أعلام بحسب اللفظ لا بحسب المعنى ثم قال: قال بعضهم: وإطلاق المعرفة على أسامة ونحوه مجازا، إذ لا يخالف معناه معنى أسد، وإنما يخالفه في أحكام لفظية. ألا ترى أنه داخل في حده النكرة. هذا كله كلام ابن قاسم في الكلام على هذا التعريف بغالب لفظه ص٥١.
٣- الخبر -حذف الخبر وجوبا:
قال الدماميني: ويحذف الخبر وجوبا في قسم صريح، وبعد واو المصاحبة الصريحة.
قال ابن قاسم: نحو "كل رجل وضيعته" أي: مقرونان. والخبر محذوف لدلالة الواو وما بعدها على الصحوبية وكان الحذف واجبا لقيام الواو قيام مع.
٤- الأفعال الرافعة للاسم الناصبة للخبر -منها: زال- كقول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلا ولا زال منهلا بجرعائك القطر
قال ابن قاسم: احترز من التي بمعنى تحول فمضارعها يزول ومن زال الشيء بمعنى عزله فمضارعه يزيل. ص٩٩.
٥- الأحرف الناصبة للاسم الرافعة للخبر:
قال الدماميني: إذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا للقياس على حذف الخبر في غير هذا الباب وللسماع، والتزم الحذف في ليت شعري مردفا باستفهام كقوله:
[ ١ / ١٢٧ ]
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي أذخر وجليل
قال ابن قاسم: وإنما التزم الحذف؛ لأن الاستفهام يسد مسد الخبر وجملة الاستفهام في موضع نصب شعري. ص١٢٠.
٦- عطف البيان -موافقة التابع لمتبوعه:
في التعريف والتنكير يكونان معرفين كما يكونان منكرين خلافا لمن التزم تعريفهما، وذهب الفراء وغيره إلى جواز تنكيرهما، وذهب أكثر النحويين إلى امتناعه، وفي البسيط أن يكون بالمعارف والنكرات على ما ذهب إليه الكوفيون، لكن البصريين أبوا أن يكون إلا بالمعارف، وخصص بعضهم ذلك بالأعلام والكنى وجعل "زيتونة" من قوله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] عطف بيان. وجعل بعض النحويين من ذلك رد الأجناس المنكرة على الأسماء نحو "مررت بثوب خز وباب ساج" كذا قال ابن قاسم. ص٣٣٧.
ب- ما نقله الدماميني عن المرادي:
الكتاب: مطبوع بالمطبعة البهية بمصر، وهو حاشية على مغني اللبيب، والشيخ الدماميني لم يتم هذا الكتاب بل انتهى عند الفاء السببية في "حرف الفاء" وفي آخره، وهذا آخر ما انتهى إليه العلامة العمدة الدماميني ولم يكمل هذا الكتاب لتعذره بالوفاة.
ما نقله: نقل الشيخ الدماميني في حاشيته هذه عن المرادي من كتابه الجنى الداني في مواضع هي: حرف الألف "إذن، أل، أما "بالفتح والتخفيف"، إما المكسورة المشددة"، حرف الباء "زيادة الباء في المفعول؛ بجل، بل، بله"، حرف الراء "رب"، حرف السين "سوف". وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال:
١- إذن: قال المغني: "فيها مسائل: الأولى في نوعها، قال الجمهور: حرف. وقيل: اسم". قال الدماميني: والقائل بعض الكوفيين على ما صرح به ابن أم قاسم في الجنى الداني. ص٤٠.
[ ١ / ١٢٨ ]
٢- زيادة الباء في المفعول: قال المغني: "والثاني مما تزاد فيه الباء المفعول". قال الدماميني: "وزيادتها معه غير مقيسة مع كثرتها، نص عليه ابن أم قاسم في الجنى الداني". ص٢٢٦.
٣- بجل: قال الدماميني: "قال ابن أم قاسم في الجنى الداني: وأما بجل الاسمية فلها قسمان أحدهما أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي فتلحقها نون الوقاية مع ياء المتكلم فيقال: بجلني، والثاني أن تكون اسما بمعنى حسب فتكون الباء المتصلة بها مجرورة الموضع ولا تلحقها نون الوقاية". ص٣٢١.
٤- بل: قال المغني: "وإن تقدمها نفي أو نهي فهي لتقرير ما قبلها على حالته وجعل ضده لما بعدها نحو ما قام زيد بل عمرو ولا يقم زيد بل عمرو، وأجاز المبرد وعبد الوارث أن تكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها". قال دم: هذا مع موافقتهما للجمهور، فالأمران جائزان عندهما على ما صرح به ابن أم قاسم في الجنى الداني" ص٢٣٤.
٥- بله: قال المغني: "على ثلاثة أوجه قد استعملت معربة مجرورة بمن خارجة عن المعاني الثلاثة وفسرها بعضهم بغير وهو ظاهر وبهذا يتقوى من بعدها في ألفاظ الاستثناء" قال دم: "وهم الكوفيون والبغداديون فإنها قد استعملت كغير وهي ترد للاستثناء، وجمهور البصريين على أنها لا يستثنى بها وأنه لا يجوز فيما بعدها إلا الخفض. كذا في الجنى الداني" ص٢٤٠.
٦- رب -لغات في رب- قال المغني: "وفي رب ست عشرة لغة ". قال دم: "فهذه أربع لغات تضم إلى الاثنتي عشرة. وبقي عليه لغة أخرى حكاها ابن أم قاسم في الجنى الداني "ربتا" وهي مما يقوي القول باسمية رب فتأمله". ص٢٧٩.
٧- سوف -انفراد السين عن سوف- قال المغني: "وتنفرد عن السين بدخول اللام عليها نحو ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ [الضحى: ٥] قال دم: "ولا تدخل اللام في السين قيل: لئلا يجتمع حرفان على حرف واحد مفتوحان زائدان على الكلمة لذلك قال في الجنى الداني "ص٢٨٢": وقد سمع وقوع السين في موضع لم تسمع فيه سوف وهو خبر عسى في قوله:
عسى طيئ من طيئ بعد هذه ستطفئ غلات الكلى والجوانح
[ ١ / ١٢٩ ]
الرابع: ما نقله تقي الدين الشمني -بضم المعجمة والميم ثم نون مشددة- عن المرادي
التعريف بالمؤلف: هو: أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن عليّ الشيخ تقي الدين أبو العباس الإمام العلامة المشهور بالشمني "نسبة إلى مزرعة ببلاد المغرب"، ولد بالإسكندرية في رمضان عام ٨٠١هـ، وقدم القاهرة مع والده فتلقى النحو عن الشطنوفي وغيره في الفنون الأخرى، وقد عني بنشر العلم وتدريسه، وكان حجة، متوقد الذكاء قوي الحافظة عفيفا محبا للخير، وولي المشيخة والخطابة بقايتباي، وطلب للقضاء فأبى، ومن مؤلفاته في النحو: حاشية على شرح الدماميني سماها "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام".
توفي بمنزله بتربة قايتباي ودفن بها صباح الأحد، وكانت وفاته في ليلة الأحد ٢٧ من ذي الحجة عام ٨٧٢هـ.
الكتاب: هو مطبوع بالمطبعة البهية بمصر. حاشية على مغني اللبيب لابن هشام.
لخصها من حاشية الدماميني وزاد عليها وسماها "المنصف من الكلام على مغني ابن هشام"، أوله: الحمد لله الذي خص كتابه بعدم المعارضة وبالإعجاز وجعله تبيانا لكل شيء فهو مغني اللبيب بالحقيقة لا بطريق المجاز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وبعد، فقد نظرت عند إقرائي لمغني اللبيب عن كتب الأعاريب مودع بمكتبة الأزهر تحت رقم ١٠٠٢-١٠٠٣-١٠٠٤-١١٢٠.
ما نقله عن المرادي في كتابه المنصف من الكلام على مغني ابن هشام:
نقل الشيخ الشمني عن المرادي المعروف بابن أم قاسم من الجنى الداني وغيره في حاشيته هذه مواضع متنوعة وهي:
حرف الألف "أما -بالفتح والتفخيف، إذا -في موضعين"، حرف الباء "بجل"، حرف العين "على"، حرف القاف "قد"، حرف الكاف "كأن" حرف اللام "معاني اللام الجارة -في موضعين، لات، لو -في ثلاثة مواضع- "لعل"،
[ ١ / ١٣٠ ]
حرف الميم "ما -في موضعين، من -في موضعين"، حرف الواو "العاطفة"، الفرق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، "المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة" الموصول -في موضعين- وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- إذا: قال المغني: "الفصل الأول في خروجها عن الظرفية زعم أبو الحسن في ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١] أن إذا جر بحتى".
قال الشمني: "وقال ابن أم قاسم في شرح التسهيل: وعلى هذا يكون تقدير الغاية ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧١] إلى وقت مجيئهم لها. وهي على هذا لا جواب لها، لأنها معمول لما قبلها فيكون قوله فتحت استئنافا وجواب سؤال كأنه قيل: فماذا جرى إذ ذاك فقيل: فتحت أبوابها" ص١٩٩ ج١.
قال المغني: "والجمهور على أن إذا لا تخرج عن الظرفية وأن حتى في نحو ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ حرف ابتداء داخل على الجملة الشرطية بأسرها ولا عمل لها" قال الشمني: وفي شرح التسهيل لابن أم قاسم: ويجوز أن يخرج على أن حتى بمعنى الفاء كما قدرها النحويون في قولهم: سرت حتى أدخل المدينة. يرفع أدخل وتقدير كونه وقع قالوا والتقدير سرت فدخلت قال في البسيط: قلت: في قولك اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك اجلس فإذا جاء زيد". ا. هـ. ص٢٠٠ ج١.
٢- بجل: قال المغني: "بجل على وجهين حرف بمعنى نعم واسم" قال الشمني: "قال ابن أم قاسم في الجنى الداني: أما بجل الاسمية فلها قسمان: أحدهما أن يكون اسم فعل بمعنى يكفي فتلحقها نون الوقاية مع ياء المتكلم فيقال بجلني. والثاني أن تكون اسما بمعنى حسب فتكون الياء المتصلة بها مجرورة الموضع ولا تلحقها نون الوقاية. ص٢٣٢ ج١ كما نقل دم".
٣- اللام الجارة: قال المغني: "وللام الجارة اثنان وعشرون معنى، أحدها الاستحقاق وهي الواقعة بين معنى وذات". قال الشمني: "لم يفسر ابن أم قاسم هذه اللام وإنما مثل لها في الجنى الداني "بالنار للكافرين" وفي شرح التسهيل "بالجلباب للجارية"، و"الجل للفرس"، وكل ذلك وقعت اللام فيه بين ذاتين. ا. هـ. ص٢٨ ج٢.
[ ١ / ١٣١ ]
٤- لات: قال المغني: "لات اختلف فيها في أمرين: أحدهما في حقيقتها. والثاني أن أصلها ليس بكسر الياء، قال الشمني معقبا على الثاني: قال ابن أم قاسم في شرح التسهيل: وذهب ابن أبي الربيع إلى أنها ليس، أبدل من السين التاء. ثم أبدل من الياء الألف كراهية أن تلتبس بحرف التمني، وفي الجنى الداني، ويقويه قول سيبويه أن اسمها مضمر فيها ولا يضمر إلا في الأفعال". ص٥٣ ج٢.
٥- الواو العاطفة: قال المغني: "الأول العاطفة ومعناها مطلق الجمع فتعطف الشيء على نفسه. ونقل الإمام البرهان عن بعض الحنفية أنها للمعية، قال الشمني معلقا على "ونقل الإمام الخ": "في الجنى الداني وقال إمام الحرمين في البرهان: اشتهر من مذهب الشافعي أنها للترتيب وعند الحنفية أنها للمعية وقد زل الفريقان". ص١٠٢ ج٢.
٦- الفرق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، قال الشمني: "لم يذكر المصنف ما اجتمعا فيه كما ذكر في الحال والتمييز، وقد ذكر ابن أم قاسم أنه ثلاثة أمور: أحدها أن كل واحد منهما يدل على حدث وصاحبه، والثاني أنه يؤنث ويذكر، والثالث أنه يثنى ويجمع". ص١٦١ ج٢.
٧- المواضع التي يعود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة. الثاني منه، قال المغني: أن يكون مرفوعا بأول المتنازعين المعمل ثانيهما نحو: جفوني ولم أجف الأخلاء أنني.. قال الفراء: "يضمر ويؤخر عن المفسر" قال الشمني معلقا على قول الفراء "في شرح التسهيل لابن أم قاسم": والمشهور عن الفراء في هذه المسألة وجوب إعمال الأول ومنع إعمال الثاني، ونقل عنه ابن مالك أنه يجوز إعمال الأول في هذه المسألة بشرط تأخير الضمير فتقول ضربني وضربت قومك هم فرارا من الإضمار قبل الذكر، قال ابن النحاس: ولم أقف على هذا النقل عن الفراء من غير كلام ابن مالك وهو الثقة فيما ينقل. ا. هـ. ص١٨٠ ج٢.
٨- باب الموصول: قال المغني: "مسألة والأكثر في نحو "من ذا لقيت" كون ذا للإشارة خبرا ولقيت جملة حالية ويقل كون ذا موصولة ولقيت صلة وبعضهم لا يجيزه" قال الشمني: "وفي شرح التسهيل لابن أم قاسم" ومنع
[ ١ / ١٣٢ ]
بعض النحويين وقوع ذا موصولة بعد "من"؛ لأن "من" تخص من يعقل فليس فيها إبهام كما في "ما" فإنها صارت بالرد إلى الاستفهامية في غاية الإبهام فأخرجت ذا من التخصيص إلى الإبهام وجذبتها إلى معناها ولا كذلك "من" لتخصيصها، واختار الكوفيون وقوع "ذا" موصولة وإن لم يتقدم عليها استفهام، وعنهم أن أسماء الإشارة كلها يجوز أن تستعمل موصولات". ا. هـ. ص٢٢٢ ج٢.
الخامس: ما نقله الشيخ خالد الأزهري عن المرادي
التعريف بالمؤلف: هو خالد زين الدين بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن أحمد الجرجي، ولد بجرجا "في الصعيد" في نحو سنة ٨٣٨هـ، وحمل صغيرا إلى القاهرة فحفظ القرآن ثم كتبا أخرى ودرس في الأزهر. وقد قيل: إنه طلب العلم وهو كبير السن وكان من قبل يشتغل وقادا.
وأخذ العربية عن يعيش المغربي وداود المالكي والسنهوري، ومن مصنفاته شرح الآجرومية، التصريح بمضمون التوضيح، تمرين الطلاب في صناعة الإعراب، وشرح الأزهرية.
توفي عائدا من الحج في "بركة الحج" قليوبية سنة ٩٠٥هـ في رابع عشر المحرم سنة خمس وتسعمائة.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ خالد الأزهري عن المرادي في كتبه ما يلي:
أ- شرح التصريح على التوضيح:
التعريف بالكتاب: وهو شرح لكتاب التوضيح على ألفية ابن مالك لابن هشام "وفيه من الفوائد والعوائد الداخلة والخارجة ما لا يحصى كثرة، ولهذا أصبح مرجعا لكثير من طلبة الزمان واشتد إكبابهم على مطالعته وتدريسه بما لا يزيد عليه، وقد صادف فراغ المصنف الشارح من تدوينه يوم عرفة المشرفة من شهور سنة ست وتسعين وثمانمائة". ا. هـ. روضات الجنات ص٢٦٨. مودع بمكتبة الأزهر تحت رقم ١١٣٢-١١٣٩-١٢٤٠-١٢٤٦.
[ ١ / ١٣٣ ]
أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الملهم لتحميده حمدا موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ. وهو كتاب مطبوع بالمطبعة الأزهرية بمصر.
ما نقله عن المرادي في هذا الكتاب:
نقل الشيخ خالد في هذا الكتاب عن المرادي مواضع متعددة تنحصر في أبواب: الكلام -في موضعين- المعرب والمبنى -في موضعين- الضمير، العلم، المبتدأ والخبر -في ثلاثة مواضع- نائب الفاعل -في ثلاثة مواضع- الاشتغال -في موضعين- التعدي واللزوم، التنازع -في أربعة مواضع- المفعول المطلق -في موضعين- الاستثناء -في موضعين- الحال -في موضعين- التمييز، الإضافة -في ثلاثة مواضع- التعجب، نعم وبئس، عطف النسق، أسماء لازمت النداء، إعراب الفعل -في موضعين- الإخبار بالذي والألف واللام، جمع التكسير -في موضعين - التصغير، الإبدال.
وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- في باب الضمير: قال الأزهري: "والمنقول عن سيبويه أنه أجاز في "هو" من نحو قوله تعالى: ﴿أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أن يكون فاعلا وأن يكون توكيدا، ونقل المرادي عنه أيضا في شرح التسهيل أنه أجاز في "هو" من نحو "مررت برجل مكرمك هو" أن يكون فاعلا وأن يكون توكيدا". ج١ ص١٠٢.
٢- في التعدي واللزوم: في اشتراط ابن مالك حذف الجار مع "أن" إن أمن الإشكال، المراد بعد الحذف، قال الأزهري معلقا على الآية: " ويشكل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فحذف الحرف الجار مع أن اللبس موجود بدليل أن المفسرين اختلفوا في المراد فبعضهم قدر في أن، وبعضهم قدر عن أن واستدل كل على ما ذهب إليه وأجيب عنه بجوابين ذكرهما المرادي في شرح النظم: أحدهما أن يكون حذف الحرف اعتمادا على القرينة الرافعة للبس، والآخر أن يكون حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن. وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين". ا. هـ. ج١ ص٣٢.
[ ١ / ١٣٤ ]
٣- في التنازع: في "فصل إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت بالاتفاق" وبعد الخلاف بين البصريين والكوفيين. قال الأزهري: " وإذا تنازع ثلاثة فالحكم كذلك بالنسبة إلى الأول والثالث قاله المرادي". ج١ ص٣٢٠.
٤- في المصدر: ذكر أن المصدر الذي له فعل نوعان النوع الثاني واقع في الخبر وذلك في خمس مسائل المسألة الخامسة. قال الأزهري معلقا عليها: "الخامسة أن يكون "المصدر" فعلا علاجيا تشبيهيا "واقعا" بعد جملة مشتملة عليه "أي على اسم بمعناه" و"مشتملة على صاحبه" أي: المصدر، فهذه أربعة شروط زاد المرادي شرطا خامسا وهو أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل". ا. هـ. ص٣٣٣ ج١.
٥- في باب التمييز: فصل في جواز جر التمييز بمن. قال الأزهري: " أنه تبع الشارح في جعل "لله دره فارسا" و"نعم المرء من رجل" من تمييز الجملة". واعترضه المرادي بأنه تمييز مفرد لا جملة. ا. هـ. ج١ ص٣٣٩.
٦- في باب التعجب: في امتناع أن يتقدم عليهما معمولهما وأن يفصل بينهما. قال الأزهري معلقا على قوله: "ولا" تقول أحسن لولا بخله بزيد، بالفصل بلولا الامتناعية ومصحوبها وأجاز ذلك ابن كيسان، قال المرادي: ولا حجة له على ذلك". ا. هـ. ج٢ ص٩٠.
٧- في باب عطف النسق: الفاء: اختصاصها بأنها تعطف على الصلة ما لا يصلح كونه صلة لخلوه من العائد، وذلك جار في الخبر والصفة والحال، ثم مثل بقول الشاعر:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق
قال الأزهري: " وقال المرادي في باب المبتدأ: التحقيق أن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء فاكتفى بضمير واحد في إحداهما كما يكتفي بضمير واحد في جملة الشرط والجزاء.
فإذا قلت: زيد جاء عمرو فأكرمه، فالارتباط وقع بالضمير الذي في الثانية، نص على ذلك ابن أبي الربيع قال: لأنهما نزلتا منزلة زيد لما جاء عمرو أكرمه
[ ١ / ١٣٥ ]
فالإخبار إذن إنما هو بمجموعها والرابط إنما هو الضمير". ا. هـ. كلام المرادي ج٢ ص١٤٠.
٨- أما: قال ابن هشام: "وهي نائبة عن أداة شرط وجملته" قال الأزهري: معلقا على ذلك: "موضعا صالح لهما وهي قائمة مقامهما لتضمنها معنى الشرط، وليست أما بمعنى مهما وشرطها لأنها حرف والحرف لا يصلح أن يكون بمعنى اسم وفعل قال المرادي". ج٢ ص٢٦١.
٩- في جمع التكسير: الحادي والعشرون: فعالي: قال ابن هشام: "فعالي بالتشديد ويطرد في كل ثلاثي آخره ياء مشددة غير متجددة للنسب كبختي وكرسي وقمري بخلاف نحو مصري وبصري".
قال الأزهري معلقا على "مصري وبصري": "لأن ياءهما متجددة للنسب وإلى ذلك أشار الناظم بقوله: واجعل فعالي ذي النسب.. جدد.. وقد تكون الياء في الأصل للنسب الحقيقي ثم يكثر استعمال ما هي فيه حتى يصير النسب منسيا أو كالمنسي فيعامل الاسم معاملة ما ليس منسوبا كقولهم مهري ومهاري وأصل المهري بعير منسوب إلى مهرة قبيلة من قبائل اليمن ثم كثر استعماله حتى صار اسما للنجيب من الإبل قاله المرادي". ا. هـ. وبه تندفع شبه الموضح. ج٢ ص٣١٥.
١٠- في باب التصغير: تصغير "تي" الإشارية: قال ابن هشام في التوضيح: "ولا "تي" للاستغناء بتصغير "تا" خلافا لابن مالك". قال الشيخ خالد: "في قوله في النظم: منها تا وتي". قال المرادي: وذلك يوهم أن "تي" صغر كما صغر "تا" وقد نصوا على أنهم لم يصغروا من ألفاظ المؤنث إلا "تا" خاصة وهو المفهوم من التسهيل فإنه قال: ولا يصغر من غير المتمكن إلا "ذا والذي" وفروعهما الآتي ذكرها ولم يذكر من ألفاظ المؤنث غير تا خاصة. ا. هـ. ج٢ ص٣٢٦.
١١- الإبدال: إبدال الياء من الواو: المسألة السادسة أن تكون الواو لاما لفعلى بالضم صفة، فإن كانت فعلى بالضم اسما لم تغير لامها بإبدالها ياء بل تقر الواو على أصلها كقوله -ذو الرمة:
[ ١ / ١٣٦ ]
أدار بجزوى هجت للعين عبرة
قال الأزهري: " وقال المرادي: إنه مخالف لقول أهل التصريف فإنهم يعكسون فيبدلونها في الاسم دون الصفة ويجعلون جزوى شاذا". ج٢ ص٣٨٠.
ب- إعراب ألفية ابن مالك في النحو المسمى "تمريم الطلاب في صناعة الإعراب".
كتاب مطبوع مودع بمكتبة الأزهر تحت رقم ٢٦٧-١١٥٠.
أوله: يقول الفقير إلى عفو ربه الغني خالد بن عبد الله الأزهري: الحمد لله الذي رفع قدر من أعرب الشهادتين ونصب الدليل على وجود ذاته.
أما بعد فإن معرفة الإعراب من الواجبات التي لا بد لكل طالب علم منها ومن المهمات التي لا يستغنى الفقيه عنها، وإن من أنفع المسالك وأقرب المدارك إلى هذا النحو ألفية ابن مالك.
فاندفع في خاطري أن أعرب جميع أبياتها وأشرح غريب لغاتها وأضبط ما أشكل من ألفاظها.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ خالد في كتابه هذا ثلاثة مواضع عن المرادي وهي:
١- في النائب عن الفاعل في قول الناظم:
واجعله من مضارع منفتحا كينتحي المقول فيه ينتحى
قال الشيخ خالد: "المقول. بالجر قال المكودي: تبعا للمرادي نعت لينتحي، وزاد المكودي ويجوز ضبط القول بالضم فيكون قد تم الكلام عند قوله كينتحي، ثم استأنف وبالأول جزم المرادي". ا. هـ. ص٤٥.
٢- في النعت في قول الناظم:
واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها أو بعضها اقطع معلنا
قال الشيخ خالد: "معلنا حال من فاعل اقطع وتقدير البيت واقطع جميع
[ ١ / ١٣٧ ]
النعوت أو اتبعها أو اقطع بعضها واتبع البعض الآخر. وبالنصب جزم الشاطبي والمرادي وصدر به المكودي كلامه. ص٥٨٠.
٣- في الندبة في قول الناظم:
وإن تشأ فالمد والها لا تزد
قال الأزهري: "وإن تشأ شرط فالمد مبتدأ وخبره محذوف والهاء مفعول قدم بتزد. لا ناهية، تزد مضارع زاد مجزوم بلا الناهية والتقدير على هذا، وإن تشأ فالمد كاف ولا تزد الهاء، قال المكودي: هذا ما حمله عليه الشارح والمرادي. ص١٠٠.
ج- شرح الشيخ خالد المسمى "موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب" للعلامة ابن هشام الأنصاري. طبع بالمطبعة العثمانية المصرية بالقاهرة. أوله: الحمد لله الملهم لحمده والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله وعبده. وبعد.
فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغني خالد بن عبد الله الأزهري: هذا شرح لطيف على قواعد الإعراب إلخ.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ خالد في كتابه هذا عن المرادي موضعا واحدا، هو في "الباب الرابع في الإشارة إلى عبارات محررة".
قال ابن هشام: "وفي الفاء من نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢]، فاء السببية ولا تقل فاء العطف؛ لأنه لا يجوز عطف الطلب على الخبر والعكس". قال الأزهري: أي: عطف الخبر على الإنشاء، وهي مسألة خلاف.
منع من ذلك البيانيون لما بينهما من التنافي وعدم التناسب وأجاز الصفار. قال المرادي في شرح التسهيل: "أجاز سيبويه التخالف في تعاطف الجملتين بالخبر والاستفهام فأجاز: هذا زيد ومن عمرو؟ ". ا. هـ. ص١٣٤.
السادس: ما نقله أبو الحسن الأشموني في كتابه شرح الألفية المسمى "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك"
التعريف بالمؤلف: هو أبو الحسن عليّ نور الدين بن محمد بن عيسى
[ ١ / ١٣٨ ]
الأشموني أصلا؛ لأن جده قدم من الأشمونيين قبل بلوغه فحفظ القرآن والمنهاج في سنة، ولد بقناطر السباع وتوطن القاهرة، وكان مولده في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. وكان منكبا على العلم مع التقشف في مأكله وملبسه لا هم له إلا العلم والطاعة. أخذ عن الجلال المحلي والكافيجي والتقي الحصني وغيرهم. ومن أشهر مؤلفاته هذا الكتاب. وتوفي الأشموني سنة ٩٢٩هـ.
التعريف بالكتاب:
هو أغزر شروح الألفية مادة على كثرتها واختلاف مشاربها، بل إنه من أوفى كتب النحو جمعا لمذاهب النحاة وتعليلاتهم وشواهدهم على نمط البسط والتفصيل ولا غرابة أن يجمع في شرحه، فأمامه من شروح الألفية وغيرها مما جعل شرحه موسوعة يستعان به. وأوله: " فهذا شرح لطيف بديع على ألفية ابن مالك مهذب المقاصد واضح المسالك".
ما نقله أبو الحسن الأشموني في كتابه شرح الألفية:
وقد تصفحت هذا الكتاب فوجدت أن المؤلف أخذ ونقل عن المرادي المعروف بابن أم قاسم معتدا برأيه تارة.
فتراه نقل عنه في أبواب: التنازع، وحروف الجر، وأفعل التفضيل، وما لا ينصرف -في موضعين- والترخيم، ونواصب المضارع -في موضعين- والعدد، والوقف. ويسوغ لي حينئذ أن أذكر بعض المواضع مستشهدا بها على سبيل المثال.
١- في باب أفعل التفضيل في قول الناظم:
وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرا أو لفظا بمن إن جردا
ذكر أبو الحسن الأشموني تنبيهات، فالأول منها الخلاف في معنى "من".
فقال الأشموني: "الأول اختلف في معنى "من" هذه، فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها لابتداء الغاية، وإليه ذهب سيبويه، لكن أشار إلى أنها تفيد مع ذلك معنى التبعيض فقال في "هو أفضل من زيد" فضله على بعض ولم يعم، وذهب في شرح التسهيل أنها بمعنى المجاوزة، وكأن القائل "زيد أفضل من عمرو"، قال جاوز زيد عمرا في الفضل
[ ١ / ١٣٩ ]
والظاهر -كما قال المرادي- ما ذهب إليه المبرد، وما رد به الناظم ليس بلازم.
٢- في باب الترخيم في قول الناظم:
ترخيما احذف آخر المنادى كيا سعا فيمن دعا سعادا
أفرد أبو الحسن الأشموني الكلام على "ترخيما" في التنبيه قال: "أجاز الشارح ترخيما ثلاثة أوجه:
١- أن يكون مفعولا له.
٢- أو مصدرا في موضع الحال.
٣- أو ظرفا على حذف مضاف.
وأجاز المرادي وجها رابعا، هو أن يكون مفعولا مطلقا وناصبه احذف، لأنه يلاقيه في المعنى. ا. هـ. ج٢ ص٤٦٧.
٣- في باب ما لا ينصرف في قول الناظم:
ولسراويل بهذا الجمع شبه اقتضى عموم المنع
وإن به سمي أو بما لحق به فالانصراف منعه يحق
قال أبو الحسن الأشموني: قال الشارح: والعلة في منع صرفه ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية أو قيام الجمعية مقامها، فلو طرأ تنكيره انصرف على مقتضى التعليل الثاني دون الأول.
قال المرادي: قلت: "مذهب سيبويه أنه لا ينصرف بعد التنكير لشبهه بأصله، ومذهب المبرد صرفه لذهاب الجمعية، وعن الأخفش القولان، والصحيح قول سيبويه، لأنهم منعوا سراويل من الصرف، وهو نكرة وليس جمعا على الصحيح". ا. هـ. ج٢ ص٥٢٣.
٤- في نواصب المضارع بعد قول الناظم:
وبعد فالجواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب
قال الأشموني في التنبيه الأول من التنبيهات التي أعقبت هذا البيت:
[ ١ / ١٤٠ ]
"الأول: مما مثل به في شرح الكافية لجواب النفي المنتقض "ما قام فيأكل إلا طعامه" قال: ومنه قول الشاعر:
وما قام منا قائم في ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف
وتبعه الشارح في التمثيل بذلك.
واعترضهما المرادي وقال: إن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب.
نص على ذلك سيبويه وعلى النصب أنشد.
فينطق إلا بالتي هي أعرف". ج٣ ص٥٦٥.
٥- في باب التنازع في قول الناظم:
بل حذفه الزم إن يكن غير خير وأخرنه إن يكن هو الخبر
قال الأشموني: " قوله: "غير خبر" يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان المفعول الأول في باب ظن يجب حذفه وليس كذلك، بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف ولزوم التأخير.
ولذلك قال الشارح لو قال بدله:
واحذفه إن لم يك مفعول حسب وإن يكن ذاك فأخره نصب
لخلص من ذلك التوهم.
لكن قال المرادي: قوله: "مفعول حسب" يوهم أن غير مفعول حسب يجب حذفه وإن كان خبرا، وليس كذلك، ولأن خبر كان لا يحذف أيضا. بل يؤخر كمفعول حسب ". ج١ ص٢٠٦.
٦- في باب الوقف بعد قول الناظم:
وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف
قال أبو الحسن الأشموني في التنبيه الأول من التنبيهات التي أعقبت هذا البيت: "الأول: أهمل المصنف من شروط حذف ألفها أن لا تركب مع ذا، فإن ركبت معه لم تحذف الألف نحو "على ماذا تلومونني".
وقد أشار إليه في التسهيل، ونقله المرادي". ج٣ ص٧٥٩.
[ ١ / ١٤١ ]
السابع: ما نقله الدنوشري في حاشيته على التصريح عن المرادي
التعريف بالمؤلف: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عليّ المعروف بالدنوشري نسبة إلى دنوشر "قرية قريبة من المحلة الكبرى".
ولد بالقاهرة وتلقى عن الشمس الرملي ومحمد العلقمي وابن قاسم العبادي وغيرهم، ثم ارتحل إلى بلاد الروم وأقام فيها مدة ثم عاد إلى القاهرة وانتفع الناس به في الأزهر، وصنف كتبا في النحو، وكان يقول النظم وأكثر شعره في مسائل نحوية، توفي بالقاهرة سنة ١٠٢٥هـ.
الكتاب: حاشية على التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري، نسخة في مجلد بقلم معتاد سنة ١١٣٧هـ. بالورقتين الأخيرتين منها تقطيع وأكل أرضة في ١٨٢ ورقة ومسطرتها ٢٣ سطرا ٢١ سم. مودع بمكتبة الأزهر قسم المخطوطات تحت رقم "٨٥١" ٦٠٥٨.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ عبد الله الدنوشري في حاشيته على التصريح عن المرادي واعتمد عليه، وذلك في أبواب متفرقة منها: الإشمام، المصدر، الحال، التعجب، النداء -في موضعين- ما لا ينصرف -في موضعين- النواصب -في موضعين- الجوازم، الإمالة. وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- الحال: نفي عامل الحال قال الدنوشري "قال المرادي: ذكر في الكافية والتسهيل إذ قال قد يجر بباء زائدة إن نفي عملها كقوله:
فما انبعثت بمزءود ولا وكل
ونوزع في ذلك، وذكر في باب حروف الجر من شرح التسهيل أن من الزائدة ربما دخلت على الحال ومثله قراءة من قرأ: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخَذَ من دونك من أولياء" مبنيا للمفعول". ا. هـ. ص٩٥.
٢- الحال: أيضا الجملة المصدرة بالمضارع المنفي لا تجرد من الواو ويلزمها
[ ١ / ١٤٢ ]
الضمير. قال المرادي: إن ورد بالواو قدر المبتدأ على الأصح كقراءة ابن ذكوان: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ﴾ نص على ذلك في التسهيل.
٣- ما لا ينصرف الكلام في المنصرف. قال المرادي:
وقال في شرح الكافية: سمي منصرفا لانقياده إلى ما تصرفه من عدم تنوين إلى تنوين ومن وجه الإعراب إلى غيره. وقال بعضهم: مأخوذ من الصرف وهو الفضل، لأن له فضلا على غير المنصرف. ص١٣٥.
٤- النواصب: حتى. قال:
وذكر المرادي أن الغالب في حتى التي ينصب المضارع بعدها أن تكون بمعنى إلى.
الثامن: ما نقله الشيخ أحمد الفاكهي عن المرادي
التعريف بالمؤلف:
هو العلامة الشهاب أحمد بن الجمال عبد الله بن أحمد بن عليّ الفاكهي، نقل الشيخ أحمد الفاكهي عن ابن أم قاسم واعتمد على رأيه واثقا منه في:
أ- كتاب مجيب الندا إلى شرح قطر الندى:
الكتاب: هو كتاب مطبوع بمطبعة شركة دار الكتب العربية الكبرى. مودع بمكتبة الأزهر تحت رقم ١٥٩.
أوله: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين. الحمد لله الرافع من انخفض لعزه وسلطانه المفيض على من نحاه وقصده سحائب عفوه وغفرانه، المغني بواسع فضله من افتقر لجوده وإحسانه، الفاعل لما يشاء، أما بعد فهذا شرح لطيف وضعته على المقدمة الموضوعة في علم العربية المسماة بقطر الندى.
ما نقله في هذا الشرح:
نقل الفاكهي عن المرادي في شرحه هذا خمسة مواضع في أبواب: تقسيم الفعل، الفاعل، النواصب، المبتدأ والخبر، كان وأخواتها
[ ١ / ١٤٣ ]
وسأذكر أربعة مواضع على سبيل التمثيل.
١- في تقسيم الفعل اختصاص الفعل الماضي بتاء التأنيث الساكنة، قال الفاكهي: "وإنما اختصت التاء الساكنة به للفرق بين تاء الأفعال وتاء الأسماء ولم يعكس لئلا يفضي إلى ثقل الفعل، والمراد بها الساكنة بالذات فلا يضر تحريكها لعارض كأن يلاقيها ساكن فحينئذ تكسر نحو: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ أو تضم نحو: ﴿وَقَالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾، ولهذا قال المرادي: ولا اعتداد بحركة النقل ولا بحركة التقاء الساكنين لعروضهما. ص٤٧ ج١.
٢- في باب الفاعل: إذا كان الفعل نعم وبئس والفاعل بأل الجنسية أو مضافا لما هي فيه.
قال الفاكهي: "أو مضافا إلى مضاف لما هي فيه كنعم ابن أخت القوم وبئس ابن غلام الرجل، واشتراط كون الظاهر بأل أو مضافا لما هي فيه هو الغالب كما قال المرادي". ص٥٢ ج١.
٣- في المبتدأ والخبر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال الفاكهي: "إلا في نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، مما الجملة المخبر بها نفس المبتدأ في المعنى أي فلا تحتاج إلى رابط اكتفاء بها عنه لأنها مفسرة للمبتدأ والمفسر عين المفسر
قال المفسر تبعا للمرادي: والتحقيق أن مثل هذا ليس من الإخبار بالجملة بل بالمفرد على إرادة اللفظ كما في عكسه نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة". ص١٧٩ ج١.
٤- في كان وأخواتها -ما دام- عدم جواز تقديم خبر دام عليها مع ما قال الفاكهي "فإنه لا يجوز تقديمه عليها مع "ما" باتفاق لأن معمول صلة الحرف المصدري لا يقدم عليه ولا على دام وحدها لعدم تصرفها، ولئلا يلزم الفصل بين الموصول الحرفي وصلته، وظاهر كلام الألفية كالشرح أن هذا مجمع عليه أيضا قال المرادي: وفيه نظر؛ لأن المنع معلل بعلتين وكل منهما لا ينهض مانعا باتفاق ". ص٧ ج٢٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
ب- كتابه شرح على متممة الأجرومية المسمى "بالفواكه الجنية":
التعريف بالكتاب: هو مطبوع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية، مصححا بمعرفة لجنة التصحيح بها في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥١هـ.
أوله: أحمد الله على نعمه وأشكره على مزيد فضله وكرمه، وأصلي وأسلم على المعرب عن فصيح كلمه نبيه محمد وآله وصحبه وبعد فهذا تعليق لطيف وضعته على المقدمة الموضوعة في علم العربية تأليف سيدنا وصاحبنا العالم الورع الزاهد شمس الدين محمد ابن الشيخ محمد الرعيني الشهير بالخطاب المكي المالكي.
قصدت فيه تقرير معانيها وتحرير مبانيها مودع بمكتبة الأزهر رقم ٢٠٦٠-٣٦٨٥-٢٨٨٣.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ أحمد الفاكهي في شرحه هذا عن المرادي المعروف بابن أم قاسم موضعين:
١- في باب الإعراب والبناء: قال صاحب متممة الأجرومية: "الإعراب تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه لفظا أو تقديرا".
قال الفاكهي: معلقا على قوله: "لفظا أو تقديرا": " ثم الحد الذي ذكره ظاهر في أن الإعراب معنوي وقيل: إنه لفظي واختاره ابن مالك ونسبه إلى المحققين، وعليه فيقال في حده: الإعراب ما اختلف به آخر المعرب، قال المراوي رحمه الله تعالى: وهو أقرب إلى الصواب لقول المحققين" ص٧.
٢- في باب الحال: مجيء الحال جامدا مؤولا بالمشتق.
قال صاحب متممة الأجرومية: "والغالب كونه مشتقا وقد يقع جامدا مؤولا بمشتق نحو: ادخلوا رجلا رجلا أي مترتبين " قال الفاكهي معلقا على "ادخلو رجلا رجلا" ورجلين رجلين والمختار كما قال المرادي: أن الجزء الثاني وما قبله منصوبان بالعامل؛ لأن مجموعهما هو الحال، فإن الحال مستفادة منهما. ا. هـ. ص٦٧.
[ ١ / ١٤٥ ]
التاسع: ما نقله الشيخ يس بن زين الدين عن المرادي
التعريف بالمؤلف:
هو العلامة الشيخ يس بن زين الدين العليمي الحمصي، ولد بحمص وارتحل مع أبيه إلى مصر، فتلقى عن الشهاب الغنيمي والدنوشري وغيرهما، ثم برع في علوم متنوعة وألف فيها، ومن مصنفاته النحوية حاشية "قطر الندى وبل الصدى، لابن هشام" وحاشية "مجيب الندا إلى شرح قطر الندى وبل الصدى" للفاكهي، وحاشية "التصريح" للشيخ خالد الأزهري.
توفي بالقاهرة سنة ١٠٦١هـ.
ما نقله الشيخ يس:
نقل الشيخ يس عن المرادي المعروف بابن أم قاسم معتنيا برأيه ومعتدا به، فنقل في:
أ- حاشيته على شرح التصريح بمضمون التوضيح للشيخ خالد الأزهري:
التعريف بالكتاب: أوله: الحمد لله الذي شرف من نحاه ونصب نفسه لعبادته ورفع من خفض وهداه إلى طاعته وبعد. فيقول: هذه حواش رمقت نحوها عيون الطالبين، ونهجت بتمنيها كلمة المحصلين، غزيرة الفوائد عزيزة الفرائد كثيرة العوائد
مودع بمكتبة الأزهر فرع معهد أسيوط رقم ٣٢٠.
ما نقله في هذه الحاشية:
نقل الشيخ يس في هذه الحاشية عن المرادي في شرح التسهيل وغيره في أبواب متعددة هي: الكلام، العلم، الموصول، نائب الفاعل، الاشتغال، الحال، الإضافة، النعت -في ثلاثة مواضع- العطف -في موضعين- التوكيد -في موضعين- البدل -في أربعة مواضع- النداء -في موضعين- نون التوكيد -في موضعين- ما لا ينصرف -في أربعة مواضع- إعراب الفعل -في أربعة مواضع- الحكاية، التصغير، الإمالة -في ثلاثة مواضع- الإبدال -في ثلاثة مواضع- الإدغام.
[ ١ / ١٤٦ ]
وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل التمثيل.
١- في باب الاشتغال: في تساوي الرفع والنصب: إذا وقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بإما مسبوق بفعل إذا بني الفعل السابق على اسم بأن أخبر بالفعل عن اسم غير ما التعجبية.
قال يس معلقا على قوله إذا بني الفعل إلخ: "قال المرادي: وحكم شبه الفعل إذا وقع خبرا في هذا المسألة حكم الفعل نحو: هذا ضارب عبد الله وعمرو يكرمه" ج١ ص٣٠٣.
٢- في الحال، تعريفه، وصف فضلة منتصب:
قال يس معلقا على "منتصب" قال: "قال المرادي: ذكر في التسهيل والكافية أن الحال قد تجر بباء زائدة إن نفي عاملها ومثله في شرح التسهيل بقراءة: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخَذَ من دونك من أولياء" مبنيا للمفعول. ج١ ص٣٣٦.
وفي موضع آخر قال يس معلقا على خالد الأزهري: "وموضع الحال تجيء جملة بثلاثة شروط: أحدها: كونها خبرا". قال: " وفي شرح التسهيل للمرادي أن الخبرية تتناول الشرطية وأنه يجوز وقوعها حالا". ج١ ص٣٨٩.
٣- في باب النعت في شرح قول الناظم:
ونعنوا بجملة منكرا فأعطيت ما أعطيته خبرا
حيث اشترطوا في الجملة أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف إما ملفوظ به أو مقدر. قال يس معلقا على قوله: أو مقدر: "قال الدنوشري: قال المرادي: ليس حذف العائد من النعتية كحذفه من الخبرية في القلة والكثرة، بل ذكره في التسهيل أن الحذف من الخبرية قليل ومن الصفة كثير ومن الصلة أكثر". ج٢ ص١١٢.
٤- في عطف النسق: فبعد أن ذكر أم المتصلة وهي المسبوقة إما بهمزة التسوية وهي الداخلة على جملة في محل المصدر وتكون هي والجملة المعطوفة عليها فعليتين، أو اسميتين.
[ ١ / ١٤٧ ]
قال يس معلقا على هذا: "قال المرادي: وقد عادلت بين مفرد وجملة كقوله: سواء عليك النصر أم بت ليلة". ج٢ ص١٤٢.
٥- في باب البدل: بدل الاشتمال.
قال يس: "قال الدنوشري: قال المرادي: لا بد في بدل الاشتمال من مراعاة أمرين: أحدهما إمكان فهم معناه عند الحذف، ومن ثم جعل نحو "أعجبني زيد أخوه" بدل إضراب لا بدل اشتمال، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول، والآخر حسن الكلام على تقدير حذفه ومن ثم امتنع نحو "أسرجت زيدا فرسه" لأنه وإن فهم معناه في الحذف فلا يستعمل مثله ولا يحسن فلو ورد مثل هذا الكلام لكان بدل غلط". ج٢ ص١٥٧.
٦- في باب نوني التوكيد: في فصل: تنفرد النون الخفيفة بأربعة أحكام، في قراءة ابن ذكوان: "ولا تتبعانِ" بتخفيف النون. قال الأزهري: "مكسورة -أي النون- على كون الواو للعطف ولا للنهي، قال الشارح: ويجوز أن تكون الواو للحال ولا للنفي والنون علامة الرفع، قال يس معقبا على قوله: قال الشارح إلخ: "قال المرادي: فإن وردت بالواو قدر المبتدأ على الأصح كقراءة ابن ذكوان: "ولا تتبعانِ" نص على ذلك في التسهيل" ٢/ ٢٠٧.
٧- في باب الإبدال. فصل في إبدال الألف من أختيها الواو والياء. الشرط التاسع. في معنى قول الناظم:
وإن لحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق
فالعكس هو إعلال الأولى وتصحيح الثانية مثل آية في أسهل الأقوال. قال يس معلقا: "قال المرادي: ومثل آية غاية وأصلها غيية فأعلت الياء الأولى وصححت الثانية. وثاية: وهي حجارة صغار يضعها الراعي عند متاعه يثوي عندها، وطاية: وهي السطح والدكان أيضا، والآية هي الطائفة المخصوصة من القرآن ". ج٢ ص٣٨٨.
٨- في باب الإدغام: "هلم" عند قول الأزهري: "وإذا اتصل بالمدغم هاء غائب نحو هلمه لم يضم بل يفتح ".
[ ١ / ١٤٨ ]
قال يس: " قال المرادي: وإذا اتصل به نون الإناث فالقياس هلممن ".
قال المرادي: "الخامس، التزم المدغمون فتح المدغم فيه قبل هاء غائبة نحو ردها ولم يردها والتزموا ضمه قبل هاء غائب نحو لم يرده قالوا: "لأن الهاء خفيفة فلم يعتدوا بوجودها فكأن قد ولي الألف والواو نحو ردا وردوا". ا. هـ. ج٢ ص٤٠٢.
ب- حاشيته على شرح أحمد بن الجمال الفاكهي المسمى بمجيب الندا على المقدمة المسماة بقطر الندى وبل الصدى لابن هشام:
تم طبعه في أواخر شهر شوال سنة ١٣٣٤هـ، بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى.
الكتاب: أوله: الحمد لله الذي لا يغيب من نحاه، الفاعل لما يشاء فلا راد لمفعول قضاه، والصلاة والسلام على من رفعه الله على الأفاضل ونصبه علما لتمييز الحق من الباطل سيدنا محمد مودع بمكتبة الأزهر رقم ١١٨١-١١٨٤.
ما نقله في هذه الحاشية:
نقع الشيخ يس في حاشيته هذه عن المرادي في شرحه للتسهيل وغيره في مواضع كثيرة، وهي:
المعرب والمبني -في موضعين- جمع المذكر السالم، النواصب -في موضعين- الموصول، مواضع كسر إن، المفعول له، الاشتغال، حروف الجر، الصفة المشبهة، اسم التفضيل، النعت، التوكيد -في موضعين- عطف البيان، عطف النسق، البدل والمنادى -في موضعين- تابع المنادى، الترخيم، موانع الصرف، الوقف -في موضعين.
وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- في جمع المذكر السالم. قال الفاكهي: "ويشترط فيه ما اشترط في المثنى وزيادة على ذلك أن يكون مفرده علما لمذكر خال من تاء التأنيث المغايرة لتاء عدة وثبة علمين أو صفة مذكر عاقل خالية من تاء التأنيث قابلة لها، علق الشيخ يس على قوله: "قابلة لها" بقوله: " قال المرادي: إذ لا يقصد به معنى التأنيث
[ ١ / ١٤٩ ]
ولا بد أن يكون قبول التاء مطردا احترازا من نحو مسكين فإنهم قالوا مسكينة على غير قياس فلا يقال مسكينون بقياس" ص٨٤.
٢- في النواصب: لام الجحود من شروطها أن يتقدمها نفي بما أو لم فقط. قال يس: "وأما إن ففيها خلاف قوي" واستدل المرادي على وقوع لام الجحود بعد المنفي بها قراءات غير الكسائي: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ .
والفعل الواقع بعد لام الجحود، قال الفاكهي: " وذهب البصري إلى أن خبر كان محذوف وإن هذه اللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف وأن الفعل ليس بخبر بل المصدر المنسبك "، قال يس معلقا: على أن هذه اللام متعلقة إلخ:
قال المرادي: قولهم إنها متعلقة بالخبر يقتضي أنها ليست بزائدة وتقديرهم مزيدا يقتضي أنها زائدة مقوية للعامل. ا. هـ. ص١١٨.
٣- المنادى: في إلحاق الألف أو الياء في يا أبت ويا أمت، أي: يا أبتا ويا أمتي. قال الفاكهي: "و"إلحاق الألف أو الياء للأولين قبيح" لما فيه من الجمع بين العوض والمعوض عنه أو بدله وسبيل ذلك الشعر".
قال يس: " وفي المرادي: وأجاز كثير من الكوفيين الجمع بينهما في الكلام، ونظيره قراءة أبي جعفر: "يا حسرتاتي" فجمع بين العوض والمعوض" ص٧٧.
٤- في المفعول له: قال يس: "قال المرادي: في شرح التسهيل يجوز في كي إذا كانت ناصبة بنفسها أن تقع مفعولا له لأنها إذ ذاك ينسبك منها مصدر فتكون مثل أن وإن" ص٩٠.
٥- في حروف الجر: مذ، منذ. قال الفاكهي: "قال في الجامع: ولك رفع تاليهما خبرا عنهما". قال يس: " قال المرادي: لا تكون مذ ومنذ عند الأخفش إلا مبتدأين فهو مناقض لعزوه له ظرفيتهما إذا وليها اسم مفرد" ص١٣٠.
٦- في الصفة المشبهة: في أن الصفة المشبهة تكون غير مجارية له نحو: "طاهر وضامر". قال يس: " قال المرادي: ولقائل أن يقول: إن ضامرا أو منطلقا ومنبسطا ونحوها مما يجري على المضارع أسماء فاعلين قصد بها الثبوت فعوملت معاملة الصفة المشبهة وليست بصفة مشبهة". ا. هـ. ص١٥٠ ج٢.
[ ١ / ١٥٠ ]
٧- في النعت: قال الفاكهي: "ويجب في النعت أن يكون مساويا لمتبوعه في التعريف أو دونه ". قال يس: " قال المرادي: وقيل: سبب ذلك أن الاختصار يؤثر أي: على التطويل، فوجب لذلك أن يبدأ بالأخص ليقع الاكتفاء به فإن عرض اشتراك لم يوجد ما يرفعه إلا المساوي". ا. هـ. ص١٦٢.
٨- في التوكيد: كل. قال يس: " قال المرادي في الكلام على التأكيد بكل: فتقول جاء الجيش كله والقبيلة والزيدون كلهم والرجال كلهم أو كلها أو كله على قياس هو أحسن الفتيان وأجمله وهو ضعيف، وجاءت الهندات كلهن أو كلها، وحكى الخليل كلهن عن بعض العرب". ا. هـ. ص١٦٨.
٩- في البلد: بدل الاشتمال. قال الفاكهي: "ونحو: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، النار أي فيه ".
قال يس: " وقال ابن هشام: الأولى أن يكون على حذف مضاف أي: أخدود النار، وقال ابن خروف: هو بدل إضراب، قاله المرادي" ص١٨٨.
١٠- في الوقف: الوقف على قاض. قال الفاكهي: "مما هو منقوص منون غير محذوف العين".
علق الشيخ يس على قوله: "غير محذوف العين" بقول: " قال المرادي: فإن قلت هذا لازم في حالة الوصل أيضا قلت: لا يمكن إثباتها وصلا لما يلزم من الجمع بين ساكنين بخلاف الوقف مع أن في بقاء التنوين جبرا للكلمة".
والمعرف منه بالإضافة، قال الفاكهي: "وأما المعرف منه بالإضافة نحو قاضي المحكمة فكلامهم قد يشعر بأن الحذف أرجح من الإثبات" علق الشيخ يس على: "فكلامهم إلخ" قال: " قال المرادي: وبنوا على ذلك فرعا، وهو أن ما سقط نونه للإضافة إذا وقفت عليه ردت نونه نحو: "هؤلاء قاضو زيد" فإذا وقفت قلت: قاضون؛ لزوال حذفها، فأما وقف الفراء على قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ بحذف النون فاتباع للرسم، قلت: وفي هذا نظر". ا. هـ. ص٢٠٤.
[ ١ / ١٥١ ]
العاشر: ما نقله السندوبي في شرحه للألفية عن المرادي
التعريف بالمؤلف:
هو -الشيخ أحمد بن عليّ المعروف بالسندوبي الشافعي من علماء القرن الحادي عشر الهجري.
الكتاب:
"المنح الوفية بشرح الخلاصة الألفية لابن مالك". نسخة في مجلد بقلم معتاد بهامشها حواش وبها خروم وترميم في ٢١٩ ورقة ومسطرتها ٢٣ سطرا ٢٢سم.
مودع بمكتبة الأزهر قسم المخطوطات تحت رقم "٨٣٧" ٦٠٤٣.
أوله: الحمد لله الذي رفع السموات بقدرته فرغ من تأليفه سنة ١٠٦٠هـ.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ السندوبي في شرحه للألفية عن المرادي في مواضع متعددة تنحصر في أبواب: الكلام وما يتألف منه، الضمير، اسم الموصول، المعرف بأداة التعريف، المبتدأ والخبر في موضعين، ظن وأخواتها، تعدي الفعل ولزومه، التنازع في العمل، عطف النسق، الحال -في موضعين- النداء، جمع التكسير، النسب -في موضعين- الإمالة، الإدغام.
وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل المثال:
١- المبتدأ والخبر، بعد قول الناظم:
وإن تكن إياه معني اكتفى بها كنطقي الله حسبي وكفى
الكلام في الإخبار بالجملة، فنطق مصدر بمعنى منطوق مبتدأ، وجملة "الله حسبي" مبتدأ وخبر ولم يحتج إلى رابط؛ لأن الجملة عين المبتدأ.
قال المرادي: والذي يظهر -والله أعلم- في هذا ونحوه أنه ليس من الإخبار بالجملة وإنما هو من الإخبار بمفرد؛ لأن الجملة في نحو ذلك، وإنما قصد لفظها كما قصد حين أخبر عنها في نحو "لا إله إلا الله كنز من كنوز الجنة" فليتأمل. ا. هـ.
[ ١ / ١٥٢ ]
٢- الخبر -أيضا- بعد قول الناظم:
كذا إذا ما الفعل كان الخبرا أو قصد استعماله منحصرا
قال السندوبي تعليقا على قول المصنف: "قال المرادي: وتسامح المصنف في جعله محصورا وإنما هو محصور فيه". ا. هـ.
٣- ظن وأخواتها، بعد قول الناظم:
والتزم التعليق قبل نفي ما
قال السندوبي في تنبيه: وذهب بعضهم إلى أن التعليق لا يختص بأفعال القلوب. وصرح به المرادي في الشرح نحو: عرف، ونظر، وتفكر، وسأل، وأبصر، وما بمعناها.
وعليه ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩] .
٤- الحال، بعد قول الناظم:
وجملة الحال سوى ما قدما بواو أو بمضمر أو بهما
قال السندوبي: إذا انفردت الواو لزمتها قد وإن انفرد الضمير أو اجتمعا جاز إثبات قد وحذفها، وذهب الفراء وأبو عليّ والمبرد إلى اشتراط قد مع الماضي ظاهرة أو مقدرة، واختار المرادي أنه لا يحتاج إلى تقدير قد لكثرة ما ورد بدونها.
٥- النسب، بعد قول الناظم:
وأول ذا القلب انفتاحا وفَعِل وفُعِل عينهما افتح وفِعِل
قال السندوبي نقلا عن المرادي: "قال المرادي: وفهم من اقتصاره على الثلاثي أن ما زاد عليه مما قبل آخره كسرة لا يغير، ويندرج في ذلك ما كان على خمسة أحرف نحو جَحْمرِش "للعجوز الكبير والمرأة السمجة" فتقول فيه جحمرشي، وما كان أربع متحركات نحو جندل، وما كان على أربعة أحرف وثانيه ساكن نحو تغلب، فالأولان لا يغيران وكذا الثالث في العرف وقيل: يفتح" إلخ.
[ ١ / ١٥٣ ]
٦- الإمالة، بعد قول الناظم:
وكف مستعل ورا ينكف بكسر را كغارما لا أجفو
قال السندوبي في تنبيه بعده "قال المرادي حروف التهجي التي في أوائل السور إن كان في آخرها ألف فمنهم من يفتح ومنهم من يميل، وإن كان في وسطها ألف نحو كاف وصاد فلا خلاف في الفتح، وقد أمالوا لكثرة الاستعمال الحجاج علما في الرفع والنصب والعجاج كذلك". ا. هـ.
الحادي عشر: ما نقله الشيخ أحمد الملوي عن المرادي
التعريف بالمؤلف:
الإمام المتقن العلامة المعمر من الوقت أحمد بن عبد الفتاح بن يوسف بن عمر المجيري الملوي الشافعي الزهري، ولد في فجر يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة ١٠٨٨هـ ثمان وثمانين وألف، وأمه آمنة بنت عامر بن حسن بن سيف الدين المغراوي، اعتنى من صغره بالعلوم عناية كبيرة فمن شيوخه أحمد بن الفقيه والشيخ منصور المنوفي والشيخ عبد الرءوف البشبيشي وغيرهم، ورحل إلى الحرمين سنة ١١٢٢هـ اثنتين وعشرين ومائة وألف، وعاد إلى مصر وهو إمام وقته، وله مؤلفات منها: شرح الأجرومية، وتوفي في منتصف شهر ربيع الأول سنة ١١٨١هـ إحدى وثمانين ومائة وألف. تاريخ الجبرتي ج١ ص٢٨٨.
الكتاب:
هو كتاب مطبوع، طبع بالمطبعة العامرة البهية. مودع بمكتبة الأزهر فرع معهد أسيوط تحت رقم ١٣.
حاشية على شرح الشيخ المكودي للألفية، فالشيخ الملوي فرغ نفسه في مزيد التأمل فيه وكثرة الإكباب على هذا الشرح فأتى بحاشية تحتوي على تدقيقات وتحقيقات وأبحاث رائعة. وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم. حمدا لمن وفقنا إلى الإعراب عما خفي من المضمرات، وعلمنا لسانا عربيا غير ذي عوج. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرافع منار الدين إلخ.
[ ١ / ١٥٤ ]
ما نقله الشيخ الملوي:
نقل الشيخ أحمد الملوي في حاشيته على شرح الألفية للمكودي، عن المرادي مواضع هي: التوكيد، كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا، جمع التكسير -في موضعين- الوقف، الإبدال، الإدغام، وإليك ذكر هذه المواضع مفصلة:
١- التوكيد، بعد قول الناظم:
وكلا اذكر في الشمول وكلا كلتا جميعا بالضمير موصلا
قال المكودي في "كل": "ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء"، قال الملوي: " قال المرادي: ذو أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه، وزاد المرادي غير مثنى" ص١١٧.
٢- تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا في قول الناظم:
كذا الذي أصله نحو الفتى والجامد الذي أميل كمتى
قوله: "الجامد" قال المرادي: "الجامد هنا ما لم يعرف له اشتقاق"، "جعل المكودي ألف "متى ولدى وعلى" مجهولة الأصل، وليس كذلك بل الألف في الثلاثة أصلية لم تقلب عن شيء والمجهولة الأصل هي نحو الددا". ا. هـ، لكن قال المرادي: "عبر بعضهم عن الأصلية بالمجهولة". ا. هـ. والمراد بالألف الأصلية هي كل ألف في حرف أو شبهة ومجهولة الأصل نحو الددا وهو اللهو فإن ألفه لا يدرى هل هي عن واو أو ياء؟ لأن الألف في الثلاثي المعرب لا تكون إلا منقلبة عن أحدهما". ا. هـ من المرادي، ص١٦٢.
٣- جمع التكسير في قول الناظم:
في اسم مذكر رباعي بمد ثالث افعلة عنهم اطرد
والزمه في فَعَال أو فِعَال مصاحبي تضعيف أو إعلال
قوله: "والزمه" قال الملوي: " قال ابن غازي عن المرادي: أشار إلى أن هذا الملزوم في غير شذوذ بقوله فيما يأتي في فعل بضمتين- ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف، لكن لم ينبه هناك إلا على المضاعف فخرج سماء بمعنى المطر".
ص١٦٥.
[ ١ / ١٥٥ ]
٤- الوقف، بعد قول الناظم:
وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها وأولها الها إن تقف
قال المكودي: "يعني أن ما الاستفهامية إذا جرت حذفها ألفها" قال الملوي معقبا على قوله: "حذف ألفها": "قال المرادي: وسبب حذف الألف إرادة التفرقة بينها وبين الموصولة والشرطية وكانت أولى بالحذف لاستقلالها بخلاف الشرطية، فإنها متعلقة بما بعدها وبخلاف الموصولة فإنها مع الصلة اسم واحد". ا. هـ منه بلفظه ص١١٨٣.
٥- الإبدال، بعد قول الناظم:
وعين ما آخره زيد ما يخص الاسم واجب أن يسلما
مثل حيدى قال الملوي: " قال المرادي: حيدى: اسم ماء" ص١٩٩.
٦- الإدغام في الموضع السابع من المواضع التي لا يجوز فيها الإدغام قال المكودي: "السابع ما كان فيه ثاني المثلين زائدا للإلحاق نحو هلل إذا أكثر من قول: لا إله إلا الله".
قال الملوي: "المزيد للإلحاق هو الياء من هلل لا أحد لاميه كذا عند المرادي. والمصنف في شرح الكافية وغيره، فانظره مع ما هنا فصوابه، لأنه زيد فيه الياء للإلحاق كما عند المرادي" ص٢٢٠٤.
الثاني عشر: ما نقله الشيخ محمد بن عبادة عن المرادي
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ محمد بن عبادة بن بري العدوي ينتهي نسبه إلى علي أبي صالح المدفون بالعلوة في بني عدي، قدم إلى مصر سنة ١١٦٤هـ أربع وستين ومائة وألف، وجاور بالأزهر، ثم حضر على شيوخ الوقت ولازم دروس علماء العصر، وصار له باع طويل وذهن وقاد وقلم سيال وفصاحة في اللسان، ومن تأليفه حاشيته على شذور الذهب لابن هشام متداولة بأيدي الطلبة نافعة، وغيرها. توفي في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف، بعد أن تعلل بعلة الاستسقاء سنين.
[ ١ / ١٥٦ ]
الكتاب:
هو كتاب مطبوع، طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية، حاشية على الشذور لابن هشام الأنصاري، أوله: الحمد لله الذي رفع مقام المتواضعين ونصب رايات التمييز لأصحاب اليقين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المعرب عن أحوال الدين. أما بعد فيقول قد من الله تعالى عليّ بتلقي هذا الكتاب الذي هو الشذور على الشيخ أحمد الدردير. مودع بمكتبة الأزهر رقم ١١٨٦-١١٩٤-١١٨٥-١٥٤١.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ عبادة في حاشيته هذه -عن المرادي المعروف بابن أم قاسم- مواضع تنحصر في أبواب المعرب، اسم الإشارة، اسم الموصول، المفعول فيه، التنازع -في خمسة مواضع- الاستثناء، ظن وأخواتها، موانع الصرف.
وسأقتصر على ذكر الجزء الأكبر من هذه المواضع على سبيل المثال:
١- باب الإعراب: قال ابن هشام: "وأقول: أنواع الإعراب أربعة: رفع ونصب وجر وجزم، وعن بعضهم أن الجزم ليس بإعراب وليس بشيء" قال عبادة معلقا على "أن الجزم إلخ": "نقل المرادي عن المازني أن الجزم ليس بإعراب" ١/ ٥٦.
٢- اسم الإشارة: قال عبادة: "تنبيه" إذ ذاك ليس من الإضافة إلى مفرد بل إلى جملة اسمية والتقدير إذ ذاك كذلك. نبه على ذلك المرادي ١/ ١٣٣.
٣- اسم الموصول الأولي: قال عبادة: "وقال بعضهم انظر هل الأولي مشتركة بين الإشارة والموصول فتعمل تارة اسم إشارة وتارة موصولا، أو أن هذا غير ذاك، وقال المرادي في شرح التسهيل: فرق بينهما وذلك أن أولي الإشارية لا يجوز دخول أل عليها والموصولة يجوز دخولها عليها، والإشارية تكتب بعد همزتها واوا بخلاف الموصولة". ١/ ١٥٣.
٤- المفعول فيه: مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]،
[ ١ / ١٥٧ ]
قال عبادة: "وفي جعل حيث مفعولا نظر؛ لأن هذا ضرب من التصرف، قال المرادي: لم يجئ حيث فاعلا ولا مفعولا ولا مبتدأ" ٢/ ١٤٤.
٥- التنازع -قال عبادة: "وفي النهاية لابن الخباز: لا يقع التنازع في المفعول له، ولا الحال ولا التمييز ويجوز في المفعول معه، تقول: قمت وسرت وزيدا، إن أعملت الثاني يشترط في المعمول ألا يقع بعد إلا على الصحيح، فلا تنازع في قوله:
ما صاب قلبي وأضناه وتيمه إلا كواعب من ذهل بن شيبانا
والمانع من كونه من التنازع أنه لو كان منه لزم إخلاء الفعل الملغي من الإيجاب، ولزم في نحو ما قام وقعد إلا أنا. إعادة ضمير غائب على حاضر. قال المرادي: حمله في التسهيل على الحذف على تأويل ما قام أحد وقعد إلا أنا فحذف أحد لفظا واكتفي بقصده ودلالة المعنى والاستثناء عليه" ٢/ ١٧١.
٦- موانع الصرف -الوصفية وزيادة الألف والنون- قال ابن هشام: "ويشترط لتأثير الصفة أمران الثاني عدم قبولها التاء، ولهذا انصرف نحو ندمان وأرمل لقولهم ندمانة وأرملة". قال عبادة معلقا على ندمانة وأرملة " وقد جمع ابن مالك ما جاء على وزن فعلان ومؤنثه فعلانة في قوله من بحر الهزج "أجز فعلي لفعلانا إلخ. وزاد المرادي لفظين:
وزد فيهن خمصانا على لغة وأليانا
" ٢/ ٢٠٢.
الثالث عشر: ما نقله الشيخ أحمد السجاعي عن المرادي:
نقل الشيخ السجاعي عن المرادي في:
الأول: حاشيته على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، المسماة "فتح الجليل".
الثاني: حاشيته على شرح قطر الندى وبل الصدى لابن هشام.
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد السجاعي، ولد بالقاهرة ووالده من
[ ١ / ١٥٨ ]
السجاعية قرية قرب المحلة قد قدم الأزهر وأقام في القاهرة، ونشأ الشيخ أحمد تحت رعاية والده وإشرافه فتمهر ودرس وأفتى وألف، توفي رحمة الله عليه سنة ١١٩٧ بعد سبع من وفاة والده سميه أحمد السجاعي كما هو مكتوب على قبرهما الكائن بالقرافة الكبرى عن شمال مقام الأستاذ الحفني عمت بركاتهم.
الحاشية الأولى: أولها: الحمد لله الذي رفع قدر من انخفض لربوبيته، وأعز شأن من انتصب لنصر دينه وأقام حجته، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ذي الجاه الرفيع. وهي كتاب مطبوع بالمطبعة العامرة البهية في آخر شهر ربيع الآخر سنة ١٣٠٧هـ، مودع بمكتبة الأزهر رقم ٢٤٤-٢٤٧-٣٣٩٠.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ السجاعي عن المرادي في هذه الحاشية معتدا برأيه معتمدا عليه في أبواب: الكلام -في موضعين- والمعرب والمبني -في ثلاثة مواضع- وأفعال المقاربة، وإن وأخواتها، والفاعل، ونائب الفاعل، والاشتغال، والمفعول معه، والإضافة -في موضعين- وأفعل التفضيل، والنداء، وما لا ينصرف، وإعراب الفعل، وجمع التكسير -في موضعين-
وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال:
١- في المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
كذا أولات والذي اسما قد جعل كأذرعات فيه ذا أيضا قبل
"الذي اسما قد جعل" ما سمي به من هذا الجمع والملحق به نحو أذرعات ينصب بالكسرة كما كان قبل التسمية به، ولا يحذف به منه التنوين. قال السجاعي معلقا على "ولا يحذف منه التنوين" قال المرادي: وإنما نون على اللغة المشهورة مع أن حقه منع الصرف للتأنيث والعلمية، لأن تنوينه ليس للصرف بل للمقابلة. ص٢٧.
٢- في باب ظن وأخواتها، بعد قول الناظم:
ظن حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
[ ١ / ١٥٩ ]
قال السجاعي معلقا على "حجا": "بمعنى ظن لا بمعنى غلب في المحاجاة أو قعد أو رد أو قام أو بخل. قال المرادي: أو ساق أو كتم". ص١١٠٦.
٣- في باب المفعول معه، بعد قول الناظم:
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق
والنصب إن لم يجز العطف يجب أو اعتقد إضمار عامل تصب
قال السجاعي معلقا على قول: "أو اعتقد": ذكر المرادي: "فيه احتمالان" أحدهما أن يكون تخييرا فيما امتنع عطفه بين نصبه على المعية وبين إضمار عامل حيث يصح إضماره وثانيهما. أن يكون تنويعا في ذلك". ص١٤٣.
٤- في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإن وإذ ينون يحتمل
قال السجاعي في تنبيه بعد هذا "وقولهم إذ ذاك ليس من الإضافة إلا مفرد بل إلى جملة اسمية التقدير: إذ ذاك كذلك تبع عليه المرادي". ا. هـ. ١٧٣.
٥- في باب النداء، بعد قول الناظم:
والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض
قال السجاعي بعد هذا البيت: "تتمة" نقل المرادي في استعمال اللهم ثلاثة أحوال: أحدها: أن يراد النداء المحض نحو اللهم أثبنا الثاني. أن يذكره المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع يقول لك القائل: أزيد قام؟ فتقول أنت: اللهم نعم أو اللهم لا.
الثالث: أن تستعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور نحو "أنا لا أزورك اللهم إذا لم تدعني" ألا ترى أن وقوع الزيادة مقرونا بعدم الدعاء قليل". ا. هـ. ص٢٩٩.
٦- فيما لا ينصرف، بعد قول الناظم:
ووصف أصلي ووزن أفعلا ممنوع تأنيث بتا كأشهلا
[ ١ / ١٦٠ ]
علق السجاعي على قوله: "ممنوع": " واعلم أنه قد دخل في كلام الناظم ما لا مؤنث له كأكمر وخرج عنه ما مؤنثه بالتاء فإنه منصرف نحو أرمل بمعنى فقير فإن مؤنثه أرملة.
قال المرادي: وأما قولهم عام أرمل فغير مصروف؛ لأن يعقوب حكى فيه سنة رملاء" ص٢٤٩.
٧- في جمع التكسير، بعد قول الناظم:
وبفعالل وشبهه انطقا في جمع ما فوق الثلاثة ارتقى
قال السجاعي معلقا على الشبه: "قال المرادي: والمراد بشبهه ما يماثله في العدد والهيئة وإن خالفه في الوزن نحو مفاعل وفياعل" ص٢٩٧.
الحاشية الثانية.
أولها: بسم الله الرحمن الرحيم. حمدا لمن رفع في الدارين قدر أحبابه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي خفض الكفر مع أصحابه وعلى آله وأصحابه وجنده وسائر أحزابه أجمعين. وهي كتاب مطبوع مودع بمكتبة الأزهر رقم ٨٦٩-٩٥٤-١٢٢٠-١٤٤٦.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ السجاعي في حاشيته على القطر عن المرادي في ثلاثة مواضع:
١- في المعرب والمبني، بعد أن قسم ابن هشام المبني إلى أربعة أقسام، ثم قسم المبني على الكسر إلى قسمين، قسم متفق عليه وهو هؤلاء، وقسم مختلف فيه وهو حذام وقطام ونحوهما من الأعلام المؤنثة الآتية على وزن فعال وأمس إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك.
قال السجاعي معلقا على قوله: "من الأعلام المؤنثة": "وفي سبب بناء ما ذكر أقوال: أحدها: شبهه بنزال وزنا وتصريفا وعدلا وتأنيثا، والثاني تضمنه معنى هاء التأنيث، والثالث: توالي العلل وليس بعد منع الصرف إلا البناء.
[ ١ / ١٦١ ]
والأول، هو المشهور ذكره المرادي، ووجه علمية نزال المؤنث أنه علم على صيغة إنزال" ص١٣.
٢- في اسم الموصول: قال ابن هشام: يعدد الأسماء الموصولة وأل في وصف تصريح لغير تفضيل المضارب والمضروب. قال السجاعي معلقا على قوله "وأل في وصف": "أي مع وصف صريح، الوصف ما دل على حدث معين وصاحبه وذكر ابن عقيل والمرادي أن أل لمن يعقل وغيره" ص٥٩.
٣- في الاستغاثة: من استعمالات المستغاث به عند ابن هشام ألا تدخل عليه اللام من أوله ولا تلحقه الألف من آخره فيجري عليه حكم المنادى ومثل بقول الشاعر:
ألا يا قوم للعجب العجيب وللغفلات تعرض للأريب
قال السجاعي معلقا على قوله: "ألا يا قوم إلخ": "من الوافر، ألا حرف تنبيه ويا حرف نداء وقوم منادى وهو محل الشاهد، حيث ترك فيه الألف واللام جميعا إذ القياس يا لقوم أو يا قوما فحذفت منه ياء المتكلم وأبقيت الكسرة أو جعل كالمنادى المطلق فيضم نحو "يا زيد لعمرو" وعليه اقتصر المرادي" ص١٠٣.
الرابع عشر: ما نقله أبو عبد الله بن سعيد التونسي في حاشيته على الأشموني عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو العالم الأعلم المدقق الشيخ أبو عبد الله محمد بن عليّ بن سعيد التونسي المالكي، وكانت وفاته على شرخ الشباب دون اكتمال الثلاثين من عمره سنة ١١٩٩ بتونس، ودفن بجوار سيدي أحمد السقا خارج باب حرمة العلوج ﵀ رحمة واسعة.
الكتاب: هو كتاب مطبوع في مطبعة الدولة التونسية المحروسة سنة ١٢٩٣. مودع بمكتبة الأزهر رقم ٥٨٦-١١٠٣.
دون في الصفحة الأولى الحاشية المرسومة. بظواهر الكواكب. لبواهر
[ ١ / ١٦٢ ]
المواكب. على شرح العلامة نور الدين أبي الحسن عليّ بن محمد الأشموني الشافعي -المعنون- بمنهج السالك إلى ألفية ابن مالك.
أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. بالثناء عليك نتقرب إليك، وبشكر نعمك، نقرع باب كرمك. فقد قرنت رضاك بذكرك وزيادة نعمك بشكرك إلخ. وأخيرا قال المؤلف: فرغت من تحريره بعد مغرب يوم الأحد الثاني والعشرين من قعدة الحرام من سنة ١١٩٧.
ما نقله عن المرادي: نقل الشيخ أبو عبد الله التونسي في حاشيته هذه عن المرادي من شرحه للألفية وشرحه للتسهيل مواضع تنحصر في: الكلام، النكرة والمعرفة، اسم الإشارة، اسم الموصول -في موضعين- المبتدأ، كان وأخواتها، الاستثناء -في موضعين- حروف الجر، الإضافة، ما لا ينصرف، التصغير.
وسأقتصر على بعض هذه المواضع ممثلا بها:
١- النكرة والمعرفة، بعد قول الناظم:
ومن ضمير الرفع ما يستتر كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر
قال التونسي في حاشيته: "ونقل المرادي في شرح التسهيل أنه أجاز في هو من نحو مررت برجل مكرمك هو أن يكون فاعلا، وأن يكون توكيدا، وكذلك إذا جرى الوصف على غير من هو له، وإبراز الضمير يكون فاعلا باتفاق عند البصريين والكوفيين، والنظر الجيد أن يقال: ما ذهب إليه ابن مالك وابن يعيش وغيرهما مشكل؛ لأنه لا يخلو إما أن يريدوا بجواز الاستتار أنه يجوز إبراز الضمير متصلا أو منفصلا، والأول متعذر والثاني مخالف لما أصلوه من القواعد، وهو أنه إذا أمكن الاتصال لا يعدل عنه إلى الانفصال إلا فيما يستثنى وليس هذا منه. هذا كلامه" ١/ ١١٥.
٢- الاسم الموصول، بعد قول الناظم:
موصول الاسماء الذي الأنثى التي واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
فخرج بقيد الأسماء. قال أبو سعيد: "اعلم أن الشارح قد شرح حد
[ ١ / ١٦٣ ]
الموصول هنا على الوجه الذي شرحه به المصنف والشيخ الأثير والمرادي، فإنهم قالوا: إنما يخرج الموصول الحرفي بقوله الأسماء" ١/ ١٣٧.
٣- المبتدأ، بعد قول الناظم:
والمفرد الجامد فارغ وإن يشتق فهو ذو ضمير مستكن
قال التونسي: معلقا على "فهو ذو ضمير مستكن": "أي وجوبا على ما هو ظاهره هنا، وفي شرح التسهيل للمرادي: ظاهر كلام المصنف وجوب الاستتار وأنه إن أبرز كان توكيدا لا فاعلا بالصفة، وقد أجاز سيبويه في "مررت برجل مكرمك هو" الوجهين" ١/ ١٧٠.
٤- الإضافة، بعد قول الناظم:
ومع مع فيها قليل ونقل فتح وكسر لسكون يتصل
قال التونسي تعليقا على "ونقل": "هذا هو الذي ارتضاه الشاطبي والمكودي والموضح والسيوطي.
ورأى المرادي أن ليس الكسر والفتح في الساكنة العين بل الفتح في المفتوحة المعربة والكسر في المسكنة المبنية، وهو الذي يظهر من عبارة التسهيل حيث لم يتعرض للفتح عند ملاقاة الساكن، وها هي عبارته، وتسكينها قبل حركة وكسرها قبل سكون لغة ربيعة، وفي نسخ كثيرة ما يخالف هذا ويوافق كلام المرادي فاعرفه" ١/ ٣٣٩.
٥- ما لا ينصرف، بعد قول الناظم:
والعدل والتعريف مانعا سحر إذا به التعيين قصدا يعتبر
قال الأشموني: "سحر إذا أريد به سحر يوم بعينه، وذهب المطرزي إلى أنه مبني لتضمنه معنى حرف التعريف، قال في شرح الكافية، وما ذهب إليه مردود بثلاثة أوجه، الثالث أنه لو كان مبنيا لكان جائز الإعراب جواز إعراب حين في قوله "على حين عاتبت المشيب على الصبا" لتساويهما في ضعف سبب البناء بكونه عارضا قال أبو سعيد معلقا على التنبيه الثالث: "أنه لو كان مبنيا في شرح
[ ١ / ١٦٤ ]
التسهيل للمرادي فيه نظر؛ لأن تضمن الاسم معنى الحرف سبب للبناء ولا يضر كونه عارضا" ٢/ ١٩٩.
٦- التصغير، بعد قول الناظم:
واختم بتا التأنيث ما صغرت من مؤنث عار ثلاثي كسن
ما لم يكن بالتا ذا لبس كشجر وبقر وخمس
قال الأشموني في تنبيهات: " الثالث: إذا سميت مؤنثا ببنت وأخت حذفت هذه التاء ثم صغرت وألحقت تاء التأنيث فتقول: بنية وأخية، وإذا سميت بهما مذكرا لم تلحق التاء فتقول بني وأخي" قال أبو سعيد معلقا على "إذا سميت مؤنثا إلخ" "عبارة المرادي في شرح التسهيل إذا سميت مذكرا ببنت وأخت ثم صغرتها حذفت التاء ورددت لأم الكلمة فقلت: بني وأخي ولا يعوض منها تاء التأنيث، ولو سميت بهما مؤنثا حذفت هذه التاء وعوضت منها تاء التأنيث وقلت: بنية وأخية كما إذا كانا نكرتين" ٢/ ٢١٧.
الخامس عشر: ما نقله أبو العرفان الصبان عن المرادي:
التعريف بالمؤلف: هو أبو العرفان محمد بن عليّ الصبان، ولد بالقاهرة ونشأ فقيرا متواكلا مستجديا الخلق مع العفة، واجتهد في طلب العلم، وحضر على أشياخ العصر كالمدابغي والأجهوري والعدوي ودرس الكتب القيمة واعترف العلماء بفضله في مصر والشام، فالتف حوله الخلائق الكثيرون، وصنف مؤلفات في النحو أشهرها حاشيته على الأشموني. توفي وصلي عليه بالأزهر في حفل مهيب سنة ١٢٠٦هـ.
الكتاب:
هو كتاب مطبوع. حاشية على شرح ألفية ابن مالك للأشموني.
أوله: نحمدك اللهم على ما وجهت نحونا من سوابغ النعم، ونشكرك على ما أظهرت لنا من مبهمات الأسرار ومضمرات الحكم تحتوي هذه الحاشية على
[ ١ / ١٦٥ ]
تلخيص زبدة ما كتبه السابقون قبله على شرح الأشموني، وتنبيهه على ما وقع لهم من أسقام الأفهام، والتعليق عليه، وتبيان العلمية، وتحامل على الحفني في شدة وعنف، وأسرف في التشهير به متجاوزا العرف التقليدي، ويوضح الأمور ويبينها. وفرغ المؤلف من هذه الحاشية يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة من صفر سنة ١١٩٣ ثلاث وتسعين ومائة وألف على يد مؤلفها.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ الصبان في حاشيته هذه عن المرادي من كتبه: الجنى الداني وشرح التسهيل وشرح الألفية، مواضع كثيرة متعددة، وذلك دليل على قوة المرادي في آرائه.
والمواضع هي: الموصول -في موضعين- الابتداء -في موضعين- إن وأخواتها، ظن وأخواتها -في موضعين- تعدي الفعل ولزومه، التنازع، المفعول له، حروف الجر، الإضافة، المضاف إلى ياء المتكلم، أفعل التفضيل، التوكيد، البدل، النداء -في موضعين- أسماء الأصوات والأفعال، ما لا ينصرف -في موضعين- إعراب الفعل -في موضعين- الإخبار بالألف واللام -في ثلاثة مواضع- العدد -في موضعين- كم وكأين وكذا، التأنيث، وتثنية المقصور والممدود، جمع التكسير -في ثلاثة مواضع- الوقف -في موضعين- الإمالة، التصريف -في ثلاثة مواضع- الإبدال -في تسعة مواضع- الإدغام.
وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي
قال الصبان معلقا على قول الأشموني: فمن الأول.
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا إذا أنه عبد القفا واللهازم
" وكن أرى -بضم الهمزة ووجه تعدية المضموم إلى مفعولين مع أنه مضارع أرى المتعدي إلى ثلاثة
[ ١ / ١٦٦ ]
لكن قال المرادي -في شرح المتن: إن من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة أرى بالبناء للمفعول، مضارع أريت بمعنى أظننت كذلك، وكذا في شرحه للتسهيل وزاد فيه عن سيبويه وغيره أن أريت بمعنى أظننت لم ينطق له بمبني للفاعل، كما لم ينطق بأظننت التي أريت بمعناها " ١/ ٢٢٠.
٢- التنازع في العمل، بعد قول الناظم:
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل
قال الأشموني: "والاحتراز بكونهما مقتضيين للعمل من نحو: "أتاك أتاك اللاحقون" إذ الثاني توكيد". قال الصبان: "قال المرادي في شرح التسهيل: ويحتمل قوله: "أتاك أتاك" أن يكون من التنازع ويكون قد أضمر مفردا" ٢/ ٧٢.
٣- حروف الجر -بعد الوضع الخامس في زيادة الباء- وهو التوكيد.
قال الصبان: "والزائدة مع المفعول غير مقيسة، وإن كان مفعول كفى نحو: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع". كذا في الجنى الداني" ٢/ ١٩٩.
٤- أفعل التفضيل -في آخره- التنبيه الثالث- قال في شرح الكافية:
أجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به إن وجد ما يوهم ذلك جعل نصبه بفعل مقدر "الله أعلم حيث يجعل رسالاته" فحيث هنا مفعول فيه. قال الصبان: " وفي المرادي على التسهيل: لم تجئ حيث فاعلا ولا مفعولا به ولا مبتدأ". ا. هـ. ٣/ ٤٢.
٥- المنادى، بعد قول الناظم:
واضمم أو انصب ما اضطرارا نونا مما لا استحقاق ضم بينا
قال الصبان: "وإذا ضممت المنادى المفرد المنون ضرورة فلك في نعته الضم والنصب وإن نصبته تعين نصب نعته فإن نون مقصور نحو يا فتى للضرورة، فإن نوى الضم جاز في نعته الوجهان، أو النصب تعين نصب نعته كذا في شرح التسهيل للمرادي" ٣/ ١١.
[ ١ / ١٦٧ ]
٦- التوكيد، بعد قول الناظم:
بالنفس أبو العين الاسم أكدا مع ضمير طابق المؤكدا
قال الأشموني: "أي في الإفراد والتذكير وفروعهما فتقول: جاء زيد نفسه أو عينه أو نفسه وعينه فتجمع بينهما" قال الصبان معلقا على قوله فتجمع بينهما "أي بلا عطف. والظاهر أن تقديم النفس على العين لازم وقيل: حسن كذا في المرادي" ٣/ ٥٦.
٧- كم: الفرق بين كم الاستفهامية والخبرية:
قال الأشموني: "وأنهما يلزمان الصدر فلا يعمل فيهما ما قبلهما إلا المضاف وحرف الجر" قال الصبان: "قال المرادي: وحكى الأخفش أن بعض العرب يقدم العمل على كم الخبرية. فقيل: لا يقاس عليه، والصحيح جواز القياس عليه لأنها لغة" ٤/ ٦٠.
٨- تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا:
قال الصبان: "ومثل المرادي المجهولة الأصل -أي الألف- بنحو الددا وهو اللهو، قال، لأن ألفه لا يدرى أهي عن ياء أو واو" ٤/ ٨٢.
٩- التصغير، بعد قول الناظم:
فعيعل مع فعيعيل لما فاق كجعل درهم دريهما
قال الأشموني: " إن كل اسم قصد تصغيره فلا بد أن يضم أوله ويفتح ثانيه" قال الصبان معلقا على هذا: "مما علل به ذلك أنهم فتحوا في التكسير أول الرباعي والخماسي ولم يبق إلا الكسر والضم، وكان الضم أولى لقوته وفتحوا ثانيه، لأن ياء التصغير، وألف التكسير في نحو مفاعل متقابلان ما قبل الياء على ما قبل الألف. ا. هـ. مرادي مع بعض تغيير" ٤/ ١١٤.
١٠- الإمالة، بعد قول الناظم:
ولا تمل ما لم ينل تمكنا دون سماع غيرها وغيرنا
[ ١ / ١٦٨ ]
قال الأشموني: "وحكى قطرب إمالة لا لكونها مستقلة" قال الصبان: إمالة "لا" أي الجوابية وقوله: لكونها مستقلة أي في الجواب كما في المرادي" ٤/ ١٧٣.
١١- الإبدال، بعد قول الناظم:
كذاك ثاني لينين اكتنفا مد مفاعل كجمع نيفا
قال الأشموني: " وأما ضياون فشاذ مع أنه لما صح في واحده صح في الجمع فقالوا ضياون كما قالوا ضيون وكان قياسه ضين، والصحيح أنه لا يقاس عليه، قال الصبان معلقا على قوله والصحيح أنه "أي على ضياون في تصحيح الواو وما أشبهه في صحة واحده إذا أوجد وذهب أناس إلى القياس كذا في المرادي" ٤/ ٢١٨.
السادس عشر: ما نقله الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي في حاشيته على مغني اللبيب عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، ولد ببلدة دسوق من قرى مصر، وحضر إلى مصر وحفظ القرآن، ولازم حضور دروس الشيخ على الصعيدي والشيخ الدردير، وتصدر للإقراء والتدريس، وكان فريدا في تسهيل المعاني وتبيين المباني، يفك كل مشكل بواضح تقريره، وكان لين الجانب، وله تأليفات واضحة العبارات.
وتوفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر، وخرجوا بجنازته من درب الدليل وصلى عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بتربة المجاورين، وذلك في عام ١٢٣٠هـ.
الكتاب:
هو كتاب مطبوع، شرح على مغني اللبيب لابن هشام، أوله: الحمد لله مانح الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب وعلى آله وأصحابه، أما بعد فيقول العبد الفقير محمد الدسوقي، لما رأيت نسخة من المغني
[ ١ / ١٦٩ ]
التي بخط والدي عليها تقاييد مفيدة تعين على مطالعة الكتاب وخفت عليها من الضياع حملني على تجريدها إخواني المحبون، وفي آخره قال: لزمت شيخنا الشيخ أحمد الدردير في قراءته لهذا الكتاب من أوله إلى آخره ابتداء من سنة ١١٧٣ إلى تمام سنة ١١٧٤ سادس سنة من مجاورتي للأزهر، وهو مودع بمكتبة الأزهر رقم ٥٨، ١٣، ١١١٩.
ما نقله:
نقل الشيخ محمد بن عرفة الدسوقي في حاشيته هذه في جزئه الأول عن المرادي من كتابه الجنى الداني، في مواضع هي: إما "المكسورة المشددة"، أما "بالفتح والتخفيف"، إلا "بالكسر والتشديد"، بله، رب، قد.
وسأذكر خمسة مواضع منها على سبيل التمثيل:
١- أمَا -بالفتح والتخفيف- قال المغني: "أمَا على وجهين وزاد المالقي لأمَا معنى ثالثا هو أن تكون حرف عرض بمنزلة "ألا" فتختص بالفعل نحو أمَا تقوم وأمَا تقعد" قال الدسوقي: "قال ابن أم قاسم: ونص المالقي على أن "أمَا" التي للعرض بسيطة كأمَا التي للاستفتاح، ثم قال ابن أم قاسم: وكون أمَا حرف عرض لم أره في كلام غيره" ص٧٨.
٢- إلا -بالكسر والتشديد- على أربعة أوجه. قال المغني: "الثاني أن تكون بمنزلة غير فيوصف بها وبتاليها جمع مذكر أو شبهه" قال الدسوقي معلقا على "فيوصف بها وبتاليها": "أي لا بها وحدها خلافا لبعضهم، وإنما صح أن يوصف بها وبتاليها؛ لأن مجموعها يؤدي معنى الوصف وهو المغايرة كذا قال ابن أم قاسم" ص١٠٢.
٣- بله: قال المغني: "بله على ثلاثة أوجه: اسم لدع ومصدر بمعنى الترك واسم مرادف لكيف". قال الدسوقي معلقا على "واسم مرادف لكيف": "قال الدماميني: وفات المصنف وجه رابع، وهو أنها حرف على مذهب الأخفش حكاه عنه ابن أم قاسم في الجنى الداني" ص١٦٨.
٤- رب: انفراد رب عن غيرها من كم الخبرية وقد والتصغير، قال المغني:
[ ١ / ١٧٠ ]
"وتنفرد رب، ووجوب تنكير مجرورها ونعته إن كان ظاهرا وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميرا"، قال الدسوقي معلقا على قوله: "وإفراده وتذكيره إلخ": "وحكى الكوفيون مطابقة الضمير للتمييز نحو: "ربهما رجلين، وربهم رجالا، وربها امرأة" حكوا ذلك نقلا عن العرب، وقال ابن عصفور: إنهم حكوا ذلك قياسا وليس كما قال. كذا في الجنى الداني". ا. هـ. ص٢٠١.
٥- قد: قال المغني: "قد على وجهين: حرفية وستأتي واسمية وهي على وجهين: اسم فعل وستأتي واسم مرادف لحسب وهذه تستعمل على وجهين والمستعملة اسم فعل مرادفة ليكفي، وقوله: قدني من نصر الخبيبين قدي. تحتمل قد الأولى مرادفة حسب على لغة البناء وأن تكون اسم فعل، وأما الثانية فتحتمل الأول وهو واضح".
قال الدسوقي معلقا على قوله: "وهو واضح": "لأن حذف النون حينئذ ليس ضرورة أما أنها معربة فظاهر وأما على أنها مبنية على ما نقله ابن أم قاسم من جواز حذف النون من المبنية" ص٢٤٩.
السابع عشر: ما نقله الشيخ محمد الأمير في حاشيته على مغني اللبيب عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن محمد السنباوي المالكي الأزهري الشهير بالأمير. ولد بناحية صنبو "من قرى ديروط" بالصعيد، حيث نزل جده هناك، وكان مولده في شهر ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة، وألف بأخبار والديه وارتحل معهما إلى مصر وهو ابن تسع سنين وحضر دروس أعيان عصره واجتهد في التحصيل، وله مؤلفات منها حاشية على المغني لابن هشام وحاشية على شرح الشذور لابن هشام وحاشية على الأزهرية، توفي يوم الاثنين عاشر ذي القعدة الحرام سنة ١٢٣٢ مائتين واثنتين وألف، ودفن قرب عمارة السلطان قايتباي.
[ ١ / ١٧١ ]
الكتاب:
هو كتاب مطبوع، طبع بدار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.
وهو حاشية على كتاب مغني اللبيب لابن هشام، أوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي نحوه بل علمه مغنٍ عن سؤاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله والشيخ الأمير في حاشيته هذه نقل عن المرادي المعروف بابن أم قاسم في الجزء الأول منه فقط وكان نقله من الجنى الداني، ومودع في مكتبة الأزهر رقم ٢٠٣٤-٣٣٩٥-٦٥٦٣.
ما نقله:
نقل عن المرادي من كتابه الجنى الداني الذي سار على نمطه واعتمد عليه وأخذ عنه ابن هشام في كتابه مغني اللبيب، وكان نقل الشيخ الأمير في أبواب هي: حرف الباء "بجل"، حرف الراء "رب"، حرف القاف "قد"، حرف الكاف "الكاف غير الجارة، كان"، حرف اللام "لولا، لعل"، وسأقتصر على ذكر بعض المواضع على سبيل المثال.
١- قد: قال صاحب المغني بعد أن قسم قد على وجهين: حرفية واسمية، والاسمية على وجهين: اسم فعل واسم مرادف لحسب قال: "والمستعملة اسم فعل مرادفة ليكفي يقال: قدني من نصر الخبيبين قدي. تحتمل قد الأولى أن تكون مرادفة لحسب على لغة البناء، وأن تكون اسم فعل، وأما الثانية فتحتمل الأول وهو واضح".
قال الأمير في حاشيته معلقا على قوله: "مرادفة ليكفي": " وقد صرح ابن أم قاسم بأنه بمعنى كفى".
وعلق على قوله: "هو واضح": "أي لأن حذف النون حينئذ ليس بضرورة أما على أنها معربة فظاهر وأما على أنها مبنية فعلى ما نقله ابن أم قاسم من جواز حذف النون من المبنية". ا. هـ. ص١٤٧.
٢- الكاف غير الجارة، وهي اللاحقة لبعض أسماء الأفعال، قال المغني: "ولبعض أسماء الأفعال نحو حيهلك ورويدك والنجاءك وأرأيتك بمعنى أخبرني نحو: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ".
[ ١ / ١٧٢ ]
قال الأمير معلقا على "بمعنى أخبرني": "اعلم أن المصنف وابن أم قاسم المرادي صاحب الجنى الداني وشرح التسهيل اختارا أن أرأيت هذه منقولة من العلمية لا البصرية لأنها تتعدى إلى اثنين، نحو أرأيتك زيدا ما صنع، فالتاء فاعل والكاف حرف خطاب على الصحيح وزيدا مفعول أول وجملة الاستفهام مفعول ثان " ص١٥٦.
٣- لولا: قال المغني: "على أربعة أوجه أحدها أن تدخل على جملتين اسمية ففعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى نحو: "لولا زيد لأكرمتك" وليس المرفوع بعد لولا فاعلا بفعل محذوف ولا بلولا لنيابتها عنه ولا بها أصالة".
قال الأمير معلقا على قوله: "لنيابتها عنه": "في الجنى الداني أن الفراء حكى عن بعضهم أنه مرفوع بلولا لنيابتها منابه لو لم يوجد، ورد بأنك تقول لولا زيد لا عمرو لأتيتك ولا يعطف بلا بعد النفي". ا. هـ. ص٢١٥.
٤- لعل -لغاتها- قال المغني: "فيها عشر لغات قال الأمير: وفي الجنى الداني وفي لعل اثنتا عشرة لغة فذكر هذه إلا لعلت وذكرهنَّ ورعل وغن قال: واختلف في الغين المعجمة في تلك اللغات الثلاث فقيل: بدل من المهملة وقيل: ليست بدلا منها". ا. هـ. ص٢٢٣.
الثامن عشر: ما نقله الشيخ حسن العطار عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ حسن بن محمد العطار الشافعي المصري الأزهري، أقام في مصر ودرس لبعض الطلاب في الجامع الأزهري، ثم دهم مصر ما دهمها من حادثة الكفرة الفرنسيين، فخرج فارا من مصر إلى البلاد الرومية، فأقام بالبلاد مدة طويلة ثم توجه إلى دمشق الشام فصادف دخوله فيها زوال يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول سنة خمس وعشرين ومائتين وألف ومن مؤلفاته في النحو حاشية على شرح الأزهرية للشيخ خالد، المتوفى سنة ١٢٥٠هـ.
[ ١ / ١٧٣ ]
الكتاب:
هو كتاب مطبوع، حاشية في علم النحو على كتاب شرح الأزهرية لمؤلفه الشيخ خالد الأزهري.
أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله
وقد جمع المؤلف هذه الحاشية وقت أن كان بالجامع الأزهر، وجعلها في مسودة ثم استصحبها حينما توجه إلى البلاد الرومية، ولما استقر به المقام في دمشق شرع في نقل هذه الحاشية من المسودة، ووافق تمام النقل يوم الثلاثاء المبارك السابع عشر من جمادى الأولى عام خمسة وعشرين ومائتين بعد الألف.
مودع بمكتبة الأزهر رقم ٧٠-٨١٦-١٢١٨-١٧٩١.
ما نقله عن المرادي:
نقل الشيخ العطار في حاشيته هذه عن المرادي أربعة مواضع هي: الممنوع من الصرف، المبتدأ والخبر، تابع المرفوع، المفعول فيه.
وسأذكر هذه المواضع تفصيلا:
١- الممنوع من الصرف: الوصف والعدل كأخر، قال العطار معلقا على "كأخر": "بضم الهمزة جمع أخرى مؤنث آخر بفتح الهمزة والخاء والمد بمعنى غير وهو من باب أفعل التفضيل فإذا قلت: مررت بزيد ورجل آخر فمعناه أحق بالتأخير من زيد في الذكر؛ لأن الأول قد اعتني به في التقدم في الذكر قاله المرادي في شرح التسهيل" ص١٠٨.
٢- الخبر: الخبر الجملة إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا، قال العطار "تتمة" قال المرادي: قال بعض المتأخرين في الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا أربعة مذاهب.
أحدها: أنهما من قبيل المفردات فيكون العامل فيها اسم فاعل، الثاني: أنهما من قبيل الجملة فيكون العامل فيهما فعلا نحو كان أو استقر أو يستقر وهذا مذهب جمهور البصريين.
[ ١ / ١٧٤ ]
الثالث: يجوز أن يكونا من قبيل المفرد وأن يكونا من قبيل الجملة وهو اختيار بعض المتأخرين.
الرابع: أنهما قسم برأسه وهو مذهب ابن السراج" ص١٣٦.
٣- الباب السابع من المرفوعات تابع المرفوع، وهو كل ثان أعرب إعراب سابقه الحاصل والمتجدد. قال العطار: " وزاد المرادي في التعريف قيدا لإخراج الخبر الثاني فقال: وليس خبرا " ص١٤٩.
٤- المفعول فيه وهو ما ضمن معنى "في" من اسم زمان مطلقا سواء كان مبهما أو مختصا.
قال العطار معلقا على "سواء كان مبهما أو مختصا": "قال المرادي في شرح التسهيل: المبهم من الزمان ما وقع على قدر من الزمن غير معين كوقت وحين.
والمختص قسمان: محدود وغيره فالمحدود هو ماله قدر من الزمن معلوم نحو يومين وشهر وسنة والمحرم وسائر أيام الشهور ونحو الصيف والشتاء، والمختص غير المحدود كأسماء الأيام كالسبت والأحد وما أضافت إليه العرب شهرا من أعلام الشهور وهو رمضان وربيع الأول وربيع الثاني وما اختص بأل أو الصفة أو الإضافة" ص١٨٥.
التاسع عشر: ما نقله الشيخ محمد الخضري عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو الشيخ محمد الدمياطي الشافعي الشهير بالخضري المولود في عام ١٢١٣هـ المتوفى في عام ١٢٨٧هـ. وهو من أكابر علماء الشافعية، وأخذ عنه الجم الغفير، وواظب على الإفادة والتدريس، إلى أن انتقل إلى دار الكرامة يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث صفر ودفن في مشهد حافل.
الكتاب:
هو حاشية على شرح الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عقيل لألفية ابن مالك. أوله: بسم الله الرحمن الرحيم. نحمدك اللهم يا من تفضل على من نحا نحوه بتواتر خلاصة نعمه الكافية
[ ١ / ١٧٥ ]
وهو كتاب مطبوع قال في آخره: وهذا آخر ما يسره الله تعالى على هذا الشرح المبارك.
قال المؤلف: وقد وافق فراغ تأليفه بعد عصر يوم السبت الحادي عشر من ربيع الثاني سنة ١٢٥٠ من الهجرة. مودع في مكتبة الأزهر رقم ١٠٢٨-١١٣٨-١٤٧٤.
ما نقله:
نقل الشيخ محمد الخضري في حاشيته هذه عن المرادي في أبواب هي: الكلام، العلم، التنازع، المفعول المطلق، التمييز -في موضعين- النداء، أسماء الأفعال والأصوات، ما لا ينصرف، كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما، الإبدال.
وسأكتفي بذكر بعض المواضع على سبيل المثال:
١- العلم، بعد قول الناظم:
ومثله برة للمبره كذا فجار علم للفجره
قال ابن عقيل: "وحكم علم الجنس في المعنى كحكم النكرة". قال الخضري: فهو نكرة معنى كما هو ظاهر المتن، ونص عليه المصنف في شرح التسهيل، لكن تعقبه المرادي بأن تفرقة الواضع بين أسد وأسامة لفظا تؤذن بفرق في المعنى وإلا لزم التحكم" ١/ ١٦٦.
٢- التمييز، بعد قول الناظم:
والنصب بعدما أضيف وجبا إن كان مثل ملء الأرض ذهبا
قال الخضري: "وقال الأشموني والمرادي: "إن كان مثل ملء الأرض إلخ". في إنه لا يصلح إغناؤه عن المضاف إليه، ومثله "قدر راحة سحابا" إذ لا يقال: ملء ذهب ولا قدر سحاب، فإن صح إغناء المضاف عن المضاف إليه جاز النصب والجر بالإضافة بعد حذف المضاف إليه الأول، كأشجع الناس رجلا وأشجع رجل". ا. هـ. ١/ ٢٢٤.
[ ١ / ١٧٦ ]
٣- كيفية تثنية الممدود والمقصور وجمعهما تصحيحا، بعد قول الناظم:
في غير ذا تقلب واوا الألف وأولها ما كان قبل قد ألف
ألف التأنيث المقصورة تقلب ياء إذا كانت سادسة مجهولة الأصل وأميلت فتقول في متى علما متيان، قال الخضري معلقا على: "مجهولة الأصل" هي التي في حرف أو شبهه كما يؤخذ من مثاله تبعا لابن الحاجب ولظاهر ابن المصنف وجعل المرادي ألفهما أصلية ومثل مجهولة الأصل بنحو الددا -بدالين مهملتين- كالفتى وهو اللهو. قال: "لأنه لا يدرى أهي عن ياء أو عن واو" ٢/ ١٥٠.
٤- أسماء الأفعال والأصوات، بعد قول الناظم:
ما ناب عن فعل كشتان وصه هو اسم فعل وكذا أوه ومه
قال الخضري: "أوه بفتح الهمزة وشد الواو، وفيه لغات منها ما اشتهر من قولهم آه وآه بالضم والسكون فهما اسما فعل بمعنى أتوجع كما في المرادي ٢/ ٨٩.
٥- ما لا ينصرف، بعد قول الناظم:
وزائدا فعلان في وصف سلم من أن يرى بتاء تأنيث ختم
يمنع الاسم من الصرف للصفة وزيادة الألف والنون، بشرط أن يكون المؤنث في ذلك مختوما بتاء التأنيث فإن كان المذكر على فعلان والمؤنث على فعلانة صرف، قال الخضري معلقا على "والمؤنث على فعلانة": لم يجئ من ذلك إلا ألفاظ معدودة جمعها المصنف في قوله:
أجز فعلى لفعلانا إذا استثنيت حبلانا
وذيله المرادي بقوله:
وزد فيهن خمصانا على لغة وأليانا
[ ١ / ١٧٧ ]
٦- كيفية تثنية الممدود والمقصور وجمعهما تصحيحا، بعد قول الناظم:
في غير ذا تقلب واوا الألف وأولها ما كان قبل قد ألف
ألف التأنيث المقصورة تقلب ياء إذا كانت ثالثة مجهولة الأصل وأميلت فتقول في متى علما متيان. قال الخضري معلقا على "مجهولة الأصل" هي التي في حرف أو شبهه كما يؤخذ من مثاله تبعا لابن الحاجب ولظاهر ابن المصنف، وجعل المرادي ألفهما أصلية، ومثل مجهولة الأصل بنحو الددا -بدالين مهملتين- كالفتى وهو اللهو، قال: لأنه لا يدرى أهي عن واو أو ياء. ا. هـ. ٢/ ١٥٠.
العشرون: ما نقله الشيخ أبو النجا عن المرادي:
التعريف بالمؤلف:
هو العلامة السيد محمد أبو النجا من علماء القرن الثالث عشر الهجري.
الكتاب:
هو كتاب مطبوع بالمطبعة الحسينية، مودع بمكتبة الأزهر رقم ٢١٧-١١٩٨-١٤٣٠.
حاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري على متن الأجرومية في علم العربية.
أوله: الحمد لله الذي فتح أبواب فيضه لمن اصطفاه من عباده ورفع عن أحزاب حضرته عوامل الجوازم فذاقوا لذة أنسه ووداده، أما بعد فهذه عبارات شريفة ونكات ظريفة، أخذت أغلبها من حاشية شيخ مشايخنا العلامة المدابغي
ما نقله:
نقل الشيخ أبو النجا في حاشيته هذه -عن المرادي- موضعين في المبتدأ وفي العطف.
١- المبتدأ: تعريفه: هو الاسم المرفوع العاري عن العوامل اللفظية غير الزائدة وما أشبهها، قال أبو النجا معلقا على غير الزائدة إلخ: "قيد في القيد فهو
[ ١ / ١٧٨ ]
لإدخال المجرور بحرف زائد أو بحرف يشبه الزائد، فمن الأول بحسبك زيد، إن حسبك مبتدأ والباء فيه زائدة، قال المرادي: وذكر في شرح الكافية أن حسبك في هذا المثال ونحوه خبر مقدم لا مبتدأ؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة وإنما يكون مبتدأ إذا كان بعده نكرة نحو بحسبك درهم" ص١٠٦.
٢- العطف: البيان: التابع الموضح لمتبوعه إن كان معرفة أو المخصص له إن كان نكرة الجامد غير المؤول بالمشتق المؤول لمتبوعه، فخرج بالجامد غير المؤول النعت، والقاعدة أن ما صح عطف بيان صح جعله بدلا وبالعكس إلا في مسائل نظمها العلامة المرادي فراجعها. ص١٣٥.
ملاحظة:
بعد أن تصفحت كتب الناقلين، لاحظت أن النقل عن المرادي من شرح التسهيل أكثر من النقل عن شرح الألفية والنقل من شرح الألفية أكثر من النقل عن الجنى الداني.
[ ١ / ١٧٩ ]
الباب الثالث:
الفصل الأول:
أضواء على الشرح:
كنت أظن أن المرادي في شرحه للألفية قد نقل أكثر مما ألفه عن غيره من شراحها وأخذ عنهم علمهم، وقد كان أكثر اعتماده على ابن مالك في كتبه الكافية وشرحها والتسهيل وشرحه فقد تأثر به.
وقد يعرض آراء بعض النحاة على سبيل التوضيح والمقارنة، وقد لاحظت أن الأشموني اتبع طريقة المرادي في الشرح وذكر التنبيهات فظننت أن لهما مصدرا واحدا ولكن ظهر لي جليا أن المرادي العالم كان هو المصدر الوحيد للأشموني الذي نقل عنه واعتمد عليه، وذكرت بعض الأمثلة على ذلك في قسم الناقلين عن المرادي.
وبعد تحقيقي لهذا القسم من الشرح لاحظت أنه جمع قواعد النحو وأسرارها وكشف بشرحه مخبآتها وأحاط بأوابدها فهو الفيصل تستحكم الفكرة عنده فيبرزها بالدليل النقلي أو النظري أو هما معا.
وكان ينسب القول إلى قائله باسمه وذلك كثير جدا لا يقع تحت حصر وأمثال ذلك السيرافي، والكسائي، وابن مالك والشارح، وسيبويه، والأخفش، والزجاج، والمازني، وابن عصفور، والجرمي، والمبرد، وأبو حيان، وغيرهم.
ولاحظت في شرحه أنه تارة ينقل عن ابن مالك أو يستدركه ويوافق آراء النحاة أو يخالفهم، وكان اعتماده على السماع أكثر من القياس، وإن كان في الجملة بصري الاتجاه، ولم يغفل تصويبه لمذهب الكوفيين والميل إليه، كما لم يغفل المرادي عن الناحية اللغوية وإعراب بعض الجمل توضيحا للمعنى، واعتمد في الاستشهاد على القرآن الكريم وأوجه القراءات فيه والأحاديث النبوية، وأمثال العرب وأقوالهم وأشعارهم. وسأضرب الأمثلة لكلٍّ.
[ ١ / ١٨٣ ]
نقله عن ابن مالك:
كثيرا ما كان يستعين بالكافية والتسهيل وشرحيهما، وكان يتجه في ذلك اتجاهين: إما أنه يكمل ما فات ابن مالك في النظم، فكان يذكر مسائل من هذين الكتابين، وإما أن يأتي بالنقل منهما لبيان المخالفة بينهما وبين الألفية ومن الأمثلة:
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
بعد الشرح قال المرادي في تنبيهات له:
"الثالث: قال في شرح التسهيل وزاد بعض العلماء في حد الكلام أن يكون من ناطق واحد احترازا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ، ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل، أو جزء ذلك المبتدأ؛ لأن الكلام عمل واحد فلا يكون عامله إلا واحدا، قال: وللمستغني عن هذه الزيادة جوابان: أحدهما: أن يقول: لا نسلم أن مجموع النطقين ليس بكلام بل هو كلام، وليس اتحاد الناطق معتبرا كما لم يكن اتحاد الكاتب معتبرا في كون الخط خطًّا.
والثاني: أن يقال: كل واحد من المصطلحين إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه، فكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما يكون قول القائل لقوم رأوا شبحا: زيدا. أي: المرئي زيدا. ا. هـ مختصرا".
مسألة "٢":
في باب الكلام بعد قول الناظم:
بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل
"وقال في شرح التسهيل: وإنما اختص الاسم بالنداء، لأنه مفعول به في المعنى والمفعولية لا تليق بغير الاسم".
ثم شرح وقال:
[ ١ / ١٨٤ ]
وقد صرح في الكافية باسمية ما أخبر عن لفظه حيث قال:
وإن نسبت لأداة حكما فابن أو أعرب واجعلنها اسما
مسألة "٣":
في باب المعرب والمبنى: قال: الإعراب في الاصطلاح مذهبان:
قال أحدهما: أنه لفظي. قال: "وحده في التسهيل بقوله: الإعراب ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو سكون أو حذف".
والبناء في الاصطلاح. قال: "وأما في الاصطلاح فقد حده في التسهيل بقوله: ما جيء به لا لبيان مقتضى العمل من شبه الإعراب، وليس حكاية أو اتباعا أو نقلا أو تخلصا من سكونين".
مسألة "٤":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وكل مضمر له البنا يجب
قال: "وقد ذكر في التسهيل لبنائه أربعة أسباب:
أولها: شبه الحرف وضعا؛ لأن أكثره على حرف أو حرفين وحمل الباقي على الأكثر.
ثانيها: شبه الحرف افتقارا؛ لأن المضمر لا تقم دلالته على مسماه إلا يضميمة من مشاهدة أو غيرها.
ثالثها: شبه الحرف جمودا، والمراد بالجمود عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى في التصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات.
رابعها: الاستغناء باختلاف صيغة لاختلاف المعاني.
مسألة "٥":
في باب الإشارة بعد قول الناظم:
وبأولى أشر لجمع مطلقا والمد أولى إلخ
[ ١ / ١٨٥ ]
بعد الشرح وضح المصنف أن تكون أولئك بالمد المتوسط. قال "قلت" ونسبه الصفار إلى سيبويه، وقد استدل له في شرح التسهيل بأوجه.
أولها -وهو أقواها: أن الفراء روى أن الحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام، وأن التميميين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، وأن بني تميم يقولون: "ذاك وتيك حيث يقول الحجازيون" "ذلك وتلك، فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان.
ثانيها: أن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا بمجرد عن اللام والكاف معا، أو مصاحب لهما معا. أعني غير المثنى والمجموع فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها لكان القرآن غير جامع لوجوه الإشارة.
وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
وثالثها: أن التعبير "بذلك" عن مضمون كلام على أثر انقضائه شائع في القرآن وغيره، ولا واسطة بين النطقين.
ورابعها: أنها لو كانت مراتب الإشارة ثلاثا لم يكتف في التثنية والجمع بلفظين، لأن في ذلك رجوعا عن سبيل الإفراد ولا التفات إلى قول من قال: إن تشديد النون دليل على البعد؛ لأن التشديد عوض عما حذف من الواحد؛ لأنه يستعمل مع المجرد من الكاف. انتهى".
قال المرادي: وفيه اختصار، ولإخفاء ما في الوجه الثاني من الضعف.
مسألة "٦":
في باب الإشارة، بعد قول الناظم:
واللام إن قدمت ها ممتنعة
قال: "قال في شرح التسهيل: إن المقرون بالكاف في التثنية والجمع لا يصحبه "ها" فلا يقال: هذانك" ولا "هاؤلئك"؛ لأن واحدهما "ذاك" أو "ذلك"
[ ١ / ١٨٦ ]
فحمل على ذلك مثناه وجمعه؛ لأنهما فرعا، وحمل عليهما مثنى "ذاك" وجمعه، لتساويهما لفظا ومعنى". ا. هـ.
قال المرادي: والسماع في الجمع يرد عليه.
من هؤليائكن الضال والسمر
مسألة "٧":
في باب الإشارة، بعد قول الناظم:
أو بهنالك انطقن
قال المرادي: "ظاهر كلامه هنا اختصاص "هنا" بالمكان، وقد صرح به في الكافية. فقال: وبالمكان اخصص هنا.
وقال في شرح التسهيل: وقد يراد "بهناك" و"هنالك" الزمان، وقد مثل "هناك" في شرحه بقول الشاعر:
وإذا الأمور تشابهت وتعاظمت فهناك تعترفون أين المفزع
ومثل "هنالك" بقوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] .
ولا حجة فيهما، لاحتمال أن تكون الإشارة إلى المكان".
مسألة "٨":
في باب الموصول: تعريفه:
قال: "وقد حده في التسهيل بقوله: ما افتقر أبدا إلى عائد أو خلفه جملة صريحة أو مؤولة غير طلبية ولا إنشائية".
والموصول الحرفي قال: "وأما الحرفي: فحده في التسهيل بقوله ما أول مع ما يليه بمصدر ولم يحتج إلى عائد".
[ ١ / ١٨٧ ]
مسألة "٩":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
والنون إن تشدد فلا ملامة
قال المرادي: "وذكر في شرح التسهيل: أن حذف النون من قوله:
"هما اللتا" لضرورة الشعر، وهو مخالف لما في التسهيل. فإنه قال:
"يجوز إثبات نونها وحذفها".
وقد ذكر فيه قبل ذلك أن من أسباب حذف نون التثنية تقصير الصلة، ومثله في الشرح بقوله:
أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وذكر في التسهيل لغة رابعة. هي: "لذان" بحذف الألف واللام".
مسألة "١٠":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر
قال في "ما" لمبهم أمره:
"قال في شرح التسهيل، وكذلك لو علمت إنسانيته ولم تدر أهو ذكر أم أنثى؟
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] أو لمختلط بما لا يعقل.
"قال في الكافية:
وعند الاختلاط خير من نطق في أن يجيء منهما بما اتفق
مسألة "١١":
في باب الابتداء، بعد قول الناظم:
مبتدأ زيد وعاذر خبر
[ ١ / ١٨٨ ]
وبعد الكلام في "بحسبك زيد" قال المرادي: "وذكر في شرح الكافية، أن "حسبك" في هذا المثال ونحوه خبر لا مبتدأ؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة، وإنما يكون مبتدأ إذا كان بعده نكرة نحو "بحسبك درهم".
مسألة "١٢":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن
بعد الشرح قال المرادي:
"قال في التسهيل: و"أن" في ذلك "كإن" على الأصح". ا. هـ.
فأطلق كما أطلق هنا، وقيد ذلك في شرحه بأن يتقدمها علم كقوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
أو معناه. كقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] .
وهذا هو الصحيح؛ لأن "أن" ههنا وما عملت فيه بتأويل الجملة فصح أن يعطف عل محلها كالمكسورة".
مسألة "١٣":
في باب الحال بعد قول الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب مفهم في حال كفردا أذهب
بعد الشرح قال في التنبيه له:
"ذكر في شرح التسهيل أن "من" الزائدة ربما دخلت على الحال ومثله بقراءة من قرأ: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرفان: ١٨]-مبنيا للمفعول- وفيه نظر".
مسألة "١٤":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٨٩ ]
أو يخصص أو بين
من بعد نفي أو مضاهيه
بعد أن ذكر المسوغات مفصلة قال: "وزاد في التسهيل ثلاثة: أحدها: أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ لأن الواو رفعت توهم النعتية.
والثاني: أن يكون الوصف به على خلاف الأصل نحو: "هذا خاتم حديدا".
والثالث: اشتراك المعرفة مع النكرة في الحال نحو: "هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين".
مسألة "١٥":
في باب حروف الجر، بعد قول الناظم:
والظرفية استبن ببا و"في" وقد يبينان السببا
"قال في شرح التسهيل: باء السببية هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازا نحو: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لصح وحسن لكنه مجاز، ومنه "كتبت بالقلم" و"قطعت بالسكين" فإنه يقال: "كتب القلم" و"قطع السكين". والنحويون يعبرون عن هذه الباء بباء الاستعانة، وآثرت على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإن استعمال السببية فيها تجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز. قال: وباء التعليل هي التي يصلح غالبا في موضعها اللام كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] . ا. هـ.
مسألة "١٦":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
وذي الإضافة اسمها لفظية وتلك محضة ومعنوية
بعد الشرح المطول، وذكر "غير ومثل".
قال: "قال في شرح التسهيل: قد يعني بغير ومثل مغايرة خاصة ومماثلة
[ ١ / ١٩٠ ]
خاصة، فيحكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقع بين ضدين وأجاز بعض العلماء -منهم السيرافي- أن يعمل على هذا قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] لوقوع "غير" فيه بين متضادين وليس بلازم، لقوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فنعت به النكرة مع وقوعه بين متضادين". ا. هـ.
استدراك على ابن مالك:
كثيرا ما يتعقب الناظم في كلامه وقد علل وبين
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
وفعل أمر ومضى بنيا
بعد الشرح قال المرادي في تنبيهات له:
"الثالث: لم يتعرض في النظم لما يبنى عليه الأمر والماضي
وأما الأمر: فإنه يبنى على ما يجزم به لو كان مضارعا، فإن كان صحيح الآخر بنى على السكون، وإن كان معتل الآخر أو مما يرفع بالنون حذف آخره، أما الماضي: فإنه يبنى على الفتح ما لم يتصل به ضمير مرفوع لمتكلم أو مخاطب أو جمع مؤنث غالبا فيسكن آخره.
فإن اتصل به واو جمع ضم آخره إلخ".
مسألة "٢":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
كذا أولات والذي اسما قد جعل كأذرعات فيه ذا أيضا قبل
قال المرادي بعد الشرح:
"فإن قلت: قد ذكر حكم المجموع بالألف والتاء إذا سمي به، فما حكم المثنى والمجموع على حدة إذا سمي بأحدهما؟
[ ١ / ١٩١ ]
قلت: أما المثنى ففيه لغتان:
الأولى: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثانية: أن يجعل مثل "عمران" في التزام الألف، وإعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف إلخ".
مسألة "٣":
في باب العلم، بعد قول الناظم:
وشاع في الأعلام ذو الإضافه
قال المرادي بعد الشرح: "وقد صرح بذلك في التسهيل حيث قال: ومعرى من إضافة وإسناد ومزج مفرد، وما لم يعرَّ مركب، وليس كما قال؛ لأنه يرد عليه أشياء كثيرة من المركب نحو ما تركب من حرفين "كأنما" أو حرف واسم نحو "يا زيد" أو حرف وفعل نحو "قد قام"".
مسألة "٤":
في باب الموصول قال:
"ولم يذكر الناظم هنا الحرفي، فلنقدمه، وهو خمسة أحرف: "أن" وتوصل بفعل متصرف مطلق خلافا لمن منع وصلها بالأمر، و"ما": وتوصل بفعل متصرف غير أمر، وقد توصل بجملة اسمية خلافا لقوم، وندر وصلها بليس في قوله: بما لستما أهل الخيانة والغدر إلخ".
مسألة "٥":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
والحذف عندهم كثير منجلي
قال المرادي: "ومقتضى عبارة الناظم أن حذف المنصوب بالوصف كثير مطلقا، وليس كذلك" ولم يزد على ذلك.
مسألة "٦":
في باب المعرف بأداة التعريف، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٩٢ ]
كالفضل والحارث والنعمان
قال المرادي في تنبيه له: "اعلم أن في تمثيله بالنعمان نظرا؛ لأنه مثل به في شرح التسهيل لما قارنت الأداة نقله، وعلى هذا فالأداة فيه لازمة، وإذا كانت للمح لم تكن لازمة".
مسألة "٧":
في باب المشبهات بليس، بعد قول الناظم:
وقد تلى لات وإن ذا العملا
بعد الشرح المطول قال: "ونص المصنف على أن عمل لا أكثر من عمل إن، والعكس أقرب إلى الصواب".
مسألة "٨":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
وخففت كأن أيضا فنوي منصوبها ثابتا أيضا روى
بعد الشرح قال:
"فإن قلت: قد ذكر المصنف تخفيف إن وأن وكأن وسكت عن لعل ولكن فما حكمهما؟
قلت: أما لعل، فلا تخفف، وأما لكن، فإن خففت لم تعمل
وأجاز يونس والأخفش إعمالها مخففة قياسا، وقد حكى يونس أنه حكاه عن العرب".
مسألة "٩":
في باب لا النافية للجنس، بعد قول الناظم:
وركب المفرد فاتحا
بعد الشرح قال: "وفي عبارته هنا قصور، حيث قال "فاتحا". بل الصواب على ما ينصب به ليشمل ما فعلناه، ولو قال: وركب المفرد كالنصب، لأجاد".
[ ١ / ١٩٣ ]
مسألة "١٠":
في باب لا النافية للجنس، بعد قول الناظم:
وأعط لا مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام
بعد الشرح المطول قال:
"إذا تقرر هذا، فاعلم أن كلام المصنف مناقش من وجهين:
أحدهما: أنه أطلق فشمل التي للعرض.
فإن قلت: فلعله يقول: بأنها غير مركبة من الهمزة ولا، فلم يشملها الإطلاق. قلت: قد استثناها في الكافية والتسهيل، فدل على أنها عنده مركبة.
والآخر: أن مقتضى كلامه هنا موافقة المازني والمبرد في تسوية التي للتمني بالتي للتوبيخ والإنكار لمجرد الاستفهام، وهو خلاف ما ذهب إليه في غير هذا الكتاب".
مسألة "١١":
في باب الاستثناء، بعد قول الناظم:
اجعلا على الأصح ما لغير جعلا
بعد الشرح المطول قال: "فإن قلت: ظاهر قوله: "ما لغير" مساواتها لغير في جميع الأحكام.
وليس كذلك، بل افترقا في أمرين:
الأول: أن المستثنى بغير قد يحذف إذا فهم المعنى نحو: "ليس غير" بالضم والفتح وبالتنوين بخلاف "سوى".
الثاني: أن "سوى" تقع صلة للموصول وحدها في فصيح الكلام بخلاف "غير"".
مسألة "١٢":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٩٤ ]
وذي الإضافة اسمها لفظيه وتلك محضة ومعنويه
بعد الشرح المطول قال:
"أهمل المصنف هنا نوعين مما لا يتعرف بالإضافة:
أحدهما: ما وقع موقع نكرة لا تقبل التعريف نحو: "رب رجل وأخيه".
"وكم ناقة وفصيلها" و"فعل ذلك جهده وطاقته"، ونحو: "لا أباك تخوفيني"؛ لأن "رب" و"كم" لا يجران المعارف، والحال لا تكون معرفة، ولا لا تعمل في المعرفة.
وثانيهما: ما لا يقبل التعريف، لشدة إبهامه كغير ومثل وحسب ".
[ ١ / ١٩٥ ]
الاعتراضات الواردة على الناظم:
من أدب المرادي مع الشيخ ابن مالك أنه يدفع عنه الاعتراض ويعتذر ويعلل وبذلك يوضح مراد الناظم. وسأقتصر على ذكر بعض الأمثلة على سبيل المثال:
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
اسم وفعل ثم حرف الكلم
قال بعد الشرح: "وأورد على الناظم أنه قسم الكلم إلى غير أقسامه؛ لأن الاسم والفعل والحرف أقسام الكلمة لا أقسام للكلم.
وأقسام الكلم أسماء وأفعال وحروف؛ لأن علامة صحة القسمة جواز إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من الأقسام.
والجواب: أن هذا من تقسيم الكل إلى أجزائه، وإنما يلزم صدق اسم المقسوم على كل من الأقسام في تقسيم الكلي إلى جزئياته، والناظم لم يقصد ذلك".
مسألة "٢":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
ومسند للاسم تمييز حصل
قال: "وأورد على الناظم أنه أطلق الإسناد، وهو قسمان: معنوي ولفظي فالمعنوي: هو الخاص بالأسماء.
واللفظي: مشترك يوجد في الاسم والفعل والحرف: نحو "زيد" ثلاثي، و"ضرب" فعل ماض و"من" حرف جر.
قلت: التحقيق أن القسمين كليهما من خواص الأسماء، ولا يسند إلى الفعل والحرف إلا محكوما باسميتهما".
مسألة "٣":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٩٦ ]
كالشبه الوضعي
"فإن قلت: قد أخل بهذا النوع الخامس فلم يذكره.
قلت: قد أشار إليه بكاف التشبيه في قوله: "كالشبه الوضعي" فإنها مشعرة بعدم الحصر".
مسألة "٤":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا
قال: "ويشترط في إعراب هذه الأسماء مع الشرطين المذكورين شرطان آخران: أن تكون مفردة أن تكون مكبرة فإن قلت: فقد أهمل هذين الشرطين قلت: قد علق الحكم على ما لفظ به، وقد لفظ بها مفردة مكبرة فاكتفى بذلك" اكتفى بالمثال عن القاعدة.
مسألة "٥":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
وشبه ذين سالم جمع عامر ومذنب
بعد الشرح قال:
"فإن قلت: زاد في التسهيل في شروط الاسم شرطين آخرين:
أحدهما: أن يكون غير مركب تركيب إسناد أو مزج.
والآخر: أن يكون غير معرب بحرفين.
فلم ترك ذكرهما؟
قلت: هذان شرطان لصحة مطلق الجمع ولا خصوصية لهما بهذا الجمع المذكور".
مسألة "٦":
في باب النكرة والمعرفة، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٩٧ ]
نكرة قابل أل مؤثرا أو واقع موقع ما قد ذكرا
بعد الشرح قال المرادي:
"فإن قلت: حصر النكرة في القسمين غير صحيح؛ لوجود ثالث لا يقبل أل ولا يقع موقع شيء يقبلها وهو نكرة، وذلك "من" و"ما" في الشرط والاستفهام خلافا لابن كيسان في "من" و"ما" الاستفهاميتين، فإنهما عنده معرفتان.
قلت: الحصر في القسمين صحيح و"ما" و"من" المذكورتان واقعتان موقع شيء يقبل أل، ولا يشترط أن يكون مساويا لهما في تضمن معنى الشرط والاستفهام؛ لأن "من" و"ما" لم يوضعا في الأصل لذلك، وتضمن معنى الشرط والاستفهام طارئ على معناهما الأصلي فليتأمل".
مسألة "٧":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
ومن ضمير الرفع ما يستتر كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر
فلم يذكر المصنف اسم فعل الأمر واسم المضارع والمصدر الواقع بدلا من فعله في الأمر، قال المرادي: "فإن قلت: قد أخل الناظم بهذه الثلاثة الأواخر، قلت: لم يدع الحصر، وإنما ليقاس على تمثيله ".
مسألة "٨":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
جمع الذي الألي الذين مطلقا
بعد الشرح قال المرادي:
"وفصل المصنف فقال: وغنى عنه الذي في غير تخصيص كثيرا، وفيه للضرورة قليلا، وأنشد البيت على أنه ضرورة.
وقيل: هو مخالف لما ذكره أول التسهيل، فإنه ذكر لحذف النون أسبابا فقال: تسقط النون للإضافة وللضرورة ولتقصير الصلة.
[ ١ / ١٩٨ ]
قلت: هو غير مخالف له، فإن قوله: "ويغني الذي" معناه: أن "الذي" المفرد اللفظ قد يعبر به عن جمع إلا أنه جمع حذفت نونه.
ألا ترى قوله في الشرح، وإذا لم يقصد بالذي تخصيص جاز أن يعبر به عن جمع حملا على "من".
وأما "وأن الذي حانت" فمحتمل لأن يكون مفردا عبر به عن الجمع وأن يكون جمعا حذفت نونه".
مسألة "٩":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
كذا الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر
فذكر شروطا لحذف العائد المجرور بالحرف.
قال المرادي: "فإن قلت: لا يؤخذ من كلامه إلا شرط واحد، وهو اتفاق الحرفين، قلت: أما أخذ الشرط الثاني من كلامه فظاهر، فإنه شرط أن يجر العائد بالذي جر الموصول، ومتى اختلف الحرفان معنى كان الجر للعائد حينئذ غير الجار للموصول، فإن باء السببية مثلا غير باء التعدية.
وأما أخذ الشرط الثالث فمن تمثيله".
مسألة "١٠":
في باب نائب الفاعل، بعد قول الناظم:
والثاني التالي تا المطاوعه كالأول اجعله بلا منازعه
بعد الشرح قال المرادي:
"فإن قلت: فتقييد المصنف التاء بالمطاوعة ليس بجيد.
قلت: هو كذلك، والعذر له أن التاء فيما ذكرناه من الأفعال شبيهة بتاء المطاوعة فاكتفى بذكرها".
مسألة "١١":
في باب حروف الجر، بعد قول الناظم:
[ ١ / ١٩٩ ]
وما رووا من نحو ربه فتى نزر
بعد الشرح قال المرادي:
"فإن قلت: إنما أورد النحويون ذلك على أنه فصيح مقيس عليه فكيف قال: نزر؟
قلت: لعله أراد أنه قليل بالنسبة إلى الظاهر، ويؤيده قوله في الكافية:
وربه عطبا استندر وقس عليه إن شئت وحد عن ملتبس
مسألة "١٢":
في باب حروف الجر، بعد قول الناظم:
ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا أو أوليا الفعل
بعد الشرح قال المرادي:
"فإن قلت: لو قال: أوليا الجملة. نحو: "مذ دعا"، لأجاد، لتندرج الجملة الاسمية. قلت: هو كذلك، والعذر له في الاقتصار على الفعل أنه الكثير".
[ ١ / ٢٠٠ ]
نقله عن شيخه أبي حيان:
وقد اعتد المرادي بشيخه ونقل عنه في شرحه بعض الآراء مبينا رأيه في مسائل، بلا تعقيب.
ومن الأمثلة.
مسألة "١":
في باب النائب عن الفاعل، بعد قول الناظم:
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد
قال المرادي:
"وإذا فقد المفعول به جازت نيابة كل واحد من هذه الأشياء.
قيل: ولا أولية لشيء منها، وقيل: المصدر أولى، وقيل: المجرور أولى، وقال الشيخ أبو حيان: ظرف المكان أولى".
مسألة "٢":
في باب الاستثناء، بعد قول الناظم:
واستثن ناصبا بليس وخلا وبعدا وبيكون بعد لا
بعد الشرح قال المرادي:
"وفي الارتشاف: قال ابن مالك وصاحب البسيط: هو المحذوف حذف الاسم لقوة دلالة الكلام عليه، وهذا مخالف لما اتفق عليه الكوفيون والبصريون من أن الفاعل مضمر لا محذوف". ا. هـ.
مسألة "٣":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع
بعد الشرح قال:
"واستثنى في التسهيل ثلاثة أنواع لا يقتصر فيها على السماع:
[ ١ / ٢٠١ ]
الأول: قولهم: أنت الرجل علما وفي الارتشاف: ويحتمل عندي أن يكون تمييزا.
الثاني: نحو: "زيد زهير شعرا" قال في الارتشاف: والأظهر أن يكون تمييزا".
مسألة "٤":
في باب التمييز، بعد قول الناظم:
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسا تفد
بعد الشرح المطول قال:
"قال في الارتشاف: ويدل على صحة ذلك -يعني الزيادة- أنه عطف على موضعهما نصبا. قال الحطيئة:
طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
مسألة "٥":
في باب حروف الجر، بعد قول الناظم:
وزيد في نفي وشبهه فجر نكرة كما لباغ من مفر
بعد الشرح قال المرادي:
"قال في الارتشاف: وفي إلحاق الهمزة بها نظر، وصرح بمنعه بعد كيف ونحوها".
مسألة "٦":
في باب حروف الجر، بعد قول الناظم:
وحذفت رب فجرت بعد بل والفا وبعد الواو شاع ذا العمل
بعد الشرح المطول قال:
"وفي الارتشاف: وزعم بعض النحويين: أن الخفض هو بالفاء وبل، لنيابتهما مناب رب".
[ ١ / ٢٠٢ ]
مسألة "٧":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
وانو من أو في إذا لم يصلح إلا ذاك واللام خذا
بعد الشرح المطول قال:
"وفي الارتشاف: والذي أذهب إليه أن الإضافة تفيد الاختصاص، وأنها ليست على تقدير حرف مما ذكروه ولا على نيته".
مسألة "٨":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
وشذ إيلاء يدي للبى
قال: "وفي الارتشاف: ويضاف إلى الظاهر تقول: لبى زيد وسعدى عمرو، وإلى ضمير الغائب: لبيه، ودعوى الشذوذ فيهما باطلة".
مسألة "٩":
في المضاف إلى ياء المتكلم، بعد قول الناظم:
وفي المقصور عن هذيل انقلابها ياء حسن
قال: "فإن قلت: فهل يجوز قلب ألف المثنى في لغة من التزمها مطلقا؟ قلت: قال في الارتشاف: يحتاج في جوازه إلى سماع".
[ ١ / ٢٠٣ ]
نقله عن سيبويه:
وقد اعتمد المرادي على سيبويه إما بالإشارة إلى مذهبه أو بالنقل نصا وسأذكر بعض الأمثلة من نصه.
مسألة "١":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية وليسي قد نظم
بعد الشرح قال:
"والوجه ليسني، وهو الفصيح كقول بعض العرب عليه، رجلا ليسني، حكاه سيبويه".
مسألة "٢":
في باب العلم، بعد قول الناظم:
ووضعوا لبعض الأجناس علم كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
بعد الشرح المطول قال المرادي:
"وفي كلام سيبويه إيماء إلى هذا الفرق، فإنه قال في باب ترجمته: هذا باب من المعرفة يكون فيه الاسم الخاص شائعا في الأمة ليس واحد منها بأولى من الآخر. ما نصه.
إذا قلت: هذا أبو الحارث إنما يريد هذا الأسد. أي: هذا الذي سمعت باسمه أو عرفت أشباهه، ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفته بمعرفته كزيد، ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم". ا. هـ.
مسألة "٣":
في باب ظن، بعد قول الناظم:
والتزم التعليق قبل نفي ما
بعد الشرح قال:
[ ١ / ٢٠٤ ]
"قال سيبويه ما نصه: كما أنك إذا قلت: قد علمت أزيد ثَمَّ أم عمرو، وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثَمَّ". ا. هـ.
مسألة "٤":
في باب الفاعل، بعد قول الناظم:
والحذف قد يأتي بلا فصل ومع ضميري ذي المجاز في شعر وقع
قال: "أما الحذف مع الحقيقي فذكره سيبويه وحكى قال فلانة".
مسألة "٥":
في باب التنازع، بعد قول الناظم:
وقد بغى واعتديا عبدا كا
بعد الشرح المطول قال:
"والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من جواز الإضمار قبل الذكر في هذا الباب لسماعه، حكى سيبويه، ضربوني وضربت قومك".
مسألة "٦":
في باب الاستثناء، بعد قول الناظم:
وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
قال: "قال سيبويه: حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون:
ما لي إلا أبوك ناصر. فيجعلون ناصرا بدلا". ا. هـ.
مسألة "٧":
في باب الاستثناء، بعد قول الناظم:
اجعلا على الأصح ما لغير جعلا
بعد الشرح قال:
"ونقل عن الفراء: قال سيبويه بعد أن مثل بقوله: أتاني القوم سواك، زعم الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك إلا أن في سواك معنى الاستثناء". ا. هـ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
مسألة "٨":
في باب الاستثناء، بعد قول الناظم:
وكخلا حاشا ولا تصحب ما
بعد الشرح قال: "قال سيبويه: لو قلت: أتوني ما حاشا زيدا لم يكن كلام وقد أجازه بعضهم على قلة". ا. هـ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
مدى اعتماده على ابن الناظم في شرحه للألفية:
قد نرى المرادي يعتد برأي ابن الناظم ويناقشه إذا قبل الكلام المناقشة معللا في بعض الأحيان، أو معارضا.
ومن الأمثلة:
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
بالجر والتنوين والندا وأل
بعد الشرح قال المرادي:
"إنما ينحصر الاسم بالإسناد إليه، فإنه أجيب بما ذكره الشارح من أنه أراد الإسناد إليه فحذف صلته اعتمادا على التوفيق وفيه نظر؛ لأن الاعتماد على التوفيق لا يحسن في مقام التعريف".
مسألة "٢":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وكل مضمر له البنا يجب
بعد أن شرح وذكر أن لبنائه في التسهيل أربعة أسباب.
قال: "ورابعها: الاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني.
قال الشارح: ولعل هذا هو المعتبر عند الشيخ في بناء المضمرات، ولذا عقبه بتقسيمها بحسب الإعراب، كأنه قصد بذلك إظهار علة البناء".
مسألة "٣":
في باب المعرف بأداة التعريف، بعد قول الناظم:
كالفضل والحارث والنعمان
[ ١ / ٢٠٧ ]
بعد الشرح قال المرادي: "وقول الشارح: وقد يكون في المنقول من مصدر أو اسم عين؛ لأن المصادر وأسماء الأعيان قد تجري مجرى الصفات في الوصف بها على التأويل وهذا يقتضي أن اللمح للوصف".
مسألة "٤":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
والفعل إن لم يك ناسخا فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
بعد الشرح قال المرادي:
"قال الشارح: وأما نحو: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله:
"إن قتلت لمسلما" فقليل.
وأقل منه "إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه".
مسألة "٥":
في باب التنازع، بعد قول الناظم:
ولا تجيء مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر
بعد الشرح قال المرادي:
"أما تقديمه فقال الشارح: لا يجوز عند الجميع". ا. هـ.
وقوله: "غير خبر" قد يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان مفعولا أولا في باب ظن يجب حذفه.
وليس كذلك، بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزم التأخير، ولذلك قال الشارح: لو قال بدله:
واحذفه إن لم يك مفعول حسب وإن يكن ذاك فأخره تصب
لسلم".
[ ١ / ٢٠٨ ]
مسألة "٦":
في باب المفعول فيه، بعد قول الناظم:
الظرف وقت أو مكان ضمنا في باطراد كهنا امكث أزمنا
بعد الشرح قال: "قال الشارح: وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى الاحتراز عنه بقيد الاطراد؛ لأنه يخرج بقولنا: "مضمن معنى في"". ا. هـ.
مسألة "٧":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب مفهم في حال كفردا اذهب
بعد الشرح قال:
"وقال الشارح: إن هذا التعريف ليس بمانع؛ لأنه يشمل النعت وهو غير مسلم، لخروجه بقيد لزوم النصب".
مسألة "٨":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
وندر نحو سعيد مستقرا في هجر
بعد الشرح قال:
"وقوله: ندر، ظاهره أنه مما لا يقاس عليه، وصرح الشرح بذلك فقال: وما جاء منه مسموعا حفظ ولا يقاس عليه".
مسألة "٩":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت
بعد الشرح قال المرادي:
"تنبيه: ويشترط في خلوه من الواو مع الإثبات شرط آخر، وهو أن يعرى
[ ١ / ٢٠٩ ]
من قد، ذكره في التسهيل فإن قرن بها. قال الشارح: لزمته الواو نحو: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ".
مسألة "١٠":
في باب الحال، بعد قول الناظم:
وجعله الحال سوى ما قدما بواو أو بمضمر أو بهما
بعد الشرح قال:
"وقول الشارح: وقد تجيء بالضمير والواو، ظاهره عدم التأويل".
مسألة "١١":
في باب التمييز، بعد قول الناظم:
واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسا تفد
بعد الشرح قال:
"قال الشارح: لا يجوز جره بمن إلا في تعجب أو شبهه لقولهم:
لله دره من فارس، وقال الشاعر:
فنعم المرء من رجل تهامي
". ا. هـ.
ثم شرح وقال: "ويلزم الشارح جواز الجر بمن في نحو زيد أحسن به وجها؛ لأنه تعجب، وقد نص غير المصنف على منعه".
[ ١ / ٢١٠ ]
الفصل الثاني:
اعتماد المرادي على السماع:
ومن الأمثلة ما يلي:
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
وقصرها ما نقصهن أشهر
قال بعد الشرح: "وذهب الفراء إلى أن وزن أب وأخ وحم فعل بالإسكان. ورد بسماع قصرها وبجمعها على أفعال".
مسألة "٢":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
غيري اختار الانفصالا
بعد الشرح قال: "وهم الأكثرون ومنهم سيبويه ووجهه أن الضمير في البابين خبر في الأصل وحق الخبر الانفصال، وكلاهما مسموع".
مسألة "٣":
في باب العلم، بعد قول الناظم:
ومثله برة للمبره كذا فجار علم للفجره
بعد الشرح قال المرادي في تنبيه له: "لما كان لعلم الجنس خصوص من وجه وشياع من وجه جاء في بعضه عن العرب وجهان: إعطاؤه حكم المعارف وإعطاؤه حكم النكرات، وطريق ذلك السماع، ومن المسموع فيه الوجهان غدوة وبكرة وعشية".
مسألة "٤":
في باب المبتدأ والخبر، بعد قول الناظم:
والأصل في الأخبار أن تؤخرا
[ ١ / ٢١٣ ]
قال: "ومنع الكوفيون تقديم الخبر إلا في نحو في داره زيد. وهم محجوجون بالسماع".
مسألة "٥":
في باب المشبهات بليس، بعد قول الناظم:
وقد تلى لات وإن ذا العملا
بعد أن ذكر الخلاف في إعمال "أن" عمل "ليس" قال:
"والصحيح الإعمال، وقد سمع في النظم والنثر فمن النثر قولهم:
"إن ذلك نافعك ولا ضارك، وإن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية ".
والنظم قوله:
إن هو مستوليا على أحد إلا على أضعف المجانين "
مسألة "٦":
في باب الفاعل، بعد قول الناظم:
والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر كالتاء مع إحدى اللبن
بعد الشرح المطول قال:
"وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز إلحاق التاء معه إذا لم يسمع، ولذلك استثناه خلافا للكوفيين فأجازوا الوجهين في الجموع الثلاثة".
مسألة "٧":
في باب الاستثناء بعد قول الناظم:
وقيل حاش وحشا فاحفظهما
قال: "وقد سمع الاستثناء بحشى في قوله:
حشا رهط النبي فإن منهم بحورا لا تكدرها الدلاء
ولم يسمع بحاش".
[ ١ / ٢١٤ ]
في الإضافة، بعد قول الناظم:
وذي الإضافة اسمها لفظيه وتلك محضة ومعنويه
بعد الشرح قال في تنبيهات له:
"الأول: ذهب ابن برهان وابن الطراوة إلى أن إضافة المصدر إلى مرفوعه أو منصوبه غير محضة، والصحيح أنها محضة، لورود السماع بنعته بالمعرفة كقوله:
إن وجدي بك الشديد أراني عاذرا فيك من عهدت عذولا
مسألة "٩":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
ومن بني فلم يفندا
بعد الشرح قال:
"وقد ورد السماع بالبناء قبل الجملة الاسمية في قوله:
على حين الكرام قليل
فإنه روي بالفتح".
ومن الأمثلة على القياس:
وقل ميوله إلى القياس.
ومن الأمثلة:
مسألة "١":
في باب المشبهات بليس:
قال:
"ما النافية حرف مهمل عند بني تميم، وهو القياس، لعدم اختصاصه".
مسألة "٢":
في باب المفعول فيه، بعد قول الناظم:
[ ١ / ٢١٥ ]
وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر
بعد الشرح قال:
"وكثير في الزمان نحو: "كان ذلك خفوق النجم وطلوع الثريا" أي: وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الثريا، وكثرته تقتضي القياس عليه".
مسألة "٣":
في باب المفعول معه، بعد قول الناظم:
ينصب تالي الواو مفعولا معه في نحو سيري والطريق مسرعه
قال:
"وهذا الباب مقيس على الأصح وقد فهم ذلك من قوله: "نحو"".
ميوله للبصريين:
لاحظت أن المرادي يميل إلى المذهب البصري وكثيرا ما يرجحه ويصححه، ويعلل لذلك، ولكثرته رأيت أن أذكر بعض الأمثلة.
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
كلتا كذاك اثنان واثنتان
قال في تنبيهات له -في الثاني منها:
"ما تقدم من أن كلا وكلتا مفردا اللفظ مثنيا المعنى هو مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى أنهما من قبيل المثنى لفظا ومعنى.
ويرده أمور منها الإخبار عنهما في الكلام الفصيح كما تقدم".
مسألة "٢":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي
[ ١ / ٢١٦ ]
بعد الشرح المطول قال:
" قد حكي عن الكوفيين تفضيله على الكسر في هذا المثال وعن بعضهم تفضيل الكسر عليه، ومذهب البصريين أن الكسر لازم، وهو صحيح".
مسألة "٣":
في باب التنازع بعد قول الناظم:
والثان أولى عند أهل البصره واختار عكسا غيرهم ذا أسره
قال: فقال البصريون: إعمال الثاني أرجح لقربه، وقال الكوفيون إعمال الأول أرجح لسبقه والصحيح مذهب البصريين.
لأن إعمال الثاني هو الأكثر وإعمال الأول قليل. نقل ذلك سيبويه عن العرب.
مسألة "٤":
في باب المفعول المطلق، بعد قول الناظم:
وكونه أصلا لهذين انتخب
بعد أن ذكر الخلاف بين البصريين والكوفيين في الأصالة قال:
"والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة والفعل يدل على الحدث والزمان".
من الأمثلة التي رجح فيها المذهب الكوفي:
ورجح المرادي المذهب الكوفي وصححه وهذا قليل.
من ذلك:
مسألة "١":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
والنون إن تشدد فلا ملامه
[ ١ / ٢١٧ ]
بعد الشرح قال المرادي:
"وأما مع الياء فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون، وهو الصحيح، لقراءة ابن كثير: "ربنا أرنا اللَّذينِّ أضلانا" بالتشديد".
مسألة "٢":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
أي كما وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف
في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ .
قال: وذهب الكوفيون: إلى أن أيهم علق عنه شيعة بما فيه من معنى الفعل كأنه قيل: لننزعن من كل متشيع في أيهم أشد
وقال ابن الطراوة: غلطوا، ولم تبن إلا لقطعها عن الإضافة، وهم مبتدأ وأشد خبره، وليس بشيء لأنها لا تبنى إلا إذا أضيفت ولأن "أيا" أتت في رسم المصحف موصولة بالضمير ولو كان مبتدأ لفصل".
مخالفته لآراء النحاة:
ولاحظت أن المرادي في شرحه كثيرا ما كان يخالف النحاة في آرائهم ويعلل للمخالفة.
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
يلي لم كيشم
قال المرادي:
"والعامة يفتحون عين الماضي ويضمون عين المضارع. قال ابن درستويه وهو خطأ وليس كما قال، بل هو لغة حكاها الفراء وابن الأعرابي ويعقوب وغيرهم".
مسألة "٢":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
[ ١ / ٢١٨ ]
وقصرها من نقصهن أشهر
في تنبيهات له ذكر الخلاف بين النحويين، ثم قال المرادي: "وذهب بعضهم إلى أن لام "حم" ياء من الحماية، لأن أحماء المرأة يحمونها وهو مردود بقوله في التثنية حموان، وفي إحدى لغاته حمو".
مسألة "٣":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
كلتا كذاك اثنان واثنتان
قال بعد الشرح:
"وزعم البغداديون أن "كلتا" قد نطق لها بمفرد في قول الراجز:
في كلت رجليها سلامى واحده
وليس بصحيح، بل أراد "في كلتا" فحذف الألف للضرورة"، ثم قال بعد ذلك: "وذهب الجرمي إلى أن التاء في "كلتا" زائدة للتأنيث، وهو ضعيف؛ لأن تاء التأنيث لا تقع حشوا ولا بعد ساكن غير الألف".
مسألة "٤":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وفي قدني وقطني الحذف أيضا قد يفي
قال في تنبيهات له: "الأول: ذهب بعضهم إلى أن حذف النون من "قد" و"قط" لا يجوز إلا في الضرورة.
والصحيح جوازه في الاختيار".
مسألة "٥":
في باب الموصول، بعد قول الناظم:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر
بعد الشرح قال: "وزاد أبو عليّ في أقسام "من" أن تكون نكرة غير موصوفة كقول الشاعر:
ونعم من هو في سر وإعلان
والصحيح: أنها لا تكون نكرة غير موصوفة".
[ ١ / ٢١٩ ]
مسألة "٦":
في باب المشبهات بليس، بعد قول الناظم:
وبعد ما ليس جر البا الخبر وبعد لا ونفي كان قد يجر
بعد الشرح قال: "ولا خلاف في زيادة الباء بعد ما الحجازية، ومنع الفارسي والزمخشري زيادتها بعد ما التميمية. والصحيح الجواز، لوجود ذلك في أشعار بني تميم".
مسألة "٧":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
لإن أن ليت لكن لعل كأن عكس ما لكان من عمل
قال في "كأن" "وهي مركبة من كاف التشبيه و"أن". قبل: بلا خلاف وليس بصحيح، بل قيل: ببساطتها".
مسألة "٨":
في باب ظن وأخواتها، بعد قول الناظم:
ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول
بعد الشرح قال: "ومنع ابن ملكون شيخ الشلوبين حذف أحدهما اختصارا وليس بصحيح".
مسألة "٩":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
ومَعَ مَعْ فيها قليل
بعد الشرح قال: "وزعم أبو جعفر النحاس: أن الإجماع منعقد على حرفيتها إذا كانت ساكنة، وليس بصحيح، بل الصحيح أنها باقية على اسميتها، وهذا مفهوم من قوله: "فيها" يعني أن الإسكان قليل في موضع الاسمية، ولو كانت المسكنة حرفا لم يكن الإسكان لغة في الاسمية".
[ ١ / ٢٢٠ ]
الفصل الثالث
شواهده:
إن قارئ هذا الكتاب يقف على شواهد مستفيضة من القرآن الكريم وأمثال العرب وأقوالهم والحديث الشريف وشواهد شعرية.
أ- الشواهد القرآنية:
أما القرآن الكريم فقد كثر الاستشهاد به في الكتاب وهو في ذلك موافق للنحاة القدامى والمتأخرين.
وسأقتصر على ذكر القراءات الصحيحة والشاذة التي استشهد بها.
- ففي باب المعرب والمبني استشهد بالقراءات الآتية:
١- قرأ نافع: "إن هذان لساحران".
٢- قراءة بعضهم: "من أوسط ما تطعمون أهليكم" على النصب في الياء.
٣- قراءة قنبل: "إنه من يتق ويصبر -جزم الياء.
٤- قراءة بعضهم: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي" -نصب الواو.
- في باب الضمير:
- قرأ نافع: "قد بلغت من لَدُني عذرا".
- في باب الموصول:
١- قرأ ابن كثير: "ربنا أرنا اللذينِّ أضلانا" -بتشديد النون.
٢- قراءة ابن كثير وأبي عمرو: "فذانِّك برهانان -بتشديد النون.
٣- قال أبو عمرو: سمعت أعرابيا يقرأ: "صراط لَذين" -بتخفيف اللام.
٤- وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: "ويسألونك ماذا ينفقون قل العفوَ".
وقرأ أبو عمرو برفع العفو، والباقون بنصبه، فتكون "ذا" في قراءته موصولة وفي قراءتهم ملغاة.
٥- وقرئ شاذا: "أيَّهم أشد" -بالنصب على لغة بعض العرب.
[ ١ / ٢٢٣ ]
٦- قرأ يحيى بن يعمر: "تماما على الذي أحسنُ" -برفع أحسن.
٧- قرأ مالك بن دينار وابن السماك: "مثلا ما بعوضة" -برفع بعوضة.
- في باب المشبهات بليس:
١- قرأ سعيد بن جبير: "إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالَكم" -نصب عباد.
٢- قراءة من قرأ: "ولات حينُ مناص" برفع الحين.
- في باب الفاعل:
١- قرأ مالك بن دينار وأبو رجاء الجحدري: "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" -بالتاء.
- في باب النائب عن الفاعل:
١- قرأ علقمة: "هذه بضاعتنا رِدَّت إلينا" -بكسر الراء.
٢- قرأ أبو جعفر "ليُجزى قوما بما كانوا يكسبون" -بالبناء للمجهول.
- في باب الاستثناء:
١- قرأ ابن مسعود "حاش الله" -بالإضافة.
٢- قرأ أبو السمال "حاشًا لله" -بالتنوين.
- في باب الحال:
١- قرأ الحسن: "والسموات مطويات بيمينه" -بنصب مطويات.
٢- قرأ ابن ذكوان: "فاستقيما ولا تتبعانِ" -بتخفيف النون.
- في باب الإضافة:
١- قراءة بعضهم: "لأعدوا له عدة".
٢- قراءة من قرأ: "من قبلٌ ومن بعدٌ" -بالتنوين.
٣- قرأ ابن الجماز "والله يريد الآخرة" -بالخفض.
[ ١ / ٢٢٤ ]
٤- قرأ ابن محيصن: "فلا خوف عليهم" -برفع خوف من غير تنوين.
٥- قرأ ابن عامر: "قتل أولادَهم شركائهم" -بنصب أولاد وجر شركاء.
٦- قراءة بعض السلف: "فلا تحسبن الله مخلف وعدَهُ رسلِه"- بنصب الوعد وخفض الرسل.
- في باب المضاف إلى ياء المتكلم:
- قرأ الحسن: "يا بشرى".
ب- الأحاديث النبوية التي استشهد بها:
- في باب الكلام:
١- قال ﵊: "فإما أدركَنْ واحدٌ منكم الدجال".
- في باب المعرب والمبني:
١- قال ﷺ: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا".
٢- قال ﷺ: "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك".
٣- قال ﷺ: "اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف".
- في باب الضمير:
١- قال ﵊: "إن الله ملَّككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".
٢- قال ﵊: "قط قط بعزتك".
يروى بسكون الطاء وبكسرها مع ياء ودونها، ويروى "قطني قطني" بنون الوقاية، وقط قط بالتنوين وبالنون أشهر.
٣- قال ﵊: "غير الدجال أخوفني عليكم".
- في باب الابتداء:
١- قال ﵊: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
[ ١ / ٢٢٥ ]
٢- قال ﵊: "لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لأقمت البيت".
- في باب الفاعل:
- قال ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار".
- في باب الاستثناء:
- قال ﵊: "أسامة أحب الناس إليّ ما حاشا فاطمة".
- في باب الحروف الجر:
- قال ﵊: "لا يسرني بها حمر النعم".
- في باب الإضافة:
١- عن أبي برزة الأسلمي ﵁: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أو ثماني" -بفتح دون تنوين.
٢- قال ﵊: "هل أنتم تاركو لي صاحبي".
٣- قال ﵊: "أو مخرجي هم".
جـ- أمثال العرب وأقوالهم:
- في باب المعرب والمبني:
١- ومن قصر الأخ قولهم: "مكره أخاك لا بطل".
٢- في إعراب كلا وكلتا إعراب المقصور قول بعضهم: "كلاهما وتمرا".
- في باب الضمير:
١- في حذف الألف من "أنا" والإتيان بهاء السكت في قول حاتم: "هذا فزدى أنه".
٢- إذا كان المقدم من الضميرين غير الأخص وكان مخالفا في الرتبة لم
[ ١ / ٢٢٦ ]
يجر اتصال ما بعده إلا فيما ندر كقول عثمان ﵁: "أراهمني الباطل شيطانا".
٣- الضميران قد يتصلان غائبين. مثال ذلك ما رواه الكسائي في قول بعض العرب: "أهم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها".
٤- في إلحاق نون الوقاية بالفعل قبل ياء المتكلم كقول بعض العرب: "عليه رجلا ليسني".
- في باب المشبهات بليس:
- من إعمال "إن" عمل "ليس" قولهم: "إن ذلك نافعك ولا ضارك وإن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية".
- في باب إن وأخواتها:
- إن المخففة وليها فعل غير ناسخ. قولهم: "إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه".
- في باب ظن وأخواتها:
- جواز حذف مفعولي الفعل اقتصارا إن وجدت فائدة كقولهم: "من يسمع يخل".
- في باب أعلم وأرى:
- قول بعض من يوثق بعربيته: "البركة أعلمنا الله مع أكابركم".
- في باب الإضافة:
١- ألا يكون المضاف بعضا ولا وصفا ولكنه شبيه بالبعض في صلاحيته للسقوط كقولهم: "اجتمعت أهل اليمامة".
٢- أن شرط جر المضاف إليه بعد حذف المضاف أن يكون المحذوف معطوفا على مثله لفظا ومعنى بعاطف متصل أو منفصل "بلا" كقولهم: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة".
[ ١ / ٢٢٧ ]
٣- في الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف قول من يوثق بعربيته: "ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها".
د- الشواهد الشعرية:
وأما الشعر فقد دعم المرادي المعروف بابن أم قاسم القواعد بالشواهد الشعرية وأكثره للجاهليين والمخضرمين والإسلاميين سواء منها ما عرف قائلها وما لم يعرف.
وقل التمثيل بشعر المحدثين الذين لا يعتد النحاة بهم في قواعدهم.
ومن الأمثلة:
١- الشعراء الجاهليون وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى ويسمون بالطبقة الأولى.
ففي باب التنازع، قال امرؤ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
وفي باب الفاعل، قال الأعشى:
فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها
٢- الشعراء المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان ويسمون بالطبقة الثانية.
ففي باب الحال، قال لبيد بن ربيعة:
فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال
وفي باب الموصول، قال حسان بن ثابت:
وكفى بنا شرفا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا
٣- الشعراء المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق ويسمون بالطبقة الثالثة.
ففي باب المعرب والمبني، قال جرير:
[ ١ / ٢٢٨ ]
عرفنا جعفرا وبني أبيه وأنكرنا زعانف آخرين
وفي باب الموصول، قال الفرزدق:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
٤- الشعراء المولدون ويقال لهم المحدثون كأبي نواس وأبي العلاء ويسمون بالطبقة الرابعة.
ففي باب الابتداء، قال أبو نواس:
غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن
وفي باب الخبر، قال أبو العلاء المعري:
يذيب الرعب منه كل عضب فلولا الغمد يمسكه لسالا
اعتماده على القرآن الكريم:
لاحظت أن المرادي قد اعتمد في الترجيح على كتاب الله العزيز.
ومن الشواهد على ذلك:
مسألة "١":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وصل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه
قال المرادي:
"والاتصال أرجح ولذا بدأ به ولم يأت في القرآن إلا متصلا كقوله: "إذ يريكهم الله".
مسألة "٢":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
ومع لعل اعكس
[ ١ / ٢٢٩ ]
قال المرادي:
"يعني: أن الحذف معها كثير، ولم يأت في القرآن إلا كذلك". ا. هـ.
كقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ .
مسألة "٣":
في باب المشبهات بليس:
قال المرادي في "ما" النافية:
"وألحقه أهل الحجاز بليس؛ لأنهما لنفي الحال غالبا فأعملوه عملها وبه ورد القرآن. قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ".
شرح اللغويات:
شرح المرادي كثيرا من الألفاظ شرحا لغويا ليبين أصله ويفهم منه المراد، وقد اعتمد في شرحه غالبا على كتاب الصحاح للجوهري.
مسألة "١":
في المقدمة، بعد قول الناظم:
مصليا على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا
قال في "المصطفى":
"والمصطفى" المختار، والاصطفاء افتعال من الصفو وهو الخالص من الكدر والشوائب أبدلت من تائه طاء لمجاورة الصاد، وكان ثلاثيه لازما. تقول: صفا الشيء، يصفو صفاء، وجاء منع متعديا".
مسألة "٢":
في المقدمة أيضا بعد قول الناظم:
لي وله في درجات الآخره
[ ١ / ٢٣٠ ]
قال المرادي:
"قال في الصحاح: هي الطبقات من المراتب، وقال أبو عبيدة: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل".
مسألة "٣":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
يلي لم كيشم
قال: "وهو مضارع شممت الطيب ونحوه أشمه بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع والعامة يفتحون عين الماضي ويضمون عين المضارع".
مسألة "٤":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
وفعل أمر ومضي بنيا
قال في تنبيهات له "الثاني: قد أشاروا إلى علة إعراب الفعل المضارع بتسميته مضارعا. والمضارعة: المشابهة، قال بعضهم: المضارعة من لفظ الضرع، كأنه رضع مع الاسم ضرعا واحدا، وزعم ابن عصفور، أن المضارعة مقلوبة من المراضعة، ولا ضرورة تدعو إلى ادعاء القلب؛ لأن البناء كامل التصاريف".
مسألة "٥":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
أب أخ حم كذاك وهن
قال المرادي:
"والهن كناية عن اسم جنس، قال في الصحاح: كلمة كناية ومعناها شيء فتقول: هذا هنك. أي: شيئك.
وقال ابن الدهان: هو كناية عما يقلل، وكثرة الكناية به عن الفرج".
[ ١ / ٢٣١ ]
مسألة "٦":
في باب العلم، بعد قول الناظم:
ومنه منقول كفضل وأسد وذو ارتجال كسعاد وأدد
بعد الشرح وفي الكلام على "لأنكحن ببه".
قال المرادي:
"قال في الصحاح: يقال للأحمق الثقيل "ببه" وهو أيضا لقب لعبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب والي البصرة قال الفرزدق:
وبايعت أقواما وفيت بعهدهم وببه قد بايعته غير نادم
واسم جارية، وقال لأنكحن ببه، جارية خدبه، مكرمة محبة، تجب أهل الكعبة". ا. هـ.
مسألة "٧":
في كاد، بعد قول الناظم:
واستعملوا مضارعا لأوشكا وكاد لا غير وزادوا موشكا
قال المرادي: "وذكر الجوهري: مضارع طفق، قال المصنف: لم أره لغيره، والظاهر أنه قال رأيا وقد حكى مضارع جعل".
[ ١ / ٢٣٢ ]
الفصل الرابع:
موقفه من ألفية ابن مالك وألفية ابن معط:
يتعرض المرادي لألفية ابن معط فيقارن بين ألفاظها وألفية ابن مالك، ومن الأمثلة:
مسألة "١":
في مقدمة الألفية يقول -مقارنا: قال محمد هو ابن مالك.
وقال ابن معط: ويقول.
مسألة "٢":
في باب الكلام، بعد قول ابن مالك: واحده كلمة.
قال المرادي: "والكلم اسم جنس يتميز واحده بالتاء وفيه لغتان: التذكير والتأنيث.
فقال: واحده على الأولى، وقال ابن معط في ألفيته: واحدها على الثانية".
مسألة "٣":
في باب كان وأخواتها، بعد قول الناظم:
وفي جميعها توسط الخبر أجز
قال المرادي: "ومنع ابن معط توسط خبر "ما دام" ونسب إلى الوهم إذ لم يقل به غيره".
مسألة "٤":
في باب أعلم وأرى، بعد قول الناظم:
وإن تعديا لواحد بلا همزة فلاثنين به توصلا
بعد الشرح قال:
"وذكر الحريري وابن معط تعدى "علم" إلى ثلاثة بالتضعيف فعدوا من أفعال هذا الباب علم.
[ ١ / ٢٣٥ ]
والصحيح أن التعدي بالتضعيف سماع في اللازم والمتعدي وهو ظاهر مذهب سيبويه".
التعليل في شرحه:
وقد علل المرادي كثيرا مؤيدا لرأي من الآراء أو ردا على بعض النحاة فوضع الأمور في نصابها وأيد ذلك بالإقناع.
ومن الأمثلة الكثيرة:
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم: بالجر والتنوين إلخ.
بعد الشرح في الكلام على المسند قال:
"ويحتمل أن يريد به المفعول به، وهو ظاهر عبارته وهو صحيح؛ لأن المسند من خواص الأسماء وذلك أن المسند في الاصطلاح المشهور هو المحكوم به والمسند إليه هو المحكوم عليه ".
مسألة "٢":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وكن مخيرا في الباقيات
بعد الشرح قال:
"وأما نحو "أنا" فقد حكى بعض النحويين فيه المذاهب الثلاثة إلا أن الصحيح هنا حذف الثانية؛ لأن الثالثة هنا هي الضمير، ولثبوت حذفها في "إن" إذا حذفت".
مسألة "٣":
في باب كان وأخواتها، بعد قول الناظم:
وكل سبقه دام حظر
بعد الشرح قال:
[ ١ / ٢٣٦ ]
"وظاهر كلامه أنه مجمع على منعها أيضا وفيه نظر؛ لأن لمنع معلل بعلتين: إحداهما عدم تصرفها وهذا بعد تسليمه لا ينهض مانعا باتفاق، بدليل اختلافهم في "ليس" مع الإجماع على عدم تصرفها.
والأخرى أن "ما" موصول حرفي ولا يفصل بينه وبين صلته، وهذا أيضا مختلف فيه".
مسألة "٤":
في باب كان وأخواتها، بعد قول الناظم:
ومنع سبق خبر ليس اصطفى
بعد الشرح قال: " وذلك لضعفها بعدم التصرف وشبهها "بما" النافية".
مسألة "٥":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
أو حكيت بالقول
فإنه يجوز بعده الفتح والكسر.
"كقوله: أتقول إنك بالحياة ممتع.
فمن فتح جعل القول عاملا، وإن غير محكية، ومن كسر حكى به، لأن الحكاية بالقول مع استيفاء شروط إجرائه مجرى الظن جائزة".
مسألة "٦":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا
قال: "وإنما جاز دخولها مع "قد"؛ لأن قد تقرب الماضي من الحال ".
مسألة "٧":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
وإن تخفف أن فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن
[ ١ / ٢٣٧ ]
بعد الشرح قال:
"وتجوز المصنف في قوله "استكن"؛ لأن الضمير المنصوب لا يستكن والحرف لا يستكن فيه الضمير، وإنما محذوف لا مستكن".
مسألة "٨":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
والثاني اجرر
قال "في الجار أقوال: أحدها أنه المضاف، والثاني: أنه الحرف المنوي، والثالث: أنه معنى الإضافة.
والأول مذهب سيبويه وهو الصحيح، لاتصال الضمائر به ولا تتصل إلا بعاملها".
مزايا الشرح:
يأتي المرادي بحاصل البيت أو بمعناه أو بتلخيص للمسألة؛ ليكون الكلام سهل الفهم وفي متناول القارئ.
ومن الأمثلة:
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
وأي فعل آخر منه ألف أو واو أو ياء فمعتلا عرف
بعد الشرح قال: "وحاصل البيت أن كل فعل آخره ألف نحو "يخشى" أو واو نحو "يدعو" أو ياء نحو "يرمي" فهو معتل قد عرف بهذا ولا يقال منقوص ولا مقصور إلا في الأسماء".
مسألة "٢":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وقدم الأخص في اتصال
[ ١ / ٢٣٨ ]
بعد الشرح قال: "والحاصل أن المبيح لجواز الاتصال والانفصال هو كون الضمير ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع أو كونه خبر كان وأخواتها، ثم إن كان المقدم من الضميرين غير الأخص، فإما أن يكون مخالفا الرتبة أو مساويا لها، فإن كان مخالفا لم يجز اتصال ما بعده إلا فيما ندر كقول عثمان ﵁: أراهمني الباطل شيطانا".
مسألة "٣":
في باب الضمير، بعد قول الناظم:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية وليسي قد نظم
بعد الشرح قال:
"ومعنى البيت: أن نون الوقاية تلزم قبل ياء التكلم مع جميع الأفعال نحو أكرمني يكرمني أكرمني، إلا فعلا واحدا وهو "ليس" ندر حذف نون الوقاية معه في النظم لضرورة الشعر".
مسألة "٤":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
من دون ليت ولعل وكأن
بعد الشرح قال:
"وتلخيص هذه المسألة:
أن نصب المعطوف بعد الخبر وقبل الخبر جائز في الجميع، وأما رفعه فيجوز بعد الخبر لا قبله في "إن" و"لكن" باتفاق و"أن" بعد العلم أو ما في معناه على المختار".
ومن مزاياه رغبته في توضيح المسائل النحوية:
فيحسم الخلاف بتحقيق أو تفضيل ليعطي القارئ صورة موجزة تساعد على فهم المراد.
ومن الأمثلة:
[ ١ / ٢٣٩ ]
مسألة "١":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
ما لم يضف أويك بعد أل ردف
قال المرادي:
"فإن قلت: إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته أل وانجر بالكسرة فهل يسمى منصرفا؟
قلت: فيه خلاف مشهور.
والتحقيق: أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضفة أو أل فمنصرف نحو "مررت بأحمدكم" وإلا فغير منصرف نحو "مررت بأحسنكم".
والمفهوم من قوة كلامه في النظم أنه باق على منع صرفه".
أقول:
والفرق بينهما أن "أحمد" ذهبت منه العلمية بالإضافة، أما في "أحسنكم" فلا تزال فيه الوصفية ووزن الفعل، فالأول منصرف، والثاني غير منصرف.
مسألة "٢":
في باب المعرب والمبني، بعد قول الناظم:
واحذف جازما ثلاثهن
بعد الشرح قال: "والتحقيق أن الحذف عند الجازم، لأنه فرع. إذا كان حرف العلة بدلا من همزة نحو: "يقرأ" فإن قدر دخول الجازم قبل الإبدال وجب إقراره، وإن قدر دخوله بعد الإبدال فقد ذكر ابن عصفور فيه وجهين: الإثبات والحذف ومنع بعضهم الحذف".
مسألة "٣":
في باب الابتداء، بعد قول الناظم:
حاوية معنى الذي سيقت له
[ ١ / ٢٤٠ ]
بعد الشرح قال:
"قلت: التحقيق. إن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء، واكتفى بضمير واحد في إحداهما كما يكتفي بضمير واحد في جملتي الشرط والجزاء".
مسألة "٤":
في باب الاشتغال، بعد قول الناظم:
وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا
وبيت بعده
بعد شرح قال: "والتفصيل؛ فإن كان مقرونا بقد جاز النصب بعدها وإن لم يكن مقرونا بها وجب الرفع؛ لأن الأخفش قد حكى عن العرب إيلاءها الفعل المقرون بقد، قيل: وهو الصحيح".
[ ١ / ٢٤١ ]
مسائل: الظاهر من تعبير المرادي وتعبير النحاة أنه انفرد بها:
مسألة "١":
في باب الكلام، بعد قول الناظم:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
بعد الشرح قال المرادي في شرحه للألفية:
"وأقول: إن صدور الكلام من ناطقين غير متصور؛ لأن الكلام مشتمل على الإسناد والإسناد لا يتصور صدوره إلا من واحد، وكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما أجاب ثانيا" ونسبه إليه السيوطي في همعه ١/ ١٠.
مسألة "٢":
في باب العلم، بعد قول الناظم:
ووضعوا لبعض الأجناس علم كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
بعد الشرح، قال المرادي في شرحه للألفية:
"وأقول: تفرقة الواضع بين "أسامة" و"أسد" في الأحكام اللفظية توزن بفرق من جهة المعنى".
مسألة "٣":
في باب الموصول "الأولي" إشارية وموصولة.
قال الشيخ عبادة في حاشيته على الشذور "وقال المرادي في شرح التسهيل: فرق بينهما، وذلك أن "أولي" الإشارية لا يجوز دخول "أل" عليها. والموصولة يجوز دخولها عليها، والإشارية تكتب بعد همزتها واو بخلاف الموصولة".
مسألة "٤":
في باب المبتدأ، بعد قول الناظم:
كنطقي الله حسبي وكفى
"وأقول: الذي يظهر -والله أعلم- في هذا ونحوه أنه ليس من الإخبار
[ ١ / ٢٤٢ ]
بالجملة، وإنما هو من الإخبار بالمفرد؛ لأن الجملة في نحو ذلك إنما قصد لفظها كما قصد حين أخبر عنها في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
مسألة "٥":
في باب إن وأخواتها، بعد قول الناظم:
بعد إذا فجاءة أو قسم لا لام بعده بوجهين نمي
وبعد الكلام على قول الشاعر:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا
قال الشيخ الصبان: "لكن قال المرادي في شرح المتن أن من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة" "أرى" -بالبناء للمفعول- مضارع "أريت" بمعنى أظننت كذلك، وكذا في شرحه للتسهيل، وزاد فيه عن سيبويه وغيره أن "أريت" بمعنى أظننت لم ينطق له بمعنى للفاعل كما لم ينطق بأظننت التي أريت بمعناها".
مسألة "٦":
في باب ظن وأخواتها، بعد قول الناظم:
ظن حسبت وزعمت مع عد حجا درى وجعل اللذ كاعتقد
قال الشيخ السجاعي في حاشيته على ابن عقيل: "قال المرادي: أو ساق أو كتم".
مسألة "٧":
في باب ظن وأخواتها، بعد قول الناظم:
وجوز الإلغاء لا في الابتدا
قال الشيخ الصبان: "ذكر المرادي أن لجواز الإلغاء هنا قيدين أهملهما المصنف.
أحدهما: ألا تدخل لام الابتداء على الاسم، فإن دخلت نحو "لزيد قائم ظننت" وجب الإلغاء.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الثاني: ألا ينفي الفعل، فإن نفي امتنع، فيمتنع نحو "زيد قائم لم أظن"، لبناء الكلام على النفي.
ولم يتعرض المصنف ولا غيره من أتباعه لهذا الذي ذكره المرادي".
مسألة "٨":
في باب المفعول له:
قال الشيخ يس في حاشيته على مجيب الندا للفاكهي: "قال المرادي في شرح التسهيل: يجوز في "كي" إذا كانت ناصبة بنفسها أن تقع مفعولا له؛ لأنها إذ ذان ينسبك منها المصدر فتكون مثل أن وإن".
مسألة "٩":
في باب المفعول فيه، بعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .
جعلوا "حيث" مفعولا -أي: يعلم حيث.
وقال الشيخ عبادة في حاشيته على شذور الذهب "قال المرادي: لم يجئ "حيث" فاعلا ولا مفعولا ولا مبتدأ".
مسألة "١٠":
في باب الإضافة، بعد قول الناظم:
وألزموا إضافة لدن فجر
قال المكودي: "وجعل المرادي قوله: "فجر" شاملا للجر في اللفظ والمحل، لتندرج الجملة، وجعل من إضافتها إلى الجملة قوله:
لدن شب حتى شاب سود الذوائب
وأجاز المرادي أيضا أن يضاف إلى الجملة الاسمية كقوله: لدن أنت يافع".
مسألة "١١":
في باب المصدر في شروط المصدر:
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال الشيخ خالد في التصريح: "زاد المرادي شرطا خامسا، وهو أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل".
أقول: وقد ذكره المرادي في شرحه للألفية، بعد قول الناظم:
إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله
مسألة "١٢":
في باب الترخيم، بعد قول الناظم:
ترخيما احذف آخر المنادى كيا سعا فيمن دعا سعادا
بعد الكلام في إعراب "ترخيما".
قال الشيخ الأشموني: "وأجاز المرادي وجها رابعا، وهو أن يكون مفعولا مطلقا وناصبه احذف؛ لأنه يلاقيه في المعنى".
مسألة "١٣":
في باب موانع الصرف، الوصفية وزيادة الألف والنون:
قال الشيخ عبادة في حاشيته على الشذور. بعد الشرح:
"وزاد المرادي لفظين:
وزد فيهن خمصانا على لغة وأليانا
وأيضا ذكره الأشموني والصبان.
أقول: وبالرجوع إلى كتب النحو المتقدمة على المرادي، وجدت أن "أليان" سبقه بها ابن الناظم. قال في شرحه لألفية والده ص٢٥٩:
"فقد رأينا بعض ما هو صفة على فعلان مصروفا كندمان وسيفان وأليان". ا. هـ.
مسألة "١٤":
في حرف الباء "بجل" في المصنف من الكلام على مغني ابن هشام قال الشمني: "قال ابن أم قاسم في الجنى الداني. أما "بجل" الاسمية فلها قسمان:
[ ١ / ٢٤٥ ]
أحدهما: أن يكون فعلا بمعنى يكفي فتلحقها نون الوقاية مع ياء التكلم. فيقال "بجلني".
والثاني: أن تكون اسما بمعنى "حسب" فتكون الباء المتصلة بها مجرورة الموضع ولا تلحقها نون الوقاية".
وبالرجوع إلى هذه الآراء في كتب المرادي لاحظت أنه لم يسنبها لقائل.
ملاحظة:
يلاحظ على ابن أم قاسم المرادي أنه:
١- كان يقتصر على بعض الأحكام في المسألة دون استقصاء. مثل ذلك في باب الكلام، بعد قول الناظم:
بالجر والتنوين إلخ
قال: "للاسم خمس علامات: الأولى الجر، وهو يشمل الجر بالحرف نحو "بزيد" وبالمضاف نحو "غلام زيد"، ولا جر بغيرهما خلافا لمن زاد التبعية". فاقتصر على ذلك وترك الجر بالمجاورة، وقد أثبته الجمهور كما في همع الهوامع للسيوطي ٥٥/ ٢ "أثبت الجمهور من البصريين والكوفيين الجر بالمجاورة ". وإن كان ضعيفا كما قال السيوطي في الهمع "خاتمة" في سبب للجر ضعيف أثبت الجمهور..".
فعلى صاحب أن يذكر الجر من جميع الجوانب.
٢- كان يعترض على المسألة فيقول: وفيه نظر، وفي بعض المسائل لا يذكر وجهة نظره.
مثال ذلك: في باب ظن، بعد قول الناظم:
بغير ظرف أو كظرف أو عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
بعد الشرح قال المرادي:
"وزاد في التسهيل أن يكون حاضرا، وفي شرحه بأن يكون مقصودا به الحال. فعلى هذا لا ينصب مقصودا به المستقبل، ولم يشترطه غيره، وفيه نظر".
[ ١ / ٢٤٦ ]
ومثال آخر في باب الحال، بعد قول الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب مفهم في حال كفردا أذهب
في جر الحال بمن الزائدة.
قال المرادي: "وذكر في حروف الجر من شرح التسهيل أن "من" الزائدة ربما دخلت على الحال، ومثله بقراءة من قرأ: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخذ من دونك من أولياء"- مبنيا للمفعول- وفيه نظر".
مذهبه النحوي:
يبدو لي من الدراسة أن المرادي لم يفته كتاب من كتب النحو الهامة ابتداء من كتاب سيبويه إلى مؤلفات معاصريه، دون أن يقرأه، ولم يترك أيضا كتب مالك كالتسهيل وشرحه في الكافية وشرحها وغير ذلك.
ولا أغالي إذا قلت: إنه درس كل هذه الكتب دراسة وافية واعية.
وكان كثير الدأب على القراءة والاطلاع، حتى إنه ليخيل إليّ وهو يتصدى للتأليف يضع أمامه كتب ابن مالك وسيبويه والكسائي والفراء والأخفش والمبرد وابن السراج وثعلب والجرمي والفارسي والسيرافي والزمخشري وابن كيسان وابن برهان وابن جني وابن مضاء وابن خروف وابن الحاجب وابن عصفور وأبي حيان وغيرهم من كبار النحاة.
فإننا نجد آراء هؤلاء جميعا وغير هؤلاء معروضة في كتب النحو عامة وشرح المرادي خاصة يوافقها أو يخالفها يؤيدها أو يردها يقويها أو يضعفها يصححها أو يخطئها، ويوازن بينها ويرجح ويختار في تبصرة وثقة واعتداد إلى جانب أنه كان على إحاطة بالقراءات والعروض والتفسير والأصول.
وأول ما يطالعنا من مميزات مذهب المرادي أنه مال إلى التجديد والابتكار في منهج تأليفه، ويمكن أن نلمس هذا في شرحه.
فقد اعتمد على أن يعرض آراء ابن مالك في شرحه مؤيدا أو معارضا، ولما كان هذا العمل قد حاز إعجاب بعض الشراح، رأينا الشيخ الأشموني في شرحه
[ ١ / ٢٤٧ ]
للألفية نهج نهجه واتبع سبيله فنراه أيضا يسأل ويجيب، وأفرد مسائل في تنبيهات اقتداء بالمرادي.
وقد مال ابن أم قاسم إلى السهولة واليسر في كل ما ذهب إليه حتى إنه ليصرح عقب المسائل الخلافية المطولة بتحقيق يشتمل على إجمال لما وقع فيه الخلاف، وأنه يختار المذهب؛ لأنه أسهل أو لبعده عن التكلف والتعقيد. ويعول كثيرا على آراء ابن مالك في التسهيل والكافية وشرحيهما، وقد يذكر المسائل المتعارضة من آرائه في هذه الكتب، قاصدا بذلك التوضيح والتبيين.
ويمتاز المرادي بالجمع بين مذاهب النحاة بصريين وكوفيين وبغداديين ومغاربة فهو يعرض الآراء في دقة وأمانة ويرجح ويتخير.
فشرحه هذا مزيج من نحو النحاة وآرائه الخاصة، وإن كانت المسحة الغالية هي المسحة البصرية.
ولا يقف المرادي في كتابه عند المسائل النحوية بل يعدو ذلك إلى التصريف واللغة كلما سنحت سانحة.
ولما كان ابن أم قاسم قد اشتغل بالقراءات والتفسير والأصول، فقد استمد شواهده من القرآن الكريم، ولحبه في كتاب الله حمله هذا الاتجاه في بعض الأحيان على قبول الشواهد من القراءات غير المشهورة أو الشاذة؛ لأنه كان يثق فيما نقله القراء.
ويلاحظ أن المرادي يمثل بأبيات لا يحتج بقول قائلها كأبي نواس وأبي العلاء مقتديا بغيره.
وابن أم قاسم كان يحترم السماع والقياس، ويمتاز أسلوبه بالدقة في التعبير وصوغ الأحكام التي تكفل عرض المذاهب بوضوح وسهولة.
وشرح الألفية موضوع البحث مثال حي لهذا الأسلوب.
انتهت الدراسة، ويليها الجزء الأول من التحقيق.
[ ١ / ٢٤٨ ]
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك للمرادي
مقدمة المحقق:
الحمد لله المنعوت بجميل الصفات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات، والمبعوث بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وعلى آله وصحبه الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن بيضة الدين، حتى رفع الله بهم مناره، وأعلى كلمته، وحبك دينه المرضي وطريقه المستقيم.
وبعد:
فهذا الكتاب تحقيق لأهم أصل من أصول الأشموني التي اعتمد عليها وأخذ منها، ويكاد يكون صورة لها، فالأشموني وشرح المرادي على ألفية ابن مالك يكادان يكونان شيئا واحدا.
لذلك اخترت هذا الكتاب للتحقيق والشرح، وقدمته إلى كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، جزءا من رسالتي للدكتوراه التي أجزت عليها مع مرتبة الشرف الأولى.
واسم الكتاب كاملا هو: "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك" ومؤلفه ابن أم قاسم المرادي.
وقد اعتمدت على ثلاث نسخ:
وصف المخطوط:
أ- النسخة الأولى:
١- خطها: نسخة في مجلد بقلم معتاد بخط إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل ومسطرتها ٢١ سطرا، ٢٢سم.
مودعة بمكتبة الأزهر تحت رقم "٣٢٣٨" عروسي ٤٢٥٦٥.
٢- في أول صفحة خاتم مكتوب فيه "ملك الفقير إلى رب العالمين محمد أمين المنصوري".
[ ١ / ٢٥١ ]
٣- وفي نفس الصفحة مثلث مكتوب بداخله "هذا كتاب توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك للشيخ العالم العلامة بدر الدين بن عليّ ابن الشيخ صالح الزاهد قاسم بن عبد الله بن المرادي المالكي ﵀".
٤- ووضع أيضا خاتم أزرق اللون لم تظهر عليه كتابة.
٥- نهايتها: وفي نهاية النسخة كتب: "تم الشرح المبارك المسلك في تحقيقه الطريق المبارك يوم الأربعاء لثلاث وعشرين من شهر محرم سنة ١٢٨٣ على يد العبد الفقير المعترف بالذنب والتقصير إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل القناوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين".
٦- قيمتها: هذه النسخة وإن لم تكن مضبوطة بالشكل فخطها واضح، وجلي ومجدولة بالمداد الأحمر، والسقط بها قليل.
ب- النسخة الثانية:
١- خطها: نسخة في مجلد مخطوط بخط الشيخ صالح سلامه رمضان السكندري مودعة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٣٢٣.
٢- في أول صفحة كتب بين خاتمين لم تظهر عليهما الكتابة "مشترى من تركة الشيخ صالح سلامة رمضان في ٣ أغسطس سنة ١٧٨٠م".
٣- وفي الصفحة الثانية أبيات من الشعر هي:
وقفت على يقيني في اعتقادي فما شرح الخلاصة كالمرادي
كتاب جل في تحصيل نحو وتنقيح على وفق المرادي
مؤلفه له علم غزير وذهن ثاقب في الاجتهاد١
لقد سبق الورى في علم نحو على ألفية سبق الجوادي
_________________
(١) ١ هكذا بالأصل بدون ياء، وما عداه بالياء.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وفاق فما يطاق له سباق على الخيل المضمرة الهوادي
وقد بذل النصيحة في كتاب له شرف وها أنا فيه بادي
شهير فضله في الناس طرا وما يخفيه إلا ذو عنادي
فمهما شئت فن النحو خذه ففوزك في مرادك بالمرادي
مراديّ تكفل بالمراد وفيه كفاية لذوي الرشادي
فخذ بالجد بالتذكار فيه فهذا النصح عن محض الودادِ
٤- نهايتها: وكان قد نسخ القسم الأخير قبل القسم الأول، فكتب في آخرها "كتبه لنفسه ثم لمن شاء من بعده عبيد الله الفقير صالح سلامة السكندري مولدا ومنشأ المالكي مذهبا الأشعري عقيدة الخلوتي طريقة غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وأحبابه، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، آمين يا مجيب الدعوات.
وكان الفراغ من نسخه يوم الجمعة المبارك الموافق لمضي سبعة عشر يوما خلت من شوال سنة ١٢٧٧هـ سبعة وسبعين ومائتين وألف من هجرة من له العز والشرف.
وكان ذلك بمقام وليّ الله سيدي أحمد المكني نفعنا الله وإياكم ببركاته آمين اللهم كما مننت علينا بإكمال الجزء الثاني فامنن علينا بإكمال الجزء الأول بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه".
وفي آخر القسم الأول كتب "حرر في ٢٥ل سنة ١٢٧٨.
٥- قيمتها: نالت حظ الضبط بالشكل، وهي أقل جودة من غيرها في الخط، ومجدولة بالمداد الأحمر، وبها سقط.
ج- النسخة الثالثة:
١- نسخة في مجلد مخطوط مودع بدار الكتب المصرية بالمكتبة التيمورية رقم ١٥٠ وعدد أوراقها ٢٣٠ ورقة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
٢- في أول صفحة فهرس أجمل فيه جميع أبواب النحو.
٣- وعليه خاتم أحمر كتب فيه "وقف أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور بمصر".
٤- نهايتها: كتب في آخر النسخة: "تم الكتاب بعناية الملك الوهاب والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين.
بتاريخ نهار الأربعاء حادي عشر شوال سنة ١٠٣٤ أربع وثلاثين وألف".
٥- مكتوب على هامش النسخة في آخر صفحة منها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله مفيض أنوار الفهوم وفاتح مغاليق العلوم، والصلاة والسلام على من أوتي نوابغ الكلم، وبوالغ الحكم، المرسل رحمة لكافة الأمم، والمنزل عليه: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣-٥] وعلى آله وأصحابه مصابيح العلم.
وبعد: فإن الشاب الفاضل والماهر الكامل درة تاج الأذكياء، وواسطة قلادة أرباب الجد والتشمير من الاتقياء، السيد سليمان الحافظ بن الشيخ أحمد بن الشيخ سليمان الشهير بالحموي، الإمام بالجامع الشريف الأموي، قد قرأ هذا الشرح بطرفيه قراءة مذاكرة وتدبر، والتمس مني الإجازة به، والتفسير والفقه والقراءات وسائر ما تجوز لي وعني روايته بشروطه المعتبرة عند أهل الأثر راجيا منه ألا ينسانا من دعائه النافع.
ولا سيما إذا جافت النفحات السحرية الجنوب عن المضاجع، وله مني على قصوري مثل ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
أحمد بن عليّ العثماني
حرر ليلة الخميس لتسع بقين من ذي القعدة سنة ١١٤٣.
٦- وقبل الغلاف الأخير خاتم أيضا مثل الأول مكتوب فيه: "وقف أحمد بن إسماعيل بن محمد تيمور بمصر".
٧- قيمتها: نسخة وضح خطها وضبطت بالشكل ومنظمة، ومجدولة بالمداد الأحمر، غير أن بها خرما، وبهامشها كثير من التصحيحات.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وإنما وقع اختياري على أن أجعل النسخة الأولى هي الأصل، مع أن الثانية ضبطت بالشكل وكذا الثالثة لأن خطها أوضح وسقطها أقل منهما.
عنوان الكتاب:
في النسخة الأولى: "توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك"، وفي الثانية والثالثة: "شرح ألفية ابن مالك".
موضوعات الكتاب:
هي موضوعات ألفية ابن مالك، أولها:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
طريقة شرحه للألفية:
يعرض البيت ثم يشرحه شرحا إجماليا، وكثيرا ما يذكر كل جزء من أجزائه على حدة، ويشرح هذا الجزء منفردا بوضوح مستشهدا بآيات الله والأحاديث النبوية، وأقوال العرب وأشعارهم، وفي الغالب يكتفي من البيت بجزء الشاهد، وألاحظ في هذا الشرح أنه يسأل ويجيب لتتم الفائدة، وقد حلى شرحه بذكر تنبيهات.
مرتبة شرحه للألفية بين مؤلفاته:
يلاحظ أن هذا الشرح في المرتبة الثانية من بين شروحه، فهو يقول في شرحه للألفية في المقدمة عند قول ابن مالك:
وأستعين الله في ألفيه
"قول صاحب المقرب: النحو علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الكتاب".
ورجعت إلى مؤلفاته الموجودة، فلم أعثر على هذا البسط، ولعله في كتاب كشرح المفصل له، وهو غير موجود.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وفي باب المعرف بالألف واللام، بعد قول الناظم:
أل حرف تعريف أو اللام فقط
بعد الشرح قال المرادي: "وأجاب المستنصر لسيبويه عن أكثر هذه الأوجه، وقد ذكرت ذلك في غير هذا الكتاب".
ورجعت إلى مؤلفاته الموجودة فلم أجد إجابة، فأخذت من ذلك أن هذا الشرح مرتبة من بين شروحه.
منهج التحقيق:
عنيت في تحقيق هذه المخطوطة بالجوانب الآتية:
١- بعد مراجعة النسخ الثلاث جعلت نسخة هي الأصل، واعتمدت عليها.
٢- قابلت النسخ الأخرى عليها، وأثبت بعض المخالفات التي وجدت في النسخ.
٣- رقمت الآيات القرآنية مع ذكر سورها.
٤- تخريج الأحاديث النبوية، وشرح ما صعب منها.
٥- نسبت الأبيات الشعرية إلى قائلها، وشرحتها مما يبين الغرض، مع النص على ما موضع الاستشهاد بها، وذكر شراح الألفية الذين استشهدوا بها.
٦- شرحت الأمثال العربية ونسبتها إلى مصدرها.
٧- توضيح لبعض ما أشكل من النص.
٨- قمت بإضافة عدد قليل من العناوين للتوضيح وحتى لا يطول الكلام بالقارئ ووضعته بين قوسين معقوفين تتميما للفائدة.
٩- تعرضت لذكر بعض آراء سيبويه في كتابه "الكتاب".
١٠- التعريف بالأعلام.
[ ١ / ٢٥٦ ]
١١- طريقة الترقيم في الهامش هي:
قد أشير إلى نسخة "أ" مثلا -يعني: أن هذه الجملة أو الكلمة موجودة في نسخة "أ" فقط وسقط في الباقي، وقد أشير إلى "أ"، "ب" فقط فكذلك، أما إذا كانت الجملة أن الكلمة في كل نسخة فأشير إلى كل نسخة برقمها، مع بيان التغيرات.
وأعتقد أن المكتبة العربية في أمس الحاجة إلى هذا التحقيق الذي يعتبر من أهم المراجع في إحياء التراث العربي.
والله أسأل أن يسدد خطانا على طريق الحق والصواب، وأن يكتب لنا التوفيق والسعادة، وأن يكون عملي مثمرا نافعا إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين.
دكتور/ عبد الرحمن عليّ سليمان
[ ١ / ٢٥٧ ]
الجزء الأول
مقدمة الألفية
الجزء الأول:
قال الشيخ الإمام العالم العلامة بدر الدين أبو عليّ حسن ابن الشيخ الصالح الزاهد قاسم بن عبد الله عليّ المرادي المالكي تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته:
الحمد لله والشكر له، وصلاته وسلامه على محمد خير نبي أرسله، وبعد:
فهذا توضيح "مختصر"١ لمقاصد ألفية ابن مالك -رحمه الله تعالى- يجلو معانيها على طلابها ويظهر محاسنها "على حفاظها"٢ سألنيه بعض حفاظها المعتنين باستنباط فوائدها من ألفاظها، فأجبته إلى ذلك رغبة في الثواب، وتقريبا على الطلاب، وبالله أستعين، وهو الموفق والمعين.
مقدمة الألفية:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك
قال فعل "ماض"٣ واوي العين مفتوحها متعد إلى واحد، وإذا وقعت بعده جملة محكية به فهي في موضع مفعوله والمحكي به في "الرجز"٤ أحمد ربي إلخ.
وقوله "هو ابن مالك" جملة معترضة بين القول ومحكيه.
فإن قلت: هلا قال: يقول محمد كما "قال"٥ ابن "معط"٦ في ألفيته؛ لأن المحكي لم يمض "بعد"٧.
قلت: "فالجواب عنده"٨ ثلاثة أوجه:
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، ب، وفي نسخة ج "لخطابها". ٣ نسخة أ. ٤ أ، ونسخة ب "البيت". ٥ أ، وفي نسخة ب، ج "فعل". ٦ وبالأصل معطي. ٧ أ. ٨ أ، وفي نسخة ب "في الجواب عنده"، ج "فالجواب عنه".
[ ١ / ٢٦١ ]
الأول: يجوز أن يكون قد تأخر نظم "قال" عن المحكي فيكون على ظاهره.
والثاني: أن يكون أوقع الماضي موقع المستقبل "تحقيقا له وتنزيلا"١ منزلة الواقع.
والثالث: أن يكون وضع كلمة "قال" أول "نطقه"١ ليحكي بها عند "قضاء"٣ الحاجة والفراغ من المحكي، ونظيره "ما أجازه"٤ السيرافي٥ في قول سيبويه ﵀: "هذا باب علم ما الكلم٦ من العربية"٧ أن يكون وضع كلمة الإشارة غير مشير بها إلى شيء ليشير بها عند الحاجة والفراغ من المشار إليه.
وحذفت ألف "مالك الأول"٨ خطأ؛ لأنه علم مشتهر كثير الاستعمال، ويجوز إثبات ألفه أيضا. قال بعضهم: وإثباتها جيد، وأما مالك آخر البيت فلا تحذف ألفه؛ لأنه صفة٩.
مصليا على النبي المصطفى وآله المستكملين الشرفا
مصليا حال من فاعل أحمد، والمصطفى المختار، الاصطفاء افتعال من الصفو وهو الخالص من الكدر والشوائب، أبدل من تائه طاء لمجاورة الصاد، وكان
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "تحقيقا وتنزيلا له". ٢ أ، ج، وفي ب "نظمه". ٣ أ، ج. ٤ أ، ج، وفي ب "ما أجاز". ٥ هو: أبو سعيد الحسن بن عبد الله نشأ بسيراف "من بلاد فارس على الخليج الفارسي" وارتحل إلى عمان في سبيل العلم ثم عاد إلى سيراف ثم اتجه إلى معسكر مكرم ثم توطن بغدد وولي القضاء فيها. تلقى عن ابن السراج ومبرمان وابن دريد وغيرهم، وألف الكتب القيمة، فشرح كتاب سيبويه بما لم يسبق إليه، وله كتاب أخبار النحويين البصريين، توفي ببغداد سنة ٣٦٨هـ.
(٢) أ، ب، وفي ج "علم الكلم". ٧ ج١ ص٢ سيبويه. ٨ أ، ج، وفي ب "مالك الأولى". ٩ وفي الكشاف ١/ ٩ قرئ: ملك يوم الدين. وفي القاموس المحيط ٣/ ٣٢٠: وككتف وأمير وصاحب ذو الملك ولعله يقصد الحذف وعدمه في الخط فقط لا في النطق، وقال الشيخ الصبان ١/ ٨: "وبين مالك الأول ومالك الثاني الجناس التام اللفظي لا الخطي أن رسم الأول بغير ألف كما هو الأكثر في مالك العلم، فإن رسم بها كما هو أيضا جيد كان لفظها خطيا فإطلاق البعض كونه لفظها خطيا محمول على الحالة الثانية".
[ ١ / ٢٦٢ ]
ثلاثيه لازما تقول صفا الشيء يصفو "صفاء"١ وجاء الافتعال "منه"٢ متعديا. وفي معنى الآل٣ وأصله خلاف مشهور ليس هذا موضع ذكره٤.
واختلف في جواز إضافته إلى الضمير فمنعه الكسائي٥ والنحاس٦ وأجازه غيرهما٧ وزعم أبو بكر الزبيدي٨ أن إضافته "إلى"٩
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ، ج، وفي ب "فيه". ٣ في الأصل الأول. ٤ قال الأشموني ١/ ٥: "أصل آل أهل، قلبت الهاء همزة، كما قلبت الهمزة هاء في "هراق" الأصل "أراق" ثم قلبت الهمزة ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها كما في "آدم وآمن" هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله "أول" كجمل من آل يئول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وقد صغروه على "أهيل" وهو يشهد للأول وعلى "أويل" وهو يشهد للثاني، ولا يضاف إلا إلى ذي شرف بخلاف أهل، فلا يقال: "آل الإسكاف"، ولا ينتقض بـ"آل فرعون" فإن له شرفا باعتبار الدنيا. ٥ الكسائي: هو أبو الحسن الإمام عليّ بن حمزة بن عبد الله الكسائي إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد القراء السبعة المشهورين، ولقب الكسائي لأنه أحرم في كساء وقيل: كان يصنع الأكسية، وهو من أهل الكوفة وقد استوطن بغداد وتعلم النحو على كبر، وأخذ عن معاذ الهراء، ولقي الخليل وجلس في حلقته، وجرت بينه وبين الفراء مجالس، وقيل للفراء: ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو، فقال: لقد أتيته فناظرته فكأني كنت طائرا يغرف بمنقاره من البحر، وله مؤلفات كثيرة، توفي سنة ١٨٩هـ. ٦ النحاس: هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، أبو جعفر النحوي المصري، رحل إلى بغداد وعاد إلى مصر، وكان لئيم النفس شديد التقتير على نفسه، وقلمه أحسن من لسانه، وصنف كتبا كثيرة منها: الكافي في العربية، المبتهج في اختلاف الكوفيين والبصريين وغير ذلك. وجلس على درج المقياس بالنيل يقطع شيئا من الشعر فسمعه جاهل، فقال: هذا يسحر النيل حتى لا يزيد، فدفعه برجله فغرق، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ٧ أ، ب. ٨ هو أبو بكر محمد بن الحسن، أصله من زبيد "قبيلة يمنية" ولد في إشبيلية وتأدب على أبيه ثم سمع من أبي عليّ القالي ومحمد بن يحيى الرياحي وغيرهما في قرطبة حتى غدا أوحد زمانه في النحو وحفظ اللغة، فاختاره المستنصر بالله لتأديب ولده، وله مؤلفات: الواضح في النحو، وأبنية الأسماء في الصرف، وطبقات النحويين واللغويين، توفي في قرطبة سنة ٣٧٩هـ. ٩ في الأصل "من" والسياق يقتضي "إلى" بدل "من".
[ ١ / ٢٦٣ ]
"الضمير"١ من لحن العامة والصحيح أنه من كلام العرب٢.
وأستعين الله في ألفيه مقاصد النحو بها محويه
للنحو في اللغة أربعة معان: الأول أن يكون مصدرا. تقول: نحوت كذا نحوا أي قصدته قصدا. والثاني أن يكون ظرفا. أنشد أبو الحسن:
يحدو بها كل فتى هبات وهن نحو البيت عامدات٣
قال أبو الفتح٤: وأصله المصدر.
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "المضمر". ٢ قال عبد المطلب: وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك، وفي الحديث: "اللهم صل على محمد وآله" راجع الأشموني ١/ ٥. ٣ البيت من الرجز المسدس وفي شرح الشواهد الكبرى "قائله راجز لم أقف على اسمه" ج١ ص١٢٤، وبحثت فلم أعثر له على قائل. الشرح: "يحدو بها" أي الإبل. أي يزجرها للشيء. قال ابن فارس: الحدو بالإبل زجرها والغناء لها. هبات على وزن فعال -بالتشديد- من هبت به إذا صاح ودعاه. وكذلك هوت به "نحو البيت" أراد به الكعبة المشرفة، "عامدات": أي: قاصدات من عمد إذا قصد. الاستشهاد فيه: في قوله "نحو البيت" فإن لفظة "النحو" ههنا ظرف وهو يجيء لمعان كثيرة: الأول: بمعنى الظرف وهو كثير، تقول: توجهت نحو الدار أي: جهتها. والثاني: بمعنى القصد. تقول نحوت معروفه أي قصدته. والثالث: بمعنى الطريق. تقول هذا نحو المدينة أي طريقا. والرابع: بمعنى مثل. تقول هذا نحو ذلك أي مثله. والخامس: بنو نحو "من الأزد" قوم من العرب ينسب إليهم النحوي. والسادس: نحو الكلام وهو قصد القائل أصول العربية ليتكلم مثل ما تكلموا به. والنحو في اصطلاح القوم معرفة كيفية كلام العرب وتصرفاتهم فيه وما يستحقه كل نوع من الإعراب. كرفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه، والنسب إليه أيضا نحوي، والفرق بينه وبين النسبة إلى بني نحو بالقرينة. والسابع: النحو يجيء بمعنى الإمالة. يقال نحوت بصري إذا أملته وكذلك نحيته بمعنى أملته. الثامن: يجيء بمعنى القسم، تقول هذا على أربعة أنحاء أي: أربعة أقسام. ٤ هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي مولدا ونشأة، وأبوه جني مملوك رومي، وكان إماما في العربية ومن أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والصرف، قرأ الأدب على أبي عليّ الفارسي، وأخذ عنه ثم فارقه وقعد للإقراء بالموصل فاجتاز بها شيخه أبو عليّ فرآه في حلقته والناس حوله فقال له: تزببت وأنت حصرم. وله مصنفات كثيرة منها:
[ ١ / ٢٦٤ ]
والثالث: أن يكون بمعنى مثل، يقال: هذا نحو هذا أي مثله.
والرابع: أن يكون بمعنى القسم، يقال: هذا على أربعة أنحاء أي أقسام.
وإطلاق لفظ النحو على هذا العلم من إطلاق لفظ المصدر على المفعول به، فالنحو إذن بمعنى المنحو أي المقصود "كالنسج بمعنى المنسوج"١، وخص "به هذا"٢ العلم وإن كان كل علم منحوا كاختصاص علم الأحكام الشرعية بالفقه وله نظائر في كلامهم.
سبب تسمية النحو:
وسبب تسمية هذا العلم نحوا، ما روي أن عليًّا رضي الله عنه٣ لما أشار إلى أبي الأسود الدؤلي٤ أن يضعه وعلمه الاسم والفعل والحرف وشيئا من الإعراب. قال: "انحُ"٥ هذا النحو يا أبا الأسود. وقد حد النحو بحدود كثيرة، ومن أقربها قول بعضهم: النحو: علم يعرف به أحكام الكلم العربية إفرادا وتركيبا، ومن أشهرها قول صاحب المقرب٦: النحو علم مستخرج بالمقاييس
_________________
(١) كتاب الخصائص وقد طبعته دار الكتب.
(٢) اللمع.
(٣) شرح ديوان المتنبي. وغير ذلك. توفي أبو الفتح سنة ٣٩٢هـ ودفن ببغداد. ١ أ، ب، وفي ج "كالنسخ بمعنى المنسوخ". ٢ أ، ب، وفي ج "وخص بهذا". ٣ هو عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، ابن عم رسول الله ﷺ. ٤ أبو الأسود: هو ظالم بن عمرو من الدئل "بطن من كنانة" كان من سادات التابعين، ورد البصرة من عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى أن تولى بعض العمل فيها لابن عباس عامل عليّ كرم الله وجهه أيام خلافته، وهو واضع النحو على الصحيح بتعليم عليّ كرم الله وجهه، وأول من دون فيه، كما أنه أول من ضبط المصحف بالشكل. أخذ عنه نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وغيرهما. توفي بالبصرة في الطاعون الجارف سنة ٦٩هـ. ٥ في الأصل "انحو" وهو خطأ. ٦ هو كتاب في النحو لابن عصفور، أوله: الحمد لله الذي لم يستفتح بأفضل من اسمه كلام. مخطوط بقلم قديم وبه خرم من الأول، مودع بدار الكتب المصرية تحت رقم ٤٥٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]
المستنبطة من استقراء كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه "التي"١ ائتلف منها، وقد "بسطنا"٢ الكلام على ذلك "في غير الكتاب"٣.
تقرب الأقصى بلفظ موجز وتبسط البذل بوعد منجز
قال الشارح: يقول هذه الألفية مع أنها حاوية للمقصود الأعظم من النحو فيها من المزية على نظائرها، أنها تقرب إلى الأفهام المعاني البعيدة بسبب وجازة اللفظ وتنقيح العبارة "وبسط البذل" أي: توسع العطاء بما تمنحه لقرائها من الفوائد، واعدة بحصول مآربهم وناجزة "بوفائها"٤. ا. هـ٥.
وتقتضي رضا بغير سخط فائقة ألفية ابن معطي٦
هو الإمام أبو زكريا يحيى بن معطي بن عبد النور الزواوي الحنفي الملقب زين الدين، سكن دمشق طويلا واشتغل عليه خلق كثير، ثم سافر إلى مصر وتصدر بالجامع العتيق بها لإقراء الأدب إلى أن توفي بالقاهرة في سلخ القعدة سنة ٦٢٨ ثمان وعشرين وستمائة، ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي ﵁، ومولده سنة ٥٦٤ أربع وستين وخمسمائة٧.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "الذي". ٢ أ، ج وفي ب "بسطت". ٣ ج وفي أ، ب "في غير الكتاب" راجع الأشموني ١/ ٥. ٤ أ، ج، وفي ب "لوفائها". ٥ ص ٣ الشارح. ٦ فائقة ألفية ابن معط: من حيث: أ- أن صاحبها لم يتمكن من حصرها في بحر واحد، كابن مالك في ألفيته من بحر الرجز بل جعلها في بحري الرجز والسريع. ب- أكثر ابن معط من الإطناب بخلاف ابن مالك فإنه يقتصر على الأهم. ج- ابن معط وزع بعض المعلومات في أبواب مختلفة كأفعل التفضيل لم يجمعه في باب واحد. د- جعل ابن معط ألفيته في واحد وثلاثين عنوانا فكان يضم العناوين المتقاربة وابن مالك جعلها في ثمانين عنوانا، لتنشيط النفس، ويتميز كل قسم عن غيره، وإن كان ابن معط زاد بعض الأبواب ولكن قواعدها أقل من قواعد ألفية ابن مالك، ولذلك اشتهرت ألفية ابن مالك، ولعكوف صاحبها على دراسة هذا الفن ومؤلفاته الكثيرة التف الكثير حوله. ٧ راجع الأشموني ١/ ٦.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافره لي وله في درجات الآخره
يشير بذلك إلى فضل المتقدم على المتأخر وما يستحقه السلف من ثناء الخلف ودعائهم، والدرجات، قال في الصحاح١: هي الطبقات من المراتب، وقال أبو عبيدة٢: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل.
_________________
(١) ١ ١/ ١٥٠ الصحاح. ٢ هو معمر بن المثنى اللغوي البصري مولى بني تميم "تيم قريش" رهط أبي بكر الصديق، فارسي الأصل، يهودي الآباء، أخذ عن يونس وأبي عمرو بن العلاء، وأخذ عن المازني وغيره، قيل: كان أعلم من الأصمعي وأبي زيد بالأنساب والأيام، وله تصانيف كثيرة تقارب المائتين في ثلاثة مجلدات، والمجاز في غريب القرآن، وغير ذلك، توفي سنة ٢١٣ وقد قارب المائة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الكلام وما يتألف منه:
إنما بدأ بتعريف الكلام؛ لأنه هو المقصود في الحقيقة، إذ به يقع التفاهم، وإنما قال "وما يتألف"١، ولم يقل: وما يتركب؛ لأن التأليف كما قيل أخص إذ هو تركيب وزيادة، وهو وقوع الألفة بين الجزءين٢، والضمير المرفوع في يتألف عائد على ما، والمعنى هذا باب شرح الكلام. والمجرور بمن عائد على ما. والمعنى هذا باب شرح الكلام وشرح الشيء الذي يتألف الكلام منه، وهو الكلم، ولكنه حذف الباب والشرح وأقام المضاف إليه مقام المحذوف اختصارا "ثم قال"٣:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
هذا تعريف "الكلام"٤ في اصطلاح النحويين، فلذلك قيده بإضافته إلى الضمير، وقوله: "لفظ" جنس للحد، وهو صوت المعتمد على "مقطع من اللسان"٥
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "وما يتألف منه". ٢ أ، وفي ب، ج "الألفية الجزءين" راجع الأشموني ١/ ٨. ٣ أ، ج. ٤ ب، ج، وفي أ "للكلام". ٥ أ، وفي ج "على مقاطع الفم".
[ ١ / ٢٦٧ ]
وخرج بتصدير الحد به ما يطلق عليه كلام في اللغة وليس بلفظ، وهو خمسة أشياء:
الخط، والإشارة، وما يفهم من حال الشيء، وحديث النفس، والتكلم.
وقوله "مفيد" فصل أخرج به ما يطلق عليه لفظ، وليس بكلام في الاصطلاح لكونه غير مفيد.
وذلك خمسة أشياء: الكلمة، نحو "زيد"، والمركب تركيبا تقييديا١ نحو "غلام زيد" أو تركيبا إسناديا لا يجهل "كالنار حارة" أو لم يقصد ككلام النائم، أو قصد لغيره لا لذاته كالجملة الموصول بها، فلا يسمى شيء من ذلك كلاما في الاصطلاح لكونه غير مفيد الإفادة الاصطلاحية، وهي إفهام معنى يحسن السكوت عليه.
وقوله "كاستقم" تمثيل للكلام الاصطلاحي بعد تمام حده، لا تتميم للحد خلافا للشارح٢، ٣ وقد نص في شرح الكافية على أن في الاقتصار على مفيد كفاية.
فإن قلت: إذا كان في الاقتصار على مفيد كفاية، لكونه مغنيا عن بقية القيود فما باله ذكرها في التسهيل، حيث قال: والكلام، ما تضمن من الكلام إسنادا مفيدا مقصودا لذاته؟ ٤
_________________
(١) ١ أقول المركب التقييدي نحو "حيوان ناطق" وأما "غلام زيد" فهو مركب إضافي وقد استحسن الشيخ الصبان ذكر المركب التقييدي والمزجي مع الإضافي عندما ذكر الأشموني المركب الإضافي فقال: "وكان الأحسن ذكر المركب التقييدي والمزجي مع الإضافي" ١٠/ ٢٠ صبن. ٢ هو: الإمام بدر الدين محمد بن مالك النحوي، كان في النحو إماما ذكيا حاد الخاطر، أخذ عن والده ثم انتقل إلى بعلبك وسكن بها، وقرأ عليه هناك جماعة، فلما مات والده طلب إلى دمشق، وولي وظيفة والده، وتصدى للتصنيف، وكان إماما في مواد النظم من النحو والمعاني والبيان والبديع، ولم يستطع نظم بيت واحد بخلاف والده، وقد شرح ألفية والده وكافيته ولاميته وصنف كثيرا غير ذلك، ومات بدمشق سنة ٦٨٦هـ. ٣ قال الشارح ص٣ "فاكتفى عن تتميم الحد بتمثيل". ٤ راجع التسهيل ص٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قلت كأنه أخذ "المفيد"١ في حد التسهيل بالمعنى الأعم لا بمعنى الاصطلاح، فلذلك احتاج إلى ذكرها أو أراد أن ينص فيه على ما يفهم من قيد الإفادة بطريق الالتزام.
فإن قلت: هل الأولى تصدير الحد باللفظ كما فعل هنا أو بالقول كما فعل في الكافية؟
قلت: تصديره بالقول "أولى"٢؛ لأنه أخص، إذ لا يقع على المهمل بخلاف اللفظ فإنه يقع على المستعمل والمهمل، وقد صرح بذلك في شرح التسهيل٣.
وذهب بعضهم إلى أن اللفظ والقول مترادفان يجوز إطلاقهما على المهمل، وعلى هذا قيل: إن اللفظ أولى من القول؛ لأن القول يطلق على الرأي، والاعتقاد إطلاقا متعارفا "وشاع ذلك"٤ حتى صار كأنه حقيقة عرفية، واللفظ ليس كذلك.
وأورد أن اللفظ جمع لفظة فلا يصح جعله جنسا.
وأجيب بأن اللفظ مصدر "صالح"٥ للقليل والكثير، والتاء في "لفظة" "للتنصيص"٦ على الوحدة، وليس اللفظ بجمع، وإنما يقال "ذلك"٧ فيما ليس بمصدر كالكلم والنبق.
واعترض بأنه لا يصح كون اللفظ هنا مصدرا؛ لأن المصدر "هو"٨ فعل الشخص، وفعل الشخص ليس هو الكلام بل الكلام متعلقه.
"فزيد قائم" مثلا هو الكلام، ولفظك إذا عنيت به المصدر يتعلق بهذه الجملة.
والجواب أن اللفظ هنا مصدر أطلق على المفعول به.
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "البعيد". ٢ أ، ج، وفي ب "أولا". ٣ هو شرح كتاب تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك والشرح له أيضا ولكن لم يتم وأتمه ابنه. ٤ أ، ب. ٥ أ، ج. ٦ ب، ج، وفي أ "للتأنيث". ٧ ب. ٨ ج.
[ ١ / ٢٦٩ ]
تنبيهات:
الأول: لم يشترط كثير من النحويين في الكلام سوى التركيب الإسنادي، فمتى حصل "الإسناد"١ كان كلاما، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد، فالكلام عندهم ما تضمن كلمتين بالإسناد. قال في شرح التسهيل: وقد صرح سيبويه٢ في مواضع كثيرة من كتابه بما يدل على أن الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة.
الثاني: لم يشترط ابن طلحة٣ في الكلام التركيب فزعم أن الكلمة الواحدة وجودا وتقديرا قد تكون كلاما إذا قامت مقام الكلام "كنعم" و"لا" في الجواب.
والصحيح أن الكلام هو الجملة المقدرة "بعدهما"٤ لا واحدة منهما.
الثالث: قال في شرح التسهيل: وزاد بعض العلماء في حد الكلام "أن يكون"٥ من ناطق واحدا احترازا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلا أو مبتدأ ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل "أو جزء"٦ ذلك المبتدأ؛ لأن الكلام "عمل"٧ واحد فلا يكون عامله إلا واحدا. قال: "وللمستغني"٨ عن هذه الزيادة جوابان:
_________________
(١) ١ ج، وفي أ، ب "الإسنادي". ٢ هو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر مولى بني الحارث بن كعب وسيبويه لقبه ومعناه بالفارسية رائحة التفاح. قيل: لقب بذلك لأنه كان جميلا نظيفا، نشأ بالبصرة وأخذ النحو والأدب عن الخليل بن أحمد وعيسى بن عمر ويونس بن حبيب وغيرهم، وبرع فيهما حتى أصبح إماما لا يجارى في العربية، وأخذ اللغة عن الأخفش الكبير وغيره وكان إذا أقبل على الخليل بن أحمد يجله ويقول: مرحبا بزائر لا يمل. وكتابه يعتبر خير الكتب التي ألفت في النحو وأجمعها لمسائله، وناظر الكسائي ببغداد بمجلس يحيى بن خالد البرمكي فناصروا الكسائي عليه في مسألة العقرب والزنبور، واتجه إلى فارس ومات في سنة ١٨٠ ودفن بشيراز. ٣ هو أبو بكر بن محمد بن طلحة الأموي الإشبيلي كان إماما في العربية عارفا بعلم الكلام درس العربية والآداب بإشبيلية أكثر من خمسين سنة، وكان عاقلا وذكيا ذا عدالة ومروءة مقبولا عند الحكام والقضاة، وكان يميل إلى مذهب ابن الطراوة في النحو، ومات بإشبيلية سنة ٦١٨هـ. ٤ ب، ج. ٥ أ، ب. ٦ وفي ج "أو خبر". ٧ أ، ج. ٨ أ، ج، وفي ب "والمستغني".
[ ١ / ٢٧٠ ]
أحدهما: أن يقول: لا نسلم أن مجموع النطقين ليس بكلام بل هو كلام وليس اتحاد الناطق معتبرا كما لم يكن اتحاد الكاتب معتبرا في كون الخط خطا.
والثاني: أن يقال كل واحد من المصطلحين إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالا على نطق الآخر بالأخرى، فمعناها مستحضر في ذهنه فكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما يكون قول القائل لقوم رأوا شبحا زيد. أي: المرئي زيد. ا. هـ مختصرا.
وأقول: "إن"١ صدور الكلام من "ناطقين"٢ غير مقصور؛ لأن الكلام مشتمل على الإسناد لا يتصور "صدوره"٣ إلا من واحد، وكل واحد من المصطلحين متكلم بكلام كما أجاب به ثانيا.
وقوله:
واسم وفعل ثم حرف الكلم
بيان: يتألف "منه"٤ الكلام "أي: الكلم الذي يتألف منه الكلام"٥ اسم وفعل وحرف لا رابع لها. ودليل الحصر أن الكلمة إن لم تكن ركنا للإسناد فهي الحرف وإن كانت ركنا له، فإن قبلته بطرفيه فهي الاسم وإلا فهي الفعل.
وأول من قسم الكلم "إلى"٦ هذه القسمة وسماها بهذه "الأسماء"٧ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والنحويون مجمعون على أن أقسام الكلم ثلاثة: إلا من "لا"٨ يعتد بخلافه٩، واعلم أن الكلم اسم جنس
_________________
(١) ١ ج. ٢ ب، ج، وفي أ "الناطقين". ٣ ب، ج، وفي أ "صدورا". ٤ ب، ج، وفي أ "منها". ٥ ب، ج. ٦ أ، ب. ٧ أ، ج. ٨ أ، ج. ٩ هو أبو جعفر بن صابر فإنه زاد اسم الفعل مطلقا وسماه مخالفة، والحق أنه من أفراد الاسم. صبان ١/ ٢٣.
[ ١ / ٢٧١ ]
جمعي١ وأقل ما يتناول٢ ثلاث كلمات، وبينه وبين الكلام عموم من وجه٣ وخصوص من وجه، فالكلام أعم من جهة أنه يتناول المركب من الكلمتين فصاعدا، وأخص من جهة أنه لا يتناول غير المفيد، والكلم أعم من جهة أنه يتناول المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة أنه لا يتناول المركب من "كلمتين كما سبق"٤. فإن قلت: مقتضى قوله: "اسم وفعل ثم حرف الكلم" أن "الكلم مخصوص"٥ بما تركب من اسم وفعل وحرف. وليس كذلك بل يطلق على ثلاث كلمات فصاعدا من ثلاثة أجناس نحو: "إن زيدا ذهب" أو من جنسين نحو: "إن زيدا ذاهب"٦ أو من جنس واحد نحو "غلام زيد ذاهب".
قلت: المعنى بالكلام "ههنا"٧ الأجناس الثلاثة، أعني الكلمة التي يراد بها جنس الأسماء والكلمة التي يراد بها جنس الأفعال والكلمة التي يراد بها جنس الحروف. والكلم "بهذا"٨ الاعتبار لا يقع إلا على الثلاثة المذكورة، ولا يتصور فيه غير ذلك.
وأما إطلاق الكلم على ما ذكر من المثل ونحوها فصحيح باعتبار الآحادي لأن الكلمة كما تطلق ويقصد بها جنس الاسم أو الفعل أو الحرف تطلق ويقصد بها "آحاد الأسماء"٩ والأفعال والحروف.
فإذا قيل: في نحو "إن زيدا ذهب"١٠ هذا كلم.
_________________
(١) ١ وقيل: جمع. وقيل: اسم جمع، والمختار أنه اسم جنس جمعي؛ لأنه لا يقال إلا على ثلاث كلمات فأكثر سواء اتحد نوعها أو لم يتحد أفادت أم لم تفد. ا. هـ. الأشموني ج١ ص٩. واسم الجنس الجمعي: ما يدل على أكثر من اثنين وفرق بينه وبين واحده بالتاء شجر وشجرة. ٢ أ، ب وفي ج "وأقله يتناول". ٣ أ، ج. ٤ ج، وفي أ، ب "الكلمتين". ٥ أ، ج وفي ب "الكلم غير مخصوص". ٦ ج. ٧ أ، وفي ج "هنا". ٨ أ، ج، وفي ب "على هذا". ٩ ب، ج. ١٠ أ، وفي ب، ج "ذاهب".
[ ١ / ٢٧٢ ]
فواحد الكلم هنا كلمة يراد بها الشخص لا الجنس فتأمله.
وأورد على "الناظم"١ أنه قسم الكلم إلى غير أقسامه؛ لأن الاسم والفعل والحرف أقسام للكلمة لا أقسام للكلم، وأقسام الكلم أسماء وأفعال وحروف؛ لأن علامة صحة القسمة جواز إطلاق٢ اسم المقسوم على كل واحد من الأقسام.
والجواب: أن هذا من تقسيم الكل إلى "أجزائه"٣ وإنما يلزم صدق اسم المقسوم على كل من الأقسام في تقسيم الكلي إلى جزئياته٤ والناظم لم يقصد ذلك.
وأورد عليه أيضا أن إدخال "ثم" في قوله "ثم حرف" ليس بجيد؛ لأن ثم للتراخي وإذا قسمنا شيئا إلى أشياء فنسبة كل واحد من الأقسام إلى الشيء المقسم نسبة واحدة، والجوب: أن ثم في قوله: "ثم حرف" يحوز أن يكون استعملها٥ بمعنى الواو؛ "لأنها المعهودة في مثل ذلك"٦، ويجوز أن تكون على بابها للتنبيه على تراخي مرتبة الحرف عن الاسم والفعل، لكونه فضلة، وكل منهما يكون عمدة.
وقوله: "واحده كلمة".
الضمير للكلم أي: واحد الكلم كلمة، فكل من الاسم والفعل والحرف كلمة "وجد بها"٧ لفظ بالفعل أو بالقوة دل بالوضع على معنى مفرد، وتطلق في الاصطلاح مجازا على أحد جزءي العلم المضاف نحو: "امرئ القيس"
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الله بن مالك جمال الدين الطائي الجبائي النحوي ولد سنة ٦٠٠ ستمائة وتعلم في دمشق وتصدر لتعليم العربية في حلب، أما النحو والصرف فكان فيهما بحرا لا يشق لججه واشتهر بالألفية التي نظمها في النحو وتعرف باسمه، وصنف تصانيف مشهورة وكان أمة في الاطلاع على الأحاديث وأشعار العرب وهو يستشهد بهما بعد القرآن الكريم، وتوفي سنة ٦٧٢هـ ودفن في دمشق. ٢ ب، ج. ٣ ب، ج، وفي أ "جزئياته" وفي النسخ "تقسيم الكلي" وهو: تحليل المركب إلى أجزائه التي تركب منها. أبو خضري ١/ ٢٢. ٤ هو ضم قيود إلى أمر مشترك لتحصل أمور متعددة بعدد القيود، أبو خضري ١/ ٢٢. ٥ أ، ب، وفي ج "استعمالها". ٦ أ. ٧ أ، ب، وفي ج "وحدها".
[ ١ / ٢٧٣ ]
"فمجموعهما"١ كلمة حقيقية، وكل منهما كلمة مجازا "والكلم اسم جنس يتميز واحده بالتاء"٢، وفيه لغتان التذكير والتأنيث فقال واحده على الأولى، وقال ابن معط٣ في ألفيته واحدها على الثانية.
وفي الكلم ثلاث لغات في نظائره نحو "كَبِد"٤، وقوله "والقول عم" يعني عم الكلمة والكلام والكلم، فيطلق على كل "واحد"٥ من الثلاثة قول حقيقة، ويطلق مجازا على الرأي والإشارة وما يفهم من حال الشيء وهو أخص من اللفظ؛ "لأنه لا يطلق"٦ على المهمل، خلافا لمن جعلهما مترادفين، وقد سبق ذكره.
وقوله:
كلمة بها كلام قد يؤم
بيان لأن الكلمة قد يقصد بها في اللغة ما يقصد بالكلام، فتطلق على اللفظ المفيد كقولهم "كلمة الشهادة" هو مجاز مهمل في عرف النحويين.
فقيل: هو من "تسمية الشيء٧ باسم بعضه"٨.
وقيل: إن أجزاء الكلام لما ارتبط بعضها ببعض حصلت له بذلك وحدة فشابه٩ بذلك الكلمة، فأطلق عليه كلمة.
ولما ذكر أن "الكلم"١٠ ثلاث، شرع في بيان ما يميز كل واحد منها عن أخويه١١.
_________________
(١) ١ ب، ج، أ "مجموعها". ٢ زيادة في نسخة أ. ٣ مضى في المقدمة التعريف به. ٤ فَعل وفِعل وفَعل: تمر، سدر، نبق. ٥ ب. ٦ ب وفي أ "لأنه لا ينطلق" وفي ج "لئلا يطلق". ٧ أ، ج، وفي ب "من باب تسمية الله". ٨ "كتسميتهم ربيئة القوم عينا" أشموني ١/ ١١، وراجع الشارح ص٤. ٩ ب، ج، وفي أ "فأشار". ١٠ ب، وفي أ، ج "الكلمات". ١١ ب، ج، وفي أ "إخوته".
[ ١ / ٢٧٤ ]
ما يميز الاسم:
فقال:
بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل
فذكر للاسم خمس علامات:
الأولى: الجر وهو يشمل الجر بالحرف نحو "بزيد" وبالمضاف نحو "غلام زيد" ولا جر بغيرها خلافا لمن زاد التبعية١.
وقد "ظهر أن ذكر"٢ الجر أولى من "ذكر"٣ حرف الجر٤.
والثانية: التنوين وهو مصدر نونت الكلمة، ثم غلب حتى صار اسما٥ للنون الساكنة التي تلحق الآخر لفظا وتسقط خطا وهو عند سيبويه والجمهور خمسة أقسام: تمكين وتنكير وعوض ومقابلة وترنم، وزاد الأخفش٦ سادسا
_________________
(١) ١ أثبت الجمهور الجر بالمجاورة للمجرور في نعت مثل: "هذا جحر ضب خرب" وتوكيد كقوله: يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم، بجر كلهم على المجاورة لأنه توكيد لذوي المنصوب لا للزوجات وإلا لقال كلهن. والذي زاد للتبعية هو الأخفش. قال السيوطي في همع الهوامع ج٢ ص١٩: "لا ثالث لهما، ومن زاد التبعية فهو رأي الأخفش "، والجر بالمجاورة سبب للجر ضعيف كما في هومع الهوامع ٢/ ٥٥، ومثال ما اجتمع سواء أكان العامل حرفا أم إضافة تبعية "بسم الله الرحمن الرحيم" واسم مجرور بالحرف، والله بالإضافة، و"الرحمن الرحيم" بالتبعية. والحق أن التبعية ليست عاملا، إنما العامل هو عامل المتبوع في غير البدل، قال الخضري ج١ ص١٨ "وأن العامل في التابع ليس التبعية بل هو عامل المتبوع من حرف أو إضافة إذ لا عامل غيرهما حتى المجاورة والتوهم". ٢ ج، ب. ٣ ج. ٤ قال الأشموني ج١ ص١١: "قال في شرح الكافية: وهو أولى من التعبير بحرف الجر، لتناوله الجر بالحرف والإضافة". ا. هـ. ٥ أ، ج. ٦ أبو الحسن الأخفش: هو سعيد بن مسعدة المعروف بالأخفش البصري، وهو الأخفش الأوسط أحد أئمة النحاة من البصريين، أخذ النحو عن سيبويه، وإن كان أكبر منه، وعلم والد الكسائي بعد أن رحل سيبويه إلى الأهواز، وكان ثعلب يقول فيه: هو أوسع الناس علما، وقال المبرد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الأخفش، وصنف كتبا كثيرة منها المقاييس في النحو، والاشتقاق وغير ذلك، ومات الأخفش سنة ٢١٥هـ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهو الغالي١ وأنكره السيرافي والزجاج٢، وقيل: هو قسم الترنم.
فتنوين التمكين٣ نحو "زيد، رجل" وهو اللاحق للاسم المعرف المنصرف إشعارا ببقائه على أصالته.
وتنوين التنكير٤ نحو "صه" إذا أردت سكوتا ما، ونحو "سيبويه" لغير معين، وهو اللاحق بعض المبنيات فرقا بين نكرتها ومعرفتها، ويطرد فيما آخره "ويه".
وتنوين العوض ضربان: عوض عن حرف نحو جوار٥ وغواش٦ وبعيل تصغير بعلي، فالتنوين فيهما عوض "عن"٧ الياء المحذوفة على
_________________
(١) ١ وهو اللاحق للقوافي المقيدة زيادة على النون، والغالي من الغلو وهو الزيادة قال الأشموني ج١ ص١٢: "ويسمى التنوين الغالي، زاد الأخفش وسماه بذلك لأن الغلو الزيادة، وهو زيادة على الوزن، وزعم ابن الحاجب أنه إنما يسمى غاليا لقلته وقد عرفت أن إطلاق اسم التنوين على هذين -الغالي والترنم- مجاز فلا يردان على الناظم"، "والمجاز أي بالاستعارة علاقته المشاكلة التي هي المشابهة في الشكل والصورة". ا. هـ. صبان ج١ ص٣١. ٢ هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي وكان من أهل الفضل والدين، وكانت صناعته خرط الزجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرد ليعلمه، وشرط له أن يعطيه كل يوم درهم وما زال يلازمه حتى نبغ في النحو، ووفى بشرطه حتى فرق الموت بينهما، وله تصانيف كثيرة منها مختصر النحو وشرح أبيات سيبويه وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف، وغير ذلك، وتوفي ببغداد سنة ٣١٦هـ، وقد أناف على الثمانين، وآخر ما سمع عنه: "اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل". ٣ ويسمى تنوين الصرف. ٤ قياسا في العلم المختوم بويه كسيبويه وسماعا في اسم الفعل "كإيه" واسم الصوت "كغاق" لحكاية صوت الغراب. ٥ جوار: جمع جارية وهي السفينة، وفتية النساء، وأصل جوار -على الصحيح- جواري بالضم والتنوين استثقلت الضمة فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وحذف التنوين لوجود صيغة منتهى الجموع تقديرا؛ لأن المحذوف لعلة كالثابت فخيف رجوع الياء فجيء بالتنوين عوضا عنها. ٦ وغواش: جمع غاشية وهي الغطاء وهما من الجموع المعتلة على وزن فواعل وهي في نسخة ج. ٧ أ، وفي ب، ج "من".
[ ١ / ٢٧٦ ]
"الصحيح"١ وعوض "من المضاف إليه"٢ إما جملة نحو: "يومئذ" وإما مفرد نحو: "كل وبعض" على رأيٍ٣.
وتنوين المقابلة نحو "مسلمات" وهو اللاحق لما جمع بألف وتاء مزيدتين سمي بذلك؛ لأنه قابل النون في جمع المذكر السالم وليس بتنوين الصرف خلافا للرَّبَعي٤ بدليل ثبوته بعد التسمية كما ثبت النون في نحو "عرفات" وهذه الأربعة من خواص الاسم؛ لأنها لمعان لا تليق "لغيره"٥.
وتنوين الترنم، وهو اللاحق للروي المطلق عوضا من مدة الإطلاق في لغة تميم٦ وقيس٧ كقوله:
أقلي اللوم عاذل والعتابن٨
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "الأصح" أي: تحذف الياء لالتقاء الساكنين بناء على الراجح من حمل مذهب سيبويه والجمهور على تقديم الإعلال على منع الصرف لتعلق الإعلال بجوهر الكلمة بخلاف منع الصرف فإنه حال للكلمة. صبان ١/ ٣٢. ٢ أ، ب وفي ج "من مضاف إليه". ٣ قال في التصريح: والتحقيق أنه تنوين صرف يذهب مع الإضافة ويثبت مع عدمها. ا. هـ. ١/ ٣٥. ٤ هو عليّ بن عيسى بن الفرج بن صالح الربعي أبو الحسن الزهري، أحد أئمة النحويين وحذاقهم الجيدي النظر الدقيقي الفهم والقياس، وكان مبتلى بقتل الكلاب، وتصدر في بغداد للإفادة، غير أن شذوذه الخلقي نفر الناس منه فقد تبذل في المجون إلى غير حد، ومن تصانيفه شرح الإيضاح، وشرح مختصر الجرمي، وتوفي ببغداد سنة ٤٢٠هـ. ٥ ب، وفي ج "بغيره" وفي أ "بغيرها". ٦ وتميم قبيلة من أشهر قبائل مضر العدنانية. ٧ من القبائل التي كانت بعيدة عن تيار العجمة وهي التي كتب للسانها البقاء على سجيته وطبيعته. ٨ البيت لجرير بن عطية بن الخطفي، أحد الشعراء المجيدين وهو شاعر أموي. وهو مطلع قصيدة يهجو بها الراعي النميري الشاعر. وعجز البيت: وقولي إن أصبت لقد أصابن وهذا الشرح غير موجود في ب، ج. الشرح: أقلي: خففي -اللوم: العذل- العتاب: التعنيف. المعنى: خففي يا عاذلة من لومي وتعنيفي، وإن رأيت مني صوابا فلا تنكريه عليّ وقولي: والله لقد أصابن، ومن قال أصبت -بكسر التاء- أراد إن قصدت النطق بالصواب بدل اللوم. =
[ ١ / ٢٧٧ ]
وقولهم: تنوين الترنم، قال المصنف: هو على حذف مضاف، أي تنوين ذي ترنم وإنما هو عوض من الترنم١؛ لأن الترنم مد الصوت بمدة تجانس "حرف"٢ الروي، وهذا القسم يشترك فيه الاسم والفعل والحرف.
فمثاله في قول العجاج:
يا صاح ما هاج العيون الذرفن٣
_________________
(١) = الإعراب: "أقلي": فعل أمر -من الإقلال- مسند للياء التي للمخاطبة الواحدة مبني على حذف النون وياء المؤنثة المخاطبة فاعل مبني على السكون في محل رفع. "اللوم": مفعول به. "عاذل": منادى مرخم حذفت منه ياء النداء مبني على ضم الحرف المحذوف في محل نصب وأصله: يا عاذلة. "والعتابا": معطوف عل اللوم. "وقولي": فعل أمر والياء فاعله. "إن": حرف شرط. "أصبت" فعل ماض فعل الشرط التاء فاعله وهذا اللفظ يروى بضم التاء للمتكلم وبكسرها للمخاطبة. "لقد أصابن": جملة في محل نصب مقول القول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله. والتقدير: إن أصبت فأقلي اللوم، أو: إن أصبت فقولي لقد أصابا. الشاهد: "العتابن" فإن التنوين فيه بدل ألف الإطلاق لترك الترنم، وهو اسم مقترن بأل. مواضع البيت: ذكره ابن هشام في أوضح المسالك ١/ ٤، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٥٧، وابن عقيل في شرحه للألفية ١/ ٦، والأشموني ١/ ١٢، وسيبويه ج٢ ص٢٢٩، والخصائص لابن جني ٢/ ٩٦، والإنصاف لابن الأنباري ٢/ ٣٨٥. ١ قال ابن عقيل: فجيء بالتنوين بدلا من الألف لأجل الترنم ١/ ٦. ٢ أ، وفي ج "حركة". ٣ قائله الراجز العجاج، واسمه عبد الله بن رؤية، والعج رفع الصوت، ورؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الباء الموحدة بعده هاء ساكنة وهي في الأصل اسم القطعة من الخشب يشعب بها الإناء وجمعها رئاب. الشرح: "هاج" من الهيجان يقال هاج الشيء يهيج هيجا وهياجا وهيجانا، واهتاج وتهيج أي ثار وتحرك. وهاج هنا متعد. "الذرف" -بضم الذال المعجمة وفتح الراء المشددة- جمع ذرافة من ذرف الدمع إذا سال. الإعراب: "يا" حرف النداء "صاح" منادى مرخم على لغة الانتظار ولم يرخم على لغة الاستقلال "ما هاج" ما مبتدأ وهاج فعل والضمير الذي فيه هو فاعله يرجع إلى ما "العيون" مفعوله "الذرفن" نصب على أنه صفة للعيون والجملة خبر مبتدأ. الاستشهاد في قوله: "الذرفن" فإنه جمع بين الألف واللام وتنوين الترنم. مواضع الشاهد: ذكره سيبويه ج٢ ص١٩٩، وابن الناظم ص٥.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وفي الفعل:
من طلل كالأتحمى أنهجن١
وفي الحروف قول النابغة:
أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قدن٢
_________________
(١) ١ قائله أيضا الراجز العجاج. الشرح: "من طلل" -بفتحتين- وهو ما شخص من آثار الدار وجمعه أطلال وطلول "كالأتحمي" بفتح الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الحاء المهملة وهو نوع من البرود بها خطوط دقيقة، وليست الياء فيه للنسبة، وإنما هي مثل الياء في قولهم قصي بردى وشبه به الأطلال من أجل الخطوط التي فيه. "أنهجا" فعل ماض يقال أنهج الثوب إذا بلي وخلق. الإعراب: "من طلل" جار ومجرور متعلق بقوله هاج "كالأتحمي"، صفة موصوفها محذوف، أي: كالبرد الأتحمي، وهو صفة لطلل، ومحلها الجر "أنهجن" جملة فعلية ماضية في محل النصب على الحال. الاستشهاد: في قوله "أنهجن" فإنه أدخل تنوين الترنم في الفعل. مواضع الشاهد: ذكره ابن هشام في المغني ٢/ ٤١ وسيبويه ج٢ ص٢٩٩. وابن الناظم ص٥، والخصائص ١/ ١٧١. تعليق: في شرح الشواهد الكبرى جعل المثال الأول والمثال الثاني بيتا واحدا. ثم قال: من طلل إلى آخره، ليس من تتمة قوله: يا صاح مما هاج إلى آخره، كما زعمه ابن الناظم وغيره، فإنهم وهموا في ذلك وهما فاحشا، بل لكل منهما قافية تغاير قافية الآخر، فإن تمام الأول "من طلل أمسى يحاكي المصحفا". وتمام الثاني "من هاج أشجانا وشجوا قد شجا" صدر البيت -ج١ ص٢٩ الشواهد الكبرى. ٢ البيت للنابغة الذبياني واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن ذبيان وهو بضم الذال المعجمة وكسرها من قصيدة له يصف فيها المتجردة زوج النعمان بن المنذر -وهو من الكامل. الشرح: "أزف" دنا وقرب، ويروى "أفد" على وزن فعل -بكسر العين- والمعنى واحد. الترحل "الارتحال"، "الركاب" الإبل الرواحل واحدها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقيل: جمع ركوب وهو ما يركب من كل دابة، "تزل" -مضموم الزاي- مضارع زال، وأصله تزول، "الرحال" من الرحيل جمع رحل وهو مسكن الرجل ومنزله، "وكأن قد" أي: وكأن قد زالت وذهبت، قرينة لما تزل. الإعراب: "أزف": فعل ماض. "الترحل": فاعل. "غير": نصب على الاستثناء. "أن" حرف توكيد. "ركابنا" اسمها، والضمير فيه مضاف إليه. "لما": حرف نفي وجزم. "تزل" =
[ ١ / ٢٧٩ ]
والغالي هو اللاحق للروي المقيد وهو كتنوين الترنم في عدم الاختصاص بالاسم، فمثاله في الاسم قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترِقْنْ١
أصله المخترق فزاد التنوين وكسر الحرف الذي قبله لالتقاء الساكنين، وفي الفعل قول٢ امرئ القيس:
ويعدُو عَلى المرء ما يأتمِرْنْ٣
أي ما يأتمر، وفي الحرف:
_________________
(١) = فعل مضارع مجزوم بلما. "برحالنا": جار ومجرور متعلق به. "كأن": حرف تشبيه ونصب واسمها ضمير الشأن. وخبرها جملة محذوفة تقديرها: وكأن قد زالت. الاستشهاد فيه: في دخول تنوين الترنم في الحرف وذلك في قوله: "وكأن قدن". مواضع البيت: ذكره ابن عقيل ١/ ٦، وابن هشام في المغني ١/ ١٤٨، والشاطبي في شرحه للألفية في باب المعرف بالألف واللام، وابن يعيش في المفصل ٨/ ١٤٨، وخزانة الأدب رقم ٥٢٥، والخصائص ٢/ ٣٦١، والسيوطي في الهمع ج١/ ١٤٣، والأشموني ١/ ١٢. ١ قائله رؤبة بن العجاج وبعده "مشتبه الأعلام لماع الخفقن". الشرح: "القاتم" الذي تعلوه القتمة وهو لون فيه غبرة وحمرة "الأعماق" جمع عمق-بفتح العين وتضم- وهو ما بَعُدَ أن أطراف الصحراء. "الخاوي" بالخاء المعجمة من خوى البيت إذا خلا. "المخترق" الممر الواسع المتخلل للرياح لأن المار يخترقه مفتعل من الخرق وهي المفازة. الإعراب: الواو: واو رب. "قاتم": مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد. "الأعماق": مضاف إليه. "خاوي": صفة لقاتم. "المخترق" مضاف إليه. "مشتبه الأعلام، لماع الخفقن": صفتان أيضا لقاتم، وخبر المبتدأ مذكور بعد أبيات وهو "تنشطته كل مغلاة لوهق". الاستشهاد فيه: أن النون الساكنة في قوله "المخترقن" هي التنوين الغالي والغرض من إلحاقها الدلالة على الوقف. مواضعه: من شراح الألفية ابن الناظم ص٥، وابن عقيل ١/ ٧، والأشموني ١/ ١٢، وابن هشام في المغني ٢/ ٣٥. وقد ذكره ابن يعيش في المفصل ٢/ ١١٨، والسيوطي في الهمع ٢/ ٨٠، والشاهد الخامس في خزانة الأدب ج٢ ص٣٠١ سيبويه. ٢ ج. ٣ البيت لامرئ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو الشاعر الفائق مات في بلاد الروم عند جبل يقال له عسيب. =
[ ١ / ٢٨٠ ]
قالت بنات العم يا سلمى وإنن كان فقيرا معدما قالت وإنن١
أي: وإن.
_________________
(١) = وصدر البيت: أحار بن عمرو وكأني خمِرْنْ. الشرح: "ويعدو" فعل وفاعله "ما يأتمر" ما مصدرية والتقدير: يعدو على ائتماره أمرا ليس برشد، وقال الأعلم معناه: يصيبه وينزل عليه مكروه ما يأتمر به ويحمل نفسه على فعله، وهذا نحو قول العامة: "من حفر حفرة وقع فيها" والواو في "ويعدو" تصلح أن تكون للاستئناف وتصلح أن تكون للتعليل على معنى لام التعليل فيكون المعنى: يا حارث بن عمرو وكأني خامرني داء لأجل عدوان الائتمار بأمر ليس برشد، وتصلح لأن تكون زائدة على رأي الكوفيين والأخفش. الإعراب: "أحار" الهمزة لنداء القريب وحار منادى مرخم، أي: يا حارث بن عمرو "كأني" كأن حرف تشبيه ونصب وياء المتكلم اسمه "خمر" خبرها "ويعدو" الواو للاستئناف، يعدو فعل مضارع "على المرء" متعلق بيعدو "ما" يجوز أن تكون موصولا اسميا فهو فاعل يعدو، وعليه فجملة "يأتمر" لا محل لها صلته والعائد محذوف، ويعدو على المرء الأمر الذي يأتمره، ويجوز أن تكون "ما" موصولا حرفيا، وهو وصلته في تأويل مصدر فاعل يعدو، ولا تحتاج حينئذ إلى عائد. الاستشهاد فيه: في قوله "ما يأتمرون" حيث أدخل فيه التنوين الغالي. مواضعه: ذكره في شرحه للألفية الأشموني ١/ ١٢، والسيوطي همع الهوامع ج٢ ص٨٠، وفي مجمع الأمثال ج٢ ص٤٢٥ رقم ٤٧٤٤. ١ قائله رؤبة بن العجاج، والبيت من الرجز المسدس. الشرح: "سلمى" ذكرها الراجز مصغرة ومكبرة "معدما" هو الذي لا يملك شيئا أصلا، ويروى "وإن كان عييا معدما" أنشده الشيخ أبو حيان ﵀. المعنى: قلن يا سلمى أترضين بهذا البعل وإن كان شديد الفقر؟ قالت: رضيت به وإن كان كذلك. الإعراب: "قالت" فعل ماض والتاء علامة التأنيث "بنات العم" فاعل ومضاف إليه "يا" حرف نداء "سلمى" منادى "وإنن" الواو عاطفة على محذوف تقديره: إن كان غنيا واجدا "و" إن كان إلخ "إن" شرطية "كان": فعل ماض ناقص فعل الشرط واسمها ضمير مستتر "فقيرا" خبر كان "معدما" صفة لخبر كان، أو خبر ثان لها. وجواب الشرط محذوف دل عليه معنى الكلام. وتقديره: وإن كان فقيرا معدما ترضين به "قالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "وإنن" الواو عاطفة على مثال السابقة "إن" شرطية حذف شرطها وجوابها لدلالة شرط السابقة وجوابها عليهما. وجملتا الشرط والجواب في الموضعين في محل نصب مقول القول. الاستشهاد فيه: في قوله: "وإنن" في الموضعين حيث أدخل الراجز فيه التنوين زيادة على الوزن، فلذلك سمي التنوين الغالي. مواضعه: ذكره من شرح الألفية: ابن هشام ١/ ١٥، وذكره السيوطي في الهمع ٢/ ٨٠.
[ ١ / ٢٨١ ]
وزاد بعضهم في أقسام التنوين "قسما١ سابعا، وهو تنوين الاضطرار"٢.
كقول الشاعر٣:
سلام الله يا مطر عليها
ولم يعن "المصنف"٤ إلا الأربعة الأول.
فإن قلت: فقد أطلق في موضع التقييد.
قلت: فقد أجيب بأن "أل" في قوله: والتنوين، للعهد، فلم يشتمل غير المختص بالاسم.
_________________
(١) ١ في نسخة ب. ٢ قال السيوطي في همع الهوامع ج١ ص١٧٣: "يجوز تنوين المنادى المبني في الضرورة بالإجماع" ثم اختلف هل الأولى بقاء الضمة أو نصبه؟ فالخليل وسيبويه، والمازني على الأول علما كان أو نكرة مقصودة "سلام الله يا مطر عليها" وأبو عمرو وعيسى بن عمرو الجرمي والمبرد على الثاني ردا على أصله كما رد غير المنصرف إلى الكسر عند ثبوته في الضرورة كقوله: "يا عديا لقد وقتك الأواقي" واختار ابن مالك في شرح التسهيل بقاء الضم في العلم والنصب في النكرة المعينة لأن شبهها بالمضمر أضعف، وعندي عكسه وهو اختيار النصب في العلم لعدم الإلباس فيه والضم في النكرة المعينة لئلا يلتبس بالنكرة غير المقصودة، إذ لا فارق حينئذ إلا الحركة لاستهوائهما في التنوين ولم أقف على هذا الرأي لأحد". ٣ قائله الأحوص الأنصاري واسمه عبد الله بن محمد بن عاصم بن صعصعة، وهو شاعر مجيد من شعراء الدولة الأموية. الأحوص الذي في مؤخر عينه ضيق. وهو من الوافر. وعجز البيت: وليس عليك يا مطر السلام وفي نسخة ج ذكر البيت كله. الشرح: "يا مطر" مطر اسم رجل، وكان دميما أقبح الناس وكانت امرأته من أجمل النساء وأحسنهن وكانت تريد فراقه ولا يرضى مطر بذلك، فأنشد الأحوص قصيدة تتضمن هذا البيت يصف فيه أحوالهما. الإعراب: سلام: مبتدأ "الله" مضاف إليه "يا": حرف نداء "مطر" منادى مبني على الضم في محل نصب، ونون لأجل الضرورة "عليها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "وليس" فعل ماض ناقص "عليك" متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم على الاسم "يا مطر" حرف نداء ومنادى "السلام" اسم ليس تأخر عن الخبر. الاستشهاد فيه: في قوله "يا مطرٌ" فإنه منون في غير محله. فقيل: إنه ضرورة. مواضعه: ذكره ابن عقيل في المنادى ٢/ ١٩٥، وابن هشام في المغني ٢/ ٢٥ وشرحه للألفية ٢/ ١١٨، والسيوطي في الهمع ١/ ١٧٣، والشاهد السادس بعد المائة في الخزانة، والإنصاف ١/ ١٩٥ ج١ ص٣١٣ سيبويه. ٤ أ، وفي ب، ج "الناظم".
[ ١ / ٢٨٢ ]
وفيه نظر، إذ لا معهود يصرف "اللفظ"١ إليه عند من تذكر له علامات الأسماء، وإن جعلت "أل" جنسية فقد يقال لم يعتبر الترنم والغالي لقلتهما واختصاصهما بالشعر.
وقد قيل: إن تسمية ما يلحق الروي تنوينا مجاز، وإنما هو نون بدليل أنه يثبت وقفا "ويحذف وصلا بخلاف التنوين"٢.
فالتنوين على هذا من خواص الاسم في جميع وجوهه.
وقال أبو الحجاج يوسف بن معزوز٣: ظاهر قول سيبويه في الذي يسمونه تنوين الترنم أنه ليس بتنوين وإنما هو نون تتبع الآخر عوضا عن المدة.
الثالثة: النداء وهو الدعاء بيا أو إحدى أخواتها، وهو من خواص الاسم، لأن المنادى مفعول به، والمفعول به لا يكون إلا اسما٤ لأنه مخبر عن المعنى.
وقال في شرح التسهيل: وإنما اختص الاسم بالنداء، لأنه مفعول به في المعنى والمفعولية لا تليق بغير الاسم، واعترض قوله في المعنى لأن ظاهره أنه ليس مفعولا صريحا من جهة اللفظ، وقد سبقه أبو موسى٥ إلى هذه
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "النظر". ٢ أ. ٣ هو يوسف بن معزوز القيسي أبو الحجاج الأستاذ الأديب النحوي من أهل الجزيرة الخضراء. قال ابن الزبير: كان نحويا جليلا من أهل التقدم في علم الكتاب، أخذ العربية عن أبي إسحاق والسهيلي وكان متصرفا في علم العربية حسن النظر، أخذ عنه عالم كثير منهم أبو الوليد يونس وغيره. وألف شرح الإيضاح للفارسي والرد على الزمخشري في مفصله وغير ذلك. مات بمرسية في حدود سنة خمس وعشرين وستمائة. ٤ "وأما دخول "يا" على الحرف في نحو: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾، "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة"، وعلى الفعل في قراءة الكسائي: "ألا يا اسجدوا" -بتخفيف ألا- فلمجرد التنبيه، ولا يلزم ذكر المنبه بل تكفي ملاحظته عقلا، وقيل: المنادى محذوف تقديره "يا هؤلاء". ا. هـ. خضري ج١ ص٢١. وقد يكون المفعول جملة كما في المفعول الثاني من ظن وأخواتها لأن أصله خبر المبتدأ، وهو غير مقصود في هذا الباب. ٥ هو سليمان بن محمد الملقب بالحامض، ولقب بذلك لشراسته، لازم ثعلبا زهاء أربعين حولا ثم خلفه بعد موته. قال الخطيب: كان أوحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين، وكان دينا صالحا، وكان يتعصب على البصريين، وله في النحو مختصر. مات لست بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثمائة في بغداد.
[ ١ / ٢٨٣ ]
العبارة، وهذه مسألة خلاف، ومذهب سيبويه١ وجمهور البصريين أن المنادى مفعول من جهة اللفظ والمعنى.
الرابعة: "أل" ويعني بها حرف التعريف وهو من خواص الاسم، إذ لا حظ لغيره "فيه"٢.
وأما "أل"٣ الموصولة فإنها قد تدخل على الفعل عند المصنف وبعض الكوفيين اختيارا وعند الجمهور اضطرارا كقوله٤:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته
_________________
(١) ١ قال سيبويه: اعلم أن النداء كل اسم مضاف إليه هو نصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب ج١ ص٣٠٣. ٢ أ، وفي ب، ج "في التعريف". ٣ أ، ج. ٤ قائله الفرزدق واسمه همام بن غالب بن صعصعة يخاطب رجلا من بني عذرة، هجاه بحضرة عبد الملك بن مروان، والفرزدق شاعر إسلامي من الطبقة الأولى وعجزه: ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل والبيت من بحر البسيط. الشرح: "بالحكم" -بفتح الحاء والكاف- وهو الذي يحكمه الخصمان ليفصل بينهما "ولا الأصيل" أي ولا الحسيب. قال الكسائي: الأصل: الحسب، والفصل: اللسان "الرأي" العقل والتدبر "الجدل" -بفتحتين- القدرة على المحاجَّة. المعنى: لست أيها العذري مقبول الحكم، لأننا لم نحكمك، ولا حسب يشفع لك تدخلك، ولست ذا رأي ناضج ولا حجة قوية تدعم بها قولك فكيف تهجونا وترفع غيرنا؟ الإعراب: "ما" نافية تعمل عمل ليس "أنت" اسمها "بالحكم" الباء زائدة والحكم خبر ما النافية "الترضى" أل موصول وترضى مضارع مبني للمجهول "حكومته" نائب فاعل والضمير مضاف إليه والجملة لا محل لها صلة الموصول "ولا" الواو عاطفة ولا نافية "الأصيل" معطوف على الحكم "ذي" معطوف على الحكم أيضا وهو مضاف و"الرأي" مضاف إليه "والجدل" معطوف على الرأي. الاستشهاد فيه: في دخول الألف واللام في الفعل المضارع تشبيها له بالصفة؛ لأنه مثلها في المعنى، وقال ابن مالك: ليس بضرورة لتمكن الشاعر من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٣٧، ابن هشام ١/ ١٧، ١١٨، ابن داود السندوبي، والأشموني ١/ ٧٠ الموصول، الاصطنهاوي، وابن عقيل ١/ ٨٩، والمكودي ص١٣ الموصول، والسيوطي ص٢٢ في الموصول والخصائص ٢/ ٣٠٠.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فكان ينبغي الاحتراز عنها.
فإن قلت: هل الأولى أن يعبر عن حرف التعريف بأل أو بالألف واللام "أو باللام"؟ ١.
قلت: لهم في حرف التعريف ثلاثة مذاهب: أحدها أنه ثنائي وهمزته همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال، ولا يحسن على المذهب إلا التعبير "بأل" وهو مذهب الخليل٢ واختيار الناظم.
قال ابن جني: وقد حكي عن الخليل أنه كان يسميها "أل" ولم يكن يسميها "الألف واللام".
والثاني: أنه ثنائي وهمزته همزة وصل زائدة، وهي مع زيادتها معتد بها كالاعتداد بهمزة استمع ونحوه، حيث لا يعد رباعيا، وهو مذهب سيبويه فيما نقله في التسهيل٣ وشرحه.
وعلى هذا المذهب يجوز أن يعبر "بأل" نظرا إلى أن الهمزة كمتعد بها في الوضع وهو أقيس، وأن يعبر عنها "بالألف واللام" نظرا إلى أن الهمزة زائدة وقد استعمل سيبويه في كتابه العبارتين٤.
والثالث: أنه اللام وحدها، وإليه ذهب أكثر المتأخرين، ونسبه بعضهم إلى سيبويه، ولا يحسن على هذا المذهب إلا التعبير باللام، وللكلام على هذه المذاهب موضع غير هذا.
_________________
(١) ١ ب. ٢ هو الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الأزدي البصري، كان الخليل آية في الذكاء وأول من استخرج العروض وضبط اللغة وحصر أشعار العرب، وكان مع هذا عفيف النفس. قال سفيان الثوري: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد. وله مؤلفات كثيرة من أشهرها كتاب العين في اللغة. وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة وقد نيف على السبعين. ٣ وفي التسهيل ص٤٢: "وهي أل لا اللام وحدها وفاقا للخليل وسيبويه وقد تخلفها أم وليست الهمزة زائدة خلافا لسيبويه". ٤ راجع الصبان ١/ ٣٤، والخضري ١/ ٢٢.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الخامسة: المسند وهو مفعل من أسند فهو لفظ صالح لأن يكون مفعولا به ومصدرا واسم زمان واسم مكان ولا جائز أن يراد به هنا الزمان والمكان إذ لا وجه لإرادتهما.
ويحتمل أن يريد به المفعول به، وهو ظاهر عبارته، وهو صحيح؛ لأن المسند من خواص الأسماء وذلك أن المسند في الاصطلاح المشهور هو المحكوم به والمسند إليه هو المحكوم عليه، فكأنه قال: ويتميز الاسم بمسند أي: بمحكوم به نحو "قام زيد" و"زيد قائم" فزيد في المثالين له مسند "أي محكوم به"١، وهو الفعل في المثال الأول والخبر في المثال الثاني، وذلك من علامات اسميته، ويحتمل أن يريد به المصدر أعني الإسناد، وهو نسبة شيء إلى شيء على جهة الاستقلال٢ وبه جزم الشارح ولكن لا يصح على إطلاقه؛ لأن الفعل "يشارك"٣ الاسم في الإسناد، فإن كلا منهما "يسند"٤، وإنما ينحصر الاسم بالإسناد إليه "فإنه"٥ أجيب بما ذكر الشارح من أنه "أراد الإسناد إليه"٦، ٧ فحذف صلته اعتمادا على "التوقيف"٨ وفيه نظر، لأن الاعتماد على التوقيف لا يحسن في مقام التعريف.
وإن أجيب بأن اللام في قوله "للاسم" متعلقة بمسند وهي بمعنى إلى كما وقع في بعض نسخ الشرح فهو ظاهر البعد.
وأورد على الناظم أنه أطلق الإسناد، وهو قسمان: معنوي، ولفظي. فالمعنوي هو الخاص بالأسماء "واللفظي"٩ مشترك يوجد في الاسم والفعل والحرف نحو "زيد" ثلاثي و"ضرب" فعل ماض و"من" حرف جر.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ج. ٣ ب وفي أ، ج "يشرك". ٤ ب، ج وفي أ "مسند". ٥ أوفي ب "فإن" وفي ج "وإن". ٦ ج وفي أ "أراد إسنادا إليه". ٧ قال الشارح ص٤ "والإسناد إليه". ٨ ج وفي أ، ب "التوفيق". ٩ج وفي أ، ب "اللفظ".
[ ١ / ٢٨٦ ]
قلت: التحقيق أن القسمين كليهما من خواص الأسماء ولا يسند إلى الفعل والحرف إلا محكوما باسميتهما.
فإذا قلت: "ضرب" فعل ماض. فضرب في هذا التركيب اسم مسماه "لفظ ضرب"١ الدال على الحدث والزمان، وكيف يتصور أن يحكم عليه في المثال المذكور ونحوه بأنه باق على فعليته، وهو لا يشعر بحدث ولا زمان ولا يقتضي فاعلا ويحكم على موضعه بالرفع على الابتداء.
فإن قلت: فقد ذكر في شرح التسهيل أن الإسناد اللفظي صالح للاسم والفعل والحرف والجملة "ولذلك"٢ قال في حد الاسم: كلمة يسند ما لمعناها "لنفسها أو لنظيرتها"٣ فيقيد الإسناد بالمعنى لأنه خاص بالأسماء بخلاف الإسناد باعتبار مجرد اللفظ، فإنه عام، وإذا كان قائلا بذلك لزمه الإيراد المذكور.
قلت: لا إشكال في أن الإسناد باعتبار اللفظ صالح للفظ الاسم "وللفظ الفعل"٤ وللفظ الحرف، وللفظ الجملة. "وهذا "لا ينافي"٥ اختصاصه بالأسماء لأنا نحكم على "هذه"٦ الألفاظ المسند إليها بأنها أسماء وإن كانت لفظ فعل أو حرف.
فقوله: إن الإسناد اللفظي صالح للاسم والفعل والحرف والجملة، صحيح بهذا الاعتبار، وقد صرح في الكافية٧ باسمية ما أخبر عن لفظه حيث قال:
وإن نسبت لأداة حكما فابن أو أعرب واجعلنها اسما
فإن قلت: إذا كان الإسناد مطلقا من خواص الأسماء فلم قيد الإسناد في حد الاسم باعتبار المعنى؟
قلت: كأنه لما رأى اللفظي لا يتميز به لفظ الاسم من غيره، اقتصر على المعنوي؛ لأنه هو الذي يحصل به التمييز.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج وفي أ "كذلك". ٣ أ، ب. ٤ ب، ج. ٥ أ، ج وفي ب "لا يتأتى". ٦ أ، ب. ٧ كتاب ابن مالك. راجع ص٧ من الكافية.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ثلاثي، دل هذا الإسناد على اسمية "زيد" المراد به لفظ "زيد" الدال على الشخص.
كما أنك إذا قلت: ضرب مبني على الفتح. دل هذا الإسناد على اسمية ضرب المراد به لفظ ضرب الدال على الحدث والزمان ولم يدل على "اسمية ضرب الدال على"١ الحدث والزمان. فتأمله٢.
ما يميز الفعل:
ولما ذكر ما يتميز به الاسم، شرع في ذكر ما يتميز به الفعل فقال:
بتا فعلت وأتت ويا افعلي ونون أقبلن فعل ينجلي
فذكر للفعل أربع علامات:
الأولى: "تا" فعلت، وهي تاء ضمير المخاطب نحو "تباركت يا رحمن" وفي حكمها تاء ضمير المتكلم والمخاطبة، وهذه التاء في جميع أحوالها مختصة بالفعل الموضوع "للمضي"٣، ولو كان مستقبل المعنى نحو "إن قمت قمت".
الثاني: "تا" أتت وهي تاء التأنيث الساكنة، وهي مثل تاء الفاعل في الاختصاص بالفعل الموضوع للمضي، وتلحقه متصرفا وغير متصرف نحو "أتت" و"نعمت".
قال في شرح التسهيل: ما لم يكن أفعل في التعجب، ولو قال ما لم "يكن"٤ يلزم تذكير فاعله لكان أولى، ليشمل أفعل التعجب وغيره نحو: ما عدا، وما خلا، وحاشا، ليس في الاستثناء: فإن تحركت التاء بحركة إعراب فهي من خواص الأسماء نحو "رحمة" وإن تحركت بحركة بناء فتكون في الحرف نحو "لات" وفي الاسم نحو "لا قوة إلا بالله" ولا اعتداد بحركة النقل ولا بحركة التقاء الساكنين لعروضهما.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ راجع الصبان ٣٥١. ٣ أ، ج وفي ب "القصي". ٤ أ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
تنبيه: قال في شرح الكافية: وقد انفردت يعني تاء التأنيث الساكنة "بلحاقها"١ نعم وبئس كما انفردت تاء الفاعل "بلحاقها"٢ تباركت.
والثالثة: يا افعلي٣ وهي ياء المخاطبة وهي اسم مضمر عند سيبويه٤، والجمهور٥. وحرف عند الأخفش والمازني٦، ويشترك٧ في إلحاقها المضارع والأمر نحو "أنت تفعلين وافعلي".
والرابعة: نون أقبلن، وهي نون التوكيد الشديدة، وهي مختصة بالفعل، وكذلك الخفيفة نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ﴾ ٨ وتلحق الأمر بلا شرط والمضارع بشرط مذكور في بابه٩ وقد تلحق الماضي "وضعا"١٠ المستقبل معنى كقوله ﷺ: "فإما أدرَكَن واحد منكم الدجال" ١١.
_________________
(١) ١ و٢ ب، ج وفي أ "بإلحاقها". ٣ وإنما قال المصنف: "ياء افعلي" ولم يقل: "ياء الضمير" لأن هذه تدخل فيها ياء المتكلم وهي لا تختص بالفعل بل تكون فيه نحو "أكرمني" وفي الاسم نحو "غلامي" وفي الحرف نحو "إلى" بخلاف "ياء افعلي" فإن المراد بها ياء الفاعلة، وهي لا تكون إلا في الفعل. ابن عقيل ج١ ص٩. ٤ راجع ج١ ص٥ كتاب سيبويه. ٥ أقول: والأرجح أن تكون اسما بدليل إعرابها فاعل الفعل. ٦ هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني من بني مازن بن شيبان، كان إماما في العربية ثقة، وقال عنه المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان وهو بصري. وروي أن يهوديا بذل للمازني مائة دينار ليقرئه كتاب سيبويه فامتنع فقيل له: لم امتنعت مع حاجتك؟ فقال: إن في كتاب سيبويه كذا وكذا آية من القرآن فكرهت أن أقرأ القرآن للذمة. فلم يمض على ذلك حتى منحه الواثق أضعاف ما تركه لله. وله من التصانيف: تفسير كتاب سيبويه، وعلل النحو والتصريف. ومات سنة ٢٤٩هـ بالبصرة. ٧ أ، ب "ويشترط" وفي ج "مشترك". ٨ سورة يوسف ٣٢. ٩ تلحق نونا التوكيد الفعل المضارع المستقل، الدال على الطلب نحو: "لتضربن زيدا" و"لا تضربن زيدا" و"هل تضربن زيدا؟ "، والواقع شرطا بعد "إن" المؤكدة بما نحو "إما تضربن زيدا أضربه" أو الواقع جواب قسم مثبتا مستقبلا نحو: "والله لتضربن زيدا" ابن عقيل ج٢ ص٢٢٩. ١٠ ب، ج وفي أ "وصفا". ١١ رواه الحاكم عن جبير بن نفير. والدجال: من الدجل وهو الكذب والخلط، ويجمع على دجالين ودجاجلة.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقول الشاعر١:
دامن سعدك إن رحمت متيما
وشذ لحاقها اسم الفاعل في قوله٢:
أقائلن احضروا الشهودا
_________________
(١) ١ قال في شرح الشواهد الكبرى ج١ ص١٢٠: "لم أقف على اسم قائله" وقد بحثت فلم أعثر له على قائل. وهو من الكامل. وتمامه: لولاك لم يك للصبابة جانحا الشرح: "دامن" أصله من الدوام ودخله نون التوكيد على وجه الشذوذ "سعدك" خطاب لمحبوبته، المتميم" بالتشديد: من تيمه الحب إذا عبده "الصبابة": المحبة والعشق، "الجانح" من جنح إذا مال. الإعراب: "دامن" فعل "سعدك" فاعل والكاف مضاف إليه وهي في الحقيقة جملة دعائية "إن" شرطية "رحمت" جملة من الفعل والفاعل -فعل الشرط- "متيما" مفعول به، والجواب محذوف تقديره: لو رحمت متيما أدام الله سعدك وأغنت عن ذلك الجملة المتقدمة "لولاك" لولا امتناع لوجود وقد وليها ههنا ضمير وكان حقها أن يكون ضمير رفع نحو قوله تعالى ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ولكن جاء قليلا لولاك ولولاي ولولاه خلافا للمبرد، ثم عند الجمهور أنها جارة للضمير وموضع المجرور رفع بالابتداء والخبر محذوف وقد سد مسده جواب لولا، وهي الجملة التي بعده. وقال الخليل: لولا لا تجر ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع كما عكسوا إذ قالوا ما أنا كأنت ولا أنت كأنا. "لم يك" لم حرف نفي ويك مجزوم بلم وأصله لم يكن فحذفت النون تخفيفا والضمير المستتر فيه العائد إلى المتيم وهو اسم يكن، ولم يكن جواب لا. "جانحا" خبره وللصبابة يتعلق به. الاستشهاد فيه: "في قوله "دامن" حيث دخلت فيه نون التأكيد وهو ماض ونون التوكيد من خواص الأمر والمضارع، وهو قليل شاذ، قال ابن هشام في المغني ١/ ١٨: "والذي سهله أنه بمعنى أفعل". مواضعه: ذكره الشاطبي في شرح الألفية، وابن هشام في المغني ٢/ ٢٢. والسيوطي في الهمع ٣/ ٧٨، وفي الخزانة الشاهد ٨٣. ٢ قائله رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز المسدس. وقبله: أريت إن جاءت به أملودا الشرح: "أملود" -بضم الهمزة وسكون الميم وضم اللام: الناعم، "أريت" أصله أرأيت حذفت الهمزة منه للتخفيف. ومعنى أرأيت: أخبرني. المعنى: أخبرني إن جاءت هذه بشاب يتزوجها، رشيق القوام أآمر أنت بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه؟ والاستفهام إنكاري مراد به التهكم والسخرية لأن مثل الحضري لا =
[ ١ / ٢٩٠ ]
وفي قوله١:
يا ليت شعري عنكم حنيفا أشاهرن بعدنا السيوفا
أنشدها ابن جني:
فإن قلت: فليست نون التوكيد إذن من خواص الفعل لدخولها على اسم الفاعل.
قلت: دخولها على اسم الفاعل مما لا يلتفت إليه لندوره٢.
_________________
(١) = يصاهر عند العرب. الإعراب: أقائلن: الهمزة للاستفهام. "قائلن" خبر مبتدأ محذوف وتقديره أفأنتم قائلن مرفوع بالواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين والنون المحذوفة لتوالي الأمثال عوض عن التنوين في الاسم المفرد "أحضروا" فعل أمر وواو الجماعة فاعل، "الشهودا": مفعول به. والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل نصب مقول القول. وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط الذي هو قوله: إن جاءت به. الاستشهاد فيه: حيث أدخل الشاعر فيه نون التوكيد على الاسم وهو ضرورة، سوغها شبه الوصف الواقع بعد الاستفهام بالفعل المضارع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الشاطبي، والسيوطي ص٥، والأشموني ١/ ١٦، ذكره ابن هشام في المغني ٢/ ٢٢. ١ قائله رؤبة العجاج. وهو من الرجز المسدس. الشرح: "شعري" بمعنى علمي من الشعر. قال ابن فارس: شعرت بالشيء إذا فطنت له "الحنيف" هو المسلم ههنا، وله معان آخر "أشاهرن" من شهر سيفه انتضاه فرفعه يعني أبرزه من غمده. الإعراب: "يا" حرف تنبيه "ليت" حرف تمن ونصب "شعري" اسم ليت، وياء المتكلم مضاف إليه، وخبر ليت محذوف وجوبا عند الرضي في كل كلام ورد فيه هذا التعبير بشرط أن يجيء بعده استفهام كما في بيت الشاهد، وهذا الاستفهام مفعول لشعري. وعند ابن الحاجب أن الاستفهام قائم مقام الخبر "عنكم": متعلق بشعري. وعن فيه بمعنى الباء. "حنيفا": منادى مرخم بحرف نداء محذوف. وإعراب الباقي في غاية الوضوح. وقد تكلم العيني هنا كلاما لا نوافقه عليه، وتبعه العلامة الصبان غفر الله لنا ولهما. الاستشهاد فيه: في قوله "أشاهرن" حيث دخلت فيه نون التوكيد وهو اسم وهي مختصة بالمضارع والأمر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ١٦، والشاطبي. ٢ قال الصبان ١/ ٣٨ "وسهل شذوذه مشابهته المضارع لفظا ومعنى".
[ ١ / ٢٩١ ]
ما يميز الحرف:
ولما ذكر ما يتميز به الاسم والفعل قال:
سواهما الحرف كهل وفي ولم
فكل ما لا يقبل شيئا من علامات الاسم ولا من علامات الفعل فهو حرف فترك العلامة علامة له، ثم مثله بثلاثة أحرف، تنبيها على أن الحرف ثلاثة أنواع: مشترك بين الاسم والفعل نحو "هل" ومختص بالاسم نحو "في" ومختص بالفعل نحو "لم".
علامات الأفعال:
ولما كان الفعل ينقسم باعتبار صيغته ثلاثة أقسام: ماض وأمر ومضارع أخذ يذكر لما يتميز به كل واحد منها عن الآخرين فقال:
فعل مضارع يلي لم كيشم
أي: "علامة"١ الفعل المضارع قبله، "لأن"٢ يلي "لم" أي ينفي بها كقولك "في "يشم" "لم يشم" وهو مضارع شمت الطيب، ونحو "أشمه" -بكسر العين- في الماضي وفتحها في المضارع والعامة يفتحون عين الماضي، ويضمون عين المضارع.
قال ابن درستويه٣: وهو خطأ٤ وليس كما قيل،
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "علامات". ٢ أ، ج وفي ب "كأن". ٣ هو أبو محمد بن عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي، وكان نحويا جليل القدر، شديد الانتصار للبصريين في النحو واللغة، وله تصانيف في غاية الجودة منها: الإرشاد في النحو، وشرح الفصيح، والمقصور والممدود. وسكن بغداد إلى حين وفاته سنة ٣٤٧هـ سبع وأربعين وثلاثمائة من الهجرة. ٤ قال الأشموني ١/ ٤١: "ولا عبرة بتخطئة ابن درستويه العامة في النطق بها".
[ ١ / ٢٩٢ ]
بل هو لغة حكاها الفراء١ وابن الأعرابي٢ ويعقوب٣ وغيرهم.
ثم ذكر علامة الماضي فقال:
وماضي الأفعال بالتا مِزْ
أي ميز الفعل بالتاء المتقدم "ذكرها"٤ وهي تاء التأنيث الساكنة، ويحتمل أن يريد مجموع التاءين أي: تاء فعلت وتاء أتت؛ لأن كلتيهما مختصة بالفعل الماضي، "ومز" أمر من مازه. يقال مزته "فامتاز"٥ وميزته فتميز.
ثم ذكر علامة الأمر فقال:
وسم بالنون فعل الأمر إن أمر فهم
أي وعلم فعل الأمر بالنون المتقدمة وهي نون التوكيد، لا مطلقا، بل يشترط أن يفهم من اللفظ معنى الأمر، فعلامة الأمر إذن مجموع شيئين: قبول النون وإفهام معنى الأمر، نحو "أقبل" فإنه يقبل النون، ويفهم الأمر. فهو فعل أمر، فإن
_________________
(١) ١ هو أبو زكريا يحيى بن زياد الديلمي الكوفي المعروف بالفراء، لقب بذلك، قيل: لأنه كان يفري الكلام. وكان الفراء إماما في العربية وأعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي وكان يتردد بين الكوفة وبغداد، واتصل بالمأمون واتخذه مربى أولاده. ومن تصانيفه: كتاب الحدود في النحو، وقد جمع فيه أصول النحو وما سمع عن العرب، والمقصور والممدود، وغير ذلك. توفي في طريق مكة سنة ٢٠٧ سبع ومائتين من الهجرة. ٢ هو محمد بن زياد أبو عبد الله بن الأعرابي من موالي بني هاشم قال الحافظ: كان نحويا عالما باللغة والشعر، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يحسنان قليلا ولا كثيرا، وكان أحوج أعرج. قال ثعلب: شاهدت ابن الأعرابي وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان كل يسأله أو يقرأ عليه ويجيب من غير كتاب. قال: ولزمته بضع عشرة ما رأيت بيده كتابا فقط. مات بسر من رأى سنة ٢٣١ وقبل سنة ٢٣٣هـ ثلاث وثلاثين بعد المائتين. ٣ هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت "وهو لقب أبيه" وكان عالما بنحو الكوفيين، ومن أعلم الناس باللغة والشعر وعلم القرآن، أخذ عن البصريين والكوفيين، وقد أقام ببغداد للتعليم، وأدب أولاد المتوكل وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر وتفسير دواوين العرب. توفي سنة ٢٤٤هـ أربع وأربعين ومائتين. ٤ ب، ج وفي أ "فعلها". ٥ أ، ب وفي ج "فانماز".
[ ١ / ٢٩٣ ]
قبل اللفظ١ النون، ولم يفهم الأمر فهو فعل مضارع نحو "هل تفعلن" أو فعل تعجب نحو "أحسنن بزيد"، فإن لفظه "لفظ"٢ الأمر وليس بأمر في المعنى على الأصح٣.
وتوكيد فعل التعجب بنون التوكيد نادر٤، وإن دل اللفظ على معنى الأمر ولم يقبل نون التوكيد فهو "اسم"٥ إما "مصدر"٦ نحو "صبرا بني عبد الدار" وإما اسم فعل، وإلى هذا أشار بقوله:
والأمر إن لم يك للنون محل فيه هو اسم نحو صه وحيهل
"فصه" بمعنى اسكت وكلاهما "يفهم منه معنى الأمر"٧ ولكن اسكت يقبل "نون التوكيد"٨ فهو فعل أمر وصه لا يقبلها، فهو اسم فعل. وحيهل بمعنى أقبل أو أقدم أو عجل تقول "حيهل على زيد" أي: أقبل "وحيهل زيدا" أي: قدم "وحيهل بزيد" أي: عجل، ومنه "إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر".
فقد تساوت٩ حيهل وأقبل وقدم وعجل، في إفهام معنى الأمر، ولكن هذه الثلاثة تقبل النون فهي أفعال، وحيهل لا تقبلها، فهي اسم فعل "بمعنى الماضي"١٠.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، ج. ٣ وأما أفعل: ففعل أمر ومعناه التعجب لا الأمر. ا. هـ. ابن عقيل ٢/ ١١٢. ٤ قال الشيخ الصبان ١/ ٤١ "إن دخول النون على فعل التعجب شاذ، والكلام في قبول الكلمة النون قياسا وإلا كان عليه ذكر اسم الفاعل والماضي لورود تأكيدهما بها شذوذا، فالمناسب ترك فعل التعجب". ا. هـ. ٥ أ، ج. ٦ ج وفي أ، ب "مصدره". ٧ أ، ب. ٨ أ، وفي ب "النون". ٩ أ، ب وفي ج "ساوت". ١٠ ب.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ثم اعلم أن علامة المضارع وهي "لم" فارقة بينه وبين اسم الفعل الذي بمعناه نحو "أف" و"أتضجر" فإنهما بمعنى "المضارع"١ ولكن "أف" لا تقبل "لم" و"أتضجر" تقبلها، وكذلك علامة الماضي وهو التاء فارقة بينه وبين اسم الفعل الذي بمعناه نحو "هيهات" "وبعد" فإنهما بمعنى "الماضي"٢ ولكن هيهات لا تقبل تاء التأنيث وبعد تقبلها، وهذا واضح.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب.
[ ١ / ٢٩٥ ]
المعرب والمبني:
المعرب مشتق من الإعراب، والمبني مشتق من البناء فوجب لذلك أن يقدم بين الإعراب والبناء فالإعراب في اللغة مصدر أعرب، أي: أبان أو أجال أو حسن "أو غير أو أزال"١ عرب الشيء وهو فساده، أو تكلم بالعربية. فهذه ستة معان.
وأما في الاصطلاح ففيه مذهبان: أحدهما أنه لفظي وهو اختيار المصنف ونسبه إلى المحققين، وحده في التسهيل بقوله: الإعراب ما جيء به لبيان مقتضى العامل من الحركة أو حرف أو سكون أو حذف. ا. هـ٢.
والثاني: أنه معنوي، والحركات إنما هي دلائل عليه، وهو قول سيبويه واختيار الأعلم٣ وكثير من المتأخرين، وحدوه بقولهم: الإعراب تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا، والمذهب الأول أقرب إلى الصواب٤.
والبناء في اللغة: وضع شيء على شيء "على صفة"٥ يراد بها الثبوت.
وأما في الاصطلاح: فقد حده في التسهيل بقوله: ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية أو اتباعا أو نقلا "أو تخلصا من سكونين"٦ فعلى هذا هو لفظي.
_________________
(١) ١ ج وفي أ، ب "أو غير ذلك أو أزال". ٢ التسهيل ص٧. ٣ هو يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي المعروف بالأعلم الشنتمري، كان عالما بالعربية ومعاني الأشعار، حافظا لها مشهورا بإتقانها وضبطها. رحل إلى قرطبة وأخذ عن علمائها وصارت إليه الرحلة في زمانه: فبعدت سمعته. ومن مؤلفاته: شرح الجمل للزجاجي، وشرح شواهد سيبويه، وشواهد الجمل وغير ذلك. مات بإشبيلية سنة ٤٧٦هـ ست وسبعين بعد الأربعمائة. ٤ قال الأشموني ١/ ١٩: "لأن المذهب الثاني يقتضي أن التغيير الأول ليس إعرابا لأن العوامل لم تختلف بعد وليس كذلك". ا. هـ. ٥ أ، ج. ٦ التسهيل ص١٠.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقيل: هو لزوم آخر الكلمة حركة١ أو سكونا لغير عامل ولا اعتلال، فعلى هذا هو معنوي٢ ثم قال:
والاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني
يعني أن الاسم قسمان: قسم معرب وقسم مبني، ولا واسطة بينهما، وذهب قوم إلى أن الأسماء قبل التركيب موقوفة، لا معربة ولا مبنية، واختاره ابن عصفور٣، ومذهب الناظم أنها مبنية٤ وسيأتي سبب بنائها.
فإن قلت: قوله "منه معرب ومبني" لا يفهم الحصر.
قلت: لما ذكر أن المبني هو ما أشبه الحرف وأن المعرب هو ما لم يشبه الحرف "عرفه"٥ أنه لا واسطة بينهما.
تنبيهات:
الأول: بدأ الناظم بالمعرب "لأن الأصل في الاسم الإعراب"٦، وما بني منه فلسبب "أخرجه"٧ عن أصله.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ راجع الأشموني ١/ ١٩، ٢٠. ٣ هو أبو الحسن عليّ بن مؤمن بن عصفور الحضرمي الإشبيلي، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس. أخذ عن الشلوبين ولازمه مدة، ثم كانت بينهما منافرة ومقاطعة، وكان أصبر الناس على المطالعة ولم ينبغ في غير النحو. وله مؤلفات كثيرة منها: الممتع في التصريف. وكان أبو حيان لا يفارقه، أي الممتع. والمقرب في النحو. توفي سنة ٦٦٩هـ تسع وستين وستمائة. ٤ لشبهها بالحروف المهملة في كونها "لا عاملة ولا معمولة". ا. هـ. خضري ج١ ص٢٦، أقول: وهو الراجح: وقول ابن عصفور: "ليس قولا بواسطة لإمكان حمله على أن المراد غير معربة بالفعل فيوافق قول الزمخشري في الأعداد المسرودة إنها معربة حكما، أي قابلة له إذا ركبت لسلامتها من شبه الحرف وتأثرها بالعوامل إذا دخلت عليها". ا. هـ. خضري ج١ ص٢٦. ٥ أ، وفي ب، ج "علم". ٦ ب، ج وفي أ "لأنه الأصل في الإعراب". ٧ أ، وفي ب، ج "إخراجه".
[ ١ / ٢٩٧ ]
الثاني: مذهب الجمهور، أن الإعراب إنما جيء به في الاسم ليدل على المعاني المعتَوِرة عليه كقولهم: "ما أحسن زيد" بالرفع في النفي وبالنصب في التعجب وبالجر في الاستفهام، فلولا الإعراب لالتبست هذه المعاني ولا كذلك الأفعال لأن صيغة الفعل تختلف، لاختلاف معانيه، فلذلك كان الإعراب في الاسم أصلا وفي الفعل فرعا. كما سيأتي بيانه.
وذهب قطرب١ إلى أن الإعراب لم يدخل ليفرق بين المعاني، وإنما دخل ليفرق بين الوصل والوقف.
الثالث: لما كان الإعراب في الاسم أصلا لم يحتج إلى بيان سببه.
ولما كان البناء في الاسم على خلاف الأصل احتاج إلى بيان سببه.
فقال: "لشبه من الحروف مدني" يعني أن سبب بناء الاسم، إنما هو شبهه بالحرف، وأما شبه الفعل فليس سببا للبناء عنده بل هو سبب منع الصرف، وكون سبب البناء هو شبه الحرف وحده هو ظاهر مذهب سيبويه.
ثم إن شبه الحرف إنما يقتضي بناء الاسم إذا لم يعارضه معارض يقتضي إعرابه، فإن عارضه "معارض"٢ مقتض٣ للإعراب ألغي شبه الحرف وأعرب الاسم ترجيحا لمقتضى الإعراب فإنه داعية للأصل.
وإلى ذلك أشار بقوله: "مدني" أي: مقرب، فإن الشبه لا يكون مقربا للاسم من الحرف إلا إذا لم يعارضه معارض، فإن عارضه ما يمنع البناء لم يكن حينئذ مقربا، مثال ذلك "أي" فإنها تكون موصولة وشرطية واستفهامية، وهي في هذه الأحوال مشابهة للحرف كأخواتها، ولكن عارض شبهها للحرف لزومها للإضافة، وكونها بمعنى "كل" مع النكرة وبمعنى "بعض" مع المعرفة فأعربت.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن المستنير أبو عليّ النحوي المعروف بقطرب، لازم سيبويه وكان يدلج إليه، فإذا خرج رآه على بابه، فقال: ما أنت إلا قطرب ليل، فلقب به، وأخذ عن عيسى بن عمرو. وله من التصانيف: العلل في النحو، الغريب في اللغة، ومجاز القرآن، وغير ذلك. توفي ببغداد عام ٢٠٦هـ ست بعد المائتين. ٢ أ. ٣ وبالأصل "مقتضي".
[ ١ / ٢٩٨ ]
ثم اعلم أن شبه الحرف خمسة أنواع: وضعي ومعنوي واستعمالي وافتقاري وإهمالي.
وقد نبه على الوضعي بقوله:
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا
المراد بالشبه الوضعي: كون الاسم على حرف واحد أو حرفين في الوضع "كاسمى جئتنا" وهما التاء ونا فإنهما اسمان بدليل صحة الإسناد إليهما، وهما مبنيان لأن "التاء" على حرف واحد في الوضع و"نا" على حرفين في الوضع، فشابها بذلك الحرف، لأن أصل الحرف، أن يوضع على حرف هجاء أو "على"١ حرفي هجاء.
وأصل الاسم أن يوضع على ثلاثة أحرف فصاعدا، فما وضع من الأسماء على أقل من ثلاثة فقد شابه وضعه "وضع"٢ الحرف، فاستحق البناء، وأما ما وضع على أكثر من حرفين ثم طرأ عليه حذف نحو، يد ودم، فهو معرب، لأن له ثالثا في الوضع.
ونبه على المعنوي بقوله:
والمعنوي في متى وفي هنا
المراد بالشبه المعنوي: أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف فيصير مؤديا لمعنى الحرف.
وذلك ضربان: أحدهما أن يتضمن معنى حرف مستعمل نحو "متى" فإنه مضمن معنى الاستفهام "إذا وقع استفهاما٣ ومعنى الشرط إذا وقع شرطا٤ ولكل من الاستفهام والشرط حرف مستعمل، فحرف الاستفهام الهمزة وحرف الشرط إن"٥.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ، ب. ٣ ب، ج. ٤ الاستفهام: مثل متى تقوم؟ والشرط مثل: متى تقم أقم. فهي مبنية لتضمنها معنى الهمزة في الأول ومعنى إن في الثاني. ا. هـ. أشموني ج١ ص٢١. ٥ ب، ج.
[ ١ / ٢٩٩ ]
والثاني: أن يتضمن معنى من معاني الحروف التي لا تليق بغيرها وإن لم يكن لذلك المعنى حرف مستعمل نحو "هنا" فإنه اسم إشارة إلى المكان فبني لتضمنه معنى الإشارة؛ لأنه كالتشبيه والتنبيه والخطاب وغير ذلك من معاني الحروف، ولم يوضع للإشارة حرف يدل عليها.
وإلى "هذين"١ الضربين أشار الناظم "بمثالين"٢.
ونبه على الاستعمالي بقوله:
وكنيابة عن الفعل بلا تأثر
وحقيقته: أن يكون الاسم نائبا عن الفعل، أي عاملا عمله، ويكون مع ذلك غير متأثر بالعوامل لا لفظا ولا محلا، والمراد بذلك أسماء الأفعال نحو "دراك" و"نزال" فإنها تلزم النيابة عن أفعالها فتعمل عمله ولا تتأثر بالعوامل، فبنيت لشبهها بالحروف العاملة عمل الفعل، أعني إن وأخواتها، فإنها تعمل عمل الفعل ولا تتأثر بالعوامل٣ فلما استعملت أسماء الأفعال استعمال هذه الحروف بنيت.
تنبيه:
ما ذكر من أن أسماء الأفعال لا تتأثر بالعوامل لا لفظا ولا محلا هو مذهب أبي الحسن الأخفش ومن وافقه وعليه بنى الناظم ونسبه في الإيضاح٤ إلى الجمهور، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى٥.
_________________
(١) ١ ج، وفي أ، ب "هذا". ٢ أ، وفي ج "بالمثالين". ٣ فمثلا ليت ولعل "ألا ترى أنهما نائبتان عن أتمنى وأترجى ولا يدخل عليهما عامل". ا. هـ. أشموني ١/ ٢١. ٤ الإيضاح: هو كتاب في النحو لأبي عليّ الفارسي. ٥ فإنها -أي أسماء الأفعال- تعمل نيابة عن الأفعال ولا يعمل غيرها فيها بناء على الصحيح من أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب. أشموني ١/ ٢١.
[ ١ / ٣٠٠ ]
واحترز بقوله "بلا تأثر" من المصدر الواقع بدلا من فعله كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبُ الرِّقَابِ﴾ ١ فإنه ينوب عن الفعل ويتأثر "بالعامل"٢ فأعرب لعدم مشابهته الحرف، وكذلك اسم الفاعل ونحوه مما يعمل "عمل الفعل"٣ ويتأثر.
ونبه على الافتقاري بقوله: "وكافتقار أصلا".
وحقيقته: أن يكون الاسم مفتقرا إلى اللزوم "كافتقار"٤ "الذي" ونحوها من الموصولات إلى جملة فإن لم يكن الافتقار لازما كافتقار النكرة الموصوفة بجملة إلى صفتها لم يكن سببا للبناء لأنه ليس بلازم: وإلى هذا أشار بقوله: "أصلا".
وأما الشبه الإهمالي: فهو أن يكون الاسم غير عامل ولا معمول، كالحروف المهملة، ومثل ذلك الأسماء قبل التركيب، كفواتح السور، فإنها مبنية لشبهها بالحروف المهملة في أنها لا عاملة ولا معمولة.
هذا مذهب الناظم، خلافا لمن قال إنها موقوفة، ولمن قال: إنها معربة حكما٥.
فإن قلت: قد أخل بهذا النوع الخامس فلم يذكره.
قلت: قد أشار إليه بكاف التشبيه في قوله: "كالشبه الوضعي" فإنها مشعرة بعدم الحصر ثم قال:
ومعرب الأسماء ما قد سلما من شبه الحرف كأرض وسما
يعني أن المعرب من الأسماء هو ما سلم من شبه الحرف المؤثر.
_________________
(١) ١ من الآية ٤ من سورة محمد. ٢ ب، وفي أ، ج "بالعوامل". ٣ أ، ج. ٤ وبالأصل "كافتقاري". ٥ وزاد ابن مالك في الكافية الكبرى نوعا سادسا سماه الشبه اللفظي، وهو أن يكون لفظ الاسم كلفظ حرف، وذلك مثل "حاشا" الاسمية، فإنها أشبهت "حاشا" في اللفظ، وموقوفة: أي لا معربة ولا مبنية. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ١٤، والأشموني ١/ ٢٢.
[ ١ / ٣٠١ ]
ومن هنا علم انحصار الاسم في القسمين: ثم مثل المعرب بمثالين وهو "سما" "وهو إحدى"١ لغات الاسم الستة٢.
ونبه بذلك على أن من المعرب ما يظهر إعرابه نحو "أرض وما يقدر إعرابه نحو"٣ سما.
ثم انتقل إلى الفعل فقال:
وفعل أمر ومضي بنيا وأعربوا مضارعا إن عربا
يعني أن الفعل أيضا على قسمين: مبني ومعرب، وأصله البناء "فجاء"٤ الأمر والماضي على وفق الأصل.
فأما المضارع فإنه أعرب لشبهه بالاسم في الإبهام والتخصيص ودخول لام الابتداء.
وقيل: لمشابهته في الأولين فقط. وأما لام الابتداء "فإنها"٥ دخلت بعد استحقاق الإعراب لتخصيص المضارع بالحال، كما خصصته السين ونحوها بالاستقبال.
وزاد بعضهم في وجوه الشبه جريانه على حركات اسم الفاعل وسكناته والذي ذهب إليه المصنف أن المضارع إنما أعرب لمشابهته بالاسم في أن كلا منهما يعرض له بعد التركيب معان تتعاقب على صيغة واحدة كقولك: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بجزم تشرب إذا أريد النهي عن كل "واحد"٦ منهما، وبنصبه إذا أريد النهي عن الجمع بينهما، وبرفعه إذا أريد النهي عن الأول فقط ويكون الثاني مستأنفا.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "أحد". ٢ وهي: اسم بضم الهمزة وكسرها، وسم بضم السين وكسرها، وسما بضم السين وكسرها. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٣٩. ٣ ب، ج. ٤ ب، ج وفي أ "في". ٥ ب، وفي أ، ج "فإنما". ٦ أ.
[ ١ / ٣٠٢ ]
فلما كان الاسم والفعل شريكين في قبول المعاني بصيغة واحدة اشتركا في الإعراب، لكن الاسم ليس له ما يغنيه عن الإعراب؛ لأن معانيه مقصورة عليه، والمضارع قد يغنيه "عن الإعراب"١ تقدير اسم مكانه.
فلهذا جعل "في"٢، الاسم أصلا "وفي"٣ الفعل المضارع فرعا، وهذا معنى ما ذكره في شرح التسهيل. قال: والجمع بما ذكرته بينهما أولى من الجمع بينهما بالإبهام والتخصيص، ودخول لام الابتداء ومجاراة اسم الفاعل في الحركة والسكون؛ لأن المشابهة بهذه الأمور بمعزل عما جيء الإعراب بخلاف المشابهة التي اعتبرتها.
تنبيهات:
الأول: ذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل في الأفعال كما أنه أصل في الأسماء. واستدلوا "على ذلك"٤ بأن اللبس الذي أوجب الإعراب في الأسماء موجود في الأفعال في بعض المواضع نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" كما تقدم.
وأجاب البصريون بأن النصب في "وتشرب" بأن مضمرة، والجزم على إرادة "لا" والرفع على القطع٥.
فلو أظهرت العوامل المضمرة لكانت دالة على المعاني، ولم يحتج إلى الإعراب: وليس كذلك "ما أحسن زيدا" لأن الرافع والناصب "والجار"٦ هو أحسن.
وتقدم ما ذكره المصنف من أن المضارع قد يغنيه عن الإعراب تقدير اسم مكانه كقولك: "لا تُعْنَ بالجفاء وتمدح عمرا" فإنه محتمل للمعاني الثلاثة المتقدمة
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ج. ٣ ج. ٤ أ. ٥ مذهب البصريين أن الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال. ا. هـ. ابن عقيل، وهو الصحيح. قال ابن عقيل: قصد مذهب البصريين "والأول هو الصحيح". ا. هـ. ١/ ٦. ٦ ج وفي أ، ب "الجازم".
[ ١ / ٣٠٣ ]
في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. ويغني عن الإعراب في ذلك وضع "اسم"١ مكان كل واحد من المجزوم والمنصوب والمرفوع نحو: أن تقول "لا تعن بالجفاء، ومدح عمرو" "لا تعن بالجفاء مادحا عمرا" "و"٢ لا تعن بالجفاء ولك مدح عمرو٣.
وحكي عن بعض المتأخرين، أن الفعل أحق بالإعراب من الاسم؛ لأنه وجد فيه بغير سبب فهو٤ بذاته بخلاف الاسم فهو "له"٥ لا لذاته، فهو فرع، وهذا قول ضعيف٦.
الثاني: قد أشاروا إلى علة إعراب الفعل المضارع بتسميته مضارعا والمضارعة المشابهة.
قال بعضهم: المضارعة من لفظ الضرع، فإنه وضع مع الاسم ضرعا واحدا. وزعم ابن عصفور أن المضارعة مقلوبة من "المراضعة"٧. ولا ضرورة تدعو إلى ادعاء القلب؛ لأن البناء كامل التصاريف٨.
والثالث: لم يتعرض في النظم لما "يبنى"٩ عليه الأمر والماضي، وأما الأمر، فإنه يبنى على ما يجزم به لو كان مضارعا، فإن كان صحيح الآخر بني على السكون، وإن كان معتل الآخر، أو ما يرفع بالنون حذف آخره.
وأما الماضي فإنه يبنى على الفتح ما لم يتصل به ضمير مرفوع لمتكلم أو مخاطب أو جمع مؤنث "غائبا"١٠ فيسكن آخره، فإن اتصل به واو الجمع ضم
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب الاسم. ٢ ب، ج. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٤. ٤ ج وفي أ، ب "فهذا". ٥ ب، ج. ٦ قال الشيخ الصبان ١/ ٥٦: "وهو باطل لما علمت من أن سبب الإعراب فيهما توارد المعاني". ا. هـ. ٧ ب، ج وفي أ "المضارعة". ٨ أ، ج وفي ب "التصرف". ٩ ج وفي أ، ب "بني". ١٠ أ، ب.
[ ١ / ٣٠٤ ]
آخره، وإنما بني على حركة لشبهه بالمعرف، أعني المضارع في وقوعه صفة وصلة وشرطا "وحالا"١ ونحو ذلك، فكان له بذلك مزية على الأمر، وإنما خص بالفتحة طلبا للخفة وسكن آخره عند اتصال الضمير المرفوع كراهة لتوالي أربع حركات في شيئين هما كشيء واحد؛ لأن الفاعل كجزء من فعله.
وقال في شرح التسهيل: إنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: "أكرمنا وأكرمنا" ثم سلك بالمتصل بالتاء والنون هذا السبيل لمساوتهما "لنا" في الرفع والاتصال وعدم الاعتلال، وضعف قول الجمهور فيما يوقف عليه في كلامه.
الرابع: أجمعوا على أن الماضي مبني، وأما الأمر فمذهب البصريين، أنه مبني كما تقدم.
وذهب الكوفيون إلى أنه معرب مجزوم بلام الأمر المقدرة وهو عندهما مقتطع من المضارع٢، ثم أشار إلى أن إعراب المضارع مشروط بألا يتصل به نون التوكيد ولا "نون"٣ الإناث بقوله:
من نون توكيد مباشر ومن نون إناث كيَرُعْنَ من فتن
المراد بالمباشر المتصل بالفعل من غير حاجز بينهما، فإذ اتصل بالمضارع نون التوكيد المباشر بني على الفتح نحو "هل تذهبن" واحترز من غير المباشر وهو: ما فصل بينه وبين الفعل ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء مخاطبة لفظا أو تقديرا نحو "هل"٤ يفعلان، و"هل"٥ تفعلُن وهل تفعلِن.
حذفت الواو "والألف"٦ والياء لالتقاء الساكنين وبقيت الضمة والكسرة دليلا على ما حذف.
_________________
(١) ١ ب. ٢ عندهم، "اضرب" مجزوم بلام الأمر المقدرة وأصله لتضرب "لأنه" عندهم قطعة من المضارع المجزوم بها فحذفت اللام تخفيفا ثم حرف المضارعة خوف الالتباس بغير المجزوم عند الوقف، ثم يأتي بهمزة الوصل عند الاحتياج إليها. ا. هـ. خضري ١/ ٣٢، وأميل إلى مذهب البصريين لتداوله. ٣ ب، ج. ٤ ب، ج. ٥ أ، ج. ٦ أ، ج.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فهذا ونحوه معرب؛ لأن النون لم تباشره.
والضابط: أن ما كان رفعه بالضمة إذا أكد بنون التوكيد بني لتركيبه معها، وما كان رفعه بالنون إذا أكد "بنون التوكيد"١ لم يبن لعدم التركيب؛ لأن العرب لا تركب ثلاثة أشياء٢.
تنبيه:
ما ذهب إليه الناظم من التفصيل في نون التوكيد بين المباشر وغيره هو المشهور والمتصور، وذهب الأخفش وطائفة إلى البناء مطلقا، وذهب قوم إلى الإعراب مطلقا٣.
وأما نون الإناث فلا تكون إلا مباشرة، فلذلك أطلق لعدم الحاجة إلى التقييد والفعل معها مبني على السكون نحو: "يرعن من فتن" أي يفزعن، والروع: "الفزع".
وفي سبب بنائه مع نون الإناث خلاف، ومذهب سيبويه أنه مبني حملا على الماضي المتصل بها وصححه في شرح التسهيل.
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وأما المتصل بنون الإناث فمبني بلا خلاف وليس كذلك، بل ذهب قوم إلى أنه معرب لوجود سبب الإعراب فيه، ومنهم ابن درستويه، وابن طلحة، والسهيلي٤ والإعراب عندهم مقدر منع ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالماضي٥.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ اعترض بأنهم ركبوها في قوله: لا ماء بارد، ببناء الوصف معها على الفتح وأجيب أن "لا" إنما دخلت بعد تركيب الموصوف والوصف وجعلها كالشيء الواحد، ولا يقاس على باب "لا" غيره فلا يدعى هنا تركيب الفعل مع الفاعل، تم إدخال نون التوكيد. ا. هـ. صبان ١/ ٥٧. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٥. ٤ هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي المالقي، وكان عالما بالعربية واللغة والقراءات، بارعا في ذلك، جامعا بين الرواية والدراية، نحويا مقدما. وصنف الروض الأنف في شرح السيرة، وله بحث في رؤية الله والنبي في المنام. وكان شاعرا مجيدا. وتوفي السهيلي بمراكش سنة ٥٨١هـ. ٥ "في صيرورة النون جزءا منه". ا. هـ. خضري ١/ ٣٢.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ثم انتقل١ إلى الحرف فقال:
وكل حرف مستحق للبنا
هذا أمر مجمع عليه، إذ ليس فيه مقتضى الإعراب قالوا: لأن الحرف لا يتصرف "ولا يتعاقب"٢ عليه في المعاني ما يحتاج "به"٣ إلى الإعراب.
واعترض: بأن من الحروف ما يكون لمعان كثيرة نحو "من".
وأجيب: بأن الحرف: إنما جيء به في الأصل ليدل على معنى واحد ليس غيره.
وقوله:
والأصل في المبني أن يسكنا
يعني أن الأصل في كل مبني من الاسم والفعل والحرف، أن يبنى على السكون؛ لأنه أخف فلا يعدل عنه إلا لسبب؛ لأن الأصل عدم الحركة فوجب استصحابه ما لم يمنع منه مانع فيعدل إلى الحركة.
ثم قال:
ومنه ذو فتح وذو كسر وضم
أي: ومن المبني صاحب فتح وصاحب كسر وصاحب ضم، فعلم بذلك أن المبني على أربعة أقسام، وأن أنواع البناء أربعة: ضم وكسر وفتح ووقف وهو السكون.
تنبيهات:
الأول: قد تقرر أن الأصل في المبني أن يسكن فما بني "منه"٤ على حركة فلسبب ترك الأصل لأجله.
وأسباب البناء على حركة خمسة: الأول التقاء الساكنين نحو: "أمس".
والثاني: كون الكلمة على حرف واحد كبعض المضمرات.
_________________
(١) ١ ج وفي أ، ب "النقل". ٢ ب وفي أ "ولا يتعقب" وفي ج "ولا يعتقب". ٣ ب. ٤ أ.
[ ١ / ٣٠٧ ]
والثالث: كون الكلمة عرضة لأن "يبدأ"١ بها كلام الابتداء "وياء الجر"٢.
والرابع: كون الكلمة لها أصل في "التمكن"٣ نحو "أول".
والخامس: الشبه بالمعرب نحو "ضرب" "فإنه"٤ شابه المضارع فبني على الفتح كما سبق.
الثاني: لتخصيص المبني ببعض الحركات أسباب، فأسباب الفتحة ستة:
الأول: مجرد طلب التخفيف نحو "أين".
الثاني: شبه محلها "بما اكتنف"٥ هاء التأنيث نحو "بعلبك".
الثالث: مجاورة الألف نحو "أيان".
الرابع: كونها حركة "الأصل"٦ نحو: "يا مضار" "ترخيم"٧ مضار٨ اسم مفعول.
والخامس: الفرق بين معنى أداة واحدة نحو: "يالزيد لعمرو".
والسادس: الإتباع٩.
وأسباب الكسرة سبعة:
الأول: التقاء الساكنين نحو "أمس".
والثاني: مجانسة العمل نحو "ياء" الجر ولامه.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "يبتدأ". ٢ أ، ج. ٣ أ، ج وفي ب "التمكين". ٤ أ، ج وفي ب "لأنه". ٥ أ، وفي ب، ج "بما هو في كنف". ٦ ب، ج. ٧ أ، ج وفي ب "تفخيم". ٨ في الأصل "مضارر". ٩ نحو كيف، بنيت على الفتح إتباعا لحركة الكاف؛ لأن الياء بينهما ساكنة والساكن حاجز غير حصين. ا. هـ. أشموني ٢/ ٢٦.
[ ١ / ٣٠٨ ]
والثالث: الحمل على المقابل نحو: لام الأمر، فإنها كسرت حملا على لام الجر؛ لأنها في الأفعال نظيرتها في الأسماء.
والرابع: الإشعار بالتأنيث نحو "أنتِ".
والخامس: كونها حركة الأصل نحو "يا مضار" ترخيم مضار١ اسم فاعل.
والسادس: الفرق بين أداتين نحو لام الجر. كسرت فرقا بينها وبين لام الابتداء في نحو: "لموسى عبد".
والسابع: الإتباع٢.
وأسباب الضمة ستة:
الأول: أن تكون في الكلمة كالواو في نظيرتها "كنحن"، فإن نظيرتها "هو".
الثاني: شبه المبني بما هي فيه كذلك نحو: اخشوا "القوم"٣.
والثالث: ألا يكون للكلمة حال الإعراب نحو "قبل وبعد".
والرابع: شبه المبني بما لا يكون له الضم حال الإعراب نحو "يا زيدُ".
والخامس: كونها حركة الأصل نحو "يا تحاج" ترخيم "تحاجج"٤ مصدر تحاج. إذا سمي به.
والسادس: الإتباع٥.
واعلم أن ما حرك لغير التقاء الساكنين فحقه الفتح لخفته، لا يعدل عنه غالبا إلا لسبب من الأسباب المذكورة، وما خرج عن هذا فهو شاذ.
الثالث: قد فهم مما سبق أن الاسم إذا بني على السكون، ففيه سؤال واحد، لم بني؟ ولا يقال: لم سكن؟ لأنه الأصل.
وإذا بني على الحركة، ففيه ثلاثة أسئلة:
_________________
(١) ١ في الأصل مضارر. ٢ نحو ذه وته -بالكسر- في الإشارة للمؤنثة. أشموني ١/ ٢٦. ٣ ب، ج وفي "أ "اليوم". ٤ ب، وفي أ، ج "تحاج". ٥ كمنذ.
[ ١ / ٣٠٩ ]
لم بني؟ ولم حرك؟ ولم كانت الحركة كذا؟
وأما الفعل والحرف، فإن بنيا على السكون فلا سؤال فيهما، وإن بنيا على حركة فسؤالان:
لم حركا؟ ولم كانت الحركة كذا١.
وقوله:
كأين أمس حيث والساكن كم
تمثيل لأنواع المبني "فأين" مثال لما بني على الفتح، وهو اسم لدخول حرف الجر عليه، وبني لتضمنه معنى الهمزة في الاستفهام، ومعنى أن الشرطية في الشرط، "وحرك لالتقاء الساكنين"٢ وفتح تخفيفا للكسرة. وجيرِ٣ وأمس مثال لما بني على الكسر، وهو اسم لدخول حرف الجر وحرف التعريف عليه في نحو "بالأمس" ولصحة الإسناد إليه، وبني عند أهل الحجاز لتضمنه معنى حرف التعريف؛ لأنه معرفة بغير أداة ظاهرة، وحرك لالتقاء الساكنين وكسر على أصل التقائهما.
وقال السهيلي: من كسر "أمس" في كل حال فإنما "شبه بما"٤ سمي بالفعل، وفيه ضمير محكي "نحو"٥ من هذا، عن الكسائي "وحيث" مثال لما بني على الضم، وهو اسم لدخول "من" عليه في نحو: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ٦ وبني عند غير فقعس٧، لافتقاره إلى جملة افتقارا لازما، وضم على أشهر اللغات، لشبهه بالغايات، ووجه الشبه "أنها كانت"٨ مستحقة للإضافة إلى المفرد كسائر أخواتها، فمنعت "من"٩ ذلك. كما منعت "قبل وبعد" الإضافة.
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ٢٦، ٢٧. ٢ أ، ج. ٣ قال ابن هشام في المغني ١/ ١٠٩: "جيرِ بالكسر على أصل التقاء الساكنين كأمس، وبالفتح للتخفيف كأين وكيف: حرف جواب بمعنى نعم ". ٤ أ، ج. ٥ ب، ج. ٦ سورة البقرة ١٥٠. ٧ فقعس قبيلة من فصحاء قبيلة بني أسد. ٨ ب، ج وفي أ "أنها لما كانت". ٩ أ، ج.
[ ١ / ٣١٠ ]
وذهب الزجاج إلى أن "حيث" موصولة وليست مضافة فهي بمنزلة "الذي"، و"كم" مثال لما بني على السكون وهو اسم لدخول حرف الجر عليه، وبني لشبهه بالحرف في الوضع أو لتضمن "كم"١ الاستفهامية معنى الهمزة والخبرية معنى "رب" التي للتكثير.
وقيل في سبب بناء "كم"٢ الخبرية غير هذا، مما يذكر في باب "كم"٣.
ولما ذكر أنواع البناء أخذ يذكر أنواع الإعراب، وهي أربعة: الرفع والنصب والجر والجزم.
وعن المازني أن الجزم ليس بإعراب، وهذه ثلاثة أقسام:
قسم يشترك فيه المعربان: الاسم المتمكن والفعل المضارع، وهو الرفع والنصب، تقول "زيدٌ يهابُ" و"إن زيدًا لن يهابَ".
وقسم يختص بالاسم وهو الجر: "مررتُ بزيد".
وقسم يختص بالفعل وهو الجزم نحو "لم يهبْ"٤.
وإلى هذا أشار بقوله:
والرفع والنصب اجعلن إعرابا
إلى آخره، وهو واضح.
"وإنما اختص الجر بالاسم؛ لأن كل مجرور مخبر عنه من جهة المعنى ولا يخبر إلا عن الاسم"٥، وإنما اختص الجزم بالفعل، ليكون فيه٦ كالعوض من الجر في الاسم.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ ب. ٣ قال المرادي في باب كم: " وأما الخبرية، فقيل: لشبهها بها -أي بالاستفهامية- وقيل: حملا على رب، وإن كانت للتقليل؛ لأن الشيء يحمل على نقيضه كما يحمل على نظيره"، قلت: والتقليل بالشبه الوضعي كاف في بنائها. ٤ أ، ج وفي ب "لم يذهب". ٥ أ، ج. ٦ أ، ب.
[ ١ / ٣١١ ]
وقيل غير ذلك، مما لا فائدة في ذكره هنا.
وقد أشار بقوله: "كما قد خصص"١ إلى علة تخصيص الفعل بالجزم ثم قال:
فارفع بضم وانصبن فتحا وجر كسرا كذكر الله عبده يسر
واجزم بتسكين
يعني: أن أصل الإعراب أن يكون بالحركات والسكون، فأصل الرفع أن يكون بضمة. وأصل النصب أن يكون بفتحة، وأصل الجر أن يكون بكسرة، وأصل الجزم أن يكون بالسكون، إذ لا حظ له في الحركات، فكان حظه حذفها.
وقد مثل الرفع والنصب والجر "ذكرُ اللهِ عبدَهُ يسُرّ".
ثم قال:
وغير ما ذكر ينوب
فأشار إلى أن الإعراب بغير ما ذكر من الحركات والسكون "نائب"٢ عن المذكور فينوب عن "الضمة"٣ الواو والألف والنون، وعن الفتحة الألف والياء والكسرة وحذف النون.
وعن الكسرة الياء والفتحة، وعن السكون حذف الحرف.
فللرفع أربع علامات، وللنصب خمس علامات، وللجر ثلاث علامات، وللجزم علامتان.
فهذه أربع عشرة علامة: أربعة أصول، وعشرة تنوب عن تلك الأصول، وسنذكر مواضع النيابة مفصلة إن شاء الله تعالى.
ثم مثل ما أعرب بغير ما ذكر عن طريق النيابة بقوله: "نحو جا أخو بني نمر" "فأخو" مرفوع بالواو نيابة عن الضمة، و"بني" مجرور بالياء نيابة عن الكسرة.
واعلم أن الغالب في الاسم، إما حركة، وفي الفعل إما حرف وإما حذف، فنيابة الحرف عن الحركة في الاسم تكون في ثلاثة مواضع:
الأسماء الستة، والمثنى، والمجموع على حده.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، ج وفي أ "نابت". ٣ أ، ب.
[ ١ / ٣١٢ ]
إعراب الأسماء الستة:
فبدأ بالأسماء الستة؛ لأن المفرد سابق١ "على المثنى"٢ والمجموع فقال:
وارفع بواو وانصبن بالألف واجرر بياء ما من الأسما أصف
أي الذي سأصفه لك من "الأسماء"٣ يعين الأسماء الستة.
واعلم أن في إعراب هذه الأسماء الستة عشرة مذاهب قد ذكرتها في غير هذا المختصر وأقواها مذهبان: أنا أذكرهما.
الأول مذهب سيبويه، والفارسي، وجمهور البصريين، أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف واتبع "فيها"٤ ما قبل الآخر للآخر.
فإذا قلت: "قام أبو زيد" فأصله أبو زيد. ثم اتبعت حركة "الباء"٥ لحركة الواو فصار أبو زيد، فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت.
وإذا قلت: "رأيت أبا زيد" فأصله أبو زيد. فقيل: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وقيل: ذهبت حركة الباء ثم حركت إتباعا لحركة الواو، ثم انقلبت الواو ألفا.
قيل: وهذا أولى "ليتوافق النصب مع الرفع"٦، والجر في الإتباع.
وإذا قلت: "مررتُ بأبي زيد" فأصله بأبَوِ زيد، فأتبعت حركة الباء بحركة الواو فصار بأبُوِ زيد، فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت كما حذفت الضمة، ثم قلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة كما قلبت في نحو "ميزان".
هذا "تقدير"٧ المذهب الأول. وذكر في التسهيل أنه الأصح٨.
_________________
(١) ١ فبدأ بالأسماء الستة لأنها أسماء مفردة، والمفرد سابق المثنى والمجموع؛ ولأن إعرابها على الأصل في الإعراب بالفرع من كل وجه. ا. هـ. أشموني ١/ ٢٨. ٢ أ، وفي ب، ج "للمثنى". ٣ أ، ج وفي ب "الأسماء الستة". ٤ أ، ب وفي ج "فيهما". ٥ ج وفي أ، ب "البناء". ٦ ب، ج وفي أ "ليتوافق الرفع مع النصب والجر". ٧ أ، ب وفي ج "تقدير". ٨ وإليه أميل، وراجع التسهيل ص٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
والثاني: مذهب قطرات والزيادي١، والزجاجي٢ من البصريين، وهشام٣ من الكوفيين في أحد "قوليه"٤ ومن وافقهم أن إعراب هذه "الأسماء"٥ بالأحرف المذكورة.
قال في شرح التسهيل: وهذا أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف٦.
قلت: ولكنه مستلزم للخروج عن الأصل، إذ أصل الإعراب أن يكون بالحركات ولعدم النظير، إذ ليس في المفردات ما يعرب بالحروف غير هذه الأسماء، ولبقاء "فيك" و"ذي مال" على حرف واحد؛ لأن الإعراب زائد فلا يوجد ذلك في المعربات إلا شذوذا بخلاف المذهب الأول.
فإن قلت: ظاهر كلامه هنا موافقة قطرب ومن ذكر معه في أن إعراب هذه الأسماء بالحروف.
قلت: يحتمل أن يكون وافق القائل بذلك هنا، ويحتمل أن يكون تسامح في جعله الإعراب بالأحرف، لكون الحركات هنا لا تظهر والحروف مفيدة ما تفيد
_________________
(١) ١ وهو إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد بن أبيه أبو إسحاق الزيادي: قال ياقوت الحموي: كان نحويا لغويا راوية، قرأ على سيبويه كتابه، ولم يتمه، وروى عن أبي عبيدة والأصمعي وكان يشبه به في معرفة الشعر ومعانيه، وكان شاعرا ذا دعابة وفرح، صنف النقط والشكل وشرح ثلث سيبويه، والأمثال، وغير ذلك. وله في جارية سوداء: ألا حبذا حبذا حبذا حبيب تحملت فيه الأذى ومات سنة ٢٤٩هـ تسع وأربعين ومائتين. ٢ هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، أصله من "نهاوند" ثم انتقل إلى بغداد ولزم أبا إسحاق إبراهيم الزجاج، حتى برع في النحو وإليه ينسب، وصنف كثيرا من الكتب، منها كتاب الجمل في النحو -صنف بمكة- والإيضاح في علل النحو، والكافي. توفي بطبرية سنة ٣٤٠هـ أربعين وثلاثمائة. ٣ هو أبو عبد الله هشام بن معاوية الضرير النحوي الكوفي، أحد أعيان أصحاب الكسائي. صنف كتاب مختصر النحو. وتوفي سنة ٢٠٩هـ تسع ومائتين. ٤ ب وفي أ، ج "قوله". ٥ أ، ج وفي ب "الأشياء". ٦ راجع الأشموني ١/ ٣١.
[ ١ / ٣١٤ ]
الحركات لو ظهرت، وأراد "بذلك"١ التقريب على المبتدئ، كما فعل كثير من المصنفين مع اعترافهم بصحة مذهب سيبويه.
ويؤيد حمله على التسامح نصه في التسهيل على أن إعرابها بالحركات هو الأصح وقوله:
من ذاك ذو إن صحبة أبانا
شرع في ذكر الأسماء الستة، وبدأ "بذو" لأنها لا تفارق الإعراب بالأحرف "وقيد إعرابها بأن تبين"٢ معنى الصحبة احترازا من "ذو" الموصولة في لغة طيئ٣ فإنها مبنية على "الأعرف"٤.
وقوله:
والفم حيث الميم منه بانا
يعني أن "الفم"٥ من الأسماء التي تعرب بالأحرف إن بانت٦ منه الميم أي: زالت وفارقت فتقول "هذا فوك. ورأيت فاك. ونظرت إلى فيك" وإن كان بالميم ففيه عشر لغات:
نقصه، وقصره، وتضعيفه، كل منها مع فتح الفاء أو كسرها أو ضمها، فهذه تسعة، والعاشرة، إتباع فائه لميمه وأفصحها "فتح"٧ فائه منقوصا.
وقوله:
أب أخ حم كذاك
أي: ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، والحم: هو أبو الزوج ونحوه من أقاربه وقد يطلق على أقارب الزوجة.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "بقوله". ٢ ج وفي أ "وقيدها بأن تفهم" وفي ب "وقيدها بأن تبين". ٣ من أشهر القبائل اليمنية وأعظمها شأنا، ومساكنها الجبلان في وسط نجد ومن أطيب بلاده، وكان لبلادهم شأن عظيم في حكم التجارة في شمال بلاد العرب. ٤ ج وفي أ، ب "الأعراب". ٥ ب، ج وفي أ "القسم". ٦ ب، ج وفي أن "وإن". ٧ أ، ب.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقوله: "وهن" أي كذلك، وأخره "لوقوع"١ الخلاف فيه، فإن الفراء أنكر إعرابه بالأحرف٢ وهو محجوج بنقل سيبويه، وأيضا فإن إعرابه بالأحرف قليل، والأحسن فيه التزام النقص، وهو حذف لامه، وجعل الإعراب على عينه "كيد" ومنه قوله ﵊: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهَنِ أبيه، ولا تكنوا" ٣ وإلى هذا أشار بقوله:
والنقص في هذا الأخير أحسن
أي: أحسن من الإعراب "بالأحرف"٤ وجرت عادة "كثير"٥ من النحويين أن "يذكروا"٦ "الهن" مع هذه الأسماء منبهين على قلة إعرابه بالأحرف، فيوهم ذلك "مساواته"٧ لَهُنَّ.
قال في شرح التسهيل: ومن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظي من الفضل بأوفر نصيب.
والهن: كناية عن اسم جنس، قال في الصحاح٨ كلمة كناية "ومعناها"٩ شيء.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "لوقع". ٢ أي: أنكر الفراء إتمامه، وهو محجوج بنقل سيبويه: الإتمام عن العرب، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ا. هـ. أشموني ١/ ٢٩. ٣ تعزى: انتمى وانتسب. عزاء الجاهلية: هو أن يقول الرجل: يا لفلان. ليخرج الناس معه للقتال في الباطل، أعضوه بهن أبيه: فعل أمر من أعض. أي: قولوا له: اعضض على قبل أبيك الذي تنتسب إليه، ولا تجيبوه استهزاء به. ولا تكنوا، لا تذكروا كناية الذكر وهي الهن، بل اذكروا اسمه الصريح. هو حديث صحيح عن أبي، رواه أحمد في مسنده، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الكبير. الشاهد: في "الهن" فإنه استعمل منقوصا معربا بالحركات الظاهرة. وإذا استعمل الهن غير مضاف كان منقوصا بالإجماع. ٤ ب، ج. ٥ ب، ج وفي أ "كثيرة". ٦ ب، ج وفي أ "يذكر". ٧ ب وفي أ، ج "مساوة". ٨ هو كتاب للجوهري رتبه في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على حسب حروف المعجم وترتيبها ٢/ ٥٦٧. ٩ ب وفي أ، ج "معناه".
[ ١ / ٣١٦ ]
فتقول: "هذا هنك" أي: شيئك. وقال ابن الدهان١: هو كناية عما "يقلل"٢ وكثرة الكناية به عن الفرج.
ثم قال:
وفي أب وتالييه يندر
أي: يندر التزام النقص في "أب" وتالييه. وهما: أخ وحم.
ومنه قوله٣:
بأبه اقتدى عدى في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
فالوجه الراجح في "هن" هو المرجوح في "أب" وتالييه.
_________________
(١) ١ هو سعيد بن المبارك، المعروف بابن الدهان. قال ياقوت: من أهل واسط، قدم بغداد فأقام بها وقرأ على هبة الله، وكان مولده سنة أربع وتسعين وأربعمائة في ليلة الجمعة حادي عشرين رجب، وكان إماما في النحو، وصنف شرح الإيضاح في أربعين مجلدة وشرح اللمع لابن جني في عدة مجلدات، والدروس في النحو، وغير ذلك، وتوفي بالموصل ليلة عيد الفطر سنة ٥٦٩ تسع وستين وخمسمائة. ٢ أ، ب وفي ج "يتعلل". ٣ البيت لرؤبة بن العجاج يمدح عدي بن حاتم، وهو من الرجز المسدس. الشرح: "بأبه اقتدى عدي": أراد به عدي بن حاتم الطائي وهو صحابي جليل. "الظلم" وضع الشيء في غير محله، وهذا البيت نظم فيه الشاعر المثل السائر: "من أشبه أباه فما ظلم". المعنى: أن عدي بن حاتم اقتدى بأبيه حاتم الطائي في الجود والكرم، فمن يشابه أباه، ويحاكيه في صفاته فما ظلم في هذا الاقتداء؛ لأنه أتى بالصواب ووضع الشيء في محله. الإعراب: "بأبه" جار ومجرور متعلق باقتدى. "اقتدى عدي" فعل وفاعل "في الكرم" جار ومجرور متعلق باقتدى أيضا "ومن" اسم شرط "يشابه" فعل مضارع فعل الشرط وفاعله مستتر فيه "أبه" مفعول به ومضاف إليه "فما" الفاء واقعة في جواب الشرط وما نافية "ظلم" فعل ماض فاعله مستتر فيه، والجملة في محل جزم جواب الشرط. الشاهد فيه: هو أن الأب قد استعمل فيه في الموضعين بحذف اللام معربا بالحركات، فهذا لغة العرب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٢، ابن عقيل ١/ ٢٢، وابن دواد، والسندوبي، والاصطنهاوي، والمكودي ص١١، وابن هشام ١/ ٢٢، والسيوطي في شرحه ص٩، وفي همع الهوامع ١/ ٢٩.
[ ١ / ٣١٧ ]
وأنكر بعضهم نقص "حم" وقد حكاه الفراء، وحكى أبو زيد١ نقص أخ. ثم ذكر لغة ثالثة في أب وتالييه فقال:
وقصرها من نقصهن أشهر
يعني أن القصر في "أب" وتالييه، وهو التزام الألف مطلقا، وجعل الإعراب بالحركات المقدرة "في الألف"٢ أشهر من النقص فيها.
أما قصر الحم فكثير، ومن قصر الأب قول الراجز٣:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في لمجد غايتاها
_________________
(١) ١ هو: سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن الخزرج أبو زيد الأنصاري، كان إماما نحويا صاحب تصانيف أدبية لغوية. قال السيرافي: كان أبو زيد يقول كما قال سيبويه. ومن تصانيفه: لغات القرآن، وغريب الأسماء، وغير ذلك، توفي سنة ٢١٥ خمس عشرة ومائتين، وقيل: أربع عشرة، عن ثلاث وتسعين سنة بالبصرة. ٢ أ، ب. ٣ البيت: نسبه العيني لأبي النجم العجلي. ونسبه الجوهري لرؤبة بن العجاج ونسبه أبو زيد في نوادره لبعض أهل اليمن، والبيت من الرجز. الشرح: "إن أباها" أي: أبا "ريا" لأن قبله: واها لريا ثم واها واها هي المنى لو أننا نلناها "المجد": الكرم والمراد "بالغايتين" المبتدأ والنهاية والضمير في "غايتاها" للمجد وأنث باعتبار المنزلة. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب "أباها" اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على الألف. ويحتمل أن يكون منصوبا بالألف نيابة عن الفتحة كما هو المشهور، "وأبا" معطوف على اسم إن، "أباها": مضاف إليه. "قد" حرف تحقيق "بلغا" فعل ماض وألف الاثنين فاعله. والجملة في محل رفع خبر إن "في المجد" جار ومجرور متعلق بالفعل قبله "غايتاها" مفعول به لبلغ على لغة من يلزم المثنى الألف. الشاهد: لزوم الألف في "أباها" على لغة القصر في الأسماء الستة، وهو صريح في "أبا" الثالثة؛ لأنه مضاف إليه. أما الأولى والثانية فبالقرينة؛ لأن التلفيق في اللغات بعيد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٣، وابن عقيل ١/ ٢٣، والشاطبي، والسندوبي، والأشموني ١/ ٢٩، وابن هشام ١/ ٣٣، وفي المغني ١/ ١١١، والسيوطي في شرحه للألفية ص٩، وفي همع الهوامع ١/ ٣٩، وفي شرح المفصل لابن يعيش ١/ ٥٣، وفي خزانة الأدب رقم ٥٥٩، والإنصاف ١/ ١١.
[ ١ / ٣١٨ ]
ومن قصر الأخ قولهم: "مكره أخاك لا بطل"١.
تنبيهات:
الأول: قد اتضح بما ذكر في هذه الأرجوزة أن الأسماء الستة على ثلاثة أقسام:
قسم ليس فيه إلا لغة واحدة وهو الإعراب بالأحرف، وذلك "ذو" بمعنى صاحب و"فم" بلا ميم.
وقسم فيه لغتان: النقص ثم الإعراب بالأحرف وهو "هن".
وقسم فيه ثلاث لغات: الإعراب بالأحرف ثم القصر ثم النقص، وهو: "أب وأخ وحم".
الثاني: زاد في التسهيل في "أب" التشديد فيكون فيه أربع لغات، وفي "أخ" التشديد، و"أخو" بإسكان الخاء، فيكون فيه خمس لغات، وفي حم حموا كقرو، وحمئا كقرء٢ وحمأ كخطأ.
فيكون فيه ست "لغات"٣، ٤.
الثالث: مذهب سيبويه أن "ذو" بمعنى صاحب وزنها فعل بالتحريك، ولامها ياء.
_________________
(١) ١ ورد هذا في مجمع الأمثال ج٢ ص٣٠٨ رقم ٤١١٧ وقال هذا من كلام أبي حنش خال بيهس الملقب بنعامة، حين قال له خاله وقد بلغه أن ناسا من أشجع في غار يشربون وهم قاتلون إخوته: هل لك في غار فيه ظباء؟ لعلنا نصيب منها، وانطلق به حتى أقامه على فم الغار، ثم دفعه في الغار فقال ضربا أبا حنش. فقال بعضهم: إن أبا حنش لبطل. فقال أبو حنش: مكره أخاك لا بطل. يريد أنه محمول على ذلك لا أن في طبعه شجاعة. يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه. الشاهد: في "أخاك" فإنه مقصور معرب بالحركات المقدرة على الألف. ٢ القرو -بفتح القاف وسكون الراء وبالواو- يطلق على القصد والتتبع وقدح من خشب، والقرء -بفتح القاف وسكون الراء- وبالهمز يطلق على الجمع والحيض والطهر وقد تضم قافه. ٣ ب. ٤ راجع التسهيل لابن مالك ص٨.
[ ١ / ٣١٩ ]
ومذهب الخليل أن وزنها فَعْل -بالإسكان- ولامها واو، فهي من باب قوة١.
وقال ابن كيسان٢: محتمل للوجهين جميعا.
وفوك: وزنه عند الخليل وسيبويه فَعْل -بفتح الفاء وإسكان العين- وأصله فوه ولامه هاء.
وذهب الفراء إلى "أن"٣ وزنه فُعل بضم الفاء.
وأب وأخ وحم وهن وزنها عند البصريين فَعَل -بالتحريك- "ولاماتها"٤ واو بدليل تثنيتها بالواو.
وذهب بعضهم إلى أن لام "حم" ياء من الحماية؛ لأن أحماء المرأة يحمونها وهو مردود بقولهم في التثنية حموان، وفي إحدى لغاته حمو.
وذهب الفراء إلى أن وزن "أب وأخ وحم" فعل -بالإسكان- ورد عليه بسماع "قصرها"٥ وبجمعها على أفعال.
وأما "هَنٌ" فقال بعضهم لا أعرف ما يدل على أن أصله التحريك، واستدل الشارح على ذلك بقولهم: "هنة وهنوات"٦ وقد استدل "به"٧ بعض شراح
_________________
(١) ١ ما عينه ولامه واو بقطع النظر عن حركة الفاء وأصله ذوو، حذفت الثانية اعتباطا ونقلت حركة الإعراب إلى الواو الأولى. ا. هـ. صبان ١/ ٦٥. ٢ هو محمد بن إبراهيم بن كيسان النحوي. قال الخطيب: كان يحفظ المذهب البصري والكوفي في النحو؛ لأنه أخذ عن المبرد وثعلب، وكان أبو بكر بن مجاهد يقول: إنه أنحى منهما، وكان يجتمع على بابه نحو مائة رأس من الدواب للرؤساء والأشراف الذين يقصدونه. ومن تصانيفه: ١ المهذب في النحو.
(٢) والمختار في علل النحو.
(٣) وما اختلف فيه البصريون والكوفيون، وغير ذلك. قال الخطيب: مات لثمان خلون من ذي القعدة سنة ٢٩٩هـ تسع وتسعين ومائتين. ٣ ب. ٤ أ، ج وفي ب "ولامها". ٥ أ، ب وفي ج "قصر". ٦ راجع الشارح ص١٢. ٧ في نسخة "ج".
[ ١ / ٣٢٠ ]
الجزولية١ واعترض ابن إياز٢ بأن فتحة النون في "هنة" تحتمل أن تكون لها التأنيث، وفي "هنوات" لكونه مثل "جفنات" ففتح لجمعه بالألف والتاء، وإن كانت العين ساكنة في الواحد، وقد حكى بعضهم في جمعه "أهناء" فبه "يستدل"٣ على أن وزنه فَعَل بالتحريك. وهذا موضع اختصار٤.
ثم أشار إلى شرط إعراب هذه الأسماء بالأحرف المذكورة فقال:
وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا لليا كجا أخو أبيك ذا اعتلا
فاحترز: مما لم يضف منها نحو "أب" فإنه يعرب بحركات ظاهرة، وكلها تفرد إلا "ذو" فإنها ملازمة للإضافة.
وإذا أفرد "فوك" عوض من واوه ميم، وقد ثبتت الميم في الإضافة كقوله٥:
_________________
(١) ١ ألف الجزولية أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي، وجزولة بطن من البربر، وكان إماما في العربية لا يشق غباره مع جودة التفهيم وحسن العبارة، ولزم ابن بري بمصر وأخذ عنه العربية جماعة: منهم الشلوبين وابن معط، وله حاشية على الجمل للزجاجي، ومات سنة ٦٠٧هـ سبع بعد الستمائة. ٢ هو الحسين بن بدر بن إياز بن عبد الله أبو محمد العلامة جمال الدين، كذا ساق نسبه ابن رافع في تاريخ بغداد، وقال: كان أوحد زمانه في النحو والتصريف، قرأ على التاج الأرموي. وله شرح الضروري لابن مالك، والإسعاف في مسائل الخلاف، والمحصول في شرح الفصول لابن معط، توفي ببغداد سنة ٦٨١هـ إحدى وثمانين بعد الستمائة. ٣ ب، ج. وفي أ "سبتدل". ٤ راجع الأشموني ١/ ٣٠. ٥ قائله: رؤبة العجاج، وهو من قصيدة طويلة موجزة. وصدره: كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه الشرح: "يلهمه" أي يبتلعه من اللهام فعال من لهمت الشيء ألهمه إذا ابتلعه، ومنه سمي الجيش لهاما. ظمآن: أي عطشان. وفي مجمع الأمثال ج٢ ص٤٢١ رقم ٤٧١٣ "يضرب لمن عاش بخيلا مثريا". الإعراب: يصبح: فعل مضارع ناقص وفمه ضمير مستتر يعود إلى الحوت وهو اسمه "ظمآن" خبره "وفي البحر فمه" الواو للحال والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. فمه: مبتدأ مؤخر. والهاء مضاف إليه. والجملة في محل نصب على الحال. =
[ ١ / ٣٢١ ]
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
ولا تختص بالضرورة خلافا لأبي عليّ١، ولقوله ﵊: "لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" ٢.
واحترز مما أضيف منها إلى ياء المتكلم، فإنه يعرب بحركات مقدرة "نحو"٣: "هذا أخي" وكلها تضاف إلى الياء إلا "ذو" فإنها لا تضاف إلى مضمر، وإنما تضاف إلى اسم جنس ظاهر غير صفة وما خالف ذلك فهو نادر٤.
ويشترط في إعراب هذه الأسماء بالأحرف مع الشرطين المذكورين شرطان آخران:
_________________
(١) = الاستشهاد فيه: "فمه" حيث أثبت الشاعر الميم في حالة الإضافة وليس ذلك لضرورة خلافا لأبي عليّ: قال أبو عليّ في البغداديات: "قد اضطر الشاعر فأبدل من العين الميم في الإضافة كما أبدلها منها في الإفراد فقال: وفي البحر فمه. وهذا الإبدال في الكلام إنما هو في الإفراد دون الإضافة، فأجرى الإضافة مجرى المفرد في الشعر للضرورة هذا كلامه". ا. هـ. خزانة الأدب ٢/ ٢١٦. أقول: ولا التفات إلى قوله: بدليل الحديث. مواضعه: ذكره في شرح الألفية للأشموني ١/ ٣١، وابن مالك في التسهيل ص٩، والشاهد رقم ٣٢٥ في خزانة الأدب، والسيوطي في همع الهوامع ج١ ص٤٠، ومجمع الأمثال. ١ هو: الحسن بن أحمد الإمام أبو عليّ الفارسي النحوي المشهور، وكان واحد زمانه في علم العربية. أخذ عنه الزجاج وابن السراج، وبرع في طلبته جماعة كابن جني وعليّ بن عيسى وغيرهما، وكان متصلا بعضد الدولة حتى كان يقول: أنا غلام أبي عليّ في النحو. ومن مؤلفاته العظيمة كتاب الحجة في التعليل لقراءات القرآن. وتوفي ببغداد سنة ٣٧٧هـ سبع وسبعين وثلاثمائة. ٢ "لخلوف" بضم الخاء وقد تفتح ولكن الفتح لغة شاذة كما في تحفة ابن حجر بل قيل: خطأ: تغير رائحة الفم من أثر الصيام لخلو المعدة من الطعام. "أطيب عند الله إلخ": كناية عن تقريب الله تعالى الصائم من رضوانه وعظيم نعمه، وهو حديث صحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد معا، ورواه أحمد في مسنده ومسلم والنسائي والبخاري. ٣ ب، ج وفي أ "ونحوه". ٤ كإضافته إلى العلم في نحو: "أنا الله ذو بكة" وإلى الجملة نحو: "اذهب بذي تسلم" أي: اذهب في وقت صاحب سلامة، وفي نكت السيوطي أن إضافته إلى العلم قليلة وإلى الجملة شاذة، وفي يس أنه أضيف إلى الضمير شذوذا. ا. هـ. صبان ١/ ٦٦.
[ ١ / ٣٢٢ ]
أن تكون مفردة، فإن ثنيت أو جمعت أعربت إعراب المثنى والمجموع وأن تكون مكبرة، فإن صغرت أعربت بالحركات.
فإن قلت: فقد أهمل هذين الشرطين.
قلت: قد علق الحكم على ما لفظ به، وقد لفظ بها مفردة مكبرة، فاكتفي بذلك.
ثم مثل ما أضيف إلى غير الياء بقوله: "جاء أخو أبيك ذَا اعتلا" وهو واضح.
إعراب المثنى:
ثم انتقل إلى الموضع الثاني من مواضع نيابة "الحرف عن الحركة"١ فقال:
بالألف ارفع المثنى وكلا
المثنى: هو الاسم الدال على اثنين في زيادة في آخره "صالحة"٢ للتجريد وعطف مثله عليه كقولك: "زيدان ورجلان" فإنه يصلح فيهما ذلك نحو "زيد وزيد ورجل ورجل".
وللتثنية ثمانية شروط:
الأول: الإفراد، فلا يجوز تثنية المثنى والمجموع على حدة ولا الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اتفاقا، وأما غيره من جموع التكسير فظاهر كلام المصنف جواز تثنيته.
وقال غيره: إن تثنية الجمع واسم الجنس غير مقيسة.
الثاني: الإعراب، فلا يثنى المبني، وأما قولهم: "منان ومنَيْن" فليست الزيادة فيهما للتثنية بل للحكاية يدل على ذلك "حذفهما"٣ وصلا، وأما "يا زيدان ولا
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "الحرف عن الحركات". ٢ ج وفي أ، ب "صالحا". ٣ ب، ج وفي أ "حذفها".
[ ١ / ٣٢٣ ]
رجلين" فإنما ثني قبل البناء، وأما "هذان واللذان" ونحوهما فصيغ وضعت للمثنى، "وليست"١ من المثنى الحقيقي عند المحققين.
الثالث: عدم التركيب، فلا يثنى المركب تركيب إسناد اتفاقا، وكذا ما في حكمه كأنما مسمى به، واختلف في تثنية المركب تركيب مزج نحو: "بعلبك وسيبويه" وصحح أكثرهم المنع لشبهه بالمحكي ولعدم السماع.
وأما الأعلام المضافة نحو: "أبي بكر" فيستغنى فيها بتثنية المضاف "وجمعه"٢ عن تثنية المضاف إليه وجمعه، وأجاز الكوفيون تثنيتهما "معا"٣ وجمعهما "معا"٤ فتقول: "أبَوا البكرين وآباء البكرين".
الرابع: التنكير. فلا يثنى العلم باقيا على علميته، بل إذا أريد تثنيته قدر تنكيره، ولذلك لا تثنى الكنايات عن الأعلام نحو "فلان وفلانة" فإنها لا تقبل التنكير.
الخامس: أن يكون قابلا لمعنى التثنية. فلا تثنى الأسماء الواقعة على ما لا ثاني له في الوجود "كشمس وقمر" إذا قصدت الحقيقة.
السادس: اتفاق اللفظ، وأما نحو: "القمرين" في الشمس والقمر فمن باب التغليب٥.
السابع: اتفاق المعنى، فلا يجوز تثنية المشترك والحقيقة والمجاز، هذا مذهب أكثر المتأخرين. قال في شرح التسهيل: والأصح الجواز، وممن صرح بجواز ذلك أبو بكر بن الأنباري٦.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج"وليس". ٢ ب، ج. ٣ ج. ٤ ب. ٥ قال السيوطي في الهمع ١/ ٤١ "وهذا النوع مسموع يحفظ ولا يقاس عليه". ا. هـ. ٦ هو الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن الحسن الأنباري النحوي اللغوي. قال الزبيدي: كان من أعلم الناس بالنحو على مذهب الكوفيين وبالأدب وأكثرهم حفظا للغة، وكان ممن يرى القياس في النحو ويقول: النحو كله قياس ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو. وتوفي ابن الأنباري ليلة النحر سنة ٣٢٧هـ سبع وعشرين وثلاثمائة ببغداد.
[ ١ / ٣٢٤ ]
الثامن: ألا يستغنى بتثنية غيره عن تثنيته نحو: "سواء" فإن أكثرهم لا يثنيه استغناء بتثنية سي فقالوا: "سيان" ولم يقولوا: "سواءان" على أن أبا زيد حكاه عن العرب.
وما أعرب إعراب المثنى وهو مخالف لمعناه بقصد التكثير نحو: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ١.
أو الإفراد نحو: "البحرين" أو موافق له ولم يصلح للتجريد نحو: "اثنين واثنتين".
أو صلح للتجريد وعطف مباينه عليه لا عطف مثله نحو: "القمرين" في الشمس والقمر، و"العمرين" في أبي بكر وعمر. فهو ملحق بالمثنى.
وقد أشار في النظم إلى أربعة ألفاظ الحقت بالمثنى فأعربت إعرابه، وليست من المثنى حقيقة وهي "كلا، وكلتا، واثنان، واثنتان".
أما "كلا وكلتا" فهما اسمان "مفردا اللفظ مثنيا المعنى"١ بدليل الإخبار عنهما بالإفراد تارة مراعاة للفظ وبالتثنية تارة مراعاة للمعنى وقد اجتمع الأمران في قوله٣:
كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
_________________
(١) ١ سورة الملك: ٤. ٢ أ، ج وفي ب "مفردان في اللفظ مثنيان في المعنى". ٣ البيت قائله الفرزدق، وهو من البسيط. الشرح: "كلاهما" يعني كلا الفرسين، "حين جرى الجري" أي حين اشتد الجري وقوي بين الفرسين. وهذا من الإسناد المجازي، وأصله جدا في الجري، أي: اجتهدا فيه، "قد أقلعا" أي: قد كفا عنه. "رابي" اسم فاعل من ربا يربو ربوا، وهو النفس العالي، وربا الفرس إذا انتفخ من عدو أو فزع. الإعراب: "كلاهما" مبتدأ ومضاف إليه. "حين": ظرف متعلق بأقلعا "جد الجرى": فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة حين إليها "بينهما" ظرف متعلق بجد "أقلعا" فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "وكلا" الواو للحال. كلا: مبتدأ "أنفيهما" مضاف إليه "رابي" خبر المبتدأ وهو اسم فاعل فيه ضمير مستتر. الاستشهاد فيه: في موضعين. الأول: أنه اعتبر معنى "كلا" وثنى الخبر حيث قال "قد أقلعا"، والثاني: أنه اعتبر لفظ "كلا" ووحد الخبر حيث قال "رابي". مواضعه. ذكره ابن الناظم في شرحه للألفية ص١٤، والأشموني أيضا ١/ ٣٣، وابن هشام في المغني ١/ ١٧٢، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٦٤، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٤١، والخصائص ١/ ٤٢١، ٣/ ٣١٤. وقيل: هذا البيت قيل في ابنة جرير وبعلها تندرا.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ولكونهما مفردي اللفظ مثنى المعنى، أعربا إعراب المفرد في موضع "وأعربا"١ إعراب المثنى في موضع. فأعربا مع الظاهر إعراب "المفرد"٢ المقصور بحركات مقدرة، ومع المضمر إعراب المثنى بالألف رفعا وبالياء جرا ونصبا.
ولما كان الإعراب بالحروف فرعا عن الإعراب بالحركات، والإضافة إلى المضمر فرعا عن الإضافة إلى المظهر، جعل الفرع مع الفرع والأصل مع الأصل "تحصيلا لكمال المناسبة"٣.
وإلى هذا أشار بقوله:
إذا بمضر مضاف وصلا
أي: إذا وصل "كلا" بمضمر حال كونه مضافا إلى ذلك المضمر، فمضافا حال من الضمير المستكن في وصل وهو ضمير "كلا".
وقوله: "كلتا كذاك" يعني مثل "كلا" في أن إعرابها إعراب المثنى مشروط بالإضافة إلى الضمير.
تنبيهات:
الأول: حكى الفراء "كلا وكلتا" ثلاث لغات:
الأولى: أن يعربا مع الظاهر إعراب المقصور ومع المضمر إعراب المثنى كما "تقدم"٤.
والثانية: أن يعربا إعراب المثنى مع الظاهر والمضمر ونسبها إلى كنانة.
والثالثة: أن يعربا إعراب المقصور مع النوعين أيضا وجعل من ذلك قول بعضهم: "كلاهما وتمرا"٥، ٦ بالألف.
_________________
(١) ١ ب وفي "أ "أعرب" فيهما. ٢ ب، ج وفي أ "المقدر". ٣ أ. ٤ أ، ب. ٥ ب، ج وفي أ "تمرات". ٦ قال سيبويه ١/ ١٤٢ "ومن ذلك قول العرب: كليهما وتمرا، فهذا مثل قد كثر في كلامهم واستعمل وترك ذكر الفعل لما كان قبل ذلك من الكلام كأنه قال: أعطني كليهما وتمرا =
[ ١ / ٣٢٦ ]
الثاني: ما تقدم من أن "كلا وكلتا" "مفردا اللفظ مثنيا المعنى"١ هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنهما من قبيل المثنى لفظا ومعنى.
ويرده أمور منها الإخبار عنهما بالمفرد في الكلام الفصيح كما تقدم.
وزعم البغداديون: أن "كلتا"٢ قد نطق لها بمفرد في قول الراجز:
في كلت رجليها سلامى واحدة٣
_________________
(١) = ومن العرب من يقول: كلاهما وتمرا كأنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا". وفي مجمع الأمثال للميداني رقم ٣٠٧٩ "كلاهما وتمرا، ويروى: كليهما" أول من قال ذلك عمرو بن حمران الجعدي جعله أبوه راعيا يرعى له الإبل فبينما هو يوما يرعى إذ رفع إليه رجل قد أضر به العطش واللغوب، وعمرو قاعد وبين يديه زبد وتمر وتامك -السنام- فدنا منه رجل فقال: أطعمني من هذا الزبد والتامك، فقال عمرو: نعم، كلاهما وتمرا، فأطعم الرجل حتى انتهى وسقاه لبنا حتى روي فذهبت كلمته مثلا، ورفع "كلاهما" أي: لك كلاهما، ونصب تمرا على معنى أزبدك تمرا. ومن روى كليهما فإنما نصبه على معنى: أطعمك كليهما وتمرا ا. هـ. ملخصا. ١ أ، ج وفي ب "مفردان في اللفظ مثنيان في المعنى". ٢ ج وفي أ، ب "كلا". ٣ قال العيني: قائله راجز من الرجاز لم أقف على اسمه -يصف نعامة- من الرجز المسدس. وتمامه: كلتاهما مقرونة بزائده. الشرح: "في كلت رجليها" الضمير عائد على النعامة أي: في إحدى رجليها "سلامى" بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم على وزن حبارى هي العظام التي تكون بين كل مفصلين من مفاصل الأصابع من اليد والرجل. "كلتاهما" الضمير للرجلين. "مقرونة بواحدة" أي: من السلاميات، وروى "قد قرنت" مكان "مقرونة"، "وفي كلت" خبر مقدم، "سلامى" مبتدأ مؤخر، "زائده" صفة. ويروى البيت: في كلت رجليها سلامى زائده كلتاهما مقرونة بواحده الإعراب: "في "كلت" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "رجليها" مضاف إلى كلت "سلامى" مبتدأ مؤخر "واحده" نعت لسلامى "كلتاهما" مبتدأ "مقرونة" خبر المبتدأ "بزائده" جار ومجرور متعلق بمقرونة. الشاهد: في كلت رجليها، استدل به البغداديون على أن "كلت" تجيء للواحدة و"كلتا" للمثناة. =
[ ١ / ٣٢٧ ]
وليس بصحيح، بل أراد "في كلتا" فحذف الألف للضرورة.
الثالث: "كلا" عند البصريين فعل نحو معي "وألفها"١ عن واو بدليل إبدالها "تا" في "كلتا" وقيل عن ياء لقول سيبويه: إنه لو سمي بها وثنيت لانقلبت ياء، ووزن "كلتا" فعلى كذكرى وألفها للتأنيث والتاء بدل "من"٢ لام الكلمة، وهو إما واو٣ وهو اختيار ابن جني أو ياء٤ وهو اختيار أبي عليّ، وذهب الجرمي٥ إلى أن التاء زائدة للتأنيث وهو ضعيف، لأن تاء التأنيث لا تقع حشوا ولا بعد ساكن غير الألف.
الرابع: المنقول عن البصريين أن قلب ألف كلا وكلتا مع المضمر "ياء"٦ ليس هو للعامل٧ وإنما هو بالحمل على "لدى وعلى" وذلك لأنهما ملازمان للإضافة فأشبها في النصب "لدى" وأشبها في الجر "على" ففعلوا "بكلا وكلتا" في النصب والجر، ما فعلوا بلدى وعلى فقلبوا ألفها ياء، إذا أضيفا إلى مضمر،
_________________
(١) = وفي مختار الصحاح ص٦٠٤ في كلتا: وقال الفراء هو مثنى ولا يتكلم منه بواحد ولو تكلم به لقيل: كل وكلت وكلان وكلتان واحتج بقول الشاعر: في كلت رجليها سلامى واحده أي في إحدى رجليها وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة والألف في الشعر محذوفة للضرورة، والدليل على كونه مفردا قول جرير: كلا يومي أمامة يوم صد. أنشدنيه أبو عليّ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الشاطبي والأشموني ١/ ٣٢ وذكره السيوطي في همع الهوامع ج١ ص٤١، والشاهد رقم ١٣ من خزانة الأدب، والإنصاف ٢/ ٢٦٠، ٢٦٣. ١ ب، وفي أ، ج "ألفه". ٢ ب، وفي أ، ج "عن". ٣ وأصلها "كلوى". ٤ وإنما قلبت تاء لتأكيد التأنيث. ٥ هو: أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي البصري، مولى جرم بن ربان، وجرم من قبائل اليمن. قال الخطيب: كان فقيها عالما بالنحو واللغة، دينا ورعا، قدم بغداد وأخذ عنه الأخفش ويونس والأصمعي وحدث عنه المبرد قال: كان الجرمي في زمانه. وله كتاب: الأبنية ومختصر في النحو، ومات سنة ٢٢٥هـ خمس وعشرين ومائتين. ٦ ب. ٧ أ، ب وفي ج "العامل".
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولم يقلبوها إذا أضيفا إلى ظاهر١ كما أن ألف "لدى وعلى" لا تقلب مع الظاهر.
وأما الرفع فبقيت الألف مع الظاهر والمضمر؛ لأنها لم تشبه في الرفع ما تنقلب ألفه.
قال الخليل: ومن لا يقلب ألف "لدى وعلى" إذا أضيفا إلى المضمر، يقول: "رأيت كلاهما أو مررت بكلاهما" فيجعلهما من المضمر على حالهما مع الظاهر، وضعف الناظم "إعراب"٢ هذا المذهب، وجعل "إعرابها"٣ بالحرفين كالمثنى، واستدل بلغة كنانة.
وأما "اثنان واثنتان" فيعربان إعراب المثنى بلا شرط، ولذلك شبههما بما هو مثنى حقيقة لئلا يتوهم أنهما مثل "كلا وكلتا" في اشتراط الإضافة إلى المضمر.
فقال:
اثنان واثنتان كابنين وابنتين يجريان
أي: يجريان مجرى ابنين وابنتين بلا شرط، ثم قال:
وتخلف اليا في جميعها الألف جرا ونصبا
يعني أن الياء تخلف الألف. أي: تحل محلها في جميع ما تقدم وهو المثنى والألفاظ الملحقة به جرا ونصبا نحو: "مررت بالزيدين، ورأيت الزيدين".
وقدم الجر لأن النصب محمول عليه في الياء التي هي أخت الكسرة، وإنما حمل عليه لاشتراكهما في أن كلا منهما فضلة، ولهذا لم يحمل على الرفع؛ لأنه عمدة وقوله:
بعد فتح قد ألف
_________________
(١) ١ قال السيوطي في الهمع ١/ ٤٠: "وبعض العرب يجريهما مع الظاهر مجراهما مع المضمر في الإعراب بالحرفين وعزاها الفراء إلى كنانة". ٢ أ، ب. ٣ ب، ج وفي أ "إعرابها".
[ ١ / ٣٢٩ ]
سبب فتح ما قبل هذه الياء الإشعار بأنها خلقت الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
تنبيهات:
الأول: في المثنى وما ألحق به لغة أخرى وهو لزوم الألف رفعا ونصبا وجرا، وهي لغة بني الحارث بن كعب١ وقبائل أخر، وأنكرها المبرد٢ وهو محجوج بنقل الأئمة٣ "وهو"٤ أحسن ما خرج عليه قراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٥.
الثاني: مذهب الناظم أن إعراب المثنى والمجموع على حدة بالحروف كما هو ظاهر كلامه في النظم، وصرح بذلك في التسهيل، وهو مذهب قطرب وطائفة من المتأخرين، ونسب إلى الزيادي والزجاجي. قيل: وهو مذهب الكوفيين٦.
وذهب سيبويه٧ ومن تبعه إلى أن الإعراب مقدر في الألف والياء فتقدر في الألف الضمة، وفي الياء الفتحة والكسرة، فإعراب المثنى عندهم بالحركات. وفي إعراب المثنى مذاهب لا نطول بذكرها.
_________________
(١) ١ من أشهر القبائل اليمنية وأعظمها شأنا إبان ظهور الإسلام، وكانت تسكن نجران. شهرت بالغنى والجمال والقوة. ٢ هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأودي إمام العربية ببغداد في زمانه، أخذ عن الجرمي والمازني وقرأ عليهما كتاب سيبويه، وكان غزير العلم حسن المحاضرة فصيحا بليغا ثقة، صاحب نوادر، وقيل في سبب تلقيبه بالمبرد: إن المازني حين صنف كتابه "الألف واللام" سأل المبرد عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب فقال له: قم فأنت المبرد -أي المثبت للحق- فحرفه الكوفيون وفتحوا الراء، وله مؤلفات منها: الكامل في الأدب، والمقتضب في النحو من ستة أجزاء مخطوطة بدار الكتب، وشرح شواهد الكتاب. ومات سنة ٢٨٦هـ ست وثمانين ومائتين في خلافة المعتضد ودفن بالكوفة. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٣. ٤ أوفي ب، ج "هي". ٥ سورة طه ٦٣ "قراءة نافع". ٦ وإليه أميل. ٧ ج١ ص٤ الكتاب، وقوله ظاهر في أن الألف والياء حرفا إعراب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
المجموع على حد المثنى:
ثم انتقل إلى الموضع الثالث من مواضع النيابة١ وهو المجموع على حد المثنى فقال:
وارفع بواو وبيا اجرر وانصب سالم جمع عامر ومذنب
لما كان الجمع على قسمين: جمع تكسير، وهو ما تغير فيه بناء واحده لفظا أو تقديرا،
وجمع سلامة، وهو خلافه.
احترز عن جمع التكسير بقوله: "سالم جمع".
ثم السالم قسمان: مذكر ومؤنث.
فاحترز عن المؤنث بإضافة الجمع إلى المذكر، أعني "عامرا ومذنبا" فالذي يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء هو جمع المذكر السالم.
وهو قسمان: اسم، وصفة.
فالاسم لا يجمع هذا الجمع إلا بأربعة شروط: الذكورية والعلمية والعقل والخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في نحو: "عدة وثبة" علمين.
والصفة لا تجمع هذا الجمع إلا بأربعة "شروط"٢: الذكورية والعقل والخلو من تاء التأنيث وقبول تاء التأنيث عند قصد معناه.
"واحترزت"٣ بهذا الأخير من فعلان فعلى نحو: سكران وأفعل فعلاء٤ نحو أحمر، وما اشترك فيه المذكر والمؤنث نحو: "صبور" فلا يجمع شيء من ذلك بالواو والنون لعدم قبوله لتاء التأنيث.
فمثال الاسم "الذي"٥ اجتمعت فيه الشروط "عامر" فتقول: "جاء العامريون ورأيت العامريين ومررت بالعامريين".
_________________
(١) ١ أوفي ب، ج "نيابة الحرف". ٢ ب، ج. ٣ أ، ج وفي ب "واحترز". ٤ في "أ" أفعل فعلى. ٥ أ، ب وفي ج "التي".
[ ١ / ٣٣١ ]
ومثال الصفة التي اجتمعت فيها الشروط "مذنب" فتقول: "جاء المذنبون ورأيت المذنبين ومررت بالمذنبين".
وقد اكتفى الناظم بالمثالين عن ذكر هذه الشروط طلبا للاختصار، وأشار للقياس عليهما بقوله: "وشبه ذين".
فشبه عامر كل اسم مذكر "علم"١ عاقل خال من تاء التأنيث، وشبه مذنب: كل وصف مذكر عاقل خال من تاء التأنيث: قابل لتاء التأنيث.
فإن قلت: قد زاد في التسهيل في شروط الاسم شرطين آخرين:
أحدهما: أن يكون غير مركب تركيب إسناد أو مزج.
والآخر: أن يكون غير معرب بحرفين٢ فلم ترك ذكرهما؟
قلت: هذان شرطان لصحة مطلق الجمع ولا خصوصية لهما بهذا الجمع "المذكور"٣.
تنبيهات:
الأول: لم يشترط الكوفيون الخلو من تاء التأنيث، فأجازوا جمع "طلحة" بالواو والنون، ولا قبول الصفة لتاء التأنيث مستدلين بقول الشاعر:
منا الذي هو ما إن طر شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب٤
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ راجع التسهيل ص١٣. ٣ أ، ج. ٤ قائله: هو أبو قيس بن رفاعة الأنصاري كذا قاله ابن السيرافي في شرح أبيات الإصلاح لابن السكيت، وقال البكري: اسمه دينار وقال أبو عبيد: أحسبه جاهليا، وقال القالي في أماليه، هو قيس بن رفاعة، وقال الأصبهاني: قائل هذا البيت أو قيس بن الأسلت الأوسي، وهو من البسيط. الشرح: "طر شاربه" -بفتح الطاء- معناه نبت شاربه. "والعانسون" جمع عانس وهو من بلغ حد التزوج ولم يتزوج مذكرا كان أو مؤنثا. "والمراد": بضم الميم جمع أمرد، "والشيب" -بكسر الشين المعجمة- جمع أشيب وهو المبيض رأسه. الإعراب: "منا" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "الذي" اسم موصول مبتدأ مؤخر. "هو" مبتدأ. "ما" نافية. "إن" زائدة. "طر" فعل ماض. "شاربه" فاعل والهاء مضاف =
[ ١ / ٣٣٢ ]
فجمع عانسا "بالواو والنون"١ وهو من الصفات المشتركة.
ولا حجة في البيت لشذوذه.
الثاني: ما جعل علما من الثلاثي المعوض من "فائه"٢ تاء التأنيث كعدة أو من لامه كثبة فإنه يجوز جمعه بالواو والنون وبالألف والتاء، ما لم يكسر قبل العلمية كشفة، فيلزم تكسيره أو يعتل ثانيه "كدية"٣ فيلزم جمعه بالألف والتاء.
وإلى هذا أشار في التسهيل بتقييده التاء بالمغايرة لما في "عدة وثبة" علمين٤.
الثالث: اعلم أن التصغير قائم مقام الوصف، فلذلك لو صغر نحو:
"رجل وغلام" جمع الواو والنون مع أنه ليس بعلم ولا صفة، وذلك لكون التصغير وصفا في المعنى.
ثم أشار إلى ما ألحق بهذا فأعرب إعرابه بقوله:
وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا
أولوا وعالمونا عليونا وأرضون شذ والسنونا
_________________
(١) = إليه: وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها صلة الموصول. "والعانسون" معطوف على الاسم الموصول. "ومنا المراد" جملة من مبتدأ وخبر على قياس السابقة معطوفة عليها. "والشيب" معطوف على المرد. الاستشهاد فيه: في قوله "والعانسون" فإن الكوفيين جوزوا جمع الصفة بالواو والنون مع كونها غير قابلة للتاء محتجين بهذا. وعند الجمهور فيه شذوذان: الأول إطلاق العانس على الذكر، والأكثر إطلاقه على المرأة، وإنما الأشهر استعماله في المؤنث، والثاني جمعه بالواو والنون. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الشاطبي والأشموني ١/ ٣٥، وذكره ابن هشام في المغني ٢/ ٦، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٤٥. ١ ب. ٢ ب، ج وفي أ "فائدة". ٣ أ، ب. ٤ التسهيل ص١٣.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وهو أربعة أقسام: اسم جمع وجمع تكسير، وجمع تصحيح لم يستوف الشروط، ومفرد هو جمع في الأصل.
فالأول: عشرون وبابه. ونعني ببابه سائر العقود إلى التسعين.
و"أولو" و"عالمون" فهذه كلها أسماء جموع ألحقت بجمع المذكر السالم في إعرابه؛ لأن هذه لا واحد لها من لفظها، وليس "العالمون" جمع عالم لأن العالم عام والعالمون خاص بمن يعقل، وإنما هو اسم جمع. قاله المصنف.
والثاني: أرضون وسنون وبابه "فهذه"١ جموع تكسير لتغير واحدها. أعربت إعراب جمع لمذكر السالم.
الثالث: أهلون، فإنه جمع أهل وأهل، فهو مستوفي الشروط إذ هو ليس علما ولا صفة. فأهلون جمع تصحيح لم يستوف الشروط.
وجعل بعضهم "أرضين وسنين" من هذا النوع.
والرابع: عليون، وهو اسم لأعلى الجنة. كأنه في الأصل فعلى من العلو، فجمع جمع من يعقل وسمي به، وفي تمثيله بهذه الألفاظ تنبيه على نظائرها، وباب سنين "الذي"٢ أشار له بقوله "وبابه" هو ما عوض من لامه هاء التأنيث ولم يكسر٣ فهذا النوع شاع فيه جمع بالواو والنون رفعا وبالياء والنون جرا ونصبا٤، وهو ثلاثة أنواع:
مفتوح الفاء نحو: "سنة".
ومكسور الفاء نحو: "مائة".
ومضموم الفاء نحو: "ثبة" وهي الجماعة.
فلام "سنة" واو أو هاء على اللغتين، ولام "مائة" ياء، ولام "ثبة" واو، وقيل: ياء من ثبيت أي جمعت، وأما الثبة التي هي وسط الحوض فمحذوفة العين
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "ففيه". ٢ أ، ب وفي ج "الذين". ٣ أي تكسيرا يعرب معه بالحركات. ٤ هي لغة أهل الحجاز علياء وقيس.
[ ١ / ٣٣٤ ]
من "ثاب يثوب"١ إذا رجع، وقيل: بل محذوفة اللام أيضا من ثبيت، فما كان مفتوح الفاء كسرت فاؤه نحو: "سنين"، وقد حكي ضم "سينه"٢، وما كان مكسور الفاء لم يغير "نحو"٣ "مئين"، وما كان مضموم الفاء فوجهان الكسر والضم نحو: "ثيين" فإن كسر استغني عن هذا الاستعمال نحو: "شفة" إلا ما ندر.
وقوله:
ومثل حين قد يرد ذا الباب
يعني أن باب سنين قد يستعمل مثل حين فجعل إعرابه بالحركات على النون منونة٤ ولا تسقطها الإضافة وتلزم الياء٥ فتقول: "هذه سنين وصحبته سنينا "وما رأيته"٦ منذ سنين" وفي الحديث، في رواية: $"اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف"٧، ومنه قول الشاعر:
دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيبا وشيبتنا مردا٨
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "باب يثوب". ٢ أ، ب وفي ج "سنة". ٣ ج. ٤ هذا إذا لم يكن أعجميا وإلا فيعرب على النون من غير تنوين إعراب ما لا ينصرف مثل "قنسرين" كورة بالشام. ٥ لبعض بني تميم وبني عامر. ٦ ب. ٧ هذا دعاء على أهل مكة بالجدب والقحط وقد استجاب الله دعاءه حتى ساء حالهم. وروي "كسني" يوسف، بحذف النون للإضافة وسكون الياء مخففة فقد تكلم بهما النبي أو بأحدهما ورواه الرواة بهما، أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم من حديث طويل عن ابن مسعود. ٨ البيت للصمة بن عبد الله الطفيل شاعر إسلامي بدوي من شعراء الدولة الأموية. وهو من الطويل. الشرح: "دعاني" اتركاني. يخاطب به خليله ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الواحد بصيغة التثنية كما في قول امرئ القيس: قفا نبك وتفعل العرب ذلك للتعظيم، أو خطاب لاثنين حقيقة. "نجد" اسم للبلاد التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق، وأولها من ناحية الحجاز ذات عرق إلى ناحية العراق "سنينه" جمع سنة، والمراد العام المجدب، "شيبا" بكسر الشين =
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومن أصحاب هذه اللغة من يسقط التنوين.
وقوله: "وهو عند قوم يطرد".
يعني أن إجراء سنين وبابه مجرى حين يطرد عند قوم من العرب، وقد يستعمله غيرهم على وجه الشذوذ كما في الحديث المذكور.
وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لخلوه من شروط جمع التصحيح وشبهه بالتكسير في عدم سلامة نظم واحده.
وقوله: "ونون مجموع" نحو: "الزينين والمسلمين".
"وما به التحق" نحو "عشرين" وما ذكر معه "فافتح" أي: فلزمه الفتح للفرق بينه وبين نون التثنية.
_________________
(١) = جمع أشيب، وهو المبيض من الرأس "شيبتنا": من شيب -بالتشديد يشيب تشييبا- "مردا" جمع أمرد، وهو الذي لم تنبت لحيته. المعنى: اتركاني يا خليلي من ذكر هذه البلاد، فإن ما وقع فيها من مشاق الجدب جعلنا أضحوكة ونحن شيوخ، وشيبتنا أهوالها ونحن مرد. الإعراب: "دعاني" فعل أمر وألف الاثنين فاعله والنون للوقاية، والياء مفعول به "من نجد": متعلق بدعا، "فإن" الفاء للتعليل إن: حرف توكيد ونصب، "سنينه" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة والهاء مضاف إليه، "لعبن" فعل ماض ونون النسوة فاعله. والجملة في محل رفع خبر إن، "بنا" جار ومجرور متعلق بلعب، "شيبا" حال من الضمير المجرور بالباء، "وشيبتنا" الواو عاطفة والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع معطوفة على الجملة الواقعة خبر إن، "مردا" حال من المفعول الذي هو ضمير المتكلم ومعه غيره. الشاهد فيه: على إجراء سنين مجرى حين في الإعراب بالحركات والتزام النون مع الإضافة، ولو لم يجعل الإعراب بالحركة على نون الجمع لحذف النون وقال: فإن سنيه. واعلم أن هذه لغة بني عامر، فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات في النون كما في غسلين ويقولون هذه سنين ورأيت سنينا وأقمت بسنين، وعلى هذا ما جاء في قوله ﵊: "اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف"، وتميم أيضا يجعلون الإعراب في النون ولكن لا ينونونها فيقولون: سنينُ وسنينَ وسنينِ جره بالكسر ولا تسقط النون ههنا ولو عند الإضافة؛ لأنها نزلت منزلة نون مسكين. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٩، وابن هشام ١/ ٤١، وابن عقيل ١/ ٣١، والشاطبي، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ٣٧، والمكودي ١/ ١٢.
[ ١ / ٣٣٦ ]
"وقل من بكسره نطق" يعني في الضرورة وليس بلغة.
ومنه قول الشاعر١:
وأنكرنا زعانف آخرين
وقول الآخر٢:
وقد جاوزت حد الأربعين
_________________
(١) ١ البيت لجرير بن عطية بن الخطفي وهو قصيدة نونية يخاطب بها فضالة العربي وهو من الوافر. وصدر البيت: عرفنا جعفرا وبني أبيه وقد ذكر البيت كله في النسخة ب، ج. الشرح: "جعفر" هو ابن ثعلبة بن يربوع أخو عريس بن ثعلبة "بني أبيه" أي بني أبي جعفر. "زعانف" بفتح الزاي المعجمة والعين المهملة جمع زعنفة وهي طرف الأديم أو هدب الثوب أو القصير، وأراد بهم الأدعياء. المعنى: عرفنا جعفرا وإخوته لعظمهم، وأنكرنا غيرهم لأنهم أدعياء وليس لهم أصل معروف. "الإعراب": عرفنا: فعل وفاعل ومفعول "وبني أبيه" معطوف على جعفر ومضاف إليه "وأنكرنا زعانف": جملة من فعل وفاعل ومفعول معطوفة على الجملة السابقة. "آخرين" صفة لزعانف منصوب بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. الشاهد: قوله "آخرين" حيث كسر النون فيها، ونون الجمع حقها الفتح وكسر النون جائز بعد الياء فقط وقيل: لغة وهو الراجح، فقد بنى الشاعر كلامه على هذه اللغة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٧، وابن هشام ١/ ٤٩، وابن عقيل ١/ ٣٣ والشاطبي، وداود، والسندوبي، والاصطهناوي، والأشموني ١/ ٢٩، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٤٩، والشاهد رقم ٥٩٧ في خزانة الأدب. ٢ البيت قائله: سحيم بن وثبل الرياحي من مقطوعة له في ديوان جرير وكان عبدا حبشيا وكان فصيحا بليغا وكان قد اتهم ببنت مولاه فقتله. وهو من الوافر. وصدر البيت: وماذا يبتغي الشعراء مني وقد ذكر البيت كله في النسختين ب، ج ففي ب بهذه الرواية وفي ج: وماذا يدري الشعراء مني الشرح: قوله "وماذا يبتغي" أي وماذا تطلب، وأنشده الزمخشري والجوهري: وماذا يدّري الشعراء بتشديد الدال المهملة. يقال: ادراه يدريه إذا ختله وخدعه. الإعراب: "وماذا" ما: اسم استفهام مبتدأ، وذا: اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر، "يبتغي" فعل مضارع، "الشعراء" فاعله، "مني" جار ومجرور متعلق بيبتغي والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "وقد" الواو حالية وقد حرف تحقيق، "جاوزت" فعل وفاعل، "حد" مفعول به، "الأربعين" مضاف إليه مجرور بالياء المكسورة ما قبلها تحقيقا المفتوح ما بعدها تقديرا، وقيل مجرور بالكسرة الظاهرة لأنه عومل معاملة حين في جعل الإعراب على النون. =
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال في شرح التسهيل: ويجوز أن يكون كسر نون الجمع وما ألحق به لغة١.
وقوله "ونون ما ثني" نحو: "الزيدين" "والملحق به" نحو: "اثنين" "بعكس ذاك استعملوه". أي: بعكس نون الجمع فينكسر لالتقاء الساكنين وقل من نطق بفتحه، إلا أن فتح نون المثنى لغة حكاها الكسائي والفراء ولكنهما حكياها مع الياء لا مع الألف٢ وأجازها بعضهم مع الألف، واستدل بقول الراجز:
أعرف منها الجيد والعينانا٣
_________________
(١) = الشاهد: في قوله "الأربعين" فإنه كسر النون فيه، وكان الأصل فتحها ولكن كسرها للضرورة ويجوز أن يكون أجراه مجرى الحين فأعربه بالحركات. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص١٧، وابن هشام ١/ ٥٠، وابن عقيل ١/ ٣٤، والأشموني ١/ ٢٩، والسيوطي ١/ ١١، والمكودي ص١٣، وداود، والشاطبي، والسندوبي، والاصطهناوي، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٤/ ١١، والشاهد ٥٨٦ في خزانة الأدب، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٤٩، والمبرد في المقتضب ٣/ ٣٣٢. ١ قال الأشموني ١/ ٣٩: "وجزم به في شرح الكافية". ا. هـ. ٢ "كقوله: على أحوذيين استقلت عشية فما هي إلا لمحة وتغيب أشموني ١/ ٣٩. ٣ البيت: قيل: إن قائله لا يعرف كما زعم العيني، وقيل: هو لرؤبة بن العجاج، والصحيح أنه لرجل من ضبة كما قال المفضل، وهو من الرجز المسدس. وعجز البيت: ومنخرين أشبها ظبيانا وقد ذكر البيت كله في نسخة ب وأيضا في نسخة ج إلا أن رواية صدره في ج: أعرف منها الأنف والعينانا الشرح: "الجيد" بكسر الجيم العنق، وجمعه أجياد، "ظبيانا" اسم رجل بعينه، وليس تثنية ظبي، "منخرين" بفتح النون أو بكسرها على التلفيق بين اللغات مثنى منخر، وأصله: مكان النخير، واستعمل في الأنف. المعنى: أعرف من سلمى جيدها وعينيها، ومنخريها اللذين يشبهان منخري هذا الرجل. الإعراب: "أعرف" فعل مضارع فاعله مستتر فيه "منها" جار ومجرور متعلق بأعرف "الجيد" مفعول به، "والعينانا" معطوف عليه، "ومنخرين" معطوف عليه أيضا، "أشبها" فعل ماض وألف الاثنين فاعل، "ظبيانا" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على أنه مفرد أو هو على لغة من يلزم المثنى بالألف والجملة من الفعل وفاعله في محل نصب صفة لمنخرين. الشاهد فيه: قوله "والعينانا" حيث فتح الشاعر فيه نون التثنية والقياس كسرها وقيل الشاهد أيضا في قوله: "ظبيانا" وادعى أن ظبيان تثنية ظبي وإليه مال الهروي حيث قال في الذخائر: والتقدير أشبها منخري ظبيين فجعله تثنية ظبي، وليس هذا بصحيح. وقيل: البيت مصنوع. أي: غير عربي فلا يستشهد به. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٤٧، وابن عقيل ١/ ٣٦، وداود والشاطبي، والسندوبي، والاصطنهاوي، والأشموني ١/ ٣٩، والسيوطي ص١٢، والمكودي ص١٣، وذكر في المفصل ٣/ ١٢٩.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وحكى الشيباني١ أن ضم نون المثنى لغة، يعني إذا كان بالألف، وحكي عن العرب "هما خليلان".
ولما فرغ من نيابة الحرف عن الحركة انتقل إلى نيابة الحركة "عن"٢ حركة أخرى، وذلك في موضعين:
الأول: جمع المؤنث السالم، فإنه ينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة٣ فحمل نصبه على جره كما حمل نصب المذكر السالم على جره، وضابطه: ما جمع بألف وتاء مزيدتين.
وإليه أشار بقوله:
وما بتا وألف قد جمعا يكسر في الجر وفي النصب معا
فإن قلت: لِمَ لَمْ يقيد الألف والتاء بكونهما زائدتين؟
قلت: تعليق الباء بقوله جمع يغني عن "التقييد"٤، إذ المراد ما دل على جمعيته بألف وتاء. "ونحو أبيات" مما تاؤه أصلية وقضاة مما ألفه منقلبة عن أصل لم يدل على جمعيته بالألف والتاء٥.
_________________
(١) ١ هو إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني الكوفي. قال الخطيب: كان أبو عمر راوية أهل بغداد واسع العلم باللغة والشعر ثقة في الحديث كثير السماع نبيلا فاضلا عالما بكلام العرب حافظا للغاتها، صنف كتاب الجيم والنوادر، وغريب المصنف وغير ذلك. مات سنة ست أو خمس ومائتين وقد بلغ مائة سنة وعشر سنين. ٢ ج وفي أ، ب "على". ٣ "خلافا للأخفش في زعمه أنه مبني في حالة النصب، وهو فاسد إذ لا موجب لبنائه، وجوز الكوفيون نصبه بالفتحة مطلقا، وهشام فيما حذفت لامه، ومنه قول بعض العرب: "سمعت لغاتهم" ومحل هذا القول ما لم يرد إليه المحذوف، فإن رد نصب بالكسرة كسنوات وعضوات". ا. هـ. ج١ ص٤٠. ٤ ب، ج وفي أ "التنبيه". ٥ أ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فإن قلت: لم لم يذكر علامة رفعه؟
قلت: لأنه بالضمة على الأصل.
ثم ذكر ما ألحق بجمع المؤنث السالم فقال:
كذا أولات والذي اسما قد جعل كاذرعات فيه ذا أيضا قبل
يعني: أن أولات يكسر في جره ونصبه كالجمع المذكور، وهو اسم جمع؛ لأنه لا واحد له من لفظه فهو في المؤنث نظير أولو في المذكر.
وقوله:
والذي اسما قد جعل
يعني: أن ما كان مجموعا بألف وتاء ثم سمي به فجعل اسما مفردا، فإنه يعرب بعد التسمية على اللغة الفصحى بما كان يعرب به قبلها، فيكسر في الجر والنصب وينون.
وقد مثله بأذرعات "وهو بالذال المعجمة"١ اسم موضع٢ فتقول: "رأيت أذرعات ومررت بأذرعات" فيستوي جره ونصبه ونحوه "عرفات".
ومن العرب من يمنعه التنوين ويجره وينصبه بالكسرة كما سبق "ومنهم"٣ من يمنعه الصرف فيجره وينصبه بالفتحة ولا ينون.
فإن قلت: لم نون أذرعات وعرفات ونحوهما على اللغة الفصحى، وحقهما منع الصرف للتأنيث والعلمية؟
قلت: ليس تنوينهما للصرف؛ وإنما هو تنوين المقابلة وقد تقدم بيانه.
فإن قلت: قد ذكر حكم المجموع بالألف والتاء -إذا سمي به- فما حكم المثنى والمجموع على حدة إذا سمي بأحدهما؟
قلت: أما المثنى ففيه لغتان:
الأولى: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثانية: أن يجعل مثل: "عمران" في التزام الألف وإعرابه على النون إعراب ما لا ينصرف.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ بلدة بالشام. ٣ ب، ج.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وأما المجموع على حدة ففيه أربعة أوجه:
الأول: أن يعرب بعد التسمية بما كان يعرب به قبلها.
والثاني: أن يجعل "كغسلين" في التزام الياء وجعل الإعراب "على"١ نون مصروفا، ولم يذكر سيبويه غير هذين الوجهين٢.
والثالث: أن يجعل "كهارون" في التزام الواو وجعل الإعراب على النون غير مصروف للعلمية وشبه العجمة.
والرابع: التزام الواو وفتح النون مطلقا، ذكره السيرافي، وزعم أن ذلك صحيح من لسان العرب.
تنبيهات:
الأول: جعل المثنى "كعمران" والمجموع "كغسلين" أو "هارون" مشروط ألا يتجاوزا سبعة أحرف، فإن تجاوزا السبعة لم يعربا بالحركات٣، وقد تنبه على ذلك في التسهيل٤.
الثاني: ما تقدم من أن المثنى إذا جعل بعد التسمية "كعمران" يمنع الصرف، قيده ابن جني بغير "ذان وتان" مسمى بهما، فإنهما يصرفان إذ الألف "هنا"٥ لم تقع وقع الألف الزائدة. وفي حواشي مبرمان٦ منع صرف "ذان"٧ قال: لأن في آخره زيادتين.
_________________
(١) ١ ب وفي أ "في". ٢ ج٢ ص٨ الكتاب. ٣ فإن تجاوزها كأشيهبايين تعين الوجه الأول. أشموني ١/ ٤١. ٤ قال في التسهيل ص٢٥٥: "أو جعل المثنى وموافقه كعمران والمجموع وموافقه كغسلين أو حمدان أو هارون ما لم يجاوزا سبعة أحرف". ٥ ب، ج. ٦ هو: أبو بكر بن محمد بن عليّ العسكري، سمع من المبرد وأكثر من الأخذ عن الزجاج، وبعد وصيته في النحو إلا أنه كان غير وقور. ضنينا بالتعليم إلا مع الجزاء المرضي له. من مؤلفاته النحوية: شرح شواهد سيبويه، وشرح كتاب سيبويه ولم يتم، وشرح كتاب الأخفش، والتلقين. وتوفي سنة ٣٤٥هـ خمس وأربعين وثلاثمائة. ٧ ب، وفي أ، ج "هذان".
[ ١ / ٣٤١ ]
والموضع الثاني من "موضعي"١ نيابة الحركة عن حركة أخرى. ما لا ينصرف وهو كل اسم شابه الفعل من كونه فرعا من وجهين كما سيتحقق في موضعه.
فهذا يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، فحمل جره على نصبه؛ لأنه لما شابه الفعل منع التنوين والجر بالكسرة.
وإلى هذا أشار بقوله:
وجر بالفتحة ما لا ينصرف
فشمل ذلك: المفرد والجمع المكسر نحو: "مررت بأحمد، وصليت في مساجد".
وسكت عن رفعه ونصبه، "لأنهما الأصل"٢.
وقوله:
ما لم يضف أو يك بعد أل "ردف"
يعني: فإنه يجر حينئذ بالكسرة نحو: "مررت بأحسن القوم وبالأحسن".
وشمل قوله: "أل" المعرفة كما مثل، والموصولة نحو:
ما أنت باليقظان ناظره إذا نسيت بما تهواه ذكر العواقب٣
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "مواضع". ٢ أ، ب وفي ج "لأنها الأصل". ٣ البيت: قال العيني في شرح الشواهد ج١ ص٢١٥: لم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر له على قائل. وهو من الطويل. وأنشده بعضهم: وما أنت -بالواو- ولكن الرواية الصحيحة بدون الواو كما قال العيني. الشرح: "باليقظان" أي: بالحذر، "ناظره" الناظر من المقلة السوداء. "نسيت" النسيان -بكسر النون- خلاف الذكر والحفظ، وبفتح النون. الكثير النسيان للشيء. "تهواه" من هوى يهوى إذا أحب، "والعواقب" جمع عاقبة، وعاقبة كل شيء آخره. المعنى: ما أنت بالرجل الذي يقظ ناظره إذا غطى هواك على بصيرتك بسبب محبتك له ونسيت ذكر عواقب ما يئول إليه أمرك. الإعراب: "ما" نافية حجازية أو تميمية، "أنت" اسم ما على الأول ومبتدأ على الثاني. وعليهما فهو في محل رفع، "باليقظان" الباء زائدة اليقظان: خبر ما أو خبر المبتدأ وهو منصوب بفتحة مقدرة على الأول ومرفوع بضمة مقدرة على الثاني وعليهما فإنما منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، "ناظره" فاعل يقظان لأنه صفة مشبهة والهاء ضمير الغائب مضاف إليه وقيل: إن خبر ما أو خبر المبتدأ هو "أل" في اليقظان لأنها اسم موصول بمعنى الذي. والصفة المشبهة مع فاعلها صلته، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط، "نسيت" جملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة إذا إليها "بمن تهواه" الباء للسببية ومن اسم موصول في محل جر بها وجملة "تهواه" لا محل لها صلة الموصول. والجار والمجرور متعلق بقوله: نسيت، "ذكر" مفعول به لنسيت "العواقب" مضاف إليه. وجواب إذا محذوف دل عليه سابق الكلام وتقديره: إذا نسيت ذكر العواقب بسبب من تهواه فما أنت باليقظان ناظره. الشاهد: في قوله "ما أنت باليقظان" فإنه انصرف لوجود الألف واللام وانجر بالكسرة وأن الألف واللام فيه موصولة كالتي تدخل على اسمي الفاعل والمفعول. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٤٢، والشاطبي.
[ ١ / ٣٤٢ ]
والزائد نحو:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا١
وقال في التسهيل: ما لم يصحب الألف واللام أو بدلهما٢ يعني الألف والميم في لغة أهل اليمن كقول الشاعر:
تبيت بليل أمأرمد اعتاد أولقا٣
_________________
(١) ١ البيت: لابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد، وهو شاعر مقدم من مخضرمي شعراء الدولتين وهو من قصيدة يمدح بها الوليد بن اليزيد بن عبد الملك بن مروان. وهو من الطويل. وعجزه: شديدا بأعباء الخلافة كاهله وورد في النسختين أ، ج الشطر الأول، وفي ب البيت كله وروي فيه "وجدنا الوليد". الشرح: "رأيت" بمعنى أبصرت، ويجوز أن تكون بمعنى علمت، "الوليد" الوليد بن اليزيد بن عبد الملك بن مروان، "أعباء" جمع عبء -بكسر العين- أثقال، والمراد أمور الخلافة الشاقة، وروي أحناء جمع حنو -بكسر الحاء- وهو حنو السرج والقتب، وحنو كل شيء اعوجاجه، "كاهله" ما بين الكتفين. المعنى: أبصرت هذا الرجل في حال كونه مباركا شديدا كاهله يتحمل أمور الخلافة الشديدة، شبهه بالجمل الحمول، وشبه الخلافة بالقتب وأراد أنه يحمل شديد أمور الخلافة. الإعراب: رأيت بمعنى أبصرت فعل وفاعل، "الوليد" مفعول به، "ابن" صفة، "اليزيد" مضاف إليه، "مباركا" حال من المفعول أو مفعول ثان إذا جعلت رأيت بمعنى علمت، "شديدا" معطوف على مباركا بإسقاط حرف العطف، "بأعباء" جار ومجرور متعلق بقوله شديدا، وأعباء مضاف، و"الخلافة" مضاف إليه، "كاهله" فاعل شديد لأنه صفة مشبهة تعمل عمل الفعل، والهاء ضمير الوليد مضاف إليه. الشاهد: في "الوليد بن اليزيد" حيث أدخل الشاعر فيهما الألف واللام بتقدير التنكير فيهما، وهي في الحقيقة زائدة، قاله العيني ١/ ٢٢٢. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٤٢، والأصطهناوي، والشاطبي، وابن هشام رقم ١١٩ في خزانة الأدب، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٢٤، والإنصاف ١/ ١٩٨. ٢ التسهيل ص٨. ٣ البيت: قال العيني في شرح الشواهد الكبرى ج١ ص٢٢٢: قائله بعض الطائيين ولم =
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقوله "رَدِف" معناه تبع.
فإن قلت: إذا أضيف ما لا ينصرف أو دخلته "أل" "و"١ الجر بالكسرة فهل يسمى منصرفا؟
قلت: فيه خلاف مشهور٢.
_________________
(١) = أقف على اسمه، وهو من الطويل. وصدره: أأن شمت من نجد بريقا تألقا وفي النسختين أ، ج ذكر الشطر الثاني وفي ب كله. الشرح: "أأن شمت" من شمت البرق أشيمه شيما إذا نظرته أين يصوب، "بريقا" أي لمعانا، تألقا -بتشديد اللام- يقال تألق البرق إذا لمع، "بليل امأرمد" أراد بليل الأرمد والميم أبدلت من اللام، وهو لغة أهل اليمن كما في قوله ﷺ: "ليس من امبر امصيام في امسفر"، "أولقا" الأولق، المجنون، والبيت من المقلوب. المعنى: ألئن لاح لك من هذه الجهة أدنى بريق بت بليلة رجل أرمد اعتاده الجنون. الإعراب: "أأن" الهمزة للاستفهام و"أن" قال العلامة الصبان: يحتمل أن تكون مصدرية حذفت قبلها لام التعليل للاستفهام و"أن" تكون شرطية أتي بجوابها مرفوعا لأن فعل الشرط ماض. ا. هـ. قلت: وعلى الأول فهمزتها مفتوحة، وعلى الثاني فهمزتها مكسورة، والذي ينساق إلى ذهني أن الأول أحسن معنى وأقرب لمراد الشاعر، "شمت" فعل ماض وفاعله، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسا والجار والمجرو متعلق بقوله "تبيت" الآتي، "من نجد" متعلق بشمت، "بريقا" مفعول به لشمت، "تألقا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر يعود إلى "بريق" والجملة في محل نصب صفة لبريق، "تبيت" فعل وفاعل، "بليل" جار ومجرور متعلق بتبيت "أمأرمد" مضاف إليه، "اعتاد" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود إلى أمأرمد، "أولقا" مفعول به لاعتاد والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب حال من أمأرمد أو هي في محل جر صفة له لأن المحلى بأل الجنسية معرفا لفظا في قوة النكرة. الشاهد: في قوله: "بليل أمأرمد" فإن أرمد لا ينصرف، ولكن لما دخله الميم التي هي عوض اللام على لغة أهل اليمن انجر بالكسرة كما ينجر فيما إذا دخله اللام نحو: "مررت بالأحسن". مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٤٢، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٤١. ١ أ، ب. ٢ "إذا أضيف أو تبع "أل" يكون باقيا على منعه من الصرف، وهو اختيار جماعة، وذهب جماعة منهم: المبرد، والسيرافي، وابن السراج إلى أنه يكون منصرفا مطلقا "وهو الأقوى" واختار الناظم في نكته على مقدمة ابن الحاجب أنه إذا زالت منه علة فمنصرف نحو بأحمدكم، وإن بقيت العلتان فلا، نحو "بأحسنكم". ا. هـ. أشموني ١/ ٤٢. وأميل إلى تحقيق الناظم "والتحقيق تفضيل الناظم". ا. هـ. صبان ١/ ٨٥.
[ ١ / ٣٤٤ ]
والتحقيق: أنه إن زالت إحدى علتيه بالإضافة أو "أل" فمنصرف نحو "مررت بأحمدِكم" وإلا فغير منصرف نحو: "مررت بأحسَنِكم".
ولبيان ذلك موضع هو أليق به، المفهوم من قوة كلامه في النظم أنه باق على منع صرفه.
ولما فرغ من مواضع النيابة في الأسماء أخذ يذكر مواضع النيابة في الأفعال، وقد تقدم أن النائب في الفعل شيئان: الحرف والحذف.
فالحرف هو النون تنوب عن الضمة، والحذف حذف النون وحروف العلة، "فحذف النون ينوب عن الفتحة والسكون"١ وحذف حروف العلة ينوب عن السكون.
وبدأ بمواضع النون فقال:
واجعل لنحو يفعلان النونا رفعا وتدعين وتسألونا
فنحو "يفعلان" هو كل فعل اتصل به ألف اثنين مخاطبين أو غائبين نحو: "أنتما تفعلان" وهما يفعلان سواء كان ضميرا كما مثل به، أو حرفا نحو "يفعلان الزيدين" في لغة طيئ وأزد شنوءة٢.
وقوله: "رفعا" هو مفعول ثان لقوله: "واجعل" أي: صيِّر، وهو تصريح "بأن الرفع بالنون"٣ كما هو مذهب الجمهور خلافا لمن زعم أن الإعراب في هذه الأمثلة بحركات مقدرة على لام الفعل.
وقوله "وتدعين" أي: ونحو "تدعين" وهو كل فعل اتصل به ياء "المخاطبة".
وقوله "وتسألون" أي نحو "تسألون"، وهو كل فعل اتصل به واو جمع مخاطبين أو غائبين، نحو: "أنتم تفعلون وهم يفعلون" وسواء أكانت ضميرا كما مثل به أو حرفا نحو: "يفعلون الزيدون" في اللغة المشار إليها.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ حي من اليمن ويقال: أسد بالسين وهو أفصح "أسد شنوءة". ٣ ب، ج وفي أ "بأن النون".
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقوله:
وحذفها للجزم والنصب سمه
أي: وحذف النون علامة للجزم والنصب كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ١.
وقد مثل بقوله:
كلم تكوني لترومي مظلمه
"فتكوني" مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون "وترومي" منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود وعلامة نصبه حذف النون أيضا.
وبدأ بالجزم؛ لأن النصب محمول على الجزم في علامته، فإن الجزم أحق بالحذف فحمل النصب عليه كما حصل على الجر في الأسماء.
وقوله: "مظلمه" يجوز فيه فتح اللام وكسرها، والفتح هو القياس.
إعراب المعتل من الأسماء والأفعال:
ولما أنهى القول في "بيان"٢ إعراب الصحيح من الأسماء والأفعال، شرع في إعراب المعتل من الأسماء والأفعال، فقال:
وسم معتلا من الأسماء ما كالمصطفى والمرتقي مكارما
فأشار بالمثال الأول إلى كل اسم حرف إعرابه ألف لازمة، وبالثاني إلى كل اسم حرف إعرابه "ياء لازمة قبلها كسرة".
فكلا النوعين يسمى معتلا وليس في الأسماء ما حرف إعرابه واو لازمة قبلها ضمة٣.
"ثم أشار"٤ إلى أن هذين النوعين وإن اشتركا في الاعتلال، فإن لكل "واحد"٥ اسما خاصا وحكما غير حكم الآخر فقال:
_________________
(١) ١ سورة البقرة ٢٤. ٢ ج. ٣ أ، ب. ٤ أ، ب. ٥ أ، ب.
[ ١ / ٣٤٦ ]
فالأول الإعراب فيه قدرا جميعه وهو الذي قد قصرا
يعني بالألف ما حرف إعرابه ألف لازمة كالمصطفى "وإنما"١ قدر فيه الإعراب جميعه أعني الرفع والنصب والجر، لتعذر تحريك الألف.
فإذا قلت: "جاء الفتى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "رأيت الفتى" فعلامة نصبه فتحة مقدرة في الألف تعذرا.
وإذا قلت: "مررت بالفتى" فعلامة جره كسرة مقدرة في الألف تعذرا.
وقوله: "وهو الذي قد قصرا" إشارة إلى أن هذا النوع يسمى في الاصطلاح مقصورا؛ لأنه منع المد، ويقابله الممدود، ولذلك لا يسمى نحو "يسعى" مقصورا إذ ليس في الفعل ممدود.
وقيل: سمي مقصورا؛ لأنه قصر عن ظهور الحركات، والقصر المنع.
"والثان منقوص" يعني بالثاني: ما حرف إعرابه ياء لازمة تلي كسرة كالمرتقي.
وسمي منقوصا؛ لأنه تحذف لامه للتنوين نحو "داع ومرتق".
وقيل لأنه نقص "فيه"٢ بعض الحركات وظهر فيه بعضها.
ونصبه ظهر نحو قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ٣.
ذلك لخفة الفتحة٤.
ورفعه ينوى نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ٥ فعلامة رفعه ضمة مقدرة في الياء استثقالا لا تعذرا لإمكان النطق بها، وقد ظهر في الضرورة كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "وأما". ٢ أ، ب. ٣ سورة الأحقاف: ٣١. ٤ "ومن العرب من يسكن الياء في النصب أيضا. قال الشاعر: ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا قال أبو العباس المبرد: "وهو من أحسن ضرورات الشعر؛ لأنه حمل حالة النصب على حالتي الرفع والجر". ا. هـ. أشموني ١/ ٤٤. ٥ سورة القمر: ٦.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وعن الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كابي الأزند١
وقوله: كذا أيضا يجر. أي: يجر بالكسرة "منوية"٢ كما رفع بضمة "منوية"٣ لثقل الضمة والكسرة على الياء كقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ٤ فعلامة جره كسرة مقدرة في الياء استثقالا، لا "تعذرا"٥ لإمكان النطق بها كقول جرير:
فيوما يوافين الهوى غير ماضيٍ٦
_________________
(١) ١ البيت قائله جرير بن عطية يهجو فرزدقا وهو من قصيدة دالية وهو من المتقارب. الشرح: "عرق الفرزدق" أراد به أصله، يعني أصل الفرزدق أشر الأصول، "خبيث الثرى" بالثاء المثلثة خبيث التربة، وأراد به الأصل أيضا، "وكابي الأزند" من كبا الزند إذا لم تخرج نار، والأزند -بضم النون- جمع زند. قال الجوهري: "الزند" العود الذي تقدح به النار وهو الأعلى والزند السفلى فيها ثقب. الإعراب: "وعرق" مبتدأ، "الفرزدق" مضاف إليه، "شر" خبره، "العروق" مضاف إليه، "خبيث" خبر بعد خبر، "الثرى" مضاف إليه، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي: هو خبيث الثرى، ويجوز أن تنصب على الذي، "كابي" خبر بعد خبر ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف، "الأزند" مضاف إليه. الشاهد: في "كابي الأزند" أنه إذاكانت الياء مضمومة فإن علامة الرفع هي الضمة المقدرة في الياء ويجعلون ذلك لأجل الاستثقال لا لأجل تعذر إمكان النطق بها وهنا ظهرت الضمة ولكنه محمول على الضرورة. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٥٣. ٢ أ، ب في ج "منونة". ٣ أ، ب وفي ج "منونة". ٤ سورة البقرة ١٨٦. ٥ ب. ٦ البيت من قصيدة طويلة لجرير بن عطية يهجو بها الأخطل، وهو من الطويل. وتمامه: ويوما ترى منهن غولا تغول، وقد ذكر البيت كله في النسخة ب. الشرح: "يوافين الهوى" يجازين الهوى، وهو من المجازاة بالزاي المعجمة، "غير ماضي" من مضى يمضي، "غولا" بضم الغين وهو من السعالي جمع سعلاة وهي أخبث الغيلان، "تغول" أصله تتغول فحذفت إحدى التاءين كما في ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ وهو من تغولت الإنسان الغول. أي: ذهبت به وأهلكته. المعنى: أنه يصف النساء بأنهن يوما يجازين العشاق بوصل مقطع، ويوما يهلكنهم بالصدود والهجران. =
[ ١ / ٣٤٨ ]
ثم انتقل إلى المعتل من "الأفعال"١ فقال:
وأي فعل آخر منه ألف أو واو أو ياء فمعتلا عرف
أي: شرطية وبعدها "كان" التامة مقدرة وآخر منه مبتدأ وألف خبره والجملة خبر كان.
وقوله: "فمعتلا عرف" جواب الشرط، ويحتمل أن تكون "كان" المقدرة ناقصة وآخر اسمها وألف خبرها ووقف عليه بحذف التنوين على لغة ربيعة٢.
ويجوز أن تكون "أي" موصولة على مذهب من أجاز إضافتها إلى النكرة.
_________________
(١) = الإعراب: "فيوما" منصوب على الظرفية بالفعل بعده، "يوافين" فعل مضارع ونون النسوة فاعله، "الهوى" مفعول به، "غير" قال العيني: هو مفعول ثان أو منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا أي يوافين وفاء غير نافذ. ا. هـ. وعندي أنه على أية حال صفة لموصوف محذوف غير أنك لو قدرت ذلك المحذوف مصدرا كان مفعولا مطلقا كما قدره، ولو قدرته اسما غير مصدر كان مفعولا ثانيا أي يجازين الهوى حديثا غير نافذ أو ما في معنى ذلك، "ماضيٍ" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "غير" من الألفاظ المتوغلة في الإبهام فلا تفيده الإضافة تعريفا ومثلها لفظ مثل وما أشبهها، "ويوما" الواو عاطفة يوما منصوب على الظرفية بالفعل بعده. وقول العيني: إنه معطوف على يوما الأول خطأ؛ لأن الواو عطفت هذه الجملة كلها على الجملة السابقة وإلا لكان اليومان معمولين للفعل السابق، وذلك لم يذهب إليه أحد، "ترى" فعل مضارع وهي بصرية أولى من أن تكون علمية وفاعله ضمير مستتر فيه، "منهن" جار ومجرور متعلق بترى، "غولا" مفعول به، "تغول" فعل مضارع فاعله ضمير الغول المستتر فيه. والجملة في محل نصب صفة لغولا وإن جعلت علمية كانت هذه الجملة في محل نصب على أنها مفعول ثان. الشاهد: في "غير ماضيٍ" حيث حركت الياء في الماضي للضرورة، والقياس إسكانها لأنه اسم فاعل من مضى يمضي كقاض من قضى يقضي، فبعد الإعلال يصير ماض فتحذف منه الياء ويكتفي بالتنوين. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الشاطبي والأشموني في ١/ ٤٤ وفي سيبويه ١/ ٥٩. ١ أ، ب وفي ج "الألف". ٢ إحدى الشعبتين العظيمتين اللتين تتفرع إليهما العرب العدنانية والثانية مضر.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وحاصل البيت: أن كل فعل آخره ألف نحو: "يخشى" أو واو نحو: "يدعو" أو ياء نحو: "يرمي" فهو معتل قد عرف بهذا الاسم، ولا يقال منقوص ولا مقصور "إلا في الأسماء"١.
وقوله:
فالألف انو فيه غير الجزم
يعني بغير الجزم الرفع والنصب نحو: "زيد يسعى، ولن يسعى" فعلامة رفعه ضمة مقدرة وعلامة نصبه فتحة مقدرة.
وكل ما قدر في الألف فهو على سبيل التعذر، وإنما استثني الجزم؛ لأنه يظهر بحذف الألف كما سيأتي٢.
وقوله:
وأبدِ نصب ما كيدعو يرمي
أي "ويظهر"٣ نصب المعتل بالواو "كيدعو" والمعتل بالياء "كيرمي" فتقول: "لن يدعو، ولن يرمي" لخفة الفتحة.
وقوله:
والرفع فيهما انو
يعني: في المعتل بالواو والياء نحو: "زيد يدعو ويرمي" فعلامة رفعهما ضمة مقدرة في الواو والياء استثقالا كما سبق في المنقوص.
وقوله:
واحذف جازما ثلاثهن
يعني: الألف، والواو، والياء، تحذف الثلاثة للجازم نحو: "لم يخش ولم يرم ولم يغز".
والتحقيق: أن الحذف عند الجازم، لأنه فرع، إذا كان حرف العلة بدلا من همزة نحو: "يقرأ" فإن قدر دخول الجازم قبل الإبدال وجب إقراره٤ وإن قدر دخوله بعد الإبدال فقد ذكر ابن عصفور فيه وجهين: الإثبات والحذف، ومنع بعضهم الحذف.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "إلا في غير الأسماء". ٢ وأما الجزم فيظهر؛ لأنه يحذف له الحرف الأخير. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٤٥. ٣ ج وفي أ، ب "وأظهر". ٤ قال ابن هشام في التوضيح: "هو إبدال قياسي"، لأنك حينئذ تقلب الهمزة الساكنة حرف علة من جنس حركة ما قبلها.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وقوله: "تقض حكما لازما" يعني في غير ضرورة الشعر، وأما في الضرورة فقد تثبت هذه الأحرف ويقدر الجزم. كقول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي١
وكقول الآخر:
لم تهجو ولم تدع٢
_________________
(١) ١ البيت: هو مطلع قصيدة لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي. يعرض فيها بالربيع بن زياد وكانت بينهما شحناء، والقصيدة دالية ومن الوافر. وعجز البيت: بما لاقت لبون بني زياد وقد ذكر البيت كله في نسخة ب وفي أ، ج الشطر الأول. الشرح: "الأنباء" جمع نبأ وهو الخبر، "تنمي" -بفتح التاء- تزدد وتنتشر، "لبون" ذات اللبن وفي رواية "قلوص" بفتح القاف وضم اللام هي الناقة الشابة، "بني زياد" الربيع بن زياد وإخوته. المعنى: ألم يبلغك ما جرى لنياق بني زياد وهم المغاوير الذين يخشاهم الشجعان؟ والحال أن أخبارهم ملأت البقاع وعرفها القاضي والداني. الإعراب: "ألم" الهمزة للاستهفام، لم نافية جازمة، "يأتيك" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الحركة المقدرة على الياء إجراء للمعتل مجرى الصحيح والكاف ضمير المخاطب في محل نصب مفعول به، "والأنباء": الواو للحال، الأنباء مبتدأ، "تنمي" فعل مضارع فاعله مستتر فيه والجملة في محل رفع المبتدأ وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب على الحال، "بما" اختلف العلماء في الباء على أقول كثيرة وطال بينهم الجدل في أمرها. وأظهر ما ذهبوا إليها أنها زائدة وما: اسم موصول فاعل يأتي، "ولاقت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "لبون" فاعل، "بني زياد" مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره "لاقته" وزيادة الباء في الفاعل هنا ضرورة شعرية. الشاهد: في "ألم يأتيك" حيث أثبت الشاعر فيه حرف العلة وهو الياء مع الجازم للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٤٦، والشاطبي، والسندوبي، وابن هشام ١/ ٥٥، وأيضا في المغني ١/ ١٠٠، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٥٢، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ٢٤، والشاهد ٦٣٦ في خزانة الأدب، وكتاب سيبويه ج٢ ص٥٩. ٢ قال العيني في شرح الشواهد ج١ ص٢٣٤: لم أقف على اسم قائله، وفي نشأة النحو ص٥٩ قائله أبو عمرو بن العلاء للفرزدق، وهو من البسيط. وتمامه: هجوت زبان ثم جئت معتذرا من هجو زبان وقد ذكر البيت كله في نسخة ب، وفي أ، ج اكتفي بالشاهد. =
[ ١ / ٣٥١ ]
وقول الآخر:
ولا ترضَّاها ولا تملَّق١
ومنع بعضهم إثبات الألف وهو اختيار ابن عصفور.
وسبب هذا الخلاف، اختلافهم فيما حذفه الجازم، فقيل: الضمة المنوية فعلى هذا لا فرق بين الألف وأختيها، وقيل: الضمة الظاهرة. لفظ بها ضرورة ثم حذفت، فعلى هذا لا يجوز في الألف٢، إذ لا يمكن فيها ذلك.
_________________
(١) = الشرح: "زبان" -بفتح الزاي وتشديد الباء الموحدة- اسم رجل، واشتقاقه من الزبب وهو طول الشعر وكثرته. الإعراب: "هجوت" فعل وفاعل والتاء في رواية أكثر النحاة مفتوحة على أنها ضمير المخاطب. وهي فيما رواه المرتضى مضمومة على أنها للمتكلم، "زبان" مفعول به، "ثم" حرف عطف، "جئت" فعل وفاعل والجملة معطوفة على الجملة السابقة، "معتذرا" حال من الفاعل، "من هجو" جار ومجرور متعلق بمعتذر، "زبان" مضاف إليه، "لم" نافية جازمة، "تهجو" مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الحركة المقدرة على الواو، "ولم" الواو عاطفة ولم نافية جازمة، "تدع" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر للروي. الشاهد: في "لم تهجو" حيث أثبت الشاعر الواو مع الجازم للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني: ١/ ٤٦، والشاطبي، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٥٢، وابن يعيش في شرح المفصل ١٠/ ١٠٤، والإنصاف ١/ ١٦، والخصائص ١/ ٣٢٣، ٣٢٧. ١ قائله رؤبة بن العجاج الراجز، وهو من الرجز المسدس. وصدره: إذا العجوز غضبت فطلق وقد ذكر البيت كله في نسخة ب وفي أ، ج الشطر الثاني. المعنى: إذا غضبت العجوز وخاصمتك فطلقها ولا ترفق بها. الإعراب: "إذا" للشرط، "العجوز" مرفوع بفعل يفسره الظاهر بعده أي: إذا غضبت العجوز، "غضبت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، "فطلق" الفاء واقعة في جواب الشرط وطلق: فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، "ولا ترضاها" جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على قوله فطلق، "ولا تملق" جملة عطف على قوله ولا ترضاها أصله ولا تتملق فحذفت إحدى التاءين. الشاهد: في قوله: "ولا ترضاها" حيث أثبت الشاعر فيه الألف. وقدر الجزم تشبيها بالياء في قول الآخر: ألم يأتيك، وذلك للضرورة. مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، والسيوطي في همع الهوامع ٥٢٨، وابن يعيش في شرح المفصل ١٠/ ١٠٦، والشاهد رقم ٦٣٥ من خزانة الأدب. ٢ أ، ب وفي ج "الأفعال".
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقد ذهب قوم إلى أن هذه الحروف الثابتة إشباع١ وقد حذفت الحروف الأصلية للجازم، وقد ورد في الضرورة أيضا تقدير نصب الياء والواو -مثال الياء- قول الشاعر:
ما أقدر الله أن يدني على شحط من داره الحزن ممن داره صول٢
ومثال الواو قوله:
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب٣
_________________
(١) ١ فمثلا أشبعت الفتحة ترض فنشأت ألف والكسرة في يأتك فنشأت ياء والضمة في تهج فنشأت واو وأما ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ فلا نافية، لا ناهية، أي: فلست تنسى. ا. هـ. أشموني ١/ ٤٦ بتصرف. ٢ البيت لحندج بن حندج المري، وهو من قصيدة لامية، وهو من البسيط. الشرح: "أن يدني" من دنا يدنو إذا قرب "على شحط" بالشين المعجمة والحاء المهملة، أي: على بعد من شحط يشحط بفتح الشين وسكون الحاء، وهنا حركت الحاء للضرورة "داره الحزن" بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة، وهو اسم موضع ببلاد العرب، والحزن في الأصل ما غلظ من الأرض "صول" بضم الصاد المهملة وسكون الواو اسم موضع قاله الجوهري. الإعراب: "ما" تعجبية مبتدأ "أقدر" فعل ماض فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا "الله" منصوب على التعظيم وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ "أن" حرف مصدري ونصب "يدني" فعل مضارع منصوب بفتحة مقدرة على الياء، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف: أي على إدنائه، والجار والمجرور متعلق بأقدر "على شحط" جار ومجرور متعلق بيدني وعلى بمعنى مع، "من" اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ليدني، "داره الحزن" جملة من مبتدأ وخبر لا محل لها صلة الموصول، "ممن" جار ومجرور متعلق بيدني أيضا "داره صول" جملة من مبتدأ وخبر لا محل لها صلة من المجرورة في قوله "ممن". الشاهد: في قوله "أن يدني" حيث أثبت الشاعر الياء في ساكنة مع تقدير النصب وهو قليل. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٤٥. ٣ قاله عامر بن الطفيل بن مالك، كان سيد بني عامر في الجاهلية، وهو من قصيدة بائية من الطويل. وصدره: فما سودتني عامر عن وراثة وذكر البيت في نسخة ب، أوفي ج "العجز". الشرح: "فما سودتني" من السيادة، "أن أسمو" من السمو والعلو والارتفاع، "عامر" أراد بني عامر القبيلة، فلذلك أنث الفعل المسند إليها؛ لأنه كان سيد بني عامر، "عن وراثة" =
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقد ورد أيضا في الضرورة إظهار رفعهما مثال الياء. قوله:
تساوي عنزي غير خمس دراهم١
ومثال الواو قوله:
إذا قلت عل القلب يسلو قيضت هواجس لا تنفك تغريه بالوجد١
_________________
(١) = أن سيادته من نفسه لأجل كرمه وشجاعته لا أنها وراثة عن آبائه "أبى الله" من الإباء، وهو شدة الامتناع "بأم ولا أب"، أي من جهة الآباء والأمهات وزاد كلمة لا -تأكيدا للنفي- وقدم الأم على الأب لأجل القافية. الإعراب: "فما" نافية "سودتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية والياء مفعول به "عامر" فاعل "عن وراثة" متعلق بسود "أبى الله" فعل وفاعل "أن" مصدرية ناصبة "أسمو" فعل مضارع منصوب بفتحة مقدرة على الواو وفاعله ضمير المتكلم المستتر "بأم" جار ومجرور متعلق بأسمو "ولا" الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي المستفاد من معنى العامل وهو أبي "أب" معطوف على أم. الشاهد: في قوله "أن أسمو" حيث سكن الشاعر الواو مع النصب، لأن الحق أن يقال أن أسمو بنصب الواو، ولكنه سكنها للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية١/ ٤٥، والخصائص ٢/ ٣٤٢. ١ قال العيني ١/ ٢٤٧ في شرح الشواهد، هذا البيت أنشده الفراء ولم يذكر قائله، وقال أبو حيان: لا يعرف قائله بل لعله مصنوع. وقيل: قائله رجل من الأعراب وبحثت فلم أعثر له على قائل -وهو من قصيدة ميمية- من الطويل. وصدره: فعوضني عنها غناي ولم تكن وقد ذكر البيت في نسخة ب وفي ج "العجز". وحكاية الأعرابي أن عبد الله بن العباس خرج يريد معاوية بن أبي سفيان فأصابته سماء فنظر إلى نويرة عن يمينه فقال لغلامه: هيا بنا إليها فلما أتياها إذا شيخ ذو هيئة رحب به وذبح له شاة هي معيشة أهله فأعطاه خمسمائة دينار عوضا عن الشاة. الإعراب: "فعوضني" الفاء للعطف وعوضني فعل ماض والفاعل ضمير مستتر عائد إلى عبد الله والنون للوقاية والياء مفعول به، "عنها" متعلق بالفعل، "غناي" مفعول ثان لعوض، "ولم" حرف نفي، "تكن" فعل مضارع من كان الناقصة واسمها ضمير والجملة وقعت حالا، "تساوي" فعل مضارع من ساوى، "عنزي" فاعل والياء مضاف إليه، "غير" مفعول به والجملة خبر كان في محل نصب، "خمس" مجرور بالإضافة وكذلك "دراهم". الشاهد: في قوله "تساوي" حيث أبرز الشاعر فيه الضمة على الياء للضرورة. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٥٣. ٢ لم يذكر له العيني قائلا -ولم أعثر له على قائل- وهو من الطويل. =
[ ١ / ٣٥٤ ]
وربما قدر في "السعة"١ نصب الياء كقراءة بعضهم ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ٢ وجزمها كقراءة قنبل٣ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ ٤ ونصب الواو كقراءة بعضهم٥ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي﴾ ٦.
وبسط الكلام على ذلك لا يليق بهذا المختصر. والله أعلم.
_________________
(١) = الشرح: "عل" أي لعل القلب وهي لغة في لعل "يسلو" من سلوت عنه سلوا إذا برد قلبه من هواه، "قيضت" أي: سلطت، قال تعالى "وقيضنا لهم قرناء" "هواجس" جمع هاجسة من هجس في صدري شيء إذا حدث، والهاجس الخاطر، "تغريه" من الإغراء وهو التحريض. "بالوجد" وهو شدة الشوق. الإعراب: "إذا" للشرط، "قلت" فعل وفاعل وقعت فعل الشروط، "عل" لغة في لعل، "القلب" اسم لعل، "يسلو" جملة في محل رفع خبر عل والجملة مقول القول، "قيضت" فعل ماضي مبني للمجهول، "هواجس" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "لا تنفك" من الأفعال الناقصة واسمها ضمير مستتر يرجع إلى الهواجس، "تغريه" فعل مضارع والفاعل ضمير والضمير المنصوب مفعوله، وهو يرجع إلى القلب والجملة في محل نصب خبر لا تنفك، "بالوجد" جار ومجرور متعلق بالفعل، ولا تنفك إلى آخره في محل الرفع على أنها صفة لهواجس. الشاهد: في قوله يسلو حيث أظهر الضمة على الواو فدل هذا على أن المحذوف عند دخول الجازم هو الضمة الظاهرة التي كانت على الواو، وهذا رأي بعض النحاة. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٥٣. ١ أ، ب وفي ج "السبعة". ٢ سورة المائدة ٨٩. ٣ هو: أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن المخزومي المكي الملقب بقنبل، كان إماما في القراءة ضابطا متقنا انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز ورحل إليه الناس من الأقطار وهو من أصحاب ابن كثير، وتوفي بمكة سنة ٢٩١هـ. ٤ سورة يوسف: ٩٠. ٥ أ، ب. ٦ سورة البقرة: ٢٣٧.
[ ١ / ٣٥٥ ]
النكرة والمعرفة:
إنما قدم الناظم هذا الباب إلى هذا الموضع، لتوقف كثير من الأحكام الإعرابية عليه، وبدأ بالنكرة؛ لأنها الأصل. فقال:
نكرة قابل أل مؤثرا أو واقع موقع ما قد ذكرا
يعني أن النكرة قسمان أحدهما يقبل "أل" المؤثرة أي المعرفة نحو "رجل" "فإنه يقبلها"١ فتقول "الرجل".
والثاني: لا يقبل المؤثرة بنفسه، ولكنه واقع موقع شيء يقبلها نحو: "ذو" بمعنى صاحب، فإنه لا يقبل "أل" ولكنه واقع موقع صاحب وصاحب يقبل "أل"٢ فيستدل على تنكير "ذو" بذلك.
واحترز بقوله "مؤثرا" من أل الزائدة والتي للمح الصفة، فإنهما لا يدلان على تنكير ما يدخلان عليه، بل يدخلان على العلم.
"فالزائدة"٣ نحو:
باعد أم العمرو من أسيرها٤
والتي للمح الصفة "نحو: "الحارث" و"العباس".
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "فألفها تقبلها". ٢ ج. ٣ أ، ج. ٤ قال في الدرر اللوامع ص٥٣ ولم أعثر قائله، وفي شواهد المغني ص٦٠ قال: أنشده الأصمعي ولم ينسبه لأحد، وقيل لأبي النجم، قال الشيباني: اسمه المفضل. وعجز البيت: حراس أبواب على قصورها وذكر البيت في نسخة ب وفي أ، ج الصدر. الشرح: "أم العمرو" يريد أم عمرو، "الحراس" جمع حارس وهو حرس السلطان و"القصور" جمع قصر "باعد" أبعد "الأسير" فعيل بمعنى مفعول معناه المتيم المستعبد بالعشق. المعنى: أبعد المحبوبة عن أسيرها المتيم، يريد بذلك نفسه، حراس أبواب قصورها. الشاهد: في قوله "أم العمرو" حيث دخلت أل الزائدة على العلم. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ٥، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٠، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٤٤، ٢/ ١٣٢، والإنصاف ١/ ١٩٨.
[ ١ / ٣٥٦ ]
فإن قلت: أل في الحارث ونحوه مؤثرة للمح الصفة فهي واردة على إطلاقه.
قلت: التي للمح الصفة١ لم تؤثر في الاسم الذي دخلت عليه أثرا من تعريف ولا غيره، وإنما نبهت عن أصله، وإن كان صفة.
فإن قلت: حصر النكرة، في القسمين غير صحيح، لوجود ثالث لا يقبل "أل" ولا يقع موقع شيء يقبلها وهو نكرة، وذلك "من وما" في الشرط٢ والاستفهام خلافا لابن كيسان في "مَن وما" الاستفهاميتين، فإنهما عنده معرفتان.
قلت: الحصر في القسمين صحيح، وما ومن المذكورتان واقعتان موضع شيء يقبل "أل" ولا يشترط أن يكون مساويا لهما في تضمن معنى الشرط "والاستفهام"٣، لأن "من وما" لم يوضعا في الأصل لذلك، وتضمن معنى الشرط و"الاستفهام"٤ طارئ على معناهما الأصلي فليتأمل٥.
ولما فرغ من تعريف النكرة انتقل إلى المعرفة. فقال: "وغيره معرفة".
أي: وغير النكرة معرفة، إذ لا وساطة بينهما، واستغنى بذلك عن حد المعرفة.
قال في شرح التسهيل: من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه.
ثم أشار إلى أنواع المعارف بالأمثلة وهي ستة أنواع:
مضمر، وعلم، واسم إشارة، وموصول، وذو أداة، ومضاف إلى واحد من هذه إضافة تخصيص.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ ج، وفي أ، ب "الشروط". ٣ أ، ج. ٤ أ، ب. ٥ "ومن ذلك أيضا "من" و"ما" نكرتين موصوفتين، كما في "مررت بمن معجب لك" و"بما معجب لك" فإنهما لا يقبلان "أل" لكنهما واقعان موقع إنسان وشيء، وكلاهما يقل أل، وكذلك "صه" و"مه" بالتنوين لا يقبلان "أل" لكنهما يقعان موقع ما يقبلهما، وهو "سكوتا" وانكفافا". ا. هـ. أشموني ١/ ٤٦.
[ ١ / ٣٥٧ ]
"وهم" مثال للمضمر، "وذي" مثال لاسم الإشارة، "وهند" مثال للعلم، "وابني" مثال للمضاف، و"الغلام" مثال لذي الأداة "والذي" مثال للموصول، وأعرفها المضمر على الأصح ثم العلم، ثم اسم الإشارة، ثم الموصول، ثم ذو الأداة، وقيل: هما في مرتبة واحدة. وقيل: ذو الأداة أعرف من الموصول والمضاف إلى واحد منها في مرتبته مطلقا على رأي المصنف "إلا"١ المضاف إلى المضمر، فإنه في مرتبة العلم على رأي أكثرهم٢.
وقال في التسهيل: أعرفها ضمير المتكلم ثم المخاطب ثم العلم ثم الغائب السالم عن إبهام "ثم المشار به والمنادى والموصول"٣، ٤ ومثلها في النظم غير مرتبة، ورتب أبوابها.
فإن قلت: بقي من المعارف قسم سابع وهو النكرة المقصودة في النداء نحو: "يا رجل" فلم تركه؟ "وما"٥ مرتبته؟
قلت: لم يدع الحصر بل أتى بكاف التشبيه المشعرة بعدم الحصر، وأيضا فقد ذهب قوم إلى أن نحو: "يا رجل" إنما تعرف بأل المقدرة، وأما مرتبته عند من جعل تعريفه بالمواجهة والقصد فمرتبته اسم الإشارة.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "أما". ٢ راجع الأشموني ١/ ٤٨. ٣ ب. ٤ قال في التسهيل ص٢١: " ثم الموصول ذو الأداة والمضاف بحسب المضاف إليه". ٥ أ، ب وفي ج "ولا".
[ ١ / ٣٥٨ ]
الضمير:
ثم شرع في الكلام على أن أعرف المعارف وهو المضمر. فقال:
فما الذي غيبة او حضور كأنت وهو سم بالضمير
الضمير: هو الموضوع لتعيين مسماه مشعرا بتكلمه أو خطابه أو غيبته، وهذا هو المراد بقوله: "فما الذي غيبة أو حضور" أي: فما وضع لمسمى ذي غيبة أو حضور. "والحضور"١ يشتمل للمتكلم والخطاب، لكن فيه إيهام إدخال اسم الإشارة.
وأجاب الشارح بأن إفراد اسم الإشارة بالذكر يرفع الإيهام٢ ومثل الحاضر: "بأنت" والغائب "بهو".
وقوله "سم بالضمير" هذا هو اصطلاح البصريين يسمى عندهم بالضمير والمضمر، والكوفيون يسمونه الكناية والمكنى.
والضمير قسمان: متصل ومنفصل، والمتصل قسمان: بارز ومستتر. هذا تقسيم الجمهور.
وأما المصنف فقسمه أولا إلى بارز ومستتر، فالبارز ما له صورة في اللفظ، والمستتر ضده، والبارز قسمان: متصل ومنفصل.
ولما كان المتصل هو الأصل، لكونه أخصر قدمه على المنفصل فقال:
وذو اتصال منه ما لا يبتدا ولا يلي إلا اختيارا أبدا
أي: الضمير المتصل هو الذي لا يصح وقوعه أول الكلام ولا بعد "إلا" في الاختيار.
والمنفصل بخلافه، أي: يصح وقوعه أول الكلام وبعد "إلا" في الاختيار، وسيأتي تمثيل النوعين:
واحترز بقوله: "اختيارا" من وقوع المتصل بعد "إلا" في ضرورة الشعر، كقول الشاعر:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ألا يجاورنا إلاك ديار٣
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ راجع الشارح ص٢١. ٣ قال العيني ج١ ص٢٥٣ في شرح الشواهد: هذا البيت أنشده الفراء ولم ينسبه إلى أحد، وبحثت فلم أعثر على قائله. وهو من البسيط. الشرح: "وما نبالي" وما نكترث ولا نهتم، وأكثر ما يستعمل هذا بعد النفي، "جارتنا" تأنيث الجار، "ألا يجاورنا" جاء فيه علا يجاورنا بإبدال الهمزة عينا، "إلاك" أي: إلا إياك، "ديار" وكلاهما لا يستعمل إلا بعد النفي "وما" الأولى نافية والثانية زائدة. ويروى: "وما علينا إذا ما كنت " ويروى: "ألا يجاورنا سواك ديار". المعنى: إذا كنت أيتها المحبوبة جارتنا لا نبالي ألا يجاورنا أحد غيرك ففيك الكفاية، وحاصلة: أنت المطلوبة فإذا حصلت فلا التفات إلى غيرك. =
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال آخر:
أعوذ برب العرش من فئة بغت عليّ فمالي عوض إلاه ناصر١
_________________
(١) = الإعراب: "ما" نافية، "نبالي" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه، "إذا" ظرفية شرطية، "ما" زائدة، "كنت" فعل ماض ناقص والتاء ضمير المخاطبة اسمه، "جارتنا" خبر كان والضمير مضاف إليه، "أن" مصدرية ناصبة، "لا" نافية، "يجاورنا" مضارع منصوب بأن والضمير في محل نصب مفعول به ليجاور وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لنبالي، "إلاك" إلا استثنائية والكاف مستثنى تقدم على المستثنى منه، "ديار" فاعل يجاور وهو المستثنى منه. الشاهد: في قوله: "إلاك" فإنه أتى بالضمير المتصل بعد إلا ضرورة، وكان القياس أن يقول إلا إياك بالضمير المنفصل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٢٢، وابن عقيل ١/ ٤٧، والشاطبي والسندوبي وداود والأشموني ١/ ٤٨، والسيوطي ص١٤، والمكودي ص١٥، وابن هشام ١/ ٦١، وأيضا ذكره في المغني ٢/ ٧٨، والسيوطي في الهمع ١/ ٥٧، وابن يعيش في المفصل ٣/ ١٠١، والشاهد رقم ٢٨٣، في خزانة الأدب والخصائص ١/ ٣٠٧، ٢/ ١٩٥. قال العيني في شرح الشواهد ج١ ص٢٥٥، لم أقف على اسم قائله وبحثت فلم أعثر على قائله. وهو من الطويل. الشرح: "أعوذ" ألتجئ وأتحصن، "من فئة" من جماعة "بغت" من البغي بمعنى الظلم والعدوان، "عوض" ظرف يستغرق المستقبل مثل "أبدا" إلا أنه مختص بالنفي، وهو مبني على الضم كقبل وبعد. المعنى: إني ألتجئ إلى رب العرش وأتحصن بحماه عن جماعة ظلموني فليس لي معين ولا وزر سواه. الإعراب: "أعوذ" فعل مضارع فاعله مستتر فيه، "برب" جار ومجرور متعلق بأعوذ، "العرش" مضاف إليه، "من فئة" جار ومجرور متعلق بأعوذ، "بغت" فعل ماض وفاعله مستتر فيه والتاء للتأنيث. والجملة صفة لفئة، "عليّ" جار ومجرور متعلق ببغى، "فما" نافية، "لي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "عوض" ظرف زمان مبنيّ على الضم في محل نصب متعلق بناصر، "إلاه" حرف استثناء والهاء مستثنى مبنيّ على الضم في محل نصب، "ناصر" مبتدأ مؤخر. الشاهد: في "إلاه" حيث وقع الضمير المتصل بعد "إلا" وهو شاذ لا يجوز إلا في الضرورة الشعرية إلا عند ابن الأنباري ومن ذهب بعد مذهبه فإن ذلك عندهم جائز. وكان القياس أن يقال: "إلا أياه" وأنكر المبرد وقوع المتصل بعد إلا مطلقا حتى إنه أنكر رواية "إلاك" وأميل إلى رأي ابن الأنباري؛ لأنه على رأي المبرد لا شاهد في البيت. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٤٦، وداود.
[ ١ / ٣٦٠ ]
تنبيهان:
الأول: منع المبرد "وقوع المتصل بعد إلا مطلقا، وأنشد "سواك ديار" وأنكر رواية "إلاك" وأجازه ابن الأنباري"١ مطلقا.
الثاني: كلام الناظم هنا موافق لمذهب الجمهور، في كون وقوع المتصل بعد "إلا" ضرورة.
وقال في التسهيل٢ وشذ "إلاك" فلا يقاس عليه "وصرح في باب الاستثناء من شرح التسهيل، بأن ذلك ليس بضرورة"٣ ثم مثل المتصل فقال:
كالياء والكاف من ابني أكرمك والياء والهاء من سليه ما ملك
المضمر المتصل ثلاثة أقسام: مرفوع ومنصوب ومجرور، وكل من الثلاثة، إما لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب.
فالمرفوع للمتكلم "فعلتُ، فعلنا" والمخاطب "فعلتَ، فعلتِ، فعلتما، فعلتم، فعلتن".
وللغائب "فعل، فعلتْ، فعلا، فعلوا، فعلن" والمنصوب للمتكلم "أكرمني، أكرمنا".
وللمخاطب "أكرمكَ، أكرمكِ، أكرمكما، أكرمكم، أكرمكن".
وللغائب: "أكرمه، أكرمها، أكرمهما، أكرمهم، أكرمهن".
والمجرور للمتكلم: "مرَّ بي، مرَّ بنا" وللمخاطب "مر بكَ، مر بكِ، مر بكما، مر بكم، مر بكن" وللغائب "مر به، مر بها، مر بهما، مر بهم، مر بهن".
فهذه ستة وثلاثون ضميرا متصلا، والسابع والثلاثون "ياء المخاطبة" نحو: "تفعلين يا هند" على مذهب سيبويه٤.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ التسهيل ٢٧. ٣ أ، ج. ٤ ج١، ص٥ سيبويه.
[ ١ / ٣٦١ ]
وقد أشار الناظم إلى المتكلم بالياء "من ابني" وإلى المخاطب بالكاف من "أكرمك" وإلى الغائب بالياء من "سليه".
وأشار أيضا إلى الرفع من سليه، وإلى النصب بالكاف من أكرمك، وإلى الجر بالياء من ابني.
فقد نبه بهذه الأمثلة الأربعة على الأقسام كلها.
ثم أشار إلى حكم عام لجميع المضمرات فقال:
وكل مضمر له البنا يجب
المضمرات كلها مبنية بالاتفاق، واختلف في سبب بنائها فقيل: "بنيت"١ لشبهها بالحرف في المعنى؛ لأن كل ضمير متضمن معنى التكلم أو الخطاب أو الغيبة وهي من معاني الحروف "وقيل"٢ غير ذلك.
وقد ذكر في التسهيل، لبنائه أربعة أسباب:
أولها: شبه الحرف وضعا؛ لأن أكثره على حرف أو حرفين وحمل الباقي على الأكثر.
وثانيها: شبه الحرف افتقارا؛ لأن المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو غيرها.
وثالثها: شب الحرف جمودا، والمراد بالجمود عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى في التصغير وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات.
ورابعها: الاستغناء باختلاف صيغة لاختلاف المعاني. ا. هـ٣.
قال الشارح٤: ولعل هذا المعتبر عند الشيخ٥ في بناء المضمرات، ولذا عقبه بتقسيمها بحسب الإعراب، كأنه قصد بذلك "إظهار"٦ علة البناء، فقال٧:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ ج. ٣ قال في التسهيل ص٢٩ "وبنى المضمر لشبهه بالحرف وضعا وافتقارا وجمودا أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني". ٤ راجع للشارح ص٢٢. ٥ هو: ابن مالك وقد ترجمت له. ٦ أ، ب. ٧ راجع الأشموني ١/ ٤٩.
[ ١ / ٣٦٢ ]
ولفظ ما جر كلفظ ما نصب
أي: الصالح للجر من الضمائر المتصلة هو الصالح للنصب.
وقد "تم"١ تقدم ذكره٢.
ثم قال:
للرفع والنصب وجر نا صلح
يعني: أن هذا الضمير، يعني لفظ "نا" صلح للرفع والنصب والجر، ومثل للثلاثة بقوله:
كاعرف بنا فإننا نلنا المنح
فموضع "نا" جر بعد الباء ونصب بعد "إن" ورفع بعد الفعل.
وما سوى ما ذكر من "الصالح"٣ للنصب والجر والصالح للثلاثة مختص بالرفع٤ فالأقسام ثلاثة وذلك واضح، ثم قال:
وألف والواو والنون لما غاب وغيره كقاما واعلما
الضمير المتصل بالنسبة إلى المعنى على ثلاثة أقسام: مختص بالحاضر "كالكاف" ومختص بالغائب "كالهاء".
وهذان القسمان ظاهران، وقسم يكون للغائب تارة وللمخاطب أخرى، وهو ثلاثة ضمائر: ألف الاثنين، وواو الجمع، ونون الإناث، ومثل الألف "بقاما واعلما" فالألف في قاما للغائبين وفي اعلما للمخاطبين، ومثال الواو "قاموا واعلموا" والنون "قمن واعلمن".
_________________
(١) ١ أ. ٢ نحو "إنه" و"له" و"رأيتك" و"مررت بك" أشموني ١/ ٤٩. ٣ ب، ج. ٤ وإنما لم يذكر المصنف الياء وهم، وأما الياء وهم، فإنهما يستعملان للرفع والنصب والجر، لكن لا يشبهان "نا" من كل وجه: فإن الياء، وإن استعملت للثلاثة وكانت ضميرا متصلا فيها إلا أنها ليست فيا بمعنى واحد؛ لأنها في حالة الرفع للمخاطبة نحو: اضربي وفي حالة الجر والنصب للمتكلم نحو: "لي" و"إني"، و"هم" تستعمل للثلاثة وتكون فيها بمعنى واحد. إلا أنها في حالة الرفع ضمير منفصل وفي الجر والنصب ضمير متصل. ا. هـ. أشموني ج١ ص٤٩.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فإن قلت: قوله "وغيره" أعم من المخاطب.
قلت: لما كانت الألف والواو والنون لا تكون للمتكلم "تعينت"١ إرادة المخاطب وذلك بين.
ثم أشار إلى المستتر فقال:
ومن ضمير الرفع ما يستتر
فعلم من تخصيصه بالرفع أن المستتر لا يكون ضمير نصب ولا جر.
والمستتر ضربان: واجب الاستتار، وهو ما يخلفه الظاهر، وجائز الاستتار وهو ما يخلفه الظاهر.
فالواجب الاستتار في سبعة مواضع: فعل أمر الواحد "كافعل" والمضارع المبدوء بهمزة المتكلم "كأوافق" والمبدوء بتاء الخطاب "التي"٢ للمفرد "كتغتبط" والمبدوء بنون المتكلم المعظم نفسه أو المشارك "كنشكر"٣، واسم فعل الأمر "كنزال" واسم المضارع "كأف" والمصدر الواقع بدلا من فعله في الأمر نحو: "ضربا زيدا".
فإن قلت: قد أخل الناظم بهذه الثلاثة "الأواخر"٤.
قلت: لم يدع الحصر، وإنما مثل ليقاس على تمثيله، وأيضا فاختصر على الأفعال لأصالتها في العمل، واسم الفعل والمصدر نائبان على الفعل في ذلك.
والجائز الاستتار هو "المرفوع"٥ بفعل الغائب والغائبة ماضيا ومضارعا٦ وبالصفة وباسم الفعل الماضي.
ثم انتقل إلى الضمير المنفصل وهو نوعان: مرفوع ومنصوب، وبدأ بالمرفوع فقال:
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "فعنيت". ٢ ب. ٣ ب، ج وفي أ "كنشرك". ٤ ب، وفي أ، ج "الأخر". ٥ أ، ب وفي ج "الموضوع". ٦ مثل "زيد يقوم" أي هو وهذا الضمير جائز الاستتار؛ لأنه يحل محله الظاهر فتقول زيد يقوم أبوه، وكذلك كل فعل أسند إلى غائب أو غائبة نحو: "هند تقوم" وما كان بمعناه نحو "زيد قائم" أي: هو. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٥١. وقال الأشموني ١/ ٥٠: "وخص ضمير الرفع بالاستتار لأنه عمدة يجب ذكره". ا. هـ.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وذو ارتفاع وانفصال أنا هو وأنت والفروع لا تشتبه
ضمير الرفع المنفصل ثلاثة أقسام: متكلم، ومخاطب، وغائب، فلذلك مثل بثلاثة أمثلة.
والمراد بالفروع: ما دل على مؤنث أو مثنى أو مجموع، "فأنا" له فرع واحد هو "نحن".
و"أنت" له أربعة فروع "أنتِ، أنتما، أنتم، أنتن".
و"هو" له أربعة أيضا "هي، هما، هم، هن".
تنبيه:
مذهب البصريين أن ألف "أنا" زائدة، والاسم هو الهمزة والنون، واستدلوا بحذف الألف وصلا، وإنما زيدت وقفا لبيان الحركة، ولذلك عاقبتها هاء السكت في قول حاتم: "هذا فزدي أنه"١.
ومذهب الكوفيين: أن الاسم هو مجموع الأحرف الثلاثة واختاره المصنف٢ وفي "أنا" لغات الفصيحة حذف ألفه وصلا وإثباتها وقفا.
والثانية إثباتها وصلا ووقفا وهي لغة تميم٣.
والثالثة "هنا"٤ بإبدال همزته هاء.
والرابعة: آن بمدة بعد الهمزة.
قال المصنف: من قال "آن" فإنه قلب "أنا" كما قال بعض العرب في رأي راء.
_________________
(١) ١ ورد في مجمع الأمثال للميداني رقم ٤٥٥٢: "هذا فصدي" قيل: إن أول من تكلم به كعب بن مامة، وذلك أنه كان أسيرا في غزة، فأمرته أم منزله أن يفصد لها ناقة فنحرها. فلامته على نحره إياها فقال هكذا فصدي، يريد أنه لا يصنع إلا كما يصنع الكرام. ٢ وقد ارتضيت هذا الرأي لسهولته. ٣ تميم قبيلة من أشهر قبائل مضر العدنانية. ٤ أ، ج.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والخامسة: "أن" "كعن"١ حكاها قطرب.
وأما "أنت" وفروعه، فالضمير عند البصريين "أن" والتاء وحرف خطاب "ومذهب الفراء أن "أنت"٢ بجملته ضمير"٣.
ومذهب جمهور البصريين أن "هو" بجملته ضمير وكذلك، "هي" وأما "هما وهم وهن" فذهب أبو عليّ٤: إلى أنها بجملتها ضمائر، وقد قيل غير ذلك مما لا يحتمل ذكره هذا الموضع.
ثم ثنى بالمنصوب فقال:
وذو انتصاب في انفصال جعلا إياي والتفريع ليس مشكلا
"إيا" هو الضمير المنصوب المنفصل ولواحقه حروف تدل على المراد به من تكلم أو خطاب أو غيبة، هذا مذهب سيبويه٥ وذهب الخليل: إلى أن "إيا" ضمير مضاف إلى لواحقه وهو ضمائر وإليه ذهب المصنف٦ وفيه مذاهب أخر لا نطول بها.
فللمتكلم: "إياي، إيانا" وللمخاطب "إياك، إياكِ، إياكما، إياكم، إياكن".
وللغائب: "إياه، إياها، إياهما، إياهم، إياهن"، وهذا معنى قوله: "والتفريع ليس مشكلا".
ثم قال:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتي أن يجيء المتصل
_________________
(١) ١ أ. ٢ وذهب ابن كيسان إلى أن الضمير التاء فقط وكثرت بأن، همع ١/ ٦٠، وإلى رأي الفراء أميل. ٣ أ، ب. ٤ راجع الأشموني ١/ ٥١. ٥ راجع كتاب سيبويه ١/ ٨٣. ٦ ورد بأنه لو صح ذلك لوجب إعرابها لأن المبني إذا لزم الإضافة أعرب، وما استدل به شاذ، والشاذ لا تقوم به حجة، ولكن اختاره المصنف، وجعل إضافته مع أنه معرفة لزيادة الوضوح كما في "علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم". ا. هـ. صبان ١/ ١١٠.
[ ١ / ٣٦٦ ]
لما كان الغرض من وضع المضمر الاختصار، وكان المتصل أخصر لم يستعمل المنفصل مع تأتي المتصل وإمكانه إلا في الضرورة كقوله:
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير١
وإلى هذا أشار بقوله: وفي اختيار.
ولا بد من ذكر المواضع التي يتعين فيها الانفصال؛ لعدم تأتي الاتصال وهي اثنا عشر موضعا:
_________________
(١) ١ البيت من قصيدة للفرزدق يفتخر فيها بمدح يزيد بن عبد الملك وهو من البسيط. الشرح: "الباعث" الذي يبعث الأموات ويحييهم بعد فنائهم "الوارث" الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك "قد ضمنت" بكسر الميم المخففة بمعنى تضمنت أي اشتملت عليهم أو بمعنى كفلت، كأنها تكفلت بأبدانهم، "دهر الدهارير" الشدائد، وفي القاموس وهو أول الدهر في الزمن لماضي بلا واحد. المعنى: أقسمت بالذي يرث الأموات ويبعثهم بعد فنائهم وقد شملتهم الأرض في أزمان الشدائد والمقسم عليه في الأبيات بعده. الإعراب: بالباعث: جار ومجرور متعلق بقوله حلفت في البيت قبله، "الوارث" يحتمل أن يكون منصوب بالفتحة الظاهرة على أن الوصفين اللذين هما الباعث والوارث تنازعاه وأعمل فيه أحدهما ويحتمل أن يكون مجرورا بالكسرة الظاهرة بإضافة أحد الوصفين، "قد" حرف تحقيق، "ضمنت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "إياهم" مفعول به، "الأرض" فاعل، "في دهر" جار ومجرور متعلق بضمنت، "الدهارير" مضاف إليه لدهر، وجملة ضمن وفاعله في محل نصب على الحال من الأدوات، أو في محل نصب أو جر صفة للأموات أيضا؛ لأن "أل" الداخلة على الأموات جنسية. وبدخول أل الجنسية معرفة لفظا نكرة معنى فإن راعيت لفظه جعلت الجملة التي بعده حالا فهي في محل نصب، وإن نظرت إلى معناه جعلت الجملة صفة فمحلها تابع للموصوف وهذا الموصوف كما عرفت إما مجرور بإضافة أحد الوصفين وإما منصوب على أنه مفعول به لأحدهما لا جرم إذا جعلت الجملة صفة كانت إما في محل جر وإما في محل نصب. الشاهد: في "إياهم" حيث فصل الضمير المنصوب لأجل الضرورة فإن الأصل والقياس أن يقال ضمنتهم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٢٤ وابن هشام ١/ ٦٦ وابن عقيل ١/ ٥٤ والشاطبي وداود، والسندوبي والأشموني في ١/ ٥١، والمكودي ص١٧، والسيوطي ص١٦ وذكره أيضا في همع الهوامع ١/ ٦٢، والخصائص ١/ ٣٠٧، ١/ ١٩٥، والإنصاف ٢/ ٤٠٩.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الأول: أن يحصر بإلا وشذ "إلاك" فلا يقاس عليه.
الثاني: أن يحصر بإنما كقول الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي١
الثالث: أن يرفع بمصدر مضاف إلى المنصوب كقول الشاعر:
بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا٢
_________________
(١) ١ قائله الفرزدق بن همام وهو من قصيدة لامية من القصائد التي عارض فيها جريرا ويجهوه. وهو من الطويل. الشرح: "الذائد" -بالذال المعجمة- المدافع "الحامي" من الحماية وهو الدفع "الذمار" -بكسر المعجمة وتخفيف الميم- ما يجب على الإنسان حمايته والمحافظة عليه. المعنى: "أنا الذائد" أمنع عن قومي وأحمي حماهم، وليس هذا إلا أنا أو من يماثلني في الصفات. الإعراب: "أنا" مبتدأ "الذائد" خبره "الحامي" صفة له أو خبر ثان "الذمار" مضاف إليه. أو منصوب على أنه مفعول به للحامي "وإنما" أداة قصر مركبة من "إن" المؤكدة "وما" الكافة "يدافع" فعل مضارع "عن أحسابهم" جار ومجرور متعلق بيدافع والضمير المضاف إليه "أنا" فاعل "أو" حرف عطف. "مثلي" معطوف على الفاعل وياء المتكلم مضاف إليه. الشاهد: في "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا" حيث أتى فيه بضمير منفصل وهو "أنا" لأنه واقع بعد إلا في المعنى، إذ المعنى ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا، وقال الشيخ عبد القاهر: ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأنه ليس به ضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٦٨، والأشموني ١/ ٥٢، والأصطهناوي، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٢. ٢ قال في الدرر اللوامع ص٢٩: لم أعثر على قائله، وأيضا لم أعثر له على قائل، وهو من البسيط. الشرح: "ظافرين" من الظفر، وروى فائزين، ومعنى الظفر هنا الاستيلاء على العدو "أغرى" أي: أشلى من الإغراء، قال تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ "العدا" بكسر العين جمع عدو، "الاستسلام" الانقياد والطاعة، "الفشل" بالفاء والشين المعجمة المفتوحتين من فشل -بالكسر- إذا جبن، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ . الإعراب: "بنصركم" الباء متعلق بقوله كنتم والنصر مصدر مضاف إلى مفعوله "نحن" فاعله، والتقدير: كنتم ظافرين على العدا بنصرنا إياكم "كنتم" كان واسمها "ظافرين" خبرها "وقد" الواو للحال قد للتحقيق "أغرى" فعل ماض "العدا" مفعول به "بكم" جار ومجرور متعلق بأغرى "استسلامكم" فاعل "فشلا" نصب على التعليل أي: لأجل الفشل. الشاهد: في "بنصركم نحن" حيث جاء الضمير منفصلا لعدم تأتي الاتصال. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٣.
[ ١ / ٣٦٨ ]
الرابع: أن يرفع بصفة جرت على غير "صاحبها"١ نحو زيد عمرو ضاربه هو، مطلقا عند البصريين٢ وبشرط خوف اللبس عند الكوفيين.
الخامس: أن يحذف عامله نحو:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب٣
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "من هي له". ٢ أي: سواء أمن اللبس أم لا فالأول نحو "هند عمرو ضاربته هي" والثاني نحو المثال المذكور. ٣ البيت: للبيد بن ربيعة العامري، وهو من قصيدته المشهورة التي يقول فيها: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وهو من الطويل. وعجز البيت: لعلك تهديك القرون الأوائل الشرح: "فانتسب" من الانتساب، "تهديك" أي: تعرفك، "القرون" جمع قرن -بفتح القاف- قال الجوهري: القرن من الناس أهل زمان واحد، ويقال القرن ثلاثون سنة وقيل مائة سنة "الأوائل"، جمع أول وهو نقيض الآخر، وأصله أوأل على وزن أفعل، مهموز الأوسط، فقلبت الهمزة واوا وأدغم ويقال: ووأل على وزن فوعل فقلبت الواو الأولى همزة. وتمام معنى البيت في الذي يليه: فإن لم تجد من دون عدنان والدا ودون معد فلتزعك العواذل المعنى: إن غاية الإنسان الموت فينبغي له أن يتعظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان أو معد فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء فليعلم أنه يصير مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عما هو عليه والعواذل هنا حوادث الدهر. الإعراب: "إن" حرف شرط جازم تجزم فعلين وفعل الشرط مقدر تقديره فإن ضللت "أنت" فيه وجهان أحدهما "أنت" مبتدأ وذلك على ما أجازه سيبويه من جواز الرفع بالابتداء بعد أداة الشرط إذا كان في الجملة التي هي مطلوب الشرط فعل هو خبر نحو إن الله أمكنني من فلان. والوجه الثاني أن يكون "أنت" في موضع نصب وهو مما وضع فيه الضمير المرفوع موضع الضمير المنصوب كما وضعوا المنصوب موضع المرفوع قالوا: لم يضربني إلا أياه "لم" حرف نفي وجزم وقلب "ينفعك" فعل مضارع مجزوم بلم والكاف مفعول به "علمك" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والكاف مضاف إليه "فانتسب" جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء والأصل فيه أن يكون فعلا كما أن الشرط الذي هو علة له فعل، وقد يكون الجواب جملة فعلية طلبية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوَا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ومنه قوله فانتسب "لعلك" هنا للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَُه قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ والكاف اسمه "يهديك" فعل مضارع والكاف مفعول به "القرون" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة في محل رفع خبر لعل "الأوائل" صفتها. الشاهد: في "فإن أنت" حيث انفصل الضمير، لما أضمر العامل وهو فعل الشرط. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٦١، ٢/ ٥٩.
[ ١ / ٣٦٩ ]
السادس: أن يؤخر عامله نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ١.
السابع: أن يكون العامل حرف نفي نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ٢.
الثامن: أن يفصله متبوع نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ ٣.
التاسع: أن تلي واو المصاحبة نحو:
تكون وإياها "بها"٤ مثلا بعدي٥
العاشر: أن تلي "أما" نحو:
بك أو بي استعان فليل أما أنا أو أنت ما ابتغي المستعين٦
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة: ٥. ٢ سورة المجادلة: ٢. ٣ سورة الممتحنة: ١. ٤ ب، ج. ٥ قاله أبو ذؤيب خويلد الهذلي من قصيدة يخاطب بها خالد بن أخته وهو من الطويل. وصدره: فآليت لا أنفك أحذو قصيدة الشرح: "فآليت" أي: حلفت، "لا أنفك": لا أزال، "أحذو" بالحاء المهملة والذال المعجمة من حذوت النعل بالنعل حذو إذا سويت أحدهما على قدر الآخر. الشاهد: في "تكون وإياها" حيث جاء الضمير منفصلا، لكونه ولي واو المصاحبة. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٣، ٢٢٠. ٦ قال العيني في شرح الشواهد ج١ ص٢٩٩ -لم أقف على اسم قائله- وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الخفيف. الشرح: "استعان" من الاستعانة وهو طلب العون، "فليل" أمر من ولي الأمر يليه ولاية "ما ابتغى" الابتغاء وهو الطلب. الإعراب: "بك" جار ومجرور متعلق بقوله استعان "أو بي" عطف عليه "استعان" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "فليل" الفاء فيه تصلح أن تكون للتعليل وهو فعل الأمر وفاعله قوله "أنا" "إما" ههنا للتخيير "أو أنت" عطف على قوله "أنا" والتقدير: ليل إما أنا أو ليل أنت "ما ابتغى" "ما" موصولة وابتغى فعل وفاعله ضمير "المستعين" مفعوله وجملة ابتغى لا محل لها صلة الموصولة والعائد محذوف تقديره: ما ابتغاه المستعين، وجملة ما ابتغى المستعين معمول لقوله فليل. الشاهد: في إم وأنا، حيث جاء الضمير فيه منفصلا لأنه وقع فيما يلي إما، وتعذر الاتصال فيه.
[ ١ / ٣٧٠ ]
السادس: أن يؤخر عامله نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ١.
السابع: أن يكون العامل حرف نفي نحو: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ٢.
الثامن: أن يفصله متبوع نحو: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ ٣.
التاسع: أن تلي واو المصاحبة نحو:
تكون وإياها "بها"٤ مثلا بعدي٥
العاشر: أن تلي "أما" نحو:
بك أو بي استعان فليل أما أنا أو أنت ما ابتغي المستعين٦
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة: ٥. ٢ سورة المجادلة: ٢. ٣ سورة الممتحنة: ١. ٤ ب، ج. ٥ قاله أبو ذؤيب خويلد الهذلي من قصيدة يخاطب بها خالد بن أخته وهو من الطويل. وصدره: فآليت لا أنفك أحذو قصيدة الشرح: "فآليت" أي: حلفت، "لا أنفك": لا أزال، "أحذو" بالحاء المهملة والذال المعجمة من حذوت النعل بالنعل حذو إذا سويت أحدهما على قدر الآخر. الشاهد: في "تكون وإياها" حيث جاء الضمير منفصلا، لكونه ولي واو المصاحبة. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٣، ٢٢٠. ٦ قال العيني في شرح الشواهد ج١ ص٢٩٩ -لم أقف على اسم قائله- وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الخفيف. الشرح: "استعان" من الاستعانة وهو طلب العون، "فليل" أمر من ولي الأمر يليه ولاية "ما ابتغى" الابتغاء وهو الطلب. الإعراب: "بك" جار ومجرور متعلق بقوله استعان "أو بي" عطف عليه "استعان" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "فليل" الفاء فيه تصلح أن تكون للتعليل وهو فعل الأمر وفاعله قوله "أنا" "إما" ههنا للتخيير "أو أنت" عطف على قوله "أنا" والتقدير: ليل إما أنا أو ليل أنت "ما ابتغى" "ما" موصولة وابتغى فعل وفاعله ضمير "المستعين" مفعوله وجملة ابتغى لا محل لها صلة الموصولة والعائد محذوف تقديره: ما ابتغاه المستعين، وجملة ما ابتغى المستعين معمول لقوله فليل. الشاهد: في إم وأنا، حيث جاء الضمير فيه منفصلا لأنه وقع فيما يلي إما، وتعذر الاتصال فيه.
[ ١ / ٣٧١ ]
ويدل على جواز الانفصال قوله ﵊: "إن الله ملككم إياهم" ١.
ثم قال:
في كنته الخلف انتمى
أي في هاء كنته، والمراد "به"٢، ما وقع خبرا لكان أو إحدى أخواتها، واخلف في الاختيار كما بينه في البيت الآتي:
وقوله: كذاك خلتنيه.
يعني أن هاء خلتنيه كهاء كنته في الخلاف المشار إليه، والمراد بها خلتنيه: ما وقع ثاني ضميرين منصوبين بفعل ناسخ.
ثم ذكر اختياره فقال: واتصالا أختار.
يعني في باب كنته وخلتنيه، ووجه أن الأصل الاتصال.
ثم قال: غيري اختار الانفصالا، وهم الأكثرون ومنهم سيبويه٣، ووجهه أن الضمير في البابين خبر في الأصل، وحق الخبر الانفصال وكلاهما مسموع، وما اختاره هو اختيار الرماني٤ وابن الطراوة٥.
_________________
(١) ١ ولو وصل لقال ملككموهم ولكنه فر من الثقل الحاصل من اجتماع الواو مع ثلاث ضمات. ا. هـ. التصريح ١/ ١٠٧. ٢ ب، ج. ٣ ومذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم وهو المشافه لهم. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٥٦. ٤ هو: أبو الحسن عليّ بن عيسى الرماني، كان إماما في العربية في طبقة الفارسي والسيرافي، وبرع في النحو حتى قيل: لم ير مثله قط، علما بالنحو وغزارة في الكلام وإيضاحا لحل المشاكل مع تنزه ودين ويقين وفصاحة ونظافة، وكان يمزج النحو بالمنطق، صنف كثيرا من الكتب، وشرح كتاب سيبويه. ومات في خلافة القادر بالله سنة ٣٨٤هـ أربع وثمانين وثلاثمائة. ٥ هو أبو الحسن سليمان بن محمد بن الطراوة كان نحويا ماهرا وأديبا بارعا سمع على الأعلم كتاب سيبويه، وله آراء في النحو انفرد به وخالف فيها جمهور النحاة، فأثنى عليه بعضهم ونقده آخرون ونسبوه إلى الإعجاب بنفسه، وقد جول كثيرا في بلاد الأندلس وألف كتاب الترشيح في النحو، والمقدمات على كتاب سيبويه، ومات ﵀ عن سن عالية سنة ٥٢٨هـ.
[ ١ / ٣٧٢ ]
تنبيهان:
الأول: وافق في التسهيل١ سيبويه على اختيار الانفصال في "باب"٢ خلتنيه قال لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته فإنه خبر في الأصل٣ ولكنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل فكأن الفعل مباشر له فاضطرب اختيار الناظم في باب خلتنيه.
الثاني: يجوز الاتصال والانفصال أيضا فيما وقع من الضمائر منصوبا بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل نحو:
كان فراقيها أمر من الصبر٤
أو مفعول أول نحو:
ومنعكها بشيء يستطاع٥
_________________
(١) ١ راجع التسهيل ص٢٧. ٢ أ، ج وفي ب "ثاني". ٣ أ. ٤ قاله يحيى بن طالب الحنفي حين حن إلى وطنه. وصدره: تعزيت عنها كارها فتركتها وهو من الطويل. الشرح: "تعزيت" بالعين المهملة والزاي المعجمة من العزاء وهو الصبر والتأسي. الإعراب: "تعزيت" فعل وفاعل "عنها" جار ومجرور متعلق بالفعل والضمير يرجع إلى الحجر "كارها" حال من فاعل تعزيت "فتركتها" الفاء عاطفة على تعزيت وترك فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول به "كان" فعل ماض ناقص "فراقيها" اسم كان ومضاف إليه "أمر" خبره وأمر أفعل التفضيل ولذلك استعمل بمن. الشاهد: في "فراقيها" حيث جاء الضمير المنصوب فيه متصلا لضرورة الوزن، وإلا كان الأحسن أن يكون منفصلا نحو "وكان فراقي إياها". ٥ ذكر في الحماسة البصرية. أن قائله هو: قحيف العجلي، ويقال: قائله رجل من تميم وكان قد طلب منه الملك فرسا يقال له سكاب، فضن بها على الملك لنفاستها وقال: أبيت اللعن إن سكاب علق نفيس لا يعار ولا يباع وصدره: فلا تطمع أبيت اللعن فيها وهو من الوافر. الشرح: "سكاب" اسم فرس، "علق نفيس" مال يبخل به "فلا تطمع أبيت اللعن فيها" أي في هذه الفرس وهي سكاب. يعني: لا تطمع في أخذها. "ومنعكها" أي: منعك عنها =
[ ١ / ٣٧٣ ]
أو باسم فاعل مضاف إلى ضمير وهو مفعول أول، كقول الشاعر:
لا ترج أو تخش غير الله إن أذى واقيكه الله لا ينفك مأمونا١
_________________
(١) = المعنى: ادفع طمعك في هذه الفرس ودفعنا إياك عنها نقدر ونستطيعه. الإعراب: "فلا" الفاء للتعليل لا: ناهية "تطمع" فعل مضارع مجزوم بلا وفاعله ضمير المخاطب مستتر فيه "أبيت اللعن" فعل وفاعل ومفعول به، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب "فيها" جار ومجرور متعلق بتطمع "ومنعكها" الواو واو الحال منع: مبتدأ والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول والضمير العائد إلى الفرس مفعول ثان "بشيء" اختلف العلماء في هذه الباء فذهب قوم منهم أبو الحسن الأخفش إلى أنها زائدة "وشيء" خبر المبتدأ وجعلوا من ذلك قول الله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ فالباء زائدة في الخبر الموجب، وذهب جماعة إلى أن الباء أصلية والجار والمجرور في بمثلها متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وفي "بشيء" يجوز أن يكون متعلقا بمنع، وخبر المبتدأ جملة قوله: "يستطاع" أي: ومنعكها يستطاع بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب. الشاهد: في "ومنعكها" حيث وصل ثاني ضميرين عاملهما اسم واحد وكان القياس أن يقول ومنعك إياها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، والشاطبي، وداود، والسندوبي والأشموني ١/ ٥٢، ٥٤، وابن هشام في المغني ١/ ١٠٢، والشاهد رقم ٨٨٣ في خزانة الأدب. ١ قال العيني ج١ ص٣٠٨: استشهد به ابن مالك ولم يعزه إلى أحد، ولم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: "لا ترج" من رجاء يرجو رجاء، وهو الأمل "الأذى" مصدر من أذى يأذي أذى وأذاة وأذية، "واقيكه" الواقي اسم فاعل من وقى يقي وقاية، وهو الحفظ. الإعراب: "لا ترج" لا ناهية وترج فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف حرف العلة، "أو تخش" أو ههنا بمعنى ولا، فإن قلت: هل تأتي أو بمعنى ولا؟ قلت: ذكر جماعة منهم ابن مالك أن أو تجيء بمعنى ولا واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بِيُوتِكُمْ أَوْ بِيُوتِ آَبَائِكُمْ﴾ معناه ولا بيوت آبائكم وهذا غريب، "غير" تنازع فيها الفعلان فلك أن تعمل أيهما شئت، فإن أعملت الثاني أضمرت المفعول في الأول والتقدير: ولا ترج غير الله ولا تخش غير الله، وإن أعملت الأول أضمرت في الثاني نحوه، "الله" مضاف إليه، "إن" حرف توكيد ونصب، "الذي" اسم إن "واقيكه" واقي اسم فاعل أضيف إلى كاف الخطاب والضمير الذي بعد الكاف منصوب لأنه مفعول ثان لواقي، والكاف مفعوله الأول، ولكنه مجرور بالإضافة "الله" مرفوع لأنه فاعل لاسم الفاعل "لا ينفك" من الأفعال الناقصة واسمه ضمير مستتر فيه "مأمونا" خبره. الشاهد: في "واقيكه الله" حيث جاء فيه الضمير متصلا مع جواز الانفصال في مثل هذا الكلام ولكن ههنا لا يتيسر لأجل الوزن، والأصل فيه أن يقال: إن أذى واقيك الله إياه. مواضعه: ذكره السندوبي في شرحه للألفية، وابن الناظم ص٢٥.
[ ١ / ٣٧٤ ]
والمختار في هذه الثلاثة الانفصال، ولكنه ترك في هذه الأبيات؛ لأن الوزن لم يتأت به١.
ويجوز الوجهان أيضا في المفعول الثاني من نحو: "أعطيت زيدا درهما" في باب الإخبار فتقول: "الذي أعطيت زيدا إياه درهم والذي أعطيته زيدا درهم".
والمختار فيه عند المازني والمصنف الاتصال؛ لأنه الأصل، وعند غيرهما الانفصال مراعاة لترتيب الأصل.
ثم قال:
وقدم الأخص في اتصال
أي: قدم "في الاتصال"٢ المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب؛ لأن المتكلم أخص من المخاطب، والمخاطب أخص من الغائب.
وفهم من ذلك: أن شرط جواز الاتصال في ها سلنيه وخلتنيه ونحوهما. أن يكون الأول أخص، فإنه متى تقدم غير الأخص وجب الاتصال؛ لأنه مع الاتصال يمتنع تقديم غير الأخص.
والحاصل: أن المبيح لجواز الاتصال والانفصال هو كون الضمير ثاني ضميرين أولهما أخص وغير مرفوع، أو كونه خبر كان وأخواتها.
ثم إذا كان المقدم من الضميرين غير الأخص، فإما أن يكون مخالفا في الرتبة أو مساويا "لها"٣ فإن كان مخالفا لم يجز اتصال ما بعده إلا فيما ندر كقول عثمان ﵁ أراهمني الباطل شيطانا٤.
وأجاز المبرد وكثير من القدماء تقديم غير الأخص، مع الاتصال نحو: "أعطيتهوك" ولكن الانفصال عندهم أرجح، وإن كان مساويا فسيأتي.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "له". ٢ ب. ٣ ب وفي أ، ج "فيها". ٤ رواه ابن الأثير في غريب الحديث، الباطل فاعل أرى والهاء مفعول أول والياء ثان، وشيطانا ثالث. قال ابن الأثير وفيه شذوذان؛ الوصل وترك الواو؛ لأن حقه أراهموني كرأيتموها. ا. هـ. الخضري ١/ ٥٩.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قوله:
وقدمن ما شئت في انفصال
يعني أنه يجوز في الانفصال تقديم الأخص وتقديم غير الأخص، فتقول: "الدرهم أعطيتك إياه" بتقديم الأخص، "وأعطيته إياك" بتقديم غير الأخص، وفي الحديث: "أن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم" ١.
وقوله:
وفي اتحاد الرتبة الزم فصلا
أي: إذا اتحدت رتبة الضميرين، بأن يكونا لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب لزم انفصال الثاني. فتقول: "ظننتني إياي وعلمتك إياك وحسبته إياه".
ثم نبه على أنهما قد يتصلان غائبين بقوله:
وقد يبيح الغيب فيه وصلا
مثال ذلك ما رواه الكسائي في قول بعض العرب: "هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها"٢.
وقال الشاعر:
لوجهك في الإحسان بسط وبهجة أنالهماه قفو أكرم والد٣
_________________
(١) ١ وفي هذا الحديث جواز الأمرين تقديم الأخص وتقديم غير الأخص "وقد اجتمع الأمران في قوله ﷺ: "إن الله ملككم " فانفصال الضمير في قوله: ملككم إياهم جائز، لتقدم الأخص، وهو ضمير المخاطب على غير الأخص وهو ضمير الغائب وانفصال الضمير في ملكهم إياكم، واجب لتقديم غير الأخص". ا. هـ. المكودي ص١٧. ٢ أنضرهموها الضمير الثاني للوجوه وهو تمييز فيلزم وقوع الضمير تمييزا، فإما أن يجري على القول، بأن الضمير العائد على النكرة نكرة أو على المذهب الكوفي أنه لا يشترط في التمييز أن يكون نكرة. ا. هـ. صبان ١/ ١٠٤. ٣ قال العيني ج١ ص٢٤٢ -لم أقف على اسم قائله- وبحثت فلم أعثر على قائله. وهو من الطويل. الشرح: "الإحسان" أي في وقت الإحسان، "بسط": بشاشة، "بهجة" حسن وسرور، "أنالهماه" من أنال ينيل إنالة وثلاثيه نال. إذا بلغ ووصل "قفو" مصدر قفاه، يقفوه، أي تبعه وسار على أثره. المعنى: وجهك منبسط ومبتهج في وقت الإحسان إلى الناس وقد حصل لك ذلك من اتباع آثار آبائك الكرام وأسلافك الكرماء. الإعراب: لوجهك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "في الإحسان" جار ومجرور متعلق ببسط "بسط" مبتدأ مؤخر "وبهجة" معطوف عليه "أنالهماه" أنال: فعل =
[ ١ / ٣٧٦ ]
تنبيهان:
الأول: شرط الناظم في غير هذا النظم في جواز اتصال الغائبين، أن يختلف لفظهما كمثالين، ولم يذكر ذلك هنا، واعتذر عنه الشارح، بأن قوله: "وصلا" بلفظ التنكير على معنى نوع من الوصل، تعريض، بأنه لا يستباح الاتصال مع الاتحاد في الغيبة مطلقا. بل بقيد. وهو الاختلاف في اللفظ١.
الثاني: أجاز بعضهم الاتصال مع اتحاد الضميرين في المتكلم والخطاب أو الغيبة مطلقا٢ وهو ضعيف.
ثم استطرد إلى أن ذكر نون الوقاية للزومها بعض المضمرات فقال:
وقبل يا النفس مع الفعل التزم نون وقاية وليسي قد نظم
مذهب الجمهور: أن هذه النون سميت نون الوقاية؛ لأنها تقي الفعل من الكسر.
وقال المصنف: بل لأنها تقي اللبس في نحو: "أكرمني" في الأمر، فلولا النون لالتبست ياء المتكلم بياء المخاطبة، وأمر المذكر بأمر المؤنث: "ففعل"٣ الأمر أحق بها من غيره.
_________________
(١) = ماض وضمير الاثنين العائد إلى البسط والبهجة مفعول أول وضمير الواحد العائد إلى الوجه مفعول ثان "قفو" فاعل أنال "أكرم" مضاف إليه وهو مضاف و"والد" مضاف إليه. ورجح الزرقاني أن يكون ضمير التثنية مفعولا ثانيا تقدم على المفعول الأول الذي هو ضمير الوجه، وذلك مبني على أن الأصل في المفعول الأول في باب أعطى من كل فعل ينصب مفعولين ليس أصلما المبتدأ والخبر، أن يكون هو الذي يصلح أن يكون فاعلا وأنت تقول نال وجهك البسط والبهجة فيكون الوجه هو الفاعل فيلزم أن يكون الوجه هو المفعول الأول، وليس ما ذهب إليه بلازم فقد يكون المعنى المبالغة. الشاهد: في "أنالهماه" فإنه أتى بالضمير الثاني متصلا، والأكثر أنالهما إياه بالانفصال. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٢٦، وابن هشام ١/ ٧٥ والأشموني ١/ ٥٤، والمكودي ص١٧، والسيوطي ص١٦، وأيضا في همع الهوامع ١/ ٦٣. ١ الشارح ص٢٦. ٢ وقوله: "مطلقا" أي سواء اختلف ضميرا الغيبة فيما يأتي أو اتفقا. ا. هـ. صبان ١/ ١٠٤. ٣ ج وفي أ، ب "فعل".
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثم حمل الماضي والمضارع على الأمر١.
ومعنى البيت: أن نون الوقاية تلزم قبل ياء المتكلم مع جميع الأفعال نحو: "أكرَمني، يكرمني، أكرِمني" إلا فعلا واحدا "وهو ليس"٢، فإنه قد ندر حذف نون الوقاية معه في النظم لضرورة الشعر كقوله:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي٣
والوجه: "ليسني" وهو الفصيح كقول بعض العرب: "عليه رجلا ليسني"٤ حكاه سيبويه٥ وأجاز بعضهم "ليس" في الاختيار.
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ٥٥. ٢ أ، ج. ٣ البيت لرؤبة بن العجاج. وصدره: عهدي بقومي كعديد الطيس، وهو من الرجز المسدس. الشرح: "عددت" من العد والإحصاء "العديد" بفتح وكسر الدال العدد "الطيس" بفتح الطاء المهملة وسكون الياء الرمل الكثير "الكرام" جمع كريم. المعنى: عددت قومي وكانوا بعدد الرمل في الكثرة ما فيهم كريم غيري. الإعراب: عهدي: مبتدأ حذف خبره جوازا -أي: عهدي حاصل- "بقومي" جار ومجرور متعلق بعهد، وياء المتكلم مضاف إليه "كعديد" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوم أو صفة لموصوف محذوف أي: عدا كعديد "الطيس" مضاف إليه "إذ" ظرف متعلق بعهدي "ذهب" فعل ماض "القوم" فاعله "الكرام" صفة له "ليس" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر وياء المتكلم خبره. والتقدير: ليس هو أي الذاهب إياي. الشاهد: في "ليسي" حيث حذف نون الوقاية من ليس مع اتصالها بياء المتكلم مع وجوبها في الفعل قبل ياء المتكلم، وذلك ضرورة وفيه شذوذ وهي مجيء خبر ليس ضميرا متصلا. وأصل الكلام ليس الذاهب إياي. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٢٥، وابن عقيل ١/ ٩٥، والأشموني ١/ ٥٥، والسيوطي ص١٦، وفي همع الهوامع ١/ ٦٤، وابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٠٨، والشاهد ٣٩٢ في خزانة الأدب. ٤ قاله بعض العرب، وقد بلغه أن إنسانا يهدده، أي ليلزم رجلا غيري، والشاهد لحوق نون الوقاية لليس. ٥ قال سيبويه ج١ ص١٢٦: وحدثني من سمعه أن بعضهم قال عليه رجلا ليسني وهذا قليل شبهوه بالفعل وفي ص٣٨١ وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون ليسني.
[ ١ / ٣٧٨ ]
فإن قلت: قد جاء في "نحو" تأمرونني١ مما٢ اجتمع فيه نون الرفع ونون الوقاية ثلاثة أوجه:
الفك، والإدغام، والحذف.
قلت: المحذوف عند المصنف نون الرفع لا نون الوقاية، فلا يرد على إطلاقه وهو مذهب سيبويه.
فإن قلت: قد ندر حذف نون الوقاية أيضا في قول الشاعر:
تراه كالثغام يعل مسكا يسوء الفاليات إذا فليني٣
والأصل فلينني: فحذف النون الثانية وهو نون الوقاية.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي النسخة ب "تأمروني". ٢ وفي الأصل مم. ٣ قاله عمرو بن معديكرب والتقى برسول الله ﷺ وكان إسلامه سنة تسع وشهد اليرموك وقتل يوم القادسية. الشرح: "كالثغام" جمع ثغامة وهي شجرة بيضاء الثمر والزهر، يشبه الشيب بثمرها، "يعل" من العلل يطيب شيئا بعد شيء، وأصل العلل الشرب بعد الشرب، "يسوء الفاليات": يحزنهن والفاليات -بالفاء- جمع فالية من فلى الشعر أخذ القمل منه، و"فليني" جمع المؤنث الغائب من الماضي من اللفظ المذكور. المعنى: وصف شعره وأن الشيب قد شمله، والثغام نبت له نور أبيض يشب به الشيب. الإعراب: "تراه" ترى فعل مضارع وفاعل ضمير والهاء مفعول أول والضمير يرجع إلى شعر رأسه "كالثغام" مفعول ثان لترى لأنه بمعنى تظنه أو تعلمه، والأصوب أن يكون كالثغام حالا، لأن تراه من رؤية البصر والمعنى تبصره حال كونه مشبها بالثغام "يعل" فعل مضارع مبني للمجهول والضمير الذي فيه يرجع إلى الشعر وهو نائب عن الفاعل "مسكا" مفعول ثان ليعل لأنه من الإعلال لا من العل والجملة محلها النصب "يسوء" فعل مضارع وفاعله ضمير ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف أي: هو يسوء "الفاليات" مفعول به، والظاهر أن الجملة سدت مسد الجواب "إذا" ظرف فيه معنى الشرط "فليني" أصله "فلينني" -بنونين- إحداهما نون جمع المؤنث والأخرى نون الوقاية للمتكلم فحذفت إحدى النونين وهي نون الوقاية والباقية هي نون الجمع. الشاهد: في "فليني" حيث حذفت منه نون الوقاية. وقال سيبويه ج٢ ص١٥٤ بعد أن ذكر البيت: يريد فلينني. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الشاطبي والسيوطي في الهمع ١/ ٦٥، وابن يعيش ٣/ ٩١، وسيبويه ج٢ ص١٥٤ ورقم ٤٤٥ في الخزانة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال في البسيط١: لا خلاف أن المحذوفة نون الوقاية، لأن الأولى ضمير.
قلت: مذهب سيبويه، أن المحذوفة نون الإناث لا نون الوقاية وهو مذهب المصنف، فلذلك لم ينبه هنا على ندوره، وليس نقل الاتفاق "في ذلك"٢ بصحيح.
تنبيه:
أجاز الكوفيون حذف نون الوقاية في "ما أفعل زيدا" في التعجب لأنهم يقولون باسمية أفعل المذكور.
ومذهب البصريين: "أن نون الوقاية تلزم معه، لأنهم يقولون بفعليته وهو الصحيح٣.
واعلم أن نون الوقاية تلحق قبل ياء المتكلم مع بعض الحروف وبعض الأسماء.
وقد شرع في بيان ذلك فقال: وليتني فشا، أي كثر لحاق النون مع ليت، ولم يأت في القرآن٤ إلا كذلك: وليتى ندرا أي: ندر إسقاط النون مع ليت كقول الشاعر:
كمنية جابر إذ قال ليتي أصادفه وأتلف جل مالي٥
_________________
(١) ١ هو كتاب لضياء الدين بن العلج أكثر أبو حيان وأتباعه من النقل عنه قال السيوطي: ولم أقف له على ترجمة. ٢ أ، ب. ٣ بدليل قولهم "ما أفقرني إلى عفو الله". ٤ قال الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ . ٥ البيت: لزيد الخيل الطائي، وهو الذي سماه النبي ﷺزيد الخير- وهو من الوافر. الشرح: "كمنية" بضم الميم المتمني، و"جابر" رجل من غطفان تمنى لقاء زيد في بيت قبله "أصادفه" أجده. المعنى: كتمني جابر قال: ليتني أجد زيد الخير في الحرب ولا أجد أكثر مالي. الإعراب: "كمنية" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف أي تمنى تمنيا مماثلا لمنية جابر. وجابر مضاف إليه "إذ" ظرف متعلق بمنية "قال" فعل ماض فاعله ضمير مستتر "ليتي" ليت حرف تمن ونصب وياء المتكلم اسمه "أصادفه" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر والهاء مفعول به والجملة في محل رفع خبر ليت "وأفقد" الواو للمعية، =
[ ١ / ٣٨٠ ]
وهو ضرورة.
وقال الفراء: يجوز ليتني وليتي، وظاهر هذا جوازه في الاختيار.
وقوله: ومع لعل اعكس.
يعني: أن الحذف معها هو الكثير، ولم يأت في القرآن إلا كذلك١.
وإثبات النون معها نادر٢ كقول الشاعر:
فقلت أعيراني القدوم لعلني أخط بها قبرا لأبيض ماجد٣
_________________
(١) = أفقد: مضارع منصوب بأن المضمرة بعد واو المعية وفاعله ضمير مستتر فيه ومنع قوم أن تكون الواو للمعية وأوجبوا رفع الفعل وهو غير لازم فلا يلتفت إليه "جل مالي" مفعول به ومضاف إليه فإن أبيت إلا أن تجعل الفعل مرفوعا فالجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف -تقديره: وأنا أفقد- والواو حينئذ حالية وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال. الشاهد: في "ليتي" حيث جاءت مضافة إلى ياء المتكلم بدون نون الوقاية، وذلك لأجل الضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٢٧، وابن عقيل ١/ ٦٠، والشاطبي، والأشموني ١/ ٥٦، والمكودي ص١٨، والسيوطي ص١٦، وأيضا في همع الهوامع ١/ ٦٤، وابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ٩٠، والشاهد ٤٤٦ من خزانة الأدب، وكتاب سيبويه ج١ ص٣٨٦. ١ قال الله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ . ٢ وإنما كان الإثبات نادرا مع "لعل" "وإنما ضعفت "لعل" عن أخواتها لأنها تستعمل جارة نحو: لعل أبي المغوار منك قريب. وفي بعض لغاتها لعن -بالنون- فيجتمع ثلاث نونات. ا. هـ. أشموني ج١ ص٥٦. ٣ قال العيني ج١ ص٣٥٠ -لم أقف على اسم قائله- وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. الشرح: "أعيراني" ويروى أعيروني، من العارية، "القدوم" بفتح القاف وضم الدال المخففة الآلة ينجر بها الخشب، "أخط بها" أي: أنحت بها وأصل الخط من خط بأصبعه في الرمل، "وقبرا" أي غلافا والمراد به الجفن "الأبيض ماجد" لسيف صقيل، ويمكن المراد طلب القدوم ليحفر بها قبرا. الإعراب: فقلت: فعل وفاعل "أعيراني" فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعله والنون للوقاية والياء مفعول أول "القدوم" مفعول ثان "لعلني" حرف تعليل ونصب والنون للوقاية والياء ضمير المتكلم اسم لعل "أخط" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه =
[ ١ / ٣٨١ ]
ونص بعضهم على أنه ضرورة.
تنبيه:
إثبات النون مع لعل أكثر من حذف النون مع ليت وإن اشتركا في القلة. نبه على ذلك في الكافية حيث قال: ومن لعلني ليتي أقل. ا. هـ.
وقوله:
وكن مخيرا في الباقيات
يعني: من أخوات: "ليت ولعل" وهي أربعة "إن وأن ولكن وكأن" يجوز فيها إثبات نون الوقاية وحذفها كراهة لاجتماع الأمثال.
فإن قلت: لم اختلف حكم نون الوقاية مع هذه الأحرف "الستة مع أنها مستوية في العمل؟
قلت: إنما ألحقت هذه النون مع هذه الأحرف"١ لشبهها بالأفعال المتعدية في عمل الرفع والنصب وأوجه أخر مذكورة في موضعها فاستمرت ليت على مقتضى هذا الشبه إلا في الشعر، وضعفت لعل من "جهة"٢ أنها تعلق في الغالب ما قبلها بما بعدها.
ومن أجل أنها تجر على لغة، وكان حق "إن وأن ولكن وكأن" مساواتها لليت، لوجود الشبه المذكور، لكن استثقل لحاق النون معها لتوالي الأمثال، كما تقدم.
_________________
(١) = "بها" متعلق بأخط "قبرا" مفعول به لأخط، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر لعل "لأبيض" جر ومجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل ومتعلق الجار والمجرور محذوف يقع صفة لقبر "ماجد" صفة لأبيض مجرور بالكسرة. الشاهد: في قوله "لعلني" حيث جاء بنون الوقاية وحذفها أشهر وأعرف. مواضعه: من شراح الألفية ذكره، ابن عقيل ١/ ٦١، ابن الناظم ص٢٧، والمكودي ص١٨، والسيوطي ص١٦، وأيضا في همع الهوامع ١/ ٦٤. ١ ج. ٢ أ، وفي ب "أجل" وفي ج "حيث".
[ ١ / ٣٨٢ ]
تنبيه:
ما ذهب إليه الناظم من أن المحذوفة من "إني وأني ولكني وكأني"١ نون الوقاية هو مذهب الأكثرين من البصريين والكوفيين، وذهب بعضهم إلى أن الساقط هو النون الثانية وذهب بعضهم إلى أن المحذوف هو النون الأولى.
والصحيح: الأول، لأنها طرف، وبدليل لعلي وهو مذهب سيبويه٢.
وأما نحو: "إنا" فقد حكى بعض النحويين فيه المذاهب الثلاثة إلا أن الصحيح هنا حذف الثانية؛ لأن الثالثة هنا هي الضمير، ولثبوت حذفها في "إن" إذا خففت وقوله:
واضطرارا خففا مني وعني بعض من قد سلفا
أشار به إلى قول الشاعر:
أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني٣
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ ج١ ص٣٨٦ قال سيبويه "حذفوا التي تلي الياء". ٣ قال العيني: قائله مجهول لا يعرف، وقال ابن الناظم: إنه من وضع النحويين، وقال ابن هشام: وفي النفس من هذا البيت شيء، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من المديد. الشرح: "عنهم" عن القوم المعروفين عندهم "قيس" هو ابن عيلان بن مضر بن نزار وهو هنا غير منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي؛ لأنه بمعنى القبيلة. المعنى: يا من يسأل عن هؤلاء القوم عني، لتعلم أني لا أنسب إلى هذه القبيلة، وليست لها صلة بي. الإعراب: "أيها" أي: منادى بحرف نداء محذوف مبني على الضم في محل نصب. وها: حرف تنبيه، "السائل" نعت لأي، "عنهم" جار ومجرور متعلق بسائل، "وعني" معطوف على الجار والمجرور السابق، "لست" ليس: فعل ماض ناقص وتاء المتكلم اسمه، "من قيس" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس، "ولا" الواو عاطفة لا نافية، "قيس" مبتدأ، "مني" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر وجملة المبتدأ والخبر معطوفة على جملة ليس واسمها وخبرها، وقيس -في الموضعين- ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه اسم قبيلة. الشاهد: في "عني ومني" -بتخفيف النون- حيث لم تأت نون الوقاية لضرورة الشعر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٢٨، ابن هشام ١/ ٩٠، ابن عقيل ١/ ٦٢، الشاطبي، وداود، الأصطنهاوي، الأشموني ١/ ٥٦، المكودي ص١٨، والسيوطي ص١٧، وأيضا في همع الهوامع ١/ ٦٤ وابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٢٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وهذا في غاية الندور.
وقوله: وفي لدنِّي لدُنِي قل، يعني: أن الأكثر في لدني إلحاق النون وحذفها قليل.
وبالحذف قرأ نافع١: "قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِي عُذْرًا"٢.
قال في شرح التسهيل: وزعم سيبويه٣ أن عدم لحاقها للدن من الضروريات٤ وليس كذلك بل هو جائز في الكلام الفصيح، ومن ذلك قراءة من قرأ "من لدني عذرا" بتخفيف النون وضم "الدال"٥ ولا يجوز أن تكون نون "لدني" نون الوقاية؛ لأن "لد"٦ متحرك الآخر، والنون في "لدن" وأخواتها إنما جيء بها لصون "أواخرها"٧ من زوال السكون فلاحظ فيها لما آخره متحرك.
وإنما يقال في "لد" مضافة إلى الياء "في"٨ "لدى" نص على ذلك سيبويه٩.
واعترض: بأن سيبويه لم ينص على أن عدم لحاقها "للدن" من الضرورات. وفي قدني وقطني مثل لدن "في أن إثبات"١٠ النون فيهما هو الأكثر، ولذلك قلل الحذف بقوله: الحذف أيضا قد يفي. وليس بعكس "لدن" خلافا للشارح١١.
_________________
(١) ١ هو أبو الحسن نافع بن عبد الرحمن المدني، أحد أصحاب القراءات السبع، وأصله من أصبهان، وكان إمام الناس في القراءة بالمدينة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بها. وقرأ على سبعين من التابعين وأجمع الناس عليه بعدهم. وتوفي سنة ١٦٩هـ تسع وستين ومائة. ٢ سورة الكهف: ٧٦. ٣ راجع الكتاب ج١ ص٣٨٧. ٤ راجع الكتاب ١/ ٣٨٦. ٥ أ، ب وفي ج "الذال". ٦ أ، ب وفي ج "لدن". ٧ ب، ج وفي أ "أواخره". ٨ ب. ٩ قال سيبويه ج١ ص٣٨٧: "فقال من قبل إن الألف في لدا والياء في على اللذين قبلهما حرف مفتوح لا تحرك في كلامهم واحدة منهما لياء الإضافة ويكون التحريك لازما لياء الإضافة ". ا. هـ. ١٠ ب وفي أ، ج "فإثبات". ١١ قال الشارح ص٢٨: "وأما قد وقط فبالعكس من لدن؛ لأن قدي وقطي في كلامهم أكثر من قدني وقطني". ا. هـ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقد جمع الراجز بين الأمرين في قوله:
قدني من نصر الخبيبين قدي١
وفي الحديث: "قط قط بعزتك" ٢ يروى بسكون الطاء وبكسرها مع ياء ودونها ويروى قطني "قطني"٣ بنون الوقاية، وقط قط بالتنوين وبالنون أشهر.
_________________
(١) ١ قال ابن يعيش: قائله أبو بحدلة، وقال الجوهري: قائله حميد بن مالك الأرقط لعبد الملك بن مروان، يصف تقاعده عن نصرة ابن الزبير وأصحابه ويمدح عبد الملك ويعرض بابن الزبير. وعجزه: ليس الإمام بالشحيح الملحد، وهو من الرجز. الشرح: "قدني" كافيني وحسبي "الخبيبين" تثنية خبيب بضم الخاء وفتح الباء وهما عبد الملك بن الزبير وأخوه مصعب، ويروى بصيغة الجمع، يريد أبا خبيب وشيعته، "الإمام" يريد به عبد الملك بن مروان، "الشحيح" البخيل، "الملحد" الجائر الظالم. المعنى: حسبي نصر هذين الرجلين، فإن أمامي منزه عما تصف به ذلك المقيم في الحرم من رذيلتي: الشح والإلحاد. الإعراب: قدني: اسم بمعنى حسب مبتدأ والنون للوقاية والياء مضاف إليه "من نصر" متعلق بمحذوف خبر المبتدأ ونصر مضاف و"الخبيبين" مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله "قدي" توكيد للأولى ويجوز أن يكون "قد" اسم فعل، فإذا جعلته كذلك فقد اختلف العلماء في الفعل الذي هذا اسمه، فجعله ابن هشام مضارعا: أي يكفيني، وجعله غيره ماضيا: أي كفاني، ورجح قوم أنه أمر وقدروه "ليكفني". الشاهد: في "قدني وقدي" حيث أثبت النون في الأولى وحذفها في الثانية تشبيها بقطني في الأولى، وبحسبي في الثانية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٢٨، وابن عقيل ١/ ٦٣، والأشموني ١/ ٥٧، والمكودي ص١٨، وابن هشام ١/ ٩٠- وأيضا في المغني ١/ ١٤٧، والسيوطي ص١٧ وأيضا في همع الهوامع ١/ ٦٤، وابن يعيش في شرح المفصل ٣٦/ ١٢٤، والشاهد ٤٤٩ في خزانة الأدب والكتاب ج١ ص٣٨٧. ٢ في صحيح البخاري، مرفوعا عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها فتقول قط قط بعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض". ويسمى حديث النار. ورواه مسلم أيضا. ٣ ج.
[ ١ / ٣٨٥ ]
تنبيهات:
الأول: ذهب بعضهم إلى أن حذف النون من "قد وقط" لا يجوز إلا في الضرورة، والصحيح جوازه في الاختيار١.
الثاني: اعلم أن "قد" تكون حرفا واسما، فالحرفية ليست هي المذكورة هنا؛ لأنها من خواص الأفعال، فلا تتصل بها ياء المتكلم.
والاسمية لها معنيان: أحدهما: أن تكون بمعنى "حسب" فتكون الياء المتصلة بها مجرورة بالإضافة، وتلحقها نون الوقاية ويجوز حذفها "وهي المذكورة هنا"٢.
والثاني أن تكون اسم فعل بمعنى "أكتفي"٣ فتكون الياء المتصلة بها منصوبة، وتلزمها نون الوقاية.
ولم يتعرض المصنف لذكر هذا القسم هنا، وقد ذكره في التسهيل في باب أسماء الأفعال.
وأما "قط" فلها ثلاثة أقسام: تكون اسما بمعنى حسب وهي المذكورة في النظم.
وتكون اسم فعل فتلزمها نون الوقاية كما تقدم في "قد".
وتكون ظرفا بمعنى "قط" الظرفية فلا تتصل بها ياء المتكلم.
الثالث: مذهب الكوفيين أن من أجل "قط وقد" بمعنى حسب قال: "قدي وقطي" بغير نون. كما يفعل من قال حسبي، ومن جعلهما "اسمي"٤ فعل قال: "قدني وقطني" بالنون كما يفعل في غيرها من أسماء الأفعال وتكون الياء في الوجه الأول مجرورة، وفي الوجه الثاني منصوبة.
_________________
(١) ١ قال الشيخ محيي الدين "وقد اضطربت عبارة النحويين في ذلك فقال قوم: إن الحذف غير شاذ ولكنه قليل وتبعهم المصنف والشارح. وقال سيبويه: "وقد يقولون في الشعر، إلخ" كما سيأتي. وقال الأعلم: وإثباتها "النون" في قد وقط هو المستعمل؛ لأنها في البناء ومضارعة الحروف بمنزلة من وعن فتلزمها النون المكسورة قبل الياء لئلا يغير آخرها عن السكون". ا. هـ. ج١ ص٦٣ ابن عقيل. ٢ أ، ج. ٣ أ، ج وفي ب "يكفيني". ٤ أ، ب وفي ج "اسما".
[ ١ / ٣٨٦ ]
ومذهب سيبويه١ والخليل: أن "قد وقط" بمعنى حسب والباء مجرورة بالإضافة عند من ألحق النون ومن لم يلحق.
الرابع: تلزم نون الوقاية أيضا مع ياء المتكلم إن نصب باسم فعل نحو: "عليكني" حكاه سيبويه وحكى أيضا "عليكي بالياء٢.
وسمع الفراء من بعض بني سليم٣ "مكانكني"٤ يريد انتظرني "في"٥ مكانك، ولم يذكر الناظم هذا في النظم وذكره في التسهيل.
الخامس: قد تلحق نون الوقاية مع "بجل" والحذف معها أكثر.
كقول طرفة:
ألا بجلي من الشراب ألا بجل٦
_________________
(١) ١ قال سيبويه ج١ ص٢٨٧ "وقد يقولون في الشعر قطي وقدي. فأما الكلام فلا بد فيه من النون وقد اضطر الشاعر فقال: قدي شبهه بحسبي لأن المعنى واحد قال الشاعر: قدني من نصر الخبيبين قدي ".ا. هـ. ٢ قال سيبويه ج١ ص٣٨٣ "وحدثني يونس أنه سمع من العرب من يقول عليكني من غير تلقين، ومنهم من لم يستعمل ولا نا ". ا. هـ. ٣ بني سليم: قبيلة من قيس عيلان رأسها سليم من منصور بن عكرمة، وسليم أيضا قبيلة من جذام من اليمن. ٤ أ، ب وفي ج "مكاني". ٥ أ، ج. ٦ قائله طرفة بن العبد، شاعر مشهور جاهلي، وقتل وهو ابن عشرين سنة، ولذلك قيل له ابن العشرين. وصدره: ألا إنني أسقيت أسود حالكا وهو من قصيدة لامية من الطويل. الشرح: "أسود حالكا" أراد به كأس المنية، وقيل أراد شرابا فاسدا، والحالك: الشديد السواد "بجلي" أي. حسبي: وبجل على وجهين حرف بمعنى نعم. واسم وهو على وجهين: اسم فعل بمعنى يكفي واسم مرادف لحسب وهو ههنا بمعنى نعم، لأنها حرف، وألا: للتوبيخ والإنكار، وألا بجل توكيد في المعنى الأول. الإعراب: "ألا" ههنا للتوبيخ والإنكار "بجلي" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة "من الشراب" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبره لأن معناه حسبي من الشراب "ألا بجل" تأكيد في المعنى للأول، ومعنى بجل هنا نعم لأنه حرف. الشاهد: في "ألا بجلي" حيث قال ذلك بترك النون فيه لأن ترك النون فيه أكثر وبالنون بجلني قليل. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٠٣.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ولذلك لم يذكر "هذا الثالث، قال في التسهيل"١: وقد تلحق مع اسم الفاعل وأفعل التفضيل٢. ا. هـ.
مثال الأول قوله:
وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قومي شراحي٣
وقيل: إن النون في "أمسلمني"٤ ونحوه هو التنوين ثبت شذوذا، ورد بثبوتها مع "أل" في قوله:
وليس الموافيني ليرفد خائبا فإن له أضعاف ما كان أملا٥
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ التسهيل ص٢٥. ٣ قال العيني ج١ ص٣٨٥، قائله هو يزيد بن محرم الحارثي قال أبو محمد ذكر الفراء هذا البيت على هذا النمط ليجعله بابا من النحو والصرف. والصواب: فما أدري وظني كل ظن أيسلمني بنو البدء اللقاح الشرح: "شراحي" أصله شراحيل، اسم لرجل لحقه الترخيم. "وظني" الواو تصلح أن تكون بمعنى مع والتقدير وما أدري مع ظني كل ظن، فكل ظن تأكيد للأول، وروي في الهمع، فما أدري وكل الظن مني. الإعراب: "وما أدري" ما نافية أدري فعل مضارع والفاعل ضمير، "وظني" الواو تصلح أن تكون بمعنى مع والتقدير وما أدري مع ظني كل ظن فكل ظن تأكيد للأول ويقال: وظني كل ظن جملة معترضة، فيكون وظني مبتدأ وكل خبره وظن مضاف إليه، "أمسلمي" الهمزة للاستفهام مسلمني في محل النصب على المفعولية لقوله وما أدري، "إلى قومي" جار ومجرور متعلق بشراحي "شراحي" فاعل لقوله أمسلمني وأصله شراحيل اسم رجل لحقه الترخيم. الشاهد: في "أمسلمني" فإن النون فيه نون الوقاية. مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، وابن هشام في المغني ١/ ٢٥، والسيوطي في همع الهواع ١/ ٦٥. ٤ أ، وفي ج "مسلمين" وفي ب "هذا". ٥ العيني ج ص٣٨٧، لم أقف على قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله وهو من الطويل. الشرح: "الموافيني" هو اسم فاعل من وافاك يوافيك موافاة، إذا جاءك وأتاك "ليرفد" بالبناء للمجهول، مأخوذ من الرفد -بفتح الراء- مصدر رفدته، إذا أعطيته وهو بكسر الراء العطية والصلة، "خائبا" من الخيبة، "أملا" -بتشديد الميم- من التأميل وهو الرجاء. =
[ ١ / ٣٨٨ ]
ومثال الثاني: قول النبي ﷺ: "غير الدجال أخوفني عليكم" ١ واعلم: أن لحاقها مع هذين في غاية من القلة فلا يقاس عليه، والله أعلم.
_________________
(١) = المعنى: وليس الذي يأتيني ويقصدني لأجل العطاء خائبا -أراد من يقصدني في خير لا يخيب. الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص، "الموافيني" اسم ليس والنون للوقاية والياء مفعول الموافي، "ليرفد" اللام للتعليل، يرفد فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن المضمرة بعد لام كي، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى الموافي "خائبا" خبر ليس "فإن" توكيدية ناصبة، "له" متعلق بمحذوف خبر أن مقدما، "أضعاف" اسم إن "ما" اسم موصول في محل جر بالإضافة إلى أضعاف، "كان" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر يعود إلى ضمير الموافي "أملا" فعل ماض والألف للإطلاق وفاعله ضمير مستتر فيه وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر كان وجملة كان واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول والعائد ضمير محذوف منصوب على أنه مفعول به لقوله: أمل. تقديره: ما كان أمله. الشاهد: في "الموافيني" فإن النون فيه نون الوقاية وليست نون التنوين كما ذهب إليه بعضهم، إذ التنوين لا يجتمع مع الألف واللام. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٥٧، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٥. ١ حديث صحيح رواه أحمد في مسنده عن أبي ذر، ورواه مسلم عن جبير بن نفير. الدجال: مشتق من الدجل وهو الكذب، والخلط، وهو كذاب خلاط ويجمع الدجال على دجالين ودجاجلة في التكسير.
[ ١ / ٣٨٩ ]
العلم:
اسم يعين المسمى مطلقا علمه
قوله: "اسم" جنس، "ويعين المسمى" مخرج للنكرات، "ومطلقا" مخرج لما سوى العلم من المعارف. فإن العلم يعين مسماه بمجرد الوضع أو بالغلبة لا بقرينة، بخلاف غيره من المعارف، فإنه لا يعينه إلا بقرينة، إما لفظية "كأل" أو معنوية كالحضور والغيبة "في أنت وهو".
وحد أبو عصفور العلم بقوله: الاسم الذي علق في أول أحواله على شيء١ بعينه في جميع أحواله من غيبة وخطاب وتكلم.
فإن قلت: العلم ضربان: شخصي وجنسي.
أما الشخصي: فلا إشكال في صدق هذا التعريف عليه.
وأما الجنسي: فلا يصدق عليه هذا التعريف لأنه "لم يعين مسماه إذ هو"٢ في المعنى شائع كاسم الجنس النكرة ولكنه جرى مجرى العلم الشخصي في الأحكام اللفظية.
قلت: "التحقيق"٣ أن العلم الجنسي ليس كاسم الجنس في المعنى، بل هو معين لمسماه، فالتعريف صادق عليه، وسيأتي بيان هذا.
واعلم أن العلم الشخصي لا يختص بأولى العلم، بل يوضع لما يحتاج إلى تعيينه من المألوفات، فذلك نوع أمثلته "كجعفر"٤ علم رجل "خرنقا" علم امرأة٥ "وقرن" علم قبيلة وإليها ينسب أويس القرني٦ "وعدن" علم بلد، "ولاحق" علم فرس٧ "وشدقم" علم جمل٨ "وهيلة" علم شاة٩ "وواشق" علم كلب.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "وذلك في المضمرات والحضور في اسم الإشارة بخلاف العلم، فإنه". ٢ ب، ج. ٣ أ، ج. ٤ علم لرجل مخصوص منقول عن اسم النهر الصغير. ٥ علم لامرأة شاعرة هي أخت طرفة بن العبد لأمه منقول من ولد الأرنب. ٦ اسم قبيلة من مراد، أبوهم قرن بن ردمان. ٧ علم فرس كان لمعاوية بن أبي سفيان. ٨ اسم فحل من الإبل كان للنعمان بن المنذر. ٩ علم شاة لبعض نساء العرب.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ثم قال:
واسما أتى وكنية ولقبا
العلم على ثلاثة أقسام: اسم وكنية ولقب؛ لأنه إن صدر بأب أو أم فهو كنية١، كأبي بكر وأم كلثوم، وإلا فإن أشعر برفعة المسمى أو ضعته٢ فهو لقلب "كالصديق والفاروق" في الأول، "وكبطة، وأنف الناقة"٣، في الثاني وإن لم يكن كذلك فهو اسم "كزيد وعمرو"٤.
وقوله:
وأخرن ذا إن سواه صحبا
"ذا" إشارة إلى اللقب، أي: إذا اجتمع مع اللقب غيره أخر اللقب، وقدم الاسم أو الكنية نحو، قال: أبو بكر الصديق وعمر الفاروق؛ لأن اللقب في الغالب منقول من اسم "غير"٥ الإنسان "كبطة" فلو قدم لتوهم السامع، أن المراد مسماه الأصلي، وذلك مأمون بتأخيره.
وندر تقدم اللقب على الاسم في الشعر كقول الشاعر:
أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلغها عني حديثا وبعض القول تكذيب
بأن ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا ببطن شريان يعوي حوله الذيب٦
_________________
(١) ١ أو ابن، أو بنت، أو أخ، أو أخت: كابن الخطاب. ٢ وبالأصل أو ضعته. ٣ لقب جعفر بن قريع. وسبب تلقيبه بذلك أن أباه ذبح ناقة وقسمها بين نسائه، فبعثته أمه إلى أبيه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك به، فأدخل يده في أنف الناقة وجعل يجره فلقب به. وكانوا يغضبون من هذا اللقب حتى مدحهم الحطيئة: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا ٤ أ، ج. ٥ أ، ج وفي ب "عين". ٦ هما لجنوب بنت العجلان إحدى شواعر العرب من قصيدة ترثي فيها أخاها عمرو بن العجلان المعروف بذي الكلب، وهي من البسيط. الشرح: "هذيلا" اسم قبيلة، "بطن شريان" -بكسر الشين وسكون الراء- اسم مكان، وقيل واد، وأصله اسم شجرة تعمل منه القسي، والشريان بفتح الشين الحنظل، يعوي حوله الذيب كناية عن موته. الإعراب: "بأن": الباء حرف جر، أن: توكيدية ناصبة، "ذا" اسم أن، "الكلب" مضاف =
[ ١ / ٣٩١ ]
وفي بعض نسخ الألفية:
وذا جعل آخرا إن اسما صحبا
وما سبق أولى؛ لأن هذه النسخة لا يفهم حكم اللقب مع الكنية١.
ثم قال:
وإن يكونا مفردين فأضف حتما
أي: إذا كان اللقب والمصاحب له مفردين أضيف الاسم إلى اللقب نحو: "هذا سعيد كرز"٢ على تأويل الأولى المسمى؛ لأن المعوض للإسناد إليه والثاني بالاسم، والمعنى "هنا"٣ مسمى هذا اللقب.
وقوله "حتما" هو مذهب جمهور البصريين؛ لأنهم لا يجيزون "في المفردين إلا الإضافة"٤.
وأجاز الكوفيون وبعض البصريين: الاتباع أيضا بدلا أو عطف بيان والقطع إلى النصب بإضمار فعل، وإلى الرفع بإضمار مبتدأ، وإلى هذا ذهب التسهيل٥.
_________________
(١) = إليه "عمرا" بدل أو عطف بيان، "خيرهم" نعت لعمرو والضمير مضاف إليه، "حسبا" تمييز، "ببطن" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أن، "شريان" مضاف إلى بطن. وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء. والجار والمجرور متعلق بقوله "أبلغ" في البيت الذي قبله، "يعوي" فعل مضارع، "حوله" حول: ظرف متعلق به والضمير مضاف إليه، "الذيب" فاعل يعوي. وجملة الفعل والفاعل في محل نصب حال من عمرو، ويجوز أن تكون الجملة في محل رفع خبر أن ويكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف حال من "عمرو". الشاهد: في "ذا الكلب عمرا" حيث قدمت اللقب وهو قولها "ذا الكلب" على الاسم وهو قولها "عمرا" والقياس أن يكون الاسم مقدما واللقب مؤخرا فلو أتت بما يقتضيه لقالت: "بأن عمرا ذا الكلب". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٦٥ والأصطهناوي، وداود، والأشموني ١/ ٥٩ والسندوبي، وقد اقتصر على بيت الشاهد وكذا السيوطي ص١٧. ١ لأن الأول، نص في أنه إنما يجب تأخير اللقب إذا صحب الاسم ومفهومه أنه لا يجب ذلك مع الكنية. ٢ كرز هو في الأصل خرج الراعي، ويطلق على اللئيم والحاذق. ٣ أ، وفي ب، ج "هذا". ٤ أ، ج وفي ب "في المفرد غير ذلك أعني الإضافة". ٥ وإلى رأيهم أميل "وهذا هو الحق وجرى عليه في التسهيل". صبان ١/ ١١٠، راجع التسهيل ص٣٠.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وقال في شرحه: لم يذكر سيبويه١ فيهما إلا الإضافة؛ لأنها على خلاف الأصل، فبين استعمال العرب لها، إذ لا مسند لها إلا السماع، بخلاف الإتباع والقطع فإنهما على الأصل.
تنبيه:
جواز الإضافة مقيد بعدم المانع فإن كان في الاسم مانع منها لم يضف ولو كانا مفردين نحو "الحارث كرز" فإن "أل" تمنع الإضافة.
وقوله:
وإلا أتبع الذي ردف
أي: وإن لم يكونا مفردين فشمل ذلك المركبين نحو "عبد الله أنف الناقة" والاسم المفرد مع اللقب المركب، نحو: "زيد عائد الكلب" وعكسه "عبد الله بطة".
فالحكم في هذه الصور الثلاث، امتناع الإضافة، ووجوب الإتباع أو القطع "بوجهيه"٢.
ولم يذكر القطع هنا، وكذلك لم يذكر الشارح، بل قال فلا بد من الإتباع٣ وقد ذكره في التسهيل.
ثم قال:
ومنه منقول كفضل وأسد وذو ارتجال كسعاد وأدد
العلم قسمان: منقول ومرتجل.
فالمنقول: هو ما استعمل قبل العلمية لغيرها "كفضل" فإنه منقول من المصدر "وأسد" فإنه منقول عن اسم عين.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ج٣ ص٤٩: "إذا لقبت مفردا بمفرد أضفته إلى الألقاب وهو قول أبي عمرو ويونس والخليل، وذلك قولك: هذا سعيد كرز ". ا. هـ. ٢ ب، ج وفي أ "بوجهين" أي: القطع. " ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب". ابن عقيل ١/ ٦٧. ٣ قال الشارح ص٢٩: "وأما إذا لم يكن الاسم واللقب مفردين فلا بد من الإتباع سواء كانا مركبين نحو: هذا عبد الله أنف الناقة أو أحدهما مركبا، نحو هذا زيد عائد الكلب وهذا عبد الله بطة".
[ ١ / ٣٩٣ ]
والمرتجل١: بخلافه "كسعاد" وهو علم امرأة "وأدد" وهو علم رجل٢.
تنبيهات:
الأول: ذهب بعضهم إلى أن الأعلام كلها منقولة، وبعضهم إلى أنها كلها مرتجلة، والمشهور الأول.
الثاني: قال بعضهم: تقسيم العلم إلى منقول ومرتجل، إنما هو بالنسبة إلى الأعم الأغلب، وإلا فالذي علميته بالغلبة لا منقول ولا مرتجل.
الثالث: المنقول، إما من مصدر "كفضل" أو اسم عين "كأسد" أو اسم فاعل "كحارث" أو اسم مفعول "كمسعود" أو صفة مشبهة "كسعيد" أو فعل ماض "كشمر" علم على فرس٣. أو مضارع "كيزيد" أو جملة من فعل وفاعل ظاهر "كبرق نحره" أو مضمر بارز "كأطرقا".
في قول الشاعر:
على أطرقا باليات الخيام إلا الثمام وإلا العصي٤
_________________
(١) ١ من الارتجال وهو الابتكار وهذا التقسيم للعلم من حيث وضعه، وهو ما استعمل من أول الأمر علما. ٢ أبو قبيلة من اليمن، وهو أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير. ٣ راجع الأشموني ١/ ٦٠. ٤ قائله: أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، وهو جاهلي إسلامي، توفي في خلافة عثمان ﵁ بطريق مكة. وقيل: إنه مات بمصر منصرفا من إفريقية وكان غزاها مع عبد الله بن الزبير. وهو من قصيدة يائية من المتقارب. الشرح: "أطرقا" -بفتح الهمزة وسكون الطاء وكسر الراء- اسم موضع من نواحي مكة من منازل كعب بن خزاعة قال أبو عمرو: "أطرقا" اسم لبلد بعينه. مأخوذ من فعل الأمر وفيه ضمير علامته الألف، كأن سالكه سمع نبأة فقال لصاحبيه. أطرقا "باليات" جمع بالية من البلى -بكسر الباء- يقال: بلي يبلى إذا خلق "الخيام" جمع خيمة وهي عند العرب بيت من عيدان، "الثمام" بضم الثاء -بزنة غراب- نبت ضعيف يحشى به خصائص البيوت ويستر به جوانب الخيمة. "العصي" بكسر العين جمع عصا. وأراد بها قوائم الخيمة. المعنى: عرفت ديار المحبوبة على هذه المفازة قد بليت خيامها إلا ثمامها وعصيها فإنها بقيت وما بليت. =
[ ١ / ٣٩٤ ]
أو مستتر "كيزيد" في قول الراجز:
نبئت أخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد١
_________________
(١) = الإعراب: "على أطرقا" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الديار وأطرقا: مجرورة بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الحكاية، "باليات" حال ثانية من الديار، "الخيام" مضاف إليه، "إلا" أداة استثناء لأنه مستثنى من كلام تام موجب، ومن رفع فإنما عمد إلى أنه مبتدأ خبره محذوف والتقدير إلا الثمام باقية أو لم تبل أو نحو ذلك. "وإلا" الواو عاطفة إلا زائدة، "العصي" معطوف على الثمام. والقصيدة تروى مرفوعة القوافي وتروى ساكنتها فمن رواها ساكنة جاز لك عليه أن تجعلها على محملي "الثمام" في روايتيه، ومن رواها مرفوعة فإن كان الثمام مرفوعا فالأمر بين وإن كان منصوبا كان محمله على المعنى، وبيان ذلك أنه لما حكم على الديار بالبلى ثم استثنى منها الثمام كان كأنه قال: بليت الديار وبقي الثمام فاستساغ أن يعطف عليه بالرفع؛ لأنه مرفوع في المعنى وليس الرفع بالعطف على المعنى وإن كان المعطوف عليه غير مرفوع لفظا ببدع في كلامهم. الشاهد: في "أطرقا" فإنه اسم علم منقول من فعل الأمر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ١/ ٦٠ والشاطبي. ١ قال العيني: قائله رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز المسدس. الشرح: "نبئت" بالتضعيف وبالبناء للمجهول أعلمت وأخبرت، "أخوالي" جمع خال وهو أخ الأم "يزيد" بالياء هكذا وقع في رواية النحويين ومنهم الزمخشري. وقال ابن يعيش: صوابه بالتاء من فوق وهو اسم رجل تنسب إليه الثياب التزيدية، ويزيد من الأسماء المعروفة لدى العرب، "ظلما" هو وضع الشيء في غير محله أو منعه من محله، "فديد" الصياح والجلبة. المعنى: أخبرت أن أخوالي بني يزيد يرفعون الصوت عاليا بظلمنا. الإعراب: "نبئت" فعل ونائب فاعل، وهو مفعوله الأول "أخوالي" مفعول ثان وياء المتكلم مضاف إليه، "بني" بدل من أخوالي، "يزيد" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة الحكاية، "ظلما" مفعول لأجله أو حال بتأويل المشتق أي: ظالمين، "علينا" جار ومجرور متعلق بقوله "ظلما" أو بقوله "فديد" الآتي، "لهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "فديد" مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مفعول ثالث لنبئت. الشاهد: "في يزيد" حيث سمي به وأصله فعل مضارع من "زاد" مشتمل على ضمير مستتر فيه فنقل من الجملة المؤلفة من فعل وفاعل إلى العلمية، وهو مرفوع على الحكاية؛ لأن القوافي مرفوعة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٣٠، وابن هشام ١/ ٩٢، والأشموني ١/ ٦٠، والشاطبي، وداود، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٢٨، والشاهد ٣٩ في خزانة الأدب.
[ ١ / ٣٩٥ ]
كذا أنشده الزمخشري١ بالياء المثناة من تحت٢.
قال ابن يعيش٣: صوابه بالتاء المثناة من فوق وهو اسم رجل٤ وإليه تنسب الثياب التزيدية٥.
قال في شرح التسهيل: ولم يرد عن العرب علم منقول من مبتدأ أو خبر٦ ولا من فعل أمر دون إسناد إلا "إصمت" اسما للفلاة الخالية.
فإن من العلماء من زعم أنه منقول من الأمر بالصمت، وذلك عندي غير صحيح من وجهين:
أحدهما: أنه متى كان من "أصمت" فالأمر منه مفتوح الهمزة، وإن كان من "صمت" فالأمر منه مضموم الميم "وإصمت" بخلاف ذلك والمنقول لا يغير٧.
والثاني: أنه قد قيل فيه "أصمتة"٨ بتاء التأنيث ولو كان فعل أمر لم تلحقه هاء التأنيث. وإذا انتفى كونه منقولا من فعل أمر ولم يثبت له استعمال في غير العلمية تعين كونه مرتجلا.
واعترض بأنه أمر من "صمت يصمت" بكسر الميم.
والجواب عن "لحاق"٩ التاء أنهم أرادوا أن يعلموا بذلك كونه فارق موضعه من الفعلية.
_________________
(١) ١ هو أبو القاسم محمود بن عمر جار الله الزمخشري نسبة إلى "زمخشر" من أعمال خوارزم كان واسع العلم غاية في الذكاء وقوة القريحة متفننا في كل علم، وجاور بمكة فلقب بجار الله، وكانت له رجل من خشب وله مصنفات كثيرة منها الكشاف في التفسير والمفصل في النحو، وأطواق الذهب، والأحاجي النحوية، ومات سنة ٥٣٨ ثمان وثلاثين وخمسمائة. ٢ راجع الأشموني ١/ ٦٠. ٣ هو أبو البقاء يعيش بن عليّ بن يعيش الحلبي النحوي، وكان من كبار أئمة العربية ماهرا في النحو والتصريف، وقد غالب فضلاء حلب وتصدر للإقراء بها زمانا وشاع ذكره وصنف كتاب "المفصل" المعروف. ومات سنة ٦٤٣هـ ثلاث وأربعين وستمائة. ٤ أ، ج. ٥ راجع شرح المفصل ٢/ ٢٨. ٦ قال الأشموني ١/ ٦٠: "لكنه بمقتضى القياس جائز". ا. هـ. ٧ راجع الصبان ١/ ١١٢. ٨ ج وفي ب "صمتت" وفي أ "اصمتت". ٩ أ، ب وفي ج "إلحاق".
[ ١ / ٣٩٦ ]
وزاد بعضهم في المنقول منقولا من صوت وعني بذلك "ببَّه" وهو ابن لبعض بني هاشم: وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل، وهو منقول من الصوت، كانت أمه ترقصه به وهو صبي وذلك قولها:
لأنكحن ببه، جارية خدبه، مكرمة محبه، تجب أهل الكعبه١.
قال ابن مالك: والصحيح أن "ببَّه" منقول من قولهم للغلام السمين ببه.
قال ابن خالويه٢: إن "ببَّه" هو الغلام السمين فيكون منقولا من الصفة.
_________________
(١) ١ قائلته: هي هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية وكانت لقبت به ابنها في صغره ترقصه وتقول: لأنكحن وابنها هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والي البصرة. الشرح: "ببَّه" في الأصل الأحمق كذا قاله الخليل، ويقال للشاب الممتلئ البدن نعمة ببه، وقال الجوهري: ببه هو لقب عبد الله بن الحارث. "خدبه": بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال وتشديد الباء أرادت بها الجارية المشتدة الممتلئة اللحم، ويقال للبعير الشديد الصلب خدب، "تجب" بضم الجيم أي تغلب أهل الكعبة في الحسن والجمال، يقال: جبه إذا غلبه، وجبت فلانة النساء إذا غلبتهن بالحسن. الإعراب: "لأنكحن" اللام للتأكيد، وأنكحن جملة من الفعل والفاعل، وهو من الإنكاح. "ببه" مفعول أول "جارية" مفعول ثان، وليس مجيء المفعولين لفعل واحد مقتصرا على أفعال القلوب وهذا باب ليس فيه عدد محصور، إنما الفرق أن أفعال القلوب يكون المفعول الثاني عين الأول وفي غيرها غير الأول نحو أعطيت زيدا درهما، "مكرمة محبة" صفة بعد صفة للجارية، "تجب" فعل مضارع والفاعل ضمير، "أهل" مفعول به، "الكعبة" مضاف إليه والجملة صفة أخرى. الشاهد: في "لأنحكن ببه" فإنه علم منقول من الصوت وهو ببه، فإنه منقول من الصوت الذي كانت هند ترقصه به. مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٢٣، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٧٢، والخصائص ١/ ٢١٧. ٢ أبو عبد الله الحسين بن محمد، نشأ بهمذان ووفد إلى بغداد، وأخذ عن ابن الأنباري وابن دريد، وغيرهما، وله مع المتنبي مناظرات، كان كوفي النزعة قصير الباع في النحو طويله في اللغة، يشهد بذلك ما ساقه في انتصاره لثعلب عند رده الاعتراضات العشرة التي فند بها الزجاج نصف كتابه "الفصيح" وذكر ردود ابن خالويه للسيوطي في الأشباه والنظائر. ومن مؤلفاته في العربية "ليس". توفي بحلب سنة ٣٧٠هـ سبعين وثلاثمائة.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وقال في الصحاح: يقال للأحمق الثقيل "ببه" وهو أيضا لقب لعبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب والي البصرة. قال الفرزدق:
وبايعت أقواما وفيت بعهدهم وببه قد بايعته غير نادم١
واسم جارية، وقال لأنكحن ببه، جارية خدبة، مكرمة محبة، تجب أهل الكعبة. ا. هـ٢.
وقد وهم في استشهاده في الرجز على أنه اسم جارية؛ لأن "ببه" في الرجز هو اللقب لعبد الله بن الحارث كما تقدم وأنشده بفتح الهمزة في قوله: "لأنحكن" والصواب ضمها، وأنشد "تجب أهل الكعبة" "بفتح التاء وكسر الجيم"٣ أي تغلبهم حسنا، يقال: جب القوم إذا غلبهم والله أعلم. ثم قال:
وجملة وما بمزج ركبا ذا إن بغير ويه تم أعربا
العلم قسمان: مفرد نحو: "زيد" ومركب وهو ثلاثة أقسام:
تركيب إسناد: وهو ما كان جملة في الأصل نحو: "برق نحره" وتقدم أنه لم يسمع النقل من الجملة الاسمية ولو سمي بها لجاز.
_________________
(١) ١ هو من الطويل، وقائله الفرزدق. الشرح: "بايعت" من المبايعة وهي المعاقدة، والمعاهدة كأن كل واحد من المتبايعين باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته ودخيلة أمره. "ببه" أراد به الفرزدق عبد الله بن الحارث. الإعراب: "بايعت" فعل ماض والتاء فاعل، "أقواما" مفعوله، "وفيت بعهدهم" جملة حالية بتقدير قد أي: حال كوني قد وفيت بعهدهم. فإن قلت: كيف يكون وافيا بعهدهم في حال المبايعة والوفاء لا يكون إلا بعدها؟ قلت: هذه من الأحوال المنتظرة المقدرة، والتقدير: مقدرا الوفاء على مبايعتي. "وببه" مبتدأ، "بايعته" فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعوله والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: في "ببه" أنه علم منقول من الصوت كما سبق. مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية. ٢ ١/ ٢ صحاح. ٣ ب، وج وفي أ "بفتح الهمزة في قوله لأنكحن وكسر التاء".
[ ١ / ٣٩٨ ]
وتركيب مزج: وهو كل اسمين جعلا اسما واحدا منزلا ثانيهما منزلة هاء التأنيث نحو: "بعلبك".
وتركيب إضافة١: "كامرئ القيس".
فالإسنادي يحكى٢ ولا يعرب مطلقا. قال في التسهيل: وربما أضيف صدر ذي الإسناد إلى "عجزه"٣ إن كان ظاهرا. ا. هـ٤.
فتقول على هذا: "جاءني برق نحره" بالإضافة، قال بعضهم: وهذا لا يقاس عليه.
والمزجي: إن ختم بويه بني على الكسر على الأشهر، وقد يعرب غير منصرف، وإن لم يختم بويه، أعرب غير منصرف على الأشهر، وقد يبنى تشبيها بخمسة عشر، وقد يضاف صدره إلى عجزه.
وقد علم حكم المزجي من قوله: "ذا إن بغير ويه ثم أعربا" وذا إشارة إلى المزجي.
فإن قلت: أبهم في قوله: "أعرب" إذ لم يبين أنه غير منصرف.
قلت: قد نبه عليه في موضعه من باب ما لا ينصرف٥.
وأما الإضافي فقد ذكره في قوله:
وشاع في الأعلام ذو الإضافه كعبد شمس وأبى قحافه
_________________
(١) ١ هو كل اسمين نزل ثانيهما منزل التنوين مما قبله وذلك لأن الجزء الأول يعرب والثاني يلتزم حالة واحدة كالتنوين. ٢ أي: على ما كان عليه قبل التسمية فيعرب بحركات مقدرة على آخره للحكاية. ٣ أ، ب وفي ج "عجزهما". ٤ التسهيل ص٣٠. ٥ المركب المزجي: حكم الأول أن يفتح آخره كبعلبك وحضرموت، إلا إن كان ياء فيسكن كمعديكرب وإلا فلا. وحكم الثاني أن يعرب بالضمة والفتحة نصبا وجرا إعراب ما لا ينصرف للعلمية والتركيب إلا إن كان كلمة "ويه" فيبنى على الكسر كسيبويه وعمرويه. ا. هـ. ابن هشام في أوضح المسالك ج١ ص٦٩.
[ ١ / ٣٩٩ ]
والإضافي: ضربان: كنية كأبي قحافة، وغير كنية كعبد شمس، وقد نبه على النوعين بالمثالين.
وأشار بقوله: "شاع" إلى أن المضاف أكثر "أقسام"١ المركب إذ "منه"٢ الكنى ولا تخفى كثرتها.
فإن قلت: مقتضى ما ذكر انحصار المركب في الأنواع الثلاثة، وأن ما عداها مفرد.
وقد صرح بذلك في التسهيل حيث قال: وما عري من إضافة وإسناد ومزج مفرد، وما لم يعرَ مركب. ا. هـ٣. وليس الأمر كما قال؛ لأنه يرد عليه "أشياء"٤ كثيرة من المركب نحو: ما تركب من حرفين "كأنما" أو حرف واسم نحو: "يا زيد" أو حرف وفعل نحو: "قد قام".
قلت: عن ذلك جوابان: أحدهما أنه إنما تعرض لذكر ما ورد عن العرب من المركب وأما تركيب الحرفين وما ذكر معه فلم يرد عن العرب بالتسمية به.
والثاني: أن تركيب الحرفين وما ذكر معه شبيه بتركيب الإسناد لأن حكمه أن يحكى ولا يعرب كتركيب الإسناد، فاكتفي بذكر تركيب الإسناد؛ لأن هذا ملحق به.
ثم قال:
ووضعوا لبعض الأجناس علم كعلم الأشخاص لفظا وهو عم
هذا هو الضرب الثاني من ضربي العلم الجنسي، وإنما قال: "لبعض الأجناس"؛ لأنهم لم يضعوا لجميعها، وإنما وضعوا العلم الجنسي لبعض الأجناس التي لا تؤلف غالبا كالسباع والوحوش، وربما جاء في بعض المألوفات "كأبي المضاء"٥ لجنس الفرس.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "أسماء". ٢ أ، ج وفي ب "فيه". ٣ التسهيل ص٣٠. ٤ أ، ج وفي ب "أسماء". ٥ أ، ج وفي ب "كأبي المضي".
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقوله: كعلم الأشخاص لفظا. يعني أن العلم الجنسي يساوي الشخصي في أحكامه اللفظية فإنه لا يضاف ولا يدخل عليه حرف التعريف، ولا ينعت بالنكرة، ولا يقبح مجيئه مبتدأ، ولا انتصاب للنكرة بعده على الحال، ولا يصرف منه ما فيه سبب زائد على العلمية "كأسامة" فساوى في ذلك كله العلم الشخصي.
وقوله: وهو عم. يعني أنه فارق العلم الشخصي من جهة المعنى بعمومه إذ ليس بعض الأشخاص أولى به من بعض.
ألا ترى أن "أسامة" صالح لكل أسد بخلاف العلم الشخصي.
فإن قلت: فما الفرق بينه وبين اسم الجنس النكرة من جهة المعنى؟
قلت: ذهب قوم إلى أن أسامة لا يخالف في معناه دلالة أسد، وإنما يخالفه في أحكام لفظية وإنما أطلق عليه أنه معرفة مجازا.
وهذا معنى ما ذكره ابن مالك في باب المعرفة والنكرة من شرح التسهيل، فإنه ذكر فيه أن أسامة ونحوه نكرة معنى معرفة لفظا وأنه في الشياع كأسد.
وأقول: تفرقة الواضع بين "أسامة" و"أسد" في الأحكام اللفظية "تؤذن"١ بفرق من جهة المعنى.
ومما قيل في ذلك: أن "أسدا" وضع ليدل على شخص معين، وذلك الشخص لا يمتنع أنه يوجد منه أمثال فوضع "أسدا"٢ على الشياع في جملتها، ووضع أسامة لا بالنظر إلى شخص بل على معنى الأسدية المعقولة التي لا يمكن أن توجد خارج الذهن٣ ولا يمكن أن يوجد منها اثنان أصلا في الذهن، ثم صار "أسامة" يقع على الأشخاص لوجود ما هو ذلك المعنى المفرد الكلي في الأشخاص.
والتحقيق في ذلك: أن تقول: اسم الجنس هو الموضوع للحقيقة الذهنية من حيث هي هي "فأسد" موضوع للحقيقة من غير اعتبار قيد معها أصلا، وعلم
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "توزن". ٢ أ. ٣ أ، ب وفي ج النفس بدل الذهن.
[ ١ / ٤٠١ ]
الجنس "كأسامة" موضوع للحقيقة باعتبار حضورها الذهني الذي هو نوع شخصي لها مع قطع النظر عن إفرادها، ونظيره المعرف باللام التي للحقيقة والماهية.
وبيان ذلك: أن الحقيقة الحاضرة في الذهن، وإن كان عامة بالنسبة إلى أفرادها، فهي باعتبار حضورها فيه أخص من مطلق الحقيقة، فإذا استحضر الواضع صورة "الأسد" ليضع لها فتلك الصورة الكائنة في ذهنه جزئية بالنسبة إلى "مطلق صورة الأسد"١.
فإن هذه الصورة واقعة لهذا الشخص في زمان ومثلها يقع في زمان آخر "أو في ذهو آخر"٢. والجميع يشترك في مطلق صورة الأسد، فإن وضع لها من حيث خصوصها فهو علم الجنس أو من حيث عمومها فهو اسم الجنس.
وفي كلام سيبويه إيماء إلى هذا الفرق، فإنه قال في باب ترجمته: هذا باب من المعرفة يكون فيه الاسم الخاص شائعا في "الأمة"٣ ليس واحد منه بأولى من الآخر، ما نصه: إذا قلت هذا أبو الحارث "إنما"٤ تريد هذا الأسد أي: هذا الذي سمعت باسمه أو عرفت "أشباهه"٥ ولا تريد أن تشير إلى شيء "قد عرفته بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدا"٦ ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم٧. ا. هـ.
فجعله بمنزلة المعرف "باللام"٨ التي للحقيقة.
وقال ابن مالك بعد ذكره كلام سيبويه: هذا جعله خاصا شائعا في حالة واحدة.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ هذه عبارة الكتاب ١/ ٢٦٣، وفي الأصل "هذا باب من المعرفة يكون الاسم الخاص فيه شائعا في أمته". ٤ في كتاب سيبويه "فأنت". ٥ ب، ج والكتاب، وفي أ "أشبابه". ٦ في الكتاب ج١ ص٢٦٣، وفي الأصل "قد عرفته بمعرفته كزيد". ٧ كتاب سيبويه ج١ ص٢٦٣. ٨ أ، ج وفي ب"بالألف واللام".
[ ١ / ٤٠٢ ]
فخصوصه باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشياعه باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطا من تلك الحقيقة في الخارج.
ثم شرع في تمثيله فقال:
من ذاك أم عريط للعقرب وهكذا ثعالة للثعلب
علم الجنس ضربان: عيني ومعنوي.
فالعيني يكون اسما نحو: "شبوة" للعقرب، و"ثعالة" للثعلب، ويكون كنية نحو: "أم عريط" للعقرب، "وأبي الحصين" للثعلب.
والمعنوي مثل: "برة وفجار" فبرة علم للمبرة، وفجار علم للفجرة.
قال النابغة:
أنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار١
_________________
(١) ١ البيت: من قصيدة للنابغة الذبياني، واسمه زياد بن معاوية، وسببها أن زرعة بن عمرو ابن خويلد كان قد لقي النابغة بسوق عكاظ فأشار عليه أن يحرض قومه على قتال حلفائهم من بني أسد فأبى النابغة ذلك، ثم بلغه أن زرعة يتهدده فقالها يهجوه. وهي من الكامل. الشرح: "أنا اقتسمنا خطتينا" بفتح همزة أنا؛ لأنه مفعول لعلمت في البيت قبله. ا. هـ. صبان ١/١١٦: أي: كانت لي ولك خطتان فأخذت أنا البرة وأخذت أنت الفاجرة والخطة: القصة والخصلة، "برة" اسم علم وضع من البر فلم يصرفه؛ لأنه معرفة مؤنث، لأنه اسم للخطة. "فجار" اسم معدول عن الفجور معرفة فبناؤه كما في حذام وقطام. فإن قلت: لم قال، في الإخبار عن نفسه فحملت، وفي الإخبار عن نفس زرعة احتملت؟ أقول: أراد النابغة أن يهجو زرعة بكثرة غدره وإيثار الفجور فذكر اللفظة التي يراد بها الكثيرة خاصة، لتكون أبلغ في الهجو، ولو قال: حملت فجار لاحتمل إلا يكون غدرا لا مرة واحدة. الإعراب: "أنا" أن حرف توكيد ونصب ونا: اسمها، "اقتسمنا" فعل وفاعل، "خطتينا" مفعول به ونا: مضاف إليه. والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر أن، "بيننا" ظرف متعلق باقتسم والضمير مضاف إليه، "فحملت" الفاء عاطفة، حملت: فعل وفاعل، "برة" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، "واحتملت" الواو عاطفة. احتملت: فعل وفاعل. "فجار" مفعول به على الكسر في محل نصب. الشاهد: في "برة وفجار" فإنهما من أعلام الجنس المعنوي، فإن برة علم للمبرة، وفجار علم للفجور.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وإلى هذا أشار بقوله:
ومثله برة للمبره كذا فجار علم للفجره
وفجار، علم مؤنث مبني على الكسر مثل حذام.
تنبيه:
لما كان للعلم الجنس خصوص من وجه وشياع من وجه جاء في بعضه عن العرب وجهان:
إعطاؤه حكم المعارف، وإعطاؤه حكم النكرات، وطريق ذلك السماع.
ومن المسموع فيه الوجهان "فينة"١، وغدوة وبكرة وعشية.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ١ / ٤٠٤ ]
اسم الإشارة:
لم يحد اسم الإشارة؛ لأنه كما قيل محصور بالعد فلا يحتاج إلى الحد.
وحده في التسهيل بقوله: ما وضع لمسمى وإشارة إليه١. ا. هـ. وقال بعضهم هو الموضوع لمعين في حال الإشارة. وقال ابن الحاجب٢: وهو ما وضع لمشار إليه٣.
والمشار إليه إما مذكر أو مؤنث، وكل منهما إما مفرد أو مثنى أو مجموع.
فهذه ستة أقسام:
فبدأ بما يشار به إلى الواحد المذكر فقال: بذا لمفرد مذكر أشر.
للمفرد المذكر لفظ واحد وهو "ذا".
وقد يقال: "ذاء" بهمزة مكسورة بعد الألف، و"ذائه" بهاء مكسورة بعد الهمزة.
تنبيه:
مذهب البصريين: أن "ذا" ثنائي لفظا ثلاثي وضعا، لقولهم في التصغير "ذيا" وسيأتي تقريره في باب التصغير، فهل المحذوفة عينه أو لامه؟ قولان أظهرهما الثاني، وهل هو من باب طويت أو من باب حييت؟ قولان أشهرهما الثاني، "وهل"٤ وزنه فعل -بالإسكان- أو فعل -بالتحريك- قولان: أصحهما الثاني٥.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٣٩. ٢ هو: أبو عمر عثمان جمال الدين عمر الكردي الأصل المشهور بابن الحاجب؛ لأن أباه كان حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي بالقاهرة، ولد ابن الحاجب بإسنا ثم تعهده أبوه بالقاهرة فحفظ القرآن، وكان أصفى الناس ذهنا، ومن مؤلفاته في النحو: الإيضاح شرح المفصل للزمخشري، والأمالي، والكافية والشافية، توفي بالإسكندرية سنة ٦٤٦هـ ست وأربعين وستمائة. ٣ أ، ج، وراجع الكافية ٢/ ٢٩. ٤ أ، ج. ٥ قال السيوطي في همع الهوامع ج١ ص٧٥: "فالأصح أنه فعل بتحريك العين؛ لأن الانقلاب عن المتحرك ". ا. هـ.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وذهب الكوفيون والسهيلي: إلى أنه على حرف واحد وضعا، وأن ألفه زائدة استدلوا بسقوطها في قولهم "ذان"١.
وأجيب بأنها حذفت لالتقاء الساكنين، وبأنها صيغة مرتجلة لا تثنية حقيقية.
واستدلوا بقولهم "ذه أمة الله".
وأجيب: باحتمال أن تكون الهاء بدلا من الباء.
قلت: والظاهر أن يقال: "ذه" صيغة مرتجلة للمؤنث.
وذهب قوم منهم السيرافي: إلى "أن ذا ثنائية"٢ الوضع، فالألف على هذا أصل كألف "ما" "و"٣ ليست منقلبة عن شيء٤.
ثم انتقل إلى الواحدة المؤنثة فقال:
بذي وذه تي تا على الأنثى اقتصر
أي: اقتصر بهذه الألفاظ الأربعة على المؤنث فلا تشر بها إلى "غيره"٥، وليس مراده حصر ما يشار به إلى المؤنث في هذه الألفاظ.
وقد حكى في التسهيل: للمؤنثة عشرة ألفاظ: "ذي وتي وذه وته -بإسكان الهاء- وذه وته -بكسر الهاء- وذهي وتهي -بالإشباع- وتا وذات -مبنية على الضم"٦.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في همع الهوامع ج١ ص٧٥: "ورد بأنه ليس في الأسماء الظاهرة القائمة بنفسها ما هو على حرف واحد، وأما حذفها في التثنية فلالتقاء الساكنين وقد عوض منها تشديد النون". ا. هـ. ٢ ب، ج وفي أ "أنه ثنائي". ٣ ج. ٤ قال السيوطي في همع الهوامع ج١ ص٧٥: "قال أبو حيان: لو ذهب ذاهب إلى أن "ذا" ثنائي الوضع نحو "ما" وأن الألف أصل بنفسها غير منقلبة عن شيء إذ أصل الأسماء المبنية أن توضع على حرف أو حرفين لكان مذهبا جيدا سهلا قليل الدعوى ". ا. هـ. ٥ ج وفي أ، ب "غيرهما". ٦ قال في التسهيل ص٣٩: "وللمؤنثة تي وتا وته وذي وذه وتكسر الهاءان باختلاس وإشباع وذات". ا. هـ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وحكى ابن أبي الربيع١ في شرح الإيضاح٢ أن من العرب من يقول "ذهي" في الوصل "وذه" في الوقف -بسكون الهاء- تشبيها بالمضمر، وأن منهم من يقول: "ذى" في الوصل فإذا وقف أبدل من الياء هاء فقال "ذه".
ثم انتقل إلى المثنى فقال:
وذان تان للمثنى المرتفع وفي سواه ذين تين اذكر تطع
أي نقول: في تثنية المذكر "ذان" في الرفع و"ذين" في الجر والنصب، وفي تثنية المؤنث "تان" في الرفع و"تين" في الجر والنصب تعربهما إعراب المثنى. "وإن كانا مشابهين للمبني"٣؛ لأن التثنية عارضت شبه الحرف، لكونها من خواص الأسماء فلم يؤثر شبه الحرف ولم يثن "من"٤ أسماء الإشارة غير "ذا وتا".
ومذهب المحققين كالفارسي: أن "ذين وتين" ليسا تثنية حقيقية بل ألفاظ وضعت لمثنى. واستدل الفارسي على ذلك في التذكرة٥ بأن التثنية تستلزم تقدير التنكير.
ألا ترى أن العلم إذا ثني قدر تنكيره، واسم الإشارة، لازم التعريف لا يقبل التنكير.
ثم انتقل إلى الجمع فقال:
وبأولى أشر الجمع مطلقا
أي مذكرا كان أو مؤنثا: فتقول: "أولى خرجوا وأولى خرجن" ويشار به إلى العاقل وغيره.
_________________
(١) ١ هو أبو الحسن عبيد الله بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الإشبيلي إمام النحو في زمانه، قرأ على الدباج وأذن له في التصدر للقراءة، ولما استولى الفرنجة على إشبيلية جاء إلى سبتة، وأقرأ بها النحو وصنف فيه الإفصاح شرح مسائل الإيضاح، وشرح سيبويه وشرح الجمل في عشرة مجلدات لم يشذ عنه مسألة في العربية. ومات سنة ٦٨٨هـ لثمان وثمانين وستمائة. ٢ هو كتاب لابن أبي الربيع في النحو. ٣ أ، ج. ٤ أ، ب وفي ج "في". ٥ هو كتاب لأبي علي الفارسي.
[ ١ / ٤٠٧ ]
قال الشارح١: وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء لغيره، وفيه لغتان: القصر: وهي لغة بني تميم، والمد: وهو لغة أهل الحجاز، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن٢ ولهذا قال: "والمد أولى" وقد حكي فيه لغات أخر، وهي "هلاء" -بإبدال الهمزة هاء- و"أولاء" -بضم الهمزتين- "وإلًى" -بالتنوين- حكاه قطرب.
قال في شرح التسهيل: وتسمية هذا تنوينا مجاز٣، والجيد أن يقال: إن صاحب هذه "اللغة"٤ زاد بعد همزة "أولي" نونا وأولي بإشباع الضمة قبل اللام هو ما حكاه الشلوبين٥ عن بعض العرب "وإلا" بالقصر والتشديد، حكاها بعض أهل اللغة.
تنبيه:
في همزة "أولاء"٦ ثلاثة مذاهب: أحدها أنها عن ياء وهو مذهب المبرد، والثاني: أن أصلها ألف وهو مذهب الزجاج، والثالث: أنها أصلية غير مبدلة من شيء بل مما فاؤه همزة نحو: "أجاء "وأدآء"٧ وهو مذهب الفارسي٨.
ثم قال:
ولدى البعد انطقا
بالكاف حرفا دون لام أو معه
_________________
(١) ١ قال الشارح ص٢١: "وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل وقد يجيء لغيره كقوله: ذم المنازل بعد منزلة الهوى والعيش بعد أولئك الأيام وفي أولاء لغتان: المد والقصر، فالمد لأهل الحجاز وبه نزل القرآن العظيم، والقصر لبني تميم". ا. هـ. ٢ قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ . ٣ لأنه غير مناسب لواحد من أقسام التنوين. ٤ ب، ج. ٥ هو: الأستاذ أبو عليّ عمر بن محمد الإشبيلي الأزدي المعروف بالشلوبين وهو بلغة الأندلس: الأبيض الأشقر، كان إمام عصره في العربية بلا مدافع، وآخر أئمة هذا النوع بالمشرق والمغرب، أخذ عن ابن ملكون وغيره وانتفع به أكثر أهل الأندلس واشتهر ذكره، وصنف تعليقات على كتاب سيبويه، وله كتاب في النحو سماه "التوطئة"، وتوفي سنة ٦٤٥هـ خمس وأربعين وستمائة. ٦ ب وفي أ "أولى" وج "أولا". ٧ أ، ب وفي ج "أآ اء". ٨ وإليه أميل لعدم التكلف.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فأشار بذلك إلى أن لأسماء الإشارة مرتبتين قريبة وبعيدة، فما تجرد عن كاف الخطاب فهو القريب، وقد مثلنا به، وما لحقته الكاف وحدها أو مع اللام فهو للبعيد.
فتقول للمذكر "ذاك وذلك"، وقالوا "آلك" في معنى ذلك.
وفي المؤنثة "تيك وتلك وتالك"، وفي المثنى "ذايك وتايك" "ولا تلحقه"١ اللام، وفي الجمع "أولئك وأولاكَ "وأولالِكَ"٢"، ولا تلحق اللام "أولئك" على لغة المدة.
تنبيهات:
الأول: لا تلحق الكاف من أسماء الإشارة إلى المؤنث إلا "تي "تا"٣ ذي"، قالوا: تيك وتلك وتيلك -بكسر التاء- في الثلاثة، وتيك وتلك، بفتح التاء فيهما، "وتالك وذيك" "بإسكان الياء"٤.
وقال ثعلب٥ لا يقال "ذيك" وقد حكاه غيره، فهذه سبعة ألفاظ للمؤنثة "في البعد"٦.
الثاني: للنحويين في أسماء الإشارة مذهبان: أحدهما أن لها مرتبتين قريبة وبعيدة، والآخر أن لها ثلاث مراتب: قريبة وبعيدة ومتوسطة، وهذا هو المشهور.
وزعموا أن المقرون بالكاف وحدها للمتوسط، والمقرون بالكاف مع اللام للبعيد، وجعلوا التشديد للنون في المثنى قائما مقام اللام في الدلالة على البعد.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "ولا تلحقهما". ٢ ب، ج. ٣ ج وفي أ، ب "ذا". ٤ ب. ٥ هو: أبو العباس أحمد بن يحيى بن سبار الشيباني، كان إمام الكوفيين والبصريين في النحو واللغة في زمانه، ثقة، دينا مشهورا بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب والحفظ، وكان ابن الأعرابي إذا شك في شيء يسأله عنه، وقد درس كتب الفراء والكسائي، وكانت بينه وبين المبرد منافرات، وله كتاب يسمى "مجالس ثعلب" في المكتبة العامة بالقاهرة، وعنه أخذ الأخفش الأصغر ونفطويه وابن الأنباري، وتوفي سنة ٢٩١هـ في خلافة المكتفي بالله ودفن ببغداد. ٦ أ، ج.
[ ١ / ٤٠٩ ]
واختلفوا في "أولئك "بالمد"١ فقيل: هو للمتوسط، لعدم اللام، وقيل: هو للبعيد.
قال المصنف: والمذهب الأول هو الصحيح، وهو الظاهر من كلام المتقدمين. يعني: القول بأن لها مرتبتين فقط.
قلت: ونسبه الصفار٢ إلى سيبويه، وقد استدل له في شرح التسهيل بأوجه:
أولها: وهو أقواها: أن الفراء روى أن الحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام وأن التميميين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، وأن بني تميم يقولون: "ذاك وتيك" حيث يقول الحجازيون "ذلك وتلك".
فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان.
وثانيها: أن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا بمجرد عن اللام والكاف معا، أو مصاحب لهما معا، أعني غير المثنى والمجموع.
فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها، لكان القرآن غير جامع لوجوه الإشارة.
وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣.
وثالثها: أن التعبير "بذلك" عن مضمون كلام على أثر انقضائه شائع في القرآن وغيره، ولا واسطة بين النطقين.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ هو قاسم بن عليّ بن محمد بن سليمان الأنصاري البطليوسي الشهير بالصفار، قال في البلغة: صحب الشلوبين وابن عصفور، وشرح كتاب سيبويه شرحا حسنا يقال: إنه أحسن شروحه، ويرد فيه كثيرا على الشلوبين بأقبح رد. مات بعد الثلاثين وستمائة. ٣ سورة الأنعام ٣٨.
[ ١ / ٤١٠ ]
ورابعها: "أنها"١ لو كانت مراتب الإشارة ثلاثا لم يكتف في التثنية والجمع بلفظين لأن في ذلك رجوعا عن سبيل الإفراد، ولا التفات إلى قول من قال: إن تشديد النون دليل على البعد؛ لأن التشديد عوض "عما"٢ حذف من الواحد؛ لأنه يستعمل مع المجرد من الكاف. انتهى، وفيه اختصار، ولا خفاء فيما في الوجه الثاني من الضعف.
وقوله: "حرفا" يعني: أن الكاف في ذلك حرف خطاب تبين أحوال المخاطب يقال: "ذلك وذلك وذلكما وذلكم وذلكن" كما تفعل بالكاف الاسمية، هذه أفصح اللغات.
والثانية: أن تكون مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث، ولا يلحقها دليل تثنية ولا جمع.
والثالثة: أن تكون مفتوحة مجردة من الزوائد في الأحوال كلها، ولا خلاف في حرفية الكاف هنا.
وقوله:
دون لام أو معه
تقدم أن اللام لغة الحجازيين، وتركها لغة بني تميم، وذكر بعضهم في هذه اللام ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها دليل البعد.
والثاني: أنها عماد.
والثالث: أنها عوض من هاء التنبيه؛ لأنها لا تجامعها.
تنبيه:
قوله: "أو معه" لا يصح في جميع أسماء الإشارة، وإنما ذلك في المفرد "وأولى"٣ المقصور، وقد تقدم أن المثنى "وأولاء"٤ الممدود لا تلحقه اللام وقوله:
واللام إن قدمت ها ممتنعه
_________________
(١) ١ أ، وفي ج "أنه". ٢ ج وفي أ، ب "مما". ٣ ب وفي أ، ج "ألى". ٤ ج، أ، ب "ألاء".
[ ١ / ٤١١ ]
يعني: أنك إن قدمت قبل اسم الإشارة لفظ "ها" التي للتنبيه امتنع الإتيان باللام فلا يقال "هَذَا لِكَ".
قال في شرح التسهيل: كراهية لكثرة الزوائد، وقد فهم من كلامه أن "ها" تدخل على المجرد فيقال: "هذا" وعلى المصاحب للكاف "وحدها فيقال: هذاك"١، "إلا أن دخولها على المجرد كثير وعلى المصاحب للكاف"٢ قليل ومنه قوله:
رأيت بنى غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد٣
تنبيه:
مقتضى ما ذكر جواز "هاذانك "وهاتانك"٤ وهؤلائك".
وقال في شرح التسهيل: إن المقرون بالكاف في التثنية والجمع لا يصحبه "ها" فلا يقال "هذانك" ولا "هؤلائك؛ لأن واحدهما "ذاك" أو "ذلك"، فحمل
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، ج. ٣ البيت لطرفة بن العبد البكري من معلقته المشهورة، وهو من الطويل. الشرح: "بني غبراء"؛ الغبراء هي الأرض، سميت بذلك لغبرتها، وأراد ببني الغبراء الفقراء الذين لصقوا بالأرض لشدة فقرهم، أو الأضياف أو اللصوص. "الطراف" بكسر الطاء، البيت من الجلد وأهل الطراف السعداء والأغنياء "الممدد" الذي قد مد الأطناب، يريد أنه معروف للناس عامة. المعنى: يريد أن جميع الناس من غير تفرقة بين فقيرهم وغنيهم يعرفونه ولا ينكرون محله من الكرم والمواساة للفقراء وحسن المعاشرة وطيب الصحبة للأغنياء، وكأنه يتألم من صنيع قومه معه. الإعراب: "رأيت" فعل وفاعل، "بني غبراء" مفعول أول ومضاف إليه، "لا ينكرونني" جملة من فعل وفاعل ومفعول في محل نصب مفعول ثان لرأى، "ولا" الواو عاطفة. لا: زائدة لتأكيد النفي، "أهل" معطوف على ضمير الجمع في: "ينكرونني" الواقع فاعلا وهو الواو ولم يحتج للتأكيد بالضمير المنفصل للفصل، "هذاك" اسم إشارة في محل جر بإضافة أهل إليه، والكاف حرف خطاب، "الطراف" بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان، "الممدد" صفة للطراف. الشاهد: في "هذاك"، حيث جاء بها للتنبيه مع الكاف ولم يجئ باللام وهذا قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية، ابن الناظم ص٣٢، وابن عقيل ١/ ٧٤، والأشموني ١/ ٦٥، والمكودي ص٢١، والسيوطي ص١٩، وأيضا في الهمع ١/ ٧٦. ٤ أ، ج.
[ ١ / ٤١٢ ]
على ذلك مثناه وجمعه؛ لأنهما فرعاه، وحمل عليهما مثنى "ذاك" وجمعه لتساويهما لفظا ومعنى. ا. هـ.
والسماع في "الجمع"١ يرد عليه. فقال:
من هؤليائكن الضال والسمر٢
وقد أنشد هذا البيت في الشرح:
وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكان
يعني أن "هنا"٣ من أسماء الإشارة المخصوصة بالمكان، وقد تلحقه "ها" التنبيه فيقال: "ههنا" وكلاهما للقريب أعني: المجرد والمقرون "بها" التنبيه وهو معنى قوله: "دان"٤ المكان. والداني هو القريب.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "الجميع". ٢ قاله العرجي واسمه عبد الله بن عمر بن عمرو، ولقب بالعرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف، وهو من شعراء قريش وممن شهر بالغزل، وهو من قصيدة رائية من البسيط. وصدره: ياما أميلح غزلانا شدن لنا وقد ذكر البيت في نسخة ب، وفي أ، ج الشطر الثاني. الشرح: "أميلح" تصغير أملح: من ملح الشيء ملاحة، "الغزلان" جمع غزال، "شدن" جمع مؤنث من فعل الماضي. يقال: شدن الظبي شدونا إذا صلح جسمه، ويقال شدن الظبي إذا قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه فهو ولد الظبية، "الضال" بالضاد المعجمة وتخفيف اللام وهو شجر السدر البري والواحد الضالة بتخفيف اللام، "السمر" وهو ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة. الإعراب: "يا" حرف نداء والمنادى محذوف أي: يا صاحبي، "ما أميلح غزلانا" فعل تعجب وأصله ما أملح غزلانا، وأميلح على مذهب الكوفيين لأنهم يقولون باسميتها، ما تعجيبة مبتدأ -وخلاف في معناها- أميلح غزلانا خبره "شدن" ماضي شدن الغزال بالفتح يشدن بالضم، والضمير فيه يرجع إلى الغزلان وهي في محل النصب على أنها صفة للغزلان "لنا" جار ومجرور متعلق بشدن "من هؤليائكن" جار ومجرور متعلق بشدن أيضا "الضال" صفة اسم الإشارة أو عطف بيان "والسمر" عطف عليه. الشاهد: في "هؤليائكن" حيث جاءت أوليائكن مقرونة بالهاء وأوليائكن تصغير أولئكن، وإنما أتى "بكن" لأنه خاطب مؤنثات بقوله "قبله": بالله يا ظبيات القاع قلن لنا مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، وابن هشام في المغني ٢/ ١٩٢، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٦١ والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٧٦، والشاهد رقم ٦ في خزانة الأدب. ٣ أ، ب وفي ج "ها هنا". ٤ ب، ج وفي أ "كان".
[ ١ / ٤١٣ ]
فإذا أريد بها البعيد جيء بالكاف فيقال هناك "وها هناك"١.
ولهذا قال:
وبه الكاف صلا في البعد
يعني: مجردا أو مع "ها" التنبيه، ويقال أيضا في البعد: "هنالك" باللام مع الكاف، كما يقال: "ذلك"، ولا تدخل "هنا" على "هنالك" ولا يقال: "ههنالك"، كما لا يقال "هذا لك".
وقد نبه على "هنالك" بقوله:
أو بهنا لك انطقن
تنبيه:
ظاهر كلامه هنا اختصاص "هنا": بالمكان، وقد صرح به في الكافية فقال: وبالمكان اخصص هنا٢. ا. هـ.
وقال في شرح التسهيل: وقد يراد "بهناك وهنالك" الزمان، وقد مثل "هناك" في شرحه بقول الشاعر:
وإذا الأمور تشابهت وتعاظمت فهناك تعترفون أين المفزع٣
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج وفي أ "وبالمكان اخصص هنا بالمكان". ٣ قائله هو الأفوه الأودي، والأفوه لقب، واسمه صلاة بن عمرو بن مالك، وكان غليظ الشفتين ظاهر الأسنان، فلذلك قيل: الأفوه، وهو من الكامل. الشرح: "تشابهت" اشتبه بعضها ببعض، "تعاظمت" بمعنى عظمت، "المفزع" بالزاي المعجمة والعين المهملة أي الملجأ، وأصل الفزع الخوف، وقال ابن فارس: الفزع الذعر، وهذا مفزع القوم إذا فزعوا إليه فيما يدهمهم، والفزع الإغاثة. الإعراب: "إذا" للشرط، "الأمور" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده وهو تشابهت، "وتعاظمت" عطف على تشابهت، "فهناك" جواب إذا وهناك إشارة إلى الزمان. "تعترفون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ محذوف أي: أنتم تعترفون أو هم يعترفون بحسب الفاعل في يعترفون، "أين" خبر مقدم "المفزع" مبتدأ مؤخر. الشاهد: في "فهناك" فإنه ههنا إشارة إلى الزمان، وأصل وضعه الإشارة إلى المكان. مواضعه: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٧٨.
[ ١ / ٤١٤ ]
ومثل "هنالك" بقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١ ولا حجة فيهما، "لاحتمال"٢ أن يكون الإشارة إلى المكان.
وقوله: أو بثم فه إلى آخره.
يعني: أنه يشار أيضا للمكان "البعيد"٣ "بثم٤ وهنا وهنا" بفتح الهاء وكسرها وقد يقال: "هنت" موضع "هنا" وقد يقال:"هناك وهناك" بكاف الخطاب.
وقد يراد "بهنا"٥ الزمان كما ذكر في التسهيل٦ ومنه قول الشاعر:
حنت نوار ولات هنا حنت وبدا الذي كانت نوار أجنت٧
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ١١. ٢ ب وفي أ، ج "لاحتمالهما". ٣ أ، ج. ٤ ثم: ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا تتأخر عنه كاف الخطاب. ٥ ج وفي أ، ب "بها". ٦ قال في التسهيل ص٤١ "وهنا الزمان". ٧ قائله شبيب بن جعيل -بضم الجيم وفتح العين- وهو ابن النوار بنت عمرو بن كلثوم. وكان بنو قينة الباهليون أسروا شبيبا هذا في الحرب وقعت بينهم وبين تغلب فأرنت أمه النوار فقال هذا، وقال ابن بري هو لحجل -بفتح الحاء وسكون الجيم- ابن فضلة -بفتح فسكون- وكان سبى النوار بنت عمرو بن كلثوم، وهو من الكامل. الشرح: "حنت" من الحنين وهو الشوق وتوقان النفس، "نوار" -بفتح النون والواو المخففة- من أسماء النساء وهو اسم أم الشاعر، وهو مبني على الكسر في لغة جمهور العرب، وبنو تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف، "لات" يعني ليس "هنا" بمعنى حين "وبدا" ظهر "أجنت" -من أجن بالجيم- أخفت وكتمت وسترت. المعنى: حنت هذه المرأة في وقت ليس وقت الحنين وظهر الذي كانت أجنته من المحبة والعشق. الإعراب: حنت: فعل ماض والتاء للتأنيث، "نوار" فاعل مبني على الكسر في محل رفع أو مرفوع بضمة ظاهرة، "ولات" الواو للحال لات: حرف نفي، "هنا" ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب خبر لات، واسمها محذوف والتقدير: ولات الحين حين "حنت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل جر بإضافة هنا إليها "وبدا" الواو عاطفة بدا: فعل ماض، "الذي" اسم موصول فاعل بدا، "كانت" فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، "نوار" اسم كان، "أجنت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر، والجملة في محل نصب خبر كان واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول. الشاهد: في "هنا" أشير بها إلى الزمان وأصلها أن تكون للمكان. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٣٢، والأشموني ١/ ٦٦، وداود وابن هشام في المغني ٢/ ١٥٠، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٧٨، والشاهد رقم ٢٨٣ في خزانة الأدب.
[ ١ / ٤١٥ ]
الموصول:
هو محصور بالعهد، فاستغنى بذلك عن الحد، كما في اسم الإشارة.
وهو قسمان: اسمي وحرفي.
والاسمي هو المذكور هنا، وقد حده في التسهيل بقوله: ما افتقر أبدا إلى عائد أو خلفه، وجملة صريحة أو مؤولة "غير طلبية ولا إنشائية"١. ا. هـ٢.
فاحترز بقوله: "أبدا" من النكرة الموصوفة بجملة، فإنها حال وصفها بها لتفتقر إليها وإلى عائد، لكن لا يصدق أنها مفتقرة إليها أبدا، واحترز بقوله: "إلى عائد" من "حيث، وإذا، وإذ" فإنها تفتقر أبدا إلى جملة، ولكن لا تفتقر إلى عائد، وأشار بقوله: "أو خلفه" إلى ما ورد من الربط بالظاهر الذي هو الموصول في المعنى نحو قولهم: "أبو سعيد الذي رويت عن الخدري" أي عنه.
قال أبو عليّ في التذكرة: ومن الناس من لا يجيز هذا.
وأراد بالمؤولة ثلاثة: الظرف والجار مع المجرور، والصفة الصريحة. في نحو: "الضارب" وسيأتي بيان ذلك٣.
وحده ابن الحاجب بقوله: ما لا يتم جزءا إلا بصلة وعائد٤.
وقال في التحفة:٥: "اللذان واللتان" وأيهم هو أشد: معربة قبل مجيء الصلة، والإعراب دليل تمامها، والأولى ما لا تتم إفادته إلخ.
وأما الحرفي فحده في التسهيل بقوله: ما أول مع ما يليه بمصدر ولم يحتج إلى عائد٦. ا. هـ.
_________________
(١) ١ ب. ٢ التسهيل ص٣٣. ٣ وجملة أو شبهها الذي وصل به. كمن عندي الذي ابنه كفل وصفة صريحة. ٤ ٢/ ٣٥ الكافية. ٥ كتاب لابن مالك اسمه "تحفة المودود في المقصور والممدود". ٦ التسهيل ص٣٣.
[ ١ / ٤١٦ ]
واحترز بقوله: "ولم يحتج إلى عائد" من "الذي" الموصوف به "مصدر محذوف"١ نحو: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢ أي كالخوض الذي خاضوه فإنه يؤول مع ما يليه بمصدر لكنه يحتاج إلى العائد.
فكل من الاسمي والحرفي مفتقر إلى صلة، والفرق بينهما أن الاسمي يفتقر إلى عائد، والحرفي لا يفتقر إليه.
ولم يذكر الناظم هنا الحرفي فلنقدمه، وهو خمسة أحرف:
"أن"٣ وتوصل بفعل متصرف مطلقا خلافا لمن منع وصلها بالأمر و"ما" وتوصل بفعل متصرف غير أمر، وقد توصل بجملة اسمية خلافا لقوم٤، وندر وصلها بليس في قوله:
بما لستما أهل الخيانة والغدر٥
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ سورة التوبة ٦٩. ٣ أي الناصبة للمضارع -بفتح الهمزة وإسكان النون- وإن ما وصلت بفعل جامد كانت مخففة من الثقيلة مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إَلَّا مَا سَعَى﴾ وصلها بالماضي مثل: "عجبت من أن قد قام زيد"، والمضارع مثل: "عجبت من أن يقوم زيد"، والأمر مثل "أشرت إليه بأن قم". ٤ وصلها بالماضي نحو: "لا أصحبك ما دمت منطلقا"، والمضارع: "لا أصحبك ما يقوم زيد"، والجملة الاسمية: "لا أصحبك ما زيد قائم". ٥ لم يتعرض العيني لذكر قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله. وصدره: أليس أميري في الأمور بأنتما وهو من الطويل. الشرح: "أميري" حذفت النون تشبيها بالإضافة، وروي "فما لستما" والتاء في لستما هي اسم ليس. فإن قيل: أين العائد إلى الموصول الحرفي؟ قلت: الموصول الحرفي لا يحتاج إلى عائد، وقال ابن عصفور: ومن زعم أن ليس فعل جعل "ما" مصدرية، وليس واسمها وخبرها صلة لها، ومن زعم أنها حرف جعل "ما" اسما موصولا بمنزلة "الذي"، ويلزمه إذ ذاك أن يقدر ضميرا محذوفا يربط الصلة بالموصول والتقدير: بما لستما به أي: بسببه. الإعراب: "أليس" الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، "بأنتما" الباء زائدة والتقدير أليس أنتما أميري، وحذفت النون في أميري تشبيها بالإضافة، "بما لستما" فما موصول حرفي وتوصل بفعل متصرف غير أمر وقد وصلت ههنا بفعل جامد وهو قوله لستما والتاء اسم ليس، "أهل" خبر ليس منصوب، "الخيانة" مضاف إليه، "والغدر" عطف عليه. الشاهد: في "بما لستما" حيث جاء وصل "ما" بليس وهو نادر.
[ ١ / ٤١٧ ]
وتنفرد بنيابتها عن ظرف زمان كقولك: "جد ما دمت واجدا".
وزعم الزمخشري: أن "أن" تشاركها في ذلك، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ ١.
وهو مردود، لأن "أن" في الآية صالحة للتعليل، وهو المعنى المجمع عليه ولا عدول عنه.
وذهب الأخفش وابن السراج٢ أن "ما" المصدرية اسم فتحتاج إلى عائد.
والصحيح: أنها حرف فلا تحتاج إلى عائد، وهو مذهب سيبويه.
قلت: وذكر أبو البقاء٣ أنها على كلا القولين لا يعود عليها من صلتها شيء وهو خلاف ما نقله غيره.
و"كي" وتوصل بفعل مضارع "ولا تقع إلا مجرورة باللام أو مقدرا معها اللام"٤.
و"أن"٥ وتوصل باسمها وخبرها.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٨. ٢ هو أبو بكر محمد بن السري البغدادي النحوي. كان من أحدث تلاميذ المبرد سنا مع ذكاء وفطنة، وكان المبرد يقربه إليه، وقرأ عليه كتاب سيبويه، وكان يعول في النحو على مذهب الكوفيين، وله مصنفات كثيرة منها: كتاب الأصول الذي جمع فيه أصول العربية وقيل فيه: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج، وله شرح على كتاب سيبويه ومختصر في النحو، مات ﵀ شابا سنة ٣١٦هـ. ٣ هو أبو البقاء عبد الله بن الحسين محب الدين العكبري البغدادي الضرير النحوي قرأ العربية على ابن الخشاب وغيره حتى حاز قصب السبق، وأصبح إماما يشار إليه وكان ثقة صدوقا دينا حسن الأخلاق متواضعا، أصيب في صباه بالجدري فأضر به فكانت تحضر إليه المصنفات وتقرأ عليه فإذا حصل ما يريد أملاه، وصنف كتبا كثيرة منها: شرح الإيضاح والتكملة، واللمع، وله اللباب في العلل والإعراب، وغير ذلك، ومات سنة ٦١٦هـ. ٤ أ، ج وفي ب "لفظا أو تقديرا" ومثالها "جئت لكي تكرم زيدا". ٥ مفتوحة الهمزة مشددة النون، وتوصل بجملة اسمية قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ وتؤول بمصدر من خبرها مضاف إلى اسمها إن كان خبرا مشتقا ويكون مضافا إلى اسمها إن كان جامدا، وبالاستقرار إن كان ظرفا أو جارا ومجرورا.
[ ١ / ٤١٨ ]
و"لو"١ خلافا لمن أنكرها، وعلامتها أن يصلح موضعها "أن" وأكثر وقوعها بعد ما يدل على تمن كقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ ٢.
قال المصنف: وأكثر النحويين لا يذكرون "لو" في الحروف المصدرية، وممن ذكر "من المتقدمين"٣ الفراء وأبو عليّ، ومن المتأخرين التبريزي٤، وأبو البقاء وتوصل بفعل متصرف غير أمر "كما".
وأما الموصول الاسمي: فقد بينه بقوله:
موصول الاسماء الذي الأنثى التي
الموصول الاسمي ضربان: مذكر ومؤنث، وكل منهما مفرد أو مثنى أو مجموع.
فالمفرد المذكر "الذي" وفيه ست لغات: إثبات يائه وحذفها مع إبقاء الكسرة، وحذفها مع إسكان الذال وتشديدها مكسورة ومضمومة، والسادسة حذف الألف "واللام"٥ وتخفيف الياء الساكنة.
وللواحدة المؤنثة "التي" وفيها تلك اللغات الست أيضا. ثم قال:
واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
بل ما تليه أوله العلامه
يعني: أنك تقول في تثنيه "الذي، اللذان" فتحذف الياء وتولي الحرف الذي تليه الياء وهو "الذال"٦ علامة التثنية وهي الألف رفعا والياء جرا ونصبا، تليهما نون مكسورة.
وتقول في تثنية "التي: اللتان" فتحذف الياء أيضا وتولي علامة التثنية ما قبلها "وهي"٧ التاء كما في المذكر، وكان القياس إثبات الياء فيهما، فيقال:
_________________
(١) ١ والغالب وقوعها بعد ما يفيد التمني، كود وأحب من غير الغالب: ما كان يضرك لو مننت وربما منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق ٢ سورة البقرة: ٩٦. ٣ ب. ٤ هو: يحيى بن عليّ بن محمد أبو زكريا ابن الخطيب التبريزي، كان أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب، ومن تصانيفه: شرح اللمع، والكافي في العروض والقوافي، وغير ذلك، ولد سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، ومات فجأة في بغداد في جمادى الأولى سنة ثنتين وخمسمائة. ٥ أ، ج. ٦ أ، ب وفي ج "الدال". ٧ ب وفي أ، ج "وهو".
[ ١ / ٤١٩ ]
"اللذيان واللتيانِ" كما يقال في تثنية "الشجي" ونحوه من المنقوص "الشجِيَان" بإثبات الياء.
إلا أن "الذي والتي" لما كان مبنيين لم يكن "ليائهما"١ حظ في التحريك، فلذلك لم تفتح قبل علامة التثنية، بل بقيت ساكنة، فحذفت لالتقاء الساكنين.
وقوله: "والنون إن تشدد فلا ملامه.
إشارة إلى جواز تشديد النون في تثنية "الذي والتي" فتقول: "اللذان واللتان"، وهو مع الألف متفق على جوازه، وأما مع الياء فمنعه البصريون، وأجازه الكوفيون، وهو الصحيح لقراءة ابن كثير٢ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ ٣ -بالتشديد.
تنبيه:
في تثنية "الذي والتي" لغة ثالثة وهي حذف النون كقول الفرزدق:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا٤
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "لهما". ٢ هو: أبو معبد عبد الله بن كثير بن عمرو المكي، أحد أصحاب القراءات السبع، كان إمام الناس في القراءة بمكة لم ينازعه فيها منازع، ولد بمكة سنة خمس وأربعين، وكان عالما بالعربية فصيحا بليغا مفوها، لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك ﵃، ولم يزل الإمام المجمع عليه في القراءة بمكة حتى توفي سنة ١٢٠هـ. ٣ سورة فصلت: ٢٩. ٤ هو للفرزدق -قاله الزمخشري وغيره- يفخر على جرير، ونسبه الصاغاني في العباب إلى الأخطل يهجو جريرا، وهو من الكامل. الشرح: "بنو كليب" قبيلة جرير، "عمّيّ": قيل المراد بهما: أبو حنش قاتل شرحبيل، وعمرو بن كلثوم قاتل عمرو بن هند، "والأغلال" جمع غل وهو الحديد الذي يجعل في الرقبة. المعنى: يفتخر على جرير بأن قومه شجعان، وأن عميه قتلا ملكين عظيمين وخلصا الأسرى من أغلالهم. الإعراب: "أبني" الهمزة للنداء وبني منادى منصوب لأنه مضاف، "كليب" مضاف إليه، "إن" حرف توكيد ونصب، "عمّيّ" اسم إن وأصله عمين لي فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية، "اللذا" اسم موصول خبر إن، "قتلا" فعل ماض وألف الاثنين فاعله، "الملوك" =
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقول الآخر:
هما اللتا لو ولدت تميم لقيل فخر لهم صميم١
وذكر في شرح التسهيل: أن حذف النون من قوله: "هما اللتا" لضرورة الشعر وهو مخالف لما في التسهيل، فإنه قال: يجوز إثبات "نونها"٢ وحذفها.
وقد ذكر فيه قبل ذلك أن من أسباب حذف نون التثنية تقصير الصلة، ومثله في الشرح بقوله:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
_________________
(١) = مفعول به والجملة لا محل لها صلة الموصول، "وفككا" الواو عاطفة فككا فعل وفاعله، "الأغلالا" مفعول به والجملة عطف على ما قبلها. الشاهد: في "اللذا" حيث حذف نون اللذان تخفيفا إذ أصله اللذان قتلا الملوك وهو لغة بني الحارث بن كعب وبعض بني ربيعة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٩٩، وداود، والسندوبي، والسيوطي ص٢٠، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٤٩، وابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٥٤، والشاهد ٤٩٩ في خزانة الأدب، وكتاب سيبويه ج١ ص٩٥. ١ قائله: هو الأخطل واسمه غياث بن غوث بن الصلت، ويلقب بالأخطل النصراني لكبر أذنه، وهو من الرجز. الشرح: "تميم" قبيلة وهو تميم بن مر بن أد، "صميم" بالصاد المهملة المفتوحة ويروى "فخر لهم عميم" أي: فخر شامل لهم. المعنى: هما المرأتان لو ولدتهما تميم لكان لهم الفخر الخالص. الإعراب: "هما" مبتدأ، "اللتا" خبر المبتدأ وأصله اللتان وهي صفة موصوفها محذوف تقديره: هما المرأتان اللتان، "لو" للشرط، "ولدت" فعل ماض، "تميم" فاعله فعل الشرط وجملة لو ولدت تميم صلة الموصول والعائد محذوف تقديره لو ولدتها وإنما أنث الفعل في ولدت لأن تميما قبيلة، "لقيل" جواب الشرط. "فخر" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "صميم" صفة له "لهم" جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ وهو معترض بين الصفة والموصوف، والجملة وقعت مقولا للقول. الشاهد: في "اللتا" حيث حذف النون والأصل اللتان، وهذه لغة بني الحارث وبعض ربيعة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ١٠، والسندوبي والسيوطي ص٢٠، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٤٩، والشاهد ٤٢٤ في خزانة الأدب. ٢ أ، ج وفي ب"نونه".
[ ١ / ٤٢١ ]
وقد ذكر غيره أن حذف هذه النون لغة بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة.
وذكر في التسهيل لغة رابعة وهي: "لذان" بحذف الألف واللام١.
وقوله:
والنون من ذين وتين شددا أيضا
يعني أن النون في تثنية اسم الإشارة قد تشدد أيضا مع الألف باتفاق.
ومنه قراءة ابن كثير وأبي عمرو٢: "فذانِّك برهانان"٣، ومع الياء على الصحيح كما تقدم٤.
ثم ذكر وجه التشديد فقال:
وتعويض بذاك قصدا
يعني: أن تشديد النون في "اللذين واللتين" قصد به التعويض عن الياء المحذوفة على غير قياس كما تقدم، والتشديد في "ذين وتين" عوض عن الألف المحذوفة من "ذواتا" فإن حقها أن تثبت كما ثبتت ألف المقصور، هذا ما ذهب إليه المصنف٥.
وتقدم مذهب من جعل تشديد النون في "ذانك" دليلا على البعد.
قال في شرح التسهيل: ويبطل هذا القول جواز التشديد في "ذين وتين".
وأجيب بأنه لا يدل جواز التشديد في "ذين وتين"٦ في حالة القرب على عدم جعله على سبيل اللزوم دليلا على حالة البعد بل قد يلزم الشيء دلالة على شيء في حال، وإن كان جائزا في حال أخرى.
وذكر في البسيط في علة تشديد النون أقوالا لا يقوم على صحتها دليل.
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص٣٣: "وقد يقال لذي ولذان". ٢ هو: أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري، أحد أصحاب القراءات السبع، كان أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة، ومن أكثر أتباعه ضبطا لقراءته: أبو محمد بن يحيى المعروف باليزيدي النحوي، مر به الحسن والناس عكوف عليه وحلقته متوافرة فقال. لا إله إلا الله. لقد كادت العلماء أن يكونوا أربابا. كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يئول، وتوفي أبو عمرو في قول الأكثرين سنة ١٥٤هـ. ٣ سورة القصص: ٢٢. ٤ قرئ: "إحدى ابنتي هاتَّين" بالتشديد. ٥ قال الأشموني ١/ ٦٧ "وهذا التشديد المذكور لغة تميم وقيس". ا. هـ. ٦ أ، ب.
[ ١ / ٤٢٢ ]
ثم انتقل إلى الجمع فقال:
جمع الذي الأُلَى الذي مطلقا
يعني: أن الذي له جمعان: أحدهما "الألى" وتسميته جمعا تجوز١ وإنما هو اسم جمع.
وقد يرد الألى للمؤنث وهو قليل، وقد اجتمع الأمران في قوله:
وتبلى الألى يستلئمون على الألى تراهن يوم الروع كالحدإ القبل٢
_________________
(١) ١ أي: مجاز بالحذف، والتقدير: اسم جمع الذي، أو بالاستعارة لعلاقة المشابهة بالجمع الحقيقي في إفادة كل التعدد، ولك أن تجمع الجمع بمعناه اللغوي وحينئذ لا يجوز. ا. هـ. صبان ١/ ١٢٥. ٢ قائله أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، من قصيدة لامية من الطويل. وقبله: فتلك خطوب قد تملت شبابنا قديما فتبلينا الخطوب وما نبلي الشرح: "الخطوب" جمع خطب وهو الأمر العظيم، "تملت شبابنا" استمتعت بهم، "تبلينا" تفنينا، "يستلئمون" من استلأم الرجل إذا لبس اللأمة وهي الدرع، "يوم الدرع": الخوف والفزع، وأراد به يوم الحرب، "الحدإ" بكسر الحاء وربما فتحوها وفتح الدال -جمع حدأة بوزن عنبة وعنب- وهو طائر معروف وأراد بها الخيول. "القبل" -بضم القاف وسكون الباء- جمع قبلاء، وهي التي في عينها القبل، والقبل، بفتح القاف والباء جميعها وهو الحور. المعنى: إن حوادث الدهر والزمان قد تمتعت بشبابنا فتبلينا المنون وما نبليها وتبلي من بيننا الدارعين والمقاتلة فوق الخيول التي تراها يوم الحرب كالحدإ في سرعتها وخفتها. الإعراب: "تبلي" فعل مضارع فاعله ضمير الخطوب مستترا فيه، "الألي" اسم موصول بمعنى الذي يفعلون به لتبلي. "يستلئمون" جملة من فعل وفاعل لا محل لها صلة الموصول، "على الألى" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الاسم الموصول الواقع مفعولا، "تراهن" فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب مستترا فيه وجوبا. هن مفعول لترى، "يوم" ظرف زمان متعلق بترى، "الروع" مضاف إليه، "كالحدإ" جار ومجرور متعلق بترى أو متعلق بمحذوف حال من الألى المجرور بعلى، والجملة من ترى وفاعله وما تعلق به لا محل لها صلة الموصول، "القبل" صفة للحدإ. الشاهد: في "الألى يستلئمون" و"الألى تراهن" حيث استعمل لفظ "الألى" في المرة الأولى في جمع المذكر، بدليل ضمير جماعة الذكور في "يستلئمون" وهو: الواو، واستعمله في المرة الثانية في جمع المؤنث بدليل ضمير جماعة الإناث في "تراهن" وهو: هن. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٣٤، وابن عقيل ١/ ٨٠، وداود الأشموني ١/ ٦٨، والسيوطي ص٢٠، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٨٣.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وقد يقال "الألاء" بالمد ومنه قول كثير:
أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها١
والآخر "الذين" مطلقا أي: رفعا ونصبا وجرا؛ لأنه مبني فلا يتغير.
وإطلاق الجمع على "الذين" فيه أيضا تجوز؛ لأنه مخصوص بأولي العلم "والذي علم"٢ فهو كالعالمين٣ وقد تقدم.
فإن قلت: قد تقدم أن تثنية اسم الإشارة وتثنية "الذي والتي" أعربت لأن التثنية من خواص الأسماء "فعارضت"٤ شبه الحرف، فهلا أعرب "الذين"؟ لأن الجمع من خواص الأسماء كالتثنية.
_________________
(١) ١ هو: لكثير بن عبد الرحمن صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى وكان رافضيا كثير التعصب لآل أبي طالب، توفي سنة خمس ومائة بالمدينة، وهو من قصيدة هائية من الطويل. الشرح: "أبى" من الإباء وهو أشد الامتناع "للشم" -بضم الشين وتشديد الميم- جمع أشم، مأخوذ من الشمم -بفتحتين- وهو ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، وذلك مما يمتدح به العرب "أجاد" أحكم "القين" -بفتح القاف وسكون الياء- الحداد وجمعه قيون، "صقالها" -بكسر الصاد وفتح القاف المخففة- الجلاء وزنا ومعنى، قال ابن منظور: الصقل الجلاء. الإعراب: "أبى الله" فعل وفاعل والمفعول محذوف أي: أبى الله فعل النقائص، "للشم" جار ومجرور متعلق بأبى، "الألاء" اسم موصول بمعنى الذين صفة للشم مبني على الكسر في محل جر، "كأنهم" كأن: حرف تشبيه ونصب والضمير العائد إلى الشم اسمه، "سيوف" خبر كأن، "أجاد" فعل ماض، "القين" فاعل أجاد، "يوما" ظرف زمان معمول لأجاد، "صقالها" مفعول لأجاد والضمير العائد إلى السيوف مضاف إليه. وجملة أجاد وفاعله وما تعلق به في محل رفع صفة لسيوف. وجملة كأن واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول. الشاهد: في "الألاء" حيث استعمله مكان "الذين" بدليل ضمير جماعة الذكور الواقع في قوله: "كأنهم" عائدا إليه. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٦٨، وابن هشام في شذور الذهب ص١١٢، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٣. ٢ أ، ج "عام" في العاقل وغيره. ٣ أي: في اختصاص الجمع بالعقلاء وعموم المفرد لهم ولغيرهم. أي: فيكون الذين اسم جمع كالعالمين. ا. هـ. صبان ١/ ١٢٥. ٤ ب وفي أ، ج "فاندفعت".
[ ١ / ٤٢٤ ]
قلت: لما لم يجر على سنن الجموع لكونه أخص من واحدة كما "تقرر"١ لم تعتبر "معنى الجمعية"٢ فيه، فبقى على بنائه.
قال في شرح التسهيل: وعلى كل حال ففي "الذي والذين" شبه بالشجي، والشجيين، في اللفظ وبعض المعنى، فلذلك لم تجمع العرب على ترك إعراب الذيل بل إعرابه في لغة هذيل٣ مشهور، فيقولون: "نصر اللذون آمنوا على الذين كفروا" وإلى هذه اللغة أشار بقوله:
وبعضهم بالواو رفعا نطقا
قلت: ونقلها بعضهم عن عقيل.
تنبيه:
في "الذين" أربع لغات المشهورة ولغة هذيل وحذف نونه لطول الاسم بالصلة مطلقا، هكذا ذكر المغاربة وأنشدوا قول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد٤
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "تقدم". ٢ ب، ج. ٣ هذيل: من القبائل العربية القحطانية التي أسهمت في الوضع اللغوي، وعنها أخذ اللسان العربي، وكان فيها أكثر من سبعين شاعرا مشهورا. ٤ قائله: الأشهب ابن زميلة وزميلة -بالزاي- أمه، وهو شاعر إسلامي محسن متمكن. والبيت من الطويل. الشرح: "وإن الذي حانت" ويروى وإن الألي، حانت: أي هلكت. من الحين -بفتح الحاء- وهو الهلاك، "بفلج" -بفتح الفاء وسكون اللام- موضع بين البصرة وضربة وهو معروف، وأما فلجة -بتحريك اللام- فهي مدينة بأرض اليمن، وتسمى فلج الأفلاج، "دماؤهم" نفوسهم. الإعراب: "وإن" الواو للعطف وإن حرف توكيد ونصب، "الذي" اسم إن، "حانت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "بفلج" جار ومجرور متعلق بالفعل، "دماؤهم" فاعل ومضاف إليه، والجملة لا محل لها صلة الموصول، "هم" مبتدأ، "القوم" خبره، "كل" تأكيد لأجل المدح والثناء، "القوم" مضاف إليه، والجملة في محل رفع خبر إن، "يا أم" يا حرف نداء وأم منادى منصوب، "خالد" مضاف إليه. الشاهد: "الذي" حيث حذف الشاعر النون من الذين إذ أصله: وإن الذين حانت. وذلك للتخفيف. وقيل: إن حذف النون للضرورة. وقلت: هذه لغة هذيل فلا يحتاج للضرورة، وأنه ورد في القرآن. قال تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ . مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١٦٤، وابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٥٥، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٤٩، والشاهد رقم ٤٢٦ في خزانة الأدب، وكتاب سيبويه ج١ ص٩٦.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وفصل المصنف فقال: ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرا، وفيه للضرورة قليلا١. ا. هـ. وأنشد البيت على أنه ضرورة "و"٢ قيل: "هو"٣ مخالف لما ذكره أول التسهيل، فإن ذكر لحذف النون أسبابا فقال: وتسقط "النون"٤ للإضافة وللضرورة ولتقصير صلة٥. ا. هـ.
قلت: هو غير مخالف له، فإن قوله: ويغني عنه الذي، معناه أن "الذي" المفرد اللفظ قد يعبر عن جمع، لا أنه جمع حذفت نونه.
ألا ترى قوله في الشرح: وإذا لم يقصد بالذي "تخصيص"٦ جاز أن يعبر به عن جمع حملا على "من".
وأما، "وإن"٧ الذي حانت، فمحتمل لأن يكون مفردا عبر به عن الجمع، وأن يكون جمعا حذفت نونه.
واللغة الرابعة: حذف الألف واللام، فيقال: "الذين". قال أبو عمرو: سمعت أعرابيا "يقرأ"٨: "صراط لَذين"٩ بتخفيف اللام.
ثم انتقل إلى جمع المؤنث فقال:
باللات واللاء التي قد جمعا
يعني أن "التي" لها جمعان: "أحدهما"١٠ "اللات" وفيه لغتان: إثبات الياء وحذفها.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٣٣. ٢ ج. ٣ أ، ج وفي ب "هذا". ٤ في نسخة أ. ٥ التسهيل ص١٢ في إعراب المثنى. ٦ ب وفي أ، ج "مخصص". ٧ ب. ٨ ج وفي أ، ب "يقول". ٩ سورة الفاتحة ٦. ١٠ أ، ب وفي ج "أحدهما".
[ ١ / ٤٢٦ ]
والأخرى "اللاتي" وفيه لغتان أيضا: إثبات الياء وحذفها.
"وللتي" جموع أخر منها "اللواتي" بإثبات الياء وحذفها "واللواء" بالمد "وباللواء" بالقصر "واللا" بالقصر، مبنيا على الكسر "أ"١، ومعربا إعراب أولات وليست هذه بجموع حقيقية، وإنما هي أسماء جموع٢.
وفي شرح التسهيل "تفصيل"٣ في هذه الجموع قال: الصحيح أن "الذين" جمع "الذي" يراد به من يعقل وأن "اللاءات" جمع "اللائي" مرادف "اللاتي" وكذلك "اللواتي" و"اللوائي" جمعان "للاتي واللائي" على حد قولهم في الهادي -وهو العنق- الهوادي.
وأما "اللاتي" فيحتمل أن يكون اسما للجمع؛ لأنه ليس على بناء من أبنية الجمع، ويحتمل أن يكون جمعا لأنه متضمن "معنى٤ حروف" "التي".
ويفتقر كونه مخالفا لأبنية "الجموع، كما افتقر في "اللتيا" كونه مخالفا لأبنية٥ التصغير".
وأما "اللاتي والألى" وغيرهما من الموصولات الدالة على جمع فأسماء جموع.
وذكر أن "اللا واللوا" أصلهما "اللاتي واللواتي" فحذفوا التاء والياء.
قال: والأظهر عندي أن الأصل في اللوا اللواء وفي اللاء اللاتي ثم "قصرا"٦. وقوله:
واللاءى كالذين تزرا واقعا
يشير بها إلى نحو قوله:
فما آباؤنا بأمَنَّ منه علينا اللاء قد مهدوا الحجورا٧
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ راجع الأشموني ١/ ٦٨. ٣ أ، ج. ٤ أ. ٥أ. ٦ ب وفي أ، ج "قصروا". ٧ قائله رجل من بني سليم وأنشده الفراء، وهو من الوافر. الشرح: "أمن" أفعل تفضيل من قولهم منَّ عليه منًّا إذا أنعم والضمير في "منه" يرجع إلى الممدوح قبله "مهدوا" -بتخفيف الهاء للوزن- من تمهيد الأمور أي: تسويتها وإصلاحها "الحجور" جمع حجر وحِجر الإنسان وحَجره بفتح الحاء وكسرها. =
[ ١ / ٤٢٧ ]
فاستعمل "اللاء" بمعنى الذين، والأصل فيه أن يكون للمؤنث كما تقدم.
تنبيه:
من جموع "الذي" أيضا "اللائين" مطلقا وهذيل تعربه كما أعربت الذين "و" قد ذكر في شرح التسهيل أن "اللائين" جمع "اللائي" مرادف "الذين".
ثم أشار إلى ألفاظ أخرى من الموصولات بقوله:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر
يعني أن هذه "الأسماء" تستعمل بمعنى "الذي" و"التي" وتثنيتهما وجمعهما.
"فمن" لمن يعقل نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ٢ أو لمنزل منزلته كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ ٣ فعبر عن الأصنام بمن لتنزيلها منزلة العاقل، أو لمختلط به كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) = المعنى: ليس آباؤنا الذين أصلحوا شأننا ومهدوا أمرنا وجعلوا حجورهم لنا كالمهد بأكثر امتنانا علينا من هذا الممدوح. الإعراب: ما: نافية حجازية أو تميمية، "آباؤنا" اسم ما أو مبتدأ مرفوع بالضمة والضمير مضاف إليه، "بأمَنَّ" الباء زائدة، أمَنَّ: خبر ما النافية أو خبر المبتدأ وقد منعت الحركة المجتلبة من أجل حرف الجر الزائد من ظهور الحركة التي يقتضيها موقع الكلمة من الإعراب، "منه، علينا" كلاهما جار ومجرور متعلق بقوله أمَنَّ وقوله، "اللاء" اسم موصول نعت لآباء مبني على الكسر في محل رفع، "قد" حرف تحقيق، "مهدوا" فعل وفاعل، "الحجورا" مفعول به والألف للإطلاق، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها صلة الموصول. الشاهد: في "اللاء" أطلق الشاعر اللاء على جماعة المذكر جمع الذي بمعنى الذين والأكثر لكونها مع المؤنث نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ . مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٣٤، وابن هشام ١/ ١٠٤، وابن عقيل ١/ ٨١، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ٦٩، والسيوطي ص٢١، والمكودي ص٢٢. "١" ب، ج. ١ أ، ج وفي ب "الأشياء". ٢ سورة الأنعام ٢٥. ٣ سورة الأحقاف ٥.
[ ١ / ٤٢٨ ]
يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ أو لمقترن به نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢ أو وقع "من" على ما لا يعقل، لاقترانه بمن يعقل فيما فصل بمن.
قال في شرح التسهيل: كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ ٣ وأجاز قطرب وقوع "من" على ما لا "يعقل"٤ بلا شرط، واستدل بما لا حجة فيه. و"ما" لما لا يعقل نحو: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥ أو لصفة من يعقل نحو: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٦ "أي وبانيها"٧، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٨ أي الطيب، أو لمبهم أمره نحو أن ترى شبحا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته، فتقول: أخبرني ما "هنالك"٩.
قال في شرح التسهيل: وكذلك لو علمت إنسانيته ولم تدر أهو ذكر أم أنثى؟ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ ١٠.
قلت: وقال غيره: أتى بما دون "من" لأن الحمل حينئذ لم يتصف بالعقل، أو لمختلط "بما"١١ لا يعقل١٢ نحو: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ١٣ قال في الكافية:
وعند الاختلاط خير من نطق في أن يجيء منهما بما اتفق
_________________
(١) ١ سورة الحج: ١٨. ٢ سورة النمل: ٤٥. ٣ سورة النحل: ١٧. ٤ أ، ب وفي ج "يعلم". ٥ سورة الصافات ٩٦. ٦ سورة الشمس: ٥. ٧ أ، ج. ٨ سورة النساء: ٣. ٩ أ، وفي ب، ج "هاك". ١٠ سورة آل عمران: ٣٥. ١١ أ، ج وفي ب "بمن". ١٢ أي: في حال اختلاط العاقل بغيره. ا. هـ. صبان ١/ ١٢٦. ١٣ سورة النحل: ٤٩.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وأجاز أبو عبيدة وابن درستويه وابن خروف١ ومن وافقهم، وقوع "ما" على آحاد من يعقل، ونسبه ابن خروف إلى سيبويه، واستدلوا بظواهر تأولها المخالف ووافقهم المصنف.
مسألة:
"من" لها أربعة أقسام موصولة وقد ذكرت، وشرطية نحو: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ ٢ واستفهامية نحو: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣ ونكرة موصوفة نحو: "مررت بمن معجب لك".
وزعم الكسائي أن العرب لا تستعمل "من" نكرة موصولة إلا "أن تقع"٤ في موضع يختص بالنكرة كوقوعها بعد "رب" في قوله:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين٥
_________________
(١) ١ هو: أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن خروف النحوي الأندلسي كان إماما في العربية، أخذ النحو عن محمد بن طاهر الأنصاري المعروف بالخدب، وكان خياطا يقسم ما يكسبه نصفين بينه وبين أستاذه، ومن تصانيفه شرح الجمل للزجاجي، وشرح سيبويه وتوفي بإشبيلية سنة ٦٠٦هـ ست وستمائة عن خمسة وثمانين عاما. ٢ سورة الأعراف ١٨٦. ٣ سورة البقرة ٢٥٥. ٤ ب. ٥ هذا البيت من شواهد سيبويه "ج١ ص٢٧١" ولم ينسبه الأعلم إلى قائل. وبالبحث لم أعثر على قائله. الشرح: "تغتشه" تظن به الغش والخديعة، "مؤتمن" تراه أمينا ناصحا. المعنى: قد ينصح الإنسان ويتولاه إنسان يظن به الغش، وقد يغشه ويخدعه إنسان يأمنه ويثق به. الإعراب: ألا: أداة استفتاح، "رب" حرف جر شبيه بالزائد، "من" نكرة مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، "تغتشه" تغتش: فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب المستتر فيه والهاء ضمير عائد إلى من في محل نصب مفعول. والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر صفة لمن مراعاة لجرها برب أو في محل رفع صفة لمن أيضا لأنها مبتدأ، "لك" جار ومجرور متعلق بناصح، "ناصح" رواه الأعلم مجرورا وقال: إنه صفة ثانية لمن وعليه فخبر المبتدأ محذوف والتقدير: رب إنسان ناصح لك تظنه غاشا موجود. وعندي أن الأحسن رفع ناصح على أنه خبر المبتدأ، "ومؤتمن" معطوف على "من" فهو مرفوع تقديرا على أنه مبتدأ، "بالغيب" جار ومجرور متعلق بمؤتمن، "غير أمين" جره الأعلم على أنه صفة لمؤتمن وخبره محذوف وعندي أنه مرفوع على أنه خبر كما تقدم في المعطوف عليه. الشاهد: في "رب من تغتشه" حيث استعمل "من" نكرة ووصفها بجملة "تغتشه"، والدليل على أن "من" في موضع نكرة وليست موصولة أنه قد دخلت عليها "رب" وهي حرف لا يدخل إلا على النكرات. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٧٠، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٩٢، ٢/ ٢٨.
[ ١ / ٤٣٠ ]
كما تكون "ما" نكرة موصوفة بعد "رب" في قول "الشاعر"١:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال٢
ورد بقول الشاعر:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا٢
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ هذا البيت يروى في عدة روايات، قيل: أمية بن أبي الصلت، وقيل: حنيف بن عمير اليشكري، وقيل: لنهاز ابن أخت مسيلمة الكذاب، والأول أشهر، وهو من الخفيف. الشرح: "فرجة" بفتح الفاء وهو الانفراج، "العقال" بكسر العين وهو القيد، وقال ابن الأثير: العقال الحبل الذي يعقل به البعير. المعنى: رب شيء تكرهه النفوس من الأمر له انفراج سهل سريع كحل عقال الدابة. الإعراب: ربما: رب: حرف تقليل وجر شبيه بالزائد، ما: نكرة بمعنى شيء مبتدأ، "تكره النفوس" فعل وفاعل. والجملة صفة لما في محل رفع أو جر على ما عرفت في الشواهد السابقة، "من الأمر" جار ومجرور متعلق بتكره، "له" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "فرجة" مبتدأ مؤخر والجملة في محل جر صفة للأمر لأنه محلى بأل الجنسية ومدخولها مثل النكرة كذا قال غير واحد وعندي أن الجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو "ما" الموصوفة، "كحل" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفرجة وحل مضاف و"العقال" مضاف إليه. الشاهد: في "ربما تكره" حيث وقعت "ما" نكرة موصوفة، بمعنى شيء. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٧٠، وابن هشام في المغني ٢/ ٢، والسيوطي في الهمع ١/ ٢٨، والشاهد ٥٤١ في الخزانة، وسيبويه ج١ ص٢٧٠. ٣ قائله: حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ، وقيل لكعب بن مالك الأنصاري. وهو من الكامل. وقد ذكر البيت كله في أ، ب، واقتصر على الشطر الأول في ج. "ويروى": شرفا على من غيرنا. الشرح: قال التدمري: يروى قبله "من غيرنا" برفع غير وكسرها، فالرفع على تقدير من هو غيرنا فمن موصولة والعائد محذوف على حد قوله تعالى: "تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ" في قراءة من رفع أحسن، والجر على أن "من" نكرة موصولة بغير، أي: إنسان غيرنا. =
[ ١ / ٤٣١ ]
وأجيب بأن الكسائي يرى: أنها في هذا البيت زائدة؛ لأنه أجاز زيادة "من" ومذهب البصريين والفراء: أنها لا تزاد، لأنها اسم١.
وزاد أبو علي أقسام "من" أن تكون نكرة موصوفة، كقول الشاعر:
ونعم من هو في سر وإعلان٢
_________________
(١) = وقال الكسائي: على أن "من" زائدة وعلى ذلك أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية. ا. هـ. شرح شواهد المغني ص١١٦. المعنى: كفانا فضلا على من غيرنا حب النبي إيانا وهجرته إلينا. الإعراب: "فكفى الفاء عاطفة على ما قبله وكفى فعل ماض، "بنا" مفعوله والباء فيه زائدة، ويقال: إن الباء في البيت زائدة في الفاعل، وقوله: حب النبي. بدل اشتمال على المحل. "فضلا" تمييز، "على من غيرنا" على حرف جر "من" نكرة موصوفة وصفتها غيرنا والتقدير: على قوم غيرنا ورواية رفع غيرنا تقدر على من هو غيرنا، "حب" فاعل لكفى، "النبي" مضاف إلى فاعله "محمد" عطف بيان من النبي، "إيانا" مفعول حب وهو مصدر مضاف إلى فاعله. الشاهد: في "على من غيرنا" فإن "من" هنا إما نكرة موصوفة أو زائدة. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١٠١، وابن يعيش في شرح المفصل ٤/ ١٣، والشاهد ٤٣٨ في خزانة الأدب، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٩٢، وسيبويه ج١ ص٢٦٩. ١ وارتضيت هذا المذهب لعدم مخالفته للقواعد النحوية. ٢ هذا عجز بيت أنشده السيد المرتضى في شرح القاموس ولم ينسبه، وقال العيني: "أنشده أبو عليّ ولم ينسبه". وصدر البيت: ونعم مزكأ من ضاقت مذاهب وهو من البسيط. الشرح: "مزكأ" بفتح الميم وسكون الزاي مفعل من زكأت إلى فلان أي لجأت إليه، فمعناه الملجأ أو المستند. الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "مزكأ" بالرفع فاعل نعم وبالنصب تمييز وفاعل نعم ضمير مستتر، "من" اسم موصول عند ابن مالك ونكرة موصوفة بالجملة بعدها عند الأخفش، وعلى أية حال فهي في محل جر بإضافة مزكأ إليها، "ضاقت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "مذهبه" فاعل مضاف والضمير مضاف إليه والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول عند ابن مالك وفي محل جر صفة لمن عند الأخفش، "ونعم" الواو عاطفة ونعم فعل ماض لإنشاء المدح، "من" قيل: نكرة تامة لا تحتاج إلى صفة وهي تمييز وعلى هذا فاعل نعم ضمير مستتر، و"هو" مخصوص بالمدح وهو مبتدأ خبره جملة نعم مع فاعلها، أو خبر مبتدأ محذوف وجوبا، وقيل: إن "من" معرفة ناقصة أي: هي اسم موصول وهي فاعل نعم و"هو" في البيت مبتدأ خبره محذوف، والجملة لا محل لها من الإعراب =
[ ١ / ٤٣٢ ]
والصحيح أنها "لا تكون نكرة"١ غير موصوفة.
و"ما" لها سبعة أقسام موصولة نحو: ﴿وَلِلَّهِ " يَسْجُدُ "٢ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٣، وشرطية نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٤ واستفهامية نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ٥ ونكرة موصوفة نحو: "مررت بما معجب لك" ويمكن أن يكون منه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ٦ ونكرة غير موصوفة نحو: "ما أحسن زيد" "في التعجب"٧ على مذهب سيبويه٨.
أو صفة نحو: "لأمر ما جدع قصير أنفه"٩.
قال المصنف: والمشهور أن "ما" في هذا المثال ونحوه زائدة مبنية على وصل لائق بالمحل، ومعرفة تامة وذلك في باب نعم نحو: "غسلته غسلا نعما"
_________________
(١) = صلة الموصولة، "في سر" جار ومجرور متعلق بخبر المبتدأ الذي هو قوله "هو"، "وإعلان" عطف عليه. الشاهد: في "ونعم من" استشهد به أبو علي أن "من" ههنا نكرة غير موصوفة وأعرب أبو عليّ فاعل نعم ههنا مستترا تقديره ونعم هو من هو وكلمة من تمييز وقوله: "هو" مخصوص بالمدح فهو مبتدأ وخبره ما قبله. وقال غيره: "من" موصولة فاعل نعم، وقوله: "هو" مبتدأ وخبر هو آخر محذوف تقديره نعم من هو هو. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٧٠، وابن هشام في المغني ١/ ٥٧، والسيوطي في الهمع ١/ ٩٢، والشاهد ٧٦٧ الخزانة. ١ ب، ج وفي أن "إنها نكرة تكون". ٢ سورة النحل ٤٩. ٣ أ، ج. ٤ سورة البقرة ١٩٧. ٥ سورة طه ١٧. ٦ سورة ق ٢٣. ٧ ب. ٨ راجع الكتاب "ج١ ص٢٦٩". ٩ في مجمع الأمثال ج٢ ص١٩٦ رقم ٣٣٦٦، قالته الزباء لما رأت قصيرا مجدوعا، وفي ج١ ص٢٠٥ كان قصير قال لعمرو بن عدي: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها فقال عمرو: ما أنا بفاعل وما أنت لذلك مستحقا عندي. فقال قصير: خل عني إذن وخلاك ذم. فذهبت مثلا فقال له عمرو: فأنت أبصر فجدع قصير أنفه وأثر آثارا بظهره فقالت العرب لمكر ما جدع قصير أنفه.
[ ١ / ٤٣٣ ]
أي: نغم الغسل، وفي هذا خلاف يأتي في باب نعم١ فهذه أقسام "ما" الاسمية.
وأما الحرفية: فتكون نافية وزائدة ومصدرية "وكافة ومهيئة"٢ وليس هذا موضع بسط الكلام على هذه الأقسام.
و"أل" "يشترك"٣ فيه العاقل وغيره "وهي"٤ اسم موصول عند الجمهور، وذهب المازني إلى أنها حرف موصول، وذهب الأخفش إلى أنها حرف تعريف.
والصحيح أنها اسم لأوجه: أحدها عود الضمير عليها في نحو: "قد أفلح المتقي ربه".
"وذهب"٥ المازني "بأن"٦ الضمير يعود على موصوف محذوف، ورد بأن لحذف الموصوف "مظان"٧ لا يحذف في غيرها إلا لضرورة وليس هذا منها.
الثاني: استحسان خلو٨ الصفة معها "عن"٩ الموصوف نحو: "جاء الكريم" فلولا "أنها"١٠ اسم موصول قد اعتمدت الصفة عليه كما تعتمد على الموصوف لقبح خلوها عن الموصوف.
الثالث: إعمال اسم الفاعل "معها"١١ بمعنى المضي، فلولا أنها موصولة واسم الفاعل معها في تأويل لقدح لحاقها في إعمال اسم الفاعل بمعنى الحال "أ"١٢ والاستقبال.
_________________
(١) ١ والخلاف هو: قال الأشموني ج٣ ص٢٧: "ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نكرة تامة في موضع نصب على التمييز والفاعل مضمر، وثانيها: أنها معرفة تامة وهي الفاعل، وهو ظاهر مذهب سيبويه، ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي وهو قول الفراء، وثالثها: أن ما مركبة مع الفعل ولا موضع لها من الإعراب. وقال به قوم وأجازه الفراء". ا. هـ. وقال في التسهيل ص١٣٦: نعم وبئس ""ما" معرفة تامة". ٢ ج. ٣ ب، ج. ٤ أ، ج. ٥ ب وفي أ، ج "أجاب". ٦ أ، ج وفي ب "إلى". ٧ أ، ج وفي ب "مواطن". ٨ أ، ج وفي ب "استحسان خلو جواز". ٩ ج وفي ب "من" وفي أ "على". ١٠ ب، وفي أ "أنه". ١١ أ، ج. ١٢ ج.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قلت: وقد التزم ذلك الأخفش، فذهب إلى أن اسم الفاعل لا عمل له مع "أل" وسيأتي بيانه في بابه١.
الرابع: دخولها على الفعل نحو: الترضى حكومته٢.
والمعرفة مختصة بالاسم.
واستدل المازني ومن وافقه على حرفيتها بأن العامل يتخطاها نحو: "مررت بالضارب" فالمجرور "هو"٣ "ضارب" ولا موضع لأل، ولو كانت اسما لكان لها موضع الإعراب.
قال الشلوبين: الدليل على أن الألف واللام حرف قولك "جاء٤ القائم" فلو كانت اسما "لكانت"٥ فاعلا واستحق "قائم" البناء؛ لأنه على هذا التقدير مهمل "لأنه"٦ صلة والصلة لا يسلط عليها عامل الموصول.
وأجاب في شرح التسهيل: بأن مقتضى الدليل أن يظهر عمل عامل الموصول في آخر الصلة؛ لأن نسبتها منه "نسبة عجز المركب منه"٧، لكن منع من ذلك كون الصلة جملة "والجمل"٨ لا تتأثر "بالعوامل"٩ "فلما"١٠ كان صلة الألف واللام "في اللفظ"١١ غير جملة جيء بها على مقتضى الدليل، لعدم المانع١٢.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في الهمع ٢/ ٩٦: "قال الأخفش ولا يعمل بحال وأل فيه معرفة كهي في الرجل لا موصولة والنصب بعده على التشبيه بالمفعول به". ٢ الشاهد: في "الترضى" حيث وصلت "أل" بالفعل المضارع. ومضى شرحه في باب الكلام. ٣ ب. ٤ أ، ج وفي ب "جاءني". ٥ ب، ج وفي أ "لكان". ٦ أ، ج وفي ب "إذن هو". ٧ أ، ج وفي ب "كنسبة أجزاء المركبات". ٨ أ، ج وفي ب "الجملة". ٩ أ، ج وفي ب "العامل". ١٠ ج وفي ب "ولما". ١١ أ، ج. ١٢ راجع الأشموني ١/ ٧١، ٧٢.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وقوله:
وهكذا ذو عند طيئ شهر
يعني أن "ذو" عند طيئ اسم موصول يستعمل بمعنى الذي وفروعه بلفظ واحد "فيقال"١: "جاءني ذو فعل وذو فعلت وذو فعلا وذو فعلا وذو فعلن".
وتتميز معانيها بالعائد كما مثل، أو بما هي له كقول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت٢
أي: التي حفرت والتي طويت؛ لأن البئر مؤنثة.
تنبيهان:
أحدهما: تسمى "ذو" هذه٣ الطائية؛ لأنها لا يستعملها موصولة إلا طيئ أو من تشبه بهم من المولدين كأبي نواس وحبيب٤.
_________________
(١) ١ أ، وفي ج "كما يقال". ٢ البيت لسنان بن الفحل الطائي، من أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة وهو من الوافر. الشرح: "ذو حفرت" التي حفرتها "ذو طويت" التي طويتها. وطي البئر: بناؤه بالحجارة. المعنى: إن هذه الماء من عهد أبي وجدي وأنا الذي حفرت هذه البئر وبنيتها. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "الماء" اسم إن، "ماء" خبر إن، "أبي" مضاف إليه وياء المتكلم مضاف إليه، "وجدي" معطوف على أبي وياء المتكلم مضاف إليه، "وبئري" الواو عاطفة بئر مبتدأ وياء المتكلم مضاف إليه، "ذو" اسم موصول بمعنى التي خبر المبتدأ، "حفرت" فعل وفاعل والجملة لا محل لها صلة والعائد محذوف تقديره حفرتها، "وذو" اسم موصول بمعنى التي أيضا معطوف على السابق وجملة "طويت" لا محل لها صلته والعائد محذوف أيضا تقديره طويتها. الشاهد: في "ذو" مفردة مذكرة مع أنها واقعة على البئر وهي مؤنثة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٣٥، وابن هشام ١/ ١١٠، والسندوبي، والشاطبي، والأشموني ١/ ٧٢، والسيوطي ص٢١، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٨٤، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٤٧، والشاهد ٤٢٧ في خزانة الأدب، والإنصاف ٢/ ٢٣٥. ٣ أ، ب. ٤ أبو نواس: هو أبو علي الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي -بفتح الحاء والكاف- نسبة إلى الحكم بن سعد العشيرة. ولد بالبصرة سنة خمس وأربعين ومائة، وسمي أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقه -والذؤابة- بهمزة بعد الذال المضمومة- الضفيرة من الشعر، ومات ببغداد سنة خمس وستين ومائة. حبيب: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج أبو تمام الطائي. ولد في جاسم بدمشق سنة تسعين ومائة وقيل: غير ذلك، ونشأ بمصر، ومات سنة اثنتين وثلاثين بعد المائتين.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الثاني: المشهور في "ذو" الطائية أنها مبنية، وبعضهم يعربها إعراب "ذو" بمعنى صاحب١.
ويروى بالوجهين قول الشاعر:
فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا٢
_________________
(١) ١ بالواو رفعا وبالألف نصبا وبالياء جرا. ا. هـ. ابن عقيل ج١ ص١٧٠. ٢ قائله: منظور بن سحيم بن الفقعسي، شاعر إسلامي، وهو من قصيدة يقولها في امرأته. وصدره: فإما كرام موسرون لقيتهم وهو من الطويل. الشرح: "كرام" جمع كريم، "لقيتهم" ويروى "أتيتهم" ويروى "رأيتهم" ومعنى الكل متقارب، "فحسبي" يكفيني، "من ذي عندهم": أي: من الذي عندهم. المعنى: هؤلاء الناس إما أن يكونوا كراما أصحاب ثروة فالذي يقوم بمعيشتي مما عندهم حسبي وكافي ولا أبتغي منهم زيادة. الإعراب: "إما" حرف تفصيل، "كرام" فاعل لفعل محذوف يدل عليه ما بعده والتقدير إما قابلني كرام موسرون لقيتهم. أو مبتدأ، و"موسرون" نعت، "لقيتهم" فعل ماض وتاء المتكلم فاعله، وهم: مفعول. والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع خبر المبتدأ على الوجه الثاني. أو لا محل لها من الإعراب المفسرة على الوجه الأول، "فحسبي" مبتدأ وياء المتكلم مضاف إليه، "من" حرف جر، "ذو" اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر بمن والجار والمجرور متعلق بحسبي، "عندهم" ظرف متعلق بمحذوف صلة لذو والضمير مضاف إليه، "ما" اسم موصول بمعنى الذي خبر المبتدأ، "كفانيا" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ما والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به والألف للإطلاق. والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها صلة ما. الشاهد: في "من ذي" فإنه يروى بالوجهين: أحدهما بالياء فيكون معربا بالياء نيابة عن الكسرة، كإعراب ذي بمعنى صاحب التي هي من الأسماء الستة، والثاني بالواو "ذو" فيكون مبنيا على السكون. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٣٥، وابن عقيل ١/ ٨٥، والأشموني ١/ ٧٢، وابن هشام ١/ ١٠٩، وأيضا في المغني ٢/ ٦٢، والسيوطي ص٢١، وأيضا في الهمع ١/ ٧٤، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٣/ ١٤٨.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقوله:
وكالتي أيضا لديهم ذات وموضع اللاتي أتى ذوات
يعني: أن بعض طيئ تقول: "ذات" إذا أراد معنى "التي" وذوات إذا أراد معنى "اللاتي" بالبناء على الضم فيهما.
وظاهر هذا أنه إذا أراد غير "التي واللاتي"، يقول: "ذو" على الأصل، وأطلق ابن عصفور القول في تثنية "ذو و"ذات"١" وجمعها.
قال المصنف: أظن الحامل له على ذلك قولهم: "ذات وذوات" بمعنى "التي واللاتي" فأضربت "عنه"٢ لذلك. ا. هـ.
ونقل الهروي٣ وابن السراج عن العرب ما نقله ابن عصفور.
ثم قال:
ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام
يعني أن من الموصولات التي تستعمل بمعنى "الذي" وفرعه بلفظ واحد "كذا" بشرطين:
الأول: أن تقع بعد "من" أو "ما" الاستفهاميتين خلافا لمن منع وقوعها بعد "من".
الثاني: أن تكون غير ملغاة، والمراد بالإلغاء أن تركب "ذا"٤ مع "ما أو من" "فيكونا"٥ اسما واحدا.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "ذوات". ٢ ب، ج وفي أ "عند". ٣ هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الباشاني صاحب الغريبين أبو عبيد الهروي، وله أيضا كتاب ولاة هراة. قال ياقوت: قرأ على أبي سليمان الخطابي وأبي منصور الأزهري، وروى عنه عبد الواحد المليحي وأبو بكر الأزدستاني. ومات في شهر رجب سنة إحدى وأربعمائة. ٤ ب. ٥ ج وفي أ، ب "فتكون".
[ ١ / ٤٣٨ ]
ولها حالة الإلغاء معنيان: أحدهما وهو الأشهر أن يكون "المجموع"١ اسم استفهام، فلا يعمل فيه فعل متقدم.
والآخر أن يكون اسما موصولا أو نكرة موصوفة، وعليه بيت الكتاب:
دعى ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيب نبئيني٢
أي: دعي الذي علمت أو شيئا علمت، ولذلك عمل فيها ما قبلها.
ولها شرط ثالث أهمله لوضوحه، وهو ألا تكون "إشارة"٣ نحو "من ذا" أو "ماذا".
وقد اتضح بما ذكر أن "ماذا" لها أربعة استعمالات، ويجوز في "نحو"٤ "ماذا صنعت؟ " وجهان: أحدهما أن تكون "ذا" موصولة فتكون "ما" حينئذ مبتدأ "وذا" وصلته خبر "ما"٥ والعائد محذوف "أي صنعته"٦ والآخر أن تكون أي
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ قائله: سحيم بن وثيل الرياحي، وهو من قصيدة طويلة، وقال سيبويه: "وقال الشاعر سمعنا من العرب الموثوق بهم". من الوافر. الشرح: "دعي" اتركي، "نبئيني" من النبأ وهو الخبر. المعنى: دعي الذي علمته فإني سأتقيه لعلمي منه مثل الذي علمت ولكن نبئيني بما غاب عني وعنك مما يأتي به الدهر أي: لا تعذليني فيما أبادر به الزمان من إتلاف مالي في وجوه الفتوة ولا تخوفيني الفقر، الشنتمري ١/ ٤٠٥ من الكتاب. الإعراب: "دعي" فعل وفاعل "ماذا علمت" مفعول دعي وماذا كله اسم جنس بمعنى شيء. أو موصول بمعنى الذي -على خلاف فيه- "سأتقيه" فعل وفاعل ومفعول. "ولكن" للاستدراك، "بالمغيب" جار ومجرور متعلق بنبئيني، "نبئيني" فعل وفاعل والنون للوقاية والياء مفعول به. الشاهد: في "ماذا علمت"، فإن "ذا" هنا موصولة أو نكرة موصوفة. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ٥، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٤، والخزانة رقم ٤٤٤، وسيبويه ج١ ص٤٠٥. ٣ ب، وج وفي أن "إشارية". ٤ ب، ج. ٥ ج، وفي أ "لما" وفي ب "للمبتدأ". ٦ أ، ج.
[ ١ / ٤٣٩ ]
مركبة مع "ما"١ فيجعلان اسما واحدا من أسماء الاستفهام فتكون "ماذا" مفعولا مقدما لصنعت.
ويظهر "أثر"٢ الاحتمالين في البدل من اسم الاستفهام وفي الجواب، فبدل الأول مرفوع، وكذا جوابه على "المختار"٣ وبدل الثاني منصوب وكذا جوابه على المختار؛ لأن حق الجواب أن يطابق السؤال، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٤ قرأ عمرو برفع "العفو"٥ والباقون بنصبه.
فتكون "ذا" في قراءته موصولة، وفي قراءتهم ملغاة.
ولما فرغ من عد الموصولات غير "أي" شرع في بيان صلتها وعائدها فقال:
وكلها يلزم بعده صله على ضمير لائق مشتمله
يعني: أن كل واحد من "هذه"٦ الموصولات لا بد له من صلة؛ لأنه اسم ناقص لا يتم معناه إلا بصلته.
فإن قلت: مقتضى قوله: "يلزم" أنها لا تحذف وحذفها جائز إذا دل عليها دليل أو قصد الإبهام ولم يكن صلة "أل" كقول الشاعر:
نحن الألى فاجمع جمو عك ثم وجههم إلينا٧
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "ذا". ٢ أ، ج وفي ب "أحد". ٣ أ، ج وفي ب "الاختيار". ٤ سورة البقرة ٢١٩. ٥ أ، ج وفي ب "الواو". ٦ أ، ج. ٧ هو: لعبيد الله بن الأبرص، وهو شاعر فحل من شعراء الجاهلية، والبيت من قصيدة نونية يقولها لامرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه حجر. وهو من الكامل. المعنى: نحن الذين عرفوا بالشجاعة فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا فإنا لا نبالي بهم ولا هم عندنا في حساب. الإعراب: "نحن" مبتدأ، "الألى" اسم موصول خبر المبتدأ والصلة محذوفة ينبئ عنها سياق الكلام والتقدير: نحو الألى قتلوا أباك، أو نحن الألى عرفت شجاعتهم وإقدامهم، أو نحن الألى اشتهر أمرهم فلا يخفى على أحد أو نحو ذلك، "فاجمع" فعل أمر فاعله ضمير المخاطب المستتر فيه وجوبا، "جموعك" جموع مفعول به والكاف مضاف إليه "ثم" عاطفة "وجههم" وجه: فعل أمر وفاعله ضمير مستتر والضمير البارز مفعول به، "إلينا" جار ومجرور متعلق بوجه. الشاهد: "الألى" وهو بمعنى الذين وصلتها محذوفة لدلالة قوله فاجمع جموعك إلى آخره. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٧٤، وابن هشام في المغني ١/ ٧٩، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٩.
[ ١ / ٤٤٠ ]
أي نحن الألى عرفوا بالشجاعة ونحو ذلك.
قلت: المراد أنها تلزم لفظا "أ"١ وتقديرا فهي لازمة فيه وإن حذفت لفظا.
تنبيه:
فهم من قوله بعده "صلة"٢ أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا شيء منها على الموصول، وأما نحو: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ٣ فالجار متعلق بمحذوف دلت عليه صلة "أل" لا بصلتها، والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
وقوله: على ضمير "لائق مشتمله"٤. هذا الضمير هو العائد على الموصول، وقوله: "لائق" أي: مطابق للموصول في الإفراد والتذكير وفروعهما.
تنبيه:
الموصول إن طابق لفظه معناه فلا إشكال في العائد، وإن خالف لفظه معناه، بأن يكون مفرد اللفظ مذكرا وأريد به غير ذلك، نحو: "من وما".
فلك في العائد عليه وجهان: مراعاة اللفظ وهو أكثر كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ٥ ومراعاة المعنى وهو دونه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٦ ما يلزم من مراعاة اللفظ لبس نحو: "اعط من سألتك لا من سألك" أو قبح "من هي حمراء أمك"٧.
_________________
(١) ١أ، ب. ٢ أ. ٣ سورة يوسف: ٢٠. ٤ أ. ٥ سورة الأنعام: ٢٥. ٦ سورة يونس: ٤٢. ٧ قال الشيخ الصبان ١/ ١٢٧: "ومحل كون الأكثر مراعاة اللفظ إذا لم يحصل من مراعاته لبس نحو: "أعط من سألتك لا من سألك" أو قبح نحو: "من هي حمراء أمك" فيجب مراعاة المعنى. فلا يقال: "أعط من سألك"، ولا: "من هو حمراء أمك" لقبح الإخبار =
[ ١ / ٤٤١ ]
فتجب مراعاة المعنى.
أو بقصد لمعنى سابق فتختار مراعاته، كقول الشاعر:
وإن من النسوان من هي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح١
فإن قلت: يفهم من قوله على ضمير أنه لا يربط الصلة بالموصول غيره، وقد ورد الربط بالاسم الظاهر الواقع موقع الضمير. كقولهم: "أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت ابن يوسف".
_________________
(١) = بمؤنث عن مذكر، كعكسه نحو: "من هي أحمر أمك" "ولا" "من هو أحمر أمك"؛ لأن الموصول وصلته كشيء واحد، فكأنك أخبرت عن مذكر بمؤنث، لكن القبح في الصورتين الأوليين أشد؛ لأن تخالف الخبر والمخبر عنه فيهما في الصلة وفي الموصول وخبره. وفي الصورة الثالثة: في الموصول وخبره فقط، وما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته كقوله: وإن من النسوان من هي روضة. فأنث الضمير لتقدم ذكر النسوان. ثم قال: "ولي فيه بحث؛ لأنه يلزم على مراعاة اللفظ في قوله: "من هي روضة" أيضا الإخبار بمؤنث عن مذكر، تقتضي التعليل به لوجوب مراعاة المعنى في قوله: "من هي حمراء أمك" وجوب مراعة المعنى في قوله: "من هي روضة" أيضا، إذا لا فرق بين المؤنث بالتاء والمؤنث بالألف كما في الدماميني، ولا بين الصفات كحسنة وحمراء، والأسماء كروضة وصحراء، بدليل ما مر من استقباح: "من هو حمراء أمك"". ١ قائله: جران العود واسمه عامر بن الحارث، من قصيدة طويلة من الطويل يصف فيها النساء. الشرح: "تهيج" من هاج الشيء يهيج أي ثار، "تصوح" أصله تتصوح فحذفت إحدى التاءين، وقال أبو عمرو: تصوح البقل إذا يبس أعلاه وفيه ندوة. شبه بعض النساء بالروضة التي تتأخر في هيجان نباتها وتشقق أزهارها عن غيرها من الرياض وأراد بها النساء التي تتأخر عن الولادة في وقتها وهذا تشبيه بليغ حيث حذف فيه أداة التشبيه؛ لأن أصل قوله من هي كروضة. الإعراب: "وإن" الواو للعطف وإن حرف توكيد ونصب، "من النسوان" جار ومجرور في محل رفع خبر إن، "من" اسم موصول اسم إن، "هي" مبتدأ، "روضة" خبره والجملة لا محل لها صلة الموصولة، "تهيج" فعل مضارع، "الرياض" فاعله. والجملة صفة للروضة، "قبلها" منصوب على الظرفية مضاف إلى الضمير الذي يرجع إلى الروضة، "وتصوح" فعل مضارع والفاعل ضمير وهي عطف على تهيج. الإعراب: "وإن" الواو للعطف وإن حرف توكيد ونصب "من النسوان" جار ومجرور في محل رفع خبر إن، "من" اسم موصول اسم إن، "هي" مبتدأ، "روضة" خبره والجملة لا محل لها صلة الموصول، "تهيج" فعل مضارع، "الرياض" فاعله. والجملة صفة للروضة، "قبلها" منصوب على الظرفية مضاف إلى الضمير الذي يرجع إلى الروضة، "وتصوح" فعل مضارع والفاعل ضمير وهي عطف على تهيج. الشاهد: في "من هي روضة" حيث روعي فيه معنى "من" فلذلك أنث الضمير ولو روعي فيه اللفظ لقيل: "من هو".
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال الشاعر:
وأنت الذي في رحمة الله أطمع١
أي في رحمته"٢ أو في رحمتك.
قلت: هذا من القلة بحيث لا يقاس عليه، فلذلك لم يذكره في هذا المختصر، "والله أعلم"٣.
وقوله:
وجملة أو شبهها الذي وصل به كمن عندي الذي ابنه كفل
يعني: أن الذي يوصل به الموصول غير "أل" شيئان: جملة وشبه جملة.
أما الجملة "فهي"٤ ضربان اسمية نحو: "جاء الذي أبوه فاضل" وفعلية نحو: "جاء الذي قام أبوه".
وأما شبه الجملة "فهو"٥ الظرف نحو: الذي عندك، والجار والمجرور نحو: "الذي في الدار".
_________________
(١) ١ هذا عجز بيت نسبه كثير من النحويين لمجنون بني عامر، وهو من الطويل. وصدره: فيا رب أنت الله في كل موطن وروي: فيا رب ليلى أنت في كل موطن الإعراب: "يا رب" يا: حرف نداء رب منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، "أنت" مبتدأ، "في كل" جار ومجرور متعلق بمحذوف وخبر المبتدأ أي: أنت حاضر في كل موطن. وكل مضاف و"موطن" مضاف إليه، "وأنت" الواو عاطفة أنت: مبتدأ، "الذي" اسم موصول خبر المبتدأ، "في رحمة" متعلق بقوله أطمع الآتي ورحمة مضاف، و"الله" مضاف إليه، "أطمع" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. الشاهد: في "الذي في رحمة الله" حيث وضع الظاهر وهو لفظ الجلالة موضع المضمر. وكان القياس أن يقول "وأنت الذي في رحمته". مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ١٥، وابن هشام في المغني ٢/ ١٢٧، والسيوطي في همع الهوامع ٨٧١. ٢ أ، ج. ٣ ج. ٤ ب، ج وفي أ "فضربان". ٥ أ، ج وفي ب "فهي".
[ ١ / ٤٤٣ ]
وإنما كانت الظروف "والجار والمجرور"١ شبه الجملة؛ لأنهما يجب "هنا"٢ تعلقهما بفعل مقدر مسند إلى ضمير الموصول، والتقدير: الذي استقر عندك أو في الدار.
وقد مثل شبه الجملة بقوله: "من عندي" فمن موصولة وعندي "صلتها"٣.
ومثل الجملة بقوله: "الذي ابنه كُفِل"، فالذي موصول "وابنه كفل" جملة اسمية هي الصلة.
تنبيه:
شرط الجملة الموصول بها أن تكون خبرية٤ خلافا للكسائي في جواز الأمر والنهي: وأجاز المازني أن تكون دعاء الخبر نحو: "جاء الذي رحمه "الله"٥". ويلزم الكسائي موافقته.
فإن قلت: من أين يعلم هذا الشرط من كلامه؟
قلت من مثاله "فإنه إنما"٦ مثل ليقاس عليه، والمشهور اشتراطه كون الجملة الموصول بها معهودة.
قال المصنف وليس ذلك بلازم؛ لأن الموصول قد يراد به الجنس فتوافقه صلته، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ ٧، وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٨ وشرط أكثرهم ألا تكون
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أن "المجرور". ٢ أ، ج. ٣ أ، ج وفي ب "ظرف". ٤ فلا يجوز "جاء الذي أضربه" أو "ليته قائم" أو "﵀". فالمثال الأول للإنشائية ومعنى الطلبية صراحة. والثاني للإنشائية لفظا ومعنى غير الطلبية صراحة. والثالث للإنشائية معنى لا لفظا خلافا للكسائي في الكل، وللمازني في الأخير. ا. هـ. أشموني وصبان ١/ ١٣٥. ٥ ب، ج. ٦ أ، ج وفي ب "فإنما". ٧ سورة البقرة ١٧١. ٨ سورة النجم: ١٠.
[ ١ / ٤٤٤ ]
تعجبية فلا يجوز "مررت بالذي ما أحسنه" إن كانت عندهم خبرية. ومن النحاة من أجاز ذلك وهو مذهب ابن خروف كما أجاز النعت بها.
وزاد المغاربة في "شروط"١ الصلة، ألا تستدعي كلاما قبلها، فلا يجوز "جاء الذي حتى أبوه قائم".
ثم ذكر صلة أل فقال:
وصفة صريحة صلة أل وكونها بمعرب الأفعال قل
المراد بالصفة هنا اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، خلافا لمن منع وصلها بالصفة المشبهة.
والمراد بالصريحة الخالصة الوصفية احترازا مما "يوصف"٢ به وليس بمشتق نحو: "أسد" ومن الصفة التي تغلب عليها الاسمية نحو: "أبطح وأجرع وصاحب"٣ فأل في ذلك حرف تعريف لا موصولة.
وقوله:
وكونها بمعرب الأفعال قل
يعني: "أن "أل" قد وردت موصولة بمعرب الأفعال وهو المضارع لكونه مشابه لاسم الفاعل وذلك قليل.
ومنه قول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته٤
وقد سمع منه أبيات.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "شرط". ٢ أ، ج وفي ب "وصف". ٣ أما أبطح فهو في الأصل وصف لكل مكان منبطح أي متسع من الوادي ثم صار اسما للأرض المتسعة، وأما جزع: فهو في الأصل وصف لكل مكان مستو ثم صار اسما للأرض المستوية ذات الرميل التي لا تنبت شيئا. وأما الصاحب: فهو في الأصل وصف للفاعل ثم صار اسما لصاحب الملك، والدليل على أن هذه الأسماء انسلخ عنها معنى الوصفية، أنها لا تجري صفات على الموصوف ولا تعمل عمل الصفات ولا تتحمل ضميرا. ا. هـ. صبان ١/ ١٣٦. ٤ مضى شرحه في باب الكلام.
[ ١ / ٤٤٥ ]
ومذهب الناظم جوازه اختيارا١ وفاقا لبعض الكوفيين وخصه الجمهور بالضرورة.
تنبيه:
شذ وصل "أل" بمبتدأ وخبر في قول الشاعر:
من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد٢
_________________
(١) ١ وليس ضرورة عند ابن مالك بل هو قليل وأشار إلى قلته "وكونها بمعرب الأفعال قل، فابن مالك يرى أن الضرورة ما يضطر إليه الشاعر ولم يجد منه مخلصا، ولهذا قال لتمكنه أن يقول المرضي. ا. هـ. تصريح ١/ ١٤٢. وارتضيت رأى ابن مالك لحجته القوية. ٢ البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها، قال العيني: أنشده ابن مالك للاحتجاج به ولم يعزه إلى قائله. وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من الوافر. الشرح: "دانت" ذلت وخضعت، "بنو معد" هم قريش وهاشم، "معد" بفتح الميم هو ابن عدنان بن أد. الإعراب: "من القوم" جار ومجرور يجوز أن يكون متعلقا بشيء في كلام سابق على البيت. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو من القوم أو نحو ذلك، "الرسول" أل: موصول اسمي بمعنى الذين صفة للقوم. رسول مبتدأ، "الله" مضاف إليه، "منهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة الموصول، "لهم" جار ومجرور متعلق بقوله دانت تقدم عليه ليفيد الحصر، "دانت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "رقاب" فاعل، "بني معد" مضاف إليه. الشاهد: في "الرسول الله منهم" حيث جاء بصلة "أل" جملة اسمية وهي جملة المبتدأ والخبر وهذا شاذ، ومن العلماء من خرج البيت على أن "أل" هنا ليست كلمة تامة، وإنما هي جزء كلمة وأصلها "الذين". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٨٧٩ والشاطبي، وداود، والسندوبي والأشموني ١/ ٧٦، والسيوطي ص٢٢، وكذا في الهمع ١/ ٨٥، وابن هشام في المغني ١/ ٤٨.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وبظرف في قوله:
من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشة ذات سعه١، ٢
أي: الذي معه، ولا يقاس على هذين باتفاق، وقد قيل: "أل" في البيت الأول زائدة وفي الثاني بقية الذي.
ثم قال:
أي كما وأعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف
قوله: "أي "كما"" يعني أنها تستعمل موصولة بمعنى "الذي والتي"، وفروعها خلافا لأحمد بن يحيى٣ في قوله: إنها لا تستعمل إلا "شرطا"٤ أو استفهاما، وقد تؤنث بالتاء إذا أريد بها المؤنث.
وقال أبو موسى: وإذا أريد بها المؤنث ألحقت التاء في الأشهر.
_________________
(١) ١ قال العيني: قائل هذا البيت راجز لم أقف على اسمه، وأيضا لم أعثر على قائله. وهو من الرجز المسدس. الشرح: "المعه" يريد الذي معه، "حر" بفتح الحاء وكسر الراء حقيق وجدير ولائق ومستحق. الإعراب: "من" اسم موصول مبتدأ، "لا" نافية، "يزال" فعل مضارع ناقص واسمه ضمير راجع لمن مستتر فيه، "شاكرا" خبر يزال وجملة يزال مع اسمه وخبره ولا محل لها صلة، "على" حرف جر، "المعه": ال: اسم موصول بمعنى الذي في محل جر بعلى مع: ظرف متعلق بمحذوف صلة لأل والهاء مضاف إليه، "فهو" الفاء زائدة في خبر الموصول هو ضمير منفصل مبتدأ، "حر" خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الباء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر، "من" الموصولة وقد دخلت الفاء على جملة الخبر لشبه الموصول بالشرط، "بعيشة" جار ومجرور متعلق بحر، "ذات سعة" مركب إضافي نعت لعيشة. الشاهد: في "المعه" حيث جاء بصلة "أل" ظرفا وهو شاذ على خلاف القياس. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن عقيل ١/ ٨٩، والشاطبي، وداود، والأشموني ١/ ٧١، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٥، وابن هشام في مغني اللبيب ١/ ٨٦. ٢ راجع الأشموني ١/ ٧٦. ٣ هو ثعلب، وقد ترجمنا له. ٤ أ، ج وفي ب "جزءا".
[ ١ / ٤٤٧ ]
وحكى ابن كيسان أن أهل هذه اللغة "يثنونها"١ ويجمعونها.
وقوله: "وأعربت" يعني: دون إخوتها، "فلذلك"٢ أفردها بالذكر وقد تقدم سبب إعرابها مع أن فيها ما في أخواتها من شبه الحرف في أول الكتاب.
وقوله: ما لم تضف، وصدر وصلها ضمير انحذف.
يعني أنها أعربت ما لم يجتمع فيها هذان الأمران: الإضافة وحذف الصدر "فإن فقدا أو أحدهما أعربت"٣، فالصور أربع:
الأولى: ألا تضاف ويثبت الصدر نحو: "جاءني أي هو فاضل" فتعرب، "لفقد الأمرين"٤.
الثانية: ألا تضاف ويحذف الصدر نحو٥: "جاءني أي فاضل" فتعرب لفقد الأول وهو الإضافة.
الثالثة: "أن تضاف"٦ ويثبت الصدر نحو: "جاءني أيهم هو فاضل" فتعرب أيضا لفقد الثاني وهو حذف الصدر.
الرابعة: أن تضاف ويحذف الصدر: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٧.
فهذه تبنى لاجتماع الأمرين هذا مذهب سيبويه٨. خلافا للخليل
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أن "يثبتونها" يقال أيان وأيتان وأيون وأيات بالإعراب في جميع الأحوال إعراب المثنى والجمع ا. هـ. صبان ج١ ص١٣٧. ٢ أ، وفي ب، ج "ولذلك". ٣ أ، ج. ٤ أ، ج. ٥ أ، ج. ٦ ب، ج وفي أ "أن لا تضاف". ٧ سورة مريم: ٦٩. ٨ قال سيبويه ج١ ص٣٩٧: "وسألت الخليل عن قولهم: "اضرب أيهم أفضل" فقال: القياس النصب وأما يونس فيزعم أنه بمنزلة قولك: "أشهد إنك لرسول الله، واضرب معلقة" وأرى قولهم: اضرب أيهم أفضل على أنهم جعلوا هذه الضمة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر وبمنزلة الفتحة في الآن حين قالوا: من الآن إلى غد ففعلوا ذلك بأيهم ".
[ ١ / ٤٤٨ ]
ويونس١ فإنهما لا يريان البناء، بل هي معربة "عندهما"٢ في الأحوال كلها "وتأولا"٣ الآية.
أما الخليل فجعلها استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة "الذي"٤ يقال فيه أيهم أشد.
وأما يونس فجعلها استفهامية أيضا وحكم بتعليق الفعل "قبلها"٥؛ لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب، والحجة عليها قول الشاعر:
إذا ما لقيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل٦
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري: كان بارعا في النحو وهو من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، سمع من العرب وروى عن سيبويه وقد أخذ عن الكسائي والفراء وكانت له بالبصرة حلقة يؤمها أهل العلم وطلاب الأدب وفصحاء العرب والبادية، وله قياس في النحو، ومذاهب ينفرد بها. مات سنة ١٨٣هـ في خلافة هارون الرشيد. وقد قارب السبعين ولم يتزوج. ٢ ب، ج وفي أ "عندهم". ٣ ز، ج وفي ب "وتأولوا". ٤ أ، وفي ب، ج "الذين". ٥ أ، ج. ٦ البيت: لغسان بن وعلة بن مرة بن عباد أحد شعراء المخضرمين، وأنشده أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف. الشرح: "أيهم أفضل" يريد: الذين هو أفضل منهم. الإعراب: إذا" ظرفية شرطية زائدة "لقيت" فعل وفاعل. والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "بني" مفعول به، "مالك" مضاف إليه، "فسلم" الفاء واقعة في جواب الشرط سلم: فعل أمر وفاعله مستتر فيه، "على" حرف جر، "أيهم" أي: اسم موصول بمعنى الذي مبني على الضم في محل جر بعلى، وهم: مضاف إليه، "أفضل" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أفضل وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها صلة الموصول. الشاهد: في "أي" فإنها موصولة مبنية على الضم لأنها مضافة محذوف صدر صلتها وغير الموصولة لا تبنى ولا يصلح هنا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٧٧١، والشاطبي، وداود، والسندوبي، وابن عقيل ١/ ٩٢، وابن هشام ١/ ١٠٨، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ١/ ٧٢، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ١٤٧٣، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٨٤، والشاهد ٤٣٠ في خزانة الأدب، وابن الناظم ص٣٨، والإنصاف ٢/ ٤٢٣.
[ ١ / ٤٤٩ ]
"لأن حروف الجر لا تعلق، ولا يضمر "قول"١ بينها وبين معمولها"٢.
وبهذا يبطل قول من زعم أن شرط بنائها ألا تكون مجرورة، بل مرفوعة أو منصوبة، ذكر هذا الشرط ابن إباز، وقال نص عليه النقيب٣ في الأمالي٤.
وفي الآية أقوال أخر: قال الأخفش "من" زائدة"، و"كل" مفعول، و"أيهم أشد" جملة مستأنفة.
وذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" علق عنه "شيعة" بما فيه من معنى الفعل، كأنه "قيل"٥ لننزعن من كل "متشيع٦ "في"٧" أيهم أشد، أي: من كل من نظر في أيهم، وكأنهم رأوا أن لننزعن لا تعلق فعدلوا إلى هذا، وقال ابن الطراوة: غلطوا، ولم تبن إلا لقطعها عن الإضافة.
وهم مبتدأ، وأشد خبره، وليس بشيء؛ لأنها لا تعرب إلا إذا أضيفت؛ ولأن أيا أتت في رسم المصحف٨ موصولة بالضمير ولو كان مبتدأ لفصل.
ثم قال: "وبعضهم أعرب مطلقا" أي: وبعض العرب أعرب أيا مطلقا يعني في الصور الأربع وقرئ شاذا: "أيهم أشدَّ" بالنصب على هذه اللغة.
ويحتمل أن يريد بقوله: "وبعضهم" بعض النحويين فيكون "إشارة"٩ إلى مذهب الخليل ويونس ومن وافقهما.
وقوله:
وفى ذا الحذف أيا غير أي يقتفى
أن يستطل وصل
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ب. ٣ النقيب: هو الشريف المرتضى، كان نقيب الأشراف العلويين، وله كتاب مشهور باسم "الأمالي" طبع مرارا. ٤ راجع الأشموني ٧٧١. ٥ أ، ج وفي ب "قال". ٦ أ، وفي ب، ج "من يتشيع". ٧ أ، ج. ٨ أ، ج وفي ب "ولم تكتب في رسم الصحف". ٩ أ، ج وفي ب "إضافة".
[ ١ / ٤٥٠ ]
يعني: أن غير "أي" من الموصولات يقتفى "أيا" أي: يتبعها في جواز "هذا"١ الحذف: يعني حذف العائد إذا كان مبتدأ، لكن بشرط:
وهو: أن يكون في الصلة طول "كقولهم"٢: "ما أنا بالذي قائل لك سوءا".
أي: هو قائل ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٣ أي: هو في السماء إله وفي الأرض إله.
ثم قال:
وإن لم يستطل فالحذف نزر
يعني: أن الصلة إذا لم يكن فيها طول كان حذف العائد الذي هو المبتدأ نزرا، أي قليلا ضعيفا وليس بممتنع، ومنه قراءة بعض السلف: "تماما على الذي أحسنُ"٤ "أي: هو أحسن"٥ وقراءة بعضهم: "مثلا مَّا بعُوضةٌ"٦ "أي: هو بعوضة"٧.
ومذهب البصريين: أن ذلك لا يقاس عليه، ولم يشترط الكوفيون طول الصلة بل أجازوا الحذف مطلقا، واتفقوا على عدم اشتراطه "في أي"٨، ٩.
ثم قال:
وأبوا أن يختزل
إن صلح الباقي لوصل مكمل
يعني: أنه يشترط في حذف العائد إذا كان مبتدأ أن يكون "ما يبقى"١٠ بعد حذفه غير صالح، لأن يكون صلة كاملة.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج وفي ب "كقوله". ٣ سورة الزخرف ٨٤. ٥ أ، ج. ٦ سورة البقرة ٢٦ بالرفع قراءة مالك بن دينار وابن السماك. ٧ أ، ج. ٨ أ، ب. ٩ وجوزوا في "لا سيما زيد" برفع زيد أن تكون "ما" موصولة وزيد خبر لمبتدأ محذوف التقدير: لا سي الذي هو زيد، فحذف العائد الذي هو المبتدأ -هو- وجوبا، وهذا حذف فيه صدر الصلة مع غير أي وجوبا، ولم تطل الصلة، وهو مقيس وليس بشاذ. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٩٥. ١٠ أ، ج وفي ب "ما بقي".
[ ١ / ٤٥١ ]
وهذا الشرط معتبر في "أي" وفي غيرها وضابط ذلك: أن خبره إن كان مفردا جاز حذفه نحو: "أيهم فاضل" هو فاضل؛ لأن المفرد "لا يصلح"١ لأن يكون صلة كاملة بل جزء صلة فيعلم أن أحد الجزءين محذوف، وإن كان الخبر جملة أو ظرفا أو جارا ومجرورا لم يجز حذفه؛ لأنه لو حذف والحالة هذه لم يبق عليه دليل؛ لأن الجملة الظرف والجار والمجرور يصلح لأن يكون صلة كاملة.
فإذا قلت: "جاء الذي هو يفعل، أو هو عندك، أو هي في الدار" لم يجز حذفه لما ذكر.
وقد اتضح بما ذكر أن العائد "إذا"٢ كان مرفوعا، فإما أن يكون مبتدأ أو غير مبتدأ.
فإن كان غير مبتدأ لم يجز حذفه وذلك مفهوم من سكوته عنه.
وإن كان مبتدأ جاز حذفه من صلة "أي" بشرط واحد: وهو أن يكون خبره مفردا، وفي صلة غيره بشرطين: عند البصريين أن يكون الخبر مفردا وأن تطول الصلة.
تنبيه:
ذكر غير الناظم لحذف العائد الذي هو مبتدأ شروطا أخر:
أحدها: ألا يكون معطوفا نحو: "جاء الذي زيد وهو فاضلان".
والثاني: ألا يكون معطوفا عليه، نحو "جاء الذي هو وزيد قائمان".
وأجاز الفراء حذفه في هذا المثال ونحوه، وأجازه أيضا ابن السراج. قال بعضهم: وهو غير مسموح ونقل اشتراطه هذا الشرط عن البصريين.
والثالث: ألا يكون بعد "لولا"، نحو "جاء الذي لولا هو لأكرمتك"٣، ثم انتقل إلى العائد المنصوب فقال:
والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "لا يصح". ٢ ب وفي أ، ج "إن". ٣ راجع الأشموني ١/ ٧٩.
[ ١ / ٤٥٢ ]
اعلم أن العائد المنصوب، إما أن يكون متصلا أو منفصلا.
فإن كان منفصلا لم يجز حذفه لئلا تفوت فائدة الانفصال، نحو: "جاء الذي إياه أكرمت" ولذلك قال "في عائد متصل".
وإن كان متصلا، فإما أن يتصل بفعل أو بوصف أو بحرف، فإن اتصل بفعل أو بوصف جاز حذفه، وقد مثل المتصل بالفعل بقوله: "كمن نرجو يهب" أي "من"١ نرجوه.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ٢ أي بعثه.
ومثال المتصف بالوصف قول الشاعر:
ما الله موليك فضل فاحمدنه به فما لدى غيره نفع ولا ضرر٣
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ سورة الفرقان ٤١. ٣ هذا البيت من الشواهد التي ذكروها ولم ينسبوها إلى قائل، ولم يتعرض العيني لقائله -وبحثت فلم أعثر على قائله- وهو من البسيط. الشرح: "موليك" مانحك ومنعم عليك وهو اسم فاعل من أولاه النعمة إذا أعطاه إياها. المعنى: الذي يمنحك الله من النعم فضل منه عليك، ومنه جاءتك من عنده من غير أن تستوجب عليه شيئا من ذلك، فاحمد الله عليه واعلم أنه هو الذي ينفعك ويضرك وأن غيره لا يملك لك من هذا شيئا. الإعراب: "ما" اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ "الله" مبتدأ "موليك" خبر عن لفظ الجلالة وهو اسم فاعل ففيه ضمير مستتر فاعله وضمير المخاطب مفعول أول ومفعوله الثاني محذوف وهو عائد على "ما" الموصولة وجملة "الله موليك" من المبتدأ والخبر لا محل لها صلة الموصولة "فضل" خبر عن المبتدأ، وهو "ما" الموصولة التي في أول البيت "فاحمدنه" الفاء للسببية. احمد: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة وفاعله ضمير مستتر والهاء مفعول، "به" جار ومجرور متعلق باحمد، "فما" نافية، "لدى" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، "غيره" مضاف إليه، "نفع" مبتدأ مؤخر، "ولا" الواو عاطفة لا: زائدة لتأكيد النفي "ضرر" معطوف على نفع. الشاهد: في "ما الله موليك" حيث حذف الضمير العائد على الاسم الموصول؛ لأنه منصوب بوصف وهذا الوصف اسم فاعل، وأصل الكلام "ما الله موليكه" أي: الشيء الذي الله تعالى معطيكه هو فضل وإحسان منه عليك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٢٠، وابن عقيل ١/٩٦، والأشموني ١/ ٧٩، والشاطبي، وداود، والسندوبي، والمكودي ص٢٤، والسيوطي ص٢٣، وأيضا ذكره في الهمع ١/ ٨٥.
[ ١ / ٤٥٣ ]
أي: الذي الله موليكه فضل١.
وإن كان منتصبا بحرف لم يجز حذفه، نحو "جاء الذي إنه فاضل أو كأنه أسد".
وهذا مفهوم من اقتصاره على الفعل والوصف.
تنبيهات:
الأول٢: حذف العائد المنصوب بفعل أكثر من حذف العائد المنصوب بوصف وإن اشتركا في الجواز.
الثاني: لا يخلو المنصوب بالوصف من أن يكون في صلة "أل" أو في صلة غيرها فإن كان في صلة غيره جاز حذفه كما تقدم، وإن كان في صلتها فمذهب الجمهور أنه لا يجوز، وأجازه بعضهم نحو "الضارب زيد هند" يريد الضاربها.
واختلف فيه عن الكسائي٣.
وقال في التسهيل: وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام ومثال ذلك قول الشاعر:
ما المستفز الهوى محمود عاقبة ولو أتيح له صفو بلا كدر٤
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ٧٩. ٢ ب، وج وفي أن "أحدها". ٣ قال السيوطي في همع الهوامع ص٨٩: "في حذف العائد من صلة "أل" نحو الضاربها زيدا هند أقوال: أحدها المنع مطلقا وعليه الجمهور. والثاني: الجواز مطلقا لقوله: ما المستفز الهوى محمود عاقبة، أي: المستفزه. والثالث: إن لم يدل عليه دليل لم يجز، لا تقول جاءني الضارب زيد؛ لأنه لا يدرى هل الضمير المحذوف مفرد أو غير مفرد؟ والرابع: إن كان الوصف الواقع في صلتها مأخوذا من متعد إلى واحد فالإثبات فصيح والحذف قليل نحو: الضاربة زيد والضارب زيد والخامس: أنه خاص بالضرورة". ا. هـ. ٤ هذا البيت من الشواهد التي لم ينسبوها لقائل معين، والعيني لم يذكر له قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: "المستفز" اسم فاعل من استفز، ومعناه أزعجه وأفزعه واستخفه "الهوى" صبوة النفس وميلها نحو ما تشتهي "أتيح" هيئ وقدر.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقول الآخر:
في المعقب البغي أهل البغي ما ينهي امرأ حازما أن يسأما١
_________________
(١) = المعنى: ليس الذي يستخفه الهوى ويعبث بقلبه محمود العواقب، وإن كنت ترى أنه صاف في معيشته، فإنما هو صفو غير مأمون. الإعراب: "ما" نافية، "المستفز" اسم ما أو مبتدأ، "الهوى" فاعل للمستفز ومفعوله ضمير محذوف عائد إلى "أل" الموصولة والتقدير: ما المستفزة، "محمود" منصوب على أنه خبر، "ما" أو مرفوع على أنه خبر المبتدأ، "ولو" الواو عاطفة على محذوف لو: شرطية، "أتيح" فعل ماض مبني للمجهول، "له" جار ومجرور متعلق بأتيح، "صفو" نائب فاعل أتيح، "بلا" الباء حرف جر، لا: اسم بمعنى غير مجرور محلا بالباء ظهر إعرابه على ما بعده بطريق العارية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف يقع صفة لصفو. وجعله العيني متعلقا بأتيح. الشاهد: في "ما المستفز" حيث حذف الضمير المنصوب باسم الفاعل، وهو مستفز، وهو العائد على الموصول الذي هو "أل" والحذف في البيت نادر، إذ أصله "الذي هو مستفزه". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ١٣٢، والشاطبي، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ٧٩، وذكره السيوطي في الهمع ١/ ٨٩. ١ قاله العيني: "لم أقف على اسم قائله" وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: "المعقب" اسم فاعل من أعقب، وهو اسم للولد وولد الولد، ثم صار استعمالها في الشيء يجيء بعد شيء آخر، "البغي" تجاوز الحد، "حازما" اسم الفاعل من الحزم وهو ضبط الأمر وتوثيقه، "يسأما" يمل ويترك. المعنى: إن فيما تراه نازلا بأهل البغي من جزاء بغيهم ما يكفي لردع الحازم ورده عن أن يعمل بعملهم ويشجعه على الاستمرار في العمل الصالح وألا يسأمه. الإعراب: "في المعقب" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "البغي" مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى فاعله، "أهل" مفعول أول للمعقب، "البغي" مضاف إليه وله مفعول ثان محذوف وهو ضمير عائد على الموصول الذي هو الألف واللام، وأصل الكلام: في المعقبه البغي أهل البغي، "ما" اسم موصول مبتدأ مؤخر، "ينهى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ما والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "امرأ" مفعول لينهى، "حازما" صفة له، "أن" حرف مصدري ونصب، "يسأما" فعل مضارع منصوب بأن، والألف للإطلاق وفاعله ضمير مستتر فيه، وله مفعول محذوف تقديره يسأم الخير، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: ينهى امرأ حازما عن السأم. الشاهد: في "المعقب" حيث حذف الضمير العائد من الصلة -وهي معقب- إلى الموصول، أي في الذي أعقبه البغي وهو نادر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٣٩، والأشموني ٦/ ٧٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
أي: في الذي أعقبه البغي على خلاف في هذا الضمير أمنصوب "هو"١ أم مجرور٢.
وعلى كل حال فحذفه نادر.
ومقتضى عبارة الناظم أن حذف المنصوب بالوصف كثير "مطلقا"٣ وليس كذلك٤.
الثالث: شرط ابن عصفور في جواز حذف المنصوب أن يكون متعينا للربط فإن لم يتعين لم يجز حذفه نحو "جاء الذي ضربته في داره".
وشرط قوم أن يكون الفعل الناصب له تاما، فلو كان ناقصا لم يجز حذفه نحو "جاء الذي ليسه زيد".
الرابع: إذا حذف العائد المنصوب بشرطه ففي توكيده والنسق عليه خلاف أجازه الأخفش والكسائي٥ ومنعه ابن السراج وأكثر المغاربة واختلف عن الفراء.
الخامس: اتفقوا على مجيء الحال منه إذا كانت مؤخرة "عنه"٦ نحو: "هذه التي عانقت مجردة" "أي عانقتها مجردة"٧.
فإن كانت الحال متقدمة نحو: "هذه التي مجردة عانقت" فأجازها ثعلب٨ ومنعها هشام٩.
ثم انتقل إلى المجرور فقال:
كذاك حذف ما بوصف خفضا كأنت قاض بعد أمر من قضا
_________________
(١) ١ ب. ٢ أ، ج. ٣ ب. ٤ قال ابن عقيل ١/ ٧٩: " بل الكثير حذفه من الفعل المذكور وأما مع الوصف فالحذف منه قليل". ٥ قال الصبان ج١ ص١٤١: "وللأخفش الشيخ المرادي". ٦ أ، ج. ٧ أ، ج. ٨ قال الصبان ج١ ص١٤١: "وهو الراجح". ٩ راجع الأشموني ١/ ٨٠.
[ ١ / ٤٥٦ ]
العائد المجرور إما أن ينجر بإضافة أو بحرف، فإن انجر بإضافة والمضاف وصف عامل جاز حذفه، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ١ أي: "الذي"٢ أنت قاضيه، وإلى هذه الآية أشار بقوله:
"كأنت قاض بعد أمر -أي بعد فعل الأمر- من قضا".
وهو في قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ﴾ وليس حذفه بضعيف جدا خلافا لابن عصفور، بل فصيح لوروده في القرآن؛ ولأنه منصوب في "المعنى"٣.
على أن النحويين من زعم أنه منصوب.
وإن كان المضاف غير وصف نحو: "جاء الذي وجهه حسن".
أو وصفا غير عامل نحو: "جاء الذي أنا ضاربه أمس" لم يجز حذفه٤، فإن قلت: أطلق الناظم الوصف ولم يقيده بالعامل.
قلت: "كأنه"٥ اكتفى بالمثال عن التقييد؛ لأنه قد فهم من استقراء هذا النظم أنه قد "يتمم"٧ الحكم بالتمثيل.
وأما المجرور بحرف فقد ذكره في قوله:
كذا الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر
يعني: أنه يجوز حذف العائد المجرور بالحرف بشروط:
الأول: أن ينجر الموصول بمثل الحرف "الجار"٧ للعائد لفظا، فلو اختلفا لفظا لم يجز الحذف نحو "حللت في الذي حللت به"٨.
_________________
(١) ١ سورة طه: ٨٢. ٢ أ، ج وفي ب "ما". ٣ أ، ب وفي ج "بالمعنى". ٤ راجع الأشموني ١/ ٨٠. ٥ أ، ج وفي ب "إنه". ٦ أ، ج وفي ب "يتم". ٧ ب، ج. ٨ أ، ج وفي ب "مررت بالذي حللت في الذي حللت به".
[ ١ / ٤٥٧ ]
الثاني: أن يتحد الحرفان معنى، فلو اختلفا "معنى"١ لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به، "تعني"٢ بإحدى الباءين السببية٣.
الثالث: أن يتحد متعلقهما معنى، فلو اختلف المتعلق لم يجز الحذف، نحو "سررت بالذي مررت به".
وقد مثل ما يجوز حذفه لاجتماع الشروط فيه بقوله: "مر بالذي مررت" أي به. فحذف العائد؛ لأنه قد جر بحرف جر الموصول بمثله لفظا ومعنى ومتعلقا.
ولو جر الموصوف بالموصول بالجر المماثل فيما ذكر جاز الحذف أيضا وإن كان الموصول "لم يجر"٤ نحو: "مررت بالرجل الذي مررت به".
فإن قلت: لا يؤخذ من كلامه إلا شرط واحد، وهو اتفاق لفظ الحرفين.
قلت: أما أخذ الشرط الثاني من كلامه فظاهر، فإنه شرط أن يجر العائد بالذي جر الموصول ومتى اختلف الحرفان "معنى"٥ كان الجار للعائد حينئذ غير الجار للموصول، فإن "باء" السببية مثلا غير "باء" التعدية.
وأما أخذ الشرط الثالث فمن تمثيله.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: بما جر الموصول أو الموصوف به، ليشمل الصورتين.
قلت: الموصوف والصفة كالشيء الواحد، فدخول الحرف على الموصوف كدخوله على الصفة، فلذلك ترك هنا التنصيص على ذلك اختصارا.
تنبيه:
يشترط في حذف العائد المجرور بالحرف ثلاثة شروط أخر، ذكرها غير الناظم:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ ج وفي أ، ب "تعين". ٣ والأخرى للإلصاق. ا. هـ. أشموني ١/ ٨١. ٤ في الأصل: لم يجز. ٥ أ، ج.
[ ١ / ٤٥٨ ]
الأول: ألا يكون ثم ضمير آخر يصلح للعود، نحو: مرت بالذي به في داره.
الثاني: ألا يكون نائبا عن الفاعل نحو: مررت بالذي مر به.
الثالث: ألا يكون محصورا نحو: مررت بالذي ما مررت به إلا به.
فإن قلت: "قد"١ أخل الناظم بهذه الشروط.
قلت: إنما يلزمه أن يذكر هنا من الشروط ما هو خاص بالباب لا ما يؤخذ من غيره٢، وقد علم "بذلك"٣ أن ما كان حذفه يوقع في اللبس امتنع حذفه في هذا الباب وفي غيره، وأن النائب عن الفاعل كالفاعل في جميع أحكامه، ومنها امتناع حذفه، وأن الفضلة إذا حصرت لم يجز حذفها وقد جاء حذف العائد المجرور وإن لم تكمل شروط الحذف، كقول حاتم:
ومن حسد يجور على قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني٤
أي: فيه، وهو نادر٥.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "نقد". ٢ أ، وفي ب، ج "لا يوجد في غيره". ٣ ب. ٤ قال العيني: قائله: هو حاتم بن عدي الطائي، وهو من الوافر. الشرح: من حسد، معنى "من" للتعليل هنا، أي: لأجل الحسد، والحسد: تمني زوال نعمة المحسود، يجور علي "يظلمني". المعنى: يظلمني قومي حسدا وبغيا، ولا يمر وقت دون أن يحسدوني ويؤذوني فيه. الإعراب: "من حسد" جار ومجرور متعلق بقوله يجور، "يجور" فعل مضارع، "علي" جار ومجرور متعلق بقوله يجور أيضا، "قومي" فاعل يجور وياء المتكلم مضاف إليه، و"أي" اسم استفهام مبتدأ، "الدهر" مضاف إليه، "ذو" اسم موصول صفة الدهر، "لم" نافية جازمة، "يحسدوني" مضارع مجزوم بحذف النون وواو الجماعة فاعله والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والعائد محذوف. والتقدير: لم يحسدوني فيه. الشاهد: في "ذو لم يحسدوني" حيث حذف العائد من جملة الصلة وهو قوله: يحسدوني على الموصول وهو قوله: "ذو" مع أن ذلك العائد مجرور بحرف جر، إذ التقدير لم يحسدوني فيه والحال أن شروطه لم تكمل. والذي سهل الحذف كون مدلول الموصول زمانا مذكورا وقد عاد عليه الضمير المجرور فينصرف الذهن إلى المحذوف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن هشام ١/ ١٢٤، والشاطبي، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ١٨١. ٥ قال الأشموني: شاذ، ورد الصبان بقوله: "رد بأن محل الشروط المتقدمة ما لم يتعين الحرف المحذوف كما في البيت فلا شذوذ" ١/ ١٢٤.
[ ١ / ٤٥٩ ]
المعرف بأداة التعريف:
قال:
أل حرف تعريف أو اللام فقط فنمط عرفت قل فيه النمط
مذهب الخليل أن حرف التعريف "أل" والهمزة أصلية وهي همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال وكان يعبر عنها "بأل" ولا يقول: الألف واللام وهو اختيار الناظم.
ومذهب سيبويه: أن حرف التعريف "أل" أيضًا ولكن الهمزة عنده زائدة معتد بها في الوضع فحرف التعريف عنده ثنائي.
هذا ما نقله عنه في التسهيل١ وشرحه وهو ظاهر كلام سيبويه، ونقل في شرح الكافية عن سيبويه أنه اللام وحدها وتبعه الشارح٢ وهو اختيار المتأخرين.
وقوله: "أن حرف تعريف"، يحتمل مذهب الخليل ومذهب سيبويه وقوله: "أو اللام فقط" هو المذهب الثالث وباقي البيت واضح.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح التسهيل: الصحيح عندي قول الخليل لسلامته من وجوه كثيرة "مخالفته"٣ للأصل موجه لعدم "النظائر"٤.
أحدها: تصدير زيادة فيما لا أهلية فيه للزيادة وهو الحرف.
الثاني: وضع كلمة مستحقة للتصدير على حرف واحد ساكن ولا نظير له في ذلك.
الثالث: افتتاح بهمزة وصل ولا نظير لذلك ٥، ٦.
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص٤٢: "وليست الهمزة زائدة خلافا لسيبويه". ٢ قال في الشارح ص٤٠: "مذهب سيبويه أن اللام وحدها هي المعرفة". ٣ ب، ج وفي أ "مخالفة". ٤ أ، ج وفي ب "النظير". ٥ ب، ج. ٦ بأن العرب تقف عليها تقول إلى ثم نتذكر فتقول الرجل ١٠ الهمع ١/ ٧٩.
[ ١ / ٤٦٠ ]
الرابع: لزم فتح همزة الوصل بلا سبب ولا نظير لذلك.
قال: واحترزت باللزوم ونفي السبب من همزة "أيمن" في القسم فإنها تفتح وتكسر وكسرها هو الأصل، وفتحت لئلا ينقل من كسر إلى ضم دون حاجز حصين.
الخامس: أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن ولم يفعل ذلك بلام التعريف إلا على شذوذ، بل يبدأ بالهمزة في المشهور من قراءة ورش١.
السادس: أنها لو كانت همزة وصل لم تقطع في "قولهم"٢ بالله ولا في قول بعضهم: "أفا"٣ الله لأفعلن.
قلت: ووجه سابع، وهو أنها لو كانت همزة وصل "للزم"٤ بقاء همزة الوصل في غير الابتداء مسهلة "ومبدلة"٥ في نحو: "الذكرين"٦، وقد أشار إليه في شرح التسهيل، واستدل بعضهم للخليل بالوقف عليها وإعادتها في قول الراجز:
عجل لنا هذا وألحقنا بذا أل الشحم إنا قد مللناه بجل٧
_________________
(١) ١ هو: عثمان بن سعيد بن عمرو بن سليمان الملقب بورش شيخ القراء والمحققين، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، ولد سنة عشر ومائة بمصر، ورحل إلى نافع ابن أبي نعيم فعرض عليه القرآن عدة ختمات في سنة خمس وخمسين ومائة، وقيل: إن نافعا لقبه بالورشان؛ لأنه كان على قصره يلبس ثيابا قصارا، وكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه فكان نافع يقول هات يا ورشان واقرأ يا ورشان، ثم خفف فقيل ورش. والورشان: طائر معروف. توفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة عن سبع وثمانين سنة. ٢ ب. ٣ أ، وفي "أي". ٤ ب، وفي أ، ج "لزم". ٥ أ، وفي ب، ج "أو مبدلة". ٦ سورة الأنعام: ١٤٣، ١٤٤. ٧ قال العيني: البيت لغيلان بن حريث الربعي الراجز، من الرجز المسدس. الشرح: "مللناه" -بكسر اللام الأولى- من الملالة، "بجل" بمعنى حسب وضبطه بعض شراح أبيات الكتاب "بخل" أراد به الخل المعهود، والباء فيه مكسورة لأنه حرف جر. =
[ ١ / ٤٦١ ]
وبالوقف عليها في نصف البيت:
يا خليلي اربعا واستخبرا ال منزل الدارس عن حي حلال
مثل سحق البرد عفي بعدك الـ ـقطر مغناه وتأويب الشمال١
_________________
(١) = الإعراب: "عجل" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره أنت، "لنا" جار ومجرور متعلق بالفعل، "هذا" مفعول به، "وألحقنا" بالواو عاطفة وألحق فعل أمر وفاعله ضمير مستتر ونا مفعول به، "بذا" جار ومجرور متعلق بألحق، "بالشحم" جار ومجرور بدل من الجار والمجرور السابق، "أنا" إن حرف توكيد ونصب ونا اسمه، "قد" حرف تحقيق، "مللناه" فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل رفع خبر إن، "بجل" اسم فعل مضارع بمعنى يكفي، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا. الشاهد: في "بذا أل" أن حرف التعريف هو "أل" وذلك أن الشاعر وقف عليها ثم أعادها فهذا يدل على قوة اعتقادهم لقطعها وهذا مذهب الخليل. وروي: دع ذا وعجل ذا وألحقنا بذا أل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٨٣، والشاطبي، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٧٩، وسيبويه في ج٢ ص٢٧٣، والخصائص ١/ ٢٩١. ١ هذان البيتان: أول قصيدة عدتها سبعة عشر بيتا كل أبياتها ينتهي شطرها الأول بأل كهذين البيتين إلا بيتا واحدا، وهي لعبيد بن الأبرص الأسدي، وهي من الرمل. الشرح: "أربعا" أمر للاثنين من ربع يربع إذا وقف وانتظر وهو يفتح العين فيهما "الدارس" من درس المنزل إذا عفا، "حلال" بكسر الحاء المهملة وفتح اللام مخففة جمع حال بمعنى نازل ومقيم، "سحق البرد" سحق -بفتح فسكون- الثوب البالي، وفعله من باب كرم، البرد -بضم فسكون- الثوب المخطط وإضافة سحق إلى البرد من إضافة الصفة للموصوف، "عفى" -بتضعيف الفاء- محا وأزال، "القطر" المطر، "مغناه" -بالغين المعجمة- منزله الذي أقام به أهله ثم ارتحلوا عنه، "تأويب الشمال" -بفتح الشين المعجمة وتخفيف الميم- وهو الريح التي تهب من ناحية الشمال. الإعراب: "يا" حرف نداء، "خليلي" منادى منصوب بالياء لأنه مثنى وياء المتكلم مضاف إليه، "أربعا" فعل أمر وألف الاثنين فاعله و"واستخبرا" فعل أمر وألف الاثنين فاعله، "المنزل" مفعول لاستخبرا، "الدارس" نعت للمنزل، "عن حي" جار ومجرور متعلق باستخبرا، "حلال" صفة لحي، "مثل" حال من المنزل، "سحق البرد" مضاف إليه، "عفى" فعل ماض، "بعدك" بعد ظرف متعلق بعفى وكاف الخطاب مضاف إليه، "القطر" فاعل عفى، "مغناه" مفعول به لعفى وضمير المنزل مضاف إليه، "وتأويب" معطوف على القطر، "الشمال" مضاف إليه. الشاهد: في "المنزل القطر" حيث فصل الشاعر حرف التعريف وهو "أل" عن المعرف وجعل حرف التعريف آخر الشطر الأول من البيتين ووقف عليه ثم جاء بالمعرف أول الشطر الثاني، وهذا عند الخليل يدل على أن حرف التعريف هو أل" وليست اللام وحدها. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٨٣.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وهي أبيات كثيرة اطرد فيها ذلك١.
وأجاب المنتصر لسيبويه عن أكثر هذه الأوجه، وقد ذكرت ذلك في غير هذا الكتاب، فإن هذا مبني على الاختصار.
الثاني: اعلم أن أداة التعريف قسمان: عهدية وجنسية لأن مصحوبها إن عهد "بتقديم"٢ ذكره نحو: "جاءني رجل فأكرمت الرجل" أو بحضور مدلوله حسا كقولك "القرطاس" لمن سدد سهما، أو علما كقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٣ فهي عهدية وإلا فهي جنسية.
والجنسية إن خلفها كل دون تجوز فهي لشمول الأفراد نحو: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٤، وإن خلفها بتجوز فهي لشمول الخصائص مبالغة نحو: "أنت الرجل علما"، وإن لم يخلفها فهي لبيان الحقيقة نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٥ وهو الذي "يسميه"٦ المتكلمون تعريف الماهية.
وكلامه في شرح الكافية يقتضي أنها هي العهدية٧، وقد جعلها بعضهم قسما برأسه.
فإن قلت: ما الفرق بين المعرف بهذه التي للحقيقة نحو "اشتر اللحم" وبين اسم الجنس النكرة نحو "اشتر لحما"؟
قلت: الفرق بينهما كالفرق بين علم الجنس واسم الجنس وقد تقدم.
_________________
(١) ١ منها بعد هذين البيتين: ولقد يغني به جيرانك الـ ممسكو منك بأسباب الوصال ثم أودى ودهم إذا أزمعوا الـ بين والأيام حال بعد حال فانصرف عنهم بعنس كالوأي الـ جأب ذي العانة أو شاة الرمال نحن قدنا من أهاضيب الملا الـ خيل في الأرسان أمثال السعالى ٢ أ، وفي ب، ج "بتقدم". ٣ سورة التوبة: ٤٠. ٤ سورة العصر: ٢. ٥ سورة الأنبياء: ٣٠. ٦ ب، ج وفي أ "يسموه". ٧ راجع شرح الكافية ورقة ١٢.
[ ١ / ٤٦٣ ]
ولما كانت أداة التعريف قد ترد زائدة غير معرفة نبه على ذلك بقوله: "وقد تزاد" ثم إن زيادتها على ضربين: لازمة وغير لازمة.
فاللازمة هي ألفاظ محفوظة منها "كاللات" علم صنم "والآن" اسم الزمان الحاضر وهو مضمن معنى حرف التعريف، ولذلك بني.
ومنها بعض الموصلات "كالذين ثم اللاتي".
وإنما حكم على "أل" في هذه الكلمات بالزيادة لأنها تعرفت بغيرها.
أما "اللات" فبالعلمية، وأما "الآن" فبتضمنه معنى حرف التعريف.
وأما الموصلات، فلأن تعريفها بالصلات، وإنما حكم عليها بأنها لازمة لأنه لم يعهد حذفها.
فإن قلت: قد رد في شرح التسهيل قول من جعل سبب بناء "الآن" تضمن معنى حرف التعريف "والقول بزيادة "أل" فيه مبني على ذلك".
قلت١: والقول بزيادتها فيه يستلزم أن يكون تعريفه بغيرها ولا يلزمن أن يكون بتضمن معنى حرف التعريف "بل يجوز أن يكون بوجه آخر من وجه التعريف"٢.
وقد قال في التسهيل: إن "الآن" بني لتضمن معنى الإشارة٣. وهو قول الزجاج فهو على هذا معرف بما تعرفت به أسماء الإشارة، وإذا كان تعريفه بذلك "فأل" فيه زائدة، وذهب قوم إلى أن "أل" في الآن لحضور لا زائدة.
وذهب قوم إلى أن "أل" في الموصلات "كلها"٤ للتعريف، والصحيح الأول٥.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج. ٣ التسهيل ص٩٥. ٤ أ. ٥ وارتضيته لقوته.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فإن قلت: قد حكى في التسهيل١ حذف "أل" من "الذين واللاتي" وذكر في شرحه أن ذلك لغة.
قال أبو عمرو: سمعت أعرابيا يقرأ: "صراط لذين"٢ بتخفيف اللام فكيف جعلها لازمة؟
قلت: كأنه أراد أنها لازمة عند أكثر العرب، وهو صحيح، فجزم هنا بأفصح اللغتين.
ثم انتقل إلى غير اللازمة فقال: "ولاضطرار كبنات الأوبر".
الزائدة غير اللازمة قسمان: قسم يزاد لمعنى، وقسم يزاد لضرورة.
فالأول: "هو الذي"٣ للمح الصفة.
والثاني: ضربان: ضرب يزاد مع معرفة، وضرب يزاد مع نكرة لا يقبل التعريف.
وقد أشار إلى الضربين، فالأول كقول الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر٤
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص٣٣ "وقد يقال لذين ولاتي". ٢ سورة الفاتحة: ٧. ٣ أ، وفي ب "هي التي" وفي ج "هو التي". ٤ قال العيني في هذا البيت: أنشده أبو زيد ولم يعزه إلى قائله. وهو من الكامل. الشرح: "جنيتك" أي جنيت لك، ومثله في حذف اللام وإيصال الفعل إلى ما كان مجرورا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾، ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، و﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، و"أكمؤا" -بفتح الهمزة وسكون الكاف وضم الميم وفي آخره همزة- جمع كمء بزنة فلس وأفلس ويجمع الكمء على كمأة أيضا فيكون المفرد خاليا من التاء وهي في جمعه على عكس تمرة وتمر، وهذا من نوادر اللغة. و"عساقلا": جمع عسقول -بزنة عصفور- وهو نوع من الكمأة بيض، وقيل هي الكمأة التي بين البياض والحمرة، وكان أصله عساقيل فحذفت الياء كما حذفت في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، "بنات الأوبر" هي: كمأة صغار مزغبة كلون التراب. المعنى: جنيت لك النوع الجيد ونهيتك عن الرديء. الإعراب: "ولقد" الواو للقسم واللام للتأكيد وقد حرف تأكيد، "جنيتك" فعل وفاعل ومفعول أول، "أكمؤا" مفعول ثان، "وعساقلا" معطوف عليه، "ولقد" الواو عاطفة واللام =
[ ١ / ٤٦٥ ]
يعني: بنات أوبر، وهو علم على ضرب من الكمأة رديء١.
والثاني كقول الشاعر:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو٢
أراد: "نفسا" لأنه تمييز، والتمييز واجب التنكير "خلافا للكوفيين"٣.
_________________
(١) = للقسم وقد حرف تحقيق، "نهيتك" فعل وفاعل ومفعول، "عن" حرف جر، "بنات" مجرور به، "الأوبر" مضاف إليه. الشاهد: في "بنات الأوبر" حيث زاد "أل" في العلم مضطرا؛ لأن "بنات أوبر" علم على نوع من الكمأة رديء، والعلم لا تدخله "أل" فرارا من اجتماع معرفين: الإضافة وأل، فزادها هنا ضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٤١، وابن عقيل ١/ ١٠٢، والمكودي ص٢٦، والشاطبي، وداود، والسندوبي، والأشموني ١: ٨٥، والأصطهناوي، والسيوطي ص٢٤، وابن هشام ١/ ١٢٧، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ١/ ٥٠، والخصائص ٣/ ٥٨. ١ راجع الأشموني ١/ ٨٥. ٢ قال العيني: ذكر التوزي نقلا عن بعضهم أن هذا البيت مصنوع، وقيل: هو لرشيد بن شهاب اليشكري، وهو من الطويل. الشرح: "رأيتك" خطاب لقيس بن مسعود بن خالد اليشكري، وهو المراد من قوله يا قيس عن عمرو، "وجوهنا" أراد بالوجوه الأنفس والذوات، ويروى "لما عرفت جلادنا" أي: ثباتنا في الحرب وشدة وقع سيوفنا، "صددت" أي: أعرضت ونأيت، "طبت النفس" يريد أنك رضيت، "عمرو" كان صديقا حميما لقيس وكان قوم الشاعر قد قتلوه. المعنى: يندد بقيس؛ لأنه كان يتهددهم، ثم حين رأى وقع أسيافهم ترك صديقه عمرا وفر عنه ورضي من الغنيمة بالإياب. الإعراب: رأيتك: فعل وفاعل ومفعول رأى بصرية، "لما" ظرفية بمعنى حين تتعلق برأى، "أن" زائدة، "عرفت" فعل وفاعل، "وجوهنا" مفعول والضمير مضاف إليه، "صددت" فعل وفاعل وهو جواب "لما"، "وطبت" فعل وفاعل، "النفس" تمييز، "يا قيس" منادى بحرف نداء، "عن عمرو" جار ومجرور متعلق بطبت. الشاهد: "طبت النفس" حيث ذكر التمييز معرفا باللام، وكان حقه أن يكون نكرة وإنما زاد الألف واللام فيه للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ١٢٩، وابن الناظم ص٤١، وابن عقيل ١/ ١٠٣، والشاطبي، وداود، والأشموني ١/ ٨٥، والأصطهناوي، والمكودي ص٢٦، والسيوطي ص٢٥. ٣ أ، ب. قال ابن عقيل ١/ ١٠٣: "هذا مذهب البصريين وذهب الكوفيون إلى جواز كونه معرفة، فالألف واللام عندهم غير زائدة".
[ ١ / ٤٦٦ ]
فإن قلت: تمثيله ببنات الأوبر ليس بجيد؛ لأن مذهب "المبرد"١ أنه نكرة وأل فيه للتعريف.
قلت: نص سيبويه على أنه علم جنس، وأفادنا تمثيله به أنه موافق لسيبويه، ثم انتقل إلى القسم الأول وهو الذي يزاد لمعنى. فقال:
وبعض الأعلام عليه دخلا للمح ما قد كان عنه نقلا
إنما قال "بعض الأعلام" لأن منها ما لا يدخل عليه للمح كالمنقول من قبل نحو "يزيد" إلا في الضرورة٢، وظاهر قوله: "للمح ما قد كان عنه نقلا" أنها تدخل للمح الأصل لا للمح الوصف، وهو ظاهر كلامه في التسهيل وشرحه، ويؤيده أنه مثل بالمنقول من صفة "كحارث"، ومن مصدر "كفضل"، ومن اسم عين "كنعمان" وهو من أسماء الدم.
كالفضل والحارث والنعمان٣
وقول الشارح، وقد يكون "في"٤ المنقول من مصدر أو اسم عين؛ لأن المصادر وأسماء الأعيان قد تجري مجرى الصفات في الوصف بها على التأويل٥ فيقتضي أن اللمح للوصف.
وهذا هو المشهور في عباراتهم.
تنبيه:
اعلم أن في تمثيله "بالنعمان" نظر.
لأنه مثل به في شرح التسهيل لما قارنت الأداة نقله، وعلى هذا فالأداة فيه لازمة، وإذ كانت للمح لم تكن لازمة٦.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "للخليل". ٢ كقول الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله فضرورة سهلها تقدم ذكر الوليد. ا. هـ. أشموني ج١ ص٨٥. ٣ أ، ج. ٤ أ، ج وفي ب "من". ٥ الشارح ص١. ٦ راجع الأشموني ١/ ٨٦.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وقوله: فذكر ذا وحذفه سيان.
يعني: أن "أل" في ذلك ليست للتعريف فحذفها لا يخل به فذكر "أل" وحذفه في ذلك سيان.
فإن قلت: كيف "قال"١ سيان والوجهان مرتبان على مقصدين، إن قصد "لمح الصفة"٢ جيء بأل، وإن لم يقصد استديم تجريده.
قلت: أما كونهما "مرتبين"٣ على مقصدين فصحيح، وهو مفهوم "مرضي"٤ من قوله: "دخلا للمح ما قد كان عنه نقلا".
وقوله: "سيان" يعني من جهة التعريف كما قررته.
ثم قال:
وقد يصير علما بالغلبه مضاف أو مصحوب أل كالعقبه
يعني: أن من المعرف بالإضافة أو الأداة ما يغلب على بعض ما له معناه فيصير علما بالغلبة خلافا لمن ذهب إلى أنه ليس بعلم، بل أجرى مجراه.
ومثال المضاف "ابن عمر، "وابن الزبير، وابن عمرو"٥ وابن عباس" في العبادلة رضي الله عنهم٦.
ومثال مصحوب أل "العقبة والبيت والمدينة والكتاب" في عقبة أيلة والبيت الحرام وطيبة ومصنف سيبويه.
ثم قال:
وحذف أل ذي إن تناد أو تضف أوجب
"ذي" إشارة إلى التي صحبت ما صار علما بالغلبة.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، وفي أ، ج "اللمح". ٣ أ، ب وفي ج "مترتبين". ٤ ج. ٥ ج. ٦ العبادلة: جمع عبدل بزنة جعفر، وعبدل يحتمل أمرين: أولهما: أن يكون أصله عبد فزيدت لام في آخره كما زيدت اللام على زيد حتى صار زيدلا. الثاني: أن يكونوا قد نحتوه من عبد الله، فاللام هي لام لفظ الجلالة، والنحت باب واسع.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ومثال حذفها في النداء قولهم: في الصعق، يا صعق.
ومثال حذفها في الإضافة قولهم في الأعشى "أعشى قيس"١.
ولا يحذف في غير النداء والإضافة إلا قليلا كقولهم "هذا يوم اثنين مباركا فيه".
ومجيء الحال منه في الفصيح يوضح فساد قول المبرد في جعله "أل" في الاثنين وسائر الأيام التعريف، فإذا زالت صارت نكرات.
وأشار إلى حذفها في ذلك بقوله:
وفي غيرهما قد تنحذف
_________________
(١) ١ أصله الأعشى فحذفت منه أل وأضيف إلى قيس، والأعشى في الأصل اسم لكل من لا يبصر ليلا.
[ ١ / ٤٦٩ ]
المبتدأ والخبر:
مبتدأ زيد وعاذر خبر إن قلت زيد من اعتذر
المبتدأ هو الاسم المجرد من العوامل اللفظية غير الزائدة مخبرا عنه أو وصفا رافعا لما يستغنى به. فالاسم: جنس يشمل الصريح "نحو: زيد عاذر"١ والموؤل "نحو ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢" والمجرد من العوامل اللفظية: مخرج لاسم كان ونحوه، وغير الزائدة، مدخل لنحو "بحسبك زيد" و" ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣ "فإن حسبك مبتدأ والباء فيه زائدة وكذلك "إله""٤ مبتدأ ومن زائدة.
وذكر في شرح الكافية: أن "حسبك" في هذا المثال ونحوه خبر مقدم لا مبتدأ لأنه لا يتعرف بالإضافة وإنما يكون مبتدأ إذا كان بعده نكرة نحو: "بحسبك درهم"٥، ٦.
"ومخبرا أو وصفا". مخرج لأسماء الأفعال، "رافعا لما يستغنى به": يشمل الفاعل نحو: "أ"٧ قائم الزيدان "ونائبه نحو: "أمضروب العمران" ويخرج به نحو: "أ"٨ قائم، من قولك: "أقائم أبوه زيد" فإن مرفوعه غير مستغنى به.
وقد اتضح بذلك أن المبتدأ قسمان: أحدهما ذو خبر، والثاني: مسند إلى مرفوع يغني عن الخبر، وقد أشار "إلى الأول"٩ بقوله: "مبتدأ زيد وعاذر خبر" البيت.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ سورة البقرة ١٨٤. ٣ سورة الأعراف ٨٥. ٤ ج وفي أ، ب "ال". ٥ أ، ج. ٦ قال في شرح الكافية ورقة ١٣: "وبحسبك حديث، هذا إذا كان المتأخر نكرة فلو كان معرفة الأجود أن يكون مبتدأ وبحسبك خبر مقدم؛ لأن حسبا من الأسماء التي لا تعرفها الإضافة بحسبك". ا. هـ. ٧ ب، ج. ٨ ب، ج. ٩ أ، ج.
[ ١ / ٤٧٠ ]
وإلى الثاني بقوله:
وأول مبتدأ والثاني فاعل أغنى في أسار ذان
فزيد في المثال الأول اسم مجرد من العوامل اللفظية مخبر عنه "بعاذر" و"أسار" في المثال الثاني اسم مجرد من العوامل اللفظية وهو وصف رافع "لما"١ يستغنى به.
فقد فهم من المثالين حد المبتدأ.
ثم قال: "وقس" أي: قس على هذين المثالين وهما "زيد عاذر وأسار ذان" أو قس على الثاني في كونه بعد استفهام.
ثم قال: وكاستفهام النفي.
يعني: أن النفي مسوغ لاستعمال الوصف المذكور كالاستفهام نحو: "ما قائم الزيدان" وأطلق الاستفهام ليتناول جميع أدواته كهل "ومن وما"٢ "فهو أولى من قول ابن الحاجب أو ألف الاستفهام"٣، ٤.
وأطلق "في"٥ النفي ليتناول كل ناف يصلح لمباشرة الاسم حرفا وهو "ما ولا وإن" واسما وهو "غير قائم الزيدان" فغير مبتدأ مضاف إلى الوصف، والزيدان فاعل يغني عن خبره. "وعلى ذلك قول الشاعر:
غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن٦
_________________
(١) ١ أوفي ب، ج "ما". ٢ أ، ج وفي ب "متى ومن". ٣ أ، ج. ٤ راجع ١/ ٨٥. الكافية. ٥ ب. ٦ البيت: لأبي نواس الحسن بن هانئ ولد سنة خمس وأربعين ومائة وتوفي سنة خمس أو ست أو ثمان وتسعين ومائة ببغداد. وهو ممن لا يحتج بقوله وإنما ذكره للتمثيل. الشرح: "مأسوف" اسم مفعول من الأسف وهو الحزن، وبابه طرب. المعنى: أنه لا ينبغي لعاقل أن يأسف على زمن ليس فيه إلا هموم تتلوها هموم وأحزان تأتي من ورائها أحزان. =
[ ١ / ٤٧١ ]
وفعلا نحو "ليس قائم الزيدان" إلا أن الوصف بعد ليس يرتفع على أنه اسمها والفاعل يغني عن خبرها، وكذلك "ما" الحجازية.
وقوله:
وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد
إشار إلى جواز الابتداء بالوصف المذكور مجردا من النفي والاستفهام وهو قليل.
ونقل المصنف عن سيبويه جوازه على قبح١ وعن الأخفش أنه يرى ذلك حسنا. ونقل غيره أن مذهب البصريين غير الأخفش المنع.
_________________
(١) = الإعراب: "غير" مبتدأ، "مأسوف" مضاف إليه، "على زمن" جار ومجرور متعلق بمأسوف على أنه نائب فاعل سد مسد خبر المبتدأ، "ينقضي" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على زمن والجملة في محل جر صفة لزمن، "بالهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في ينقضي، "والحزن" معطوف على الهم. الشاهد فيه: في قوله "غير ماسوف على زمن" حيث أجرى قوله: "على زمن" النائب عن الفاعل مجرى الزيدان في قولك: "ما مضروب الزيدان" في أن كل واحد منهما سد مسد الخبر؛ لأن المتضايفين بمنزلة الاسم الواحد، فحيث كان نائب الفاعل يسد مع أحدهما مسد الخبر، فإنه يسد مع الآخر أيضا، وكأنه قال: "مأسوف على زمن" فالوصف مخفوض لفظا بإضافة المبتدأ إليه وهو في قوة المرفوع بالابتداء وهذا أحد توجيهات ثلاثة لذلك ونحوه، وإليه ذهب ابن الشجري في أماليه، والتوجيه الثاني لابن جني وابن الحاجب. وحاصله: أن قوله "غير" خبر مقدم وأصل الكلام "زمن ينقضي بالهم غير مأسوف عليه" وهو توجيه ليس بشيء، والتوجيه الثالث لابن الخشاب. وحاصله أن قوله: "غير" خبر لمبتدأ محذوف تقديره "أنا غير إلخ" وقوله مأسوف، ليس اسم مفعول بل هو مصدر مثل "الميسور" و"المعسور" وأراد به اسم الفاعل كأنه قال: "أنا" غير آسف إلخ" وانظر ما فيه من التكلف والمشقة، ومثل هذا البيت قول المتنبي يمدح بدر بن عمار: ليس بالمنكر أن برزت سبقا غير مدفوع عن السبق العراب قال ابن عقيل ١/ ١٠٩: "وقد سأل الفتح بن جني ولده عن إعراب هذا البيت فارتبك في إعرابه". مواضعه: ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٣٨، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٩٤، والأشموني ١/ ٨٩، وابن عقيل ١/ ١٠٩. ١ قال سيبويه: "وزعم الخليل أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد، وذاك إذا لم تجعل قائما مقدما مبنيا على المبتدأ. ا. هـ. ١/ ٢٨١ يريد أن قولك قائم زيد قبيح إن أردت أن تجعل قائم المبتدأ وزيد خبره أو فاعله وليس بقبيح أن تجعل "قائم" خبرا مقدما. ا. هـ. سيرافي. وأميل إلى هذا المذهب "والمسوغ للابتداء حينئذ عمله في المرفوع". ا. هـ. خضري ١/ ٩٠.
[ ١ / ٤٧٢ ]
واعلم أن الوصف المذكور إنما يتعين جعله مبتدأ، وما بعده فاعلا سد مسد الخبر إذا كان مفردا وما بعده مثنى أو مجموعا.
أما إذا طابق ما بعده فله ثلاثة أحوال أشار إليها بقوله:
والثان مبتدا وذا الوصف خبر إن في سوى الإفراد طبقا استقر
فأحد الأحوال: أن يتطابقا في التثنية نحو "أقائمان الزيدان".
والثاني: أن يتطابقا في الجمع نحو "أقائمون الزيدون".
وإعراب هاتين الصورتين واحد، وهو أن الوصف خبر وقدم والثاني مبتدأ مؤخر ولا يجوز أن يكون الوصف فيهما مبتدأ وما بعده فاعلا لتحمله الضمير إلا على لغة "أكلوني البراغيث"١.
والثالث: أن يتطابقا في الإفراد نحو: "أقائم زيد" فيجوز فيه الوجهان.
فإن جعل الوصف مبتدأ وما بعده فاعل لم يكن فيه ضمير.
وإن جعل خبرا مقدما وما بعده مبتدأ كان فيه ضمير.
ثم أشار إلى رافع المبتدأ بقوله:
ورفعوا مبتدأ بالابتدا كذاك رفع خبر بالمبتدا
ما ذكر هو "أحد المذاهب السبعة٢ وهو"٣ الصحيح ومذهب سيبويه٤.
_________________
(١) ١ قال ابن عقيل ١/ ١١٣: "ويجوز على لغة أكلوني البراغيث أن يكون الوصف مبتدأ، وما بعد فاعل أغنى عن الخبر". ٢ والمذاهب السبعة هي: أ- الجمهور وسيبويه على أن رافع المبتدأ معنوي وهو الابتداء؛ لأنه بني عليه ورافع الخبر المبتدأ، لأنه مبني عليه فارتفع به كما ارتفع هو بالابتداء. ب- وقيل: العامل في الخبر الابتداء أيضا لأنه طالب لهما فعمل فيهما. ج- وقيل العامل فيه الابتداء والمبتدأ معا. د- العامل الابتداء بواسطة المبتدأ. هـ- وذهب الكوفيون إلى أنهما ترافعا. ووللكوفيين قول آخر: أن المبتدأ مرفوع بالذكر الذي في الخبر. ز- وقيل تجرده من العوامل اللفظية أي كونه معرى عنها. ا. هـ. ملخصا من همع الهوامع للسيوطي ج ١/ ٩٤. ٣ أ، ج. ٤ ومذهب سيبويه هو أعدل المذاهب. قال ابن عقيل ١/ ١١٥: "وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه".
[ ١ / ٤٧٣ ]
والابتداء هو كون الاسم مجردا من العوامل اللفظية مخبرا عنه "أو"١ مسندا هو إلى "ما يغني"٢ عن الخبر.
ثم شرع في تعريف الخبر فقال:
والخبر الجزء المتم الفائدة
والخبر يشمل المبتدأ والخبر، والمتم الفائدة: أخرج المبتدأ.
فإن قلت: هذا ليس بحد صحيح لأنه صادق على الفعل وعلى الفاعل والحرف أيضا.
قلت: ليس مراده بالجزء جزء الكلام مطلقا فيلزمه ما ذكرت، وإنما المراد جزء الجملة الاسمية.
ويدل على ذلك أمران: أحدهما أن الباب موضوع لها، والثاني تمثيله بقوله:
كالله بر والأيادي شاهده
فلم يدخل تحت كلامه الفعل والفاعل، ولا الحرف أيضا؛ لأنه لا يكون أحد جزءي الجملة الاسمية.
فإن قلت: إخراج المبتدأ بقوله: "المتم الفائدة" غير واضح لأن المبتدأ أيضا يتم الفائدة، فإن الفائدة بهما حصلت.
قلت: الخبر هو ثاني الجزءين ولا إشكال في أن ثانيهما هو الذي به تتم الفائدة.
وأيضا، فإن الخبر هو المستفاد من الجملة؛ ولذلك كان أصله أن يكون نكرة، ولهذا قال أبو موسى: المبتدأ معتمد البيان والخبر معتمد الفائدة.
ثم قال:
ومفردا يأتي ويأتي جملة
فقسم الخبر إلى قسمين: مفرد وجملة. خلافا لابن السراج في إثباته ثالثا لا مفردا ولا جملة وهو الظرف والجار والمجرور.
ثم ذكر حكم الجملة فقال:
حاوية معنى الذي سيقت له
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ أ، ج وفي ب "ما يستغنى".
[ ١ / ٤٧٤ ]
الذي سبقت له هو المبتدأ، فكأنه قال: حاوية معنى المبتدأ ولم يقيده بالضمير، "فشمل"١ أربعة أشياء:
الضمير نحو: "زيد أبوه قائم"، وقد يحذف إن أمن اللبس نحو: "السمن منوان بدرهم"٢.
واسم الإشارة نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ٣.
وتكرار لفظ المبتدأ نحو: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾ ٤.
والعموم نحو:
فأما القتال لا قتال لديكم٥
وهذه الروابط المتفق عليها.
فإن قلت: قد ذكر ابن عصفور من الروابط المتفق عليها، عطف جملة فيها ضمير بالفاء خاصة كقوله:
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "فيشمل". ٢ المنا -كعصا، أفصح من المن بالتشديد- رطلان، وتثنيته: منوان وجمعه أمناء. وفي نسخة "ب" على الهامش كتب "السمن مبتدأ ومنوان ثان وهو نكرة وسوغ الابتداء به الوصف بالمجرور المقدر به منوان منه وبدرهم خبره، والجملة خبر عن السمن". ٣ سورة الأعراف: ٢٦. ٤ سورة الحاقة: ١، ٢. ٥ هذا صدر بيت للحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وعجزه: ولكن سيرا في عراض المواكب، وهو من الطويل. الشرح: "عراض" -بكسر العين المهملة- جمع عرض -بضم فسكون- وهو الناحية، "المواكب": جمع موكب، والموكب: القوم الركوب على الإبل المزينة، وكذلك جماعة الفرسان. المعنى: يهجو بني أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، ويقول لهم إنكم جماعة لا تقدمون على القتال ولا تحسنونه، وإنما تسحنون السير مع ركاب الإبل الذين لا يقاتلون. الشاهد فيه: حيث أوقع جملة "لا" مع اسمها وخبرها خبرا عن المبتدأ مع أنه ليس في هذه الجملة ضمير يعود على المبتدأ ولا اسم إشارة يرجع إليه ولا ذكر فيها المبتدأ بلفظه الأول. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٩١، والشاطبي، والسندوبي، وابن هشام ذكره في المغني ١/ ٥٢، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٧، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ١٣٤، والشاهد رقم ٧٦ في خزانة الأدب.
[ ١ / ٤٧٥ ]
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو١
وعبارة الناظم لا تشمله.
قلت: التحقيق أن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي للسببية تنزلتا منزلة الشرط والجزاء "واكتفي بضمير واحد في إحداهما كما يكتفى بضمير واحد في جملتي الشرط والجزاء"٢.
"فإذا"٣ قلت: "زيد جاء عمرو فأكرمه" فالارتباط يقع بالضمير الذي في الثانية.
نص على ذلك ابن أبي الربيع. قال: لأنهما تنزلتا منزلة "زيد "إذا"٤ جاء عمرو أكرمه" فالإخبار إذا إنما هو بمجموعهما، والرابط إنما هو الضمير "والله أعلم"٥.
ثم قال:
وإن تكن إياه معنى اكتفى بها
أي: إذا كانت الجملة هي نفس المبتدأ في المعنى اكتفى "بها"٦ ولم يحتج إلى رابط.
_________________
(١) ١ قائله: ذو الرمة غيلان بن عقبة من قصيدة له من الطويل. وتمامه: وتارات يجم فيغرق الشرح: "إنسان عيني": إنسان العين. هو المثال، وهو النقطة السوداء التي تبدو لامعة في وسط السواد، "يحسر" بالحاء والسين المهملتين أي يكشف، وهو من باب ضرب يضرب "فيبدو": يظهر، "يجم" -بالجيم- من الجموم وهو الكثرة والجمع العظيم، قال تعالى: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ أي: عظيما. الشاهد: في: "وإنسان عيني يحسر الماء فيبدو" كون المبتدأ له خبران جملتان وليس للمبتدأ رابط إلا الضمير الذي في الجملة الأخيرة منهما وهو الضمير المستتر في قوله: فيبدو. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٩٢، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٩٨. ٢ أ، ج. ٣ ب، ج وفي أن "فإن". ٤ ب، ج وفي أ "لما". ٥ أ، ج. ٦ أ، ج وفي ب "كذلك".
[ ١ / ٤٧٦ ]
ثم مثل بقوله:
كنطقي الله حسبي وكفى
فنطقي: مبتدأ، والله حسبي، جملة أخبر بها عنه ولا رابط فيها؛ لأنها هي نفس المبتدأ في المعنى.
ومن ذلك قولهم: "هجيري أبي بكر لا إله إلا الله"١.
وأقول: الذي يظهر -والله أعلم- في هذا ونحوه أنه ليس من الإخبار بالجملة، وإنما هو من الإخبار بالمفرد؛ لأن الجملة في نحو ذلك، إنما قصد لفظها كما قصد حين أخبر "عنها"٢ في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة" ٣ فليتأمل٤.
ثم انتقل إلى حكم المفرد فقال:
والمفرد الجامد فارغ
الخبر المفرد قسمان: جامد ومشتق.
فالجامد فارغ "أي"٥ من الضمير فلا يتحمل ضميرا خلافا للكسائي.
وقوله:
وإن يشتق فهو ذو ضمير مستكن
أي: يتحمل ضميرا يعود على المبتدأ.
فإن قلت: هذا البيت غير محرر، وذلك من خمسة أوجه:
الأول: أن الجامد ليس فارغا من الضمير مطلقا بل إذا لم يؤول بمشتق فإن أول به "تحمل"٦ الضمير.
_________________
(١) ١ هجيري، وفي الصحاح: والهجير مثل الفتيق، الدأب والعادة، وهجيري بكسر الهاء وتشديد الجيم وفتح الراء. ٢ ب، ج. ٣ حديث صحيح عن أبي هريرة -متفق عليه- رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه. ٤ وقد أنصف صاحبي في هذا القول، ويؤيده قول الخضري ج١ ص٩٢: "وكون الخبر في هذا جملة إنما هو في الظاهر، وإلا فهو مفرد؛ لأن المقصود لفظ الجملة كما أخبر عنها في لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة، نعم ذلك ظاهر في ضمير الشأن نحو: قل هو الله أحد، فالجملة خبر عن هو بلا رابط لأنها عينه أي مفسرة له أي: الحال والشأن الله أحد ". ا. هـ. ٥ أ، ج. ٦ ب، ج وفي أ "تحول".
[ ١ / ٤٧٧ ]
والثاني: أن قوله: "فارغ" ليس مبينا لمراده، إذ لا يدرى من ماذا.
الثالث: أن قوله: "وإن يشتق" ظاهره أن فاعل يشتق ضمير المفرد الموصوف بالجمود، وذلك غير مستقيم.
الرابع: "أنه"١ أطلق أيضا في المشتق، ومن المشتق ما لا يتحمل الضمير كأسماء الآلة والزمان "والمكان"٢.
الخامس: أنه أطلق في قوله: "فهو ذو ضمير مستكن" وهو مقيد بألا يرفع ظاهرا، فإن رفع الظاهر لم يتحمل ضميرا نحو "زيد قائم أبوه".
قلت: الجواب عن الأول: أن ما أول بالمشتق ينزل منزلته وأعطى حكمه فذكر حكم المشتق يغني عن ذكره في مقام الاختصار.
وعن الثاني: أن قوله "في المشتق"٣ "فهو ذو ضمير مستكن" علم منه أن المراد فارغ من الضمير، لأنه مقابله.
وعن الثالث: أن الضمير عائد على الموصوف لا يقيد صفته، ولذلك نظائر.
وعن الرابع: أن المراد بالمشتق هنا ما ذكره في شرح التسهيل، قال: والمراد بالمشتق هنا ما دل على متصف مصوغًا عن مصدر مستعمل أو مقدر.
واسم الزمان والمكان والآلة ليس من هذا المشتق، وهذا اصطلاح.
وعن الخامس: أن البيت الآتي يقيده كما سيأتي ثم قال:
وأبرزنه مطلقا حيث تلا ما ليس معناه له محصلا
أمر بإبراز الضمير إذا جرى على غير من هو له مطلقًا، أي: سواء خيف اللبس "أم أمن"٤ مثال ما يخاف فيه اللبس "زيد عمرو ضاربه هو" ومثال ما "لا"٥ لبس فيه "زيد هند ضاربها هو".
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ ب، ج. ٣ أ، وفي ب "يشتق". ٤ أ، ج، وفي ب "أولا". ٥ ب، ج.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وأجاز الكوفيون استتاره إن أمن اللبس كالمثال الأخير، ووافقهم الناظم في غير هذا الكتاب.
ومن منصور جريانه على غير صاحبه: أن يرفع ظاهرا نحو "زيد قائم أبوه" فقائم خبر عن زيد وهو للأب.
فيجب في هذه الصورة "أيضا"١ إبراز الضمير لأنه لا يرفع شيئين ظاهرا، ومضمرا، فالهاء في قوله "أبوه" هو الضمير الذي كان مستكنا، وهذا هو الجواب عن الوجه الخامس.
ثم قال: وأخبروا بظرف أو بحرف جر.
مثال الظرف "زيد عندك" ومثال حرف الجر مع المجرور "زيد في الدار".
واقتصر على ذكر "الحرف"٢ لاستلزامه المجرور، ثم "إن"٣ الظرف والجار والمجرور ليسا "خبرين"٤ في الحقيقة، وإنما الخبر هو العامل فيهما، وأطلق عليهما الخبر لنيابتهما عنه، ولهذا قال:
ناوين معنى كائن أو استقر
فمن قدر كائنا جعلهما من قبيل الخبر بالمفرد، ومن قدر استقر جعلهما من قبيل "الجملة"٥.
والأول: اختيار الناظم، ويرجحه أن أصل الخبر الإفراد.
والثاني: قول "أكثر"٦ البصريين، ويرجحه أن الأصل في العمل، إنما هو للفعل.
وقد نسب كل منهما إلى سيبويه.
فإن قلت: ما فائدة قوله: "معنى كائن أو استقر"؟
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج وفي ب "حرف الجر". ٣ أ، ج. ٤ أ، ج وفي ب "بخبرين". ٥ ب، وفي أ، ج "الجمل". ٦ أ، ب.
[ ١ / ٤٧٩ ]
قلت: "التنبيه على أن لفظ كائن أو استقر"١ لا يتعين بل مستقر وثابت وحاصل "ونحوهما"٢ ككائن وكان وثبت وحصل ونحوها كاستقر. وضابط ذلك الكون المطلق.
ثم قال:
ولا يكون اسم زمان خبرا عن جثة وإن يفد فأخبرا
اسم المكان يخبر به عن الجثة نحو "زيد أمامك" وعن المعنى نحو "العلم أمامك".
واسم الزمان يخبر به عن المعنى "الرحيل غدا" ولا يخبر به عن الجثة، لعدم الإفادة، ما لم تقدر إضافة معنى إليها. فيجوز، لأن الإخبار حينئذ، إنما هو في "الحقيقة"٣ عن المعنى المقدر كقولهم "الهلال الليلة" أي: طلوع الهلال.
"وإلى هذا"٤ أشار بقوله: "وإن يفد فأخبرا".
وذهب بعضهم إلى أن "الهلال الليلة" لا يقدر فيه مضاف محذوف؛ لأن الهلال يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت، فأفاد الإخبار عنه، وإليه ذهب في التسهيل٥، وتقدير المضاف في ذلك مذهب البصريين.
وقوله:
ولا يجوز الابتدا بالنكره ما لم تفد
يعني: أن الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، لأن الإخبار عن النكرة لا يفيد غالبا.
فإن أفاد الإخبار عن النكرة جاز الابتداء بها، ولم يشترط سيبويه في الإخبار عن النكرة إلا حصول الفائدة.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج وفي ب "ونحوهما". ٣ أ، ج. ٤ أ، ج وفي ب "وإليه". ٥ قال في التسهيل ص٤٩: "ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت".
[ ١ / ٤٨٠ ]
وتتبع النحويون مواضع حصول الفائدة، فقالوا: "لا يبتدأ بها"١ إلا بمسوغ، والمسوغات كثيرة، وهي راجعة إلى شيئين: التخصيص والتعميم.
وقد أشار بالمثال إلى ستة منها:
الأول: تقديم الخبر وهو ظرف مختص نحو "عند زيد نمرة"٢ أو "مجرور"٣ نحو "في الدار رجل" أو جملة مشتملة على فائدة نحو "قصدك غلامه رجل" ذكره في شرح التسهيل "ولم نره لغيره"٤.
والثاني: تقدم استفهام نحو "هل فتى فيكم"؟
والثالث: "تقدم نفي"٥ نحو "ما خل لنا".
والرابع: الوصف نحو "رجل من الكرام عندنا".
والخامس: العمل نحو "رغبة في الخبر خير".
والسادس: الإضافة "نحو عمل بر يزين. ويصح الاستغناء بالعمل عن الإضافة"٦، لأن المضاف عامل "للجر على الأصح"٧.
ولما لم يذكر جميع المسوغات قال: وليقس ما لم يقل والضابط حصول الفائدة٨.
ثم قال: والأصل في الأخبار أن تؤخرا.
لأن الخبر وصف في المعنى فحقه أن يتأخر: وجوزوا التقديم إذ لا ضررا مثاله "قولهم"٩ "تميمي أنا" و"مشنوء من يشنؤك"١٠.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "الابتداء بها لا يجوز". ٢ "نمرة -بفتح النون وكسر الميم- كساء مخطط تلبسه الأعراب وجمعه نمار. ٣ أ، وفي ب "جار ومجرور". ٤ ب، ج. ٥ أ، وفي ب، ج "النفي". ٦ ب، ج. ٧ أ، ج. ٨ راجع الأشموني ١/ ٩٦، ٩٧، ٩٨. ٩ أ، ب. ١٠ مشنوء: أي: مبغض، وهو خبر مقدم، ومن مبتدأ مؤخر، والكوفيون يقولون ما بعده نائب فاعل له لجوازه بلا اعتماد عندهم.
[ ١ / ٤٨١ ]
ومنع الكوفيون تقديم الخبر إلا في "نحو"١ "في داره زيد" وهم محجوجون بالسماع٢ وقوله:
فامنعه حين يستوي الجزآن عرفا ونكرا عادمي بين
يعني: أن الخبر يمنع من تقديمه أسباب: وهي خمسة:
الأول: أن يستوي الجزآن يعني المبتدأ والخبر في التعريف مثل "صديقي زيد" و"العالم زيد" "أ"٣ وفي التنكير مثل "أفضل منك أفضل مني"، ولا قرينة، فلو علم المخبر به "منهما"٤ بقرينة جاز "التقديم"٥ كقولك "أبو حنيفة أبو يوسف" فأبو حنيفة خبر مقدم، لأن المراد تشبيه أبي يوسف به.
والثاني: أن يكون الخبر فعلا يوهم تقديم فاعلية المبتدأ نحو "زيد قام"، فإن لم يوهم نحو "الزيدان قاما" أو "زيد قام أبوه" جاز التقديم، فتقول "قام الزيدان" "وقام أبوه زيد"، لأن إسناد الفعل إلى الضمير أو السببي يعلم منه ابتدائية المتأخر.
فإن قلت: تقديم الخبر في نحو "قاما أخواك وقاموا إخوتك" يوهم فاعلية المبتدأ على لغة أكلوني البراغيث.
قلت: قال في شرح التسهيل: لا يمنع ذلك من التقديم، لأن تقديم الخبر أكثر من تلك اللغة، والحمل على الأكثر راجح.
فإن قلت: أطلق في قوله: كذا إذا ما الفعل كان الخبرا، وهو مقيد بأن "يوهم"٦ فاعلية المبتدأ كما سبق.
قلت: كأنه استغنى عن "تقييده بتقييد ما قبله"٧.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ وإنما أجازه الكوفيون لأن الضمير في قولك "في داره زيد" غير معتمد عليه، ألا ترى أن المقصود "في الدار زيد" وحصل هذا الضمير بالعرض. واحتج البصريون بالسماع حكى "تميمي أنا ومشنوء من يشنؤك". ا. هـ. السيوطي في همع الهوامع ج١ ص١٠٣. ٣ أ، ج. ٤ أ، ج. ٥ ب، ج. ٦ أ، ب وفي ج "لا يوهم". ٧ أ، ج وفي ب "يتقيد غيره عن تقييده".
[ ١ / ٤٨٢ ]
والثالث: أن يقصد استعمال "المبتدأ"١ منحصرا في الخبر بإلا نحو "ما زيد إلا كاتب" أو بإنما نحو "إنما زيد كاتب".
وتسامح في جعله الخبر محصورا وإنما محصور فيه.
وقد ندر تقديم الخبر المقرون بإلا "مقدما"٢ في الضرورة كقول الشاعر:
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول٣
أو كان مسندا لذي لام ابتدا أو لازم الصدر كمن لي منجدا
والرابع: أن يكون الخبر مسندا لمبتدأ مقرون بلام الابتداء لاستحقاقها الصدر نحو: "لزيد قائم".
وأما قوله:
خالي لأنت ومن جرير خاله٤
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "ما المبتدأ". ٢ ب. ٣ البيت للكميت بن زيد، شاعر مقدم عالم بلغات العرب خبير بأيامها من شعراء مضر المتعصبين على القحطانية. والبيت من قصيدة طويلة يرثي فيها زيد بن علي وابنه الحسين ويمدح بني هاشم وهو من الطويل. المعنى: ما اقتصر على الأعداء يرتجى إلا بك، ولا المعول أي: الاعتماد في الأمور لا يكون إلا عليك. الشاهد: على جواز تقديم الخبر المحصور بإلا للضرورة، وإنما كان حقه أن يقول وهل النصر يرتجى إلا بك وهل المعول إلي عليك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٤٨، وابن هشام ١/ ١٤٧، وابن عقيل ١/ ١٣٥، وداود، والأشموني ١/٩٩، والسيوطي ص٢٩. ٤ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الكامل. يروى: "ومن تميم خاله". ويروى "ومن عويف خاله". وعجزه: ينل العلاء ويكرم الأخوالا الشرح: "العلاء" -بفتح العين مهملة ممدودا- الشرف والرفعة، وقيل: هو مصدر على في المكان يعلى مثل رضي يرضى، وأما في المرتبة والمنزلة فيقال: علا يعلو علوا. الشاهد: في "خالي لأنت" حيث قدم الخبر وهو قوله "خالي" على المبتدأ، وهو قوله "لأنت" مع أن المبتدأ مقرون بلام الابتداء التي لها صدر الكلام فلا يجوز أن يقال: زيد لقائم، وعن هذا قالوا: إن قوله "لخالي أنت" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد "لخالي أنت" فأخر اللام إلى الخبر ضرورة، والآخر: أن يكون أراد "لأنت خالي" فقدم الخبر على المبتدأ، وإن كانت فيه اللام ضرورة، قال ابن جني وأخبرني أبو عليّ أن أبا الحسن حكى: إن زيدا وجهه لحسن. فهذه أيضا ضرورة. ا. هـ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ١٢٦، والأشموني ١/ ١٠٠، وداود.
[ ١ / ٤٨٣ ]
فخرج على زيادة اللام أو حذف مبتدأ، أي: لهو أنت.
والخامس: أن يكون "الخبر مسندا لمبتدأ"١ لازم الصدر كاسم الاستفهام، واسم الشرط، والمضاف إلى أحدهما، وضمير الشأن، وكم الخبرية.
ومثل الاستفهام بقوله "من لي" وأمثلة البواقي ظاهرة.
وقوله "أو لازم الصدر" بالجر عطفا على ذي لام ابتدا، والتقدير أو "اللازم للصدر"٢.
ثم قال:
ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدم الخبر
يعني: أن الخبر قد يلزم تقديمه لأسباب:
الأول: أن يكون تقديمه مسوغا للابتداء "بالنكرة"٣ نحو "عندي درهم ولي وطر" فمثل بالظرف والجار والمجرور.
وزاد في شرح التسهيل الجملة نحو "قصدك غلامه رجل" كما تقدم.
والثاني: أن يعود على الخبر ضمير من المبتدأ في نحو "في الدار ساكنها" إذ لو تأخر لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
"وتقدير"٤ كلامه "أنه"٥ يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه. يعني: على الخبر ضمير من الشيء الذي يخبر "بالخبر"٦ عنه.
يعني: من المبتدأ، ودعاه إلى هذه العبارة المشتملة على هذا التعقيد ضيق النظم.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ أ، ب. ٤ أ، ب وفي ج "ظاهر". ٥ ب، ج وفي أ "أن". ٦ أ، ج.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فإن قلت: الضمير في قولك "في الدار ساكنها" أليس عائدا على الخبر؟ لأن الخبر ليس هو المجرور وحده فكان ينبغي أن يقول: كذا إذا اتصل بالمبتدأ ضمير يعود على ما التبس بالخبر أو على شيء في الخبر أو نحو ذلك.
قلت: ما التبس بالخبر "تنزل"١ منزلة جزئه فلذلك اكتفى بذكر الخبر.
والثالث: أن يكون مستوجبا للصدر نحو "أين من علمته"؟ و"كيف زيد؟ "، فإن الاستفهام له صدر الكلام.
والرابع: أن يكون المبتدأ "محصورا"٢ بإلا نحو "ما لنا إلا اتباع أحمد" ﷺ. "أو معناها"٣ وهو "إنما" نحو "إنما قام زيد" وقوله:
وحذف ما يعلم جائز
يعني: أنه جوز حذف كل من المبتدأ والخبر إذا علم. مثال حذف الخبر "زيد" في جواب "من عندكما"؟ والتقدير: زيد عندنا.
فلو كان المجاب به نكرة نحو "درهم" ففي شرح التسهيل أن الخبر يقدر بعده قال: ولا يجوز أن يكون التقدير: "عندي درهم"٤ إلا على ضعف.
ومثال حذف المبتدأ "دنف" في جواب "كيف زيد؟ " أي: هو دنف، "أي: مريض"٥ فحذف المبتدأ للعلم به٦.
فإن قلت: ظاهر قوله:
فزيد استغنى عنه إذ عرف
أن المقدر هو الاسم الظاهر لا ضميره، والذي جرت به عادة النحويين في ذلك أن يقدروا الضمير.
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "منزل". ٢ أ، ب وفي ج "مقرونا". ٣ أ، ج. ٤ أ، ب. ٥ أ. ٦ وقد يحذف الجزآن معا إذا حلا محل المفرد كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذفت هذه الجملة لوقوعها موقع مفرد، وهو "كذلك" لدلالة الجملة التي قبلها، وهي ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ . ا. هـ. أشموني ١/ ١٠٢.
[ ١ / ٤٨٥ ]
قلت: تقديره بالظاهر هو الأصل، وإنما قدره النحاة "بالضمير"١ لئلا يتوهم المغايرة.
وقوله:
وبعد لولا غالبا حذف الخبر حتم
الأول: بعد "لولا" إذا كان كونا مطلقا "وهو"٢ الغالب نحو "لولا زيد لأكرمتك" أي: لولا زيد كائن أو موجود.
فإن كان خاصا ولا دليل عليه وجب إثباته. قال المصنف: كقوله ﵊: "لولا قومك حديثو عهد بجاهلية "لأقمت البيت"" ٣، ٤.
وإن كان خاصا وله دليل جاز إثباته وحذفه نحو "لولا أنصار زيد حموه لم ينج"٥.
ومنه قول المعري:
فلولا الغمد يمسكه لسالا٦
_________________
(١) ١ ب وفي أ، ج "بالمضمر". ٢ ب، ج وفي أ "وهي". ٣ أ، ب. ٤ الخطاب: للسيدة عائشة: "حديثو عهد" قريبو زمن، وممن روى هذه الرواية البخاري في كتاب العلم من صحيحه "قومك" مبتدأ والكاف مضاف إليه "حديثو" خبر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم "وعهد" مضاف إليه، واللام في "لأقمت" واقعة في جواب "لولا" وهو كون مقيد بالحداثة. ٥ الدليل: لفظ أنصار؛ لأن شأن الناصر أن يحمي من ينصره. ٦ البيت لأبي العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي المعري الشاعر اللغوي صاحب التصانيف المتوفى سنة ٤٤٩هـ. وصدره: يذيب الرعب منه كل عضب وهو من قصيدة لامية من الوافر. الإعراب: "يذيب" فعل مضارع، "الرعب" فاعل، "منه" جار ومجرور متعلق به، "كل" مفعول، "عضب" مضاف إليه، "فلولا" حرف امتناع لوجود، "الغمد" مبتدأ، "يمسكه" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والهاء -التي هي ضمير السيف- مفعول والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، "لسالا" اللام واقعة في جواب لولا وسال فعل ماض والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر. =
[ ١ / ٤٨٦ ]
وإلى هذا التفصيل أشار بقوله "غالبا" وهو مذهب الرماني وابن الشجري١ و"الشلوبين"٢ ومذهب الجمهور: أن الخبر بعد "لولا" واجب الحذف مطلقا بناء على أنه لا يكون إلا كونا مطلقا، وإذا أريد الكون الخاص "جعل مبتدأ"٣ قيل: "لولا قيل زيد لأتيتك" فجعل مبتدأ، ولذلك لحنوا المعريَّ في قوله: "فلولا الغمد يمسكه"٤، وحاصل مذهبهم منع الإخبار بالخاص بعد لولا، وتأول ابن أبي الربيع قوله: في الحديث: ""لولا" ٥ قومك حديث عهد بكفر لأقمت البيت". على أن "حديث عهد" مبتدأ وخبر وهي جملة مقدمة من تأخير، والتقدير: لولا قومك "لأ"٦ قمت البيت على قواعد إبراهيم، ثم قال عهدهم بالكفر حديث. قال: على أن هذه الرواية لم أرها من طريق صحيح، والروايات "المشهورات"٧ في
_________________
(١) = الشرح: "يذيب" من أذاب إذابة والإذابة: إسالة الحديد ونحوه من الجوامد "الرعب" الفزع والخوف، "العضب" بفتح العين المهملة وسكون الضاد السيف القاطع، "الغمد" بكسر الغين وسكون الميم غلاف السيف، "لسالا" فعل ماض من السيلان واللام فيه للتأكيد والألف للإطلاق. المعنى: أن سيف هذا الممدوح تهابه الرجال حتى إن السيوف يذوب حديدها، فلولا أن أغمادها تمسكها لسالت لذوبانها من فزعها منه. الشاهد فيه: "فلولا الغمد يمسكه" جواز ذكر الخبر وهو "يمسكه" بعد لولا لأن الإمساك كون مقيد دل عليه دليل وهو المبتدأ، فإن شأن الغمد الإمساك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن هشام ١/ ١٥٦، وابن عقيل ١/ ١٤٤، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ١٠٢، وابن الناظم ص٥٢. ١ ابن الشجري: هو هبة الله بن علي بن عبد الله بن أبي الحسن الشريف أبو السعادات المعروف بابن الشجري، قال ياقوت: نسب إلى بيت الشجري من قبل أمه. وقال بعضهم: لأنه كان في بيته شجرة وليس في البلد غيرها. ومن تصانيفه في النحو: شرح اللمع لابن جني ولد ببغداد في رمضان سنة خمسين وأربعمائة. ومات في سادس رمضان سنة ثنتين وأربعين وخمسمائة. ٢ وهو الصواب "وهو الحق وشواهدها كفلق الصبح". ا. هـ. سندوبي. ٣ ب. ٤ راجع الأشموني والصبان ١/ ١٧٨. ٥ أ، ج وفي ب "لو". ٦ ب، ج وفي أ "إلا". ٧ أ، ج وفي ب "المشهورة".
[ ١ / ٤٨٧ ]
ذلك "لولا حدثان قومك، ولولا حداثة قومك، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية" ونحو ذلك.
والثاني: بعد مبتدأ هو نص في القسم نحو "لعمرك لأفعلنَّ"١ أي لعمرك قسمي، وسد الجواب مسده.
والثالث: "بعد "واو" مع "الناصة على المعية" نحو كل صانع "وما صنع"٢ أي مقرونان خلافا لمن لم يقدر٣ في "نحو"٤ هذا خبرا.
والرابع: قبل حال لا يصلح جعلها خبرا عن المبتدأ المذكور.
وشرط ذلك: أن يكون المبتدأ مصدرا عاملا في مفسر صاحب الحال نحو "ضربي العبدَ مسيئا" فمسيئا حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وذلك الضمير يعود على العبد، وهو معمول للمصدر.
والتقدير عند سيبويه٥ إذا كان مسيئا، فالمصدر إذا عامل في العبد "الذي هو"٦ مفسر صاحبها.
أو يكون المبتدأ مضافا إلى المصدر إضافة بعض لكل أو كل لجميع نحو "أكثر ضربي زيدا قائما" أو "كل ضربي زيدا قائما"و"أقل شربي السويق ملتوتا"٧، "وبعض ضربي زيدا قائما".
_________________
(١) ١ اللام لام الابتداء "وعمرك" مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا تقديره قسمي "لأفعلن" اللام لام القسم، وأفعلن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل أنا. ٢ ب وفي أ، ج "وصنعته". ٣ قال ابن عقيل ج١ ص١٤٥: "وقيل: لا يحتاج إلى تقدير الخبر؛ لأن معنى "كل رجل وضيعته" كل رجل مع ضيعته. وهذا الكلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر، واختاره ابن عصفور في شرح الإيضاح". ا. هـ. ٤ أ، ج. ٥ قال سيبويه ج١ ص١٩٩: "وذلك قولك هذا بسرا أطيب منه رطبا، فإن شئت جعلته حينا قد مضى، وإن شئت جعلته حينا مستقبلا، وإنما قال الناس هذا منصوب على إضمار إذا كان فيما يستقبل وإذ كان فيما مضى". ا. هـ. ٦ أ، ج وفي ب "وهو". ٧ المبتدأ اسم التفضيل وهو مضاف للمصدر، ولا يصح الإخبار عن أقل شربي بملتوت؛ لأن أقل الشرب لا يوصف بكونه ملتوتا، وإنما يوصف بذلك السويق.
[ ١ / ٤٨٨ ]
والغرض أن يكون المضاف مصدرا في المعنى، ولا يختص ذلك بأفعل التفضيل.
وإلى هذا أشار بقوله:
وأتم تبييني الحق منوطا بالحكم
والتقدير: إذا كان منوطا، وإن أردت الماضي قدرت إذ كان، هذا مذهب سيبويه، وكان المقدرة تامة.
فإن قلت: فهلا كانت ناقصة والمنصوب خبر؛ لأن حذف الناقصة أكثر؟
قلت: منع ذلك أمران: التزام تنكيره ووقوع الجملة الاسمية مقرونة بالواو موقعه كقول الشاعر:
خير اقترابي من المولى حليف رضا وشر بعدي عنه وهو غضبان١
وذهب الأخفش إلى أن الخبر المحذوف مصدر مضاف إلى ضمير صاحبها، والتقدير: ضربي زيدا ضربه قائما، واختاره في التسهيل٢، ولم يتعرض هنا لمواضع وجوب حذف المبتدأ.
_________________
(١) ١ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: "حليف رضا" حليف فعيل من الحلف بكسر الحاء وسكون اللام وهو المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وأراد بالمولى: الحليف بالرضا. الإعراب: "خير" مبتدأ "اقترابي" مضاف إليه والياء مضاف إلى اقتراب وإضافة اقتراب إلى الياء إضافة المصدر لفاعله "من المولى" جار ومجرور متعلق بالاقتراب "حليف" حال تسد مسد خبر المبتدأ وصاحب هذا الحال ضمير مستتر يقع فاعلا لفعل محذوف، وهذا الفعل مع فاعله هو الخبر، وتقدير الكلام عند البصريين: خير اقترابي من المولى إذا كان حليف رضا "وشر" الواو عاطفة، شر مبتدأ "بعدي" مركب إضافي مجرور بإضافة المبتدأ إليه "وهو" الواو للحال، هو: مبتدأ "غضبان" خبر المبتدأ وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال سد مسد خبر المبتدأ الذي هو "شر" وتقديره: وشر بعدي عن المولى إذا كان "أي وجد" والحال أنه غضبان. الشاهد: في "وشر بعدي عنه وهو غضبان" حيث وقعت الجملة الاسمية المقرونة بالواو موقع خبر المبتدأ. وهذا الشطر حجة على سيبويه حيث منع من ذلك، وقال الحال التي هي جملة اسمية مقرونة بالواو لا تسد مسد الخبر إلا إذا كانت اسما منصوبا كما في الشطر الأول من البيت وهو "حليف رضا" وخالفه في ذلك الكسائي والفراء واحتجا عليه بقول الشاعر: وشر بعدي عنه وهو غضبان وقوله ﵇: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ١٠٤، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٠٧. ٢ قال في التسهيل ص٤٥: "والخبر الذي سدت مسده مصدر "مضاف" إلى صاحبها".
[ ١ / ٤٨٩ ]
وذكر في غير هذا "الكتاب"١ أربعة مواضع:
الأول: ما أخبر عنه بنعت مقطوع٢.
والثاني: ما أخبر عنه بمخصوص نعم٣.
والثالث: ما أخبر عنه بمصدر بدلا من اللفظ بفعله نحو: "سمع وطاعة"٤.
والرابع: ما أخبر عنه بصريح في القسم كقولهم: "في ذمتي لأفعلنَّ"٥، ٦.
وقد ذكر الأولين في هذا النظم في موضعهما.
وقوله:
وأخبروا باثنين أو بأكثرا عن واحد
يعني "عن غير"٧ متعدد وذلك شامل لصورتين:
إحداهما: متفق على جوازها "وهي"٨ أن يتعدد الخبر لفظا ويتحدد معنى٩ نحو: "الرمان"١٠ حلو حامض، ولا يجوز "فيها"١١ العطف خلافا لأبي عليّ١٢.
والأخرى: مختلف فيها "وهي"١٣ أن يتعدد لفظا ومعنى، نحو: "هم سراة شعرا".
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "الباب". ٢ مقطوع للرفع، في معرض مدح أو ذم أو ترحم. ٣ نعم وبئس المؤخر. ٤ أي: أمري سمع وطاعة. ٥ أي: في ذمتي عهد أو ميثاق. ٦ راجع الأشموني ١/ ١٠٥. ٧ ب، ج. ٨ أ، ج وفي ب "وهو". ٩ وضابطه ألا يصدق الإخبار ببعضه عن المبتدأ. ا. هـ. أشموني ١/ ١٠٦. ١٠ أ، ج. ١١ أ، وفي ب "فيه" وفي ج "فيهما". ١٢ فإنه أجاز العطف نظرا إلى تغاير اللفظ. ا. هـ. صبان ١/ ١٧٢. ١٣ أ، ج وفي ب "وهو".
[ ١ / ٤٩٠ ]
والصحيح جوازها بعطف وبغير عطف، خلافا لمن منعها بغير عطف.
وأما "إذا"١ تعدد الخبر لتعدد ما هو له حقيقة "أ"٢ وحكما فلا بد من العطف نحو: بنوك فقيه وكاتب وشاعر.
ومثال الحكم قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ ﴾ إلخ٣.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ سورة الحديد ٢٠.
[ ١ / ٤٩١ ]
كان وأخواتها:
لما فرغ من أحكام المبتدأ والخبر أخذ يبين "نواسخهما"١ وهي ثلاثة أقسام: قسم يرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها، وما الحجازية "وأخواتها"٢ وأفعال المقاربة.
وقسم ينصب المبتدأ ويرفع الخبر وهو "أن" وأخواتها و"لا" النافية للجنس.
وقسم ينصبهما معا وهو ظننت وأخواتها، وأعلم وأخواتها.
وقد ذكر هذه النواسخ في سبعة أبواب وبدأ بكان وأخواتها فقال:
ترفع كان المبتدا اسما والخبر تنصبه ككان سيدا عمر
لا خلاف في أنها تنصب الخبر، ومذهب البصريين أنها رفعت الاسم خلافا للكوفيين٣.
ثم ذكر أخواتها فقال: "ككان ظل" أي: ظل وما بعدها مثل كان في رفع الاسم ونصب الخبر.
وهذه الأفعال ثلاثة أقسام:
قسم يعمل العمل المذكور بلا شرط وهي"ثمانية"٤ أولها كان "وآخرها"٥ ليس.
وقسم يعمل بشرط تقدم نفي أو شبهه وهي الأربعة التي بعد ليس.
وقسم يعمل بشرط أن يقع صلة "لما" الظرفية وهو "دام".
وفهم هذا من النظم واضح، وشمل قوله: بعد نفي، كل نفي، وشبه النفي هو النهي نحو:
لا تزل ذاكر الموت٦
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي ج "نواسخها". ٢ أ، ج. ٣ قالوا: هو باق على رفعه الأول. ٤ أ، ب وفي ج "سبعة". ٥ ب، ج وفي أ "وأخواتها". ٦ قال العيني: ولم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله. وهو من الخفيف. المعنى: صاحبي اجتهد واستعد للموت ولا تنس ذكره، فإن نسيانه ضلال ظاهر. =
[ ١ / ٤٩٢ ]
والدعاء نحو:
ولا زال منهلا بجرعائك القطر١
فإن قلت: أطلق في قوله: ومثل كان دام مسبوقا بما وينبغي أن يفيد فيقول: المصدرية الظرفية.
قلت: أحال على المثال، فإنه إنما مثل للتقييد.
وقوله:
وغير ماض مثله قد عملا
يعني أن ما تصرف منها كالمضارع والأمر يعمل عمل الماضي.
_________________
(١) = الإعراب: "صاح" منادى حذف منه ياء النداء وهو مرخم ترخيما غير قياسي، "شمر" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، "ولا" ناهية، "تزل" فعل مضارع ناقص مجزوم بحرف النهي واسمه مستتر فيه، "ذاكر" خبره، "الموت" مضاف إليه، "فنسيانه" مبتدأ والهاء مضاف إليه، "ضلال" خبر المبتدأ، "مبين" نعت. الشاهد: في "ولا تزل" فإنه أجرى فيه "زال" مجرى كان لتقدم شبه النفي وهو النهي. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٠٤، وابن هشام ١/ ١٦٥، وابن عقيل ١/ ١٥٢، وداود، والسندوبي، والمكودي ص٣٤، والأشموني ١/ ١١٠، وتمام البيت: صاح شمر ولا تزال ذكر المو ت فنسيانه ضلال مبين ١ البيت لذي الرمة غيلان بن عقبة، وهو من قصيدة رائية من الطويل. وصدره: ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى الشرح: "البلى" من بلي الثوب يبلى -على وزن رضي يرضى- أي خلق ورث، "منهلا" منسكبا منصبا، "جرعائك": الجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئا، "القطر" الماء، وهو اسم جنس جمعي لقطرة. المعنى: حفظك الله يا دار محبوبتي -على ما فيك من قدم- من الفناء والزوال، ووقاك صروف الدهر التي تقضي على آثارك، ولا زال الغيث يجودك حتى يبقى رحابك رطبا مخضلا، لتدوم ذكرى الأحباب. الإعراب: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، "يا" حرف نداء والمنادى محذوف. والتقدير: يا دار مية، "اسلمي" فعل أمر وياء المخاطبة المؤنثة فاعل، "يا دار" حرف نداء ومنادى منصوب، "مي" مضاف إليه، "ولا" دعائية، "زال" فعل ماض ناقص، "منهلا" خبر زال مقدم، "بجرعائك" جار ومجرور متعلق بقوله منهلا والكاف مضاف إليه، "القطر" اسم زال مؤخر. الشاهد: في "ولا زال" حيث أجرى "زال" مجرى "كان" في رفعها الاسم ونصب الخبر لتقدم "لا" الدعائية عليها، والدعاء شبه النفي. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٤٥، وابن هشام ١/ ١٦٥، وابن عقيل ١/ ١٥٢، والسندوبي، والأشموني ١/ ١١٠.
[ ١ / ٤٩٣ ]
ثم أشار إلى أن منها ما لا يتصرف بقوله:
إن كان غير الماضي منه استعملا
وكلها تتصرف إلا ليس باتفاق١ ودام على الصحيح٢.
وقوله:
وفي جميعها توسط الخبر أجز
يعني: أن خبر هذه الأفعال أصله التأخير ويجوز توسطه بينها وبين الاسم في جميعها حتى في "ليس" و"ما دام" كقوله:
فليس سواء عالم وجهول٣
وقول الآخر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم٤
_________________
(١) ١ لأنها كالحرف لا يفهم معناها إلا بذكر متعلقها فشابهته كذلك في عدم التصرف. ا. هـ. أوضح المسالك وشرحه ١/ ١٢٨. ٢ تتصرف عند الأقدمين وقليل من المتأخرين قالوا: "إن لها مضارعا وهو يدوم فهي متصرفة عندهم تصرفا ناقصا". ولا تتصرف عند الفراء وكثير من المتأخرين؛ لأنها صلة الظرفية المصدرية وصلتها تلزم المضي، أما يدوم ودم ودائم. فمن تصرفات دام التامة". ا. هـ. أوضح المسالك وشرحه الشيخ النجار ١/ ١٢٨. ٣ جزء من بيت قاله السموأل بن عاديا الغساني اليهودي من الطويل. وصدره: سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم الشرح: "سلي " كان السموأل هذا قد خطب امرأة وخطبها غيره أيضا وكانت قد أنكرت عليه فخاطبها بأبيات تضمنت هذا البيت. فقال لها: أيتها المرأة إن جهلت حالنا فسلي الناس عنا وعن هؤلاء الذين خطبوك حتى تعلمي حالنا وحالهم، فليس العالم بالشيء والجاهل به سواء. الإعراب: "سلي" فعل أمر وياء المخاطبة فاعله، "إن" شرطية، "جهلت" فعل ماض فعل الشرط وتاء المخاطبة فاعله وجواب الشرط محذوف، "عنا" جار ومجرور متعلق بقوله سلي، "وعنهم" جار ومجرور معطوف على ما قبله، "فليس" فعل ماض ناقص، "سواء" خبر ليس مقدم، "عالم" اسم ليس مؤخر، "وجهول" معطوف على عالم. الشاهد: في "فليس سواء عالم وجهول" حيث قدم خبر ليس وهو "سواء" على اسمها وهو "عالم" وذلك جائز في الشعر وغيره خلافا لصاحب الإرشاد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٥، وابن عقيل ١/ ٦٥١، والأشموني ١/ ١١٢، والسيوطي ص١٣. ٤ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من البسيط. =
[ ١ / ٤٩٤ ]
وحكى المصنف الإجماع على جواز توسط خبر "ليس" تبعا للفارسي وفيه خلاف "ضعيف"١، والقاطع بالجواز قراءة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا﴾ ٢، ٣.
ومنع ابن معط٤ توسط خبر "ما دام" ونسب إلى الوهم إذ لم يقل به غيره٥.
وقوله:
وكل سبقه دام حظر
أي: كل النحاة أو العرب منع تقديم الخبر على "دام" وحظر بمعنى منع، ولذلك صورتان:
إحداهما: أن يتقدم على "ما" ولا خلاف في منعها.
_________________
(١) = الشرح: "لا طيب" الطيب بكسر الطاء وسكون الياء اسم لما تستطيبه النفس، "منغصة" اسم مفعول من التنغيص، وهو التكدير: ويقال: نغص فلان عيش فلان إذا كدره، "لذاته" جمع لذة وهو ما يتلذذ به الإنسان، "ادكار" بتشديد الدال مكسورة وأصله اذتكار فقلبت التاء دالا ثم قلبت الذال المعجمة دالا ثم أدغمت الدال في الدال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ . المعنى: لا يرتاح الإنسان إلى الحياة ولا يستطيب فيها العيش ما دام يتذكر أيام الهرم التي تجيئه بأسقامها وأوجاعها ولا ينسى أنه مقبل على الموت لا محالة. الإعراب: "لا طيب" لا نافية للجنس واسمها، "للعيش" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، "ما" مصدرية ظرفية، "دامت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث، "منغصة" خبر دام مقدم، "لذاته" اسم دام مؤخر والهاء مضاف إليه، "بادكار" جار ومجرور متعلق بقوله منغصة، "الموت" مضاف إليه، "والهرم" معطوف عليه. الشاهد: في "ما دامت منغصة لذاته" حيث قدم خبر ما دامت على اسمه وهو جائز وواقع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٥، وابن هشام ١/ ١٧١، والسندوبي، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١١٢، والسيوطي ص١٣١، وابن عقيل ١/ ١٥٦. ١ ومنعه -أي التوسط- بعضهم في ليس تشبيها بما وهو محجوج بالسماع والخلاف في ليس نقله أبو حيان عن حكاية ابن درستويه وهو الذي منع التوسط ولم يظفر به ابن مالك فحكى فيها الإجماع على الجواز تبعا للفارسي وابن الدهان وابن عصفور، والسيوطي في الهمع ١/ ١١٧. ٢ سورة البقرة ١٧٧، بنصب "البر" حمزة وحفص. ٣ أ، ح. ٤ تقدم التعريف به في المقدمة. ٥ والصحيح جوازه. ابن عقيل ١/ ١٥٦.
[ ١ / ٤٩٥ ]
والأخرى: أن يتقدم على"دام" بعد "ما".
وظاهر كلامه أنه مجمع على منعها "أيضا"١، وفيه نظر.
لأن المنع معلل بعلتين: إحداهما، عدم تصرفها "وهذا بعد تسليمه لا ينهض مانعا باتفاق، بدليل اختلافهم في "ليس" مع الإجماع على عدم تصرفها".
والأخرى: أن "ما"٢ موصول حرفي ولا يفصل بينه وبين صلته، وهذا أيضا مختلف فيه، وقد أجاز كثير "من النحويين"٣ الفصل بين الموصول الحرفي وبين صلته إذا كان غير عامل "كما" المصدرية٤.
ثم قال:
كذاك سبق خبر ما النافية
يعني أنه يمنع تقديم خبر المقرون بما النافية على "ما" لأن "ما" لها صدر الكلام، فلا يجوز أن يقال: "فاضلا ما كان زيد" "ولا جاهلا ما زال عمرو".
وقال في شرح الكافية٥: وكلاهما جائز عند الكوفيين؛ لأن "ما" عندهم لا يلزم تصديرها، ووافق ابن كيسان البصريين في "ما كان" ونحوه وخالفهم في "ما زال" ونحوه لأن "نفيها"٦ إيجاب.
فإن قلت: قوله "كذاك" يوهم أنه مجمع عليه لتشبيهه "بالمجمع"٧ عليه قلت: إنما أراد أن هذا مثل ذاك في المنع لا في كونه مجمعا عليه.
أما الخلاف في "ما زال" وأخواتها فشهير.
وأما "ما كان" ونحوها فحكى في البسيط: الاتفاق على منع تقديم خبرها على "ما" وقد تقدم نقل الخلاف.
وفهم من كلام الناظم مسألتان:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ أ، ب. ٤ راجع الأشموني ١/ ١١٣. ٥ راجع شرح الكافية ورقة ١٩. ٦ ب، ج وفي أ "فيها". ٧ ب، ج وفي أ "بالجمع".
[ ١ / ٤٩٦ ]
الأولى: أنه يجوز توسط الخبر بين "ما" والمنفي بها نحو "ما عالما "كان"١ زيد".
ومنعه بعضهم، والصحيح الجواز.
الثانية: أن النافي إن كان غير "ما" جاز التقديم٢.
قال في شرح الكافية: عند الجميع، وحكى الخلاف عن الفراء في التسهيل٣.
فإن قلت: ما فائدة قوله:
فجيء بها متلوة لا تالية
قلت: تقرير الحكم وتوكيده والتنبيه على علة منع التقديم، وهو أن "ما" لها صدر الكلام فتكون متبوعة لا تابعة.
ثم قال:
ومنع سبق خبر ليس اصطفى
يعني أن المختار "منع"٤ تقديم خبر ليس عليها "وفاقا"٥ للكوفيين والمبرد وابن السراج والسيرافي والزجاج والفارسي في الحلبيات٦ والجرجاني٧ وأكثر المتأخرين، وذلك لضعفها بعدم التصرف وشبهها "بما" النافية٨.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "زال". ٢ راجع الأشموني ١/ ١١٤. ٣ راجع شرح الكافية ورقة ١٩ والتسهيل ص٥٤. ٤ أ، ب وفي ج "عدم". ٥ أ، ب وفي ج "وفقا". ٦ الحلبيات: كتاب لأبي علي الفارسي، رتبها مسائل وأبواب تشتمل على مفردات لغوية وتصريفها وموارد استعمالها إفرادا وجمعا، وذكر جملا من أبنية الأفعال الثلاثية والرباعية وما جاء منها معتل اللام والعين، وإعراب بعض آيات القرآن الكريم، وأملاها بحلب. ٧ هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني النحوي، كان من كبار أئمة النحو والبلاغة بجرجان. أخذ النحو عن محمد بن الحسين المعروف بالفضل، وهو ابن أخت الفارسي ولم يأخذ عن غيره؛ لأنه لم يخرج من بلده، وقرأ ونظر في تصانيف النحاة، وله تصانيف كثيرة منها شرح الإيضاح والجمل وإعجاز القرآن، ومات سنة ٤٧٤هـ. ٨ وحجة من أجاز قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ لم علم من أن تقديم المعمول -يوم يأتيهم- يؤذن بجواز تقديم العامل. وأجيب بأن معمول الخبر هنا ظرف، والظروف يتوسع فيها. وأيضا فإن "عسى" لا يتقدم خبرها إجماعا، لعدم تصرفها مع عدم الاختلاف في فعليتها، فليس أولى بذلك لمساواتها لها في عدم التصرف مع الاختلاف في فعليتها. ا. هـ. أشموني ج١ ص١١٤. وأيضا لم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها. ا. هـ. ابن عقيل ج١ ص١٥٩، وإلى المنع أميل للحجة القوية.
[ ١ / ٤٩٧ ]
تنبيه:
ينبغي أن يكون الخلاف في غير "ليس" المستثنى بها، بل ينبغي أن يمنع التقديم "فيها"١ قولا واحدا، واقتضى سكوته عن سائر أفعال الباب، أنه يجوز تقديم خبرها عليها.
ثم إن أفعال هذا الباب قسمان:
أحدهما: يستعمل تاما وناقصا، والآخر لا يستعمل إلا ناقصا.
فأشار إلى ذلك بقوله:
وذو تمام ما برفع يكتفي
أي: التام من هذه الأفعال: هو ما اكتفى بالمرفوع، ولم يفتقر إلى منصوب نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ ٢.
"وما سواه ناقص" وهو الذي لا يكتفي بالمرفوع.
ولهذا سميت هذه الأفعال ناقصة لا لأنها "سلبت"٣ الدلالة على المصدر خلافا لجمهور البصريين لوجود مصدرها عاملا "عملها"٤ في قوله:
وكونك إياه عليك يسير٥
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ سورة البقرة ٢٨٠. ٣ أ، ج وفي ب "صلوبة". ٤ أ، ب وفي ج "في عملها". ٥ قال العيني: لم أقف على اسم قائله وبالبحث لم أعثر على قائله. وصدره: ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وهو من الطويل. الشرح: "بذل" البذل. بالباء الموحدة والذال المعجمة وهو الطاء "ساد" من السيادة وهي الرفعة وعظم الشأن "إياه" الضمير فيه يرجع إلى الفتى. المعنى: إن الرجل يسود في قومه ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إذا أردت أن تكون هذا الرجل. =
[ ١ / ٤٩٨ ]
ثم قال:
والنقص في فتئ ليس زال دائما قفي
يعني: أن هذه "الأفعال"١ الثلاثة، أعني ليس وزال وفتئ تلزم النقص ولا تستعمل تامة.
وأجاز الفارسي في الحلبيات: وقوع "زال" تامة قياسا لا سماعا.
ثم قال:
ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر
هذا مذهب البصريين، والعامل هنا هو "كان وأخواتها" فلا يجوز "كان طعامك زيد آكلا" "لأنه"٢ ليس بظرف ولا مجرور، فإن كان ظرفا أو مجرورا نحو "كان عندك أو في الدار زيد قائما" جاز للتوسع في الظرف والمجرور.
وأجاز الكوفيون "طعامك زيد آكلا" ونحوه، واحتجوا بقول الشاعر:
قنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطية عودا٣
_________________
(١) = الإعراب: "ببذل" جار ومجرور متعلق بساد، "وحلم" عطف عليه، "ساد" فعل ماض، "في قومه" جار ومجرور متعلق بساد، "الفتى" فاعل، "وكونك" مبتدأ وهو مصدر من كان الناقصة يحتاج إلى اسم وخبر، فأما اسمه فالكاف المتصلة به، "إياه" خبره وخبر الكون قوله "يسير"، "عليك" جار ومجرور متعلق بيسير. الشاهد: في "كونك إياه" حيث أجرى مصدر كان الناقصة مجراها في رفع الاسم ونصب الخبر. وفيه دلالة أيضا على أن الأفعال الناقصة لها مصادر كغيرها من الأفعال. وهذا البيت رد على من زعم أن الكون مصدر لكان التامة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٥، وابن هشام ١/ ١٦٧، وابن عقيل ١/ ١٥٥، والأشموني ١/ ١١٢. ١ أ، ب. ٢ أ، ج وفي ب "إذ". ٣ البيت: للفرزدق -همام بن غالب- يهجو به قوم جرير ويرميهم بالفجور والخيانة، وهو من الطويل. الشرح: "قنافذ" جمع قنفذ -بضمتين بينهما سكون- والأنثى قنفذة، وهو حيوان شائك معروف ينام نهارا ويصحو ليلا ليبحث عما يقتات به، ويضرب به المثل في السرى. فيقال: هو أسرى من قنفذ، "هداجون" جمع هداج -بفتح الهاء وتشديد الدال- من الهدجان، وهو مشية الشيخ الضعيف، "عطية" اسم رجل وهو أبو جرير. =
[ ١ / ٤٩٩ ]
فأولَى كان "إياهم" وهو معمول الخبر.
وهذا ونحوه متأول عند البصريين، وقد أشار إلى تأويله بقوله:
ومضمر الشان اسما انو إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع
يعني: "إذا"١ وقع شيء موهم جواز ما منعناه كالبيت المتقدم، فانو في العامل ضمير شأن يحول بينه وبين المعمول، والجملة بعده خبر، فيكون اسم كان في البيت ضمير شأن منوي "وعطية" مبتدأ و"عود" خبره، "وإياهم" معمول عود والجملة خبر كان.
وقد قيل في البيت غير هذا.
ووافق بعض البصريين على جواز إيلاء المعمول هذه الأفعال إن تقدم الخبر على الاسم نحو: "كان طعامك آكلا زيد".
ثم قال:
وقد تزاد كان في حشو كما كان أصح علم من تقدما
_________________
(١) = المعنى: هؤلاء قوم شبيهون بالقنافذ يمشون ليلا وراء البيوت للخيانة والفجور مشية الشيخ الهرم لئلا يشعر بهم أحد، وقد اكتسبوا هذه الصفة الذميمة من عطية أبي جرير لأنه علمهم ذلك وعودهم إياه. الإعراب: "قنافذ" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم، "هداجون" صفة له، "حول" ظرف متعلق بهداجون، "بيوتهم" مضاف إليه، والضمير مضاف إليه، "بما" الباء حرف جر وما يحتمل أن تكون موصولا اسميا، والأوضح أن تكون موصولا حرفيا، "كان" فعل ناقص، "إياهم" مفعول مقدم على عامله وهو عود، "عطية" اسم كان، "عودا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر فيه وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر "كان". الشاهد: في "بما كان إياهم عطية عودا" حيث تقدم معمول خبر كان وهو "إياهم"، وليس بظرف ولا جار ولا مجرور على رأي الكوفيين، وارتضيت رأي البصريين، وخرج البيت على ما يأتي "وخرج على زيادة "كان" أو إضمار الاسم مرادا به الشأن، أو راجعا -الضمير- إلى ما وعليه فعطية مبتدأ، وقيل ضرورة". ا. هـ. أوضح المسالك ١/ ١١٧، والأشموني ١/ ١١٦. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٧، وابن هشام ١/ ١٧٥، وابن عقيل ١/ ١٦٠، والأشموني ١/ ١٧، والمكودي ص٣٥، والسيوطي ص٢٢، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١١٨، والشاهد ٧٣٩ في خزانة الأدب. ١ أ، ج وفي ب "أنه".
[ ١ / ٥٠٠ ]
"ما" مبتدأ "وأصح" خبره "كان" زائدة بين جزءي الجملة.
وفهم من قوله: "تزاد كان" أنها إنما تزاد بلفظ الماضي١ وقد "ندر"٢ زيادتها بلفظ المضارع في قول أم عقيل:
أنت تكون ماجد نبيل٣
وفهم من قوله: "في حشو" أنها لا تزاد في غيره خلافا للفراء في إجازته زيادتها آخرا٤.
وفهم من تخصيص الحكم بها أن غيرها لا يزاد، وقد شذ زيادة "أصبح، وأمسى"٥.
وأجاز بعضهم زيادة "أضحى" وسائر أفعال الباب إذ لم ينقص المعنى. ثم قال:
ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر
_________________
(١) ١ لخفته. ٢ ب، ج وفي أ "ورد". ٣ هذا بيت من مشطور الرجز المسدس، قائلته أم عقيل بن أبي طالب وهي فاطمة بنت أسد، زوج أبي طالب تقوله وهي ترقص ابنها عقيلا. وتمامه: إذا تهب شمأل بليل الشرح: "ماجد": كريم "نبيل" فاضل وشريف "تهب" مضارع هبت الريح هبوبا وهبيبا، إذا هاجت "شمأل" -بفتح الشين وسكون الميم وفتح الهمزة- هي ريح تهب من ناحية القطب "بليل" بفتح الباء وكسر اللام وسكون الياء مبلولة بالماء. المعنى: أنت يا عقيل كريم شريف ذكي الفؤاد دائما، والتقييد بوقت هبوب هذه الرياح جرى على عادة العرب في ذلك، ولأن هذا الوقت تكثر فيه الطراق. الإعراب: "أنت" ضمير منفصل مبتدأ "تكون" زائدة "ماجد" خبر المبتدأ "نبيل" صفة "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان "تهب" فعل مضارع "شمأل" فاعل "بليل" نعت، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة إذا إليها وجواب الشرط محذوف يدل عليه الكلام. الشاهد: زيادة "تكون" بين المبتدأ بلفظ المضارع، وهو قليل والثابت زيادة كان لأنها مبنية لشبه الحرف، بخلاف المضارع، فإنه معرب لشبه الأسماء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٨، وابن هشام ١/ ١٨٠، وابن عقيل ١/ ١٦٥، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١١٨، والسيوطي ص٣٣ وهمعه ١/ ١٢٠. ٤ نحو "زيد قائم كان" قياسا على إلغاء ظن آخرا، ورد بعدم سماعه والزيادة خلاف الأصل. ا. هـ. همع ١/ ١٢٠. ٥ شذ قولهم "ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها" روى ذلك الكوفيون أشموني ١/ ١١٨.
[ ١ / ٥٠١ ]
كثر في "كلامهم"١ حذف "كان" مع اسمها وإبقاء خبرها بعد "إن" الشرطية كقولهم "المرء مجزئ بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر" أي: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير.
وفي هذا المثال ونحوه أربعة أوجه:
الأول: نصب الأول ورفع الثاني، وهو أرجحها؛ لأن فيه إضمار "كان" واسمها بعد "إن" وإضمار مبتدأ بعد فاء الجزاء وكلاهما كثير مطرد.
والثاني:٢ عكسه، وهو أضعفها؛ لأن فيه إضمار "كان" وخبرها بعد "إن" وإضمار ناصب مع المبتدأ بعد الفاء، وكلاهما قليل. "ولذلك"٣ لم يذكره سيبويه٤.
والثالث: رفعهما.
والرابع: نصبهما وهما متوسطان.
ومذهب الشلوبين: أنهما متكافئان، وقال ابن عصفور: إن رفعهما أحسن من٥ نصبهما، والمسألة مشهورة.
وبعد "لو" كقوله:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل٦
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "كلام". ٢ أ، ج. ٣ ج وفي أ، ب "كذلك". ٤ الكتاب ج١ ص١٣٠. ٥ أ، ج. ٦ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: "بغي" ظلم ومجاوزة للحد. والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان، والثاني: مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل. ا. هـ. الأصفهاني، "جنوده ضاق عنها السهل والجبل" يريد أن جنده كثيرون، وأن أعوانه فوق الحصر والعد. المعنى: يحذر من عواقب البغي الذميم، ويشير إلى أن مآل الباغي وخيم وعقباه أليمة، مهما يكن من شأنه ولو أن له جنودا وأعوانا بعدد الرمل والحصى والتراب. الإعراب: "لا" ناهية "يأمن" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، "الدهر" مفعول به، "ذو" فاعل يأمن مرفوع بالواو، "بغي" مضاف إليه =
[ ١ / ٥٠٢ ]
أي: ولو كان الباغي ملكا.
وقل حذفها "مع"١ غير "إن" و"لو" ومنه قول الراجز:
من لد شولا فإلى إتلائها٢
أي: من لد أن كانت شولا٣. ثم قال:
_________________
(١) = "ولو" الواو عاطفة على محذوف لو حرف شرط غير جازم "ملكا" خبر لكان المحذوفة مع اسمها والتقدير: ولو كان الباغي ملكا وجملة كان واسمها وخبرها هي شرط لو والجواب محذوف والتقدير: لو كان الباغي ملكا فلا يأمن الدهر "جنوده" مبتدأ ومضاف إليه "ضاق" فعل ماض "عنها" متعلق بضاق "السهل" فاعل ضاق "والجبل" عطف عليه، وجملة الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: في "ولو ملكا" حيث حذف "كان" مع اسمها وأبقى خبرها بعد لو الشرطية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٨، وابن هشام ١/ ١٨٥، والأشموني ١/ ١١٩، والمكودي ص٣٥، والسيوطي ص٣٣. ١ ب وفي أ، ج "بعد". ٢ هذا كلام تقوله العرب ويجري بينها مجرى المثل، وهو من الرجز المشطر، وأنشده، سيبويه ج١ ص١٣٤، ولم يتعرض أحد من شراحه إلى نسبته لقائله بشيء- وبحثت فلم أعثر على قائله. الشرح: "شولا" قيل هو مصدر شالت الناقة بذنبها: أي رفعته للضراب، وقيل: هو اسم جمع لشائلة -على غير قياس- والشائلة الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها "إتلائها" بكسر الهمزة وسكون التاء مصدر أتلت الناقة: إذا تبعها ولدها. المعنى: علمت كذا وكذا مثلا من حين كانت النياق شوائل إلى أن تبعها أولادها، أو من وقت أن كانت ترفع أذنابها للقاح إلى وقت تبعية أولادها لها. الإعراب: "من ولد" جار ومجرور متعلق بمحذوف "شولا" خبر لكان المحذوفة مع اسمها، والتقدير: من ولد أن كانت الناقة شولا "فإلى" حرف جر "إتلائها" مجرور بإلى وها مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بمحذوف معطوف بالفاء على متعلق الجار والمجرور الأول، والتقدير: حدث ذلك من لد كانت شولا فاستمر إلى إتلائها. الشاهد: في "من لد شولا" حيث حذف "كان" واسمها، وأبقى خبرها وهو "شولا" بعد "لد" وهو قليل لأنه إنما يكثر بعد "إن، لو". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٨، وابن عقيل ١/ ١٦٧، والأصطهناوي، والمكودي ص٣٥، والأشموني ١/ ١١٩، وابن هشام ١/ ١٨٦، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ٢/ ٦٨، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٢٢، والشاهد رقم ٢٥٢ في خزانة الأدب، وكتاب سيبويه. ٣ راجع الأشموني ١/ ١١٩.
[ ١ / ٥٠٣ ]
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب كمثل أما أنت برا فاقترب
يعني: أن "كان"١ حذفت أيضا بعد "أن" المصدرية، "وأبقى"٢ اسمها وخبرها وعوض عنها "ما" فصار حذفها واجبا، إذ لا يجمع بين العوض والمعوض خلافا للمبرد في إجازته "أما أنت منطلقا انطلقت"٣ ويجعل "ما" زائدة.
والأصل في قوله: أما أنت برا فاقترب، لأن كنت برا. فحذف لام التعليل لأن حذفها مع "أن" مطرد، ثم حذف "كان" فانفصل الضمير المتصل بها لحذف عامله ثم عوض "عنها"٤ "ما" فأنت اسمها وبرا خبرها.
ثم قال:
ومن مضارع لكان منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم
مضارع "كان" يكون، فإذا دخل "عليه"٥ الجازم سكنت نونه، ثم حذفت الواو، لالتقاء الساكنين نحو "لم يكن"٦، ثم بعد ذلك يجوز حذف نونه تخفيفا لكثرة الاستعمال مطلقا عند يونس وبشرط أن يكون بعدها متحرك عند سيبويه٧، ويشهد ليونس قول الشاعر:
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم٨
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أن "كانت". ٢ ب، ج وفي أ "بقاء". ٣ وذلك حيث تقع "أن" موقع المفعول لأجله في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بآخر. وأجازه المبرد "أي على زيادة "ما" لا أنها عوض". خضري ١/ ١١٨. ٤ أ، ج وفي ب "منها". ٥ ب، ج. ٦ سورة النساء ١٣٧. ٧ قال سيبويه ج١ ص١٣: "واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل فليس كل حرف يحذف منه شيء ويثبت فيه نحو يك ويكن ولم أبل وأبال ". ٨ قائله: الخنجر بن صخر الأسدي، وهو من الطويل. الشرح: "المرآة -بكسر الميم وسكون الراء المهملة- معروفة، وإنما سميت بذلك لأنها آلة الرؤية، "أبدت": أظهرت، "وسامة" -بفتح الواو وتخفيف السين المهملة- جمالا وبهاء منظر، وهو مصدر وسم الرجل فهو وسيم على مثال ظرف فهو ظريف، "ضيغم" =
[ ١ / ٥٠٤ ]
قال المصنف: وبقوله أقول؛ إذ لا ضرورة في البيت لإمكان أن يقال: فإن لم تكن المرآة أخفت وسامة١، إلا أن الإثبات قبل الساكن أكثر وبه ورد القرآن٢.
فإن قلت: هل حذف النون مخصوص بالناقصة؟
قلت: لا، بل هو كثير في الناقصة.
ومن وروده في التامة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ ٣.
_________________
(١) = بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الغين وهو الأسد، وأصل اشتقاقه من الضغم، وهو العض والياء فيه زائدة للإلحاق بجعفر. المعنى: كان هذا الشاعر قد نظر في المرآة فلم يرقه منظره ولا أعجبه شكله فأراد أن يسلي نفسه بأنه إن لم تكن صفاته الظاهرة على ما يروق ويعجب فإن صفاته الباطنة من الشجاعة والإقدام ونحوهما فوق الإعجاب. الإعراب: "إن" شرطية، "لم" حرف نفي، "تك" فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، "المرآة" اسم تكن، "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل نصب خبر تكن وجملة تكن واسمها وخبرها في محل جزم فعل الشرط، "فقد" الفاء داخلة على جواب الشرط قد حرف تحقيق، "أبدت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "المرآة" فاعل، "جبهة" مفعول به، "ضيغم" مضاف إليه والجملة في محل جزم جواب الشرط. الشاهد: في "لم تك المرآة" حيث حذف النون من مضارع "كان" المجزوم بالسكون مع أنه قد وليها حرف ساكن وهو اللام من "المرآة" لأن الألف ألف الوصل فلا حركة لها حين الوصل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٥٩، وابن هشام ١/ ١٩١، والأشموني ١/ ١٢٠، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٢٢. ١ وقد قرئ شاذا: "لم يك الذين كفروا". ٢ قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ . ٣ سورة النساء ٤٠، وقراءة الرفع على التمام والنصب على النقصان.
[ ١ / ٥٠٥ ]
فصل في "ما ولا ولات وإن المشبهات بليس":
هذه الأحرف من باب "كان" وإن فصلت عنها؛ لأنها "حروف"١ وتلك أفعال.
قال:
إعمال ليس أعملت ما دون إن مع بقا النفي وترتيب زكن
"ما" النافية حرف مهمل عند "بني"٢ تميم، وهو القياس، لعدم اختصاصه٣.
وألحقه أهل الحجاز بليس؛ لأنها لنفي الحال غالبا، فأعملوه عملها، وبه "ورد"٤ القرآن، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٥، ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ٦.
ومن أعملها شرط في إعمالها شروطا:
الأول: فقد "إن" الزائدة، فلو وجدت بطل العمل نحو: "ما إن زيد قائم".
قال في شرح التسهيل: دون خلاف، وحكى غيره عن الكوفيين إجازة النصب.
والثاني: بقاء النفي، فلو انتقص "النفي"٧ بإلا بطل العمل نحو: "ما زيد إلا قائم".
والثالث: الترتيب، وهو "تقديم"٨ الاسم على الخبر، فلو تقدم الخبر "عليه"٩ بطل العمل نحو "ما قائم زيد".
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "أحرف". ٢ أ، ب. ٣ أي: اختصاصه بالأسماء. ٤ أ، ج وفي ب "جاء". ٥ سورة يوسف ٣١. ٦ سورة المجادلة ٢. ٧ ب. ٨ أ، ج وفي ب "تقدم". ٩ أ، ب.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وفي هذين الشرطين خلاف.
قال في شرح التسهيل: وقد تعمل متوسطا خبرها، وموجبا بإلا، وفاقا لسيبويه في الأول، وليونس في الثاني.
والرابع: ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها ما لم يكن ظرفا أو مجرورا، فإن تقدم وليس بظرف ولا مجرور بطل العمل نحو: "ما طعامك زيد آكل"١.
وأجاز ابن كيسان نصب "آكل" ونحوه "مع"٢ تقديم المعمول.
فإن قيل: وينبغي لمن أجاز تقديم الخبر، أن يجيز تقديم "معموله"٣.
"قلت: ليس بلازم"٤؛ "لأنه"٥ يلزم من تقديم المعمول إيلاء العامل معمول غيره، ولا يلزم ذلك "مع"٦ تقديم الخبر.
فإن كان المعمول ظرفا أو مجرورا جاز تقديمه على الاسم مع بقاء العمل نحو: "ما عندك أحد قائما"، "وما بي أنت معنيا".
فإن قلت: من أين يؤخذ "هذا"٧ الشرط الرابع من كلامه؟
قلت: من قوله: وسبق حرف جر البيت، فإن مفهومه أن معمول الخبر إن لم يكن ظرفا أو مجرورا، فإن لا يجوز تقديمه مع بقاء العمل، ثم قال:
ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد منصوب بما الزم حيث حل
_________________
(١) ١ زاد ابن عقيل شرطين:
(٢) ألا تتكرر "ما" فإن تكررت بطل عملها نحو: "ما ما زيد قائم" فالأولى نافية والثانية نفي النفي فبقي إثباتا، ولا يجوز نصب "قائم" وأجازه بعضهم.
(٣) ألا يبدل من خبرها موجب، فإن أبدل بطل عملها نحو: "ما زيد بشيء إلا شيء لا يعبأ به"، فبشيء في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو زيد، ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرا عن "ما" وأجازه قوم. ا. هـ. ١/ ١٧٣. ٢ أ، ب وفي ج "منع". ٣ أ، ج وفي ب "المعمول". ٤ أ، ج. ٥ في أ "لأنه أجاز تقديم الخبر أن يجيز تقديم معموله" وسقط من ب، ج والكلام مستقيم بدون ذكر أجاز التقديم إلخ. ٦ أ، ب وفي ج "من". ٧ ج.
[ ١ / ٥٠٧ ]
إذا عطف على منصوب ما وهو خبرها "ببل أو لكن" وجب رفع المعطوف وجعل خبر مبتدأ محذوف، لأن المعطوف بهما موجب و"ما" لا تعمل في الموجب، فإن عطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء "نصب المعطوف"١.
واعلم أن الناظم تجوز في تسمية ما بعد "بل ولكن" معطوفا، وليس "هو"٢ بمعطوف بل هو خبر مبتدأ "وبل ولكن" حرفا ابتداء.
ثم قال:
وبعد ما وليس جر البا الخبر وبعد لا ونفي كان قد يجر
مثاله بعد "ما" ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٣.
"ولا خلاف في زيادة "الباء" بعد "ما" الحجازية، ومنع الفارسي والزمخشري زيادتها بعد "ما" التميمية، والصحيح الجواز لوجود ذلك في أشعار بني تميم"٤.
وبعد "ليس" "نحو"٥ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٦.
وبعد "لا" قول سواد بن قارب:
فكن لي شفيعا يوم لاذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب٧
_________________
(١) ١ قال ابن عقيل: "جاز الرفع والنصب والمختار النصب نحو، ما زيد قائما ولا قاعدا" ويجوز الرفع فتقول "ولا قاعد" وهو خبر لمبتدأ محذوف". ا. هـ. ١/ ١٧٥. ٢ أ، ج وفي ب "هذا". ٣ سورة فصلت: ٤٦. ٤ أ، ج كقول الفرزدق: لعمرك ما معن بتارك حقه صبان ١/ ٢٠٣. ٥ ج. ٦ سورة الزمر: ٣٦. ٧ قائله سواد بن قارب الأزدي الدوسي، وكان كاهنا في الجاهلية وشاعرا، وفد إلى رسول الله ﷺ ووقع في قلبه حب الإسلام، فقال يخاطب رسول الله ﷺ، وهو من الطويل. الشرح: "فتيلا": بفتح الفاء وكسر التاء وهو الخيط الأبيض الرقيق الذي يكون في شق النواة "سواد بن قارب" أصله عنى ولكنه أقام المظهر مقام المضمر. المعنى: كن لي يا رسول الله شفيعا في الوقت الذي لا ينفعني فيه صاحب شفاعة، أي: نفع مهما كان قليلا، وذلك يوم القيامة. الإعراب: "فكن" فعل أمر ناقص واسمه ضمير مستتر فيه "لي" جار ومجرور متعلق بقوله شفيعا "شفيعا" خبر كان "يوم" منصوب على الظرفية الزمانية بشفيعا "لا" نافية تعمل =
[ ١ / ٥٠٨ ]
"واختلف في زيادتها بعد "لا" النافية للجنس، فأجازه بعضهم مستدلا بقول: "لا خير بخير بعده النار"١ ومنعه آخرون وجعلوا الباء ظرفية"٢.
وبعد نفي "كان" كقوله:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل٣
_________________
(١) = عمل ليس "ذو" اسمها مرفوع بالواو، "شفاعة" مضاف إليه، "بمغن" الباء زائدة مغن خبر لا، وهو اسم فاعل يرفع فاعلا وينصب مفعولا وفاعله ضمير مستتر فيه، "فتيلا" مفعول "عن سواد" جار ومجرور متعلق بمغن، "من" صفة لسواد "قارب" مضاف إليه. الشاهد: في "بمغن" حيث أدخل الباء الزائدة في خبر "لا" العاملة عمل "ليس" كما تدخل في خبر ليس. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٠، وابن عقيل ١/ ١٧٦، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٢٣، والمكودي ص٣٦، وابن هشام ١/ ٢٠٩، وأيضا ذكره في المغني ٢/ ٦٧، ١٤٦، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٢٧. ١ أي: لا خير خير. ٢ أ، ج. ٣ قائله الشنفرى الأزدي -واسمه عمرو بن براق- وهو رجل من الأزد، وكان كثير الإغارة على الأزد، وهو من قصيدة لامية مشهورة طويلة من الطويل. الشرح: "وإن مدت الأيدي" على صيغة المجهول، والأيدي جمع يد، "الزاد" طعام يتخذ للسفر، "بأعجلهم" يعني بعجلهم وليس المراد منه الأعجل الذي هو للتفضيل، وإنما المراد منه العجل -بفتح العين وكسر الجيم- وأما أعجل الثاني فهو للتفضيل، "أجشع" -بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الشين- من الجشع وهو الحرص على الأكل. المعنى: إذا تقدم القوم إلى الطعام أو الغنيمة لم أسبقهم إلى ذلك، لأني لست بحريص على السبق في هذا الميدان. الإعراب: "وإن" شرطية، "مدت" فعل ماض فعل الشرط مبني للمجهول والتاء للتأنيث، "الأيدي" نائب فاعل، "إلى الزاد" جار ومجرور متعلق بقوله مدت، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "أكن" فعل مضارع ناقص جواب الشرط واسمه ضمير مستتر فيه، "بأعجلهم" الباء زائدة، "أعجل" خبر أكن منصوب بفتحة مقدرة والضمير مضاف إليه، "إذ" للتعليل "أشجع" مبتدأ، "القوم" مضاف إليه، "أعجل" خبره. الشاهد: في "لم أكن بأعجلهم" حيث زيدت الباء في "بأعجلهم" الواقع خبرا لأكن المنفية بلم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٠، وابن هشام ١/ ٢١٠، وابن عقيل ١/ ١٧٦، والأشموني ١/ ١٢٣، والأصطهناوي، والمكودي ص٢٦، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وهو كثير بعد "ليس" و"ما" "وقلَّ"١ بعد "لا" و"كان المنفية" ولذلك قلله بقد.
ثم قال:
في النكرات أعملت كليس لا
يعني: أن "لا" تعمل عمل "ليس" فترفع الاسم وتنصب الخبر، بشرط أن يكون "اسمها"٢ نكرة كقوله:
تعز فلا شيء على الأرض باقيا٣
خلافا للمبرد ومن وافقه في منعهم إعمالها "عمل"٤ "ليس"٥ وأما قول النابغة الجعدي:
_________________
(١) ١ أوفي ب، ج "قليل". ٢ أ، ج. ٣ قال العيني: هذا البيت من الطويل، ولم يتعرض لقائله ولم أعثر عليه. وعجزه: ولا وزر مما قضى الله واقيا الشرح: "تعز" أمر من تعزى يتعزى، والعزاء: التصبر والتسلي على المصائب، "وزر" بفتح الواو والزاي، هو الملجأ الواقي والحافظ "واقيا" اسم فاعل من الوقاية وهي الرعاية والحفظ. المعنى: اصبر وتسل على ما أصابك من المصيبة، فإنه لا يبقى شيء على وجه الأرض، وليس للإنسان ملجأ يقيه ويحفظه مما قضاه الله تعالى. الإعراب: "تعز" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه "فلا" الفاء تعليلية ولا نافية تعمل عمل ليس "شيء" اسمها "على الأرض" جار ومجرور متعلق بقوله باقيا ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لشيء "باقيا" خبر لا "ولا" نافية "وزر" اسمها "مما" من حرف جر، وما اسم موصول والجار والمجرور متعلق بقوله واقيا "قضى" فعل ماض "الله" فاعل والجملة لا محل لها صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: مما قضاه الله "واقيا" خبر له. الشاهد: في "فلا شيء ولا وزر" أعمل "لا" في الموضعين عمل "ليس" واسمها وخبرها نكرتان وذكرهما جميعا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦١، ابن هشام ١/ ٢٠٤، ابن عقيل ١/ ١٧٨، الأشموني ١/ ١٢٤، المكودي ص٢٧، السيوطي ص٣٤. ٤ أ، ج وفي ب "إعمال". ٥ وعمل "لا" خاص بلغة الحجاز دون تميم، واقتضى كلامه مساواتها لليس في العمل، وليس كذلك، بل عملها عمل ليس قليل حتى منعه بعضهم، ويزاد على الشرط بقاء النفي والترتيب، أشموني ١/ ١٢٤.
[ ١ / ٥١٠ ]
وحلت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا١
فظاهره أنه أعملها في المعرفة.
وأجاز في شرح التسهيل القياس عليه، وأجازه ابن جني وتأوله المانعون٢.
ثم قال:
وقد تلي لات وإن ذا العملا
يعني أن "لات" "وإن" "قد"٣ يرفعان الاسم وينصبان الخبر.
أما "لات" فأثبت سيبويه٤ والجمهور عملها، ونقل "منعه"٥ عن الأخفش، وهي مركبة عند سيبويه من "لا" النافية "والتاء"٦.
_________________
(١) ١ قائله النابغة الجعدي الصحابي ﵁، وفد على النبي ﷺ فأسلم وأنشده من شعره فدعا له، والبيت من مختار أبي تمام. وهو من قصيدة يائية من الطويل. الشرح: "سواد القلب" "سويداؤه" وهي حبته السوداء "باغيا" طالبا "متراخيا" متهاونا فيه تاركا له. الإعراب: "وحلت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه، "سواد" مفعول به، "القلب" مضاف إليه، "لا" نافية تعمل عمل ليس، "أنا" اسمها، "باغيا" خبرها وفاعله ضمير مستتر فيه، "سواها" مفعوله والضمير مضاف إليه، "ولا" الواو عاطفة ولا نافية، "عن حبها" الجار والمجرور متعلق بقوله متراخيا وضمير المؤنثة مضاف إليه، "متراخيا" معطوف على باغيا. الشاهد: في "لا أنا باغيا" حيث أعمل لا النافية عمل "ليس" مع أن اسمها معرفة وهو "أنا" وهذا شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن عقيل ١/ ١٨٠، والأشموني ١/ ١٢٥. ٢ تأويله بتأويلات منها: أ- أن قوله: "أنا" ليس اسما "للا" وإنما هو نائب فاعل بفعل محذوف وأصل الكلام على هذا: لا أرى باغيا فلما حذف الفعل برز الضمير وباغيا يكون حينئذ منصوبا على الحال من الضمير. ب- أن يكون "أنا" مبتدأ وقوله "باغيا" حال من فاعل فعل محذوف، والتقدير "لا أنا أرى باغيا" وجملة الفعل المحذوف مع فاعله في محل رفع خبر المبتدأ، ويكون قد استغنى بالمعمول وهو الحال "باغيا" عن العامل فيه الذي هو الفعل المحذوف. ٣ أ، ج. ٤ قال سيبويه ج١ ص٢٨: " لا تكون "لات" إلا مع الحين تضمر فيها مرفوعا وتنصب الحين ". ٥ ب، وفي أ "عمله" وفي ج "منع". ٦ عملها: قال السيوطي في الهمع ج١ ص١٢٦: "مذهب سيبويه والجمهور أنها تعمل عمل ليس ولكن في لفظ الحين خاصة والقول الثاني أنها لا تعمل شيئا بل الاسم الذي بعدها إن كان مرفوعا فمبتدأ أو منصوبا فعلى إضمار فعل أي: ولات أرى حين مناص. نقله ابن عصفور عن الأخفش ". ا. هـ. تركيبها: قال السيوطي في الهمع ج١ ص١٢٦، "وذهب الأخفش إلى أنها "لا" زيدت التاء عليها لتأنيث الكلمة كما زيدت على ثم ورب فقيل ثمت وربت ". ا. هـ. وأميل إلى مذهب سيبويه لكثرة ما ورد من الفصيح.
[ ١ / ٥١١ ]
وأما "إن" فأجاز إعمالها إعمال "ليس" الكسائي وأكثر الكوفيين وطائفة من البصريين، ومنعه جمهور البصريين، واختلف عن سيبويه والمبرد، والصحيح الإعمال١، وقد سمع في النثر والنظم، فمن النثر، قولهم: ""إن"٢ ذلك نافعك ولا ضارك، وإن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية"٣.
وقال أعرابي: "إن قائما" يريد إن أنا قائما.
وجعل ابن جني من ذلك قراءة سعيد بن جبير٤: "إنِ الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم"٥، ٦.
والنظم قوله:
إن هو مستوليا على أحد٧
_________________
(١) ١ ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكون نكرتين. ٢ أ، ب. ٣ إن نافية بمعنى ليس، أحد اسمها، خيرا خبرها ومثله إن ذلك نافعك. ٤ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الكوفي التابعي الجليل، من قراء الكوفة وأخذ عن ابن عباس، وقد قتله الحجاج بواسط شهيدا في سنة خمس وتسعين. ٥ سورة الأعراف ١٩٤ -بنصب عباد- ذكره ابن جني في المحتسب. ابن عقيل ١/ ١٨٢. ٦ راجع الأشموني ١/ ١٢٥. ٧ هذا جزء من بيت: قال العيني: أنشده الكسائي ولم يعزه إلى أحد، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من المنسرح. وعجزه: إلا على أضعف المجانين. وقد ذكر البيت كله في نسخة ب ونسخة ج. وروى عجزه بصور مختلفة، منها كما سبق، ومنها: إلا على حزبه الملاعين، إلا على حزبه المناحيس. الشرح: "مستوليا" هو اسم فاعل من استولى، ومعناه كانت له الولاية على الشيء وملك زمام التصرف فيه "المجانين" جمع مجنون، وهو من ذهب عقله، وأصله عند العرب من خبلته الجن "المناحيس" جمع منحوس، وهو من حالفه سوء الطالع. المعنى: ليس هذا الإنسان بذي ولاية على أحد من الناس إلا على أضعف المجانين. =
[ ١ / ٥١٢ ]
وقول الآخر:
إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا١
وبهذا تبين بطلان قول من قال إنه لم يأت منه "إن هو مستوليا" وتخصيصه ذلك بالضرورة.
ونص المصنف على أن "عمل"٢ "لا" أكثر من عمل "إن" والعكس أقرب إلى الصواب٣.
_________________
(١) = الإعراب: "إن" نافية تعمل عمل ليس "هو" اسمها "مستوليا" خبرها "على أحد" جار ومجرور متعلق بقوله مستوليا "إلا" أداة استثناء "على أضعف" جار ومجرور يقع موقع المستثنى من الجار والمجرور السابق "المجانين" مضاف إليه. الشاهد: في "إن هو مستوليا" حيث أعمل "إن" النافية عمل "ليس" فرفع بها الاسم الذي هو الضمير المنفصل، ونصب خبرها الذي هو "مستوليا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦١، ابن عقيل ١/ ١٨١، ابن هشام ١/ ٢٠٨، الأشموني ١/ ١٢٦، المكودي ص٣٧، السيوطي ص٣٤، وأيضا في الهمع ج١ ص١٢٥، والشاهد رقم ٢٩٧ في خزانة الأدب. ١ البيت من الشواهد التي لا يعلم قائلها، والعيني لم يتعرض لقائله، وبحثت فلم أعثر عليه، وهو من الطويل. المعنى: ليس المرء ميتا بانقضاء حياته، ولكنه يموت الموت الحقيقي إذا بغى عليه باغ فلم يجد من ينصره ويدفع عنه بغيه. الإعراب: "إن" نافية، "المرء" اسمها، "ميتا" خبرها، "بانقضاء" جار ومجرور متعلق بقوله ميتا، "حياته" مضاف إليه والضمير مضاف إلى حياة، "ولكن" حرف استدراك، "بأن" الباء جارة وأن مصدرية، "يبغي" فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، "عليه" جار ومجرور نائب عن الفاعل، "فيخذلا" الفاء عاطفة ويخذل فعل مضارع مبني للمجهول معطوف على يبغي ونائب الفاعل ضمير مستتر والألف للإطلاق. الشاهد: في "إن المرء ميتا" حيث أعمل "إن" النافية عمل "ليس" فرفع بها ونصب ويؤخذ من هذا الشاهد والذي قبله أن "إن" النافية مثل "ما" في أنها لا تختص بالنكرات كما تختص بها "لا". ويؤخذ أيضا منه: أن انتقاض النفي بعد الخبر لا يقدح في العمل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ١٨١، والأشموني ١/ ١٢٦، وذكره السيوطي في همع الهوامع ج١ ص١٢٥. ٢ أ، ج وفي ب "إعمال". ٣ لكثرة ما ورد من الأمثلة.
[ ١ / ٥١٣ ]
ثم قال:
وما للات في سوى حين عمل
يعني أن "لات" تختص بأسماء الأحيان فلا تعمل في غيرها.
ثم أشار إلى أن حذف اسمها وإبقاء خبرها كثير، وأن عكسه قليل بقوله:
وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل
فمن حذف مرفوعها قوله تعال: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ١.
ومن حذف منصوبها قراءة من قرأ: "ولا حين مناص" "بالرفع"٢ ولم يثبتوا بعدها الاسم والخبر جميعا.
_________________
(١) ١ سورة ص٢. ٢ أ، ج.
[ ١ / ٥١٤ ]
أفعال المقاربة:
سميت أفعال المقاربة، وإن كان منها ما ليس للمقاربة تغليبا.
وهي ثلاثة أقسام:
قسم لرجاء الفعل وهي "عسى وحرى واخلولق" فهذه الثلاثة للإعلام بالمقاربة على سبيل الرجاء.
وقسم لمقاربة الفعل وهو "كاد وكرب وأوشك".
وقسم للشروع فيه وهو "أنشأ وطفق وأخذ وجعل وعلق".
وهذه الأفعال من باب "كان" لأنها ترفع الاسم وتنصب الخبر، إلا أن خبرها لا يكون في الغالب إلا فعلا مضارعا.
وقد أشار إلى ذلك بقوله: ككان كاد وعسى.
يعني أنهما مثل "كان" في رفع الاسم ونصب الخبر.
ثم قال:
لكن ندر غير مضارع لهذين خبر
فأشار إلى الفرق بينهما وبين "كان".
ومن وروده غير مضارع قوله:
لا تكثرن إني عيسيت صائما١
_________________
(١) ١ قال العيني: قائله رؤبة بن العجاج، وقال أبو حيان: هذا البيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد. وصدره: "أكثرت" في العذل ملحا دائما من الرجز المسدس. الشرح: "أكثرت" من الإكثار، "العذل" الملامة، "ملحا" اسم فاعل، من ألح يلح أي أكثر إلحاحا. الإعراب: "أكثرت" فعل وفاعل، "في العذل" جار ومجرور متعلق بالفعل، "ملحا" حال من الفاعل، "دائما" صفة للحال، "لا تكثرن" لا ناهية والفعل المضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة في محل جزم، "إني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها، "عسيت" فعل ماض ناقص وتاء المتكلم اسمه، "صائما" خبره والجملة في محل رفع خبر إن. الشاهد: في "عسيت صائما" حيث أجرى عسى مجرى كان فرفع الاسم ونصب الخبر وجاء بخبرها اسما مفردا، والأصل أن يكون خبرها فعلا مضارعا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٢، وابن عقيل ١/ ١٨٥، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٢٨، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ٤.
[ ١ / ٥١٥ ]
وقول الآخر:
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا١
وذلك منبهة على الأصل.
ثم قال:
وكونه بدون أن بعد عسى نزر
يعني أن الأكثر في المضارع الواقع خبر عسى اقترانه "بأن" وكونه بدون "أن" قليل، ومنه:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب٢
_________________
(١) ١ صدر بيت، قائله: تأبط شرا -ثابت بن جابر بن سفيان- سمي بذلك لأنه أخذ سيفا وخرج فقيل لأمه، فقالت: لا أدري تأبط شرا وخرج، وهو من قصيدة رائية من الطويل. وعجزه: وكم مثلها فارقتها وهي تصفر وفي نسخة ب ذكر البيت. الشرح: "أُبْتُ" رجعت، "فهم" اسم قبيلته، وأبوها فهم بن عمرو بن قيس عيلان، "آئبا" راجعا، هو فاعل من آب يئوب "تصفر" تتأسف وتتحزن. المعنى: يقول: إني رجعت إلى قومي بعد أن عز الرجوع إليهم، وكم مثل هذه الخطة فارقتها وهي تتلهف كيف أفلت منها. الإعراب: "فأبت" فعل وفاعل، "إلى فهم" جار ومجرور متعلق بأبت، "وما" نافية، "كدت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "آئبا" خبره والجملة حال، "وكم" خبرية بمعنى كثير مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، "مثلها" تمييز لكم والضمير مضاف إليه، "فارقتها" فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل رفع خبر كم، "وهي" الواو للحال والضمير مبتدأ، "تصفر" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب حال. الشاهد: في "وما كدت آئبا" حيث أعمل "كاد" عمل "كان" فرفع بها الاسم ونصب الخبر، لكنه أتى بخبرها اسما مفردا، والاستعمال جار على أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٢، ابن هشام ١/ ٢١٦، وابن عقيل ١/ ١٨٥، والأشموني ١/ ١٢٨، والأصطهناوي، والسندوبي، والمكودي ص٣٧، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ١٣، والخصائص ١/ ٩٨. ٢ قائله: هدبة بن خشرم العذري، قاله وهو سجين من أجل قتيل قتله. وهو من قصيدة يائية من الوافر. المعنى: أرجو أن يكشف عن قريب ما صرت إليه من البلاء الكرب: الهم، فرج: انكشاف الهم. الإعراب: "عسى" فعل ماض ناقص، "الكرب" اسم عسى، "الذي" اسم موصول صفة للكرب، "أمسيت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "فيه" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر =
[ ١ / ٥١٦ ]
وجمهور البصريين على "أن" حذف أن بعد "عسى" ضرورة، وظاهر كلام سيبويه١ "أنه"٢ لا يختص بالشعر.
ثم قال:
وكاد الأمر فيه عكسا
يعني: أن اقتران المضارع بعدها بـ"أن" قليل.
ومنه:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا٣
_________________
(١) = أمسى، والجملة من أمسى واسمه وخبره لا محل لها صلة الموصول، "يكون" فعل مضارع ناقص واسمه ضمير مستتر فيه، "وراءه" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم والهاء مضاف إليه، "فرج" مبتدأ مؤخر، "قريب" صفة والجملة في محل نصب خبر يكون، والجملة من يكون واسمها وخبرها في محل نصب خبر عسى. الشاهد: في "يكون وراءه " حيث وقع خبر "عسى" فعلا مضارعا مجردا من "أن" المصدرية وذلك قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٢، ابن عقيل ١/ ١٧٨، السندوبي، الأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٢٩، المكودي ص٣٨، وابن هشام ١/ ٢٢٤، وأيضا ذكره في المغني ١/ ١٢٣، والسيوطي ص٣٥، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٣٠، والشاهد رقم ١٥٠ في خزانة الأدب، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ١١٧، وسيبويه ج١ ص٤٧٨، والمقتضب للمبرد ٣/ ٧٠. ١ قال سيبويه ج١ ص٤٧٧: "واعلم أن من العرب من يقول عسى يفعل، يشبهها بكاد يفعل ". ٢ أ، ج وفي ب "أن حذف أن". ٣ قائله: رؤبة بن العجاج الراجز بن الراجز الشرح: البلى -بكسر الباء- من بلي يبلى إذ خلق، "أن يمصحا" أي: ينمحي. يقال مصحت الدار درست وذهبت، ومصح الظل إذا قصر. فالراجز يصف دار الحبيبة بأنها مصحت من طول البلى. وقبله: رسم عفى من بعد ما قد امحى ورواية ابن يعيش والهمع: ربع عفاه الدهر طولا فامحى. الإعراب: "ربع" مبتدأ "عفى" صفته "من" زائدة على مذهب الأخفش "بعد" ظرف عفا "ما قد امحى" ما مصدرية مجرورة بإضافة بعد إليه، "قد" حرف تحقيق، "كاد" تعمل عمل كان واسمها ضمير مستتر فيه يرجع إلى الربع، "أن يمصحا" خبره والألف للإطلاق، "من طول البلى" جار ومجرور متعلق بكاد تعلق العلة بالمعلول. الشاهد: في "كاد أن يمصحا" حيث استعمل "كاد" مثل "عسى" في كون خبره فعلا مضارعا مقرونا "بأن". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: السيوطي ص٣٥، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٣٠، والشاهد رقم ٧٥٣ من خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٤٧٨، والمكودي في شرحه للألفية ص٢٨، والإنصاف ٢/ ٣٣٠.
[ ١ / ٥١٧ ]
وظاهر كلام المصنف جواز ذلك، وخصه المغاربة بالضرورة.
ثم قال: وكعسى حرى، أي: في المعنى؛ لأنها للرجاء كما سبق.
ولكن جعلا خبرها حتما بأن متصلا
فيقال "حري زيد أن يفعل"، ولا يجوز "حري زيد يفعل"، وقل من ذكر "حري".
ثم قال:
وألزموا اخلولق أن مثل حري
فيقال: "اخلولق زيد أن يفعل"، ولا يجوز "اخلولق زيد يفعل".
ثم قال: وبعد أوشك انتفا "أن" نزرا، فهي مثل "عسى" في ذلك ومن انتفاء "أن" بعدها قوله:
يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها١
ثم قال:
ومثل كاد في الأصح كربا
_________________
(١) ١ قائله: أمية بن أبي الصلت الثقفي، شاعر جاهلي، وقال صاعد: هو لرجل خارجي، أي من الخوارج وهو من قصيدة هائية من المنسرح. الشرح: "منيته" المنية: الموت، "غراته" جمع غرة -بكسر الغين- وهي الغفلة، "يوافقها" يصيبها ويقع فيها. المعنى: إن من فر من الموت في الحرب لقريب الوقوع بين براثنه في بعض غفلاته. الإعراب "يوشك" فعل مضارع ناقص، "من" اسم موصول اسمها، "فر" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة لا محل لها صلة، "من منيته" جار ومجرور متعلق بفر والهاء مضاف إليه، "في بعض" جار ومجرور متعلق بقوله يوافقها، "غراته" مضاف إليه، "يوافقها" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه والضمير مفعول به، والجملة في محل نصب "يوشك". الشاهد: "يوافقها" حيث أتى بخبر "يوشك" جملة فعلية مضارع مجرد من "أن" وهذا قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٣، ابن هشام ١/ ٢٢٥، ابن عقيل ١/ ١٩٠، الأشموني ١/ ١٢٩، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ١٢٦، وسيبويه ج١ ص٤٧٩.
[ ١ / ٥١٨ ]
يعني: أن إثبات "أن" بعدها قليل ومنه:
وقد كربت أعناقها أن تقطعا١
ولم يذكر سيبويه٢ في خبر "كرب" إلا التجرد، وإليه أشار بقوله: "في الأصح" والمشهور "في "كرب" فتح الراء وقد حكي كسرها.
ثم قال:
وترك أن مع ذي الشروع وجبا
وذلك لأن الفعل معها حال "وأن" للاستقبال، ثم ذكر أفعال الشروع فقال:
كأنشأ السائق يحدو وطفق كذا جعلت وأخذت وعلق
_________________
(١) ١ هذا عجز بيت من الطويل. وصدره قوله: سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما وذكر البيت كله في نسخة ب. وهو لأبي هشام بن زيد الأسلمي من كلمة يهجو فيها إبراهيم بن إسماعيل بن المغيرة والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك، وكان قد مدحه من قبل فلم ترقه مدحته فلم يعطه وأمر به فضرب بالسياط. الشرح: "ذوو الأحلام" أصحاب العقول، ويروى "ذوو الأرحام" وهم الأقارب من جهة النساء، "سجلا" -بفتح فسكون- الدلو ما دام فيه الماء وجمعه سجال. المعنى: سقى أصحاب العقول هؤلاء القوم سجال الكرم وأجزلوا لهم العطاء، وقد كانوا في شدة الحاجة تكاد أعناقهم أن تتقطع من ذلك. الإعراب: "سقاها" فعل ماض والهاء مفعوله الأول، "ذوو" فاعل، "الأحلام" مضاف إليه، "سجلا" مفعول ثان، "على الظما" جار ومجرور متعلق بسقاها، "وقد" حرف تحقيق والواو للحال، "كربت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث، "أعناقها" اسم كرب والضمير مضاف إليه، "أن" مصدرية، "تقطعا" فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتقطعا منصوب بأن والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر، والجملة في محل نصب خبر كرب، والجملة من كرب واسمها وخبرها في محل نصب حال. الشاهد: في "أن تقطعا" حيث أتى بخبر "كرب" فعلا مضارعا مقترنا "بأن" وهو قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٣، ابن هشام ١/ ٢٢٨، ابن عقيل ١/ ١٩٢، السندوبي، الأشموني ١/ ١٣٠، المكودي ص٣٨، السيوطي ص٣٥، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٣٠. ٢ قال سيبويه ج١ ص٤٧٨: "وأما كاد فإنهم لا يذكرون فيها أن، وكذلك كرب يفعل ومعناهما واحد يقولون كرب يفعل وكاد يفعل ".
[ ١ / ٥١٩ ]
أو يقال: "طفق" بكسر الفاء وفتحها، وطبق بالباء أيضا، فإن قلت: فقد ذكر في التسهيل من أفعال الشروع "هب وقام"١.
قلت: هما غريبان، وأيضا "فإنه"٢ لم يدع الحصر.
قال:
واستعملوا مضارعا لأوشكا وكان لا غير وزادوا موشكا
جميع أفعال المقاربة لا تتصرف "إلا"٣ "كاد وأوشك" فإن لهما مضارعا وهو "يكاد ويوشك" واسم فاعل وهو "موشك وكائد"٤.
ولم يذكر هنا اسم فاعل "كاد" وقال في "الكافية"٥ الكبرى "واحفظ كائدا وموشكا".
ذكر الجوهري٦ مضارع "طفق"٧ قال المصنف: ولم أره لغيره، والظاهر أنه قال رأيا، وقد حكى مضارع "جعل"٨.
_________________
(١) ١ التسهيل ص٥٩. ٢ ج. ٣ ب، ج وفي أ "وإلا". ٤ المضارع من كاد وأوشك. قال تعالى: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ وقول الشاعر: يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها واسم الفاعل منهما قوله: فموشكة أرضنا أن تعودا خلاف الأنيس وحوشا يبابا وقوله: أموت أسى يوم الرجام وإنني يقينا لرهن بالذي أنا كائد قال الأشموني: ١/ ١٣١: "والصواب كابد بالباء الموحدة كما جزم به ابن السكيت". ٥ أ. ٦ هو: الإمام إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب كتاب الصحاح في اللغة، كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما، وكان إماما في اللغة والأدب، وقد طاف الآفاق، ودخل العراق، وقرأ العربية على أبي عليّ الفارسي والسيرافي، وسافر الحجاز وشافه باللغة العرب العاربة، ثم عاد إلى خراسان وأقام بنيسابور، وصنف الصحاح في اللغة وهو الكتاب المتناول إلى اليوم، وكتاب في العروض، ومقدمة في النحو، ومات سنة ٣٩٨هـ. ٧ حكى الأخفش: طفق كضرب شرب، وطفق يطفق كعلم يعلم راجع ٢/ ١٠١ صحاح. ٨ إن البعير ليهرم حتى يجعل إذا شرب الماء مجه. ا. هـ. أشموني ١/ ١٣١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
ثم قال:
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد غنى بأن يفعل عن ثان فقد
يجوز إسناد هذه الثلاثة إلى "أن يفعل" فتستغنى به عن الخبر نحو "عسى أن يقوم" فأن وصلتها في موضع رفع "بعسى"١، وسدت مسد الجزأين.
فإن قلت: إذا أسندت هذه الثلاثة إلى "أن" والفعل، فهل هي تامة أو ناقصة؟.
قلت: فيها خلاف٢، ذهب قوم إلى أنها تامة، والمرفوع فاعلها.
قال في شرح التسهيل: الوجه عندي أن تجعل "عسى" ناقصة أبدا، وإذا أسندت إلى "أن" والفعل وجه بما يوجه به وقوع حسب عليهما في نحو: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٣.
ثم قال:
وجردن عسى أو ارفع مضمرا بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
إذا بنيت هذه الثلاثة على اسم قبلها جاز إسنادها إلى ضميره، وجعل أن يفعل خبرا وجاز إسنادها "إلى أن يفعل"٤ مكتفى به، وتكون مجردة من الضمير٥.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ "فذهب الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الاسم الظاهر مرفوعا بيقوم، في عسى أن يقوم زيد "وأن يقوم" فاعل عسى، وهي تامة لا خبر لها". وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز ذلك وتجويز وجه آخر وهو أن يكون الاسم الظاهر مرفوعا بعسى اسما لها، وأن والمضارع في موضع نصب خبرا لها متقدما على الاسم وفاعل المضارع ضمير يعود على الاسم الظاهر وجاز عوده متأخرا لتقديمه في النية. ا. هـ. أشموني ١/ ١٣٢. ٣ سورة العنكبوت ٢. ٤ ب، ج. ٥ المجردة لغة الحجاز، والمحتملة للضمير لغة تميم وذلك مثل "زيد عسى أن يقوم" فعلى لغة تميم في عسى ضمير يعود على زيد وأن يقوم في موضع نصب بعسى، وعلى لغة الحجاز لا ضمير في عسى، وأن يقوم في موضع رفع بعسى. ا. هـ. ابن عقيل ١/ ١٩٧ بتصرف.
[ ١ / ٥٢١ ]
ويظهر أثر ذلك في التأنيث والتثنية والجمع، فتقول على الأول: "هند عست أن تفعل" "والزيدان عسيا أن يفعلا"، "والزيدون "عسوا"١ أن يفعلوا". وتقول على الثاني: "عسى" بالتجريد في الأحوال كلها.
ثم قال:
والفتح والكسر أجز في السين من نحو عسيت وانتقا الفتح زكن
يجوز كسر سين "عسى" وفتحها، إذا اتصل بها ضمير مرفوع لمتكلم، أو مخاطب أو "غائبات"٢ والفتح أكثر، ولذلك قال: "وانتقا الفتح زكن".
أي: واختيار الفتح علم، وبالكسر قرأ نافع٣.
ثم انتقل إلى القسم الثاني من نواسخ الابتداء فقال:
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "عسيوا". ٢ أ، ب وفي ج "غائب". ٣ قرأ نافع "فهل عسيتم إن توليتم" بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها، من الآية ٢٢ من سورة محمد، لمتكلم نحو "عسيت" ولمخاطب نحو "عسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتن" ولغائبات نحو "عسين".
[ ١ / ٥٢٢ ]
إن وأخواتها:
لإن أن ليت لكل لعل كأن عكس ما لكان من عمل
يعني: أن "كان" ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهذه الأحرف تنصب الاسم وترفع الخبر خلافا للكوفيين في قولهم إن الخبر باق على رفعه، وبعض العرب ينصب بهذه الأحرف الجزأين معا، وحكى ابن السيد١ أن ذلك لغة٢.
وأما معاني هذه الأحرف "فإن وأن" للتوكيد، "ولكن" للاستدراك، وليست مركبة على الأصح، "وليت" للتمني، ويكون في الممكن والمستحيل ولا يكون في الواجب، "لعل" للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، ولا يكون إلا في الممكن، ولا تكون للتعليل٣ ولا للاستفهام٤، ولا للشك عند البصريين خلافا لمن قال بذلك٥، وليست مركبة على الأصح٦.
و"كأن" للتشبيه ولا تكون للتحقيق ولا للتقريب، ولا للظن٧، خلافا لمن قال بذلك، وهي مركبة من "كاف" التشبيه، "وأن" قيل: بلا خلاف، وليس بصحيح٨ بل "قيل"٩ ببساطتها.
_________________
(١) ١ هو: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي نزيل بلنسية، كان عالما باللغات والآداب متبحرا بها، انتصب لإقراء علوم النحو واجتمع إليه الناس للانتفاع بعلمه، وكان له يد في العلوم القديمة، وقد صنف كثيرا من الكتب، ومن تصانيفه شرح أدب الكاتب، وسقط الزند، والحلل في شرح أبيات الجمل، والمسائل المنثورة في النحو، وتوفي ببلنسية سنة ٢١٠هـ. ٢ ومن ذلك: إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا إن حراسنا أسدا ٣ رأي الأخفش والكسائي. ٤ للكوفيين. ٥ أكثر الكوفيين. ٦ الجمهور. ٧ التحقيق: رأي الكوفيين والزجاج. والتقريب: للكوفيين. والظن: إذا كان خبرها اسما مشتقا. رأي الكوفيين والزجاج. ا. هـ. السيوطي في الهمع ١/ ١٢٢. ٨ واختلف في كأن أبسيطة أم مركبة؟ فقال بالأول شرذمة واختاره أبو حيان؛ لأن التركيب خلاف الأصل، وبالثاني الخليل وسيبويه والأخفش وجمهور البصريين والفراء. ا. هـ. الهمع ١/ ١٣٣ وأميل إلى الثاني. ٩ ج.
[ ١ / ٥٢٣ ]
ثم مثل بقوله:
كإن زيدا عالم بأني كفء ولكن ابنه ذو ضغن
وتمثيل البواقي سهل، قال:
وراع ذا الترتيب إلا في الذي كليت فيها أو هنا غير البذي
الإشارة إلى تقديم الاسم وتأخير الخبر.
يعني: أنه لا يجوز تقديم خبرها على اسمها لضعفها إلا إذا كان ظرفا نحو "ليت هنا غير البذي" أو مجرورا نحو "ليت فيها غير البذي".
وإنما جاز تقديم الظرف والمجرور للتوسع فيهما، ولأنهما في الحقيقة ليسا بالخبر بل معمولاه.
قال في العمدة١: ويجب أن يقدر العامل في الظرف بعد الاسم كما يقدر الخبر وهو غير ظرف.
ثم قال:
وهمز إن افتح لسد مصدر مسدها وفي سوى ذاك اكسر
"إن" المكسورة أصل، والمفتوحة فرعها على أصح الأقوال، فلذلك يستدام كسرها ما لم تؤول هي ومعمولها بمصدر فتفتح وجوبا إن لزم التأويل نحو "بلغني أنك فاضل" أي: فضلك، وجوازا إن لم يلزم، وذلك في مواضع ستأتي.
وقد نبه "على مواضع"٢ الكسر فقال:
فاكسر في الابتدا
يعني: في ابتداء الكلام حقيقة نحو: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٣ أو حكما نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٤.
ثم قال:
وفي بدء صله
_________________
(١) ١ كتاب لابن مالك اسمه عمدة الحافظ وعدة اللافظ. ٢ أ، ب. ٣ سورة الفتح ١. ٤ سورة يونس ٦٢.
[ ١ / ٥٢٤ ]
يعني: أول صلة موصول كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ ١ واحترز بالبدء من نحو: "جاء الذي في ظني أنه فاضل".
ثم قال:
وحيث إن ليمين مكمله
يعني: إذا وقعت جواب قسم مطلقا مع "اللام" أو دونها نحو: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢ ونحو: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٣.
فإن قلت: فقد ذكر بعد هذا جواز الفتح والكسر "بعد"٤ اليمين إذا لم توجد "اللام" فيكون إطلاقه هنا مقيدا بما بعد كما قال بعضهم.
قلت: الصحيح وجوب كسرها إذا وقعت جواب القسم مطلقا، فإطلاقه صحيح ولا يعارضه إجازته للوجهين بعد؛ لأن من فتح لم يجعلها جوابا، وسيأتي بيانه٥.
ثم قال:
أو حكيت بالقول
مثاله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ٦: فإن سيقت بعد القول للتعليل فتحت، لأنها غير محكية نحو: "أخصك بالقول أنك ذكي" أي لأنك "ذكي"٧ وعنه احترز بقوله "حكيت".
واحترز أيضا من القول "المضمن"٨ معنى الظن، فإنه يجوز بعد الفتح والكسر. بقوله:
أتقول إنك بالحياة ممتع٩
_________________
(١) ١ سورة القصص ٧٦. ٢ سورة العصر ١-٢. ٣ سورة الدخان ١-٣. ٤ أ، ب وفي ج "مع". ٥ وبالفتح على تأويل أن بمصدر معمول لفعل بإسقاط الخافض أي: على أني. ا. هـ. مرادي. ٦ سورة المائدة ١٢. ٧ ب. ٨ ب، ج وفي أ "المضمر". ٩ قال العيني: قيل: إن قائله هو الفرزدق همام، وهو من الكامل، وعجزه: وقد استبحت دم امرئ مستسلم =
[ ١ / ٥٢٥ ]
فمن فتح جعل القول عاملا و"إن" غير محكية، ومن كسر حكى به، لأن الحكاية بالقول مع استيفاء شروط إجرائه مجرى الظن جائزة.
ثم قال:
أو حلت محل حال
يعني: مع واو، ونحو قوله "كزرته وإني ذو أمل" أو دون "واو" كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ١.
وكسروا من بعد فعل علقا باللام كاعلم إنه لذو تقى
حق أن بعد أفعال القلوب أن تفتح ما لم يعلق الفعل باللام فيجب كسرها نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ٢، وكقوله "اعلم إنه لذو تقى" فلولا اللام لفتحت، فهذه ستة مواضع يجب "فيها"٣ كسرها.
وزاد المصنف في غير هذا الكتاب سابعا، وهو أن تقع خبر اسم عين٤ نحو: "زيد أنه فاضل".
_________________
(١) = الشرح: "تقول" يحتمل أنه مضارع القول بمعنى الظن، أو مضارع القول بمعنى النطق والتكلم "ممتع": اسم مفعول من قولهم: متعه الله بكذا، ويقال متعه -بتضعيف العين- وأمتعه وتمتع به، قال تعالى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، وأصل هذه المادة المتوع بضم الميم، وهو الامتداد والارتفاع. يقال: متع النهار، ومتع النبات، إذا ارتفع. "مستسلم" منقاد خاضع. الإعراب: "أتقول" الهمزة للاستفهام تقول فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه، "إنك" حرف توكيد والكاف اسمه، "بالحياة" جار ومجرور متعلق بممتع، "ممتع" خبر إن. وإن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول إذا اعتبرت تقول بمعنى التكلم فالجملة محكية والملة سدت مسد مفعولي تقول إذا جعلته مأخوذا من القول بمعنى الظن، "وقد" الواو للحال، قد حرف تحقيق، "استبحت" فعل وفاعل، "دم" مفعول به، "امرئ" مضاف إليه، "مستسلم" صفة لامرئ. الشاهد: في "أتقول أنك" حيث روي بكسر همزة "إن" على اعتبار الجملة محكية بتقول، وبفتحها على إجراء "تقول" مجرى تظن. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه الألفية ١/ ١٢٨. ١ سورة الفرقان ٢٠. ٢ سورة المنافقون ١. ٣ ب. ٤ التسهيل ص٦٣.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وزاد غيره ثامنا وهو بعد "حيث"١.
"قال وقد أولع عوام الفقهاء بالفتح بعدها".
قلت٢: "ويتخرج على مذهب الكسائي"٣.
ثم انتقل إلى مواضع الوجهين فقال:
بعد إذا فجاءة أو قسمِ لا لام بعده بوجهين نمي
مثال ذلك بعد "إذا" قول الشاعر:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا إذا أنه عبد القفا واللهازم٤
يروى بالكسر على عدم التأويل، وبالفتح على تأويل أن "ومعموليها"٥ بمصدر مرفوع بالابتداء والخبر محذوف.
_________________
(١) ١ نحو: "اجلس حيث إن زيدا جالس" وأيضا زاد ابن عقيل ج١ ص٢٠٣. "إذا وقعت بعد "ألا" الاستفتاحية نحو قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ . ٢ أ، ج. ٣ قول الكسائي: "يجوز إضافة حيث للمفرد فلا إشكال في الفتح". ا. هـ. خضري ١/ ١٣٢. ٤ هذا عجز بيت من الطويل، وهو من شواهد سيبويه التي لم ينسبوها، وقال سيبويه قبل أن ينشده ج١ ص٢٧٤: "وسمعت رجلا عن العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به". ا. هـ. الشرح: "اللهازم" جمع لهزمة -بكسر اللام والزاي- وهو طرف الحلق، ويقال هي عظم ناتئ تحت الأذن و"عبد القفا واللهازم" كناية عن الخسة والدناءة والذلة وذلك لأن القفا موضع الصفع، واللهزمة موضع اللكز. المعنى: كنت أظن زيدا سيدا كما قيل، فإذا هو يتبين لي من أمره أنه ذليل خسيس. الإعراب: "كنت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "أُرى" بزنة المبني للمجهول ومعناه أظن فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه، "زيدا" مفعوله الأول، "سيدا" مفعول ثان وجملة أرى في محل نصب خبر كان، "إذا" فجائية، "أنه" حرف توكيد ونصب والهاء اسمه، "عبد" خبره،"القفا" مضاف إليه واللهازم معطوف عليه. الشاهد: في "إذا أنه" حيث جاز في همزة "أن" الوجهان. فأما الفتح فعلى تقديرها مع معموليها بالمفرد وإن كان المفرد محتاجا إلى مفرد آخر لتتم بها جملة على الراجح، وأما الكسر فلتقديرها مع معموليها جملة وهي في ابتدائها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٧، وابن عقيل ١/ ٢٠٤، وابن هشام ١/ ٢٤٣، والسندوبي، والمكودي ص٤٠، والأشموني ١/ ١٢٨، وابن يعيش في شرح المفصل ٤/ ٩٧، والشاهد رقم ٨٤٦ في خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٤٧٢، والخصائص ٢/ ٣٩٩. ٥ ب، وفي أ، ج "ومعمولها".
[ ١ / ٥٢٧ ]
قال المصنف: والكسر أولى؛ لأنه لا يحوج إلى تقدير.
قلت: وذهب قوم إلى أنها هي الخبر، وعلى هذا فلا تقدير في الفتح أيضا فيستوي الوجهان.
ومثال ذلك بعد القسم قول الشاعر:
أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبي١
يروى بالكسر على جعل أن جواب القسم "وبالفتح على تأويل أن بمصدر معمول لفعل القسم"٢ بإسقاط الخافض. أي: على أني.
وقد اتضح بهذا: أن من فتح لم يجعلها الجواب، وذلك لأن الفتح متوقف على كون المحل "معنيا"٣ فيه المصدر عن "أن" وصلتها، وجواب القسم ليس كذلك؛ فإنه لا يكون إلا جملة٤.
_________________
(١) ١ هذا بيت من الرجز وقبله: لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي وقد ذكر في ب. هما لرؤبة بن العجاج، وقال ابن بري: هما لأعرابي قدم من سفر فوجد امرأته قد وضعت ولدا فأنكر. الشرح: "القصي" البعيد النائي، "القاذورة" المراد به الذي لا يصاحبه الناس لسوء خلقه، "المقلي" المكروه اسم مفعول مأخوذ من قولهم: قلاه يقليه، إذا أبغضه "ذيالك" تصغير ذلك على غير قياس لأنه مبني. المعنى: والله لتجلسن أيتها المرأة بعيدة عني حيث يجلس المكروه المبغض من الناس إلى أن تقسمي بخالقك المنزه عن كل ما لا يليق: أني أبو هذا الولد الصغير. الإعراب: "أو" عطف على ما قبله، "تحلفي" فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد أو وعلامة نصبه حذف النون وياء المخاطبة فاعل، "بربك" جار ومجرور متعلق بتحلفي والكاف مضاف إليه، "العلي" صفة لرب، "إني" حرف توكيد ونصب والياء اسمه، "أبو" خبره، "ذيالك" اسم إشارة مضاف إلى قوله "أبو" واللام للبعد والكاف حرف خطاب، "الصبي" بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان أو نعت. الشاهد: في قوله: "أني" حيث يجوز في همزة "إن" الكسر والفتح لكونها واقعة بعد فعل قسم لا لام بعده، أما الفتح فعلى تأويل أن مع اسمها وخبرها بمصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: أو تحلفي على كوني أبا لهذا الصبي، وأما الكسر فعلى اعتبار إن واسمها وخبرها جملة لا محل لها من الإعراب جواب قسم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٧، ابن هشام ١/ ٢٤٤، ابن عقيل ١/ ٢٠٥، الأشموني ١/ ١٣٨، المكودي ص٤٠. ٢ ب، ج. ٣ أ، ب وفي ج "متعينا". ٤ راجع الأشموني ١/ ١٣٩.
[ ١ / ٥٢٨ ]
قال في شرح التسهيل: فإن ورد الفتح في جواب قسم حكم بشذوذه، "وحمل"١ على إرادة "على".
فإن قلت: فهل يجوز الفتح في نحو: "والله إن زيدا قائم"؟
قلت: قد حكى عن الكوفيين تفضيله على الكسر "في"٢ هذا المثال وعن بعضهم تفضيل الكسر عليه.
ومذهب البصريين أن الكسر لازم، وهو الصحيح٣.
قال ابن خروف: لم يسمع فتحها بعد اليمين "ولا"٤ وجه له، وهو كما قال: وشبهة من أجاز الفتح في المثال المذكور ونحوه سماع الفتح في نحو "حلفت أن زيدا قائم".
فكما جاز الفتح مع التصريح بالفعل "كذلك"٥ يجوز مع تقديره؛ لأن الفعل مقدر في المثال المذكور ونحوه.
قيل: وذلك غلط؛ لأن من فتح بعد "حلفت"٦ لم يجعلها قسما بل إخبارا عن قسم، ولا يتصور ذلك في حلفت المضمرة؛ لأن العرب لا تضمر حلفت وتريد بها غير القسم.
ثم كمل مواضع الوجهين فقال: مع تلو فا الجزا.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ٧ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٨ الفاء جواب قوله من عمل، وقد قرئ بالوجهين فالكسر على جعل ما بعد الفاء جملة تامة، والفتح على
_________________
(١) ١ أ، ب وفي ج "وحكم". ٢ ب، ج وفي أ "على". ٣ وأرجح رأي البصريين لقوله: "إن هذا مذهب الكوفيين وهو غلط فالمتعين فيه الكسر". ا. هـ. خضري ١/ ١٢٣. ٤ ب، ج وفي أ "ولو". ٥ ب، ج وفي أ "كقولك". ٦ أ، ب وفي ج "حلف". ٧ أ. ٨ سورة الأنعام ٥٤.
[ ١ / ٥٢٩ ]
تقديرها بمصدر هو خبر مبتدأ محذوف. أي: فجزاؤه "الغفران"١ أو مبتدأ وخبره محذوف. والكسر أحسن في القياس.
قال المصنف: ولذلك لم يجئ الفتح في القرآن إلا مسبوقا "بأن" المفتوحة.
وذا يطرد في نحو خير القول أني أحمد
فالكسر على تقدير: "أول قول أفتتح به هذا المفتتح أني، والفتح على تقدير"٢ أول قولي حمد الله.
فعبارة الفتح تصدق على كل لفظ تضمن حمدا، وعبارة الكسر لا تصدق على حمد بغير هذا اللفظ الذي أوله "إني" وقد قيل: في وجه الكسر غير هذا، وما ذكرته هو التحقيق.
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "إن" خبر قول "ويكون"٣ خبرها قولا فلو كان غير قول تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب".
ثم قال:
وبعد ذات الكسر تصحب الخبر لام ابتداء نحو إني لوزر
دخول هذه "اللام" بعد "إن" المكسورة متفق عليه، وأجاز بعضهم دخولها بعد المفتوحة، وحكى عن المبرد، وهو خلاف شاذ، وما سمع منه محمول على الزيادة٤.
وأجاز الكوفيون: دخولها بعد "لكن" وما احتجوا به متأول٥.
وقوله "لام ابتداء" يعني أن هذه اللام هي لام الابتداء، وإنما أخرت إلى الخبر كراهة الجمع بين حرفين لمعنى واحد خلافا لمن قال: هذه غير تلك.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ أ. ب. ٤ "فمن ذلك قراءة بعض السلف: "ألا أنهم ليأكلون الطعام" بفتح الهمزة وأجازه المبرد". أشموني ١/ ١٤٠. ٥ ومن ذلك "قول الشاعر: يلومونني في حب ليلى عواذلي ولكني من حبها لعميد وخرج عن أن اللام زائدة". ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وقوله: "تصحب الخبر" مقيد بقوله:
ولا يلي ذا اللام ما قد نفيا ولا من الأفعال ما كرضيا
والخبر ضربان: مثبت ومنفي.
فالمنفي لا تدخل عليه اللام إلا نادرا كقوله:
وأعلم إن تسليما وتركا للا متشابهان ولا سواء١
والمثبت إما أن يكون ماضيا متصرفا عاريا من "قد" أو غيره، فإن كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل اللام عليه، فإن وجد مثل: "إن زيدا لقام"، فاللام لام القسم.
"وكذلك"٢ لو تقدم "على"٣ "أن" ما يقتضي فتحها لفتحت مع هذه اللام نحو: "علمت أن زيدا لقام"، وإن كان غير ذلك دخلت اللام "عليه"٤.
فتدخل على الخبر المفرد نحو: "إن زيدا لقائم" والفعل المضارع نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ٥ والجملة الاسمية نحو: "إن زيدا لأبوه فاضل" والماضي غير
_________________
(١) ١ قائله: أبو حزام -غالب بن الحارث العكلي- وهو من الوافر. الشرح: "إن" إذا جريت على ما هو الظاهر فالهمزة مكسورة؛ لأن اللام في خبرها، وإذا جعلت اللام زائدة فتحت الهمزة، والأول أقرب؛ لأن الذي علق "أعلم" عن العمل هو لام الابتداء لا الزائدة "تسليما" أراد به التسليم على الناس أو تسليم الأمور إلى ذويها "تركا" أراد به ترك ما عبر عنه بالتسليم. "متشابهان": متقاربان، "سواء" متساويان. المعنى: أعتقد أن التسليم على الناس وتركه أو تسليم الأمر وتركه لا يتساويان ولا يتقاربان. الإعراب: "أعلم" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "أن" حرف توكيد ونصب، "تسليما" اسمه، "وتركا" معطوف عليه، "للا متشابهان" اللام زائدة متشابهان خبر أن، "ولا" الواو عاطفة لا نافية، "سواء" معطوف على خبر إن. الشاهد: في "للا متشابهان" حيث أدخل اللام في الخبر المنفي بلا، وهو شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٦٩، ابن هشام ١/ ٢٤٧، ابن عقيل ١/ ٢١١، الأشموني ١/ ١٤١، السيوطي ص٣٧. ٢ ج وفي أ، ب "ولذلك". ٣ ب. ٤ أ، ب. ٥ سورة النحل ١٢٤.
[ ١ / ٥٣١ ]
المتصرف نحو: "إن زيدا لنعم الفتى" والمتصرف المقرون بقد نحو "إن زيدا لقد قام".
وإلى هذا أشار بقوله:
وقد يليها مع قد كإن ذا لقد سما على العدا مستحوذا
وإنما جاز دخولها عليه مع "قد"؛ لأن "قد" تقرب الماضي من الحال خلافا لخطاب الماوردي١ في منعه دخولها مع "قد" فإذا وجد "إن زيدا لقد قام" فهي عنده لام القسم٢.
ثم أشار إلى بقية مواضع اللام بقوله:
وتصحب الواسط معمول الخبر والفصل واسما حل قبله الخبر
يعني: أن هذه "اللام" يجوز دخولها على معمول الخبر المتوسط بينه وبين الاسم نحو: "إن زيدا لطعامَك آكلٌ".
وشرطه: أن يكون الخبر صالحا لها، فلو كان ماضيا متصرفا عاريا من "قد" لم تدخل "عليه"٣ نحو: "إن زيدا عمرا ضرب" لأن دخولها على المعمول فرع دخولها على الخبر، خلافا للأخفش، وتدخل أيضا على الضمير المسمى بالفصل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ٤.
وعلى الاسم إذا تأخر عن الخبر نحو: "إن في الدار لزيدا" وإنما يصح ذلك إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا، لأنه لا يتقدم إن كان غيرهما وإنما اشترط في دخولها "على الخبر"٥ مشروطا أيضا بأن يتأخر ولم ينبه عليه.
_________________
(١) ١ هو: خطاب بن يوسف بن هلال القرطبي أبو بكر الماوردي. قال ابن عبد الملك: كان من جلة النحاة ومحققيهم والمتقدمين في المعرفة بعلوم اللسان على الإطلاق، وروى عن أبي عبد الله بن الفخار وغيره، وروى عنه ابناه عبد الله وعمر وغيرهما. تصدر لإقراء العربية طويلا، وصنف فيها واختصر الزاهر لابن الأنباري. وهو صاحب كتاب الترشيح ينقل عنه أبو حيان وابن هشام كثيرا. مات بعد الخمسين والأربعمائة. ٢ حيث ذهب إلى أن لام الابتداء لا تدخل على الماضي المقترن بقد وإذا سمع دخول اللام عليه قدرت لام جواب قسم، فالتقدير: إن زيدا والله لقد قام. ا. هـ. صبان ١/ ٢٢٤. ٣ أ، ج وفي ب "على معموله". ٤ سورة آل عمران ٦٢. ٥ أ، ج.
[ ١ / ٥٣٢ ]
قلت: اشتراط ذلك في الاسم منبه على اشتراطه في الخبر، إذ العلة واحدة. ثم قال:
ووصل ما بذي الحروف مبطل إعمالها وقد يُبَقَّى العمل١
إذا اتصلت "ما" الزائدة بهذه الأحرف ففيه وجهان:
أحدهما: أن تكون كافة فتبطل عملها نحو: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢.
والثاني: أن تجعل ملغاة فيبقى العمل لعدم الاعتداد بها، وهذا مسموع في "ليت"٣ وقد حكي في "إنما" وأجازه ابن السراج "والزجاج"٤ قياسا في سائرها ووافقهم المصنف، ولذلك أطلق في قوله: "وقد يبقى العمل".
ومذهب سيبويه٥ جواز الوجهين في "ليت" خاصة٦، ومنع الثاني في سائر أخواتها؛ لأن "ما" قد أزالت اختصاصها بالأسماء بخلاف ليت فإنها باقية على اختصاصها، ولذلك ذهب بعض النحويين إلى وجوب الإعمال في "ليتما" وبهذا يبطل قوله في شرح التسهيل: يجوز إعمالها وإهمالها بإجماع. ثم قال:
وجائز رفعك معطوفا على منصوب إن بعد أن تستكملا
بمعنى أنه يجوز رفع المعطوف على اسم "إن" المكسورة بشرط أن تستكمل خبرها ويكون المعطوف بعد الخبر نحو: "إن زيدا ذاهب وعمرو" والنصب هو الوجه الظاهر.
ولذلك قال: "وجائز رفعك".
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ سورة النساء ١٧١. ٣ لبقاء اختصاصها. ٤ أ، ب. ٥ قال سيبويه ج١ ص٢٨٢: "وأما "ليتما زيدا منطلق" فإن الإلغاء فيه حسن، وقد كان رؤبة بن العجاج ينشد هذا البيت رفعا وهو قول النابغة الذبياني: قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد فرفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: مثلا ما بعوضة، أو يكون بمنزلة قوله إنما زيد منطلق". ا. هـ. ٦ فإنها باقية على اختصاصها بالأسماء. ا. هـ. أشموني ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٥٣٣ ]
ففهم أن النصب هو الأصل، فإن عطفت قبل الخبر تعين النصب خلافا للكسائي في إجازته الرفع قبل الخبر مطلقا، والفراء في إجازة ذلك بشرط خفاء إعراب الاسم١.
ثم قال:
وألحقت بإن لكن وأن من دون ليت ولعل وكأن
أي: ألحقت "لكن وأنَّ المفتوحة" بإن المكسورة، في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد الخبر نحو: "لكنَّ زيدا قائم وعمر"، و"علمت أنَّ زيدا قائم وعمرو".
أما إلحاق "لكنَّ" بها فمتفق عليه، وأما إلحاق "أنَّ" المفتوحة، فمنعه بعض وأجازه بعض. قال في التسهيل: وأن في ذلك كإن على الأصح. ا. هـ٢. فأطلق كما أطلق هنا، وقيد ذلك في شرحه بأن يتقدمها على كقوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق٣
_________________
(١) ١ بأن يكون مبنيا أو مقصورا أو مضافا للياء، ومثل ذلك لو خفي إعراب المعطوف نحو: "إن محمدا ويحيى مسافران" وعلته الاحتراز من تنافر اللفظ. ٢ التسهيل ص٦٦. ٣ قائله: بشر بن أبي خازم -بخاء وزاي معجمتين- وقصة ذلك أن قوما من آل بدر جاءوا الفزاريين فجزوا نواصيهم، وقالوا مننا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فزارة لذلك فقال بشر ذلك. وهو من الوافر. الشرح: "بغاة" جمع باغ، وهو الظالم لأنه بغي الظلم، أي: طلبه، "شقاق" -بكسر الشين- وهو العداوة وهو مصدر شاقه، إذا خالفه وعاداه أشد العداوة، وكأن كل واحد من المتشاقين قد صار في شق وناحية غير الشق والناحية التي صار فيها الآخر. المعنى: إذا جززتم نواصيهم فاجمعوها لنا، واحملوا الأسرى معهم، وإلا فإنا متعادون أبدا. الإعراب: "وإلا" إن الشرطية الجازمة لفعلين ولا النافية وفعل الشرط محذوف والتقدير: إلا تفعلوا مثلا، "فاعلموا" الفاء واقعة في جواب الشرط، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون وواو الجماعة فاعله والجملة في محل جزم جواب الشرط، "أنَّا" أن حرف توكيد ونصب ونا: اسمه، "وأنتم" الواو للعطف أنتم مبتدأ وخبره محذوف والتقدير: وأنتم مثلنا، "بغاة" خبر أن، "ما" مصدرية ظرفية، "بقينا" فعل وفاعل، "في شقاق" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان لأن. الشاهد: في "أنَّا وأنتم بغاة" حيث ورد فيه ما ظاهره أنه عطف بالرفع قوله "وأنتم" على محل اسم "أن" الذي هو "نا" قبل أن يأتي بخبر "أن" الذي هو بغاة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧١، ابن هشام ١/ ٢٥٨، والسيوطي ص٣٨.
[ ١ / ٥٣٤ ]
أو معناه كقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١، ٢ وهذا هو الصحيح.
لأن "أنَّ" ههنا وما عملت فيه بتأويل الجملة فصح أن يعطف على محلها كالمكسورة.
وقوله:
من دون ليت ولعل وكأن
يعني: أنه لا يجوز في المعطوف على اسم هذه الثلاثة إلا النصب، ولا يجوز الرفع لا قبل الخبر ولا بعده؛ لأن معنى الابتداء قد يغير بدخولها بخلاف "إن وأن ولكن" فإنها لا تغير معناه، أجاز الفراء الرفع مع الستة بعد الخبر مطلقا وقبله بشرط خفاء إعراب الاسم.
وتلخيص هذه المسألة أن نصب المعطوف بعد الخبر وقبل الخبر جائز في الجميع.
وأما رفعه فيجوز بعد الخبر لا قبله في "إنّ ولكنّ" باتفاق. "وأنّ" بعد العلم أو ما في معناه على المختار.
فإن قلت: قد ورد الرفع قبل الخبر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٣.
قلت: حمل سيبويه٤ هذه الآية، وما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ سورة التوبة ٣. ٣ سورة المائدة ٦٩. فقد عطف ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ قبل استكمال الخبر وهو: ﴿مَنْ آَمَنَ ﴾ إلخ. ٤ قال سيبويه ج١ ص٢٩٠: "وأما قوله ﷿: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ فعلى التقديم والتأخير، كأنه ابتدأ على قوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ بعد ما مضى الخبر. ا. هـ.
[ ١ / ٥٣٥ ]
قال المصنف: وأسهل منه تقدير خبر قبل العاطف، مدلول عليه بخبر ما بعده١.
فإن قلت: ما وجه رفع المعطوف على اسم إن وما ألحق بها؟
قلت: مذهب المحققين: أنه مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة خبر "إن" عليه، وهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وقد أوضح ذلك في شرح التسهيل.
فإن قلت: ظاهر قوله:
وجائز رفعك معطوفا على منصوب إنَّ
يخالف ما ذكرته.
قلت: تجوز في تسميته معطوفا على الاسم؛ لأن صورته صورة المعطوف.
ثم قال:
وخففت إن فقل العمل
إهمالها: إذا خففت هو القياس؛ لزوال اختصاصها، وإعمالها ثابت بنقل سيبويه٢.
ومنه: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ٣.
ثم قال:
وتلزم اللام إذا ما تهمل
علة لزومها الفرق بين "إنْ" المخففة و"إن" النافية، وتسمى هذه اللام الفارقة.
فإن قلت: هل هي لام الابتداء أم غيرها؟
قلت: مذهب سيبويه٤ أنها لام الابتداء ألزمت للفرق وهو اختيار المصنف وهو مفهوم من قوله هنا "وتلزم اللام" يعني اللام المتقدم ذكرها بعد المشددة.
_________________
(١) ١ التقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن والصابئون والنصارى كذلك، و﴿مَنْ آَمَنَ﴾: مبتدأ خبره ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ والجملة خبر إن. ا. هـ. صبان ١/ ٢٢٧. ٢ قال سيبويه ج١ ص٢٨٣: "وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: "إن عمرا لمنطلق"، وأهل المدينة يقرءون: "وإن كلا لَمَا ليوفينهم"، يخففون وينصبون. ٣ سورة هود ١١١، قراءة نافع بإسكان النون وتخفيف الميم. ٤ قال سيبويه ج١ ص٢٧٣: "فاعلم أنهم يقولون: "إن زيد لذاهب وإن عمرو لخير "منك" لما خففها جعلها بمنزلة "لكن" حين خففه وألزمها اللام لئلا تلتبس بإن التي هي بمنزلة "ما" التي ينفي بها ومثل ذلك: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ . ا. هـ.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وذهب الفارسي إلى أنها غيرها١ ثم قال:
وربما استغنى عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا
مثال ذلك قول الشاعر:
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن٢
ثم قال:
والفعل إن لم يك ناسخا فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصلا
إذا خففت "إن" فالغالب "فيها"٣ أن يليها فعل ناسخ للابتداء نحو: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ ٤ ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ٥ ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ ٦ قال في شرح التسهيل: ولا يكون غالبا إلا بلفظ الماضي.
_________________
(١) ١ قال ابن عقيل ١/ ٢١٧: "فقال الفارسي: هي لام غير لام الابتداء اجتلبت للفرق". ا. هـ. ٢ قائله: الطرماح الحكم بن حكيم، وكنيته "أبو نفر" والطرماح في اللغة الطويل وقيل: سمي الطرماح لزهوه، والطرماح: الذي يرفع رأسه زهوا، وهو شاعر طائي. والبيت من الطويل. الشرح: "أنا ابن" يروى مكانه "نحن"، "أباة" جمع آب اسم فاعل من أبى يأبى، أي: امتنع "الضيم" الظلم، "مالك" هو اسم أبي قبيلة الشاعر، "كرام المعادن" طيبة الأصول، شريفة المحتد. المعنى: أنا من آل مالك الذين يأبون الظلم والمذلة، وقد كانت قبيلتي كريمة الأصول والأنساب. الإعراب: "أنا" مبتدأ، "ابن" خبره، "أباة" مضاف إليه، "الضيم" مضاف إليه، "من آل" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان أو حال من الخبر، "مالك" مضاف إلى آل، "وإن" مخففة من الثقيلة، "مالك" مبتدأ، "كانت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث واسمه مستتر فيه، "كرام" خبر كان، "المعادن" مضاف إليه، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو مالك. الشاهد: في "وإن مالك كانت" ترك اللام الفارقة بعد "إن" المخففة، لوجود القرينة المعنوية، وهي كون المقام للمدح والإثبات لا للنفي، والتقدير: وإن مالك لكانت. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٢، ابن هشام ١/ ٢٧٣، ابن عقيل ١/ ٢١٦، السندوبي، الأصطهناوي، الأشموني ١/ ١٤٥، المكودي ص٤٢، السيوطي ص٣٩. ٣ ب. قال ابن عقيل ١/ ٢١٧: "ويقل أن يليها غير الناسخ". ٤ سورة البقرة ١٤٣. ٥ سورة الإسراء ٧٣. ٦ سورة الأعراف ١٠٢.
[ ١ / ٥٣٧ ]
وأشار بقوله "غالبا" إلى أنه قد يليها فعل غير ناسخ كقوله:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما١
قال الشارح٢ "وأما نحو"٣ ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٤ وقوله: "إن قتلت لمسلما" فقليل، وأقل منه "إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه"٥.
ثم قال:
وإن تخفف أن فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن
إذا خففت "أن" المفتوحة لم تلغ كما ألغيت "إن"٦ المكسورة.
ولكن ينوى اسمها ولا يلفظ به إلا في ضرورة كقوله:
_________________
(١) ١ صدر بيت لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية، ترثي زوجها الزبير بن العوام ﵁ وتدعو على عمرو بن جرموز قاتله وهو من الكامل. وعجزه: حلت عليك عقوبة المتعمد الشرح: "شلت" -بفتح الشين- وأصل الفعل شللت -بكسر العين- "حلت عليك" أي: نزلت بك، ويروى في مكانه "وجبت عليك". المعنى: أشل الله يدك أيها القاتل؛ لأنك قتلت مسلما ووجبت عليك عقوبة متعمد القتل. الإعراب: "شلت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "يمينك" فاعل والكاف مضاف إليه، "إن مخففة من الثقيلة، "قتلت" فعل وفاعل، "لمسلما" اللام فارقة مسلما مفعول، "حلت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "عليك" جار ومجرور متعلق بحلت، "عقوبة" فاعل، "المتعمد" مضاف إليه. الشاهد: في "إن قتلت لمسلما" حيث ولي "إن" المخففة من الثقيلة فعل غير ناسخ، وذلك شاذ لا يقاس عليه إلا عند الأخفش. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٢، وابن هشام ١/ ٢٦٤، وابن عقيل ١/ ٢١٨، والسندوبي، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٤٥، والمكودي ص٤٢، والسيوطي ص٩٣، وكذا في الهمع ١/ ١٤٢، والإنصاف ٢/ ٣٧٣. ٢ راجع الشارح ص٧٢. ٣ ب، ج وأما أ "وإنما". ٤ سورة القلم ٥١. ٥ يزينك -بفتح الياء- وكذا يشين وهما مرفوعان بضم النون ٦ ب، ج.
[ ١ / ٥٣٨ ]
فلو أنكِ في يوم الرخاء سألتِني طلاقَكِ لم أبخل وأنتِ صديق١
"ولكون"٢ عملها لا يظهر غالبا تجوز بعضهم فقال: ألغيت، ومراده ما ذكرت.
وتجوز المصنف في قوله "استكنَّ"؛ لأن الضمير المنصوب لا يستكن، والحرف لا يستكن فيه الضمير وإنما هو محذوف لا مستكن.
وقوله:
والخبر اجعل جملة
يشمل الاسمية والفعلية.
أما الاسمية فلا تحتاج إلى فاصل بينها وبين "أن" كقوله:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل٣
_________________
(١) ١ قال العيني: أنشده الفراء ولم يعزه إلى قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. المعنى: لو أنك سألتني إخلاء سبيلك قبل إحكام عقدة النكاح بيننا لم أمتنع من ذلك ولبادرت به مع ما أنت عليه من صدق المودة لي، وخص يوم الرخاء؛ لأن الإنسان ربما يفارق الأحباب في يوم الشدة. الإعراب: "فلو" شرطية غير جازمة، "أنك" أن مخففة من الثقيلة والكاف اسمها، "في يوم" جار ومجرور متعلق بسألتني، "الرخاء" مضاف إليه، "سألتني" فعل وفاعل والنون للوقاية والياء مفعول أول، "فراقك" مفعول ثان والكاف مضاف إليه، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "أبخل" فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله مستتر فيه، والجملة جواب الشرط، "وأنت" الواو للحال أنت ضمير مبتدأ، "صديق" خبره، والجملة في محل نصب حال. الشاهد: في "أنك" حيث خففت "أن" المفتوحة وبرز اسمها وهو الكاف وذلك قليل، والكثير أن يكون اسمها ضمير الشأن واجب الاستتار وخبرها جملة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٢١٩، والأشموني ١/ ١٤٦، والسندوبي. ٢ أ، ج وفي ب "ولكن". ٣ قائله: الأعشى ميمون بن قيس، وقيل: عبد الله بن الأعور، وقيل: غير ذلك، كذا قال العيني. وهو من البسيط. الشرح: "فتية" بكسر الفاء وسكون التاء جمع فتى، وهو السخي الكريم، وكذلك الفتيان، "من يحفى" من حفي يحفى من باب علم يعلم، وهو الذي يمشي بلا خف ونعل، ولكن أراد به ههنا الفقير، "منتعل" من انتعل إذا لبس النعل، وأراد به الغني. المعنى: هم بين فتية كالسيوف الهندية في مضائهم وحدتهم وأنهم موطنون أنفسهم على الموت موقنون به لأنهم قد علموا أن الإنسان هالك سواء كان غنيا أو فقيرا. =
[ ١ / ٥٣٩ ]
وأما اللفظية ففيها تفصيل.
فإن كانت مصدرة بفعل دعاء أو بفعل متصرف لم يحتج إلى فاصل مثال الدعاء قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ١ ومثال غير المتصرف: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٢ وإن صدرت بفعل غير هذين غالبا بقد نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ٣.
أو حرف تنفيس نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ٤ أو حرف نفي نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ ٥ أو لو نحو: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا﴾ ٦.
وإلى هذا أشار بقوله: "وإن يكن فعلا إلخ".
وأشار بقوله "فالأحسن الفصل"٧ إلى أنه قد يرد غير مفصول. ومنه:
علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل٨
_________________
(١) = الإعراب: "في فتية" جار ومجرور في محل النصب على الحال من كلمة في بيت قبله، "كسيوف" جار ومجرور صفة لفتية، "الهند" مضاف إليه، "قد" حرف تحقيق، "علموا" فعل وفاعل والجملة صفة أيضا لفتية، "أن" مخففة من الثقيلة، "هالك" خبر مقدم، "كل" مبتدأ مؤخر، "من" اسم موصول مضاف إليه، "يحفى" فعل مضارع والفاعل ضمير، و"ينتعل" عطف عليه وجملة يحفى لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والجملة في موضع مفعول علموا. الشاهد: في "أن هالك": حيث خفف "إن" عن المثقلة وجاء خبرها جملة اسمية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٧٣، والسندوبي، والمكودي ص٤٣، والسيوطي ٣٩، والشاهد رقم ٥٩ في الخزانة، وسيبويه ١٠ ص٢٨٢. ١ من الآية ٩ من سورة النور. ٢ الآية ٣٠ من سورة النجم. ٣ من الآية ١١٣ من سورة المائدة. ٤ من الآية ٢٠ من سورة المزمل. ٥ من الأية ٢٠ من سورة المزمل. ٦ من الآية ١٤ من سورة سبأ. ٧ ب، ج. ٨ قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الخفيف. الشرح: "يؤملون" على صيغة المجهول، "فجادوا" من جاد يجود إذا تكرم، "يسألوا" على صيغة المجهول "سؤل" -بضم السين- مسئول. =
[ ١ / ٥٤٠ ]
وخصه بعضم بالضرورة.
وأشار بقوله: "وقليل ذكر لو" إلى قلة ذكرها في كتب النحو لا إلى قلة استعمالها في كلام العرب.
ثم قال:
وخففت كأن أيضا فنوى منصوبها وثابتا أيضا روى
تخفف "كأن" فلا تلغى "فهي"١ مثل أن المفتوحة، وقد أطلق بعضهم الإلغاء٢ عليها واسمها في الغالب منوي كاسم "أن" ولا يلزم في خبرها أن يكون جملة بل يكون جملة ومفردا.
فمثال كونه جملة:
ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان٣
_________________
(١) = المعنى: علموا أن الناس يرجون معروفهم فلم يخيبوا وجادوا لهم، ولم يحوجوهم إلى السؤال بل تكرموا عليهم قبل أن يسألوا شيئا بأعظم مسئول. الإعراب: "علموا" فعل وفاعل، "أن" مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، "يؤملون" فعل مضارع مبني للمجهول وواو الجماعة نائب الفاعل، والجملة في محل رفع خبر أن المخففة، "فجادوا" فعل وفاعل، "قبل" ظرف متعلق بجاد، "أن" مصدرية، "يسألوا" فعل مضارع مبني للمجهول وواو الجماعة فاعل وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مضاف إلى قبل، "بأعظم" جار ومجرور متعلق بجاد، "سؤل" مضاف إلى أعظم. الشاهد: في "أن يؤملون" حيث جاء خبر "أن" المخففة من الثقيلة فعلا مضارعا، ولا فاصل بين "أن" وجملة الخبر -وهو نادر- والكثير: أن سيؤملون. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٣، ابن هشام ١/ ٣٦٧، ابن عقيل ١/ ٢٢١، داود، السندوبي، الأصطهناوي، الأشموني ١/ ١٤٧، المكودي ص٤٣، السيوطي ص٣٩، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٤٣. ١ أ، ج وفي ب "فهو". ٢ وعليه الكوفيون. ا. هـ. همع ١/ ١٤٣. ٣ قال العيني: هذا البيت، احتج به سيبويه في كتابه ولم يعزه إلى أحد وهو من الهزج. الشرح: "ووجه" وروي: "ونحر"، وعلى هاتين الروايتين تكون الهاء في قوله: "ثدييه" عائدة إلى "وجه" أو نحوه، بتقدير مضاف، وأصل الكلام، كأن ثديي صاحبه، فحذف المضاف وهو الصاحب وأقام المضاف إليه مقامه، وأنشده الزمخشري: ونحر مشرق اللون. =
[ ١ / ٥٤١ ]
ومثال كونه مفردا قوله:
كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم١
_________________
(١) = "مشرق اللون" مضيء اللون، "حقان" تثنية حقة وحذفت التاء التي في المفرد من التثنية كما حذفت في "خصية وألية"، فقالوا: "خصيان وأليان". المعنى: إن هذا الصدر مضيء أعلاه، وكأن الثديين فيه حقان في الاستدارة والصغر. الإعراب: "ووجه" الواو واو رب، وجه مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، "مشرق" صفة، "اللون" مضاف إليه، "كأن" مخففة من الثقيلة، "ثدييه" اسمها، "حقان" خبرها. وعلى رواية الرفع "ثدياه حقان" مبتدأ وخبر والجملة في محل رفع خبر كان واسمها محذوف والتقدير: كأنه -أي: الحال والشأن- ثدياه حقان. الشاهد: في "كأن ثدياه حقان" حيث خففت "كأن" وألغي عملها وحذف اسمها ووقع خبرها جملة، وأصله "كأنه"، والضمير للوجه أو للنحر أو للشأن والجملة الاسمية خبر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٣، وابن هشام ١/ ٢٧١، وابن عقيل ١/ ٢٢٣، والأشموني ١/ ١٤٧، والمكودي ص٤٣، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ١٤٣، وابن يعيش في شرح المفصل ٨/ ٨٢، والشاهد رقم ٨٧١ من خزانة الأدب. وسيبويه ج١ ص٢٨١، والإنصاف ١/ ١٢٥. ١ قائله: هو أرقم بن غلباء اليشكري يذكر امرأته ويمدحها، وقال النحاس: هو لابن صريم اليشكري، وقال ابن هشام: هو لباعث اليشكري، ويشكر مضارع منقول من شكر، وهو من الطويل. وصدره: ويوما توافينا بوجه مقسم الشرح: "توافينا" تجيئنا وتزورنا، "وجه مقسم" -بضم الميم وفتح القاف وتشديد السين- جميل حسن، "تعطو" تتناول، "وارق السلم" شجر السلم المورق، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والسلم شجر العضاة الواحدة سلمة. المعنى: إن هذه المحبوبة تأتي إلينا في بعض الأحيان بوجه نضر، كأنها في قدها واعتدالها وخفتها ظبية تتناول الشجر المخصوص. الإعراب: "ويوما" ظرف منصوب بتوافينا، "توافينا" توافي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هي ونا مفعول به، "بوجه" جار ومجرور متعلق بتوافي، "مقسم" صفة لوجه، "كأن" حرف تشبيه ونصب مخفف من المثقل، "ظبية" بالرفع خبر "كأن" واسمها محذوف كأنها ظبية، وبالنصب اسم كأن والخبر محذوف، وبالجر الكاف حرف جر وأن حرف زائد "وظبية" مجرور بالكاف، "تعطو" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا يعود على الظبية والجملة صفة لظبية، "إلى وارق" جار ومجرور متعلق بتعطو، "السلم" مضاف إليه. الشاهد: في "كأن" حيث خففت "كأن" وحذف اسمها وجاء خبرها مفردا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٣، ابن هشام ١/ ٢٧٠، السندوبي، الأشموني ١/ ١٤٧، المكودي ص٤٣، السيوطي ص٣٩، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٤٣، وذكره ابن هشام في المغني ١/ ٢٢، وابن يعيش في شرح المفصل ٨/ ٨٣، والشاهد رقم ٨٧٠ من خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٢٨١.
[ ١ / ٥٤٢ ]
على رواية الرفع.
وأشار بقوله: وثابتا أيضا روى إلى "كأن ثدييه حقان"، وكأن ظبية في رواية النصب في كلامه في التسهيل يشعر باختصاص ذلك بالشعر.
قال فيه: وقد يبرز اسمها في الشعر.
فإن قلت: قد ذكر المصنف تخفيف "إنّ وأنّ وكأنّ "وسكت عن" لعلّ ولكنّ" فما حكمهما؟
قلت: أما "لعل" فلا تخفف١.
وأما "لكن" فإذا خففت لم٢ تعمل وستأتي في حروف العطف٣.
وأجاز يونس والأخفش إعمالها مخففة قياسا٤.
وقد حكي عن يونس أنه حكاه عن العرب٥.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في الهمع ١/ ١٤٣: "لا تخفف لعلَّ. وقال الفارسي: تخفف وتعمل في ضمير الشأن محذوفا". ا. هـ. ٢ أ، ج وفي ب "فلا". ٣ قال السيوطي في الهمع ١/ ١٤٣: "تخفف لكن فلا تعمل أصلا لعدم سماعه وعلل بمباينة لفظها لفط الفعل ويزاول موجب إعمالها وهو الاختصاص إذ صارت يليها الاسم والفعل". ا. هـ. ٤ على "أن وإن وكأن". ا. هـ. همع ١/ ١٤٣. ٥ راجع الأشموني ١/ ١٤٨.
[ ١ / ٥٤٣ ]
"لا" التي لنفي الجنس:
قال:
عمل إن اجعل للا في نكره
اعلم أن "لا" حرف مشترك، فأصلها ألا تعمل، وقد أعملت عمل "ليس" تارة وعمل "إن" أخرى.
وإنما تعمل عمل إن بشروط:
الأول: أن يكون اسمها نكرة فلا تعمل في المعارف، وأما نحو:
لا هيثم الليلة للمطي١
فموؤل بنكرة.
الثاني: أن يتصل بها، فلو فصل بطل عملها. قال في التسهيل: بإجماع٢ وفيه خلاف ضعيف.
_________________
(١) ١ صدر بيت لم يتعرض العيني لقائله، وقال في الدرر اللوامع: البيت لبعض بني دبير، وبعده: ولا فتى مثل ابن خيبري وهو من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعلم قائلها. الشرح: "هيثم" المراد به هيثم به الأشتر، وكان مشهورا بين العرب بحسن الصوت في حدائه الإبل، "ابن خيبري" المراد به: جميل صاحب بثينة فيكون نسبه إلى أحد أجداده، ونعته بالفتوة لأنه كان شجاعا يحمي أدبار المطي من الأعداء. الإعراب: "لا" نافية للجنس، "هيثم" اسمها مبني على الفتح في محل نصب، "الليلة" ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر لا، وقد أفاد الإخبار بالزمان عن الذات، "للمطي" جار ومجرور متعلق بما تعلق به الظرف. الشاهد: في "لا هيثم" حيث دخلت "لا" النافية للجنس على علم معرفة وهي لا تعمل إلا في النكرة فهو مؤول؛ إما بتقدير مضاف، وهو "مثل" وإما بتأويل العلم باسم الجنس وقد أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ أنه على تقدير مثل ملء فحذفت مثل كما حذفت من لا هيثم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ١٤٩، والشاطبي، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ١٠٣، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٤٥، والشاهد رقم ٢٦١ من خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٣٤٤. ٢ قال في التسهيل ص٦٨: "فصل: إذا انفصل مصحوب "لا" أو كان معرفة بطل العمل بإجماع".
[ ١ / ٥٤٤ ]
الثالث: أن يقصد نفي الجنس على سبيل الاستغراق.
فإذا استكملت هذه الشروط عملت عمل "إن" مفردة نحو "لا رجل في الدار" ومكررة نحو "لا حول ولا قوة"١.
ولكن يجب العمل إن أفردت، ويجوز إن كررت.
ثم قال:
فانصب بها مضافا أو مضارعه
اسم "لا" هذه ثلاثة أقسام:
مضاف، ومضارع للمضاف أي: مشابه له ويسمى المطول وهو ما كان عاملا فيما بعده عمل الفعل أو مركبا من معطوف ومعطوف عليه، ومفرد.
فالمضاف ومضارعه منصوبان بها نحو: "لا طالب علم محروم ولا طالعا جبلا ظاهر"، والمفرد يأتي حكمه.
ثم قال:
وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
أي: اذكر "الخبر"٢ بعد نصب الاسم رافعا له "بلا" لأنها تعمل عمل "إن"، قال الشلوبين: لا خلاف "في أن رفع الخبر بها"٣ عند عدم تركيبها، فإن ركبت مع الاسم ففيه خلاف.
مذهب الأخفش٤: أنها أيضا رافعة له، وذكر في التسهيل أنه الأصح٥.
ومذهب سيبويه٦: أنه مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، وأنها لم تعمل إلا في الاسم.
_________________
(١) ١ الشروط عند الأشموني سبعة:
(٢) أن تكون نافية.
(٣) وأن يكون منفيها الجنس.
(٤) وأن يكون نفيه نصبا.
(٥) وألا يدخل عليها جار.
(٦) وأن يكون اسمها نكرة.
(٧) وأن يتصل بها.
(٨) وأن يكون خبرها أيضا نكرة. ا. هـ. ١/ ١٤٩. ٢ ب، ج. ٣ أ، ج وفي ب "في ألا يرتفع الخبر بها". ٤ دليله: أن ما استحقت به العمل باق والتركيب لا يبطله. ا. هـ. صبان ٢/ ٥ وإليه أميل. ٥ قال في التسهيل ص٦٧: "ورفع الخبر إن لم يركب الاسم مع "لا" بها عند الجميع وكذا مع التركيب على الأصح". ٦ قال سيبويه ج١ ص٣٤٥: "واعلم أن لا وما عملت فيه في موضع ابتداء كما أنك إذا قلت: هل من رجل؟ فالكلام بمنزلة اسم مرفوع مبتدأ". ا. هـ.
[ ١ / ٥٤٥ ]
وفهم من قوله: "وبعد ذاك".
أن خبرها لا يتقدم على اسمها، وهو واضح١.
ثم انتقل إلى المفرد فقال:
وركب المفرد فاتحا
سبب بنائه عند سيبويه٢ والجماعة تركيبه مع "لا" كخمسةَ عشرَ.
والمفرد في هذا الباب ما ليس مضافا، ولا شبيها به، فشمل المثنى والمجموع.
ويبنى على ما ينصب به، فإن كان ينصب بالفتحة بني عليها نحو: "لا رجل" أو بالياء فكذلك نحو: "لا غلامين، ولا حامدين لزيد" وإن كان ينصب بالكسرة جاز فيه وجهان:
استصحاب كسرة وفتحة خلافا لابن عصفور في التزام فتحه.
قال المصنف: والفتح أولى. ا. هـ٣، وبالوجهين روي قوله:
ولا لذات للشيب٤
_________________
(١) ١ راجع الأشموني في ١/ ١٥٠. ٢ قال سيبويه ج١ ص٣٤٥: " ونصبها لما بعدها كنصب إن لما بعدها وترك التنوين لما تعمل فيه لازم؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد نحو خمسةَ عشرَ فجعلت وما بعدها كخمسةَ عشرَ في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا: يابن أم. فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الآخر". ا. هـ. ٣ قال في التسهيل ص٦٧: "والفتح في نحو ولا لذات للشيب أولى من الكسر". ٤ جزء من بيت لسلامة بن جندل السعدي، يأسف على فراق الشباب من قصيدة بائية من البسيط. وتمامه: إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ ويروى: أودى الشباب. الشرح: "مجد عواقبه" المراد أن نهايته محمودة "الشيب" -بكسر الشين- أي: لذي الشيب. المعنى: إن الشباب الذي تحمد عواقبه وترتاح له النفوس، فيه نجد اللذة، ولا لذة في زمن الشيخوخة. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "الشباب" اسمها، "الذي" اسم موصول نعت للشباب، "مجد" يجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو مجد، "وعواقبه" على هذا نائب فاعل مجد لأنه مصدر بمعنى اسم المفعول، ويجوز أن يكون "مجد" خبرا مقدما و"عواقبه" مبتدأ مؤخرا وجاز الإخبار بالمفرد وهو مجد عن الجمع وهو عواقب؛ =
[ ١ / ٥٤٦ ]
وخالف المبرد في نحو "لا غلامين ولا حامدين" فقال هما معربان١ وفي عبارته هنا قصور حيث قال: "فاتحا" بل الصواب على ما ينصب به ليشمل ما فصلناه.
ولو قال: وركب المفرد كالنصب لأجاد، ثم مثل: "كلا حول ولا قوة" ثم بين ما يجوز في هذا المثال ونحوه فقال:
والثان اجعلا مرفوعا أو منصوبا أو مركبا
يعني: مع فتح الأول، فإن رفع الأول امتنع نصب الثاني، إذ لا وجه له، وجاز رفعه وتركيبه فلهذا قال:
وإن رفعت أولا تنصبا
فالحاصل خمسة أوجه:
الأول: "لا حولَ ولا قوةَ" بفتحهما على التركيب، والكلام جملتان.
الثاني: لا حولَ ولا قوةَ" بفتح الأول على التركيب ونصب الثاني على موضع اسم "لا" باعتبار عملها، وزيادة "لا" الثانية والكلام جملة واحدة.
الثالث: "لا حولَ ولا قوةٌ" بفتح الأول على التركيب أيضا ورفع الثاني عطفا على موضع "لا" واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء، و"لا" الثانية عاملة عمل "ليس" فيكون الكلام جملتين.
_________________
(١) = لأنه مصدر، والمصدر لا يثني ولا يجمع، وعلى كل حال فجملة "مجد عواقبه" -سواء أقدرت مبتدأ أم لم تقدر- لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "فيه" جار ومجرور متعلق بنلذ، "نلذ" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "ولا" نافية للجنس، "لذات" اسمها مبني على الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم في محل نصب، "للشيب" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "لا". الشاهد: في "ولا لذات" حيث يجوز في "لذات" البناء على الكسر والفتح جميعا لأن اسم لا إذا كان جمعا بألف وتاء يجوز فيه الوجهان البناء على الفتح والبناء على الكسر والفتح أشهر كذا قاله ابن مالك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٢٢٦، داود، السندوبي، الأصطهناوي، الأشموني ١/ ١٥١، ابن هشام ١/ ١٧٦، وذكره في شذور الذهب ٧٥، والتسهيل لابن مالك ص٦. ١ لأنه لم يعهد فيهما التركيب مع شيء آخر، بل ولا وجد في كلام العرب مثنى وجمع مبنيان، ونقض بأنه قال ببنائهما في النداء فكذا هنا. ا. هـ. الهمع ١/ ١٤٦.
[ ١ / ٥٤٧ ]
الرابع: "لا حول ولا قوة" برفع الأول والثاني، فرفع الأول على وجهين١ "على"٢ الابتداء و"لا" ملغاة أو إعمالها عمل "ليس"، ورفع الثاني على وجهين: إعمال "لا" عمل "ليس" وعطفه على الأول.
الخامس: "لا حولٌ ولا قوةَ" برفع الأول على الوجهين وفتح الثاني على التركيب.
ثم قال:
ومفردا نعتا لمبني يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل
يجوز في نعت اسم "لا" المبني ثلاثة أوجه:
فتحه ونصبه، ورفعه بشرطين: أحدهما أن يكون مفردا، والثاني: أن يتصل بالاسم، ولهذا قال: "يلي" أي: يلي المنعوت فتقول: "لا رجل ظريف" بالفتح على تركيب الصفة مع الموصوف وبالنصب اعتبارا لعمل "لا" وبالرفع اعتبارا لعمل الابتداء.
فلو تفضل عن المنعوت نحو "لا رجل في الدار ظريفا" أو كان غير مفرد أعني: مضافا أو شبيها به نحو "لا رجل طالعا جبلا"٣ امتنع البناء على الفتح وجاز النصب والرفع، وهذا معنى قوله:
وغير ما يلي وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
فإن قلت: هذا حكم نعت المبني، فما حكم نعت العرب؟
قلت: فيه وجهان: الرفع والنصب مطلقا، وقد وهم من منع الرفع.
ثم كمل حكم المعطوف فقال:
والعطف إن لم تتكرر لا احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى
يعني: أن المعطوف عطف نسق، إن لم يتكرر معه "لا" جاز رفعه ونصبه كالنعت المفصول.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ب. ٣ أ، ب.
[ ١ / ٥٤٨ ]
كقوله:
فلا أبَ وابنًا مثلُ مروانَ وابنِه١
وحكى الأخفش فتحه على نية "لا" وهو قليل٢.
_________________
(١) ١ هو صدر بيت من الطويل، قال العيني: رجل من بني عبد مناة فيما زعمه أبو عبيد البكري وأنشده سيبويه في كتابه ولم يعزه إلى أحد ج١ ص٣٤٩، ولم ينسبه أحد من شراحه. وعجزه: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وهو من الخمسين المجهولة القائل. الشرح: "مروان" هو ابن الحكم بن العاص بن أمية "وابنه" هو: عبد الملك بن مروان لأنه يمدحهما، "المجد" العز والشرف وكرم النجار، ورجل ماجد: شريف كريم المحتد، "ارتدى" لبس الرداء، "تأزرا" لبس الإزار والارتداء والاتزار بالمجد كناية عن غاية الكرم ونهاية الجود، فكأنهما متلبسان به لا يفارقانه، "مثل" يحتمل أن يكون خبرا مرفوعا فلا حذف. وأن يكون صفة بالرفع على المحل، وبالنصب على اللفظ والخبر محذوف. الإعراب: "لا" نافية للجنس "أب" اسم لا النافية للجنس مبني على الفتح في محل نصب "وابنا" معطوف على محل اسم لا "مثل" بالنصب على أنه صفة لاسم لا وما عطف عليه، وعلى هذا خبر لا محذوف، والتقدير: لا أب وابنا مماثلين لمروان وابنه موجودان، والرفع على أن يكون خبر لا، "مروان" مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه لا ينصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، "وابنه" معطوف على مروان وضمير الغائب على مروان مضاف إليه، "إذا" ظرف تضمن معنى الشرط، "هو" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "بالمجد" متعلق بالفعل المحذوف، "ارتدى" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه والجملة لا محل لها من الإعراب مفسرة، "وتأزرا" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه والألف للإطلاق، والجملة لا محل لها معطوفة على الجملة التفسيرية. الشاهد: في "لا أب وابنا" حيث عطف على اسم "لا" النافية للجنس، ولم يكرر "لا" وجاء المعطوف منصوبا، ويجوز فيه الرفع، وذلك أن "لا" إذا لم تكرر وعطف على اسمها، وجب فتح الأول، وجاز في الثاني النصب والرفع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٦، وابن هشام ١/ ٢٨٩، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ١٥٣، والمكودي ص٤٥، والسيوطي ص٤١، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٤٣، وابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ١٠١، والشاهد رقم ٢٦٣ في خزانة الأدب وكتاب سيبويه ج١ ص٣٤٩. ٢ وأما حكاية الأخفش لا رجل ولا امرأة بالفتح -فشاذة -إذ لا يصح البناء لوجود الفصل بحرف العطف، وخرجه بعضهم على أن الأصل ولا امرأة، فحذفت "لا" وأبقي البناء بحاله على نيتها. ا. هـ. أوضح المسالك وشرحه ١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٥٤٩ ]
فإن تكررت "لا" فقد تقدم حكمه.
فإن قلت: قد فهم من كلامه حكم النعت "وحكم"١ النسق فما حكم بقية التوابع؟
قلت: أما البدل الصالح لعمل "لا" وعطف البيان عند من أجازه في النكرات فهما كالنعت المفصول يجوز فيهما الرفع والنصب، فإن كان البدل معرفة تعين رفعه إذ المعرفة لا تصلح لعمل "لا".
وأما التوكيد فقيل لا يدخل في هذا الباب لأن النكرة لا تؤكد.
قلت: إنما يمتنع توكيد النكرة عند البصريين بالتوكيد المعنوي، وأما اللفظي فلا يمتنع.
ثم قال:
وأعط لا مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام
إذا دخلت الهمزة على "لا" فله أربعة معان:
"أحدها"٢: وهو الأكثر أن تكون للتوبيخ والإنكار كقوله:
ألا طعان ألا فرسان عادية٣
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "وعطف". ٢ أ، ب وفي ج "أحدهما". ٣ صدر بيت: قائله: حسان بن ثابت الأنصاري، وهو من قصيدة يهجو بها الحارث بن كعب المجاشعي. وعجزه: إلا تجشؤكم حول التنانير وذكر البيت في ب، وهو من البسيط. الشرح: "طعان" من طاعن تطاعن مطاعنة وطعانا، "فرسان" الفوارس جمع فارس وهو جمع شاذ لا يقاس عليه "عادية" من العدو -بالعين- ويقال بالغين المعجمة من الغدو، "تجشؤكم" -بالجيم والشين- من تجشأت تجشؤا وهو من الجشاء، وهو دليل الامتلاء من الطعام، "التنانير" جمع تنور وهو ما يخبز فيه. المعنى: يقول هذا لبني الحارث بن كعب ومنهم النجاشي وكان يهاجيه فجعلهم أهل نهم وحرص على الطعام لا أهل غارة وقتال. الإعراب: "ألا" الهمزة للاستفهام ولا النافية للجنس والحرفان للتوبيخ والإنكار، "طعان" =
[ ١ / ٥٥٠ ]
الثاني: أن تكون لمجرد الاستفهام عن النفي كقوله:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد١
_________________
(١) = اسم لا وخبرها محذوف أي: لكم، "ألا" مثل السابقة، "فرسان" اسمها، "عادية" بالنصب صفة لفرسان، وقيل: حال منه وخبر لا محذوف، وبالرفع يجوز أن يكون صفة لاسم لا باعتبار محله مع لا، أو تجعله خبر لا، "إلا" أدة استثناء، "تجشؤكم" يجوز رفعه على أنه بدل من اسم لا باعتبار محله، ويجوز نصبه على الاستثناء المنقطع، "حول" ظرف متعلق بتجشؤ، "التنانير" مضاف إليه. الشاهد: في "ألا طعان" حيث جاء فيه التوبيخ والإنكار مع بقاء عملها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٧، والسندوبي، وداود، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٥٣، والسيوطي ص٤١، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٤٧، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ٦٦، وسيبويه في كتابه ج١ ص٣٥٨. ١ صدر بيت قائله: قيس بن الملوح، وروي: ألا اصطبار لليلى. وهو من البسيط. وعجزه: إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي وذكر البيت في "ب". الشرح: "اصطبار" تصبر وجلد وسلوان واحتمال، "لاقاه أمثالي" كناية عن الموت. المعنى: ليت شعري إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت أيمتنع الصبر على سلمى أم يبقى لها تجلدها وصبرها؟ الإعراب: "ألا" الهمزة للاستفهام ولا: نافية للجنس، "اصطبار" اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، "لسلمى" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، "لا" عاطفة، "لها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "جلد" مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة "لا" واسمها وخبرها، "إذا" ظرف، "ألاقي" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "الذي" اسم موصول مفعول ألاقي، "لاقاه" فعل ماض والهاء مفعول، "أمثالي" فاعل وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول لا محل لها صلة الموصول. الشاهد: في "ألا اصطبار" حيث عامل "لا" بعد دخول همزة الاستفهام مثل ما كان يعامله قبل دخولها والمراد من الهمزة و"لا" جميعا الاستفهام عن النفي، وبهذا البيت يندفع ما ذهب إليه الشلوبين من أن الاستفهام عن النفي لا يقع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٧، وابن هشام ص١/ ٢٩١، وابن عقيل ١/ ٢٣٤، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ١٥٣، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٢٤٧، وابن هشام في المغني ١/ ٦٦.
[ ١ / ٥٥١ ]
وللا مع الهمزة في هذين المعنيين من تركيب وعمل وإلغاء ما لها مجردة من الهمزة.
والثالث: أن تكون للتمني كقوله:
ألا عمر ولي مستطاع رجوعه١
ولها عند المازني والمبرد في التمني مالها مجردة من جميع الأحكام السابقة.
وذهب الخليل وسيبويه٢ والجرمي ومن وافقهم إلى أنها تعمل في الاسم خاصة، ولا خبر لها، ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ، ولا تلغى ولا تعمل عمل "ليس"٣.
_________________
(١) ١ قال العيني: احتج بهذا البيت جماعة من النحاة ولم ينسبه أحد إلى قائل، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من الطويل. وعجزه: فيرأب ما أثأت يد الغفلات الشرح: "ولى" أدبر، وذهب، "فيرأب" من رأبت الإناء إذا أصلحته يجبر ويصلح، "أثأت" فتقت وصدعت وشعبت وأفسدت، وتقول: رأب فلان الصدع، ورأب فلان الإناء إذا أصلح ما فسد منهما. المعنى: أتمنى رجوع العمر الذي مضى لأصلح ما أفسدته في زمن الغفلة والجهل. الإعراب: "ألا" كلمة واحدة للتمني، ويقال: الهمزة للاستفهام وأريد بها التمني، ولا: نافية للجنس، وليس لها خبر لفظا ولا تقديرا، "عمر" اسمها، "ولى" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب صفة لعمر، "مستطاع" خبر مقدم، "رجوعه" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب صفة ثانية لعمر، "فيرأب" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب التمني والفاعل مستتر فيه، "ما" اسم موصول مفعول، "أثأت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "يد" فاعل، "الغفلات" مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل لا محل لها صلة الموصول والعائد محذوف تقديره أثاته. الشاهد: في "ألا عمر" حيث أريد بالاستفهام مع "لا" مجرد التمني وهذا كثير في كلام العرب، ومما يدل على كون "ألا" للتمني في البيت نصب المضارع بعد فاء السببية في جوابه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٧، وابن عقيل ١/ ٣٣٥، والسندوبي، وداود، والأصطهناوي، والأشموني ١/ ١٥٣، والسيوطي ص٤١، وابن هشام ١/ ٢٩٣، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ٦٦١، وسيبويه في كتابه ج١ ص٣٥٨. ٢ راجع الكتاب ج١ ص٣٥٩. ٣ قال الأشموني ج١ ص١٥٣: "فعند الخليل وسيبويه أن "ألا" هذه بمنزلة أتمنى فلا خبر لها، وبمنزلة "ليت" فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها ولا إلغاؤها إذا تكررت. وخالفهما المازني والمبرد فجعلاها كالمجرد من الهمزة ولا حجة لهما في البيت، إذ لا يتعين كون "مستطاع" خبرا أو صفة، "ورجوعه" فاعلا، بل يجوز كون "مستطاع" خبرا مقدما، "ورجوعه" مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة ثانية، ولا خبر هناك". ا. هـ. وإلى مذهب سيبويه أميل.
[ ١ / ٥٥٢ ]
والرابع: أن تكون للعرض والتحضيض، فلا يليها حينئذ إلا فعل ظاهر أو مقدر أو معمول فعل مؤخر، ولا تعمل عمل "إن" ولا عمل "ليس" لأنها مختصة بالفعل.
وما ذكره ابن الحاجب من أن التي للعرض تعمل عمل "إن" لم يصح١.
وقد ذهب بعضهم إلى أن التي للعرض ليست مركبة من الهمزة و"لا" النافية بل هي حرف بسيط.
وأما "ألا"٢ "التي"٣ للاستفتاح فهي غير مركبة على الأظهر خلافا لمن قال بتركيبها.
إذا تقرر هذا، فاعلم أن كلام المصنف مناقش من وجهين: أحدهما: أنه أطلق فشمل التي للعرض.
فإن قلت: فلعله يقول بأنها غير مركبة من الهمزة ولا فلم يشملها الإطلاق.
قلت: قد استثناها في الكافية والتسهيل: فدل على أنها عنده "مركبة"٤.
والآخر أن مقتضى كلامه هنا موافقة المازني والمبرد في تسوية التي للتمني بالتي للتوبيخ والإنكار، والتي لمجرد الاستفهام، وهو خلاف ما ذهب إليه في غير هذا الكتاب.
ثم قال:
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر
_________________
(١) ١ الكافية ١/ ٢٦١. ٢ أ، ج. ٣ ج، ب. ٤ أ، ج.
[ ١ / ٥٥٣ ]
إذا علم خبر "لا" كثر حذفه عند الحجازيين ووجب عند التميميين والطائيين ومن حذفه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ ١.
وإن لم يعلم وجب ذكره عند جميع العرب٢، ولذلك قال: "إذَا المراد مع سقوطه ظهر".
ولا فرق بين الظرف وغيره خلافا لمن فصل.
ثم انتقل إلى القسم الثالث من نواسخ الابتداء فقال:
_________________
(١) ١ سورة الشعراء: ٥٠. ٢ قوله ﷺ: "لا أحد أغير من الله". وقول الشاعر: ورد جازرهم حرفا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٢٣٦.
[ ١ / ٥٥٤ ]
ظن وأخواتها:
انصب بفعل القلب جزأي ابتدا
أفعال هذا الباب قسمان:
قلبي: وهو ما دل على يقين أو ظن أو عليهما، أو غير قلبي: وهو ما دل على تصيير.
وجميعهما تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين وليس كل فعل قلبي يعمل العمل المذكور، فلذلك قال "أعني أرى".
وهو بمعنى: علم. وقد تكون للظن، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ١ أي: يظنونه ونعلمه.
فإن كانت بصرية أو من الرأي أو بمعنى أصاب رئته، تعدت إلى واحد، وإن كانت علمية فستأتي٢.
ثم قال: "خال" بمعنى ظن، وقد تكون لليقين، فإن كانت بمعنى تكبر أو ظلع. يقال: "ظلع الفرس" إذا غمز في مشيه فهي لازمة.
ثم قال: "علمت" علم اليقين، فإن كانت بمعنى عرف تعدت إلى واحد وستأتي، وإن كانت بمعنى صار "ذا علم"٣ فهي لازمة.
ثم قال: "وجد" بمعنى علم، فإن كانت بمعنى أصاب تعدت إلى واحد وإن كانت بمعنى استغنى أو حزن أو حقد فهي لازمة.
ثم قال: "ظن" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم فيما طريقه النظر؛ فإن كانت بمعنى أنهم تعدت إلى واحد وستأتي.
ثم قال: "حسبت" لغير المتيقن، وقد تكون بمعنى علم وهو قليل، فإن كانت من الحسبة -وهي لون- فهي لازمة.
_________________
(١) ١ سورة المعارج ٦، ٧. ٢ في قول ابن مالك: ولرأى الرؤيا أنم ما لعلما ٣ ج وفي أ، ب "أعلم".
[ ١ / ٥٥٥ ]
ثم قال: "وزعمت" لغير المتيقن، ومصدرها زَعْم وزُعْم وزِعْم١.
قال السيرافي: الزَّعْم قول يقترن به اعتقاده صح أو لم يصح.
فإن كانت بمعنى كفل أو رأس تعدت إلى واحد تارة بنفسها وتارة بحرف الجر. وإن كانت بمعنى سمن وهزل فهي لازمة.
ثم قال "عد" للظن كقوله:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى٢
فإن كانت بمعنى "حسب" من "الحسبان"٣ تعدت إلى واحد.
ثم قال: "حجا" للظن، وهي غريبة ومضارعها يحجو، فإن كانت بمعنى غلب من المحاجاة، أو قصد أو رد، أو ساق أو كتم تعدت إلى واحد، فإن كانت بمعنى أقام أو بخل فهي لازمة.
_________________
(١) ١ قال الصبان ٢/ ١٥: "تثليث الزاي كما في القاموس" وفي مختار الصحاح صفحة ٢٩٣: "بالحركات الثلاث على زاي المصدر". ٢ صدر بيت قائله النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة النبي ﷺ، وهو أول مولود للأنصار بعد الهجرة، وهو من قصيدة ميمية من الطويل. وعجزه: ولكنما المولى شريكك في العدم الشرح: "لا تعدد" لا تظن "المولى" يطلق في الأصل على عدة معان، والمراد منه هنا الحليف أوالناصر، "العدم" -بضم العين وسكون الدال- الفقر، يقال: عدم الرجل يعدم بوزن علم يعلم- وأعدم فهو معدوم إذا افتقر. المعنى: لا تظن أن صديقك هو الذي يشاطرك المودة أيام غناك ويسرك وصفاء حالك، فإنما الصديق الحق هو الذي يلوذ بك ويشاركك أيام فقرك وحاجتك وضيق ذات يدك وتألب الحادثات عليك. الإعراب: "فلا" ناهية "تعدد" مضارع مجزوم بها وفاعله ضمير مستتر فيه، "المولى" مفعول أول، "شريكك" مفعول ثان والكاف مضاف إليه، "في الغنى" جار ومجرور متعلق بشريكك، "ولكنما" حرف استدراك وماكافة، "المولى" مبتدأ، "شريك" خبر والكاف مضاف إليه، "في العدم" جار ومجرور متعلق بشريك. الشاهد: في "فلا تعدد المولى شريكك" حيث استعمل المضارع من "عد" بمعنى الظن ونصب به مفعولين: أحدهما "المولى" والثاني: "شريكك". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٩، وابن هشام ١/ ٢٢٩، وابن عقيل ١/ ٢٤٣، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ١٥٧، والسيوطي ص٤٢، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٤٨. ٣ ب، ج. وفي أ "الحساب".
[ ١ / ٥٥٦ ]
ثم قال "درى" بمعنى علم، وأكثر ما تستعمل معداة بالباء كقولك "دريت به" فإذا دخلت عليه همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها وإلى ثان بالباء كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ١.
فإن كانت بمعنى ختل تعدت إلى واحد يقال: "درى الذئبُ الصيدَ" إذا استخفى له "ليفترسه"٢.
ثم قال: "وجعل اللذ كاعتقد" كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٣ فإن كانت بمعنى صير فستأتي٤، وإن كانت بمعنى أوجد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ٥ أو بمعنى "أوجب"٦ كقولهم: "جعلت للعامل كذا" أو بمعنى ألقى كقولهم "جعلت بعض "المتاع"٧ على بعض"، تعدت إلى واحد، وإن كانت للشروع في الفعل فقد تقدمت في أفعال المقاربة.
ثم قال: "هب" بمعنى ظن ولا تستعمل إلا "بلفظ"٨ الأمر كقوله:
فقلت أجرني أبا خالد وإلا فهبني امرأ هالكا٩
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٦. ٢ أ، ج وفي ب "ليصيده". ٣ سورة الزخرف: ١٩. ٤ عند قول ابن مالك: والتي كصيرا أيضا انصب بها مبتدأ وخبرا ٥ سورة الأنعام ١. ٦ ب، ج وفي أ "وجب". ٧ ب، ج وفي أ "متاعي". ٨ ب، وفي أ، ج "بصيغة". ٩ قائله: ابن همام السلولي، وهو من المتقارب. الشرح: "أجرني" اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه، هذا أصله ثم أريد منه لازم ذلك وهو الغياث والدفاع والحماية "أبا خالد" يروى مكانه "أبا مالك"، "هبني" أي: أعددني واحسبني. المعنى: فقلت: أغثني يا أبا خالد، فإن لم تفعل فظن أني رجل من الهالكين. الإعراب: "فقلت" فعل وفاعل، "أجرني" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه والنون للوقاية والياء مفعول، "أبا" منادى بحرف نداء محذوف، "مالك" مضاف إليه، "وإلا" إن شرطية مدغمة في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله من الكلام وتقديره: وإن لا تفعل مثلا، "فهبني" الفاء واقعة في جواب الشرط هب فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه والنون للوقاية والياء مفعول أول، "امرأ" مفعول ثان، "هالكا" نعت لامرئ. =
[ ١ / ٥٥٧ ]
ثم قال: "تعلم" بمعنى اعلم، ولا تستعمل إلا بصيغة الأمر مثل "هب"، فإن كانت أمرا من تعلمت الحساب "ونحوه"١ تعدت إلى واحد وتصرفت ثم انتقل إلى القسم الثاني، وهو ما دل على تصيير فقال:
والتي كصيرا أيضا بها انصب مبتدًا وخبرا
أي: والأفعال التي مثل "صير" وهو ما دل على تحويل كصير وأصار وجعل ورد واتخذ ووهب. حكى ابن الأعرابي: "وهبني الله فداك" أي: جعلني. ولا تستعمل إلا بصيغة الماضي.
ثم قال:
وخص بالتعليق والإلغاء ما من قبل هب
تختص القلبية المتصرفة بالإلغاء والتعليق، ولا "حظ"٢ لهب وتعلم في ذلك لعدم "تصريفهما"٣، ولا لأفعال التصيير، إذ ليست قلبية. "ولذلك"٤. قال: "ما من قبل هب".
وهي أحد عشر فعلا:
والإلغاء هو: ترك العمل لفظا ومعنى لغير مانع، والتعليق ترك العمل لفظا لا معنى لمانع.
_________________
(١) = الشاهد: في "فهبني امرأ" فإن "هب" فيه بمعنى الظن وقد نصب به مفعولين أحدهما ياء المتكلم وثانيها "امرأ" والغالب على "هب" بهذا المعنى أن يتعدى إلى مفعولين صريحين كما في بيت الشاهد. وهب بهذا المعنى فعل جامد لا يتصرف فلا يجيء منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الأمر، فإن كان من الهبة -وهي التفضل بما ينفع الموهوب له- كان متصرفا تام التصرف، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ . مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٧٩، وابن هشام ١/ ٣٠٠، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ١٥٧، وابن هشام في المغني ٢/ ١٥٢، وابن عقيل ١/ ٢٤٥. ١ أ، ج وفي ب "وغيره". ٢ أ، ج وفي ب "خص". ٣ ج وفي ب "تصرفها" وفي أ "تصريفهما". ٤ أ، ب وفي ج "ولهذا".
[ ١ / ٥٥٨ ]
فالإلغاء جائز، والتعليق "لازم"١، والمعلق عامل في المحل بخلاف الملغى. تنبيه:
أما اختصاص هذه الأفعال القلبية بالإلغاء فلا إشكال فيه.
وأما التعليق فيشاركهن فيه مع الاستفهام غيرهن من أفعال القلوب نحو: "عرف ونظر وتفكر"، وكذلك "سأل وأبصر" وما بمعناهما.
وقوله:
والأمر هب قد ألزما كذا تعلم
يعني: أنهما ألزما صيغة الأمر، فلا يستعمل بهما ماض ولا مضارع لعدم تصريفهما.
وقوله:
ولغير الماض من سواهما اجعل كل ماله زكن
يعني: أن غير الماضي كالمضارع والأمر من سوى "هب وتعلم" يعمل عمل الماضي، فينصب المفعولين ويجوز فيه الإلغاء والتعليق ولهذا قال: "كل ماله زكن".
أي: كلما علم للماضي من الأحكام.
وقوله:
وجوز الإلغاء لا في الابتدا
فهم من قوله: "وجوز" أن الإلغاء ليس بواجب بل جائز، ولما كان جوازه مشروطا بتوسط الفعل أو تأخره قال: "لا في الابتدا" فشمل ثلاث صور:
الأولى: أن يتأخر عن المفعولين نحو: "زيد قائم ظننت" فهذه يجوز فيها الإلغاء والإعمال، والإلغاء أرجح.
الثانية: أن يتوسط بين المفعولين نحو: "زيد ظننت قائم" فهذه يجوز فيها الأمران على السواء. وقيل: الإعمال أرجح.
الثالثة: أن يتقدم على المفعولين ولا يبتدأ به بل يقدم عليه شيء نحو: "متى ظننت زيد فاضل" فهذه يجوز فيها الأمران، والإعمال أرجح، خلافا لمن منع الإلغاء.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "واجب".
[ ١ / ٥٥٩ ]
فإن تقدم الفعل على المفعولين ولم يتقدمه شيء، فمذهب البصريين أنه يمتنع الإلغاء، وهو مفهوم قوله: "لا في الابتدا".
وذهب الكوفيون والأخفش إلى جوازه، لكن الإعمال عندهم أرجح، وقد أجازه في التسهيل بقبح١ وقال في شرحه: حكم سيبويه "بقبح"٢ إلغاء المتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: "متى ظننت زيد "قائم"؟ "٣، وفي درجته الإلغاء في نحو "زيد أظن أبوه قائم".
ثم قال:
وانو ضمير الشان أو لام ابتدا في موهم إلغاء ما تقدما
يعني: أنه إذا ورد ما يوهم الإلغاء للمتقدم نحو: "ظننت زيد قائم" وجب عند من منع إلغاءه تأويله على أحد تأويلين:
الأول: نية ضمير الشأن فيكون هو المفعول الأول والجملة بعده هي المفعول الثاني وعلى هذا يكون الفعل باقيا على عمله.
والثاني: نية لام الابتداء المعلقة، ويكون التقدير: "ظننت لزيد قائم"، والفعل على هذا معلق، وعلى هذا حمل سيبويه قوله:
وإخال أنِّي لاحق مستتبع٤
_________________
(١) ١ التسهيل ص٧١. ٢ أ، ج وفي ب "بفتح". ٣ أ، ج وفي ب "قائما". ٤ عجز بيت قائله: أبو ذؤيب الهذلي من قصيدة يرثي بها أولادا له خمسة ماتوا بالطاعون. وصدره: فغبرت بعدهم بعيش ناصب الشرح: "غبرت" -بالغين المعجمة- بمعنى لقيت، ومنه الغابرين، وروي مكانه "بقيت" و"ناصب" من النصب -بفتحتين- وهو التعب، "إخال" بكسر الهمزة على الأفصح بمعنى ظن "مستتبع" مستحق. الإعراب: "فغبرت" فعل وفاعل، "بعدهم" ظرف زمان متعلق بالفعل، ومضاف إليه، "بعيش" متعلق بمحذوف في محل نصب من تاء الفاعل، "ناصب" صفة عيش مجرور مثله، "وإخال" مضارع مرفوع معلق عن العمل لفظا لوجود لام الابتداء بعده تقديرا، والفاعل مستتر وجوبا: أنا، "أني" حرف مشبه بالفعل والياء اسمه، "لاحق" خبره وفيه ضمير مستتر هو فاعله "مستتبع" خبر ثان لإن وهو أولى من جعله صفة للاحق وفيه ضمير مستتر تقديره أنا فاعله. على كونه اسم فاعل، ونائب فاعل على كونه اسم مفعول. وجملة أن واسمها وخبرها في محل نصب سدت مسد مفعولي "إخال". الشاهد: في "وإخال أني لاحق" حيث علق الفعل "إخال" بلام الابتداء المضمرة، والأصل أني لاحق، فحذفت اللام بعد ما علقت "إخال" وبقي الكسر بعد حذفها كما كان مع وجودها فهو مما نسخ لفظه وبقي حكمه. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٩١، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ١٥٣.
[ ١ / ٥٦٠ ]
بالكسر على تقدير: أني للاحق.
ومن أجاز إلغاء المتقدم لم يحتج إلى تأويل ذلك.
قال في شرح التسهيل: وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو: "ظننت زيد قائم" أولى من الإلغاء. ا. هـ١.
ومن منع الإلغاء في نحو: "متى ظننت زيد قائم" حمل ما أوهم ذلك على أحد التأويلين أيضا كقوله:
أني رأيت ملاك الشيمة الأدب٢
ثم انتقل إلى التعليق فقال:
والتزم التعليق قبل نفي ما
_________________
(١) ١ التسهيل ص٧١. ٢ عجز بيت: قال العيني: قائله بعض الفزاريين، ووقع في حماسة أبي تمام منصوب القافية "الأدبا". وصدره: كذاك أدبت حتى صار من خلقي وهو من البسيط. الشرح: "كذاك" الكاف اسم بمعنى مثل وهو الأحسن في مثل هذا التعبير واسم الإشارة يراد به مصدر الفعل المذكور، وتقدير الكلام: تأديبا مثل ذلك التأديب أدبت وذلك التأديب الذي عبر عنه في البيت السابق له وهو قوله: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوأة اللقب "ملاك" بكسر الميم وفتحها بزنة كتاب قوام الشيء وما يجمعه، "الشيمة" بكسر الشين الخلق وجمعها شيم، ويروى مكان "رأيت" "وجدت". المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب حتى صرت أعتقد أن رأس الأخلاق وقوام الفضائل هو الأدب. الإعراب: "كذاك" جار ومجرور متعلق بمحذوف يقع مفعولا مطلقا لأدبت، والتقدير: تأديبا مثل هذا التأديب أدبت "أدبت" فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل =
[ ١ / ٥٦١ ]
فعلم من قوله "والتزم" أن التعليق لازم بخلاف الإلغاء.
ثم ذكر المعلقات وهي ستة: "ما" النافية، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ١.
"وإن" أختها كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلَا﴾ ٢ "ولا" النافية، ذكره النحاس، ومن أمثلة ابن السراج "أحسب لا يقوم زيد" ولم يعدها المغاربة من المعلقات.
"ولام" الابتداء. نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ٣ على أظهر الأوجه و"لام" القسم: نحو:
ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها٤
_________________
(١) = "حتى" ابتدائية، "صار" فعل ماض ناقص، "من خلقي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر صار مقدم، "أني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها، "رأيت" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر أن وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم صار، "ملاك" مبتدأ، "الشيمة" مضاف إليه، "الأدب" خبر المبتدأ. الشاهد: في "رأيت ملاك الشيمة الأدب" فإن ظاهر أنه ألغى "رأيت" مع تقدمه لأنه لو أعمله لقال "رأيت ملاك الشيمة الأدباء" بنصب "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان ولكنه رفعهما فقال الكوفيون: هو على الإلغاء والإلغاء مع التقدم جوازه مع التوسط والتأخر، وقال البصريون: ليس كذلك، بل هو من باب التعليق ولام الابتداء مقدرة الدخول على "ملاك". مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٨١، وابن هشام ١/ ٣٢٠، وابن عقيل ١/ ٢٥١، والمكودي ص٤٧، والأشموني ١/ ١٦٠، والسيوطي ص٤٣، وأيضا ذكره في الهمع ١/ ١٥٣. ١ سورة فصلت ٤٨. ٢ سورة الإسراء ٥٢. ٣ سورة البقرة ١٠٢. ٤ هو للبيد بن ربيعة العامري من قصيدة طويلة من الكامل. الشرح: "منيتي" المنية: الموت، وأصلها فعيلة بمعنى مفعولة من منى يمني بوزن رمى، ومعناه قدر، ولحقتها التاء لأنها قد صارت اسما، "لا تطيش" لا تخيب بل تصيب المرمى دائما، "سهامها" السهام: جمع سهم. المعنى: إني موقن أنني سألاقي الموت حتما، لأن الموت نازل بكل إنسان لا يفلت منه أحد أبدا. الإعراب: "ولقد" اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق، "علمت" فعل ماض وفاعل =
[ ١ / ٥٦٢ ]
ولم يعد بعضهم لام القسم والاستفهام بالحرف نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ١ وبالاسم نحو: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ ٢.
والمضاف إلى اسم الاستفهام مثله في ذلك نحو: "علمت غلام أيهم عندك"٣.
واعلم أن الجملة بعد المعلق في موضع نصب؛ لأنه عامل في المعنى.
فإن قلت: ما معنى تعلق العلم بالاستفهام في نحو: "علمت أزيد عندك أم عمرو؟ ".
قلت: هذا كلام صورته الاستفهام، وليس المراد به الاستفهام؛ لأنه مستحيل الاستفهام عما أخبر أنه يعلمه، وإنما المعنى علمت الذي هو عندك من هذين الرجلين.
_________________
(١) = "لتأتين" اللام واقعة في جواب القسم وتأتي فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، "منيتي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم مضاف إليه، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم، "إن" حرف توكيد ونصب، "المنايا" اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، "لا" حرف نفي، "تطيش" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، "سهامها" فاعل وضمير الغائبة مضاف إليه والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر إن. الشاهد: في "علمت لتأتيني منيتي" على أن لام الابتداء علقت علمت عن العمل أي منعته من الاتصال بما بعده والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص٨٢، والمكودي ص٤٧، والسيوطي ص٤٤، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٥٤، وابن هشام ٢/ ١٥٤٣، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ٢/ ٥٧، وقطر الندى ص٣٢٥، وشذور الذهب ص٢٧٩، والأشموني في شرحه للألفية ١/ ١٦١، والشاهد رقم ٧١٦ من خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٤٥٦. ١ سورة الأنبياء ١٠٩. ٢ سورة طه ٧١. ٣ "من المعلقات أيضا لعل نحو: "وإن أدري لعله فتنة لكم" ذكر ذلك أبو علي في التذكرة، ولو الشرطية كقوله: وقد علم الأقوام لو أن خاتما أراد ثراء المال كان له وفر وإن التي في خبرها اللام نحو: "علمت إن زيدا لقائم" ذكر ذلك جماعة من المغاربة ". ا. هـ. أشموني ١/ ١٦١.
[ ١ / ٥٦٣ ]
قال سيبويه١ ما نصه: "كما أنك إذا قلت: قد علمت أزيد ثم أم عمرو وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم". ا. هـ.
وحكى الشلوبين عن بعض المتأخرين: أن هذا الكلام على حذف مضاف، وأن المراد علمت جواب هذا الكلام، وكان يفتي به ويراه في بعض أقرائه.
واعلم أن كلام العرب ثلاثة أقسام:
الأول: مطابقة اللفظ للمعنى وهو الأكثر.
والثاني: غلبة اللفظ للمعنى نحو: "أظن أن تقوم" أجمعوا على جوازه، ومنع الأكثر "أظن قيامك" والمعنى واحد، لاشتمال "أن تقوم" على المسند والمسند إليه بخلاف "قيامك".
والثالث: غلبة المعنى للفظ نحو مسألتنا، وغلب فيها جانب المعنى وإن كان اللفظ استفهاما.
وقوله:
لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد ملتزمه
الأصل في "علم" تعلقها بالنسب الخبرية وهي المتعدية إلى مفعولين، وقد ترد بمعنى العرفان متعلقة بالمفرد فتتعدى إلى واحد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ٢.
وأما "ظن" فإن كانت للتردد في وقوع الخبر فهي المتعدية إلى "اثنين"٣، وكذلك إن استعملت لليقين، وإن كانت للتهمة تعدت إلى واحد كقولك: "ظننت زيدا على المال" أي: اتهمته، ومنه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٤.
فإن قلت: قد ترد "علم"٥ لازمة إذا كانت من العلمة٦ ولم ينبه على ذلك.
_________________
(١) ١ ج١ ص١٢٠. ٢ سورة النحل ٧٨. ٣ أ، ج وفي ب "مفعولين". ٤ سورة التكوير ٢٤. ٥ ب، ج وفي أ "علمة". ٦ إذا انشقت شفته العليا.
[ ١ / ٥٦٤ ]
قلت: قد أخرجه بقوله أول الباب: "انصب بفعل القلب"، وبقوله هنا: "لعلم عرفان".
فإن قلت: كان ينبغي أن يقيد سائر أفعال الباب كما قيد علم وظن.
قلت: لما كان الأصل "علم وظن" فإن غيرهما لا يعمل حتى يكون بمعناهما اكتفى بتقييدهما.
وأيضا فقد خرج من قوله: "انصب بفعل القلب" نحو: "رأى" بمعنى أبصر أو أصاب الرئة.
وحسب بمعنى صار أحسب وغير ذلك مما يدل على معنى غير قلبي.
ثم قال:
ولرأى الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى
الرؤيا مصدر رأى الحلمية، فقيد الفعل بإضافته إلى مصدره.
يعني: "أن "رأى" الحلمية تتعدى إلى مفعولين كعلم لكونها مثلها في أنها إدراك بالحس الباطن ومنه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ ١ خلافا لمن منع تعديها إلى اثنين، وجعل ثاني المنصوبين حالا ويرده وقوعه معرفة في قوله:
أراهم رفقتي حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا٢
_________________
(١) ١ سورة يوسف ٣٦. ٢ هو لعمرو بن أحمر الباهلي، من قصيدة يذكر فيها جماعة من قومه فارقوه ولحقوا بالشام فصار يراهم مناما، وهو من الوافر. الشرح: "رفقتي" بكسر الراء جمع رفيق، والرفقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة، "تجافى" انطوى وارتفع، "انخزل" انقطع من الخزل وهو القطع، ومادته خاء وزاي معجمتان ولام. "تجافى الليل وانخزل انخزالا" كنايتان عن الظهور وبيان ما كان بهما من أمر هؤلاء. المعنى: أرى هؤلاء مجتمعين معي مناما، حتى إذا زال الليل واستيقظت لا أرى شيئا. الإعراب: "أراهم" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا، والضمير مفعول أول، "رفقتي" مفعول ثان، "حتى" ابتدائية، "إذا" ظرفية، "ما" زائدة، "تجافى" فعل ماض، "الليل" فاعل، "وانخزل" عطف على تجافى، "انخزالا" منصوب على المصدرية. الشاهد: في "أراهم رفقتي" حيث أعمل "أرى" -من الرؤيا- من مفعولين أحدهما الضمير المتصل به والثاني قوله: "رفقتي" ورأى بمعنى علم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٨٣، وابن هشام ١/ ٣٠٩، وابن عقيل ١/ ٢٥٤، والسندوبي، والمكودي ص٤٨، والأشموني ١/ ١٦٣، والسيوطي في الهمع ١/ ١٥٠.
[ ١ / ٥٦٥ ]
وإنما قيد علم بقوله: "طالب مفعولين" لئلا يعتقد أنه أحال على علم العرفانية ويقال: "نميت الرجال إلى أبيه نميا" نسبته، "وانتمى" هو انتسب.
قيل: وليس قوله: "رأى الرؤيا" بنص على المراد؛ لأن الرؤيا تستعمل مصدر لرأى مطلقا حلمية كانت أو يقظية، ولكن المشهور استعمالها مصدرا للحلمية١.
ثم قال:
ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول
الحذف "هنا"٢ ضربان: اختصار، واقتصار؛ فالاختصار: حذف لدليل، والاقتصار: حذف لغير دليل.
فأما حذف مفعولي هذا الباب، أو حذف أحدهما اختصارا فهو جائز.
فمن حذفهما اختصارا قول الكميت:
بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارا عليّ وتحسب٣
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ١٦٣. ٢ ب، ج. ٣ هو للكميت بن زيد الأسدي، من قصيدة هاشمية يمدح فيها آل الرسول ﷺ وهو من الطويل. الشرح: "ترى حبهم" رأى ههنا من الرأي بمعنى الاعتقاد، مثل أن تقول رأي أبو حنيفة حل كذا، ويمكن أن تكون رأي العلمية بشيء من التكلف "عارا" العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة "تحسب" أي: تظن، من الحسبان. المعنى: يا من تعيب على حب أهل البيت، على أي كتاب تستند؟ أم بأية سنة تسترشد في ذلك. الإعراب: "بأي" جار ومجرور متعلق بترى، "كتاب" مضاف إليه، "أم" عاطفة، "بأية" جار ومجرور معطوف على الأول، "سنة" مضاف إليه، "ترى" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه، "حبهم" مفعول أول وهم مضاف إليه، "عارا" مفعول ثان، "على" جار ومجرور متعلق بعار، "وتحسب" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه، ومفعولاه محذوفان يدل عليهما الكلام السابق، والتقدير وتحسب حبهم عارا عليَّ. الشاهد: في "تحسب" حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما، والتقدير: تحسب حبهم عارا عليَّ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن هشام ١/ ٣٢٣، وابن عقيل ١/ ٢٥٤، والأشموني ١/ ١٦٤، والسندوبي، وداود، والمكودي ص٤٨، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ١٥٢.
[ ١ / ٥٦٦ ]
ومن حذف الأول اختصارا، قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ١ أي: ما يبخلون به هو خيرا لهم.
ومن حذف الثاني اختصارا قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم٢
أي: فلا تظني غيره واقعا "مني"٣.
ومنع ابن ملكون٤ "شيخ الشلوبين"٥ حذف أحدهما اختصارا٦ وليس بصحيح٧.
_________________
(١) ١ آل عمران ١٨٠. ٢ قائله: عنترة بن شداد العبسي من معلقته المشهورة، وهو من الكامل. الشرح: "المحب" بفتح الحاء، بمعنى المحبوب، اسم مفعول من أحب، وهو القياس، ولكنه قليل في الاستعمال، والأكثر أن يقال اسم المفعول محبوب أو حبيب، مع أنهم هجروا الفعل الثلاثي، "المكرم" على صيغة المفعول من الإكرام. المعنى: والله لقد نزلت أيتها المحبوبة مني منزلة الشيء المحبوب المكرم فلا تظني غير ذلك واقعًا. الإعراب: "ولقد" الواو للقسم واللام للتأكيد وقد حرف تحقيق، "نزلت" فعل وفاعل، "فلا" ناهية، "تظني" فعل مضارع مجزوم بحذف النون وياء المخاطبة فاعل، "غيره" مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، "مني" جار ومجرور متعلق بقوله "نزلت"، "بمنزلة" مثله، "المحب" مضاف إليه، "المكرم" صفة له. الشاهد: في "فلا تظني غيره" حيث حذف المفعول الثاني اختصارًا، والتقدير فلا تظني غيره واقعًا وهو جائز عند جمهور النحاة خلافا لابن ملكون. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٣٢٤، ابن عقيل ١/ ٢٥٥، والأشموني ١/ ١٦٤، المكودي ص٤٨، والسندوبي، والسيوطي ص٤٤، وأيضا ذكره في همع الهوامع ج١ ص١٥٢، وداود، وخزانة الأدب الشاهد ٢٠٠ والخصائص ٢/ ١١٦. ٣ ب، ج. ٤ هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ملكون الخضرمي الإشبيلي، قال ابن الزبير: أستاذ نحوي جليل، روى عن أبي الحسن شريح وأبي مروان بن محمد، وروى عنه ابن خروف والشلوبين، وألف شرح الحماسة، والنكت على تبصرة الصيمري، وغير ذلك، مات سنة أربع وثمانين وخمسمائة من الهجرة. ٥ أ. ٦ قياسا على باب كان. ٧ جواز الحذف هو رأي جمهور النحويين -وهو الرأي السديد- واستدلوا على رأيهم بأمرين: الأول: هو رد على ابن ملكون أن مرفوع كان كالفاعل وخبرها كالحدث فلذلك امتنع الحذف هناك، الثاني: ورود السماع. ا. هـ. السيوطي ١/ ١٥٢ بتصرف.
[ ١ / ٥٦٧ ]
وأما حذف أحدهما اقتصارا فلا يجوز؛ لأن أصلهما مبتدأ وخبر.
واختلف في حذفهما معا اقتصارا على مذاهب المنع١ والجواز به قال الأكثر٢، والجواز٣ في "ظننت"، وما في معناها، والمنع في "علمت"، وما في معناها، وهو مذهب الأعلم.
والجواز٤ إن وجدت فائدة كقولهم: "من يسمع يخل"٥ فلو لم يقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة لم يجز، كاقتصارك على "أظن" إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما ولا من علم وهذا اختيار المصنف في غير هذا الكتاب ونسبه إلى سيبويه والمحققين ممن يدرى كلامه كابن خروف وابن طاهر٦ والشلوبين وظاهر كلامه هنا إطلاق المنع.
ثم قال:
وكتظن اجعل تقول إن ولي مستفهما به ولم ينفصل
اعلم أن القول وفروعه مما يتعدى إلى مفعول واحد، ومفعوله له إما مفرد وهو نوعان: مفرد معناه جملة نحو: "قلت شعرا"، ومراد به مجرد اللفظ٧ نحو:
_________________
(١) ١ وعليه الأخفش والجرمي ونسبه ابن مالك لسيبويه والمحققين، لعدم الفائدة إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما وعلم ما وإليه أميل. ا. هـ. همع. ٢ وعليه أكثر النحويين، وصححه ابن عصفور لقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ أي: يعلم. ا. هـ. همع. ٣ مذهب الأعلم واستدل بحصول الفائدة في الأول دون الثاني والإنسان قد يخلو من الظن ولا يخلو من علم. ا. هـ. همع ١/ ١٥٢. ٤ عليه أبو العلاء بن إدريس. ٥ أي: يظن مسموعه حقا وجعله بعضهم من الحذف لدليل، لدلالة يسمع على الأول وحالة التخاطب على الثاني، وورد في مجمع الأمثال للميداني رقم ٤٠١٢، والمعنى من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه. ا. هـ. ٦ وهو محمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري الإشبيلي، قال ابن الزبير: نحوي، مشهور، حافظ، بارع، اشتهر بتدريس الكتاب فما دونه، وله على الكتاب طرر مدونة مشهورة اعتمدها تلميذه ابن خروف في شرحه وكان يرحل إليه في العربية موصوفا فيها بالحذق والنبل، وكان من حذاق النحويين وأئمة المتأخرين وولد في أشبيلية ومات في عشر الثمانين وخمسمائة. ٧ أي مفردا يراد به مجرد اللفظ.
[ ١ / ٥٦٨ ]
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ١ أي: يطلق عليه هذا الاسم، ولو كان يقال: "مبنيا للفاعل"٢ لنصب إبراهيم، خلافا لمن منع هذا النوع، وممن أجازه ابن خروف وصاحب الكشاف٣.
وإما جملة فيحكى به ويكون في موضع مفعوله، وقد يجري مجرى الظن فينصب المبتدأ والخبر مفعولين بشروط أربعة عند أكثر العرب:
الأول: أن يكون بلفظ المضارع، والثاني: أن يكون مصدرا بتاء الخطاب.
والثالث: أن يكون بعد استفهام، والرابع: ألا يفصل بينه وبين الاستفهام بغير ثلاثة أشياء: بينها بقوله:
بغير ظرف أو كظرف أو عمل
فالظرف نحو: "أعندك" تقول: زيدا "قائما"٤ وشبه الظرف هو المجرور نحو: "أفي الدار تقول: عمرا جالسا".
والعمل: هو المعمول، ونعني به: أحد المفعولين كقوله:
أجهالا تقول بني لؤي٥
فالفصل بهذه الثلاثة مغتفر، ولهذا قال:
وإن ببعض ذي فصلت يحتمل
فإن فقد شرط من هذه الشروط تعينت الحكاية.
فإن قلت: لم ينص على الشرطين الأولين.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٦٠. ٢ أ، ب وفي ج "مسمى الفاعل". ٣ هو الزمخشري وتقدمت ترجمته. ٤ أ، وفي ب، ج "مقيما". ٥ صدر بيت، قائله: الكميت بن زيد الأسدي من قصيدة يمدح فيها مضر ويفضلهم على أهل اليمن. وعجزه: لعمرو أبيك أم متجاهلينا من الوافر. الشرح: "أجهالا" بضم الجيم وتشديد الهاء جمع جاهل ويروى مكانه "أنواما" جمع نائم. "تقول" بمعنى تظن، "بني لؤي" أراد بهم قريشا، ولؤي: من أجداد النبي ﷺ، وهو تصغير "لأي" وهو الثور الوحشي، "لعمر أبيك" قسم ويمين، "متجاهلينا" المتجاهل: الذي يتصنع الجهل ويتكلفه وليس به جهل، والذين رووا في صدر البيت "أنواما" يروون ههنا "متناومين"، والمتناوم: الذي يتصنع النوم. المعنى: أتظن قريشا جاهلين حين استعملوا في ولاياتهم اليمنيين وآثروهم على المضريين؟ أم تظنهم عالمين بحقيقة الأمر مقدرين سوء النتائج غير غافلين عما ينبغي العمل به، ولكنهم يتصنعون الجهل ويتكلفون الغفلة لمآرب لهم في أنفسهم؟ =
[ ١ / ٥٦٩ ]
قلت: نبه عليهما بالمثال.
وزاد السُّهيلي: شرطا آخره، وهو ألا يتعدى باللام نحو: "أتقول لزيد عمرو منطلق" فتتحتم الحكاية.
وزاد في التسهيل: أن يكون حاضرا١ وفي شرحه بأن يكون مقصودا به الحال "فعلى هذا لا ينصب مقصودا به المستقبل"٢، ولم يشترط غيره وفيه نظر.
فإن قلت: إعمال القول "عمل الظن"٣ بالشروط المذكورة واجب أم جائز؟ قلت: بل جائز والحكاية جائزة.
فإن قلت: إذا عمل القول عمل الظن "فهل"٤ هو باق على معناه أو صار بمعنى الظن؟
قلت: فيه خلاف، والظاهر أنه مضمن معنى الظن.
ثم قال:
وأجري القول كظن مطلقا عند سليم نحو قل ذا مشفقا
لغة سليم إجراء القول مجرى الظن في العمل مطلقا، أي بلا شرط من الشروط المذكورة، حكاها سيبويه٥ فيقولون: "قلت زيدا قائما وقل ذا مشفقا".
_________________
(١) = الإعراب: "أجهالا" الهمزة للاستفهام جهالا مفعول ثان مقدم، "تقول" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "بني" مفعول أول، "لؤي" مضاف إليه، "لعمر" اللام لام الابتداء "عمر" مبتدأ والخبر محذوف، "أبيك" مضاف إليه والكاف مضاف إليه، "أم" عاطفة "متجاهلينا" معطوف على قوله "جهالا". الشاهد: في "أجهالا تقول بني لؤي" حيث أعمل تقول عمل "تظن" فنصب مفعولين: أحدهما "جهالا" والثاني "بني لؤي" مع أنه فصل بين أداة الاستفهام وهي الهمزة والفعل، بفاصل وهو "جهالا" وهذا الفصل لا يمنع الإعمال؛ لأنه معمول الفعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٨٤، وابن هشام ١/ ٢٣١، وابن عقيل ١/ ٢٥٨، والأشموني ١/ ١٦٤، وداود، والمكودي ٤٨، والسندوبي، والأصطهناوي، والسيوطي ص٤٥، وذكره في الهمع ١/ ١٥٧، والشاهد رقم ٧١٦، من خزانة الأدب، وسيبويه ج١ ص٦٣. ١ التسهيل ص٧٤. ٢ أ، ج. ٣ ب، ج. ٤ أ، ب وفي ج "فهو". ٥ قال سيبويه ج١ ص٦٣: "وزعم أبو الخطاب وسألته عنه غير مرة أن ناسا من العرب يوثق بعربيتهم وهم بنو سليم يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت". ا. هـ.
[ ١ / ٥٧٠ ]
أعلم وأرى:
إلى ثلاثة رأى وعلما عدوا إذا صار أرى وأعلما
إذا دخلت همزة التعدية على "علم ورأى" المتعديتين "قبل دخولها"١ إلى مفعولين صارا بدخولها متعديين إلى ثلاثة.
أولها: الذي كان فاعلا قبل النقل.
والثاني والثالث: هما اللذان كانا قبل دخول الهمزة فتقول: "أعلمت زيدا عمرا فاضلا"، و""أريت"٢ زيدا عمرا فاضلا".
ثم قال:
وما لمفعولي علمت مطلقا للثان والثالث أيضا حققا
يعني: للمفعول الثاني والثالث من الأحكام ما لمفعولي "علمت" من جواز حذفهما أو حذف أحدهما اختصارا أو حذفهما معا اقتصارا ومنع حذف أحدهما اقتصارا، وغير ذلك كالإلغاء والتعليق خلافا لمن منع الإلغاء والتعليق، ولمن أجازهما إن بني الفعل للمفعول لا٣ إن بني للفاعل، والدليل على الجواز قول بعض من يوثق بعربيته: "البركة أعلمنا الله مع أكابركم"٤، وقوله تعالى: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٥ فعلق ينبئ وهو بمعنى يعلم.
وأما المفعول الأول فلا يجوز تعليق الفعل عنه ولا إلغاؤه، ويجوز حذفه اقتصارا واختصارا ومنع ابن خروف حذفه، والاقتصار عليه، والصحيح الجواز.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ ب، ج وفي أ "رأيت". ٣ في الأصل "إلا" والسياق يقتضي حذف الهمزة ليستقيم المعنى. ٤ نا مفعول أول، "والبركة" مبتدأ، "ومع أكابرهم" ظرف في موضع الخبر وهما اللذان كانا مفعولين، والأصل "أعلمنا الله البركة مع أكابركم". ٥ سورة سبأ٧، "ينبئ" فعل مضارع، "كم" مفعول أول، وجملة: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث لينبئ وقد علق الفعل عنها باللام، ولذلك كسرت إن.
[ ١ / ٥٧١ ]
ثم قال:
وإن تعديا لواحد بلا همزة فلاثنين به توصلا
قد تقدم في الباب السابق، أن علم بمعنى عرف، ورأى بمعنى أبصر يتعديان إلى واحد، فإذا دخلت عليها همزة التعدية تعديا بها إلى اثنين نحو: "أعلمتُ زيدًا عمرًا" و"أريت زيدا الهلال" وذكر بعض النحويين أنه لم يحفظ نقل علم العرفانية إلا بالتضعيف نحو: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١ كما أنه لم يحفظ نقل علم المتعدية إلى اثنين إلا بالهمزة.
وكلام المصنف نص على جواز نقل علم العرفانية بالهمزة، فإن لم يثبت سماعه فهو بطريق القياس.
فإن قلت: ظاهر مذهب سيبويه "التعدي"٢ بالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي وهو الصحيح.
قلت: ظاهر كلام "المصنف"٣ في شرح التسهيل أن ذلك قياس في المتعدي إلى واحد أيضا.
ومثل في باب تعدي الفعل ولزومه "بأضربت زيدا عمرا" وهذا مذهب طائفة من النحويين: وذهب الأخفش إلى أن "التعدي"٤ بالهمزة قياس مطلقا في اللازم والمتعدي إلى واحد، والمتعدي إلى اثنين من غير باب "أعطى" وذهب قوم إلى أنه سماع مطلقا، فهذه أربعة مذاهب.
وذكر الحريري٥ وابن معط: تعدي "علم" إلى ثلاثة بالتضعيف فعدوا من أفعال هذا الباب علم.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٣١. ٢ أ، ب وفي ج "المتعدي". ٣ ب، ج وفي أ "المؤلف". ٤ أ، ب وفي ج "المتعدي". ٥ هو: أبو محمد القاسم الحريري البصري، صاحب المقامات المشهورة، كان أحد أئمة عصره في اللغة، ومقاماته تدل على غزارة مادته وعلمه بأسرار العربية وله مصنفات حسنة منها: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وله شعر حسن، وتوفي سنة ٥١٦هـ.
[ ١ / ٥٧٢ ]
والصحيح أن التعدي "بالتضعيف"١ سماع في اللازم والمتعدي وهو ظاهر مذهب سيبويه٢ ثم قال:
والثان منهما كثاني اثني كسا فهو به في كل حكم ذو ائتسا
يعني أن الثاني من مفعول "أعلم وأرى" المتعديين إلى اثنين بهمزة النقل مثل ثاني مفعولي "كسا" وبابه، وهو كل فعل متعد إلى مفعولين ليس "أصلهما"٣ المبتدأ والخبر.
فيجوز الاقتصار عليه وعلى الأول، ويمتنع الإلغاء "كما"٤ في باب "كسا".
واعلم أنه ليس٥ ثانيهما كثاني مفعولي "كسا" في كل حكم بل يستثنى من ذلك التعليق، فإن تعليق "أعلم وأرى" المذكورتين عن الثاني جائز؛ لأن أعلم قلبية وأرى بصرية، وهي ملحقة بالقلبية في ذلك، ومن تعليق أرى عن الثاني "قوله تعالى"٦: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٧.
ثم قال:
وكأرى السابق نبا أخبرا حدث أنبأ كذاك خبرا
جملة ما ذكر من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة سبعة:
"أعلم، وأرى، نبأ، وأنبأ، وخبر، وأخبر، وحدث".
فأما تعدي "أعلم وأرى" إلى ثلاثة فمجمع عليه وألحق سيبويه "بهما"٨ نبأ٩.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ وارتضيت كلام صاحبي بصحة مذهب سيبويه. ٣ أ، ب وفي ج "أحدهما". ٤ أ، ب. ٥ في الأصل "ليس له ثانيهما" والسياق يقتضي حذف "له". ٦ ج. ٧ سورة البقرة ٢٦٠. ٨ أ، ب. ٩ قال سيبويه ج١ ص١٩: "الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين ولا يجوز ذلك أن تقتصر على مفعول منهم واحد دون الثلاثة؛ لأن المفعول هنا كالفاعل في الباب الأول الذي قبله في المعنى وذلك كقولك أرى الله زيدا بشرا أباك، ونبأت عمرا زيدا أبا فلان، وأعلم الله زيدا عمرا خيرا منك". ا. هـ.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وزاد الأخفش "أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد" ومستنده القياس١.
وألحق بعضهم٢ "أرى" الحلمية سماعا، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ ٣ ومن منع تعديها قبل الهمزة إلى اثنين جعل الثالث حالا.
وألحق الحريري وابن معط "علم" وقد تقدم٤، ومما أغفل ذكره مع أفعال هذا الباب وهو منها "أرى" "مبينا"٥ للمفعول وهو مضارع أريت بمعنى: أظننت ولم يستعمل أظننت.
وذكر في شرح التسهيل: "أن "أرى" هذه لا ماضي لها وقد ذكره غيره٦.
_________________
(١) ١ قياسا على أعلم وأرى، ولم يسمه. ا. هـ. السيوطي في الهمع ١/ ١٥٩. ٢ هو ابن مالك "وزاد ابن مالك أرى الحلمية ". همع ١/ ١٥٩. ٣ سورة الأنفال: ٤٣. ٤ علم المنقولة بالتضعيف. ٥ ب، ج وفي أ "أمبنيا". ٦ ب، ج وفي أ "بغيره".
[ ١ / ٥٧٤ ]
محتويات المجلد الأول:
الصفحة الموضوع
٣ مقدمة
القسم الأول: "الدراسة"
٩ التعريف بالمرادي المعروف بابن أم قاسم
الباب الأول: الفصل الأول:
٩ العصر المملوكي
١١ مصر في عهد المماليك
١٢ انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك
١٢ دولتا المماليك
١٣ حضارة مصر في عهد المماليك
١٥ الحركة العلمية "انتقال النشاط إلى مصر والقاهرة"
١٦ عوامل نشاط الحركة العلمية
٢٠ نتائج نشاط الحركة العلمية
٢١ المؤلفات
٢٣ مؤلفات عربية
الفصل الثاني:
٢٧ نبذة عن مصر
[ ١ / ٥٧٥ ]
الصفحة الموضوع
٢٩ مصر
٣٠ النحو والنحاة في عصر المماليك
٣٢ المعاصرون للمرادي المعروف بابن أم قاسم
الباب الثاني:
٤٣ الفصل الأول:
٤٥ صاحب الألفية
٤٨ ألفية ابن مالك
الفصل الثاني:
٦١ التعريف بالمرادي
٦٣ المرادي المعروف بابن أم قاسم
٧١ الفصل الثالث:
٧٣ شيوخ ابن أم قاسم
٨٥ تلاميذ المرادي المعروف بابن أم قاسم
٩٠ مؤلفاته
١١٧ الفصل الرابع
١١٩ الناقلون عن المرادي
الباب الثالث:
١٨١ الفصل الأول:
١٨٣ أضواء على الشرح
١٩٦ الاعتراضات الواردة على الناظم
[ ١ / ٥٧٦ ]
الصفحة الموضوع
٢٠١ نقله عن شيخه أبي حيان
٢٠٤ نقله عن سيبويه
٢٠٧ مدى اعتماده على ابن الناظم في شرحه للألفية
الفصل الثاني:
٢١٣ اعتماد المرادي على السماع
٢١٦ ميوله للبصريين
٢١٨ مخالفته لآراء النحاة
٢٢١ الفصل الثالث:
٢٢٣ شواهده
٢٢٩ اعتماده على القرآن الكريم
٢٣٠ شرح اللغويات
٢٣٣ الفصل الرابع:
٢٣٥ موقفه من ألفية ابن مالك وألفية ابن معط
٢٣٩ رغبته في توضيح المسائل النحوية
٢٤٢ مسائل: الظاهر من تعبير المرادي وتعبير النحاة أنه انفرد بها
٢٤٧ مذهبه النحوي
٢٤٩ القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك للمرادي:
٢٥١ مقدمة المحقق
٢٥١ وصف المخطوط
٢٥٦ منهج التحقيق
[ ١ / ٥٧٧ ]
الصفحة الموضوع
٢٥٩ الجزء الأول
٢٦١ مقدمة الألفية
٢٦٧ الكلام وما يتألف منه
٢٩٦ المعرب والمبني
٣٥٦ النكرة والمعرفة
٣٥٨ الضمير
٣٩٠ العلم
٤٠٥ اسم الإشارة
٤١٦ الموصول
٤٦٠ المعرف بأداة التعريف
٤٧٠ المبتدأ والخبر
٤٩٢ كان وأخواتها
٥٠٦ ما، لا، لات، إن المشبهات بليس
٥١٥ أفعال المقاربة
٥٢٣ إن وأخواتها
٥٤٤ لا التي لنفي الجنس
٥٥٥ ظن وأخواتها
٥٧١ أعلم وأرى
٥٧٥ محتويات المجلد الأول
[ ١ / ٥٧٨ ]