تابع القسم الثاني: تحقيق شرح الفية ابن مالك
الجزء الرابع
أسماء لازمت النداء:
معنى ملازمتها النداء أنها لم تستعمل في غيره إلا "في"١ ضرورة. وهي ضربان: مسموع، ومقيس.
فمن المسموع: "يا أبت" و"يا أمت" و"اللهم"٢ وقد تقدمت. و"هناه" بالضم والكسر.
كقوله٣:
وقد رابني قولها يا هناه
واختلفوا في مادة هذه الكلمة على قولين:
أحدهما: أن أصل مادته "هـ. ن. و" ثم اختلف القائلون بهذا على أربعة مذاهب:
_________________
(١) ١ ب. ٢ أ، ج. ٣ قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي. وتمامه: ويحك ألحقت شرا بشر للغة: "رابني" من راب إذا أوقع في الريبة بلا شك "يا هناه" هناه اسم من أسماء النداء لا تستعمل فيما سواه، وهو كناية عن رجل، بمنزلة يا رجل يا إنسان، وأكثر ما تستعمل عند الجفاء والغلظة "ألحقت شرا بشر" معناه كنت متهما فلما صرت إلينا ألحقت تهمة بتهمة؛ لأن التهمة شر وتحققها شر منها. الإعراب: "وقد" الواو عاطفة، وقد حرف تحقق "رابني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "قولها" فاعل، وها مضاف إليه "يا هناه" حرف نداء ومنادى مقصور "ويحك" ويح مصدر والكاف في محل خفض بالإضافة "ألحقت" فعل وفاعل "شرا" مفعول به، والجملة في محل نصب مقول القول "بشر" جار ومجرور متعلق بألحقت. الشاهد فيه: "يا هناه" حيث بناه على فعال؛ لأن أصله الهاء وأدخلت عليه الألف لمد الصوت في النداء.
[ ٣ / ١١٠٣ ]
الأول: أن الهاء في "هناه" بدل من لام الكلمة، والأصل هناو، وهو مذهب أكثر البصرين.
والثاني: أنها بدل من همزة مبدلة من الواو فهي بدل "بدل"١ اللام، وهو مذهب ابن جني.
والثالث: أن اللام محذوفة والألف والهاء زائدتان في نفس البناء على حد زيادة الهمزة في أحمر.
والرابع: أن اللام محذوفة "أيضا"٢ والألف هي التي تلحق المنادى البعيد والمندوب والهاء للسكت، وهو مذهب الفراء واختيار المصنف وابن عصفور، ويدل على صحته كسرها، لالتقاء الساكنين.
والقول الآخر: أن أصل مادته "هـ. ن. ة" فهو من باب سلس، وهو مذهب أبي زيد.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن أصل "هن" ومادته "هـ. ن. ن" مستدلا بما حكاه أبو الخطاب من قولهم: "يا هنانان" في التثنية يريد: "يا هنان" لكان مذهبا.
ومن المسموع: "فُلُ" وقد أشار إليه بقوله:
وفُلُ بعض ما يُخَص بالندا
يقال: "يا فل" للرجل، و"يا فلة" للمرأة.
واختلف فيهما، وفمذهب سيبويه أنهما كناية عن نكرتين، ففُلُ: كناية عن رجل، وفُلَةُ: كناية عن امرأة.
وذهب الكوفيون إلى أن أصلهما فلان وفلانة فرخما، ورد بأنه لو كان مرخما لقيل فيه "فلا"، ولما قيل في التأنيث فلة.
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "مبدلة". ٢ أ، ج.
[ ٣ / ١١٠٤ ]
وذهب الشلوبين وابن عصفور وصاحب البسيط: إلى أن "فل" كناية عن العَلَم بمعنى يا فلان، وهذا مذهب الناظم، فإنه صرح في شرح التسهيل وغيره، بأن "يا فل" بمعنى يا فلان. و"يا فلة" بمعنى يا فلانة، قال: وهما الأصل، ولا يستعملان منقوصَيْن في غير نداء إلا في ضرورة.
قلت: وهو موافق لمذهب الكوفيين في أنهما بمعنى فلان وفلانة، مخالف له في الترخيم.
فإن قلت: قوله: وهما الأصل "يعني"١ موافقة الكوفيين "في الترخيم"٢.
"قلت: قد رد المصنف مذهب الكوفيين في أنهما ترخيم"٣ فلان وفلانة بالوجهين السابقين، فعلم أنه غير موافق لهم على ذلك، بل هما عنده من "قبيل"٤ ما حذف منه لغير ترخيم.
ومن المسموع: "لُؤمان" و"نَومان" وقد نبه عليهما بقوله:
لُؤْمَان نَوْمَان كذا
أي: مختصان بالنداء.
أما "لؤمان" -بالهمز وضم اللام- فمعناه يا عظيم اللؤم، ومثله:
"يا مَلأمُ" و"يا مَلأمَان"٥.
وأما "نومان" -بفتح النون- فمعناه يا كثير النوم٦.
"تنبيهان":
الأول: الأكثر في بناء "مَفْعَلان" نحو "مَلْأَمَان" أن يأتي في الذم. وقد جاء في المدح "يا مَكْرَمَان"٧. حكاه سيبويه والأخفش، و"يا مَطْيَبَان".
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ أ، ج. ٤ ب، وفي أ، ج "قبل". ٥ أ، ج. ٦ أ، ج. ٧ بفتح الراء، هو العزيز المكرم.
[ ٣ / ١١٠٥ ]
وزعم ابن السيد: أنه مختص بالذم، وأن "مَكْرَمَان" تصحيف "مَكْذَبان". وليس بشيء.
الثاني: قال في شرح الكافية -بعد أن ذكر ملأم، ولؤمان، وملأمان، ومكرمان:
وهذه الصفات مقصورات على السماع بإجماع. انتهى. وتبعه الشارح، وهو صحيح في غير "مَفْعَلان"، فإن فيه خلافا أجاز بعضهم القياس عليه، فنقول: "يا مَخْبَثان"، وفي الأنثى "يا مَخْبَثانة".
ثم انتقل إلى المقيس فقال:
واطردا
في سب الأنثى وَزْنُ يا خَبَاثِ
اطراده مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يكون في السب.
والثاني: أن يكون من ثلاثي كالنوع الذي يليه.
وسبب بنائه على الكسر شبهه بنزال عدلا وزنة وتأنيثا.
تنبيه:
كلام المصنف في الكافية والتسهيل وكلام الشارح يوهم أن في القياس عليه خلافا؛ لنصه على سيبويه وحده.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أعلم فيه خلافا، وفي الارتشاف -في باب ما لا ينصرف- قال بعضهم: لا يقاس، فلا يقال: "يا قباح" قياسا على "فساق".
ثم استطرد فقال:
والأمر هكذا من الثلاثي
يعني أن بناء "فَعَال" للأمر مطرد من كل فعل ثلاثي نحو "نَزَالِ" و"تَرَاكِ" هذا مذهب سيبويه، وخالفه المبرد فقال: "لا يقال منه إلا"١ ما سمع.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١١٠٦ ]
فإن قلت: أهمل المصنف من شروط القياس على هذا النوع أربعة شروط:
الأول: أن يكن مجردا، فأما غير المجرد فلا يقال منه إلا ما سمع نحو: دراك.
والثاني: أن يكون تاما، فلا يُبنى من الناقص.
والثالث: أن يكون متصرفا.
والرابع: أن يكون كامل التصرف، لا يُبنى من يذر ويَدعُ.
قلت: اشتراط بعض هذه الشروط واضح، فلم يتعرض له، وقوله: "ثلاثي" محمول على المجرد كما تقدم في التعجب.
ثم رجع إلى المسموع فقال:
وشاع في سب الذكور فُعَلُ ولا تَقِسْ
يعني: أن ما عدل إلى فُعَل في سب الذكور نحو" يا خُبَث" و"يا فُسَق" و"يا غُدَر" و"يا لُكَع" شائع، ومع شياعه لا يقاس عليه، قيل: والمسموع منه هذه الأربعة.
ونص المغاربة "على"١ أنه ينقاس عليه، ونقله في البسيط عن سيبويه، ومن قاس عليه فبالشروط السابقة.
ثم نبه على أن بعض هذه الألفاظ قد استعمل في غير النداء ضرورة، بقوله:
وجُرّ في الشعر فُلُ
يعني في قول الراجز٢:
_________________
(١) ١ ب. ٢ قائله: هو ابو النجم العجلي، يصف إبلا قد أقبلت متزاحمة وأثارت غبارا. وتمامه: تضل منه إبلي بالهوجل في لجة وهو من الرجز. وصدره في الأشموني والعين: تدافع الشيب ولم تقتل =
[ ٣ / ١١٠٧ ]
أمسك فلانا عن فُلِ
تنبيهان:
الأول: الحاصل من كلام سيبويه أن "فل" في الرجز محذوف من فلان؛ لضرورة الشعر، وليس هو المختص بالنداء، بل هو غيره، ومعناهما مختلف؛ لأن المختص كناية عن اسم جنس، وهذا كناية عن علم، ومادتهما مختلفة.
فالمختص مادته "ف. ل. ي"، وهو محذوف اللام، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيٌّ".
وهذا مادته "ف. ل. ن"، فلو صغر قلت فيه: "فُلَيْنٌ" وتقدم ما ذهب إليه المصنف.
الثاني: ليس مراده أنه لم يستعمل في غير النداء من الألفاظ المذكورة إلا "فل".
_________________
(١) اللغة: "الهوجل" المراد هنا المفازة الواسعة التي لا أعلام بها، ويطلق على الرجل الأهوج "لجة" -بفتح اللام وتشديد الجيم- الجلبة واختلاط الأصوات في الحرب. المعنى: شبه تزاحم الإبل ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة وشر يدفع بعضهم بعضا فيقال: أمسك فلانا عن فلان. أي: احجز بينهم. وخص الشيوخ لأن الشبان فيهم التسرع إلى القتال. الإعراب: "تضل" فعل مضارع "منه" جار ومجرور متعلق بتضل "إبلي" فاعل تضل والياء مضاف إليه "بالهوجل" جار ومجرور متعلق به "في لجة" جار ومجرور متعلق به أيضا "أمسك" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة مقول لقول محذوف. أي: يقال فيها: أمسك إلخ "فلانا" مفعول به "عن فل" جار ومجرور متعلق بأمسك. الشاهد فيه: "فل" قد استعمل في غير النداء، وجرها بحرف الجر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٤٦٠/ ٢، وابن هشام ٢٤٩/ ٣، وابن عقيل ٢٠٦/ ٢، والمكودي ص١٢٩ وابن الناظم. وذكر سيبويه ٣٣٣/ ١، ١٢٢/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٧٧/ ١.
[ ٣ / ١١٠٨ ]
بل "ذكرها"١. تنبيها على ورود نظيره، ومنه قوله٢:
قَعِيدَته لَكَاعِ
وخرجه بعضهم على تقديم: يقال لها: يا لكاع، فحذف القول وحرف النداء.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، ج "ذكر". ٢ قائله: الخطيئة -واسمه جرول- يهجو امرأته -وهو من الوافر- وتمامه: أُطوِّف ما أطوف ثم آوِى إلى البيت اللغة: "أطوف" أكثر الدوران "آوي" مضارع أوى إلى منزله "قعيدته" قعيدة البيت المرأة؛ لأنها تطيل القعود فيها "لكاع" متناهية في الخبث. المعنى: أنا أكثر دوراني وارتيادي الأماكن عامة النهار في طلب الرزق وتحصيل القوت، ثم أعود إلى بيتي فلا تقع عيني فيه إلا على امرأة شديدة الخبث متناهية في الدناءة واللوم. الإعراب: "أطوف" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "ما" مصدرية "أطوف" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه. وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول مطلق قوله أطوف الأولى "ثم" حرف عطف "آوي" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه "إلى بيت" جار ومجرور متعلق بآوي "قعيدته" مبتدأ والضمير مضاف إليه "لكاع" خبر المبتدأ، والجملة في محل جر نعت لقوله: بيت. الشاهد: "لكاع" على وزن فَعَالِ، وقد استعمل في غير النداء للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢١٥/ ٣، وابن عقيل ٧٨/ ١، وابن الناظم، والشاهد ١٤٩ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٠٩ ]
الاستغاثة:
هي نداء من يخلِّص من شدة، أو يعين على مشقة.
وللمستغاث ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يجر بلام مفتوحة، وهذا أكثر أحواله.
الثانية: أن يجاء في آخره بألف معاقبة للام.
الثالثة: أن يجرد من اللام والألف ويجعل كالمنادى المطلق نحو: "يا زيد لعمرو" وهذه أقلها. ومنها قوله١:
ألا يا قوم لِلعجَبِ العجيبِ
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله وهو من الوافر. وتمامه: ولِلغفلات تَعْرِضُ للأَرِيبِ اللغة: "الغفلات" جمع غفلة -مصدر غفل عن الشيء- لم يلتفت إليه ولم يلقَ إليه باله "تعرض له" تنزل به "الأريب" العالم بالأمور البصير بالعواقب. المعنى: أستغيث وأدعو قومي ليعجبوا العجب كله، وينظروا كيف تحدث الغفلة وعدم الانتباه للبصير بالأمور الخبير العواقب. الإعراب: "ألا" أداء تنبيه "قومي" مستغاث به منادى، منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء بكسر الميم، ويجوز أن يكون مبنيا على الضم إذا قدر قطعه عن الإضافة "للعجب" جار ومجرور مستغاث لأجله -متعلق بيا- أو بالفعل المحذوف "العجيب" صفة للعجب "وللغفلات" معطوف عليه "تعرض" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله مستتر فيه وهو يعود على الغفلات، والجملة من الفعل المضارع وفاعله في محل نصب حال من الغفلات "للأريب" جار ومجرور متعلق بقوله: تعرض. الشاهد فيه: "يا قوم" حيث جاء بالمستغاث به خاليا من اللام المفتوحة في أوله، ومن الألف في آخره. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢٥/ ٣، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٥.
[ ٣ / ١١١٠ ]
وقد ذكر الثلاثة في الكافية، واقتصر هنا على الأولين كالتسهيل؛ لقلة الثالث. فأشار إلى الأول بقوله:
إذا استُغيث اسمٌ منادى خُفِضَا باللام مفتوحا كَيَا للمُرْتَضَى
إنما جر المستغاث باللام للتنصيص على الاستغاثة، وفتحت لوقوعه موقع المضمر، ولكونه منادى، وليحصل بذلك فرق بينه وبين المستغاث من أجله، وإنما أعرب مع كونه منادى مفردا معرفة؛ لأن "تركيبه"١ مع اللام أعطاه شبها بالمضاف. وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن "استغاث" متعد بنفسه لقوله: "إذا استُغيث اسم منادى".
والنحويون يقولون: مستغاث به.
قال في شرح التسهيل: وكلام العرب بخلاف ذلك، والمعروف في اللغة تعدي فعله بنفسه.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ٢.
وقيل: بل هو يتعدى بوجهين، وقد جاء "تعديه"٣ بالباء في أبيات.
الثانية: أن المستغاث معرب؛ لقوله: "خفضا" وتقدم بيانه.
الثالثة: أنه يجوز أن يكون بأل، وإن كان منادى؛ لأن حرف النداء لم يباشرها. فُهِمَ "ذلك"٤ من تمثيله، وهو مجمع عليه.
فإن قلت: يرد على عبارته ثلاثة أشياء:
الأول: أنه قال: "اسم منادى" وأطلق فأوهم أنه يجوز نداؤه بغير ياء، وذلك غير جائز، فإن المستغاث لا يُنادى إلا بيا.
_________________
(١) ١ "أ" وفي ب، ج "تركبه". ٢ من الآية ٩ من سورة الأنفال. ٣ ب، ج، وفي أ "تعديته". ٤ ب، وفي أ، ج "بذلك".
[ ٣ / ١١١١ ]
والثاني: أنه قال "خفضا باللام" بصيغة الجزم، وقد تقدم أنه ليس بلازم، وبل هو الأكثر.
والثالث: أنه قال: "مفتوحا" وأطلق، وثَمَّ موضع يكسر فيه وهو مع ياء المتكلم في نحو "يَالِي". وقد أجاز أبو الفتح في قوله١:
فَيَا شَوْقِ ما أبقى ويَالِي من النَّوَى
أن يكون استغاث بنفسه "وأن يكون استغاث لنفسه"٢.
قلت: الجواب على الأول أن قوله بعد: "إِنْ كرَّرْتَ يا" يرشد إلى ذلك؛ إذ لم يقل: إن كررت حرف النداء.
وعن الثاني: أن قوله بعد: "ولامُ ما استُغيث عَاقَبَتْ أَلِفْ" يوضح أن جره باللام ليس بلازم.
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو الطيب -أحمد بن الحسين- المتنبي، وهو من الطويل. وتمامه: ويا دَمْعُ ما أجرى ويا قلب ما أصْبى اللغة: "النوى" -بفتح النون والواو مقصورا- البعد "ما أصبى" من صبا يصبو إذا مال، ومنه الصبى؛ لأنه يميل إلى كل شيء. الإعراب: "فيا" يا حرف نداء والمنادى محذوف. أي: فيا قوم شوقي ما أبقاه، أو تكون يا لمجرد التنبيه "شوق" مبتدأ وأصله شوفي بياء المتكلم فحذفت اكتفاء بالكسر "ما أبقى" ما للتعجب في محل رفع بالابتداء، وجملة أبقى في محل رفع خبره، والعائد محذوف ما أبقاه، ونفس الكلام تقوله في: ويا دمع ما أجرى، وفي: يا قلب ما أصبى "يا" حرف نداء واستغاثة "لي" جار ومجرور متعلقان بفعل ومحذوف تقديره: أدعو نابت عنه "يا" عند الجمهور، إن كان مستغاثا به، أو بيا نفسها عند الفارسي وابن جني، وإن كان مستغاثا لأجله فالجار والمجرور متعلقان بوصف محذوف حال من المنادى، والتقدير: يا لزيد مدعوا إلى. الشاهد فيه: "ويالي من النوى" فإن اللام فيه لام الاستغاثة وهي مكسورة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٤٦١/ ٢، وابن هشام في المغني. ٢ أ، ج.
[ ٣ / ١١١٢ ]
وعن الثالث: أن كسر اللام مع ياء المتكلم معلوم وجوبه في كل موضع فهو "يقيد"١ الإطلاق، على أن ان عصفور قال: الصحيح عندي أن "يالي" حيث وقع مستغاث له، والمستغاث به محذوف.
وعلل ذلك بأن العامل في المستغاث فعل النداء المضمر، فيصير التقدير: يا أدعو لي، وذلك غير جائز في غير "ظننت" وما حمل عليها، إلا أن في لزوم هذا لابن جني نظرا؛ لأن اللام تتعلق عنده بحرف النداء.
تنبيهان:
الأول: اختلفوا في اللام الداخلة على المستغاث، فقيل: هي بقية آل، والأصل: يا آل زيد، وزيد مخفوض بالإضافة، ونقله المصنف عن الكوفيين، ونقله صاحب النهاية عن الفراء. وفي نسبته إلى الفراء نظر.
لأن الفراء "حكى"٢ أن من الناس من زعم أنها بقية من آل، فظاهر حكايته أنه ليس مذهبا له.
وذهب الجمهور إلى أنها لام الجر، ثم اختلفوا فقيل: زائدة فلا تتعلق بشيء، وهو اختيار ابن خروف، وقيل: ليس بزائدة فتتعلق، وفيما تتعلق به على هذا قولان:
أحدهما: أنها تتعلق بالفعل المحذوف، وهو مذهب سيبويه، واختيار ابن عصفور.
الثاني: أنها تتعلق بحرف النداء، وهو مذهب ابن جني.
الثالث: إذا وصف المستغاث جرت صفته نحو: "يَا لزيد الشجاع لِلمظلوم"، وفي النهاية لا يبعد نصب الصفة حملا على الموضع؛ لأن الجار والمجرور لا بد له من شيء يتعلق به.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "مقيد". ٢ أ، وفي ب، وج "حكم".
[ ٣ / ١١١٣ ]
وقوله:
وافْتَحْ مع المعطوفِ إِنْ كررْتَ يا وفي سِوَى ذلك بالكسر ائْتِيَا
إذا عطف على المستغاث فإما أن تتكرر "يا" أو لا.
فإن تكررت فتحت اللام كقوله١:
يا لَقومي ويا لأمثال قومي لأناس عُتُوُّهُمْ في ازدياد
وإن ولم تتكرر كسرت نحو٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على قائله، وقال العيني: أنشده الفراء ولم يعزه إلى قائل، وهو من الخفيف. اللغة: "عتوهم" العتو: الاستكبار "في ازدياد" زيد يوما بعد يوم. المعنى: أستغيث بقومي وبأمثالهم في النجدة والشجاعة ليمنعوني من قوم يزدادون علوا واستكبارا عليَّ، ويظلمونني بغير سبب. الإعراب: "يا" حرف نداء واستغاثة "لقومي" اللام حرف جر أصلي وهي مقتوحة وقومي مجرور بها، والجار والمجرور في محل نصب متعلق بأدعو، وقيل: اللام زائدة لا يتعلق بشيء. والمستغاث منصوب بفتحة مقدرة منع منها حرف الجر الزائد، وذهب الكوفيون إلى أن اللام اسم مضاف لما بعده وأن الأصل يا آل فحذفت الهمزة للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين "ويا لأمثال" إعرابه كذلك "قومي" مضاف إليه "لأناس" متعلق بمحذوف؛ أي: أدعوكم لأناس "عتوهم" مبتدأ ومضاف إليه "في ازدياد" جار ومجرور خبر، والجملة في محل جر صفة لأناس. الشاهد فيه: "يا لقومي" و"يا لأمثال" حيث فتحت اللام فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٢/ ٢، والمكودي ص١٢٩، والسيوطي ص١٠٤، وابن هشام ٢٥٤/ ٣، وفي القطر ص٢٢٠. ٢ قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط. وصدره: يبكيك ناء بعيد الدار مغترب اللغة: "يبكيك" يبكي عليك "ناء" اسم فاعل من نأى ينأى بمعنى بعد "مغترب" غريب "الكهول" -جمع كهل- وهو من جاوز الثلاثين، وقيل: الأربعين. المعنى: يبكيك ويحزن لفقدك الأباعد الغرباء، حينما كنت تسدي إليهم من معروف، وقد يسر الأقارب لما يرثونه منك بعد فقدك، فهيا معشر الكهول والشبان لمشاركتنا في العجب من ذلك. =
[ ٣ / ١١١٤ ]
يالَلْكَهُولِ وَلِلشُّبَّانِ لِلْعَجَبِ
وإنما كسرت لأمن اللبس.
فإن قلت: فهل هي لازمة في المعطوف؟
قلت: لا؛ لقوله١:
يا لَعَطَّافِنَا ويَالرباح وأبي الحشرج الفتى النَّفَّاح
فجمع بين الأمرين.
واعلم أن قوله: "سوى ذلك" يعني به سوى ما ذكر من المستغاث والمعطوف المعاد معه "يا" فشمل شيئين:
_________________
(١) = الإعراب: "يبكيك" فعل ومفعول "ناء" فاعل يبكي "بعيد الدار" صفة لناء وإضافته للدار غير محضة؛ ولذلك وقع صفة للنكرة "مغترب" صفة ثانية "يا للكهول" يا حرف نداء واستغاثة واللام حرف جر والكهول مجرور بها والجار والمجرور متعلق بمحذوف -كما سبق- وهو مستغاث له. الشاهد فيه: "للشبان" حيث كسرت فيه اللام وإن كان القياس فتحها؛ لكونها معطوفة على اللام الأولى، لكن لما زال اللبس ولم يتكرر حرف النداء كسرت، وأيضا "للعجب". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٢/ ٢، وابن هشام ٢٥٦/ ٣، وفي القطر ص٢٢١، والسيوطي ص١٠٤، وفي الهمع ١٨٠/ ١، والشاهد ١٠٧ في الخزانة. ١ قائله: هو من أبيات سيبويه المجهولة، وهو من الخفيف. اللغة: "عطاف" و"رباح" و"أبي الحشرج" -أسماء الشاعر- فالشاعر يرثي هؤلاء "النفاح" -بالنون والفاء المشددة-الكثير العطاء. الإعراب: "يا لعطافنا" يا حرف نداء واللام مفتوحة، وأبي الحشرج عطف على ما قبله، والتقدير: يا لأبي الحشرج "الفتى" بدل من أبي الحشرج "النفاح" صفته. الشاهد فيه:
(٢) "يا لرباح" حيث فتحت فيه اللام لتكرار "يا".
(٣) ترك اللام في المعطوف كما في قوله: "وأبى الحشرج" إذ أصله ويا لأبي الحشرج. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٢/ ٢، وذكره سيبويه ٣١٩/ ١، وابن يعيش ١٣١/ ١، والسيوطي في الهمع ١٨٠/ ١، والشاهد ١٠٨ في الخزانة.
[ ٣ / ١١١٥ ]
أحدهما: المعطوف الذي لم تعد معه "يا" كما تقدم، والآخر المستغاث من أجله.
تنبيهات:
الأول: ما ذكره عن كسر اللام مع المستغاث من أجله، إنما هو في الأسماء الظاهرة، فأما الضمير فتفتح اللام معه إلا مع الياء نحو: "يا لَزيد لك".
وإذا قلت: "يا لك" احتمل الأمرين، وقيل في قوله١:
فيَا لَك من ليل كأن نجومه
إن اللام فيه للاستغاثة.
الثاني: اختلف فيما تتعلق به اللام الجارة للمستغاث من أجله، فقيل: بحرف النداء.
وقيل: بفعل محذوف؛ أي أدعوك لزيد٢، وقيل: بحال محذوفة؛ أي مدعوا لزيد.
وقد علم بهذا أن قول ابن عصفور أنها تتعلق بفعل مضمر تقديره: أدعوك قولا واحدا ليس كما قال.
_________________
(١) ١ قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من الطويل. وتمامه: بكل مُغَار الفَتْل شدَّتْ بِيَذْبُلِ اللغة: "مغار الفتل" محكم الفتل "بيذبل" -بفتح الياء وسكون الذال وضم الباء- اسم جبل. الإعراب: "فيا لك" يا حرف نداء، واللام في لك للاستغاثة. كأنه قال: يا ليل ما أطولك "من ليل"، من حرف جر وليل مستغاث من أجله وجر بمن؛ لأنها للتعليل "كأن" للتشبيه "نجومه" اسم كأن والهاء مضاف إليه "شدت بيذبل" جملة في محل رفع خبر كأن. الشاهد فيه: "فيا لك" حيث جاءت اللام فيه للاستغاثة، وفتحت اللام فيه مع أنه مستغاث من أجله. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٤٦٣/ ٢. ٢ بفعل محذوف؛ أي: مقدر بعد المستغاث، والكلام على هذا جملتان بخلافه على الأول والثالث.
[ ٣ / ١١١٦ ]
الثالث: قد يجر المستغاث من أجله بمن لأنها قد تأتي للتعليل بمعنى اللام كقوله١:
يا لَلرجال ذوي الألباب من نَفَر لا يَبرحُ السفه الْمُرْدي لَهم دينا
الرابع: قد يحذف المستغاث قيل "يا" المستغاث من أجله؛ لكونه غير صالح لأن يكون مستغاثا كقوله٢:
يا لأُنَاس أَبَوْا إلا مُثابرة على التوغل في بَغْيٍ وعدوان
الخامس: قد يكون المستغاث مستغاثا من أجله نحو: "يا لَزيد لزيد" أي: أدعوك لتنصف من نفسك.
ثم أشار إلى ثاني أحوال المستغاث بقوله:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. اللغة: "ذوي الألباب" -جمع لُب بضم اللام- وهو العقل "النفر" الرجال من ثلاثة إلى عشرة "السفه" خفة العقل "المردي" فاعل من أردى من الإرداء، وهي الدناءة. الإعراب: "يا للرجال" يا حرف نداء واللام للاستغاثة، وهي مفتوحة، والرجال مجرور بها "ذوي" صفة للرجال "الألباب" مضاف إليه "من نفر" من حرف جر ونفر مستغاث من أجله "لا يبرح" بمعنى لا يزال من أخوات كان "السفه" اسمه "المردي" صفته "دينا" خبره، والجملة في محل الجر؛ لأنها صفة لنفر. الشاهد فيه: "من نفر" حيث جر المستغاث من أجله بكلمة "من". مواضعه: ذكره الأشموني ٤٦٣/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٨٠/ ١. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. اللغة: "أبوا" -من الإباء- وهو الامتناع "مثابرة" مواظبة ومداومة "التوغل" -بتشديد الغين- وهو التعمق في الدخول في الشيء "البغي" الظلم. الإعرب: "يا لأناس" يا حرف نداء واللام في لأناس مكسورة وهو مستغاث له، والمستغاث به محذوف، تقديره: يا لقومي لأناس "أبوا" جملة من الفعل والفاعل "إلا" أداة استثناء "مثابرة" منصوب على الاستثناء "على التوغل" جار ومجرور متعلق بمثابرة "في بغي" جار ومجرور متعلق بالتوغل "وعدوان" عطف على بغي. الشاهد فيه: "يا لأناس" فإنه مستغاث به اتصل بيا، مجرورا باللام المكسورة وحذف منه المستغاث "يا لقومي لأناس". مواضعه: ذكره الأشموني ٤٦٤/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٨١/ ١.
[ ٣ / ١١١٧ ]
ولام ما استغيث عاقبت ألف
يعني: أن الألف تعاقب لام الاستغاثة فلا يجتمعان، تقول: "يا لزيد" و"زيدا" ولا يجوز "يا لزيدا".
ومن وروده بالألف قوله١:
يا يزيدا لآمل نيل عز
وقوله:
ومثله اسم ذو تعجب ألف
يعني: أن المتعجب منه إذا نودي عومل معاملة المستغاث من غير فرق، فيجوز جره بلام مفتوحة نحو قولهم: "يا لَلماء" و"يا لَلعجب".
ويجوز الاستغناء عن اللام بالألف نحو: "يا عجبا"، وقد يخلو منهما، نحو: "يا عجب".
تنبيهات:
الأول: جاء عن العرب في نحو: "يا للعجب" فتح اللام باعتبار استغاثته، وكسرها باعتبار الاستغاثة من أجله، وكون المستغاث محذوفا.
الثاني: التعجب بالنداء على وجهين:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف. وتمامه: وغنى بعد فاقة وهوان اللغة: "آمل" اسم الفاعل من الأمل، وهو الرجاء والتوقع "نيل" حصول "فاقة" فقر وحاجة "هوان" مذلة واحتقار. المعنى: أستغيث بك يا يزيد، وأدعوك لمن يرجو الثراء والقوة، بعد الفقر والذلة. الإعراب: "يا" حرف نداء واستغاثة "يزيدا" منادى مستغاث به مبني على ضم مقدر منع منه حركة مناسبة ألف الاستغاثة في محل نصب، والألف عوض عن لام الاستغاثة "لآمل" متعلق بيا أو بالفعل المحذوف "نيل" مفعول لآمل "عز" مضاف إليه، وفيه ضمير هو فاعله؛ لأنه اسم فاعل "وغنى" معطوف على عز "بعد" منصوب على الظرفية "فاقة" مجرور بالإضافة "وهوان" عطف عليه. الشاهد فيه: يا يزيدا، فإنه مستغاث به اختتم بالألف، ولم يؤتَ معه باللام المفتوحة التي تدخل عليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٣/ ٢، وابن هشام ٢٥٧/ ٣، والسيوطي ص١٠٤، وابن الناظم.
[ ٣ / ١١١٨ ]
أحدهما: أن ترى أمرا عظيما فتنادي جنسه نحو: "يا للماء".
ثانيهما: أن ترى أمرا تستعظمه فتنادي مَن له نسبة إليه ومكنة فيه نحو: "يا للعلماء".
والثالث: إذا وقفت على المستغاث أو المتعجب منه حالة إلحاق الألف جاز الوقف بهاء السكت.
[ ٣ / ١١١٩ ]
الندبة:
هي نداء المتفجع عليه أو المتوجع منه، وهي من كلام النساء غالبا، والمندوب هو المذكور بعد "يا" أو "وا" تفجعا لفقده حقيقة؛ كقول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه١:
وقُمتَ فيه بأمر الله يا عُمَرا
أو حكما؛ كقول عمر بن الخطاب ﵁: "واعمراه واعمراه" حين أُعلم بجدب شديد أصاب قوما من العرب.
أو توجعا؛ لكونه محل ألم، نحو قوله٢:
فواكبدا من حب من لا يحبني ومن عبرات ما لهن فناء
_________________
(١) ١ البيت من البسيط وصدره: حُمِّلتَ أمرا عظيما فاصطبرت له اللغة: "حملت" بالبناء للمجهول مع تشديد الميم -أي: كلفت أمرا عظيما، أراد به الخلافة "اصطبرت" بالغت في الصبر والاحتمال. المعنى: كلفت الخلافة وعهد إليك بشئون المسلمين في وقت عم فيه الظلم وفشا الجور فصبرت على تلك المشاق وقمت بما أمرك به الله ونشرت العدل بين الناس. الإعراب: "حملت" فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل مفعول أول "أمرا" مفعول ثان "فاصطبرت" معطوف على حملت "له" جار ومجرور متعلق في محل نصب مفعول فاصطبرت "يا عمرا" يا حرف نداء وندبة وعمرا منادى مندوب مبني على الضم المقدر منع ممن ظهوره فتحة مناسبة ألف الندبة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٤/ ٢، وابن هشام ٢٦٠، ٢١٨/ ٣. ٢ قائله: لم أقف على قائله، وهو من الطويل. الإعراب: "واكبدا" وا للندبة، كبدا مندوب "من حب" جار ومجرور "من" اسم موضول مضاف إليه "لا يحبني" لا نافية، ويحبني عل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير، والجملة لا محل لها صلة الموصول "ومن عبرات" جار ومجرور "ما" نافية للجنس "لهن" جار ومجرور خبرها مقدم "فناء" اسمها. الشاهد: قوله "واكبدا" حيث ختم بألف الندبة للتوجع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٤/ ٢.
[ ٣ / ١١٢٠ ]
أو سببه كقوله١:
وتقول سلمى وازيتيه
وحكم المندوب حكم المنادى، فلهذا قال: ما للمنادى اجعل لمندوب.
يعني: أنه يضم إذا كان مفردا نحو "وازيد" وينصب إذا كان مضافا أو مطولا نحو: "واعبد الله" و"واضربا عمرا"٢.
وإذا اضطر شاعر إلى "تنوينه"٣ جاز ضمه ونصبه كقوله٤:
_________________
(١) ١ قائله: عبد الله بن قيس الرقيات يرثي قوما من قريش قتلوا بالمدينة يوم الحرة. وصدره: تبكيهم أسماء معولة وهو من الكامل. اللغة: "معولة" من أعولت المرأة إعوالا: الصياح "وارزيتيه" الرزية: المصيبة. الإعراب: "تبكيهم" تبكي فعل مضارع والضمير مفعول "أسماء" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "معولة" -بالنصب- حال من أسماء "تقول" فعل مضارع "سلمى" فاعل مرفوع بضمة مقدرة "وارزيتيه" وا للندبة والهاء للسكت، مقول القول. الشاهد: قوله: "وارزيتيه" حيث أغنى عن اسم المندوب ذكر لفظ الرزية. مواضعه: ذكره سيبويه ٣٢١/ ١. ٢ أ، ج. وفي ب "وضاربا عمرا". ٣ ب، ج. وفي أ "تنويه". ٤ قائله: لم اقف على اسم راجزه، ونسبه الكسائي إلى رجل من بنى أسد، وهو من الرجز. وعجزه: أإبلي يأخذها كرَوَّس اللغة: "فقعس" اسم حي من أسد "كروس" -بفتح الكاف والراء وتشديد الواو- وفي الأصل الكروس الرجل الغليظ، وكان كروس أغار على إبل الشاعر؛ فلذلك ندب بقوله: "وافقعسا". الإعراب: "وافقعسا" وا للندبة "أين" اسم استفهام خبر مقدم "مني" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أين صار مني فقعس "فقعس" مبتدأ مؤخر "أإبلى" الهمزة للاستفهام، إبلى مبتدأ والياء مضاف إليه "يأخذها" فعل مضارع ومفعوله "كروس" فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: قوله: "وافقعسا" حيث نونه بالنصب للضرورة ويجوز ضمه أيضا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٤/ ٢، وابن الناظم.
[ ٣ / ١١٢١ ]
وافقْعَسا وأين مني فَقْعَسُ
ثم نبه على ما لا تصح ندبته بقوله:
وما نُكِّر لم يُندب ولا ما أُبهما
الغرض من الندبة الإعلام بعظمة المصاب؛ فلذلك لا يندب إلا المعرفة السالم من إبهام، فلا تندب النكرة.
وأجاز الرياشي ندبة اسم الجنس المفرد، وقد جاء في الأثر: "واجبلاه" وهو نادر.
ولا يندب المبهم كاسم الإشارة والموصول بصلة لا تعينه، لا يقال: "واهذاه"١.
ولا "وامن ذَهَباه" لأن ذلك لا يقع به العذر للمتفجع.
ويجوز أن يندب الموصول بصلة تعينه لشهرتها. وإلى هذا أشار بقوله:
ويُندب الموصول بالذي اشْتَهَرْ كبئر زمزم يلي وامَنْ حَفَرْ
فتقول: "وامن حفر بئر زمزم" لأنه في الشهرة كالعلم.
ثم نبه على ما يلحق آخر المندوب فقال:
ومُنتهى المندوب صله بالألف
يشتمل منتهى المندوب آخر المفرد نحو: "وازيدا"، أو المضاف نحو: "واعبدا الملكا" وما طول به نحو: "واثلاثة وثلاثينا" والصلة نحو: "وامن حفر بئر زمزما" وعجز المركب نحو: "وامعدي كربا".
وقوله: "صله" يعني جوازا؛ لأن المندوب له استعمالان:
أحدهما: أن يجري مجرى غيره من المناديات كما تقدم.
والآخر: أن يوصل بالألف المذكورة.
فإن قلت: أطلق في وصل المندوب بالألف وقيده في التسهيل٢ بألا يكون
_________________
(١) ١ ب، ج. وفي أ "يا هذاه". ٢ التسهيل ص١٨٥.
[ ٣ / ١١٢٢ ]
في آخره ألف وهاء، فلا يقال: "واعبد اللاهاه" ولا "واجهجاهاه في عبد الله" و"جهجاه"١.
قلت: إطلاقه هنا موافق لإطلاق النحويين، وصرح بعض المغاربة بجوازه وفي ألفية ابن معطي.
وفي المضاف: "يا عبيد اللاهاه".
ولا يخلو ما قبل ألف الندبة من أن يكون ساكنا أو مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، فإن كان ساكنا فتح للألف نحو: "وامن يغزواه" و"وامن يرمياه" ما لم يكن ألفا أو تنوينا أو ياء ساكنة مضافا إليها المندوب أو واوا أو ياء لا يقبلان الحركة، فإن كان ألفا حذفت لتعذر تحريكها نحو:
"واموساه".
وأشار إليه بقوله:
مَتْلُوها إن كان مثلها حُذف
أي: متلو ألف الندبة، يعني: الحرف الذي قبلها إن كان ألفا مثلها حذف لما تقدم، وأجاز الكوفيون قياسا قلب الألف فقالوا: "وامُوسياه"، وإن كان تنوينا حذف أيضا؛ لأنه لاحظ له في الحركة وفتح ما قبله، فتقول: "واغلام زيداه" وهذا مذهب سيبويه والبصريين.
وأجاز الكوفيون فيه مع الحذف وجهين: فتحه، فتقول: "واغلام زيدناه" وكسره مع قلب الألف ياء فتقول: "واغلام زيدنيه".
قال المصنف: وما رأوه حسن لو عضده سماع، لكن السماع فيه لم يثبت.
وقال ابن عصفور: أهل الكوفة يحركون التنوين فيقولون: "واغلام زيدناه"، وزعموا أنه سُمع. انتهى.
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١١٢٣ ]
وأجاز الفراء وجها ثالثا، وهو حذفه مع إبقاء الكسرة وقلب الألف ياء؛ فتقول: "واغلام زيديه".
ولا يجيز البصريون إلا الأول.
فإن كان الياء المشار إليها فسيأتي الكلام عليها.
وإن كان واوا لا تقبل الحركة كواو الصلة في نحو: "غلامه" أو ياء كذلك نحو: "غلامه" حذفا، وقلبت الألف إلى مجانس ما قبلها.
وإن كان ما قبل الألف مفتوحا استصحب فتحة نحو: "واعبد يغوثاه" وإن كان ما قبلها مكسورا أو مضموما، فإما أن يوقع فتحه في لبس أو لا، فإن لم يوقع فتحه في لبس وجب فتحه كقولك في عبد الملك: "واعبد الملكاه" وفي من اسمه "قام الرجل" وقام الرجلاه، وإنما فتح لتسلم الألف.
فإن أوقع "في لبس"١ قلبت ألف الندبة ياء بعد الكسرة، وواوا بعد الضمة. فتقول في ندبة "غلام" مضافا إلى ضمير المخاطبة. "واغلامكيه" وفي ندبته مضافا إلى ضمير الغائب "واغلامهوه"؛ إذ لو قلت: "واغلامكاه" لالتبس بالمذكر، ولو قلت: "واغلامهاه" لالتبس بالغائبة.
وذلك مفهوم من قوله:
والشكل حتما أوله مُجانسا إن يكن الفتح بِوَهْمٍ لابسا
الشكل: الحركة، ومجانس الكسرة: الياء، ومجانس الضمة: الواو.
وأشار بقوله: "حتما" إلى وجوب ذلك دفعا للبس.
وفهم من الشروط أن الألف لا تغير إذا كان الفتح لا يلبس كما تقدم.
وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون إتباع الألف للكسرة في المثنى نحو: "وازيدانيه" وفي "المفرد"٢ نحو: "واعبد الملكيه" وفي نحو: "رَقاش" "وارقاشيه"٣.
قوله:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، وفي ب، ج "المعرب". ٣ رقاش: اسم امرأة.
[ ٣ / ١١٢٤ ]
وواقفا زِدْ هاء سَكْتٍ إن تُرِدْ وإن تشأ فالمد والها لا تَزِدْ
إذا وقف على المندوب زيد بعد ألفه أو بدلها هاء السكت، وليست بلازمة بل غالبة؛ لأنه يجوز الاقتصار على المد فيقال: "وازيدا".
وهذا معنى قوله: "وإن تشأ فالمد والها لا تزد" أي: إن تشأ ألا تزيد الهاء فالمد كافٍ وهو كالتنصيص على ما فهم من قوله: "إن ترد" ولو قيل: فالمد بالنصب لأفاد جواز تجريده من المد أيضا، أي: وإن تشأ فلا تزد المد والهاء، بل تجعله كالمنادى غير المندوب وقد تقدم بيانه أول الباب. وقد فهم من قوله: "وواقفا" أن هذه الهاء لا تثبت وصلا، وربما ثبتت في الضرورة مضمومة ومكسورة، وأجاز الفراء إثباتها في الوصل بالوجهين. قوله:
وقائلٌ واعبديا واعبدا مَن في الندا اليا ذا سكون أبدَى
تقدم أن "في"١ المنادى المضاف إلى ياء المتكلم "نحو: "يا عبد""٢ ست لغات:
فإذا ندبت على لغة من يقول: "يا عبد" -بالكسر- أو "يا عبد" -بالفتح- أو "يا عبد" -بالضم- أو "يا عبدا" -بالألف.
قلت: "واعبدا" لما علمت، وإذا ندبت على لغة من أثبت الياء مفتوحة قلت: "واعبديا". وإذا "ندبت"٣ على لغة من أثبتها ساكنة وهو المشار إليه في البيت فوجهان:
أحدهما: أن تحذفها لالتقاء الساكنين، وتفتح ما قبلها فتقول: "واعبدا".
والثاني: أن تفتحها لقبولها الحركة فتقول: "واعبديا".
والحذف مذهب المبرد، والفتح مذهب سيبويه.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج. ٣ ب. وفي أ، ج "قلت".
[ ٣ / ١١٢٥ ]
الترخيم:
الترخيم في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يقال: صوت رخيم، أي رقيق. وفي الاصطلاح: حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص.
وهو على ثلاثة أنواع: ترخيم النداء، وترخيم الضرورة، وترخيم التصغير، والمذكور في هذا الباب الأولان، ويأتي الثالث في بابه إن شاء الله تعالى.
أما ترخيم النداء، فهو حذف آخر المنادى تخفيفا، وقد أشار إليه بقوله:
ترخيما احذف المنادى
ثم مثله بقوله:
كيا سُعا فيمن دعَا سُعَادَا
في قوله من دعا "سعاد"١ فحذف المضاف.
فإن قلت: فما وجه نصبه ترخيما؟
قلت: أجاز "فيه"٢ الشارح أن يكون مفعولا له أو مصدرا في موضع الحال، أو ظرفا على حذف مضاف٣. فهذه ثلاثة أوجه.
ويحتمل رابعا: وهو أن يكون مفعولا مطلقا وناصبه احذف؛ لأنه يلاقيه في المعنى٤.
ثم أخذ في بيان ما يجوز ترخيمه فقال:
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، ج. ٣ أي: وقت ترخيم، وهو وقت اجتماع شروط الترخيم. ٤ وأجاز المكودي وجها خامسا، وهو أن يكون مفعولا مطلقا لعامل محذوف، أي: رخم ترخيما.
[ ٣ / ١١٢٦ ]
وجَوِّزْنَه مطلقا في كل ما أنت بالها
المنادى ضربان: مؤنث بالهاء ومجرد منها.
فالمؤنث بها يجوز ترخيمه مطلقا، أي: بلا شرط فيرخم علما وغير علم، وثلاثيا وأزيد نحو١:
أفاطمُ مَهلا بعض هذا التدلل
_________________
(١) ١ قائله: هو امرؤ القيس، وهو من الطويل. وعجزه: وإن كُنْتِ قد أزمعتِ صَرْمِي فأَجْمِلِي اللغة: "أفاطم" فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة من عذرة "أزمعت" عزمت ووطنت نفسها "صرمي" هجري وقطيعتي "أجملي" أحسني. المعنى: ترفقي بي يا فاطمة واتركي الدلال وإظهار الهجر، وإن كنت قد اعتزمت هجري حقا، ووطنت نفسك عليه، فأحسني في ذلك. الإعراب: "أفاطم" الهمزة للنداء وفاطم منادى مرخم بحذف التاء "مهلا" مفعول مطلق منصوب بمحذوف "بعض" مفعول به لمحذوف أيضا، أي دعي بعض "هذا" مضاف إليه "التدلل" بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة "وإن كنت" شرط وفعله والتاء اسم كان "قد أزمعت صرمي" الجملة خبر كان "فأجملي" الفاء واقعة في جواب الشرط، وأجملي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل. الشاهد فيه: قوله "أفاطم" فهو اسم مؤنث مرخم بحذف التاء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٧/ ٢، وابن هشام ٢٧٦/ ٣، والمغني ١/ ٩، وسيبويه ١٧٢/ ٢.
[ ٣ / ١١٢٧ ]
ونحو١:
جارِيَ لا تستنكري عَذيري
و"يا شا ادجُنِي" أي: أقيمي٢ يقال: دَجَنَ بالمكان يَدْجُن دُجُونا: أقام به. فإن قلت: كيف قال مطلقا، ولترخيمه خمسة شروط:
الأول: أن يكون معينا، فلا يجوز ترخيم النكرة غير المقصودة كقول الأعمى: "يا امرأة خُذي بيدي"٣.
_________________
(١) ١ قائله: هو العجاج بن رؤبة يخاطب امرأته، وهو من الرجز. وعجزه: سَيْرِي وإشفاقي على بعيري اللغة: "لا تستنكري" لا تعديه أمرا منكرا "عذيري" بفتح العين وكسر الذال وسكون الياء، العذير: ما يعذر الإنسان في عمله، والمراد هنا: الحال التي يزاولها. المعنى: يا جارية لا تنكري على تأهبي للسفر والذهاب في الأرض للبحث عن العيش، وإشفاقي على بعيري، فالسعي واجب على كل إنسان، والعطف على الحيوان من الإيمان. الإعراب: "جاري" منادى مرخم بحذف التاء؛ لأنه نكرة مقصودة، أي: يا جارية "لا" ناهية "تستنكري" مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون والياء فاعل "عذيري" مفعول وياء المتكلم مضاف إليه "سيري" بدل تفصيل من عذيري "وإشفاقي" معطوف عليه، أو الواو بمعنى مع. الشاهد: قوله "جاريَ" منادى مرخم بحذف التاء والتقدير: يا جارية، وحذف منه حرف النداء؛ وذلك ضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٨/ ٢، وابن هشام ٢٦٨/ ٣، والمكودي ص١٣١، وسيبويه ٣٣٠/ ١. ٢ أي: ياشاة أقيمي بالمكان، وهو مثال للثلاثي. ٣ في ب: سقطت امرأة.
[ ٣ / ١١٢٨ ]
والثاني: ألا يكون مضافا، فلا يجوز ترخيم نحو: "يا طلحة الخير"، وأما نحو قوله١:
يا علقم الخير قد طالت إقامتنا
فنادر.
والثالث: ألا يكون مختصا بالنداء فلا يرخم فلة.
والرابع: ألا يكون مندوبا "فإن المندوب"٢ لا يجوز ترخيمه، لحقته علامة الندبة أو لم تلحقه، نص عليه سيبويه.
والخامس: ألا يكون مستغاثا به، فإنه لا يجوز ترخيمه.
قلت: وقد يجاب بأن معنى قوله: مطلقا، أي: بلا شرط من الشروط التي تخص المجرد كالعلمية.
وأما هذه الشروط فاشترك فيها النوعان إلا أن "اشتراطه للإضافة"٣ في المجرد يوهم عدم اشتراطها في المؤنث بالهاء، فيقوى السؤال، وقد استغنى عن الأولين في التسهيل٤ باشتراط "البناء"٥ ولم يذكر "الثالث"٦.
_________________
(١) ١ قائله: لم ينسب لقائل، وهذا الشطر من البسيط. الإعراب: "يا علقم" يا حرف نداء علقم منادى مرخم وأصله يا علقمة وهو منصوب "الخير" مضاف إليه "قد" حرف تحقيق "طالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "إقامتنا" فاعل مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه. الشاهد: قوله: "يا علقم الخير" فإن الشاعر رخم علقمة، والحال أنه مضاف، والخير مضاف إليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٨/ ٢. ٢ ب. ٣ ب، ج. ٤ راجع التسهيل ص١٨٩. ٥ ب، ج. ٦ وفي أ "الثلاثة".
[ ٣ / ١١٢٩ ]
تنبيهات:
الأول: شرط المبرد في ترخيم المؤنث بالهاء العلمية؛ فمنع ترخيم النكرة المقصودة، والصحيح جوازه لما تقدم١.
الثاني: منع ابن عصفور ترخيم "صلعمة بن قلعمة" لأنه كناية عن المجهول الذي لا يعرف، وإطلاق النحاة بخلافه، فليس كونه كناية عن المجهول بمانع؛ لأنه علم جنس.
الثالث: إذا ناديت طلحة ونحوه ورخمت قلت: يا طلحَ ويا طلحُ بالفتح والضم كما سيأتي، وإن لم ترخم قلت: "يا طلحةُ" بضم التاء.
وقد سمع وجه رابع، وهو "يا طلحةَ" بفتح التاء، قال النابغة٢:
_________________
(١) ١ أي: في قوله: أو غير علم مع تمثيله بجاري وياشا. ٢ قائله: هو النابغة الذبياني -زياد بن معاوية- من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأعرج حين هرب إلى الشام، لما بلغه سعي مرة بن ربيعة به إلى النعمان وخافه، وهو من الطويل. وعجزه: وليل أقاسيه بطيء الكواكب اللغة: "كليني" -بكسر الكاف- دعيني "أميمة" اسم امرأة "ناصب" بمعنى منصب من النصب وهو التعب "أقاسيه" أكابده. المعنى: إنه يقول: دعيني لهذا الهم الناصب ومقاساة الليل البطيء الكواكب حتى كأن راعيها ليس بآيب. الإعراب: "كليني" جملة من فعل وفاعل ومفعول والنون للوقاية "لهم" جار ومجرور متعلق بالفعل "ناصب" -بالجر- صفة لهم "يا أميمة" يا حرف نداء وأميمة منادى مبنى على الفتح، وهو معترض بين الصفة والموصوف "وليل" عطف على هم "أقاسيه" أقاسي فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والهاء مفعول به، والجملة في محل جر صفة لليل "بطيء" صفة لليل "الكواكب" مضاف إليه. وكيف يوصف الليل -وهو نكرة- بالمعرفة وهو بطيء الكواكب؛ لأن الإضافة في نية الانفصال. الشاهد: قوله: "يا أميمةَ" حيث جاءت بفتح التاء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٩/ ٢، وذكر السيوطي في الهمع ١٨٥/ ١، وسيبويه ٣٤٦/ ١، والشاهد ١٣٧ في الخزانة، وشرح المفصل ١٠٧/ ٢.
[ ٣ / ١١٣٠ ]
كليني لهم يا أميمةَ نَاصِبِ
فاختلف النحويون فيه، فقال قوم: ليس بمرخم، ثم اختلفوا؛ فقيل: هو معرب نُصب على أصل المنادى ولم ينون لأنه غير منصوب، وقيل: هو مبني على الفتح؛ لأن منهم من يبني المنادى المفرد على الفتح؛ لأنها١ حركة تشاكل حركة إعرابه لو أعرب.
فهو نظير "لا رجلَ في الدار"، وأنشد هذا القائل٢:
يا ريحَ من نحو الشمال هُبِّي
بالفتح، وذهب أكثرهم إلى أنه مرخم فصار في التقدير "يا أميمُ" ثم أقحم التاء غير معتد بها وفتحها؛ لأنها واقعة موقع ما يستحق الفتح وهو ما قبل هاء التأنيث٣، وهذا ظاهر كلام سيبويه.
قلت: فعلى هذا تكون مقحمة بين الحاء والتاء المحذوفة المنوية.
وللفارسي قولان:
أحدهما: أنها زيدت ثم فتحت إتباعا لحركة الحاء.
والثاني: أنها أقحمت بين الحاء وفتحها، فالفتحة التي في التاء هي فتحة الحاء ثم فتحت الحاء إتباعا لحركة التاء.
وقال في شرح التسهيل بعد ذكره مذهب سيبويه: وأسهل من هذا عندي ان تكون فتحة التاء إتباعا لفتحة ما قبلها.
_________________
(١) ١ أي الفتح وأنثه باعتبار الخبر وهو "حركة". ٢ قائله: لم ينسب إلى قائل، وهو شطر من الرجز، وقيل: هذا ليس بشعر. الإعراب: "يا" حرف نداء "ريح" منادى مفرد مفتوح "من نحو" جار ومجرور متعلق بهبي "الشمال" مضاف إليه "هبي" -بضم الهاء- فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله: "يا ريحَ" فإنه منادى مفرد، وكان حقه أن يضم ولكنه مفتوح. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٩/ ٢. ٣ المحذوفة المنوية.
[ ٣ / ١١٣١ ]
قلت: هذا يوافق أحد قولي أبي علي في الإتباع، لكن ظاهر كلامه في الشرح أن التاء هي الأولى لا تاء زيدت بعد حذف الأولى فهي قول آخر.
الرابع: أجاز قوم منهم الفراء إلحاق ألف التأنيث الممدودة بتائه في الفتح فأجازوا "يا أسماء أقبلي" وليس بصحيح؛ لأنه غير مسوغ. ومقيس على ما ترك فيه مقتضى الدليل.
الخامس: إذا وقف على المرخم بحذف الهاء فالغالب أن تلحقه هاء ساكنة؛ فتقول في الوقف على "يا طلح"١: "يا طلحهْ".
واختلفوا في هذه الهاء. فقيل: هاء السكت وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: هي التاء المحذوفة أعيدت لبيان الحركة، وإليه ذهب المصنف. قال "في"٢ التسهيل٣: ولا يستغنى غالبا في الوقف على المرخم بحذفها عن إعادتها أو تعويض ألف منها، وأشار بالتعويض إلى قوله٤:
_________________
(١) ١ وفي أ "في المرخم". ٢ أ. ٣ التسهيل ص١٨٩. ٤ قائله: هو القطامي واسمه عمير بن شبيم، وهو من الوافر. وعجزه: ولا يَكُ موقفٌ منكِ الوَداعا اللغة: ضباعا: أراد ضباعة بنت زفر بن الحارث. الإعراب: "قفي" فعل أمر وفاعله، من وقف "قبل" ظرف منصوب على الظرفية "التفرق" مضاف إليه "يا ضباعا" يا حرف نداء وضباعا منادى مفرد معرفة مرخم وأصله ضباعة "ولايك" أصله ولا يكن، فحذفت النون للتخفيف "موقف" اسم يكن مرفوع بالضمة الظاهرة "منك" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموقف في محل رفع، والتقدير: موقف حاصل منك "الوداعا" خبر يكن. الشاهد: قوله: "يا ضباعا" حيث عوض الألف فيه عن الهاء، وأصله: ضباعة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٨/ ٢، وذكر السيوطي في الهمع ١٨٥/ ١، وسيبويه ٣٣١/ ١، والشاهد ١٤٣ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٣٢ ]
قِفِي قبل التفرُّقِ يا ضُبَاعَا
فجعل ألف الإطلاق عوضا "عن"١ الهاء، ونص سيبويه وابن عصفور على أن ذلك لا يجوز إلا في الضرورة.
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أن بعض العرب يقف بلا هاء ولا عوض، حكى سيبويه "يا حَرْمَل" في الوقف بغير هاء.
قال الشيخ أبو حيان: أطلقوا في لحاق هذه الهاء، ونقول: إن كان الترخيم على لغة من لا ينتظر لم تلحق.
ثم قال:
والذي قد رُخِّمَا
بحذفها وفره
أي: لا تحذف منه شيئا بعد حذف الهاء.
فعلم أن قوله: "ومع الآخر احذف الذي تلا" خاص بالمجرد منها.
وما ذكره هو مذهب عامة النحويين، وأجاز سيبويه أن يرخم ثانيا بعد حذف التاء على لغة من لم يراعِ المحذوف، ومنه قوله٢:
_________________
(١) ١ أ. وفي ب، ج "من". ٢ قائله: هو أنس بن زنيم يخاطب به الحارث بن بدر الغداني حين ولاه عبيد الله بن زيادة سرّق "إحدى كور الأهواز"، وهو من الطويل. وعجزه: فكُنْ جُرَذًا فيها تَخُونُ وتَسْرقُ اللغة: "جرذا" -بضم الجيم وفتح الراء- وهو ضرب من الفأر ويجمع على جرذان. الأعراب: "أحار" الهمزة حرف نداء وحار منادى مفرد معرفة مرخم، والتقدير: يا حارثة بن بدر "بن" مبني على الفتح مع المنادى وبدر مضاف إليه "قد" حرف تحقيق "وليت" فعل وفاعل "ولاية" منصوب على المفعولية "فكن" أمر من كان واسمه ضمير مستتر فيه "جرذا" خبره منصوب بالفتحة الظاهرة "فيها" جار ومجرور يعود على الولاية "تخون" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة صفة لجرذان "وتسرق" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه وهي عطف على تخون. الشاهد: قوله: "أحار" حيث أريد به حارثة، فأولا رخمه بحذف الهاء على لغة من لم ينوِ رد المحذوف وثانيا بحذف التاء على لغة من نوى رد المحذوف. مواضعه: ذكره م شراح الألفية: الأشموني ٤٦٩/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٨٣/ ١. وعجزه: والمرء يستحيي إذا لم يَصْدُقِ
[ ٣ / ١١٣٣ ]
أحَارُ بنَ بدر قَد وَليتَ ولاية
يريد: أحارثةُ.
وقول الآخر١:
يا أَرْطُ إنَّكَ فاعل ما قلْتَهُ
يخاطب أرطاة بن سهية.
قال الشيخ أبو حيان: ولو ذهب ذاهب إلى أن المؤنث يجوز في ترخيمه وجهان:
أحدهما: حذف التاء وهو الكثير.
_________________
(١) ١ قائله: هو زميل بن الحارث يخاطب أرطاة بن سهية، وهو من الكامل. الإعراب: "يا أرط" يا حرف نداء أرط منادى مفرد معرفة مرخم أصله يا أرطاة "إنك" إن حرف توكيد والكاف اسم إن "فاعل" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة "ما قلته" ما موصولة قلته فعل وفاعل ومفعول، والجملة لا محل لها صلة الموصول "المرء" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "يستحيي" فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "إذا" للشرط "لم" حرف نفي وجزم وقلب "يصدق" فعل مضارع مجزوم بلم وهو فعل الشرط وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق، والتقدير: إذا لم يصدق يستحيي. الشاهد: قوله: "يا أرط" حيث أريد يا أرطاة، فأولا رخمه بحذف التاء على لغة من لم ينوِ رد المحذوف، وثانيا رخمه بحذف الألف على لغة من نوى رد المحذوف وهو الألف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٠/ ٢، والسيوطي في الهمع ٨٤/ ١.
[ ٣ / ١١٣٤ ]
والآخر: حذفها مع ما قبلها كالحذف في منصور، لكان قولا. وتقدير أن الشاعر في البيت الواحد نوى الترخيم أولا ثم نوى الترخيم ثانيا في الكلمة الواحدة حال النطق بها -يحتاج إلى وحي يسفر عن هذا التقدير. انتهى.
ثم انتقل إلى المجرد فقال:
واحظُلا ترخيم ما من هذه الها قد خَلا
إلا الرباعي فما فوق العَلم دون إضافة وإسناد مُتم
أي: امنع ترخيم ما خلا من الهاء إلا ما اجتمعت فيه أربعة شروط:
الأول: أن يكون زائدا على الثلاثة فلا يجوز ترخيم الثلاثي تحرك وسطه نحو: "حَكَم"، أو سُكِّن نحو: "بَكْر" هذا مذهب الجمهور، وأجاز الفراء والأخفش ترخيم المحرك الوسط١، ونقل عن الكوفيين، وفيه نظر؛ لأنه "قد"٢ نقل عن الكسائي المنع إلا "أن"٣ يثبت له قولان.
وأما الساكن الوسط فقال ابن عصفور: لا يجوز ترخيمه قولا واحدا. وقال في الكافية: ولم يرخم نحو بكر أحد، وليس كما قالا بل فيه خلاف؛ حكي عن الأخفش وبعض الكوفيين إجازة ترخيمه، ونقل الخلاف فيه أبو البقاء العكبري وصاحب النهاية وابن هشام٤ وابن الخشاب.
قلت: وفصل بعض المتأخرين بين لازم السكون وعارضه، فقال: لو سمى "بضرب" -المبني للمعفول- ثم سكن لما امتنع ترخيمه، ولو سمى به بعد الإسكان لم يجز ذلك.
الثاني: أن يكون علما، وأجاز بعضهم ترخيم النكرة المقصودة نحو: "يا غَضَنْفَ" في غضنفر قياسا على قولهم: "أطرق كَرَا" و"يا صاح".
_________________
(١) ١ أي: تنزيلا لحركة الوسط منزلة الحرف الرابع؛ ولهذا كان نحو سقر غير مصروف. ٢ ب. ٣ ب، ج. ٤ ابن هشام، الخضراوي.
[ ٣ / ١١٣٥ ]
الثالث: ألا يكون ذا إسناد فلا يجوز ترخيم "بَرَقَ نحرُه" ونحوه، وسيأتي الكلام عليه.
الرابع: ألا يكون ذا إضافة، خلافا للكوفيين في إجازتهم ترخيم المضاف إليه كقوله١:
خُذُوا حظكم يا آل عِكْرمَ واذكروا
هذا عند البصريين نادر، وأندر منه حذف المضاف إليه بأسره، كقوله٢:
يا عبدَ هل تَذْكُرني ساعة
يريد: يا عبد هند، وعبد هند. علم له، وتقدم أن ترخيم المضاف نادر أيضا في قوله: يا علقم الخير.
فإن قلت: أهمل المصنف من شروط ترخيم المجرد ثلاثة:
_________________
(١) ١ قائله: هو زهير بن أبي سُلمى، من قصيدة قالها حين بلغة أن بني سليم أرادوا الإغارة على بني غطفان، وهو من الطويل. وعجزه: أواصرنا والرحم بالغيب تُذكر اللغة: "حظكم" نصيبكم "أواصرنا" الأواصر: القرابات، الواحدة الآصرة. المعنى: خذوا حظكم من مودتنا ومسالمتنا، وكانوا قد عزموا على غزو قومه. الإعراب: "خذوا" فعل وفاعل "حظكم" مفعول منصوب بالفتحة، والضمير مضاف إليه "يا آل" يا حرف نداء آل منادى منصوب "عكرم" مضاف إليه، وأصله يا عكرمة "واذكروا" فعل وفاعل عطف على خذوا "أواصرنا " مفعول به منصوب بالفتحة ونا مضاف إليه "والرحم" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "بالغيب" جار ومجرور متعلق بتذكر "تذكر" جملة في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: قوله "يا آل عكرمَ" حيث رخم المضاف إليه من المنادى وأصله: يا آل عكرمة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٠/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٨١/ ١، وفي شرح المفصل ٢٠/ ٢، والإنصاف ٢١٥/ ١، وسيبويه ٣٤٣/ ١، والشاهد ١٣٨ في الخزانة. ٢ قائله: هو عدي بن زيد، وهو من السريع. وعجزه: في موكب أورائدا للقنيص =
[ ٣ / ١١٣٦ ]
أحدها: ألا يكون مختصا بالنداء١.
والثاني: ألا يكون مندوبا.
والثالث: ألا يكون مستغاثا.
قلت: أما الأول فلم ينبه عليه، وأما الثاني والثالث فقد تقدم ما يرشد إليهما وهو نصه على التزام حرف النداء معهما؛ لأن علة التزامه هي علة منع ترخيمهما، وأجاز ابن خروف ترخيم المستغاث إذا لم يكن فيه اللام.
كقوله٢:
أَعَام بْنَ صعصعةَ بْنِ سعْدِ
قال ابن الصايغ: وهذا ضرورة، وقد ناداه بغير يا، وذلك ممنوع وقد سمع ترخيمه.
_________________
(١) = اللغة: "موكب" -بفتح الميم وسكون الواو وكسر الكاف- والموكب القوم الركوب على الإبل، والجمع مواكب "رائدا" من الرود وهو الطلب، يقال: بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ أن ينظر ويطلب "القنيص" -بفتح القاف وكسر النون- هو الصيد. الإعراب: "يا عبد" يا حرف نداء وعبد منادى مرخم مضاف إذ أصله عبد هند "هل" للاستفهام "تذكرني" فعل وفاعل ومفعول والنون للوقاية "ساعة" منصوب على الظريفة "في موكب" جار ومجرور في محل نصب على الحال من الضمير المرفوع في تذكرني "أو رائدا" نصب على الحال أيضا "للقنيص" متعلق به. الشاهد: قوله "يا عبد" فإنه منادى مضاف مرخم؛ لأن أصله يا عبد هند فرخمه بحذف المضاف إليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٠/ ٢. ١ فلا يرخم نحو فل وفلة. ٢ قائله: هو الأحوص بن شريح الكلابي، وهو من الوافر. وصدره: تمنَّاني ليقتُلَني لقيط اللغة: "تمناني" تمنى فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "لقيط" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "ليقتلني" اللام للتعليل ويقتل فعل مضارع منصوب بأن بعد لام التعليل والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير مستتر فيه "أعام" الهمزة للنداء عام منادى مستغاث به مرخم وأصله يا عامر "بن" صفة لعامر "صعصعة" مضاف إليه. الشاهد: قوله "أعام" فإنه منادى مستغاث به وليس فيه لام الاستغاثة، وقد رخم إذ أصله "أعامر". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧١/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٨١/ ٢.
[ ٣ / ١١٣٧ ]
ومع اللام كقوله١:
كلما نادى مُنادٍ منهم يا لتَيْمِ الله قُلنا يا لَمالِ
ثم اعلم أن الخالي من تاء التأنيث إذا استوفى شروط الترخيم فالمحذوف منه للترخيم إما حرف وإما حرفان وإما كلمة، فالذي يحذف منه حرف نحو: "حارث" و"مالك" فتقول: "يا حار" و"يا مال" وأما الذي يحذف منه حرفان فقد أشار إليه بقوله:
ومَعَ الآخِرِ احذفِ الذي تَلا
أي: احذف مع الآخر ما قبله بخمسة شروط:
الأول: أن يكون حرف لين، فلو كان حرفا صحيحا حذف الآخر وحده، فتقول في "سفرجل وقِمَطْر" يا سفرج ويا قِمَط، خلافا للفراء في نحو "قمطر" فإنه يقول: يا قِمَ بحذف حرفين.
الثاني: أن يكون ساكنا، لو كان متحركا لم يحذف فتقول في "هَبَيَّخ" و"قَنَوَّر"٢: يا هَبيَّ ويا قنوَّ، بحذف الآخر وحده.
_________________
(١) ١ قائله: هو مرة بن الوراغ من بين سعد، وهو من الرمل. الإعراب: "كلما" منصوب على الظرفية وناصبها الفعل قلنا وجاءتها الظرفية من ما، فإنها تحتمل أن تكون مصدرية والجملة بعدها صلة فلا محل لها، وأن تكون اسما نكرة بمعنى وقت والجملة بعدها في موضع خفض على الصفة "نادى" فعل ماض "مناد" فاعل "منهم" جار ومجرور في محل رفع صفة لمناد "يا" حرف نداء "لتيم الله" منادى مستغاث به "قلنا" فعل ماض ونا فاعله، والجملة وقعت جوابا لقوله كلما "يا لمال" يا حرف نداء لمال منادى مستغاث به وهو مرخم؛ إذ أصله: يا لمالك. الشاهد: قوله "يا لمال" فإنه منادى مرخم مستغاث به وفيه اللام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧١/ ٢. ٢ هبيخ بفتح الهاء وتشديد الياء: الغلام الممتلئ، أي: السمين، وقنور بفتح القاف والنون وتشديد الواو: الصعب اليبوس من كل شيء.
[ ٣ / ١١٣٨ ]
الثالث: أن يكون زائدا، فلو كان أصليا لم يحذف فتقول في "مختار": يا مختا، ولا تحذف الألف؛ لأنها بدل العين، وعن الأخفش أنه يحذف مع الآخر، وأجاز الجرمي في "منقاد": يا منق.
الرابع: أن يكون رابعا فصاعدا، فلو كان ثالثا نحو: "عماد" و"سعيد" و"ثمود" فمذهب البصريين أنه يرخم بحذف آخره فقط، ونقل المصنف عن الفراء أنه أجاز في نحو "عماد" و"سعيد" وجهين: حذف الآخر وحده كالبصريين، وحذفه مع الألف والياء فتقول: يا عم وياسع، وأما في ثمود فيحذف الحرفين ولا يجيز يا ثمو؛ لأن بقاء الواو يستلزم عدم النظير، ونقل غيره عن الفراء أنه يحذف الحرفين في ثمود ويحذف الآخر فقط في عماد وسعيد.
الخامس: أن يكون قبله حركة مجانسة، فلو كان قبل الواو والياء فتحة نحو: "غُرنَيْق"١ و"فرعون"، فمذهب الجرمي والفراء أنه يحذف مع الآخر كالذي قبله حركة مجانسة لا يفرقان بين النوعين. قال في شرح الكافية: وغيرهما لا يرى ذلك بل يقولون: يا فرعو، ويا غرني. قلت: وذكر الجرمي أن ما ذهب إليه هو مذهب الأكثرين.
وإلى هذا الخلاف أشار بقوله:
والخلف في واو وياء بهما فتح قُفي
فإن قلت: إطلاقه يوهم إجراء الخلاف في نحو "مصطَفَوْنَ" -علما- لأن واوه قبلها فتحة، وليس كذلك، بل يقولون في ترخيمه: يا مُصْطَف وجها واحدا، وقد نبه في شرح الكافية على ذلك.
_________________
(١) ١ غرنيق بضم الغين وسكون الراء وفتح النون: طير من طيور الماء طويل العنق.
[ ٣ / ١١٣٩ ]
قلت: الواو في مصطفون ونحوه من الجمع بعد الضمة مقدرة؛ لأن أصله مصطفيون فأعل على ما اقتضاه التصريف١، فليست الواو في التقدير بعد فتح، وإلى هذا أشار بقوله في التسهيل٢: مسبوق بحركة مجانسة ظاهرة أو مقدرة.
ومثال ما حذف منه حرفان؛ لاجتماع الشروط المذكورة: عمران وحماد وأسماء وزيدان ومسلمات -علمين- وحمدون ومنصور وزيدون وملكوت -علمين- "وجعفر ومسكين"٣ وغسلين وعفريت -أعلاما.
ثم أشار إلى ما يحذف منه كلمة بقوله:
والعَجْزَ احذِفْ من مركَّب
إذا رخم المركب حذف عجزه نحو: "يا بعلَ" و"يا سيبَ" في بعلبك وسيبويه، وفي خمسة عشر -علما- يا خمسةَ، ومنع الفراء ترخيم المركب من العدد إذا سُمي به، ومنه أكثر الكوفيين ترخيم ما آخره ويه، وذهب الفراء إلى أن لا يحذف منه إلا الهاء فتقول: يا سيبوَيْ، وقال ابن كيسان: لا يجوز حذف الثاني من المركب بل إن حذفت الحرف أو الحرفين فقلت: يا بعلبَ ويا حضرمَ، لم أرَ به بأسا، والمنقول أن العرب لم ترخم٤؛ وإنما أجازه النحويون.
تنبيه:
إذا رخمت "اثنا عشر، واثنتا عشرة" -علمين- حذفت العجز مع الألف قبله "يا اثنَ، ويا اثنتَ" كما يقال في ترخيمهما لو لم يركبا، نص على ذلك سيبويه وعلته أن عجزهما بمنزلة النون؛ ولذلك أعرابا.
وقوله:
وَقَلْ تَرخِيمُ جُملةٍ وذا عمروٌ نَقلْ
_________________
(١) ١ وإنما جعله بالياء مع أنه واوي؛ لأن آخر المقصور يقلب ياء في المثنى والجمع على حدة، وإنما كان واويا لأنه من الصفوة. ٢ التسهيل ص١٨٨. ٣ ب، ج. ٤ أي: لم ترخم المركب.
[ ٣ / ١١٤٠ ]
قال المصنف: أكثر النحويين لا يجيزون ترخيم المركب المضمن إسنادا كتأبط شرا، وهو جائز؛ لأنه سيبويه حكى ذلك في "بعض"١ أبواب النسب فقال: تقول في النسب إلى تأبط شرا تأبطي؛ لأن من العرب من يقول: يا تأبط، ومنع ترخيمه في باب الترخيم، فعُلم بذلك أن منع ترخيمه كثير، وجواز ترخيمه قليل، وقال الشارح:
فعلم أن جوازه على لغة قليلة، وإلى هذا أشار بقوله: "وذا عمرو نقل" وعمرو هو اسم سيبويه.
قال الشيخ أبو حيان: وهوغير صحيح؛ لأن سيبويه لم ينص على ترخيمه، بل قال: من العرب من يفرد فيقول: "تأبط أقبل" فيجعل الأول مفردا، وليس مناقضا لما قرره من أن المحكي لا يرخم، بل أراد أن من العرب من يفردها لا على جهة الترخيم.
ولذلك قال من يفرد ولم يقل من يرحم، ولا نعلم خلافا عن أحد من النحويين أن المحكي لا يرخم.
واعلم أن في ترخيم المنادى لغتين:
الأولى: أن ينوي المحذوف.
والثانية: ألا ينوي.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
وإِنْ نويتَ بعد حذفٍ ما حُذِفْ فالباقيَ استعملْ بما فيه أُلِفْ
أي: إذا نويت ثبوت المحذوف بعد حذفه للترخيم تركت ما قبله على حاله قبل الحذف واستعملته بما فيه من حركة نحو: "يا حارِ، ويا جعفَ، ويا منصُ" في حارث وجعفر ومنصور، أو يكون "يا قمطْ" في "نحو"٢ يا قمطر، خلافا للكوفيين؛ فإنهم لا يرخمون قمطرا أو نحوه مما قبل آخره ساكن إلا على لغة من لم ينو، وتقدم مذهب الفراء في حذفه.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١١٤١ ]
تنبيه:
مقتضى قوله: "بما فيه ألف" ألا يغير ما بقي عن شيء مما كان عليه قبل الحذف. ويرد على إطلاقه مسألتان:
الأولى: ما كان مدغما في المحذوف وهو بعد ألف، فإنه إن كانت له حركة في الأصل حركت بها نحو: "مُضارّ، وتَحاجّ"، فتقول فيهما: يا مضار -بالكسر- إن كان اسم فاعل، وبالفتح وإن كان اسم مفعول، ويا تحاج -بالضم- لأن أصله تحاجُج.
وإن كان أصلي السكون حرك بالفتحة؛ لأنها أقرب الحركات إليه نحو: "أسحار" اسم نبت، تقول فيه: "يا أسحار" -بفتح الراء- هذا مذهب سيبويه.
ثم اختلف عنه فقال السيرافي: يتحتم الفتح، وقال الشلوبين: يختاره ويحيز الكسر، ونقل ابن عصفور عن الفراء أنه يكسر على أصل التقاء الساكنين، وهو مذهب الزجاج. ونقل عنه أيضا صاحب رءوس المسائل أنه يسقط كل ساكن يبقى بعد الآخر حتى ينتهي إلى متحرك، فعلى هذا تقول: "يا أسْحَ".
الثانية: ما حذف لواو الجمع نحو: "قاضون" فإنه إذا رخم بحذف الواو والنون رد إليه ما حذف منه؛ لزوال سبب الحذف، هذا مذهب الأكثرين، واختار في التسهيل عدم الرد.
ثم أشار إلى الثانية بقوله:
واجْعَلْهُ إن لم تنوِ محذوفا كما لو كان بالآخِر وضعا تُمِّمَا
أي: إذا لم تنوِ المحذوف، فاجعل الباقي بعد الحذف كالاسم التام المصوغ على تلك الصيغة فيعطي آخره من البناء على الضم وغير ذلك من الصحة والإعلال ما يستحقه لو كان آخرا في الوضع فتقول: "يا حارُ، ويا جعفُ، ويا منصُ، ويا قمطُ" -بالضم- في الجميع كما لو كانت أسماء تامة لم يحذف منها شيء.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
تنبيهان:
الأول: لو كان ما قبل المحذوف معتلا قدرت فيه الضمة على هذه اللغة، فتقول في "ناجية": يا ناجي -بالإسكان- وهو علامة تقدير ضمها.
الثاني: يجوز في نحو: "يا حر بن عمر" على هذه اللغة -ضم الراء وفتحها- كما جاز ذلك في نحو: "يا زيد بن عمرو"، ثم فرع على الوجهين المذكورين فقال:
فَقُلْ على الأول في ثمود يا ثَمُو ويا ثَمِي على الثاني بيا
يعني بالأول لغة من ينوي، وبالثاني لغة من لا ينوي، فتقول في ترخيم ثمود على الأول يا ثمو؛ لأن الواو محكوم لها بحكم الحشو، فلم يلزم مخالفة النظير، وعلى الثاني يا ثمي بقلب الواو ياء، لتطرفها بعد الضمة كما فعل في أدل ونحوه؛ وذلك لأن بقاءها على هذا التقدير مستلزم عدم النظير؛ إذ ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها ضمة، وإذا رخمت "صَمَيان، وكَروان"١ قلت على الأول: يا صمي ويا كرو، وعلى الثاني: يا صما ويا كرا، بقلب الياء والواو ألفا؛ لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ولا مانع.
وإذا رخمت "سقاية وعلاوة"٢ قلت على الأول: يا سقايُ ويا علاو، وعلى الثاني: يا سقاءُ ويا علاءُ، بإبدال الياء والواو "همزة"٣ لتطرفهما بعد ألف زائدة.
وأما نحو "غاوٍ" فتقول فيه على الأول: يا غاوِ، وعلى الثاني: يا غاوُ، ولا تبدلها همزة لوجهين:
أحدهما: ألا يتوالى إعلالان؛ لأن لامه أعلت.
والثاني: "أنه"٤ صار كاسم تام على ثلاثة أحرف، وما كان كذلك لا تقلب واوه همزة نحو "واو" ذكر ذلك الشيخ أبو حيان.
_________________
(١) ١ الصميان في الأصل هو التقلب والتوثب، ويقال: رجل صميان أي: شجاع. ٢ عِلاوة بكسر العين: ما علقته على العير بعد تمام الوقر. ٣ ب، ج. ٤ أ.
[ ٣ / ١١٤٣ ]
وإذا رخمت "شاة" قلت على الأول: ياشا، وعلى الثاني: يا شاة، برد اللام، لبقائها على حرفين ثانيهما حرف علة، ولا يكون كذلك اسم متمكن.
وإذا رخمت "ذات" قلت على الأول: يا ذا، وعلى الثاني: يا ذوا، برد المحذوف لا ذكر في شاة.
وإذا رخمت "لات" قلت على الأول: يالا، وعلى الثاني: يالا، برد اللام؛ لأنه لا يعلم له ثالث فيرد.
وإذا رخمت "سُفيرج" تصغير سفرجل قلت على الأول: يا سفيرِ، وعلى الثاني: يا سفيرُ "عند الأكثرين"١.
وقال الأخفش: يا سفيرلُ، برد اللام المحذوفة، لأجل التصغير، وفروع الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.
ثم أشار إلى ما يلزم فيه الوجه الأول بقوله:
والتَزِمِ الأولَ في كمُسْلِمَهْ وجَوَّزِ الوجهينِ في كَمَسْلَمَهْ
يعني أن الوجه الأول وهو الترخيم على لغة من نوى يلتزم في الصفات المؤنثة بالتاء الفارقة بين المذكر والمؤنث نحو: "مسلمة" فيقال فيه: يا مسلمَ -بالفتح- ولا يجوز ترخيمه على الوجه الثاني؛ لأنه لو قيل "فيه"٢: يا مسلمُ -بالضم- لالتبس بالمذكر، بخلاف العلم نحو: مسلمة، فإنه يجوز ترخيمه على الوجهين؛ لأن التاء فيه ليست للفرق.
قيل: وكلامه في التسهيل يدل على اعتبار اللبس في العلم، وقد فهم من ذلك أن نحو: "ربعة" يجوز ترخيمه على الوجهين وإن كان صفة؛ لأن التاء فيه ليست للفرق.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ.
[ ٣ / ١١٤٤ ]
تنبيه:
لالتزام الوجه الأول سببان:
أحدهما: ما ذكر، والثاني: لزوم عدم النظير بتقدير التمام، فيمتنع الوجه الثاني في أمثلة منها "طيلسان" -بكسر اللام- إذ لو رخم على "تقدير التام لزم"١ وجود فَيْعِل -بكسر العين- في الصحيح، وهو مفقود إلا ما ندر من "صيقل" -اسم امرأة- وبَيْئِس في قراءة٢، ومنها: حبلوى وحمراوى، فإنهما لو رخما على هذا الوجه، لقيل فيهما: يا حبلى ويا حمرا، فيلزم من ذلك ثبوت ما لا نظير له. وهو كون ألف فعلى وهمزة فعلاء مبدلتين من واو، وهما لا يكونان إلا للتأنيث، ومنها "عُرقوة، وحذرية" فإنهما لو رخما على هذا الوجه لقيل فيهما: يا عرقى ويا حذرى، فيلزم وجود فُعلى وفعلى، وهما بناءان مهملان.
فإن قلت: لم أهمل هاهنا ذكر السبب الثاني، وقد ذكره في الكافية والتسهيل؟ قلت: هو سبب مختلف فيه. وممن ذهب إلى اعتباره الأخفش والمازني والمبرد ونقل عنهم في ترخيم حبلوى، ونقل عن الأخفش في طيلسان، ونقله ابن أصبغ عن كثير من النحويين.
وذهب السيرافي وغيره إلى عدم "عدم"٣ اعتباره، فأجاز الترخيم في المسائل المتقدمة، فلعله تركه "لذلك"٤ وقوله:
ولاضطرار رَخَّمُوا دون نِدَا ما للنِّدَا يَصْلُحُ نحو أحمدا
يرخم في الضرورة ما ليس منادى بشرط أن يكون صالحا لأن يُنادى نحو "أحمد" فتقول فيه: يا أحم.
_________________
(١) ١ ب. وفي أ، ج "لغة من لم ينو للزم". ٢ قراءة شعبة عن عاصم، وبعذاب بيئس: بياء ساكنة قبل همزة مكسورة. ٣ أ، ج. ٤ ب، ج. وفي أ "كذلك".
[ ٣ / ١١٤٥ ]
وقد فهم من عدم تقييده جواز ترخيمه على الوجهين: "أما جواز ترخيمه"١ على تقدير التمام فمجمع على جوازه كقوله٢:
لَنعْمَ الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريفُ بنُ مالٍ ليلة الجوع والخَصَرْ
يعني: ابن مالك.
وأما ترخيمه على نية المحذوف فأجازه سيبويه ومنعه المبرد، وهو محجوج بالقياس على النداء وبالسماع كقوله٣:
_________________
(١) ١ أ، وفي ج "أما ترخيمه". ٢ قائله: هو امرؤ القيس بن حجر الكندى، وهو من الطويل. اللغة: "الفتى" المراد به هنا الرجل الكريم "تعشو" ترى ناره من بعيد فتقصدها "الخصر" -بفتح الخاء والصاد- شدة البرد. المعنى: يمدح طريف بن مالك بأنه رجل كريم يوقد النيران ليلا ليراها السائرون فيقصدوا نحوها. ويفعل ذلك إذا نزل القحط بالناس واشتد البرد. الإعراب: "لنعم" اللام للتوكيد ونعم فعل ماض "الفتى" فاعل "تعشو" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر والجملة في محل نصب حال من فاعل نعم "إلى ضوء" جار ومجرور متعلق بتعشو "ناره" مضاف لضوء والهاء مضاف إليه "طريف" خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، أي هو طريف، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره جملة "نعم الفتى" "بن" صفة لطريف "مال" مضاف إليه وأصله مالك، فحذفت الكاف ضرورة "ليلة" متعلق بتعشو "الجوع" مضاف إليه "والخصر" معطوف على الجوع. الشاهد: "ابن مال" فإن أصله: ابن مالك، رخمه في غير نداء للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٧/ ٢، وابن هشام ٢٧٧/ ٣، ابن عقيل ٢١٩/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٦، وسيبويه ٣٣٦، ٤٤٥/ ١، والسيوطي في الهمع ١٨١/ ١. ٣ قائله: هو أوس التيمي، وهو من البسيط. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب "ابن اسم إن "حارث" مضاف إليه "إن" حرف شرط "أشتق" فعل الشرط والفاعل ضمير وأصله أشتاق فحذفت منه الألف لالتقاء الساكنين "لرؤيته" جار ومجرور متعلق بأشتق "أو" عاطفة "أمتدحه" فعل ومفعول والفاعل ضمير وهو عطف على جملة أشتق "فإن" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن حرف توكيد ونصب "الناس" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة "قد" حرف تحقيق "علموا" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر إن ومفعول علموا محذوف تقديره: قد علموا ذلك مني. الشاهد: قوله: "حارث" فإن أصله حارثة فرخمه في غير النداء على نية الحذف لأجل الضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٧/ ٢، وابن الناظم، وسيبويه ٣٤٣/ ١.
[ ٣ / ١١٤٦ ]
إن ابن حارث إن أشتقْ لرؤيته
أو أمتدحْه فإن الناس قد عَلمُوا
وقوله١:
وأضْحَتْ منك شَاسِعَةً أُمَامَا
أنشدهما سيبويه، وأنشد المبرد٢:
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير بن عطية الخطفي، وهو من الوافر. وصدره: ألا أضحت حبالُكم رِماما اللغة: "أضحت" صارت وتحولت "حبالكم" -جمع حبل- وهو العهد "رماما" جمع رمة وهو القطعة البالية من الحبل "شاسعة" بعيدة بعدا كثيرا "أماما" اسم امرأة. المعنى: إنه يقول: ما كان بيني وبينكم من أسباب التواصل قد انقطع. ثم رجع إلى نفسه يخاطبها: وأصبحت محبوبتي أمامة بعيدة عني ليس في وصلها مطمع. الإعراب: "ألا" حرف تنبيه "أضحت" فعل ماض ناقص من أخوات كان والتاء للتأنيث "حبالكم" اسم أضحى والضمير مضاف إليه "رماما" خبر أضحت الأولى "أضحت" فعل ماض ناقص "منك" جار ومجرور متعلق بها "شاسعة" خبر أضحت مقدم "أماما" اسمها مؤخر مرفوع على التاء المحذوفة للترخيم، والألف للإطلاق. الشاهد: قوله: "أماما" حيث رخمت في غير النداء للضرورة بحذف التاء وأصلها أمامة ورخمت على لغة من ينتظر، ولو رخمت على لغة من لا ينتظر لقيل: أمامُ بالرفع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٧/ ٢، وابن هشام ٢٨/ ٣، وابن الناظم، وذكره سيبويه ٣٤٣/ ١، والإنصاف ٢١٧/ ١، والشاهد ١٤٢ في الخزانة. ٢ قائله: جرير بن عطية أيضا، وهو من الوافر. روي البيت السابق برواية أخرى فيكون "أماما" منادى مرخما ولا يكون في البيت حينئذ شاهد على هذه الرواية الثانية، وهذه الرواية أليق بنظم البيت؛ لأنه ذكر العهد في صدر البيت ثم رد العجز على الصدر.
[ ٣ / ١١٤٧ ]
وما عهدى كعهدك يا أمَامَا
قال في شرح الكافية: والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين، ولا تدفع إحداهما بالأخرى.
وفهم من الشرط المذكور أن المعرف بأل لا يرخم في غير النداء؛ لعدم صلاحيته للنداء؛ ولهذا خطئ من جعل "من"١ ترخيم الضرورة قول العجاج٢:
أوَالِفَا مكة من وُرْقِ الحمي
فإن قلت: فهل يشترط في ترخيم الضرورة عِلِّيَّة أو تأنيث بالهاء؟
قلت: لا. ونص على ذلك في التسهيل٣ وهو المفهوم من إطلاقه هنا.
ومن ترخيم النكرة "قوله"٤ ٥:
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ قائله: هو العجاج بن رؤبة، وهو من الرجز. اللغة: "أوالفا" جمع آلفة من ألف يألف ألفة، ويرى قواطنا جمع قاطنة يعني مقيمة "ورق" -بضم الواو وسكون الراء- جمع ورقاء، وهي التي في لونها بياض إلى سواد يقال: جمل أورق "الحمي" -بفتح الحاء وكسر الميم- أصله الحمام فحذفت الألف؛ لأنها زائدة وأبدل إحدى الميمين ياء. الإعراب: "أوالفا" نصب على الحال من قوله: "القاطنات" قبله "القاطنات البيت غير الديم" "مكة" نصب على أنه مفعول أوالفا "من" بيانية "ورق" مجرور به "الحمي" مضاف إليه. الشاهد: قوله "الحمي" فإن أصله الحمام فقيل: إنه رخمه للضرورة، ورد بأنه لا يصلح للضرورة لكونه بأل، وإنما هو حذف لا على طريق الترخيم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٦٧/ ٢، وابن عقيل ٨٩/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٦، وفي همعه ١٨١/ ١، ١٥٧/ ٢، وذكره سيبويه ٨، ٥٦/ ١، وشرح المفصل ٧٥/ ٦، والإنصاف ٢٩٩/ ٢. ٣ التسهيل ١٨٩. ٤ أ. ٥ قائله: هو عبيد الأبرص، وهو من الخفيف. وبعده: ليس رسم على الدفين بيال فلوى ذروة فجنى ذيال =
[ ٣ / ١١٤٨ ]
ليس حي على المنون بخالِ
يعني: بخالد.
_________________
(١) = الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص "حي" اسمها "على المنون" جار ومجرور صفة لحي "بخالِ" الباء حرف جر زائد وخال خبر ليس. الشاهد: قوله "بخالِ" حيث إنه رخم النكرة وأصله بخالد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٦/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٨١/ ١.
[ ٣ / ١١٤٩ ]
الاختصاص:
الاختصاص كنداء دون يا كأيها الفتى بإثر ارجونيا
الاختصاص: ما جيء به على صورة هي لغيره توسعا، كما يرد الأمر بصيغة الخبر والخبر بصيغة الأمر١.
والباعث على الاختصاص فخر أو تواضع أو زيادة بيان.
والمخصوص اسم ظاهر بعد ضمير متكلم يخصه أو يشارك فيه، وذلك الاسم ثلاثة أنواع:
الأول: أيها وأيتها نحو: "أنا أفعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة"٢ وأي هنا مبنية على الضم، ويلزم وصفها باسم جنس معرف بأل واجب الرفع على ما تقدم في النداء.
الثاني: المعرف بالإضافة؛ كقوله ﷺ "نحن معاشر الأنبياء لا نُورَثُ" ٣.
قال سيبويه: أكثر الأسماء دخولا في هذا الباب بنو فلان ومعشر مضافة وأهل البيت وآل فلان.
الثالث: المعرف بأل كقولهم: "نحن العربَ أقرى من الناس للضيف"، وقد يكون علما كقول رؤبة٤:
بنَا تميما يُكْشَفُ الضَّبَابُ
_________________
(١) ١ الأمر على صورة الخبر نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي: ليرضعن، والخبر على صورة الأمر نحو: "أحسن بزيد" فإن صورته صورة الأمر وهو خبر على المشهور؛ إذ هو في تقدير ما أحسنه. ٢ العصابة -بكسر العين- الجماعة الذين أمرهم واحد، وجملة الاختصاص في المثالين في موضع نصب على الحال، والمعنى: أنا أفعل ذلك مخصوصا من بين الرجال، واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب. ٣ هذا جزء من حديث وتمامه: "ما تركناه صدقة" رواه البزار بلفظ: نحن، ورواه الكسائي بلفظ: إنا. ٤ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. =
[ ٣ / ١١٥٠ ]
ولا يدخل في هذا الباب نكرة ولا اسم إشارة.
قال سيبويه: ولا يجوز أن يذكر إلا اسما معروفا، ولم يقع المختص مبنيا إلا بلفظ أيها وأيتها، وأما غيرهما فالمنصوب والناصب واجب الإضمار تقديره أخص.
وأما أيها وأيتها فمذهب الجمهور أنهما في موضع نصب بأخص مضمرا أيضا.
وذهب الأخفش إلى أنه منادى. قال: ولا ينكر أن ينادي الإنسانُ نفسَه، ألا ترى إلى قول عمر ﵁: "كل الناس أفقه منك يا عمر".
وذهب السيرافي إلى أن "أيا" في الاختصاص معربة، وزعم أنها تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أفعل كذا، هو أيها الرجل، أي: المخصوص به.
والثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: أيها الرجل المخصوص أنا المذكور.
والأكثر في هذا الاختصاص أن يلي ضمير متكلم كما سبق، وقد يلي ضمير مخاطب كقولهم: "بك اللهَ نرجو الفضلَ" و"سبحانك الله العظيمَ"، ولا يكون بعد ضمير غائب.
_________________
(١) = اللغة: "الضباب" -بفتح الضاد وتخفيف الباء- هو شيء كالغبار يكون في أطراف السماء. المعنى: ضرب الضباب مثلا لغمة الأمر وشدته أي: بنا تكشف الشدائد في الحرب وغيره. الإعراب: "بنا" جار ومجرور متعلق بيكشف "تميما" منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما "يكشف" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة "الضباب" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: قوله: "تميما" فإنه منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص تميما. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٩/ ٢، وذكره سيبويه ٢٥٥، ٣٢٧/ ١ والسيوطي في الهمع ١٧١/ ١، والشاهد ١٥٠ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٥١ ]
وأما ما وقع في الكتاب "على المضارب الوضيعة أيها البائع"١ فقال الفارسي: لا علم لي بوجه ذلك، وفي كتاب الصفَّار: أن هذا فساد وقع في الكتاب وقد أول بأنه وضع الظاهر موضع المضمر، ويكون المعنى: عليَّ الوضيعة أيها البائع، وقد روي كذلك.
ولما ذكر أن الاختصاص كالنداء في الصورة نبه على أنه قد خالف النداء من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا يستعمل معه "يا" ولا غيرها من حروف النداء، وإلى هذا أشار بقوله: "دون يا".
الثاني: أنه لا يستعمل مبدوءا به، فهم ذلك من قوله: "بإثر ارجونيا".
الثالث: أنه استعمل معرفا بأل، وإلى هذا اشار بقوله:
وقد يُرى ذا دون أي تِلْوَ أل كمثل نحنُ العرب أسخى مَن بَذَلْ
إنما قال "دون أي" لأن استعمال المعرف بأل صفة لأي مشترك بين النداء والاختصاص نحو: "يأيها الرجل".
قلت: وجه رابع، وهو أن "أيا" توصف في النداء باسم الإشارة، وهنا لا توصف باسم الإشارة.
ووجه خامس: وهو أن المازني أجاز نصب صفة أي في النداء، ولم يحكوا هنا خلافا في وجوب رفع صفتها، وفي الارتشاف: لا خلاف في متبوعها أنه مرفوع.
_________________
(١) ١ فالمضارب لفظ غيبة لأنه ظاهر؛ لكنه في معنى على أو عليك. قاله الهمع.
[ ٣ / ١١٥٢ ]
التحذير والإغراء:
إياك والشرَّ ونحوَه نَصَبْ مُحذِّرٌ بما استتارُه وَجَبْ
إنما ذكر التحذير والإغراء بعد باب النداء؛ لأن الاسم في التحذير والإغراء مفعول به بفعل لا يجوز إظهاره كالمنادى، على تفصيل سيأتي.
والتحذير: هو تنبيه المخاطب على مكروه يجب الاحتراز منه، ويكون بثلاثة أشياء: بإياك وأخواته، وبما ناب عنها من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب، وبذكر المحذر منه.
فإن كان بإياك وأخواته وجب إضمار ناصبه مطلقا، أعني في إفراده وتكراره والعطف عليه، وقد مثل العطف "عليه"١ بقوله: "إياك والشر" فإياك مفعول بفعل واجب الإضمار تقديره: اتق، ونحوه.
فإن قلت: هل يقدر قبل إياك أو بعده؟
قلت: قيل: يجب تقديره بعده؛ لأنه لو قدر قبله لاتصل به فيلزم تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، وذلك خاص بأفعال القلوب وما ألحق بها.
وقيل: كان الأصل: اتقِ نفسك، فلما حذف الفعل استغني عن النفس وانفصل الضمير.
واختلف في إعراب ما بعد الواو. فقيل: هو معطوف على إياك، والتقدير: اتقِ نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك. "وهذا"٢ مذهب كثير منهم السيرافي واختاره ابن عصفور.
فإن قلت: كيف جاز عطفه على إياك وهما مختلفان في الحكم؛ لأن الأول محذر والثاني محذر منه؟
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أوفي ب، ج "وهو".
[ ٣ / ١١٥٣ ]
قلت: الجواب أنه لا يلزم اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في المعنى الذي كان إعرابه بسببه، والتقدير السابق يوضح ذلك.
وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن الثاني منصوب بفعل آخر مضمر، فهو عندهما من قبيل عطف الجمل، واختار في شرح التسهيل مذهبا ثالثا وهو أن الثاني معطوف عطف مفرد لا على التقدير الأول، بل على تقدير: اتقِ تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قال: ولا شك في أن هذا أقل تكلفا فكان أولى.
ومثال التكرار: "إياك إياك من الشر"، ومثال الإفراد: "إياك من الشر".
وقد نبه على وجوب إضمار ناصب "إيا" في الإفراد بقوله:
ودون عطف ذا لإيا انْسُبْ
وإن كان التحذير بغير "إيا" لم يلزم الإضمار إلا مع العطف نحو: "مازِ رأسك والسيف، والشيطان وكيده".
أو التكرار نحو: "رأسك رأسك" و"الأسد الأسد".
فإن عدم العطف والتكرار جاز الإظهار والإضمار نحو: "رأسك" وإن شئت: قِ رأسك والأسد، وإن شئت: احذر الأسد، وإلى هذا أشار بقوله:
وما سواه سَتْرُ فعله لن يلزما
إلا مع العطف أو التكرار
ومثل التكرار بقوله:
كالضيغمَ الضيغمَ يا ذا الساري
والضيغم: الأسد.
فإن قلت: ما علة التزام الإضمار مع "إيا" مطلقا، ومع غيرها في العطف والتكرار؟
قلت: علة التزامه مع "إيا" كثرة الاستعمال فشابهت بذلك الأمثال، وغيرها ليس كذلك، إلا أن العطف والتكرار جعلا كالبدل من اللفظ بالفعل؛ فذلك وجب إضماره معهما.
[ ٣ / ١١٥٤ ]
تنبيهات:
الأول: أجاز بعضهم إظهار العامل مع المكرر، وقال الجزولي: يقبح ولا متنع.
الثاني: شمل قوله: "وما سواه" يعني: النوعين المتقدم ذكرهما، أعني: ما ناب عن إيا من الأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب منه.
وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي عدم لزوم الإضمار مع التكرار في الأول من هذين النوعين، فإنه قال:
ونحوُ رأسَك كإياك جُعل إذا الذي يُحْذَرُ معطوفا وُصِلْ
وقال في الشرح: فلو لم يذكر المعطوف جاز الإظهار والإضمار، وقد صرح الشارح بوجوب الإضمار في نحو "رأسك" رأسك؛ لأجل التكرار.
الثالث: لا يعطف في هذا الباب إلا بالواو١.
الرابع: لا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن نحو: "إياك من الشر" "وتقديرها مع أن تفعل"٢ كاف نحو: "إياك أن تفعل" أي: من أن تفعل.
فأما بيت الكتاب وهو٣:
فإياكَ إياكَ المراءَ فإنه إلى الشر دَعَّاءٌ وللشر جَالِبُ
_________________
(١) ١ وكون ما بعدها مفعولا معه جائز، فإذا قلت: "إياك وزيدا أن تفعل كذا" صح أن تكون الواو مع. هـ أشموني. ٢ أ، ج. وفي ب "وتقريرها مع أن". ٣ قائله: هو الفضل بن عبد الرحمن القرشي، وهو من الطويل. اللغة: "المراء" الجدال والمعارضة بالباطل "دعاء" صيغة مبالغة من دعا فلان فلانا: إذا طلب حضوره "جالب" مسبب له، من جلبه: إذا ساقه وجاء به. المعنى: أحذرك الجدال والمعارضة مع الناس من غير وجه حق، فإن ذلك كثيرا ما يجر إلى الشرور ويسبب للإنسان متاعب. الإعراب: "فإياك" منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبا "إياك" الثانية توكيد للأول. "المراء" مفعول ثانٍ لفعل التحذير المحذوف -أي: أحذر المراء- "فإنه" الفاء للتعليل وإن واسمها "إلى الشر" متعلق بدعاء الواقع خبرا لإن "وللشر" جار ومجرور متعلق بجالب المعطوف بالواو على دعاء. الشاهد: قوله "إياك" فإنه تحذير ومعناه احذر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٨٠/ ٢، وابن هشام ١٤٨/ ٣، وذكره سيبويه ١٤١/ ٢، وشرح المفصل ٢٥/ ٢، وفي المغني ١٩٠/ ٢، والشاهد ١٦٧ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٥٥ ]
فقيل: هو على حذف الجار للضرورة، وقيل: على حذف العاطف للضرورة أيضا، وقيل: إنه بدل من إياك، وقيل: أضمر له ناصب آخر بعد إياك، فقوله: إياك إياك مستقل بنفسه، ثم أضمر بعد إياك فعلا تقديره: اتقِ المراء، على هذا حمله سيبويه.
قال في شرح التسهيل: وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر. انتهى.
وقوله: في باب التحذير من التسهيل١: ولا يحذف العاطف بعد إيا إلا والمحذر منصوب بإضمار فعل أو مجرور بمن. يقتضي جواز إياك المراء ونحوه على إضمار فعل؛ لتسويته بينه وبين الجر بمن.
قال أبو البقاء العكبري: في نحو: "إياك الشر" المختار عندي أن يضمر له فعل يتعدى إلى مفعولين نحو: "جنب نفسك الشر" "فإياك في موضع نفسك"٢، ومثل الشارح إفراد إيا بقوله: "إياك الشر" وقال: تقديره أحذرك الشر، وهو نظير "إياك المراء" وظاهر تقديره أن الناصب لهما فعل واحد متعد إلى اثنين فهو نحو مما قاله أبو البقاء.
فإن قلت: إذا جعل ناصب المراء فعلا مضمرا بعد إياك فهل يكون إضماره واجبا أم جائزا؟
قلت: قال ابن عصفور: إن حذفت الواو لم يلزم إضمار الفعل نحو: "فإياك إياك المراء".
تقديره: دَعِ المراء، ولو كان في الكلام لجاز إظهار هذا الفعل. انتهى.
وشذ إياي، وإياه أشذ
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٩٢. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١١٥٦ ]
الشائع في التحذير أن يراد به المخاطب.
وقد ورد للمتكلم كقول من قال: "إيايَ وأن يحذِفَ أحدُكم الأرنبَ"١ أي: إياى نح عن حذف الأرنب ونح حذف الأرنب عن حضرتي، فعلى هذا هو جملة واحدة. وقال الزجاج: إن ذلك جملتان، والتقدير: إياي وحذف الأرنب وإياكم وحذف أحدكم الأرنب، فحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني "وحذف"٢ من الثاني ما أثبت نظيره في الأول، وقال بعضهم: إياي ليس على "معنى فعل أمر بل على معنى"٣ إياي باعد، فجعله خبرا. وقد ورد للغائب في قولهم: "إذا بلغ أحدكم الستين فإياه وإيا الشواب"٤، وإليه أشار بقوله: "وإياه أشذ" أي: أشذ من إياي، وفي هذا المثل شذوذ من وجه آخر، وهو إضافة "إيا" إلى الظاهر.
وعن سبيل القَصْد مَنْ قاس انتبَذْ
يقتضي منع القياس "على إياي وعلى إياه فلا يستعمل إلا حيث سمع"٥.
"قلت: ظاهر كلامه في التسهيل جواز القياس"٦ على المتكلم؛ لأنه قال بنصب تحذير إياي وإيانا معطوفا عليه المحذور، فلم يصرح بشذوذه، وذكر إيانا معه.
وكمُحذِّرٍ بلا إيا اجْعَلا مُغْرًى به في كل ما قصد فُصِّلا
الإغراء: إلزام المخاطب العكوف على ما يُحمد عليه، والمغرى به: منصوب بفعل مضمر، وحكم ناصبه في وجوب الإضمار وجوازه كحكم ناصب المحذر به، فيجب إضماره مع العطف نحو: "الأهل والولد" والتكرار نحو٧:
_________________
(١) ١ ينهى عن حذف الأرنب وغيره بنحو حجر، فإن ذلك لا يحله. ٢ أ، ج. ٣ أ، ج وفي ب "فعل أمر على معنى". ٤ قول سمع عن العرب كما قال سيبويه، والشواب: جمع شابة، ومعناه: إذا بلغ الرجل ستين سنة فلا ينبغي له أن يولع بشابة. ٥ ب. ٦ ب. ٧ قائله: هو مسكين الدارمي، وهو من الطويل. وتمامه: إن من لا أخا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح =
[ ٣ / ١١٥٧ ]
أخاكَ أخاكَ
ولا يجب مع الإفراد بل يجوز إظهاره نحو: الزم أخاك. إلا أن الإغراء لا يكون بلفظ إياك وأخواته، فلهذا قال: بلا إيا.
تنبيه:
قد يرفع المكرر في الإغراء والتحذير كقوله١:
لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة السلاحُ السلاحُ
وأجاز الفراء الرفع في قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ٢ على إضمار هذه.
_________________
(١) = اللغة: "الهيجا" الحرب، وهي تمد وتقصر. المعنى: الزم أخاك ولا تفارقه واحرص عليه، فالشخص الذي ليس له أخ يعينه ويقصده كمن يذهب إلى الحرب وليس معه عدتها ولا أداتها. الإعراب: "أخاك" منصوب على الإغراء بتقدير الزم محذوفا وجوبا للتكرار "أخاك" الثاني توكيد "من" اسم موصول اسم إن "لا" نافية للجنس "أخا" اسمها مبني على فتح مقدر على الألف "له "جار ومجرور خبرها، وقيل: الأحسن أن يكون خبر لا محذوفا و"أخا" مضاف إلى ضمير "له" واللام زائدة، أي: إن لا أخاه موجود، والجملة ومعمولاها صلة الموصول "كساع" متعلق بمحذوف خبر إن "إلى الهيجا" متعلق به. الشاهد: قوله: "أخاك" فإنه نصب على الإغراء بعامل واجب الحذف لأنه مكرر، أي: الزم أخاك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٨٢/ ٢، وابن هشام ٢٨٨/ ٣، والسيوطي ص١٧٠/ ١، وفي شذور الذهب ص٢٣، والقطر ص٢٩٦، والشاهد ١٧٦ في الخزانة. ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف. وقبله: إن قوما منهم عمير وأشبا هـ عمير ومنهم السفاح اللغة: "لجديرون" لائقون حريون "أشباه" أمثال "بالوفاء" ويروى باللقاء "النجدة" الشجاعة. الإعراب: "لجديرون" اللام للتوكيد وجديرون خبر إن -في البيت قبله- "بالوفاء" جار ومجرور متعلق بجديرون "إذا" للشرط "قال" فعل ماض "أخو" فاعل مرفوع بالواو "النجدة" مضاف إليه، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله لجديرون "السلاح" مقول القول. الشاهد: قوله: "السلاح" إذ أصله خذ السلاح؛ لأن مقول القول يكون جملة ثم رفع؛ لأن العرب ترفع ما فيه معنى التحذير، وإن كان حقه النصب. ٢ من الآية ١٣ من سورة الشمس.
[ ٣ / ١١٥٨ ]
أسماء الأفعال والأصوات:
الكلام على أسماء الأفعال يحتاج إلى مقدمة تشمل ثلاث مسائل:
الأولى: مذهب جمهور البصريين أنها أسماء، وقال بعض البصريين: أفعال استعملت استعمال الأسماء، وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال حقيقية، والصحيح أنها أسماء لقبولها بعض علامات الأسماء كالتنوين والتصريف، ولعدم قبولها علامات الأفعال، ولورودها على أوزان تخالف أوزان الأفعال.
الثانية: اختلف القائلون باسميتها في مدلولها، فقيل: مدلولها لفظ الفعل لا الحدث والزمان، بل تدل على ما يدل على الحدث والزمان، وقيل: مدلولها المصادر إلا أنها دخلها معنى الأمر ومعنى الوقوع بالمشاهدة. ودلالة الحال في غير الأمر فتبعه الزمان، وقيل: إنها دالة على ما يدل عليه الأفعال من الحدث والزمان، إلا أن دلالتها على الزمان بالوضع لا بالصيغة. قيل: وهو ظاهر مذهب سيبويه وأبي علي وجماعة. فهذه ثلاثة مذاهب، فصَهْ مثلا على الأول اسم للفظ اسكت، وعلى الثاني اسم لقولك سكوتا، وعلى الثالث اسم لمعنى الفعل، إلا أن دلالة الفعل على الزمان بالصيغة، ودلالتها على الزمان بالوضع.
الثالثة: ذهب كثير منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لا من الإعراب، وهو مذهب المصنف ونسبه بعضهم إلى الجمهور، وذهب المازني ومن وافقه إلى أنها في موضع نصب، ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان، وذهب بعض النحويين إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وأغنى مرفوعها عن الخبر كما أغنى في "أقائم الزيدان" وقد عرفهما بقوله:
ما ناب عن فعل كشَتَّان وصَهْ هو اسم فعل وكذا أوَّهْ ومَهْ
قوله: "ما ناب عن فعل" جنس يشمل اسم الفعل وغيره مما ينوب عن الفعل، وقوله: "كشتان وصه" يعني كونه غير معمول ولا فضلة، وهو تمثيل تمم به الحد، فخرج به ما ناب عن الفعل وهو معمول كالمصدر العامل، أو فضلة كالحرف العامل عمل الفعل، فإنهما ليسا كشتان وصه، وهذا قوله في الكافية: نائب فعل غير معمول ولا فضلة اسم الفعل.
[ ٣ / ١١٥٩ ]
تنبيه:
اسم الفعل نوعان: أحدهما: ما كان في الأصل ظرفا "ومجروره"١ أو حرف جر ومجروره، وسيأتي. والآخر: ما ليس كذلك، وهو ضربان: ضرب مختلف في القياس عليه، وضرب مقصور على السماع.
فالمختلف في قياسه ثلاثة أنواع:
الأول: بناء فعال من الثلاثي المجرد. مذهب سيبويه والأخفش أنه مقيس، ومذهب المبرد أنه لا يقاس عليه.
الثاني: بناء فعال من أفعل أجاز ابن طلحة القياس عليه، كما أجاز البناء منه في التعجب، وقد سمع منه دراك من أدرك.
الثالث: بناء فعلال من الرباعي أجازه الأخفش قياسا على ما سمع من قولهم: "قَرْقار" و"عَرْعَار"٢. ومذهب سيبويه أن ذلك لا يقاس عليه، وهو الصحيح لقلته، وأنكر المبرد سماع اسم الفعل من الرباعي، وذهب إلى أن "قرقار" و"عرعار" حكايتا صوت.
وأما المتفق على قصره على السماع. فما عدا هذه الأنواع، وهو ألفاظ كثيرة، وأنا أشرح منها ما اشتمل عليه النظم إن شاء الله تعالى.
وقد اشتمل هذا البيت على أربعة ألفاظ "منها"٣ وهي: شتان، وصه، وأوه، ومه.
فأما "شتان" فهي اسم فعل بمعنى تباعد أو افتراق، وذهب أبو حاتم والزجاج إلى أن "شتان" مصدر جاء على فعلان، وهو واقع موقع الفعل، فيقال: "شتان زيد وعمرو" و"شتان ما زيد وعمرو" بزيادة "ما" و"شتان ما بين زيد وعمرو". ونقل ابن عصفور وغيره أن الأصمعي منع "شتان ما بين زيد وعمرو"، ورد عليه
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ قرقار بمعنى قرقر، أي: صوت، وعرعار بمعنى عرعر أي: العب. ٣ أ.
[ ٣ / ١١٦٠ ]
بأنه مسموع، ونقل صاحب البسيط أن الأصمعي جوَّز أن يكون بمعنى بَعُد، فتقول: "شتان ما بين زيد وعمرو"، وإن غيره منع ذلك.
وأما "صه" فاسم فعل بمعنى اسكت، ويقال: صِهْ بكسر الهاء غير منونة، وصهٍ بالتنوين.
وسيأتي أن ما نون فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة، وقد يقال: صاه بالألف قبل الهاء الساكنة.
وأما "أوه" فاسم فعل بمعنى أتوجع، وفيه لغات أخر:
أوَّهْ، أوِّهِ، آوْهْ، أوَّهِ، أوَّتَاهْ، آوَّتَاهُ، آهْ، آهِ، أَوِّ، آوِّ، أووه، أَوَأَهْ.
وإذا صرف الفعل منه قيل: أوَّه وتأوه.
وأما "مه" فاسم فعل بمعنى انكفف لا بمعنى اكفف؛ لأنه متعد ومه لا يتعدى، ويقال: مِهِ بالكسر، ومِهٍ بالتنوين، كما تقدم في صه.
وما بمعنى افْعَلْ كآمينَ كَثُرْ وغيرُهُ كَويْ وهيهات نَزُرْ
اسم الفعل ثلاثة أضرب: ضرب بمعنى الأمر وهو كثير، وضرب بمعنى المضارع، وضرب بمعنى الماضي، وكلا هذين الضربين قليل، ومن الذي بمعنى الأمر مقيس كما تقدم، وليس في الذي بمعنى المضارع والماضي شيء يقاس عليه، ومثل الأمر بآمين والمضارع بوي والماضي بهيهات.
أما "آمين" فاسم فعل بمعنى استجب، وفيه لغتان المد والقصر خلافا لابن درستويه في تخصيصه القصر بالضرورة، وإذا مد فقيل وزنه فايل وهو أعجمي. وقيل: أصله القصر ووزنه فعيل والمد إشباع؛ لأنه ليس في كلام العرب أفعيل ولا فاعيل ولا فيعيل. حكي ذلك عن أبي علي، وحكى القاضي عياض عن الداودي آمين -بالمد والتشديد- وقال: إنها لغة شاذة، وذكر ثعلب وغيره أن تشديد الميم خطأ.
وأما "وَيْ" فهو اسم فعل بمعنى أعجب و"أن"١ مثلها وا، وواهَا.
_________________
(١) ١ أ.
[ ٣ / ١١٦١ ]
قال في شرح الكافية: ووي ووا وواها بمعنى أعجب، وقال غيره: وي بمعنى أعجب وفيها تندم. ووا بمعنى التعجب والاستحسان.
قال١:
وَا بأبي أنْت وفُوكِ الأشْنَبُ
وتلحق وي كاف الخطاب كقول عنترة٢:
قيل الفوارس وَيْكَ عنتر أقدم
_________________
(١) ١ قائله: ينسب لراجز من تميم، وهو من الرجز. وبعده: كأنما ذُرَّ عليه الزرنب أو زنجبيل وهو عندي أطيب اللغة: "فوك" فمك "الأشنب" من الشنب وهو عذوبة ماء الفم مع رقة الأسنان "ذر" فرق ورش "الزرنب" نبت من نبات البادية طيب الرائحة. المعنى: يعجب من جمال محبوبته ويقول لها: أفديك بأبي ويصف فمها بالعذوبة ورقة الأسنان والرائحة الطيبة. الإعراب: "وا" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب والفاعل أنا "بأبي" جار ومجرور خبر مقدم "أنت" مبتدأ مؤخر "وفوك" الواو للاستئناف فوك مبتدأ مرفوع بالواو والكاف مضاف إليه "الأشنب" صفة له "كأنما" كأن حرف تشبيه ونصب "ما" كافة "ذر" فعل ماض مبني للمجهول "عليه" جار ومجرور متعلق بذر "الزرنب" نائب فاعل والجملة خبر فوك. الشاهد: قوله "وا" فإنه اسم فعل مضارع بمعنى أعجب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٨٦/ ٢، وابن هشام ٢٩٢/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ١٦٠/ ٢. ٢ قائله: هو عنترة بن شداد العبسي، وهو من الكامل. وصدره: ولقد شَفَى نفسي وأبرأ سُقْمَها اللغة: "قيل" بكسر القاف بمعنى يقول، ويروى: "قول الفوارس". الإعراب: "ولقد" اللام للتأكيد وقد للتحقيق "شفى" فعل ماض "نفسي" مفعول به والياء مضاف إليه "وأبرأ" فعل ماض عطف على شفى "سقمها" مفعول به والهاء مضاف إليه "قيل" تنازع فيه الفعلان شفى وأبرأ فأعمل الثاني وأضمر في الأول "الفوارس" مضاف إليه "ويك" أصله ويلك والكاف للخطاب مجرورة بالإضافة "عنتر" منادى مرخم يا عنترة فحذف منه حرف النداء "أقدم" أمر من قدُم يقدُم بالضم فيهما. الشاهد: قوله: "ويك" حيث دخلت على "وي" كاف الخطاب. مواضعه: ذكره الأشموني في ٤٨٦/ ٢، وفي شرح المفصل ٧٧/ ٤.
[ ٣ / ١١٦٢ ]
وزعم الكسائي أن ويك محذوفة من ويلك، فالكاف على قوله ضمير مجرور، وأما قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
قال الخليل وسيبويه: هي وي، ثم قال: كأن الله يبسط، وقال أبو الحسن: هي ويك بمعنى أعجب كأن الله "يبسط".
وأما "هيهات" فاسم فعل بمعنى بَعُدَ خلافا لأبي إسحاق٢؛ إذ جعلها بمعنى البعد، وزعم أنها في موضع رفع نحو قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٣ وخلافا للمبرد إذ زعم أنها ظرف غير متمكن وبنى لإبهامه، وتأويله عنده في البعد٤. ويفتح الحجازيون "تا" هيهات فيقفون بالهاء، ويكسرها تميم وأسد ويقفون بالتاء وبعضهم يضمها، وإذا ضمت فمذهب أبي علي أنها تكتب بالتاء، ومذهب ابن جني أنها تكتب بالهاء، وحكى الصغاني٥ فيها ستا وثلاثين لغة: هيهات، وأيهات، وهيان، وأيهان، وهيهاه، وأيهاه، وكل واحدة من هذه الستة مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحدة منها منونة وغير منونة، فتلك ستة وثلاثون وجها.
وحكى غيره "فيها"٦ هيهاتا وإيهاك، والكاف للخطاب، وأيهاه وأيها وهيهاه، وقرأ عيسى بن عمر الهمداني
"هيهات هيهات" على نية الوقف.
والفعل من أسمائه عليكا وهكذا دونك مع إليكا
يعني: أن من اسم الفعل نوعا هو في الأصل جار ومجرور أو ظرف ومجروره، فالأول عليك وكذاك وكما أنت.
_________________
(١) ١ من الآية ٨٢ من سورة القصص. ٢ إبراهيم بن أحمد بن يعقوب أبو إسحاق شيخ النحاة والقراء، ولد بإشبيلية سنة إحدى وأربعين وستمائة ومات سنة عشر وسبعمائة. ٣ من الآية ٣٦ من سورة المؤمنون. ٤ يعني أن معنى هيهات عند المبرد: في البعد، وهيهات على هذا خبر مقدم واللام زائدة وما مبتدأ مؤخر والتقدير: ما توعدون مستقر في البعد. ٥ هو الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني حامل لواء اللغة في زمانه، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتوفي سنة خمسين وستمائة. ٦ ب، ج.
[ ٣ / ١١٦٣ ]
والثاني: عندك ولديك ودونك ووراءك وأمامك ومكانك وبعدك، هذا هو المسموع.
فعليك بمعنى الزم ويتعدى بنفسه، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١ وبالباء تقول: "عليك بزيد".
وإليك بمعنى تَنَحَّ، وهو لازم عند البصرين، وزعم ابن السكيت والكوفيون أنها تتعدى فتقول: "إليك زيدا" أي: أمسك زيدا، وكذاك بمعنى أمسك.
كقوله٢:
كذاك القول إن عليك عينا
وكما أنت بمعنى انتظر، حكى الكسائي "كما أنت زيدا" أي: انتظر زيدا، وكما أنتني أي: انتظرني، وعندك بمعنى خذ، وهي متعدية وترد بمعنى توقف، فتكون لازمة، ولديك بمعنى خذ، وهي متعدية تقول: "لديك زيدا".
ودونك بمعنى خذ فتتعدى، وبمعنى تأخر أيضا، ولا يتعدى، ووراءك بمعنى تأخر، وأمامك بمعنى تقدم، ومكانك بمعنى اثبت. وسمع الفراء مكانني أي: انتظرني، فتكون ذات تعد ولزوم، وبعدك بمعنى تأخر، وحكى الكسائي الإغراء ببين، وسمع من كلامهم: "بينكما البعير فخذاه" ولا حجة فيه لجواز أن يكون من باب الاشتغال.
_________________
(١) ١ من الآية ١٠٥ من سورة المائدة. ٢ قائله: هو جرير بن عطية من قصيدة يهجو فيها الفرزدق والبعيث، وهو من الوافر. وصدره: يَقُلْن وقد تلاحقت المطايا الإعراب: "يقلن" فعل وفاعل "وقد" الواو حالية قد حرف تحقيق "تلاحقت" فعل ماض والتاء للتأنيث "المطايا" فاعل والجملة في محل نصب حال "كذاك" اسم فعل "القول" مفعول كذاك "إن" حرف توكيد ونصب "عليك" جار ومجرور خبر مقدم لإن "عينا" اسم منصوب. الشاهد: قوله: "كذاك" فإنه اسم فعل ومعناه أمسك.
[ ٣ / ١١٦٤ ]
تنبيهات:
الأول: لا يُستعمل هذا النوع في الغالب إلا متصلا بضمير المخاطب، وشذ عليَّ بمعنى أولني، وإلي معنى أتنحى، وعليه بمعنى ليلزم.
الثاني: أجاز الكسائي قياس بقية الظروف على المسموع بشرط الخطاب نحو: خلفك وقدامك، ونقله بعضهم عن الكوفيين، ومذهب البصريين قصر ذلك على السماع.
الثالث: اختلف في كاف عليك وأخواته فذهب الكسائي أنها في موضع نصب، ومذهب الفراء أنها في موضع رفع، ومذهب البصريين أنها في موضع جر، وهو الصحيح لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء "عَليَّ عبدِ الله زيدًا" بجر عبد الله، فتبين أن الضمير مجرور الموضع، وذهب ابن بابشاذ إلى أنها حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب.
الرابع: في كل واحد من هذه الأسماء مع الضمير "المجرور"١ ضمير رفع مستتر هو الفاعل، فلك في التوكيد أن تؤكد الكاف بالمجرور فتقول: "عليك نفسك" وأن تؤكد المستتر بالمرفوع فتقول: "عليك أنت نفسك" ولا بد من تأكيده بالمرفوع المنفصل.
كذا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ ويَعَمْلانِ الخفضَ مصدَرَيْنِ
"رويد" يستعمل أمرا وغير أمر، فإذا استعمل أمرا فله حالان:
أحدهما: أن يكو مبنيا على الفتح، وإن وليه مفعول نصب نحو "رُويدَ زيدا" فهو هاهنا اسم فعل بمعنى أمهل؛ لأنه لو كان مصدرا لكان معربا، وذكر بعضهم أنه يرد بمعنى دع، ومنه: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد الشعر -أي: فدع الشعر- وما زائدة، ويجوز ألا تزاد كما قال٢:
رويدَ بني شيبان بعض وعيدكم
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "المجرد". ٢ قائله: هو ودَاك بن نميل المازني، وهو من الطويل. وتمامه: تلاقُوا غدًا خَيْلي على سَفَوانِ =
[ ٣ / ١١٦٥ ]
والآخر: أن يكون معربا منصوبا إما مضافا نحو: "رُويدَ زيد"، وإما منونا منصوبا نحو: "رويدًا زيدًا" فهو هاهنا مصدر؛ لأنه لو كان اسم فعل لكان مبنيا.
وإذا أضيف فتارة يضاف إلى فاعله نحو: "رويد زيد عمرًا" وتارة إلى مفعوله نحو: "رويد زيدٍ".
قيل: ومن الإضافة إلى فاعله قولهم: "رويدك زيدًا" ويحتمل أن يكون اسم فعل، والكاف للخطاب.
وإذا نون نصب المفعول، ومنع المبرد النصب "به"١؛ لكونه مصغرا ورويد تصغير إرواد مصدر رود أي: أمهله تصغير ترخيم، وذهب الفراء إلى أن تصغير رَوْدِ بمعنى المهل، ورد بأن رويدًا يتعدى.
وإذا استعمل غير أمر فله حالان:
أحدهما: أن يكون حالا كقولهم: "ساروا رويدا" فقيل: هو حال من الفاعل أي: مُرْوِدِين.
وقيل: من ضمير المصدر المحذوف أي: ساروه رويدا.
والآخر: أن يكون نعتا إما لمصدر مذكور نحو: "ساروا سيرا رويدا" وإما لمصدر محذوف نحو: "ساروا رويدا" وضعف كونه نعتا لمصدر محذوف؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف.
واختلفوا في "رويد" الواقع نعتا، فقيل: هو الذي يستعمل مصدرا وصف به كما وصف برضى.
_________________
(١) = اللغة: "رويد" دع أو اترك "سفوان" بفتح السين والفاء: اسم موضع. الإعراب: "رويد" معناه أميل ومعناه هنا دع أو اترك والفاعل ضمير "بنى" منادى منصوب حذف منه حرف النداء "شيبان" مضاف إليه -نداء جيء به بين الفعل ومعموله- "بعض" مفعول به لوريد "وعيدكم" مضاف إليه وكم مضاف إلى وعيد "تلاقوا" فعل مضارع وفاعله وهو مجزوم في جواب الأمر "غدا" منصوب على الظرفية "خيلي" مفعول به لتلاقوا والياء مضاف إليه "على سفوان" متعلق بتلاقوا. الشاهد: قوله: "رويد بني شيبان" حيث جاء رويد من غير زيادة كلمة ما بعده. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ٨٦/ ٢، وفي شرح المفصل ٤١/ ٤. ١ أ، ج.
[ ٣ / ١١٦٦ ]
وقيل: تصغير رَوْد تصغير الترخيم وليس بمصدر.
وأما "بله" فيكون اسم فعل بمعنى دع وهو مبني نحو: "بله زيدا" وتكون مصدرا بمعنى ترك النائب عن اترك، فتستعمل مضافة نحو: "بله زيد" وهو مضاف إلى المفعول، وقال أبو علي: إلى الفاعل، وروى أبو زيد فيه القلب إذا كان مصدرا تقول: "بَهْلَ زيد" وحكى أبو الحسن الهيثم فتح الهاء واللام فتقول: "بَهْلَ زيدٍ" وأجاز قطرب وأبو الحسن أن يكون بمعنى كيف فتقول: "بله زيد" ويروى١:
بَلْهَ الأكفَّ كأنها لم تُخْلَق
بالنصب على أنها اسم فعل، وبالجر على أنها مصدر، وبالرفع، فقيل: هي اسم فعل بمعنى اترك.
وقيل: بمعنى كيف، وأنكر أبو علي الرفع بعدها، وذهب بعض الكوفيين إلى أن "بله" بمعنى غير، فمعنى: بله الأكف غير الأكف، وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر، وعدها الكوفيون والبغداديون من أدوات الاستثناء، فأجازوا النصب بعدها على الاستثناء.
وما لِمَا تنوبُ عنه مِن عَمَلْ لها وأخِّرْ ما لذِي فيه العَمَلْ
_________________
(١) ١ قائله: هو كعب بن مالك الأنصاري يصف السيوف، وهو من الكامل. وصدره: تذَرُ الجماجمَ ضاحيًا هاماتُها اللغة: "تذر" تترك وتدع "الجماجم" -جمع جمجمة- وهي عظام الرأس "بله الأكف" أي: اتركها ولا تذكرها في كلامك لأنها طائحة لا محالة. الإعراب: "تذر" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هي يعود إلى السيوف في بيت قبله "الجماجم" مفعول به "ضاحيا" حال من المفعول به "هاماتها" هامات فاعل بضاح وضمير الغائبة العائد إلى الجماجم مضاف إليه "بله" اسم فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت "الأكف" مفعول به لبله "كأنها" كأن حرف تشبيه ونصب والضمير العائد إلى الأكف اسم كأن "لم" نافية جازمة "تخلق" فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لأجل الروي، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى الأكف، وجملة الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر كأن. الشاهد: قوله: "بله الأكف" حيث استعمل بله اسم فعل أمر ونصب ما بعده على أنه مفعول به. مواضعه: ذكره الأشموني ٤٨٨/ ٢، وابن هشام في الشذور ص٤١٤، وفي المغني ١٠٥/ ١، وشرح المفصل ٤٧/ ٤، والشاهد ٤٥٦ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٦٧ ]
يعني: أن أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال التي تنوب عنها فترفع الفاعل ظاهرا نحو: "هيهات زيد" ومضمرا نحو: "نزال"، وتنصب المفعول إن نابت عن متعد، وتتعدى إليه بحرف الجر إن نابت عما يتعدى به، وينبغي أن يقول: غالبا، كما قال في التسهيل احترازا من "آمين" فإنها لم يحفظ لها مفعول، وفعلها يتعدى.
وقوله: "وأخر ما لذى فيه العمل" يعني: أنه يجب تأخير معمول أسماء الأفعال، ولا يسوى بينها وبين أفعالها في جواز التقديم، فلا يقال: "زيدا دراكِ" قال الشارح: هذا مذهب جميع النحويين إلا الكسائي فإنه أجاز فيه ما يجوز في الفعل من التقديم والتأخير. انتهى.
ونقله بعضهم عن الكوفيين.
تنبيه:
مذهب المصنف جواز إعمال اسم الفعل مضمرا، وقال في شرح الكافية: إن إضمار اسم الفعل مقدما لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه. انتهى.
ومنع كثير من النحويين حذفه وإبقاء معموله، وتأول كلام سيبويه.
واحْكُم بتنكير الذي يُنون منها وتعريف سواه بَيِّنُ
ما نون من أسماء الأفعال فهو نكرة وما لم ينون فهو معرفة وهي ثلاثة أقسام: لازم التعريف كنزال وآمين، ولازم التنكير كواها بمعنى أعجب وويها بمعنى أغْرِ وذو وجهين نحو صه ومه، وذهب قوم إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما نون منها وما لم ينون تعريف علم جنس، والأول هو المشهور.
ولما فرغ من أسماء الأفعال انتقل إلى أسماء الأصوات، وهي ألفاظ أشبهت أسماء الأفعال في الاكتفاء بها، وهي نوعان:
أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل إما لزجر كهلا للخيل، وعدَسْ للبغل، وإما لدعاء كأو للفرس ودَوْه للربع١، وإلى هذا النوع أشار بقوله:
وما به خوطب ما لا يعقل
من مُشبه اسم الفعل صوتا يُجعل
والثاني: ما وضع لحكاية صوت يحوان نحو "غاقِ" للغراب، و"ماء" للظبية، أو غير حيوان نحو "قبْ" لوقع "السيف"٢، و"طَق" لوقوع الحجر. وغلى هذا النوع أشار بقوله:
كذا الذي أجدى حكاية كقَبْ
أي: أفهم حكاية.
_________________
(١) ١ الرُّبَع بضم الراء وفتح الباء: وهو الفصيل. ٢ ب، وفي أ، ج "السقف".
[ ٣ / ١١٦٨ ]
ثم قال:
والزَمْ بنا النوعين فهو قد وَجَبْ
يحتمل أن يريد بالنوعين أسماء الأفعال والأصوات، ويحتمل أن يريد نوعي الأصوات، وعلة بناء أسماء الأفعال شبهها بالحروف؛ لأنها عاملة غير معمولة كما تقدم أول الكتاب، وعلة بناء أسماء الأصوات أنها ليست عاملة ولا معمولة فأشبهت الحروف المهملة فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال.
تنبيه:
هذه الأصوات لا ضمير فيها، بخلاف أسماء الأفعال؛ فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المركبات.
[ ٣ / ١١٦٩ ]
نونا التوكيد:
للفعل توكيدٌ بنونين هُما كنوني اذهبنَّ واقصدنهما
للتوكيد نونان ثقيلة كنون "اذهبن" وخفيفة كنون "اقصدنَهما" وهما أصلان عند البصريين لتخالف بعض أحكامهما، ومذهب الكوفيين أن الخفيفة فرع الثقلية، وذكر الخليل أن التوكيد بالثقيلة أشد من الخفيفة.
وفهم من قوله: "للفعل" اختصاصه بهما، وندر توكيد اسم الفاعل كقوله١:
أقائلُنَّ أحضروا الشهودا
يؤكدان افعل ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطا إما تاليا
نونا التوكيد يؤكدان الأمر والمضارع دون الماضي؛ وقد جاء توكيد الماضي؛ لكونه مستقبل المعنى في قوله٢:
دامَنَّ سعْدُكِ إن رَحمْتِ متَيَّمَا
_________________
(١) ١ قائله: هو رؤبة بن العجاج وقيل: لشاعر من هذيل، وهو من الرجز. وقبله: أريتَ إن جاءت به أملودا مرجَّلا ويَلبسُ البرودا اللغة: "الأملود" الناعم "مرجلا" ترجيل الشعر وإرساله بالمشط "البرود" جمع برد نوع من الثياب. المعنى: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب حسن القوام كالغصن الناعم مرجل الشعر ليتزوجها، ولكنه فقير معدم، أأنت راض عن ذلك، آمر بإحضار الشهود لعقد نكاحها، والاستفهام إنكاري للتهكم. الإعراب: "أقائلن" الهمزة للاستفهام قائلن خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أفأنت قائلن، وهو مرفوع بالواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين والنون المحذوفة لتوالي الأمثال عوض عن التنوين في الاسم المفرد "أحضروا" فعل وفاعله "الشهودا" مفعول به، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل نصب مقول القول، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط الذي هو "إن جاءت به". الشاهد: قوله: "أقائلن" حيث دخلت فيه نون التوكيد، وهو اسم فاعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٠١/ ٢، ١٦/ ١، وابن هشام ٢٣/ ١، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٩، وفي همعه ٧٩/ ٢، والشاهد ٩٥٠ في الخزانة. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل. وتمامه: لولاكِ لم يكُ للصبابة جانِحا =
[ ٣ / ١١٧٠ ]
فأما الأمر فيؤكدانه بلا شرط نحو "اضربن" وكذا الدعاء نحو١:
وأَنْزِلَنْ سكينةً عَلَيْنَا
وتوكيد الأمر بالنون جائز لا واجب.
وأما المضارع فإن كان حالا لم تدخل عليه النون؛ ولهذا قال: "آتيا"، وإن كان مستقبلا أكد بها لا مطلقا بل في مواضع مخصوصة:
_________________
(١) = اللغة: "دامن" من الدوام. ودخله نون التوكيد على وجه الشذوذ "سعدك" خطاب لمحبوبته "المتيم" -بالتشديد- من تيمه الحب إذا عبده "الصبابة" المحبة والعشق "الجانح" من جنح إذا مال. المعنى: أدام الله سعدك إن رحمت المتيم ولولا أنتِ موجودة لم يكن المتيم مائلا للصبابة. الإعراب: "دامن" فعل ماض والنون للتوكيد "سعدك" فاعل والكاف مضاف إليه "إن" شرطية "رحمت" فعل وفاعل -وقعت فعل الشرط- "متيما" مفعول، وجواب الشرط محذوف تقديره: أدام الله سعدك "لولاك" لولا لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، وهي عند الجمهور جارة للضمير وموضع المجرور رفع الابتداء، والخبر محذوف وقد سد مسده جواب لولا وهي الجملة التي بعده. وقال الخليل: لولا لا تجر، ولكنهم أنابوا الضمير المخفوض عن المرفوع "لم يك" جواب لولا ولم حرف نفي وجزم وقلب وأصله لم يكن فحذفت النون تخفيفا والضمير المستتر فيه العائد إلى المتيم هو اسم يكن "للصبابة" متعلق بجانحا "جانحا" خبر يكن. الشاهد: قوله: "دامن" حيث دخلت فيه نون التوكيد وهو ماض. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٩٥/ ٢، والشاطبي، وذكره ابن هشام في المغني ٢٢/ ٢، والسيوطي في الهمع ٩٩/ ٢، والشاهد ٨٣ في الخزانة. ١ قائله: هو عبد الله بن رواحة، وقيل: لعامر بن الأكوع، وقيل: كعب بن مال، وهو من الرجز. وصدره: فثبت الأقدام إن لاقينا المعنى: ثبتنا على الإسلام بإظهار دينك ونصر رسولك حتى تسكن نفوسنا إلى ذلك وتزداد إيمانا بك. الإعراب: "ثبت" فعل أمر والفاعل ضمير مستتر "الأقدام" مفعول به "إن" شرطية "لاقينا" لاقى فعل ماض فعل الشرط ونا فاعل "وأنزلن" الواو عاطفة "وأنزلن" فعل أمر جاء للدعاء ونون للتوكيد، والفاعل ضمير مستتر "سكينة" مفعول به "علينا" جار ومجرور، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام. الشاهد: قوله: "أنزلن" حيث دخلت نون التوكيد الحفيفة على الأمر. مواضعه: ذكره الأشموني ٤٩٥/ ٢، والسيوطي في الهمع ٧٨/ ٢، وسيبويه ١٥٠/ ٢.
[ ٣ / ١١٧١ ]
أولها: أن يكون بعدما يقتضي طلبا من لام أمر أو لا نهي أو أداة تحضيض أو عرض أو تمن أو استفهام بحرف أو باسم خلافا لمن خص ذلك بالهمزة وهل١، وقد أشار إلى هذا بقوله: "ذا طلب".
الثاني: أن يكون شرطا لأن مقرونة بما الزائدة نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ ٢.
وإلى هذا أشار بقوله: "أو شرطا إما تاليا" واحترز من الواقع شرطا لغير إما فإن توكيده قليل كما سنذكر.
الثالث: أن يكون جوابا لقسم بخمسة شروط:
الأول: أن يكون مستقبلا، فإن الحال لا يؤكد بالنون كما سبق، فإذا أقسم على فعل الحال صدر باللام وحدها كقراءة ابن كثير: "لَا أُقْسِمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ"٣. ومن منع الإقسام على فعل الحال أول الآية على إضمار مبتدأ، أي: لأنا أقسم، والمنع مذهب البصريين.
الثاني: أن يكون مثبتا، فإن كان منفيا لم تدخله النون نحو: "والله لا يقوم زيد".
وقد جاء توكيد المنفي في قوله٤:
تالله لا يُحمدنَّ المرءُ مُجْتَنِبَا فِعْلَ الكرامِ ولو فَاقَ الورَى حَسبَا
_________________
(١) ١ الأمثلة: لام الأمر نحو: "ليقومن محمد" والنهي نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ والتحضيض نحو: هلا تُمننَّ بوعد غير مخلفة كما عهدتك في أيام ذي سلم والعرض نحو: "ألا تنزلن عندنا" والتمني نحو قوله: فليتك يوم الملتقى ترينني لكي تعلمي أني امرؤ بك هائمُ والاستفهام نحو: وهل يمنعني ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتينْ فأقبلْ على رهطي ورهطك نبتحث مساعينا حتى ترى كيف نفصلا ٢ من الآية ٥٨ من سورة الأنفال. ٣ من الآية ١ من سورة القيامة. ٤ قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط. الإعراب: "تالله" التاء حرف قسم ولفظ الجلالة مقسم به "لا يحمدن" لا نافية ويحمدن فعل مضارع مبني للمجهول، وهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد "المرء" نائب فاعل "مجتنبا" حال "فعل" مفعول مجتنبا "الكرام" مضاف إليه "ولو فاق" لو حرف امتناع وفاق فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "حسبا" تمييز. الشاهد: قوله: "لا يحمدن" حيث أكد الفعل المنفي. مواضعه: ذكره الأشموني ٤٩٦/ ٢.
[ ٣ / ١١٧٢ ]
الثالث: أن يكون غير مقرون بحرف تنفيس، فإنه لا يدخله النون نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١.
الرابع: ألا يكون مقدم المعمول كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢.
فإنه لا تدخله النون.
الخامس: ألا يقترن بقد نحو: "والله لقد أظن زيدا منطلقا"، فإنه لا يجوز توكيده "بالنون"٣.
وإلى هذا أشار بقوله:
أو مثبتا في قَسَم مُستقبلا
لكنه أخل بشتراط الثلاثة المتأخرة.
وقد نبه في الكافية والتسهيل على الثالث والرابع.
تنبيه:
توكيد المضارع بعد الطلب ليس بواجب اتفاقا، وأما بعد إما فمذهب سيبويه أنه ليس بلازم ولكنه أحسن؛ ولذا لم يجئ في القرآن بعدها إلا مؤكدا، وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين، وهو الصحيح، وقد كثر في الشعر مجيئه غير مؤكد٤.
وذهب المبرد والزجاج إلى لزوم نون التوكيد بعد إما، وزعما أن حذفها ضرورة.
_________________
(١) ١ سورة الضحى: ٥. ٢ سورة آل عمران: ١٥٨. ٣ ب. ٤ ومن ذلك قول الشاعر: فإما تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ فإن الحوادثَ أودَى بها
[ ٣ / ١١٧٣ ]
وأما بعد القسم فهو واجب عند البصريين بالشروط المذكورة، فلا بد عندهم من اللام والنون، وأجاز الكوفيون تعاقبهما، وقد ورد في الشعر.
وقوله:
وقَلَّ بعد ما ولم وبعد لا
يعني: أن التوكيد بالنون قَلَّ بعد هذه الأربعة:
الأول: "ما" والمراد بها الزائدة كقولهم:
"بعَيْنٍ ما أَرَيَنَّكَ وبِجُهْدٍ ما تَبْلُغَنْ"١.
وقوله٢:
ومن عِضَةٍ ما يَنْبُتنَّ شَكيرُهَا
وقوله٣:
قليلا به ما يَحْمَدَنَّك وارِثٌ
_________________
(١) ١ "بعين ما أرينك" تقول لمن يخفي أمرا أنت به بصير "وبجهد ما تبلغن" تقوله لمن حملته فعلا فأباه أي: لا بد لك من فعله مع مشقة. ٢ قائله: لم ينسب لقائل -وهو مثل عربي يضرب للفرع الذي ينشأ كأصله- وهو من الطويل. وصدره: إذا مات منهم سيِّدٌ سَرق ابنه اللغة: "عضة" شجر ذات شوك من أشجار البادية، والجمع عضاه "شكيرها" الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها. المعنى: إذا مات من هؤلاء القوم شخص سرق ابنه صفاته وخلاله وأصبح مثله، وإنما يجيء الفرع وفق أصله. الإعراب: "إذا" ظرف للمستقبل "مات" فعل ماض "منهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من سيد "سيد" فاعل والجملة في محل جر بإضافة إذا "ابنه" فاعل سرق "ومن عضة" جار ومجرور متعلق بينبتن "ما" زائدة "شكيرها" فاعل ينبتن والهاء مضاف إليه. الشاهد: قوله "ينبتن" فقد أكد بالنون الثقيلة لوقوعه بعد "ما" الزائدة غير المسبوقة بإن الشرطية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٩٧/ ٢، وابن هشام ٣١٠/ ٣، وذكره سيبويه ١٥٣/ ٢، والشاهد ٩٤٧ في الخزانة. ٣ قائله: هو حاتم الطائي، وهو من الطويل. وتمامه: إذا نال مما كنتَ تجمع مَغْنما =
[ ٣ / ١١٧٤ ]
وجعل بعضهم في قوله: "ما يحمدنك وارث" نافية، وقال: هو نادر أو ضرورة يندرج في إطلاقه ما الكافة لرب، حكى سيبويه: "ربما يقولن ذلك".
وأما قوله١:
رُبَّما أَوْفَيْتَ فِي عَلَم تَرْفَعْنَ ثَوبِي شَمَالاتُ
فبعيد جدا.
فإن قلت: فقد ذكر في الكافية أن التوكيد بعد "ما" الزائدة شاع، وقال في شرحها: وإنما كثر هذا التوكيد بعد "ما" الزائدة لشبهها بلازم القسم. قال سيبويه: ولا تقع بعد هذه الحروف "إلا" و"ما" زائدة، فأشبهت لام القسم عندهم. انتهى.
_________________
(١) = اللغة: "مغنما" غنيمة - وهو الحصول على الشيء بدون مشقة. المعنى: قلما يحمد الوارث من ورثه مع أنه يستولي على ما جمعه من المال، وأفنى عمره في الحصول عليه. فلينظر الإنسان في خير ما ينفق فيه ماله. الإعراب: "قليلا" صفة لمصدر محذوف منصوب بمحذوف يدل عليه يحمدانك؛ أي: يحمدنك حمدا قليلا ولم يجعل المصدر معمولا ليحمدنك الآتي؛ لأن معمول الفعل المؤكد لا يتقدم عليه "ما" زائدة "به" متعلق بيحمدنك "وارث" فاعل "مغنما" مفعول نال. والشاهد: قوله: "يحمدنك" حيث أكده الشاعر بالنون الثقيلة بعد "ما" الزائدة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٧٩/ ٢، وابن هشام ٣١٠/ ٣، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٩، وفي همعه ٧٨/ ٢. ١ قائله: هو جذيمة الأبرش، وهو من المديد. اللغة: "أوفيت" نزلت "علم" -بفتح اللام- جبل "في" بمعنى على "شمالات" رياح الشمال. المعنى: كثيرا ما أنزل على الجبال العالية في مهب الرياح العاتية متحملا المصاعب لأرقب الأعداء، يفتخر بأنه يرقب الطليعة بنفسه متحملا المشاق ولا يعتمد على غيره. الإعراب: "ربما" رب حرف جر شبيه بالزائد "ما" كافة "أوفيت" فعل وفاعل "في علم" متعلق بأوفيت وفي بمعنى على "ترفعن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة "ثوبي" مفعول ترفعن "شمالات" فاعله. الشاهد: قوله: "ترفعن" حيث أكده بالنون الخفيفة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٩٨/ ٢، وابن هشام ٢٧٨/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٩، وفي همعه ٧٨/ ٢، وسيبويه ١٥٣/ ٢، وشرح المفصل ٤٠/ ٩، والمغني ١١٩/ ١، ٩/ ٢.
[ ٣ / ١١٧٥ ]
فكيف قال هنا: قد قلَّت؟ قلَّته إنما هو بالنسبة إلى المواضع السابقة فلا ينافي كونه شائعا.
فإن قلت: فهل هو مطرد؟
قلت: ظاهر كلام المصنف اطراده، وقال بعضهم: لا يقاس على هذه الأمثلة المذكورة.
فإن قلت: فهل يطرد بعد ربما؟
قلت: قال في الكافية: وشذ بعد ربما، وعلل بأن الفعل بعدها ماضي المعنى، ونص بعضهم على أن إلحاق النون بعدها ضرورة، وظاهر كلام سيبويه يشعر بأنه لا يختص بالضرورة، وهو ظاهر التسهيل ومثاله بعد "لم" قوله١:
يحسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلَمَا
وهو قليل، ونص سيبويه على أنه ضرورة؛ لأن الفعل بعد لم ماضي المعنى كما كان بعد ربما.
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو الصماء مساور بن هند العبسي، يصف سقاء لبن، وقيل: لأبي حيان الفقعسي. وتمامه: شيخا على كرسيه مُعَمَّمَا وهو من الرجز. اللغة: "يحسبه" يظنه "معمما" لابسا عمامة. المعنى: يصف الشاعر قعب لبن علته رغوة حتى امتلأ، يظنه الجاهل الذي لا يعلم الحقيقة شيخا لابسا عمامته وقد جلس وتربع فوق كرسيه. الإعراب: "يحسبه" فعل مضارع والهاء مفعول أول "الجاهل" فاعل "ما" مصدرية "لم" نافية جازمة "يعلما" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المنقلبة ألفا للوقف في محل جزم "شيخا" مفعول ثانٍ ليحسب "على كرسيه" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقوله شيخا "معمما" صفة ثانية لشيخا. الشاهد: قوله: "لم يعلما" حيث أكده بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا بعد "لم". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٩٨/ ٢، وابن هشام ٣١١/ ٣، وابن عقيل ٢٩٩/ ٢، وابن الناظم والمكودي ص١٣٦، والسيوطي ص١٠٩، في همعه ٧٨/ ٢، وذكره سيبويه ١٥٢/ ٢، وشرح المفصل ٤٢/ ٩، والإنصاف ٣٨٥/ ٢، والشاهد ٩٤٩ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٧٦ ]
قال في شرح الكافية: وهو بعد ربما أحسن. ومثاله بعد "لا" والمراد بها النافية قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ﴾ ١ وذلك لشبهها بالناهية.
ومذهب الجمهور منع التوكيد بالنون بعد "لا" النافية إلا في الضرورة، وأجازه المصنف وابن جني.
وتأول المانعون الآية فقيل: "لا" ناهية والجملة محكية بقول: "محذوف هو"٢ صفة "فتنة" فتكون نظير٣:
جاءوا بِمذْقٍ هَلْ رأيتَ الذِّئْبَ قَطْ
وقيل: "لا" ناهية أيضا وتم الكلام عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصة عن "التعرض"٤ للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأخرج النهي "عن"٥ إسناده للفتنة، فهو نهي محول كما قالوا: "لا أريَنَّك هاهنا"٦ وهذا تخريج المبرد والفراء والزجاج، وقال الأخفش الصغير: "لا تصيبنّ" هو على معنى الدعاء، وقيل: "لا تصيبن" جواب قسم، والجملة موجبة، والأصل "لتُصيبَنّ" كقراءة ابن مسعود وغيره، ثم أشبعت اللام، وهو ضعيف؛ لأن الإشباع بابه الشعر، وقيل: جواب قسم، ولا: نافية ودخلت النون تشبيها بالموجب وكما دخلت في قوله٧:
تالله لا يحمدن المرء مجتنبا
وقال الفراء: الجملة جواب الأمر، كقولك: "انزل عن الدابة لا تطرَحَنَّكَ" "ولا: نافية ومَن منع النون بعد دخول "لا" النافية منع "انزل عن الدابة
_________________
(١) ١ من الآية ٢٥ من سورة الأنفال. ٢ ب، ج. ٣ مضى هذا البيت في باب النعت. ٤ ب، ج. ٥ ب، ج، وفي أ "على". ٦ "لا أرينك" هو نهي محول عن إسناده للمخاطب إلى إسناده للمتكلم، والأصل: لا تأتِ، فحول النهي عن الإتيان الذي هو سبب لرؤيته إلى المسبب الذي هو الرؤية. هـ صبان. ٧ مضى هذا البيت في نفس الباب.
[ ٣ / ١١٧٧ ]
لا تطرحنك""١ ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ورود النون بعد النافية، وقد فصل بينها وبين الفعل بمعموله كقولك٢:
فلا ذا نعيم يَتْرُكَنْ لنَعِيمِهِ
أو بمعمول مفسره كقوله٣:
فلا الجارة الدنيا لها تَلْحَينَّهَا
فتوكيد "لا تصيبن" أحق بالجواز؛ لاتصاله بلا.
فإن قلت: فهل يطرد التوكيد بعد "لا" مع الفصل؟
قلت: نص غير المصنف على أن ذلك ضرورة.
_________________
(١) ١ ب. ٢ قائله: لم أعثر على قائله ولا تتمته، وفي الدرر اللوامع "ولم أعثر على قائله ولا تتمته"، وهو من الطويل. الإعراب: "لا" نافية "ذا نعيم" ذا مفعول ونعيم مضاف إليه "يتركن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وهي حرف "لنعيمه" جار ومجرور متعلق بالفعل. الشاهد: قوله: "يتركن" دخول نون التوكيد على الفعل بعد "لا" النافية. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ٧٨/ ٢. ٣ قائله: هو النمر بن تولب العلكي، وهو من الطويل. وتمامه: ولا الضيفُ فيها إنْ أناخَ مُحَوَّلُ اللغة: "الدنيا" القريبة "تلحينها" من لحيته لحيا إذا لمته ولاحيته ملاحاة إذا نازعته "أناخ" برك راحلته "محول" -بضم الميم- من التحول. المعنى: يشير بهذا إلى كرم الممدوحة بأن جارتها لا تلومها ولا تنازعها ولا هي تمنع ضيفها إذا برك عندها. الإعراب: "فلا" الفاء عاطفة ولا نافية "الجارة" مبتدأ -بالرفع- "الدنيا" صفة للجارة "لها" جار ومجرور في محل نصب على الحال "تلحينها" فعل والفاعل ضمير مستتر والمفعول هو الضمير المنصوب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "ولا الضيف" الضيف مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "فيها" جار ومجرور متعلق بمحول "إن" شرطية "أناخ" فعل ماض فعل الشرط "محول" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وجواب الشرط محذوف والتقدير: ولا الضيف محول عنها إن أناخ راحلته عندها لا يتحول إلى غيرها لحسن قيامها بالضيف. الشاهد: قوله: "تلحينها" حيث أدخل الشاعر فيها نون التوكيد بعد "لا" النافية تشبيها لها باللفظ بلا الناهية. مواضعه: ذكر الأشموني ٤٩٨/ ٢، وابن الناظم.
[ ٣ / ١١٧٨ ]
وقوله:
وغير إما من طوالِبِ الْجَزا
يشمل "إن" مجردة وغيرها١.
ويشمل كلامه الشرط كقوله٢:
مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فليس بآيبٍ
والجواب كقولك٣:
_________________
(١) ١ أي: يشمل إن المجردة عن ما وغيرها. ٢ قائله: هو لابنة مرة الحارثي. ضمن ثلاثة أبيات ترثي بها أباها وكان باهلة قد قتلته. وتمامه: أبدًا وقَتْلُ بني قتيبة شافي وهو من الكامل. اللغة: "نثقفن" نجدن ويروى بالتاء تجدن وبالياء يوجدن "آئب" اسم فاعل من آب يئوب أي: رجع "بني قتيبة" فرع من باهلة. المعنى: من يوجد من بني قتيبة فسيقتل حتما ولن يرجع أبدا إلى قومه، فإن قتلهم يشفي الغلة، ويطفئ جذوة الغضب بسبب ما سفكوا من دماء. الإعراب: "من" اسم شرط مبتدأ "تثقفن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر "منهم" جار ومجرور متعلق بتثقفن "فليس" الفاء واقعة في جواب الشرط وليس فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه "بآيب" الباء حرف جر زائد وآيب خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط وحدها أو جملة الجواب وحدها أو الجملتان معها في محل رفع خبر المبتدأ على الخلاف "أبدا" منصوب على الظرفية "قتل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "بني" مضاف إليه "قتيبة" مضاف إليه "شافي" خبر المبتدأ. الشاهد: قوله: "يثقفن" حيث أكده بالنون الخفيفة بعد "من" الشرطية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٠٠/ ٢، وابن هشام ٣١١/ ٣، وابن عقيل ٣٢٠/ ٢، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٧٩/ ٢، وسيبويه ١٥٢/ ٢، والشاهد ٩٤٧ في الخزانة. ٣ قائله: هو النجاشي، هجا قوما فوصفهم بحدثان النعمة، وهو من الطويل. وتمامه: نَبتُّمْ نبات الخيْرَزَانِّي في الوغَى حديثا اللغة: "الخيرزاني" كل نبت ناعم "الوغى" -بفتح الغين- الحرب، وفي رواية "الثرى" وهي الأرض "الخير" المال. الإعراب: "نبتم" فعل ماض والتاء فاعل "نبات" منصوب بنزع الخافض والتقدير: كنبات "الخيرزاني" مضاف إليه "في الوغى" جار ومجرور "حديثا" منصوب بفعل محذوف تقديره: حدث حديثا "متى" شرطية "ما" زائدة "يأتك" فعل مضارع فعل الشرط والكاف مفعول "الخير" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "ينفعا" فعل مضارع والجملة جواب الشرط. الشاهد: قوله "ينفعا" حيث دخلت فيه نون التوكيد المنقلبة ألفا بعد الشرط. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٠٠/ ٢، وسيبويه ١٥٢/ ٢، والشاهد ٩٤٦ في الخزانة.
[ ٣ / ١١٧٩ ]
متى يأتِك الخيرُ يَنْفَعَا
ودخولها في غير شرط إما وجواب الشرط مطلقا ضرورة.
قال سيبويه: بعد إنشاد -فمها تشأ منه فزارة تُعْطِكُم١: وهو قليل في الشعر. قال في التسهيل٢: وقد تلحق جواب الشرط اختيارا. انتهى. ولم يخص لحاقها جواب الشرط بالضرورة.
تنبيه:
جاء توكيد المضارع في غير ما ذكر لضرورة الشعر، وهو غاية من الندور؛ لذلك لم يتعرض لذكره.
ومنه قوله٣:
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ما قرَّبُوها مَنْشُورةً ودُعِيتُ
_________________
(١) ١ قائله: هو الكميت بن معروف، وقال ابن الأعرابي: الكميت بن ثعلبة الفقعسي. وتمامه: ومهما تشَا منه فزارةُ تَمْنَعا وهو من الطويل. اللغة: "فزارة" -بفتح الفاء- من غطفان وهو فزارة بن ذبيان. المعنى: مهما تشأ إعطاء تعطكم ومهما تشأ منعه تمنعكم. الإعراب: "فمهما" الفاء عاطفة ومهما اسم يتضمن معنى الشرط "تشأ" فعل الشرط مجزوم بالسكون "منه" متعلق بتشأ "فزارة" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "تعطكم" فعل مضارع والفاعل ضمير يرجع إلى فزارة والكاف مفعول وهو جواب الشرط، والكلام في الشطر الثاني كالأول، والضمير في منه يعود إلى ابن دارة في بيت قبله. الشاهد: قوله: "تمنعا" اصله تمنعن مؤكدا بالنون الخفيفة ثم أبدلت ألفا للوقف بعد الشرط. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٠٠/ ٢، وابن الناظم والمكودي ص١٣٦، والسيوطي ص١٠٩، وفي همعه ٧٩/ ٢، وسيبويه ١٥٢/ ٢، والشاهد ٩٤٥ في الخزانة. ٢ التسهيل ص٢١٦. ٣ قائله: هو السموءل الغساني اليهودي، وهو من الخفيف. اللغة: "قربوها" الضمير يرجع إلى صحيفة أعماله. الإعراب: "ليت شعري" شعري مصدر شعرت أشعر شعرا إذا فطن وعلم وهو مضاف إلى الفاعل ومعنى ليت شعري ليت علمي، والمعنى: ليتني أشعر، فأشعر هو الخبر فناب شعري الذي هو المصدر عن أشعر ونابت الياء في شعري عن اسم ليت التي في قولك: ليتني "وأشعرن" بالنون الخفيفة: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "إذا ما" إذا ظرفية وما زائدة "قربوها" جملة من فعل وفاعل ومفعول "منشورة" منصوبة على الحال "دعيت" بصيغة المجهول جملة حالية أيضا بتقدير قد. الشاهد: قوله: "أشعرن" حيث أكده بالنون الخفيفة وهو مثبت عارٍ عن معنى الطلب والشرط. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٠٠/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي في الهمع ٢٧٩/ ٢.
[ ٣ / ١١٨٠ ]
ولما فرغ من ذكر ما تدخله النون "على اختلاف أحواله"١ أخذ في بيان ما ينشأ عن دخولها في التغيير فقال:
وآخِرَ المؤكدِ افتحْ كابرُزَا
أمر بفتح آخر الفعل المؤكد أمرا كان أو مضارعا نحو: "ابرزنّ" و"لا تبرزنّ" وشمل كلامه الصحيح كما مثل، والمعتل بالواو كاغزونّ، وبالياء نحو: ارمينّ، وبالألف نحو: اسعينّ -بعد قلب الألف ياء.
فإن قلت: ومن أين يؤخذ من كلامه "قلب الألف"٢؟
قلت: مما سيذكر.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "آخر المؤكد" ومراده المجرد من الضمير البارز، علم ذلك مما سيأتي.
الثاني: ذهب قوم إلى أن فتحة آخر المؤكد عارضة لالتقاء الساكنين، ونسبه الزجاج إلى سيبويه، وذهب قوم منهم المبرد وابن السراج إلى أنها فتحة بناء، ونسبه إلى سيبويه أيضا، وهو ظاهر مذهب المصنف، وقال في الغرة: إنه هو الصحيح.
الثالث: لغة فزارة حذف الآخر إذا كان ياء تلي كسرة نحو: "ارمِنَّ يا زيد"، ومنه٣:
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج. ٣ قائله: قال أبو علي القالي في أماليه: وحدثنا الأخفش قال: أنبأني أبو فياض بن أبي شراعة عن أبي شراعة قال: حدثني عبد الله بن بشير البصري قال: علق أبي جارية لبعض الهاشميين فبعثت إليه أمي تعاتبه فكتب إليها قصيدة أولها هذا البيت. =
[ ٣ / ١١٨١ ]
ولا تُقاسِنّ بعدي الهم والجزَعَا
ثم انتقل إلى رافع الضمير البارز فقال:
واشْكلهُ قبل مضمر لين بما جَانسَ من تَحرُّكٍ قد عُلِمَا
فأمر بتحريك آخر المؤكد قبل المضمر اللين بحركة تجانسه، والمضمر اللين هو ألف الاثنين وواو الجمع وياء المخاطبة. فيفتح آخر المؤكد قبل الألف ويضم قبل الواو ويكسر قبل الياء.
وأما حكم المضمر في نفسه، فإن كان ألفا أقرت لخفتها، وإن كان واو أو ياء حذف وتركت الحركة المجانسة دليلا عليهما، وإلى هذا أشار بقوله:
والمضمرَ احذفنَّهُ إلا الألفْ
فعلم أن الألف تقر نحو: "هل تضربان؟ "، وأن الياء والواو يحذفان نحو: "هل تضربُن يا زيدون؟ " و"هل تضرِبن يا هند؟ ".
هذا حكم الصحيح، "وأما"١ المعتل بالواو والياء فتقول: اغزن وارمن، بحذف الواو وإبقاء الضمة دليلا عليها، واغزن وارمن، بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلا عليها كما فعلت في الصحيح.
فإن قلت: ليس المعتل بالواو والياء كالصحيح؛ لأن المعتل بهما يحذف آخره، ويجعل الحركة المجانسة على ما قبله بخلاف الصحيح.
قلت: حذف آخر المعتل إنما هو لإسناده إلى الواو والياء، لا لتوكيده، فهو مساوٍ للصحيح في التغيير الناشئ عن التوكيد؛ ولذلك لم يتعرض له الناظم.
وأما المعتل بالألف فليس كالصحيح فيما ذكر؛ بل له حكم آخر نه عليه بقوله:
_________________
(١) = وصدره: لا تُتْبِعِنْ لوعة إثرى ولا هَلَعَا وهو من البسيط. الإعراب: "لا تقاسن" نافية وفعل مضارع مسند لياء المخاطبة وحذفت للتخلص من التقاء الساكنين والنون للتوكيد والفاعل ضمير مستتر "بعدي" ظرف والياء مضاف إليه "اللهم" مفعول به "والجزعا" عطف عليه. الشاهد: قوله: "ولا تقاسن" حيث حذف آخر الفعل؛ لأنه ياء ولي كسرة في لغة فزارة. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٠١/ ٢، والسيوطي في الهمع ٥٩/ ٢. ١ أ، ج.
[ ٣ / ١١٨٢ ]
وإنْ يكُن في آخرِ الفعل ألِفْ فاجعله منه رافعا غيرَ اليَا
والواو ياء كاسعيَنَّ سَعْيَا
الضمير في "اجعله" للألف التي هي آخر الفعل، والضمير في منه للفعل وياء ثاني مفعولي اجعل أي: اجعل الألف التي هي آخر الفعل ياء إن كان رافعا غير الياء والواو، فيشمل ثلاثة أنواع: رافع الألف نحو: "اسعيان"، ورافع نون الإناث نحو: "اسعينان"، والمجرد من الضمير البارز نحو: "اسعينّ يا زيد".
ثم ذكر حكم رافع الواو والياء فقال:
واحذفه من رافع هاتين وفي
أي: واحذف الألف من رافع الياء والواو وتبقى الفتحة قبلها دليلا عليها.
ثم ذكر حكم الواو والياء بعد حذف الألف فقال:
واو ويا شكْلٌ مُجانِسٌ قفِي
يعني: أن الواو تضم والياء تكسر، وإنما احتيج إلى تحريكهما ولم يحذفا؛ لأن قبلها حركة غير مجانسة، أعني: فتحة الألف المحذوفة، فلو حذفا لم يبقَ ما يدل عليهما. ثم مثل فقال:
نَحْوُ اخْشِينْ يا هِنْدُ بالكَسْرِ ويَا قَوْمُ اخْشُونْ واضْمُمْ وقِسْ مُسَوِّيَا
قوله: "واضمم" يعني الواو.
تنبيهان:
الأول: أجاز الكوفيون حذف الياء المفتوح ما قبلها نحو: "اخْشَينَّ" فتقول: "اخشِنَّ يا هند"، وحكى الفراء أنها لغة طيئ.
الثاني: فرض المصنف الكلام على الضمير، وحكم الألف والواو اللذين هما علامة١ كحكم الضمير، وهذا واضح.
ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة
قال في شرح الكافية: لو كان المسند إليه ألفا لم يجز أن يؤتى بالنون إلا مشددة، هذا مذهب سيبويه وغيره من البصريين إلا يونس، فإنه يجوز أن يؤتى
_________________
(١) ١ أي: بأن أسند الفعل إلى الظاهر على لغة أكلوني البراغيث.
[ ٣ / ١١٨٣ ]
بعد الألف بالنون الخفيفة مكسورة، ويعضد قوله قراءة بعض القراء: "فدَمَّرَانِهم تدميرا"١ حكاها ابن جني.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان: "وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"٢.
ومذهب يونس كمذهب الكوفيين في وقوع الخفيفة بعد الألف. انتهى.
قلت: وفي كلام بعضهم ما يدل على أنهم يلحقونها ساكنة لا مكسورة وهو ظاهر كلام سيبويه.
قال: وأما يونس وناس من النحويين فيقولون: اضربان واضربنان زيدا، فهذا لم تقله العرب، وليس له نظير في كلامها؛ إذ لا يقع بعد الألف ساكن إلا أن يدغم. انتهى.
فإن قلت: إذا كان بعدها ما تدغم فيه، فهل يجوز لحاقها على مذهب البصريين لزوال المانع نحو: "اضربان نعمان"؟
قلت: قال الشيخ أبو حيان: نص بعضهم على المنع، ويمكن أن يقال: يجوز. انتهى، وقد صرح سيبويه بمنع ذلك.
وقوله: "وكسرها ألف" يعني: أن النون الشديدة إذا وقعت بعد الألف كسرت، وإن كانت في غير ذلك مفتوحة، وإنما كسروا مع الألف فرارا من اجتماع الأمثال.
وألفًا زِدْ قبلها مُؤَكِّدا فِعلا إلى نون الإناثِ أُسْنِدَا
فتقول: "اضربنان" وإنما زيدت هذه الألف للفصل بين الأمثال.
والخلاف في التوكيد بالخفيفة بعد الألف كالخلاف بعد ألف الاثنين.
واحذِفْ خفيفةً لساكنٍ رَدِفْ وبعدَ غيرِ فتحةٍ إذا تَقِفْ
يعني: أن الخفيفة تحذف وهي مرادة لأمرين:
_________________
(١) ١ من الآية ٣٦ من سورة الفرقان، وذلك على أنه فعل أمر لاثنين والألف ضمير الاثنين والنون المكسورة نون توكيد خفيفة. ٢ سورة يونس ٨٩.
[ ٣ / ١١٨٤ ]
أحدهما: أن يليها ساكن نحو: "اضربَ الرجلَ" تريد: اضرِبَنْ.
ومنه قوله١:
لا تُهينَ الفقير علَّك أَنْ تركع يوما والدهرُ قد رفعَهْ
لأنها لما لم تصلح للحركة عوملت معاملة حرف المد٢.
وإذا وليها ساكن وهي بعد ألف على مذهب المجيز، فزعم يونس أنها تبدل همزة وتفتح فتقول: "اضرباء الغلام" و"اضربناء الغلام" قال سيبويه: وهذا لم تقله العرب، قال: والقياس "اضرب الغلام، واضربن الغلام"٣ يعني: بحذف الألف والنون.
_________________
(١) ١ قائله: هو الأضبط بن قريع السعدي، وهو من المنسرح. اللغة: "تهين" فعل مضارع من الإهانة "علك" لغة من لعلك "تركع" تخضع وتنقاد، والمراد انحطاط الحال. المعنى: لا تحتقر الفقير ولا تهنه وتستخف به فربما يتبدل الحال -والدهر قلب- فيخفضك الزمان ويرفعه عليك. الإعراب: "لا تهين" لا ناهية وتهين فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المحذوفة لوقوع الساكن بعدها -وهي لام الفقير- في محل جزم والفاعل ضمير مستتر فيه "الفقير" مفعول به "علك" علَّ حرف ترج ونصب والكاف اسمها "أن" حرف مصدري "تركع" فعل مضارع منصوب بأن والفاعل ضمير وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر لعل -على تأويله باسم الفاعل- أو على حذف مضاف "يوما" ظرف زمان "والدهر" الواو حالية والدهر مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "قد رفعه" قد حرف تحقيق رفع فعل ماض والفاعل ضمير والهاء مفعول والجملة في محل نصب حال من الضمير المستتر في تركع. الشاهد: قوله: "لا تهين" -بكسر الهاء وسكون الياء- حيث حذفت نون التوكيد الخفيفة للتخلص من التقاء الساكنين، وهما النون واللام في الفقير، وأصله "لا تهينن" -نونين- أولهما مفتوحة فحذف النون الخفيفة لما استقبلها ساكن. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٠٤/ ٢، وابن هشام ٣١٨/ ٣، وابن عقيل ٢٣٥/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص١٣٧، والسيوطي ص١١٠، وفي همعه ١١١/ ١، وفي خزانة الأدب الشاهد ٩٥٤، وشرح المفصل ٤٣/ ٩، والإنصاف ١٣٦/ ١، والمغني ١٣٥/ ١، ١٧٣/ ٢. ٢ فحذفت لالتقاء الساكنين. ٣ أ، ج وفي ب "اضربا الغلام واضربنا الغلام".
[ ٣ / ١١٨٥ ]
والثاني: أن يوقف عليها بعد غير فتحة، يعني: بعد ضمة أو كسرة، فإنها تحذف إذ ذاك كما يحذف التنوين، ويرد ما حذف لأجلها، أعني: واو الضمير وياءه ونون الرفع أيضا وفي المعرب.
وقد نبه على رد المحذوف بقوله:
واردُدْ إذا حَذَفْتَهَا في الوقف ما من أَجْلِهَا في الوَصْلِ كَان عُدِمَا
يعني: أنه يرد إلى الفعل الموقوف عليه بعد حذفها ما حذف في الوصل لأجلها فتقول: "اضربن يا زيدون" و"اضربن يا هند" فإذا وقفت عليهما "قلت"١: اضربوا واضربي، برد واو الضمير ويائه، وتقول في "هل تضربن؟ " و"هل تضربين؟ " إذا وقفت "عليهما"٢: هل تضربون؟ وهل تضربين؟ برد الواو والياء ونون الرفع؛ لزوال سبب الحذف. ثم نبه على حكمها بعد الفتحة فقال:
وأبدِلَنْهَا بعد فَتْحٍ أَلِفَا وقْفًا كما تَقُولُ في قِفَن قِفَا
وذلك لشبهها بالتنوين، وقد ندر حذفها لغير ساكن ولا وقف كقوله٣:
اضربَ عنكَ الهمومَ طارقَها
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب. ٣ قائله: هو طرفة بن العبد، وقال ابن بري: مصنوع عليه، وهو من المنسرح. وتمامه: ضربك بالسيف قونس الفرس اللغة: "طارقها" من طرق الرجل إذا أتى أهله ليلا "قونس" بفتح القاف وسكون الواو وفتح النون وهو العظم الناتئ بين أذني الفرس. الإعراب: "اضرب" فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه "عنك" جار ومجرور متعلق باضرب "الهموم" مفعول به لاضرب منصوب بالفتحة الظاهرة "طارقها" بالنصب بدل من الهموم "ضربك" مصدر نوعي مضاف إلى فاعله، وانتصابه بنزع الخافض أي: كضربك بالسيف والباء للاستعانة "قونس" مفعول للمصدر "الفرس" مضاف إليه. الشاهد: قوله "اضرب" بفتح الباء؛ لأن أصله اضربن بالنون الخفيفة فحذفت النون وبقيت الفتحة قبلها للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٠٥/ ٢، وابن الناظم والسيوطي ص١١٠، وذكره المغني ١٧٣/ ٢، وشرح المفصل ٤٤/ ٩، والإنصاف ٣٣٢/ ٢.
[ ٣ / ١١٨٦ ]
وكقوله١:
كما قِيلَ قَبْلَ اليومِ خَالفَ تُذْكَرَا
فإن قلت: ما ذكر من حذف الخفيفة "للوقف"٢ بعد غير الفتحة ينافي معنى التوكيد الذي جاءت لأجله؛ إذ لا دليل عليها بعد الحذف.
فينبغي أن يقال: إن التوكيد بها إنما يكون في الوصل خاصة كما أشار إليه بعضهم.
قلت: يرده قلبها بعد الفتحة ألفا في الوقف، فعلم بذلك أن التوكيد بها لا يختص بالوصل.
تنبيهات:
الأول: اختلف في الفعل المعرب إذا أكد بالنون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مبني، والثاني: أنه معرب، والثالث: التفصيل بين أن تباشر فيكون مبنيا، أو لا تباشر فيكون معربا، وهو الصحيح -كما تقدم أول الكتاب- ويدل على صحته رد نون الرفع عند حذف نون التوكيد في الوقف. فدل على أنها مقدرة في الوصل.
_________________
(١) ١ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل. وصدره: خلافا لقولي من فيَالةِ رأيه اللغة: "فيالة" -بفتح الفاء والياء واللام- ضعف في رأيه "تذكرا" أصله تتذكرا؛ لأنه مضارع تذكر من باب تفعل، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف. المعنى: إن خالفت تذكرت ذلك يعني: رأيت بعد ذلك سوء المخالفة أو جوزيت به. الإعراب: "خلافا" منصوب بفعل محذوف تقديره خالف خلافا "لقولي" جار ومجرور متعلق بالفعل المحذوف "من" تعليلية؛ أي: لأجل فيالة رأيه "كما" يجوز أن يتكون الكاف للتعليل وما مصدرية، والمعنى: خالف لأجل ما قيل له؛ أي: لأجل القول الذي قيل له قبل اليوم بما فيه خير وصلاح له. والأظهر أن الكاف للتشبيه وما مصدرية والمعنى خالف من ضعف رأيه لقولي "قيل" فعل ماض مبني للمجهول "خالف" فعل أمر. الشاهد: قوله "خالف" حيث حذف منه نون التوكيد ففتح الفاء؛ إذ أصله خالفن. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٠٥/ ٢. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١١٨٧ ]
والثاني: أجاز سيبويه إبدالها واوا أو ياء نحو: اخشَوُنْ واخْشَينْ.
فتقول: اخشَوُوا واخْشَيي، وغيره يقول: "اخشوا واخشي". وقد نقل عنه إبدالها واوا بعد الضمة وياء بعد الكسرة مطلقا.
قلت: وكلام سيبويه يدل على أن يونس إنما قال بذلك في المعتل، فإنه قال: وأما يونس فيقول: اخشَيي واخْشَوُوا، يزيد الواو والياء بدلا من النون الخفيفة من أجل الضمة والكسرة.
وقال الخليل: لا أرى ذلك إلا على قول من قال: هذا عمرو ومررت بعمري - ثم قال: وينبغي لمن قال بقول يونس في اخشي واخشيوا- إذا أراد الخفيفة أن يقول: هل تضربوا؟ بجعل الواو مكان الخفيفة.
والثالث: إذا وقف على المؤكد بالخفيفة بعد الألف على مذهب يونس والكوفيين أبدلت ألفا، ونص سيبويه على ذلك عن يونس ومَنْ وافقه، ثم قيل: يجمع بين الألفين فيمد بمقدارهما، وقيل: بل ينبغي أن تحذف إحداهما ويقدر بقاء المبدلة من النون وحذف الأولى.
وفي الغرة إذا وقفت على "اضربان" على مذهب يونس زدت ألفا عوض النون، فاجتمع ألفان، فهمزت الثانية فقلت: اضرباء. انتهى. وقياسه في اضرِبْنان اضربنَاءْ.
[ ٣ / ١١٨٨ ]
ما لا ينصرف:
الأصل في الاسم أن يكون "معربا"١ منصرفا، وإنما يخرجه عن أصله شبهه بالفعل أو بالحرف، فإن شابه الحرف بلا "معاند"٢ بُني، وإن أشبه الفعل بكونه فرعا من وجهين من الوجوه الآتية مُنع الصرف.
ولما أراد بيان ما يمنع الصرف بدأ بتعريف الصرف فقال:
الصرفُ تنوينٌ أتَى مُبَيِّنَا معنًى به يكونُ الاسمُ أمْكَنَا
فقوله: "تنوين" جنس يشمل جميع أقسام التنوين، وقد تقدمت أول الكتاب، وقوله: "أتى مبنيا إلخ" مُخرج لسائر أقسام التنوين غير المعبر عنه بالصرف والمراد بالمعنى الذي يكون به الاسم أمكن بقاؤه على أصالته، ومعنى بقاؤه على أصالته سلامته من شبه الحرف وشبه الفعل، فكأنه يقول: الصرف تنوين يبين كون الاسم باقيا على أصالته، أي: غير مشابه فعلا ولا حرفا، فإن هذا هو المعنى الذي يكون الاسم به أمكن؛ أي: زائد في التمكن.
قيل٣: وهو أفعل تفضيل من التمكن، وهو شاذ.
تنبيهات:
الأول: مذهب المحققين أن الصرف هو التنوين المذكور؛ أعني: تنوين التمكين وحده، وقيل: "الصرف"٤ هو الجر والتنوين معا.
الثاني: تخصيص تنوين التمكين بالصرف هو المشهور، وقد يطلق على غيره من تنوين التنكير والعوض والمقابلة صرفا.
الثالث: فهم من تعريفه الصرف أن المنصرف ما يدخله التنوين المسمى بالصرف، وأن غير المنصرف ما لا يدخله ذلك التنوين.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "منونا". ٢ ب، ج وفي أ "معارض". ٣ ب. ٤ ب، ج.
[ ٣ / ١١٨٩ ]
قال الشارح: وفي هذا التعريف مسامحة، فإن من جملة ما لا يدخله التنوين الدال على الأمكنية "باب"١ مسلمات قبل التسمية، وليس من المتمكن أن يقول: إنه غير مصروف؛ لما سنعرفه بعد.
الرابع: اختلف في اشتقاق المنصرف، فقيل: "هو"٢ من الصريف، وهو الصوت؛ لأن في آخره التنوين وهو صوت، وقيل: من الانصراف في جهات الحركات، "وقيل: من الانصراف"٣ وهو الرجوع، كأنه انصرف عن شبه الفعل.
وقال في شرح الكافية: سمي منصرفا لانقياده إلى ما يصرفه عن عدم تنوين إلى تنوين، وعن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره.
الخامس: جميع ما لا ينصرف اثنا عشر نوعا، منها خمسة لا تنصرف في تعريف ولا تنكير، وسبعة لا تنصرف في التعريف وتنصرف في التنكير، وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
ولما شرع في بيان موانع الصرف بدأ بما يمنع في الحالتين فقال:
فألفُ التأنيثِ مُطلقا مَنَعْ صَرْفَ الذي حواه كيفما وَقَعْ
يعني: أن ألف التأنيث مطلقا -مقصورة كانت أو ممدودة- تمنع صرف ما هي فيه كيفما وقع من كونه نكرة أو معرفة، مفردا أو جمعا، اسما أو صفة.
فالمقصورة نحو: ذكرى وسلمى ومرضى وسكرى، والممدودة نحو: صحراء وزكرياء وأشياء وحمراء.
وإنما استقلت الألف بالمنع؛ لأنها قائمة مقام "شيئين"٤؛ وذلك لأنها لازمة لما هي فيه، بخلاف التاء فإنها في الغالب مقدرة الانفصال، فهي المؤنث بالألف فرعية من جهة التأنيث، وفرعية من جهة لزوم علامته، بخلاف المؤنث بالتاء.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج وفي أ "تا". ٣ ب، ج. ٤ ب، ج وفي أ "سببين".
[ ٣ / ١١٩٠ ]
فرعان:
الأول: إذا سُمي بكلتا من قولك: "قامت كلتا جارتيك" منعت الصرف؛ لأن ألفها للتأنيث، وإن سميت بها من قولك: "رأيت كلتيهما أو كلتي المرأتين" على لغة كنانة صرفت؛ لأن ألفها إذ ذاك منقلبة وليست للتأنيث.
الثاني: إذا رخمت حبلوى على لغة الاستقلال عند من أجازه وقلت: يا حبلى١ ثم سميت به صرفت، ولما ذلك في كلتا. ثم قال:
وزائدا فَعْلانِ في وَصْفٍ سَلِمْ مِنْ أن يُرَى بتاء تأنيثٍ خُتِمْ
أي: ويمنع صرف الاسم أيضا زائدا فعلان، وهما الألف والنون في مثال فعلان صفة لا تختم بتاء التأنيث، وذلك يشمل نوعين:
أحدهما: ما مؤنث فعلى نحو: سكران وسكرى، وهو متفق على منع صرفه.
والآخر: ما لا مؤنث له، نحو: لحيان لكبيرة اللحية، وهذا فيه خلاف، والصحيح منع صرفه؛ لأنه وإن لم يكن له فعلى وجودا فله فعلى تقديرا؛ لأنا لو فرضنا له مؤنثا لكان فعلى أولى به من فعلانة؛ لأن باب سكران أوسع من باب ندمان، والتقدير في حكم الوجود بدليل الإجماع على منع صرف أكمر وآدر٢ مع أنه لا مؤنث له.
واحترز من فعلان الذي مؤنثه فعلانة؛ لأنه مصروف نحو: ندمان وندمانة.
وقد جمع المصنف ما جاء على فعلان ومؤنثه فعلانة في قوله:
أجِز فعلى لفعلانه إذا استثنيت حبلانا
ودَخْنَانا وسَخْنَانا وسَيْفانا وصَيْحانا
وصَوْجَانا وعَلانا وقَشْوانا ومصانا
وموتانا وندمانا وأبتعهن نصرانا
_________________
(١) ١ حذفت ياء النسب المشددة للترخيم، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنما صرفت لأن الألف ليست للتأنيث، بل هي منقلبة عن الواو. ٢ أكمر: لعظيم الكمرة -بفتح الميم- وهي الحشفة، وآدر -بالمد- لكبير الأنثيين.
[ ٣ / ١١٩١ ]
واستدرك عليه لفظان، وهما: خَمْصَان لغة في خُمصان، وأليان في "نحو"١ "كبش أليان"٢، وقد ذيلت أبياته بقولي:
وزد فيهن خمصانا على لغة وأليانا
ولا بد من شرح هذه الألفاظ، فالحبلان: العظيم البطن، وقيل: الممتلئ غيظا، والدخنان: اليوم المظلم، والسخنان: اليوم الحار، والسيفان: الرجل الطويل الممشوق، والصحيان: اليوم الذي لا غيم فيه، والصوجان٣: البعير اليابس الظهر، والعلان: الكثير النسيان، وقيل: الرجل الحقير، والقشوان: الدقيق الساقين، والمصان: اللئيم، والموتان: البليد الميت القلب، والندمان: المنادم٤، والنصران: واحد النصارى.
فإن قلت: ولِمَ صرف ما مؤنثه فعلانة مع أن فيه ما في سكران من الزيادتين والوصف؟
قلت: لم يمتنع الصرف بزيادتي فعلان لذاتها بل لشبهها بزيادتي حمراء في وجوه منها: أنهما لا تلحقهما تاء التأنيث، وهذا مفقود فيما مؤنثه فعلانة؛ فلذلك صرف.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "زائدا فعلان" أنهما لا يمنعان في غيره من الأوزان كفعلان -بضم الفاء- نحو: خُمصان؛ لعدم شبههما في غيره بألفي التأنيث.
الثاني: لغة بني أسد صرف سكران وبابه؛ لأنهم يقولون في مؤنثه فعلانة، فهو عندهم كندمان.
الثالث: ما تقدم من أن المنع بزيادتي فعلان لشبههما بألفي التأنيث في حمراء، هذا مذهب سيبويه، وزعم المبرد أنه امتنع؛ لكون النون بعد الألف مبدلة من ألف التأنيث، والقولان عن أبي علي.
_________________
(١) ١ ب. ٢ أي: كبير الإلية. ٣ الصوجان: فاؤه صاد أو ضاد معجمة ولامه جيم في الحالين. ٤ أما ندمان من الندم فغير مصروف؛ إذ مؤنثه ندمى.
[ ٣ / ١١٩٢ ]
ومذهب الكوفين أنهما منعا لكونهما زائدتين لا تقبلان الهاء، لا للتشبيه بألفي التأنيث.
ووصفٌ أصلي ووَزْنُ أَفْعَلا ممنوعُ تأنيثٍ بتا كأَشْهَلا
أي: ويمنع الصرف أيضا اجتماع الوصف الأصلي ووزن أفعل بشرط أن يمنع من التأنيث بالتاء، وذلك يشمل ثلاثة أنواع:
أحدها: ما مؤنثه فعلاء نحو: أشهل وشهلاء.
والثاني: ما مؤنثة فعلى نحو: أفضل وفضلى.
والثالث: ما لا مؤنثة له نحو: أكمر -العظيم الكمرة.
فهذه الأنواع الثلاثة ممنوعة من الصرف للوصف الأصلي ووزن أفعل، فإن وزن الفعل به أولى؛ لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم، فكان لذلك أصلا في الفعل؛ لأن ما زيادته لمعنى أولى مما زيادته لغير معنى، فإن أنث بالتاء انصرف، نحو أرمل بمعنى فقير، فإن مؤنثه أرملة١ خلافا للأخفش فإنه يمنع صرف أرمل بمعنى فقير، "فإنه يجريه"٢ مجرى أحمر؛ لأنه صفة وعلى وزنه، وأما قولهم: "عام أرمل"٣ فغير منصرف؛ لأن يعقوب حكى فيه "سنة رملاء" واحترز بالأصلي عن العارض فإنه "لا يعتد به"٤ كما سيأتي.
تنبيهان:
الأول: مثل الشارح ما تلحقه التاء بأرمل وأباتر -وهو القاطع لرحمه- وأدابر -وهو الذي لا يقبل نصحا- فإن مؤنثهما أباترة وأدابرة، أما أرمل فواضح، وأما أباتر وأدابر فلا يحتاج هنا إلى ذكرهما؛ إذ لم يشملهما كلام الناظم فإنه علق "المنع"٥ على وزن أفعل، وإنما ذكرهما في شرح الكافية؛ لأنه علق المنع بوزن الفعل ولم يخصه بأفعل؛ ولذلك احترز أيضا من يَعْمَل٦ -الجمل السريع.
_________________
(١) ١ لضعف شبهه بلفظ المضارع؛ لأن تاء التأنيث لا تلحقه. ٢ ب، وفي أ، ج "لجريه". ٣ أي: قليل المطر والنفع. ٤ ب، ج وفي أ "لا يفيد". ٥ ب، ج وفي أ "النظم". ٦ يعمل: بوزن يفرح ومؤنثه يعمله.
[ ٣ / ١١٩٣ ]
الثاني: الأولى تعليق الحكم على وزن الفعل الذي هو به أولى، لا على وزن أفعل ليشمل نحو: أحيمر وأفيضل من المصغر، فإنه لا ينصرف لكونه على وزن الفعل نحو: أبطر، وإن لم يكن حال التصغير على وزن أفعل.
ثم صرح بمفهوم قوله أصلي فقال:
وألغينَّ عارض الوصفيَّهْ كأربع وعارض الإسميَّهْ
فالأقسام ثلاثة:
فالأول: ما وصفيته أصلية باقية نحو: أشهل، ولا إشكال في منعه.
والثاني: ما وصفيته عارضة نحو: "مررت برجل أرنب" أي: ذليل "وبنسوة أربع".
فهذا يصرف إلغاء للوصفية العارضة، وأربع أحق بالصرف؛ لأن فيه تاء التأنيث أيضا.
والثالث: ما وصفيته اصلية فغلبت عليه الاسمية، فهذا يمنع إلغاء للاسمية العارضة واعتبارا للأصل، وقد مثل بقوله:
فالأدهم القيد لكونه وُضع في الأصل وصفا انصرافُه مُنِع
أدهم: للقيد، وأسود: للحية، وأرقم: لحية فيها نقط كالرقم.
فهذه أوصاف في الأصل غلبت عليها الاسمية، وهي غير منصرفة نظرا إلى أصلها، وذكر سيبويه أن كل العرب لا تصرفها كما لم تصرف أبطح وأبرق وأجرع١، وأن العرب لم تختلف في منع هذه الستة من الصرف، وإن استعملت استعمال الأسماء، وحكى غيره أن من العرب من يصرف أبطح وأبرق وأجرع ملاحظة للاسمية، وقد نبه على ذلك في التسهيل وذكر ابن جني أن هذه الأسماء كلها قد تصرف، ثم قال:
وأجدل وأخيل وأفعى مصروفة وقد ينلن المنعا
_________________
(١) ١ أبطح: هو سيل واسع فيه دقاق الحصى، وأجرع: هو المكان المستوى، وأبرق: هو أرض خشنة فيها حجارة وطين ورمل مختلطة.
[ ٣ / ١١٩٤ ]
أكثر العرب تصرف أجدلا وهو الصقر، وأخيلا وهو طائر عليه نقط كالخيلان، وأما أفعى فلا مادة له في الاشتقاق، لكن ذكره يقارنه تصور إيذائها فأشبهت المشتق.
تنبيه:
اختلف في وزن أفعى فقيل: أفعل، فالهمزة زائدة لقولهم مفعاة وألفها عن واو لقولهم أفعوان، وقال الفارسي: هو مقلوب وأصله أيفع هو من يافع، وقال أبو الفتح: مقلوب وأصله أفوع وهو من فوعة السم.
ومَنعُ عدلٍ مع وصف مُعْتَبَرْ في لفظ مثنى وثُلاث وأُخَره
العدل صرف لفظ أولي بالمسمى إلى لفظ آخر، وهو يمنع الصرف مع الوصف في موضعين:
أحدهما: المعدول في العدد إلى مفعل نحو مثنى، أو فعال نحو ثلاث.
والثاني: أخر مقابل آخرين.
أما المعدول في العدد في مفعل أو فعال فالمانع له عند سيبويه والجمهور العدل والوصف.
أما العدل فعن أسماء العدد، فأحاد وموحد معدولان عن واحد واحد ومثنى وثُناء معدولان عن اثنين اثنين، وكذا سائرها، وأما الوصف. فلأن هذه الألفاظ لم تستعمل إلا نكرات، إما نعتا نحو: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ ١ وإما حالا نحو: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ ٢ وإما خبرا نحو: "صلاة الليل مثنى مثنى" ٣، ولا تدخلها أل، قال في الارتشاف: وإضافتها قليلة، وذهب الزجاج إلى أن المانع لها العدل في اللفظ وفي المعنى.
أما في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها فصار فيها عدلان.
_________________
(١) ١ من الآية ١ من سورة فاطر. ٢ من الآية ٣ من سورة النساء. ٣ وإنما كرر لقصد التأكيد لا لإفادة التكرير. "مثنى" الأولى خبر "صلاة" والثانية للتوكيد.
[ ٣ / ١١٩٥ ]
وأما "أخر" المعدول وهو جمع أخرى أنثى آخَر بفتح الخاء١، فالمانع له أيضا العدل والوصف.
أما الوصف فظاهر، وأما العدل فقال أكثر النحويين: إنه معدول عن الألف واللام؛ لأنه من باب أفعل التفضيل، فحقه ألا يُجمع إلا مقرونا بأل كالصغر والكبر.
والتحقيق: أنه معدول عن أخر مرادا به جمع المؤنث؛ لأن حقه أن يستغنى فيه بأفعل عن فُعَل لتجرده من أل، كما يستغنى بأكبر عن كبر في نحو: "رأيتُها مع نساء أكبر منها".
تنبيه:
قد يكون "أخر" جمع أخرى بمعنى آخرة فيصرف؛ لانتفاء العدل٢.
والفرق بين أخرى أنثى آخر، وأخرى بمعنى آخرة أن تلك لا تدل على الانتهاء، ويعطف عليها مثلها من صنف واحد "نحو: جاءت امرأة أخرى وأخرى"٣ وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء ولا يُعطف عليها مثلها من جنس واحد، وهي المقابلة "الأولى"٤ في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ ٥ وكان ينبغي أن يحترز عنها كما احترز في الكافية والتسهيل بقوله مقابل آخرين٦.
ووزنُ مَثْنَى وثُلاثَ كهُما مِن واحدٍ لأربع فليُعْلَمَا
يعني: أن ما وازن مثنى وثلاث من المعدول من واحد إلى أربع، فهو مثلها في امتناعه من الصرف للعدل والوصف، فهذه ثمانية ألفاظ متفق على سماعها وهي: أحاد وموحد وثناه ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع؛ ولذلك اقتصر عليها، قال في شرح الكافية: وروي عن بعض العرب: "مخمس وعشار ومعشر".
_________________
(١) ١ بمعنى مغاير. ٢ لأن مذكرها آخر -بالكسر- بدليل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ فليست من باب أفعل التفضيل. هـ٥١٦/ ٢ أشموني. ٣ أ، ب. ٤ ب، ج وفي أ "الأولى". ٥ من الآية ٣٩ من سورة الأعراف. ٦ قال: ومنع الوصف وعدل أخرا مقابلا لآخرين فاحصرا
[ ٣ / ١١٩٦ ]
ولم يرد غير ذلك، وظاهر كلامه في التسهيل أنه قد سمع خماس أيضا، واختلف فيما لم يسمع على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يقاس على ما سمع وهو مذهب الكوفيين والزجاج، ووافقهم الناظم في بعض نسخ التسهيل، وخالفهم في بعضها.
والثاني: أنه لا يقاس عليه، بل يقتصر على المسموع، وهو مذهب جمهور البصريين.
والثالث: أنه لا يقاس على فُعال لكثرته، لا على مَفْعَل.
قال أبو حيان: والصحيح أن البناءين مسموعان من واحد إلى عشرة، وحكى البناءين أبو عمرو الشيباني. وحكى أبو حاتم وابن السكيت من أحاد إلى عُشار، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
تنبيه:
أجاز الفراء صرف هذه الألفاظ مذهوبا بها مذهب الأسماء قال: تقول العرب: "ادخلوا ثُلاث ثُلاث، وثُلاثا ثُلاثا" والوجه ألا نجري، انتهى، ومنع ذلك غيره.
وكُنْ لجمْعٍ مُشْبِه مَفاعِلا أو المفاعيل بمنعٍ كَافِلا
الجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل هو الجمع الذي لا نظير له في الآحاد وهو كألف التأنيث في أنه يستقل بمنع الصرف وحده لقيامه مقام شيئين، فإن فيه فرعية من جهة الجمع وفرعية من جهة عدم النظير.
ويعني بالشبه أن يكون أوله مفتوحا وثالثه ألفا بعدها حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن، وما يلي الألف مكسور لفظا أو تقديرا، ولا يشترط أن يكون أوله ميما، بل يدخل فيه ما أوله ميم نحو: مساجد ومصابيح، وما أوله غير ميم نحو: دراهم ودنانير؛ لأن المعتبر موافقته لمفاعل ومفاعيل في الهيئة لا في الوزن.
وفهم من تقييد أوسط الثلاثة بأنه ساكن أن نحو صياقلة منصرف لتحركه، وإنما كان منصرفا لأن له في الآحاد نظيرا، وذلك طواغية وكراهية ونحوهما.
[ ٣ / ١١٩٧ ]
وفهم من تقييد "تالي" الألف بأن يكون مكسورا أن ما ليس كذلك منصرف نحو عبال -جمع عبالة- على حد ثمرة وثمر؛ لأن الساكن الذي يلي الألف في عبال لاحظ له في الحركة، والعبالة: الثقل، يقال ألقى عليه عبالته أي: ثقله، هذا مذهب سيبويه والجمهور، أعني: اشتراط حركة ما بعد الألف.
قال في الارتشاف: وذهب الزجاج إلى أنه لا يشترط ذلك، فأجاز في تكسير هبيّ أن تقول: هبايّ -بالإدغام- قال: وأصل الياء عندي السكون ولولا ذلك لأظهرتها، انتهى، وظهر من ذكر التقييد أن نحو دواب غير منصرف؛ لأن أصله دوابب، فهو على مثال مفاعل تقديرا.
وذا اعتلالٍ منه كالجواري رفعا وجرا أجرِهِ كَسَارِي
ما كان من الجمع الموازن مفاعل معتلا فله حالتان:
إحداهما: أن يكون آخره ياء قبلها كسرة نحو جوار.
والأخرى: أن تقلب ياؤه ألفا نحو عذارى.
فإن كان آخره ياء قبلها كسرها أجري في رفعه وجره مجرى سارٍ ونحوه من المنقوص "المنصرف" فتقول: "هؤلاء جوارٍ" و"مررت بجوارٍ" بالتنوين وحذف الياء، كما تقول: "هو سارٍ" و"مررت بسارٍ".
وأما في نصبه فيجري مجرى موازنة الصحيح فتقول: "رأيت جواري" -بفتح آخره من غير تنوين- كما تقول: "رأيت مساجد"، فإن قلبت ياؤه ألفا قدر إعرابه ولم ينون بحال، ولا خلاف في ذلك.
فإن قلت: لم ينبه في النظم على هذا، بل في قوله: "وذا اعتلال".
قلت: قيد بقوله: "كالجواري".
تنبيهات:
الأول: اختلف في تنوين جوار ونحوه رفعا وجرا، فذهب سيبويه إلى أنه تنوين عوض عن الياء المحذوفة، لا تنوين صرف، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه تنوين عوض عن الياء ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وذهب الأخفش إلى أنه
[ ٣ / ١١٩٨ ]
تنوين صرف؛ لأن الياء لما حذفت تخفيفا زالت صيغة مفاعل، وبقي اللفظ كجناح فانصرف، والصحيح مذهب سيبويه.
وأما جعله عوضا عن الحركة فضعيف؛ لأنه لو كان عوضا عن الحركة لكان ذو الألف أولى به من ذي الياء؛ لأن حاجة المتعذر إلى التعويض أشد ولألحق مع الألف واللام كما أحلق معهما تنوين الترنم.
وأما كونه للصرف فضعيف؛ لأن الياء حذفت تخفيفا وثبوتها منوي؛ ولذلك بقيت الكسرة دليلا عليها، ولو لم تكن منوية لجعل ما قبلها حرف إعراب.
فإن قلت: إذا جعل عوضا عن الياء، فما سبب حذفها أولا؟
قلت: قال في شرح الكافية: لما كانت ياء المنقوص قد تحذف تخفيفا ويكتفى بالكسرة التي قبلها، وكان المنقوص الذي لا ينصرف أثقل، التزموا فيه من الحذف ما كان جائزا في الأدنى ثقلا؛ ليكون لزيادة الثقل زيادة أثر؛ إذ ليس بعد الجواز إلا اللزوم. انتهى، وقال الشارح: ذهب المبرد إلى أن فيما لا ينصرف تنوينا مقدرا، بدليل الرجوع إليه في الشعر، وحكموا له في جوار ونحوه بحكم الموجود، وحذفوا لأجله الياء في الرفع والجر لتوهم التقاء الساكنين، ثم عوضوا عما حذف التنوين، وهو بعيد؛ لأن الحذف لملاقاة ساكن متوهم الوجود مما لم يوجد له نظير، ولا يحسن ارتكاب مثله. انتهى.
قلت: المشهور عن المبرد أن التنوين عنده عوض من الحركة كما نقل في شرح الكافية.
الثاني: ما ذكر من تنوين جوار ونحوه في الجمع في رفعه وجره متفق عليه، نص على ذلك المصنف وغيره، وما ذكره أبو علي من أن يونس ومن وافقه ذهبوا إلى أنه لا ينون، ولا تحذف ياؤه، وأنه يجر بفتحة ظاهرة وَهْمٌ، وإنما قالوا ذلك في العلم، وسيأتي بيانه.
الثالث: إذ قلت: "مررت بجوار" فعلامة جره فتحة مقدرة على الياء؛ لأن غير منصرف، وإنما قدرت مع خفة الفتحة؛ لأنها نابت عن الكسرة، فاستثقلت لنيابتها عن المستثقل.
[ ٣ / ١١٩٩ ]
الرابع: اعلم أن باب جوار وإن جرى مجرى سار في الجر والرفع فهو يخالفه من وجهين؛ أحدهما: أن جره بفتحة مقدرة وجر سار بكسرة مقدرة. والآخر: أن تنوين جوار تنوين عوض، وتنوين سار تنوين صرف، وتقدم بيانه.
فإن قلت: قوله: "أجره كساري" يوهم أن علامة جرهما واحد، وأن تنوينهما واحد.
قلت: إنما أراد: "أجره كساري" في اللفظ فقط، وإن كان التقدير مختلفا.
ولسراويلَ بهذا الجمع شَبَهٌ اقتضى عُمُومَ المنْعِ
اعلم أن سراويل اسم مفرد أعجمي جاء على وزن مفاعيل، فمنع من الصرف لشبهه بالجمع في الصيغة المعتبرة؛ وذلك أن بناء مفاعل ومفاعيل لا يكونان في كلام العرب إلا لجمع أو منقول عن جمع، فحق ما وازنهما أن يمنع الصرف وإن فقدت منه "الجمعية"١ ولكن بثلاثة شروط:
الأول: ألا تكون ألفه عوضا عن إحدى ياءي النسب تحقيقا نحو: يمان وشآم، فإن أصلهما يمني وشامي، فحذفت إحدى الياءين وعوض منها الألف، أو تقديرا نحو: تهام وثمان، فإن ألفهما موجودة قبل، فكأنهم نسبوا إلى فَعَل أو فَعْل ثم حذفوا إحدى الياءين وعوضوا الألف.
فهذه الألفاظ مصروفة وإن كانت على مثال مفاعيل؛ لأن ألفها عوض ففارقت الجمع بذلك لأن ألفه لا تكون عوضا.
الثاني: ألا تكون كسرة ما يلي الألف عارضة نحو: توان وتدان؛ لأن وزنهما في الأصل تفاعل -بالضم- فجعل مكان الضم كسرة لتصح الياء. فهذا أيضا منصرف؛ لأنه خالف الجمع بعروض الكسرة.
الثالث: ألا يكون "بعد الكسرة"٢ ياء مشددة عارضة نحو حواري -وهو الناصر- وظفاري٣ فإن ياء النسب في ذلك مقدرة الانفصال فخالف بذلك
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "الصرفية الجمعية". ٢ أ، ج وفي ب "بدل الكسرة". ٣ نسبة إلى ظفار بوزن قطام مدينة باليمن.
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
الجمع؛ لأن ما بعد ألفه غير مقدر الانفصال، وأما بخاتي -جمع بختي- فغير منصرف؛ لأن ما بعد الألف ليس بعارض، ولو نسب إلى بخاتي لا تصرف لعروض ياءي النسب.
وضابط ذلك أن الياء إن تقدم وجودها على الألف وجب المنع وإلا صرف سواء سبق وجود الألف كظفاري، أو كانا غير منفكين كحواري.
إذا تقدر هذا فاعلم أن سراويل اسم "مفرد"١ أعجمي جاء على مثال مفاعيل فمنع الصرف؛ لوجود صيغة الجمع فيه؛ ولهذا أشار بقوله: "وسراويل بهذا الجمع شبه" ونبه بقوله: "اقتضى عموم المنع" إلى أنه ممنوع من الصرف وجها واحدا خلافا لمن زعم أن فيه وجهين: المنع والصرف.
وقال المصنف: إن صرفه لم يثبت عن العرب.
قلت: نقل الأخفش أن بعض العرب يصرفه في النكرة إذا جعل اسما مفردا.
تنبيهات:
الأول: ذهب بعضهم إلى أن سراويل عربي، وأنه جمع سروالة في التقدير، ثم أطلق اسم جنس على هذه الآلة المفردة، ورد بأن سروالة لم يسمع.
وأما قوله٢:
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ قائله: لم أعثر على قائله، وقيل: البيت مصنوع، وهو من المتقارب. اللغة: "اللؤم" -بضم اللام- وهو الدناءة في الأصل والخساسة في الفعل "لمستعطف" طالب العطف وهو الشفقة. الإعراب: "عليه" جار ومجرور خبر مقدم "من اللؤم" جار ومجرور متعلق بمحذوف "سروالة" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة والتقدير: سروالة كائنة عليه من اللؤم "فليس" الفاء للتعليل وليس فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر فيه "يرق" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب خبر ليس "لمستعطف" جار ومجرور متعلق به. الشاهد: قوله "سروالة" حيث احتج به من قال: إن سراويل جمع سروالة، وإن سراويل منع من الصرف لكونه جمعا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٢٢/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي في همع الهوامع ٢٥/ ١.
[ ٣ / ١٢٠١ ]
عليه من اللؤم سروالةٌ فليس يرق لمستعطف
فشاذ، لا حجة فيه.
قلت: ذكر الأخفش أنه سمع من العرب سروالة، وقال أبو حاتم: من العرب من يقول: سروال، والذي يرد به هذا القول وجهان:
أحدهما: أن سروالة لغة في سراويل؛ لأنها بمعناه وليس جمعا لها كما ذكر في شرح الكافية.
والآخر: أن النقل لم يثبت في أسماء الأجناس، وإنما يثبت في الأعلام.
الثاني: سراويل مؤنث فلو سُمي به ثم صغر امتنع صرفه للعلمية والتأنيث وإن زالت صيغة الجمع بالتصغير.
الثالث: شذ منع صرف ثمان تشبيها له بجوار في قوله١:
يَحْدُو ثماني مُولَعا بلقاحها
والمعروف فيه الصرف، وقيل هما لغتان.
_________________
(١) ١ قائله: قال العيني: قائله أعرابي قاله أبو الخطاب ولم ينسبه، ونسبه السيرافي لابن ميادة، وهو من الكامل. وعجزه: حتى هممن بزيفة الإرتاج اللغة: "يحدو" من الحدو وهو سوق الإبل والغناء لها "مولعا" بفتح اللام من أولع بالشيء إذا أغرم به "اللقاح" -بفتح اللام- وهو ماء الفحل، وهو المراد هنا، وأما اللقاح -بكسر اللام- فهو جمع لقوح، وهي الناقة التي تحلب "الزيفة" -بفتح الزاي- الميلة "الإرتاج" -بالكسر- من أرتجت الناقة إذا أغلقت رحمها على الماء "هممن" أي: قصدن بالميل عن الإرتاج. الإعراب: "يحدو" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "مولعا" حال من الضمير الذي في يحدو "بلقاحها" جار ومجرور "حتى" للغاية "هممن" جملة من الفعل والفاعل "بزيفة" في محل نصب على المفعولية "الإرتاج" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "ثماني" حيث منع صرفه للضرورة تشبيها له بمساجد. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٢٢/ ٢، وابن الناظم.
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
وإِنْ به سُمِّيَ أو بما لَحِقْ به فالانصرافُ منعُهُ يَحِقُّ
يعني: أن ما سُمي به من الجمع الذي على مفاعل أو مفاعيل أو بما ألحق به كسراويل فحقه أن يمنع من الصرف، سواء كان منقولا عن جمع محقق كمساجد -اسم رجل- ومقدر كشراحيل١.
قال الشارح: والعلة في منع صرفه ما فيه من الصيغة مع أصالة الجمعية أو قيام العلمية مقامها، فلو طرأ تنكيره انصرف على مقتضى التعليل الثاني دون الأول. انتهى.
قلت: مذهب سيبويه أنه لا ينصرف بعد التنكير لشبهه بأصله، ومذهب المبرد صرفه لذهاب الجمعية، وعن الأخفش القولان، والصحيح قول سيبويه؛ لأنهم منعوا سراويل من الصرف وهو نكرة وليس جمعا على الصحيح.
والعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا تَرْكِيْبَ مَزْجٍ نحو مَعْدِيكَرِبا
قد تقدم أن ما لا ينصرف على ضربين:
أحدهما: ما لا ينصرف لا في تنكير ولا تعريف.
والثاني: ما لا ينصرف في التعريف وينصرف في التنكير.
وقد فرغ من الكلام عن الضرب الأول، فشرع في الثاني وهو سبعة أقسام:
الأول: المركب تركيب المزج، والمراد به جعل الاسمين اسما واحدا لا "بإضافة ولا بإسناد"٢، بل ينزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التأنيث، وهو نوعان:
النوع الأول: ما ختم بويه فهو مبني على الأشهر.
فإن قلت: فلِمَ لَمْ يحترز عنه هنا؟
قلت: عن ذلك أجوبة:
أحدها: أن قوله: "معديكربا" يقيد إطلاقه.
والثاني: أشار إلى أنه مبني في باب العلم فاكتفى بذلك.
_________________
(١) ١ اسم لعدة أشخاص، من المحدثين والصحابة. ٢ أ، ج.
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
والثالث: أن يكون أطلق ليدخل في إطلاقه ما ختم بويه على لغة من أعربه، ولا يرد على لغة من بناه؛ لأن باب الصرف إنما وضع للمعربات، وقد تقدم ذكره في العلم.
والنوع الثاني: ما ختم بغير ويه، فهذا فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الأصح أن يعرب إعراب ما لا ينصرف، ويبني صدره على الفتح، نحو: "بعلبك" إلا أن يكون ياء نحو: "معدي كرب" فإنها تسكن، قيل: أو نونا نحو: "باذنجانة" وإنما بني على الفتح لتنزل عجزه منزلة تاء التأنيث، وإنما لم تفتح الياء وإن كانت تفتح قبل تاء التأنيث؛ لأن التركيب مزيد ثقل فخص بمزيد خفة.
والوجه الثاني: أن يضاف صدره إلى عجزه فيعرب صدره بما تقتضيه العوامل، ويعرب عجزه بالجر للإضافة ويجعل العجز على هذه اللغة كالمستقل فإن كان فيه مع العلمية سبب يؤثر منع الصرف كهرمز من رام هرمز؛ فإن فيه العجمة وإلا صرف نحو: موت من حضرموت.
فأما كرب من "معدي كرب" فمصروف في اللغة المشهورة، وبعض العرب لا يصرفه بجعله مؤنثا.
تنبيه:
إذا كان آخر الصدر١ ياء نحو: "معدي كرب" وأضيف صدره إلى عجزه على هذه اللغة استصحب سكون يائه في كل الأحوال الثلاثة.
قال المصنف: لأن من العرب من يسكن هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيها بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزا في الإفراد. انتهى.
وقال بعضهم: تفتح في النصب وتسكن في الرفع والجر.
والوجه الثالث: أن يبني صدره وعجزه على الفتح ما لم يعتل الأول فيسكن تشبيها بخمسة عشر، وأنكر بعضهم هذه اللغة، وقد نقلها الإثبات٢.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "العجز". ٢ الأثبات: جمع ثَبْت -بفتح المثلثة وسكون الموحدة- وهو الثقة.
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
تنبيهات:
الأول: احترز بقوله: "تركيب مزج" من تركيب الإضافة وتركيب الإسناد، وقد تقدم حملها في العلم.
وأما تركيب العدد نحو: "خمسة عشر" فمتحتم البناء عن البصريين، وأجاز "فيه"١ الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه، وسيأتي في بابه، فإن سمي به ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تقره على حاله.
والثاني: أن تعربه إعراب ما لا ينصرف.
والثالث: أن يضاف صدره إلى عجزه.
وأما تركيب الأحوال والظروف نحو: "شغر بغر، وبيت بيت، وصباح مساء"٢. إذا سمي به أضيف صدره إلى عجزه وزال التركيب، هذا رأي سيبويه وقيل: يجوز فيه التركيب والبناء.
كَذاكَ حَاوِي زَائِدَيْ فَعْلانا كغَطَفَان وكأَصْبَهَانَا
يعني: أن زائدي فعلان يمنعان "الصرف" مع العلمية في وزن فعلان وفي غيره نحو: حمدان وعثمان وعمران وغطفان وأصبهان، وقد نبه على التعميم بالتمثيل.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ شغر بغر -بفتح الغين مع فتح أوله وكسره- يقال: ذهب القوم شغر بغر؛ أي: متفرقين من أشغر في البلد أبعد، وبغر النجم: سقط؛ لأنهم بتفرقهم يباعد بعضهم عن بعض. بيت بيت: تقول: هو جاري بيت بيت، وأصله بيتنا ملاصقا لبيته، فحذف الجار وهو اللام وركب الاسمان وعامل الحال ما في قوله جاري من معنى الفعل، فإنه في معنى مجاوري، وجوزوا أن يكون الجار المقدر إلى وألا يقدر جار أصلا بل العاطف صباح مساء؛ تقول: فلان يأتينا صباح مساء؛ أي: كل صباح ومساء فحذف العاطف وركب الظرفان قصدا للتخفيف، ولو أضفت فقلت صباح مساء لجاز أي: صباحا مقترنا بمساء. اهـ صبان.
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
تنبيهات:
الأول: قد يكون في النون اعتباران، فإن قدرت النون زائدة منع الصرف، وإن قدرت أصلية صرف نحو: "حسان" إن جعل من الحس امتنع أو من الحسن انصرف١.
وشيطان: إن جعل من شاط امتنع، أو من شطن انصرف.
ولو سميت برمان فذهب الخليل وسيبويه إلى منع الصرف؛ لكثرة زيادة النون في نحو ذلك، وذهب الأخفش إلى صرفه؛ لأن فعالا في النبات أكثر، ويؤيده قول بعضهم: "أرض مرمنة"٢، ويأتي الكلام على زيادة النون في التصريف إن شاء الله تعالى.
الثاني: إذا أبدل من النون الزائدة لام منع الصرف، إعطاء للبدل حكم المبدل، مثال ذلك "أصيلال" فإن أصله أصيلان، فلو سمي به منع الصرف ولو أبدل من حرف أصلي نون صرف، بعكس أصيلان، ومثال ذلك "حنان" في حناء، أبدلت همزته نونا.
والثالث: ذهب الفراء إلى منع الصرف للعلمية وزيادة ألف قبل نون أصلية، تشبيها لها بالزائدة، نحو: "سنان" و"بيان"، والصحيح صرف ذلك.
كَذَا مؤنَّثٌ بهاء مطلقا وشَرْطُ مَنْعِ العار كَوْنُهُ ارْتَقَى
فَوْقَ الثَّلاثِ أو كَجُور أو سَقَرْ أو زَيْدٍ اسم امرأة لا اسمَ ذَكَرْ
من موانع الصرف التأنيث، وهو ضربان: لفظي ومعنوي:
فاللفظي: إن كان بالألف فقد تقدم حكمه، وإن كان بالتاء منع مع العلمية مطلقا نحو: عائشة وطلحة وهبة.
والمعنوي: أيضا يمنع مع العلمية ولكن يشترط في تحتم منعه أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف نحو زينب؛ لأن الرابع منه ينزل منزلة هاء التأنيث أو متحرك الوسط نحو سقر؛ لأن الحركة قامت مقام الرابع خلافا لابن الأنباري، فإنه جعله
_________________
(١) ١ من الحس وزنه فعلان؛ ومن الحسن وزنه فعال. ٢ وفي نسخة ب: رمنة. والمعنى: كثيرة الرمان.
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
ذا وجهين، وما ذكره في البسيط من أن سقر ممنوع الصرف باتفاق، ليس كذلك، أو يكون أعجميا نحو جور -اسم بلد- لأن العجمة لما انضمت إلى التانيث والعلمية تحتم المنع، وإن كانت العجمة لا تمنع صرف الثلاثي لأنها هنا لم تؤثر منع الصرف، وإنما أثرت تحتم المنع، وحكى بعضهم فيه الخلاف فيجعل جور مثل هند في جواز الوجهين، أو منقولا من مذكر نحو زيد -إذا سمي به امرأة- لأنه حصل بنقله إلى التأنيث نقل عادل خفة اللفظ. هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب عيسى بن عمر وأبو زيد والجرمي والمبرد إلى أنه ذو وجهين. واختلف النقل عن يونس.
ثم نبه على أن الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن أعجميا ولا منقولا عن مذكر يجوز فيه المنع والصرف بقوله:
وجهان في العادم تذكيرا سَبَقْ وعُجمة كهندَ والمنع أحق
فمن صرفه نظر إلى خفة السكون، ومن لم يصرفه نظر إلى وجود السببين ولم يعتبر الخفة.
وقد صرح بأن منعه أحق من صرفه وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو علي: الصرف أفصح، قال ابن هشام: وهو غلط جلي، وذهب الزجاج -قيل: والأخفش- إلى أنه متحتم المنع. قال الزجاج: لأن السكون لا يغير حكما أوجبه اجتماع علتين يمنعان الصرف، وذهب الفراء إلى أن ما كان اسم بلد لا يجوز صرفه نحو: "فيد"؛ لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها١، فلم يكثر في الكلام بخلاف هند.
تنبيهات:
الأول: لا فرق في ذلك بين ما سكونه أصلي كهند، أو عارض بعد التسمية كفخذ أو الإعلال كدار، ففي ذلك وجهان، أجودهما المنع.
_________________
(١) ١ مراده بقوله: "لأنهم لا يرددون اسم البلدة على غيرها" أن الاشتراك اللفظي في أسماء البلدان قليل، فهم لا يطلقون اسم بلدة على بلدة أخرى إلا نادرا، بخلاف الأناسي، فإن الاشتراك في أسمائهم كثير.
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
الثاني: إذا كان المؤنث ثنائيا نحو يد جاز فيه الوجان ذكرهما سيبويه. وظاهر التسهيل أن المنع أجود كما في هند، وقول صاحب البسيط في يد صرفت بلا خلاف غير صحيح.
الثالث: إذا صغر نحو هند تحتم منعه لظهور التاء نحو هنيدة، فإن صغر بغير تاء نحو حريب -وهي ألفاظ مسموعة- انصرف.
الرابع: إذا سُمي مذكر بمؤنث، فإن كان ثلاثيا صرف مطلقا خلافا للفراء وثعلب؛ إذ ذهبا إلى أنه لا ينصرف سواء تحرك وسطه نحو فخذ أم سكن نحو حرب.
ولابن خروف في متحرك الوسط - وإن كان زائدا على الثلاثة لفظا نحو سعاد، أو تقديرا كلفظ نحو جيل مخفف جيأل١ بالنقل منع من الصرف.
فإن قلت: مذهب سيبويه والبصريين أن علامة التأنيث تاء، والهاء عندهم بدل التاء في الوقف فلم عدل عن التعبير بالياء في قوله: "كذا مؤنث بهاء مطلقا"؟
قلت: كأن عدل إلى الهاء احترازا من تاء بنت وأخت، فإنهما تاء إلحاق بنيت الكلمة عليها، فليس حكمها حكم الهاء.
وقد نص سيبويه على أن بنتا وأختا إذا سُمي بهما رجل مصروفان، وقياس هذا أنهما إذا سُمي بهما امرأة يجوز فيهما الوجهان كهند، وقد ذهب قوم إلى أن تاء بنت وأخت للتأنيث فمنعوهما الصرف في المعرفة، ونقله بعضهم عن الفراء.
فإن قلت: قد تقرر أن المؤنث بلا علامة ظاهرة فيه تاء مقدرة؛ ولذلك ترد في التصغير، فيقال: هنيدة، فكيف سماه عاريا في قوله: "وشرط منع العار"؟
قلت: يعني: العاري من العلامة لفظا، وهو واضح.
والعَجَميُّ الوضع والتعريف مع زيد على الثلاث صرفه امتنع
من موانع الصرف العجمة مع العلمية، فإذا كان الاسم من أوضاع العجم وهو علم امتنع صرفه بشرطين:
_________________
(١) ١ اسم للضبع الأنثى، ويقال للذكر: ضبعان.
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
أحدهما: أن يكون عجمي التعريف أيضا أعني: بكونه علما في لغتهم.
الثاني: أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف، وذلك نحو: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، واحترز بالشرط الأول عن نوعين:
أحدهما: ما نقل من لسانهم وهو نكرة نحو لجام١ فلا أثر للعجمة فيه؛ لأن عجمته جنسية فألحق بالأمثلة العربية.
والآخر: ما كان في لسان العجم نكرة ثم نقل في أول أحواله علما نحو بندار٢.
وهذا فيه خلاف. وذهب قوم منهم الشلوبين وابن عصفور إلى أنه لا ينصرف؛ لأنهم لا يشترطون أن يكون علما في لغة العجم، وذهب قوم إلى أنه منصرف؛ لأنهم يشترطون أن يكون علما في لغة العجم، وإليه ذهب المصنف، وهو ظاهر كلام سيبويه.
واحترز بالشرط الثاني عن الثلاثي، فإنه ينصرف؛ لأن العجمة سبب ضعيف فلا تؤثر في الثلاثي بخلاف التأنيث.
قال في شرح الكافية: قولا واحدا في لغة جميع العرب، ولا التفات إلى من جعله ذا وجهين مع السكون، ومتحتم المنع مع الحركة.
قال: وممن صرح بإلغاء عجمة الثلاثي مطلقا السيرافي وابن برهان وابن خروف، ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفا. انتهى.
قلت: نقل عن عيسى بن عمرو وتبعه ابن قتيبة والجرجاني جواز المنع والصرف في الثلاثي الساكن الوسط.
ويتحصل في الثلاثي ثلاثة أقوال:
_________________
(١) ١ اللجام -بالجيم- وضعه العجم اسم جنس للآلة التي تجعل في فم الفرس. ٢ بندار -بضم الباء -وهو في لغة العجم اسم جنس للتاجر الذي يلزم المعادن ولمن يخزن البضائع للغلاء، وجمعه بنادرة.
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
أحدها: أن العجمة لا أثر لها فيه مطلقا، وهو الصحيح.
الثاني: ما تحرك وسطه نحو "لمك" -اسم رجل- لا ينصرف، وما سكن وسطه فيه وجهان، وقد تقدم القائلون به.
والثالث: ما تحرك وسطه لا ينصرف وما سكن وسطه منصرف، وبه جزم ابن الحاجب.
تنبيهات:
الأول: قوله: "زيد" "هو"١ مصدر زاد "يزيد"٢ زيدا وزيادة وزيدانا.
الثاني: المراد بالعجمي ما نقل من لسان غير العرب، ولا يختص بلغة الفرس.
الثالث: إذا كان الأعجمي رباعيا وأحد حروفه ياء التصغير انصرف ولم يعتد بالياء.
الرابع: تعرف عجمة الاسم بوجوه:
أحدها: نقل الأئمة.
والثاني: خروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو إبراهيم.
والثالث: أن يعرى من حروف الذلاقة، وهو خماسي أو رباعي، فإن كان في الرباعي السين، فقد يكون عربيا نحو "عسجد"٣ وهو قليل، وحروف الذلاقة ستة يجمعها: "مر بنفل".
والرابع: أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في كلام العرب كالجيم والقاف بغير فاصل نحو: "قج وجق"٤ والصاد والجيم نحو: "صلوجان"٥، والكاف
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج. ٣ العسجد: هو الذهب والجوهر والبعير الضخم. هـ قاموس. ٤ قج -بقاف مفتوحة وجيم مشوبة بالشين ساكنة- لغة تركية بمعنى اهرب، وبمعنى كم الاستفهامية، وأما بكسر القاف فبمعنى الرجل. جق -بكسر الجيم وسكون القاف- بمعنى اخرج، وفي القاموس: الجقة -بالكسر- الناقة الهرمة. ٥ صولجان -بفتح الصاد واللام- المحجن وجمعه صوالجة.
[ ٣ / ١٢١٠ ]
والجيم نحو: "أسكرجة"١، "وتبعية الراء للنون"٢ أول كلمة نحو: "نرجس" والزاي بعد الدال نحو: "مهندز".
كذاك ذو وزن يخص الفِعْلا أو غَالِبٍ كأحمد ويَعْلَى
مما يمنع الصرف مع العلمية وزن الفعل، بشرط أن يكون مختصا به، أو غالبا فيه.
والمراد بالمختص: ما لا يوجد في غير فعل إلا في نادر أو علم أو أعجمي، كصيغة الماضي المفتتح بتاء المطاوعة٣ أو همزة وصل٤.
وما سلم من المصوغ للمفعول وبناء فعل وما صيغ للأمر من غير فاعل والثلاثي٥، وما سوى أفعل ونفعل وتفعل ويفعل من أوزان المضارع.
واحترز من النادر نحو: "دئل" لدويبة، وينجلب لخرزة، وتبشر لطائر.
وبالعلم نحو: "خضم" لرجل و"شمر" لفرس، وبالعجمي من نحو: "بقم، وإستبرق"٦، فلا يمنع وجدان هذه٧ اختصاص أوزانها بالفعل؛ لأن النادر والعجمي لا حكم لهما، والعلم منقول من فعل، فالاختصاص باقٍ.
والمراد بالغالب: ما كان الفعل به أولى، إما لكثرته فيه كإثمد وإصبع وأبلم٨. فإن أوزانها تقل في الاسم وتكثر في الأمر من الثلاثي، إما لأن زيادته
_________________
(١) ١ أسكرجة -بسكون السين وضم الكاف وضم الراء المشددة- اسم لوعاء مخصوص. ٢ ب، ج وفي أ "الراء والنون". ٣ نحو تعلم. ٤ نحو انطلق. ٥ نحو انطلق ودحرج. ٦ البقم -بفتح الباء وتشديد القاف مفتوحة- صبغ معروف وهو العندم، وإستبرق: الديباج الغليظ. ٧ أي الأسماء. ٨ إثمد: بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبالدال المهملة. إصبع -بكسر الهمزة وفتح الباء- واحدة الأصابع، وفيها عشر لغات حاصلة من ضرب ثلاثة أحوال الهمزة في ثلاثة أحوال الباء والعاشرة أصبوع. أبلم -بضم الهمزة والام وسكون الباء-سعف المقل.
[ ٣ / ١٢١١ ]
تدل على معنى في الفعل ولا تدل على معنى في الاسم كأفكل وأكلب١، فإن "نظائرهما"٢ تكثر في الأسماء والأفعال، لكن الهمزة من أفعل وأفعل تدل على معنى في الفعل٣ ولا تدل على معنى في الاسم، فكان المفتتح بأحدهما من الأفعال أصلا للمفتتح بأحدهما من الأسماء.
وقد يجتمع الأمران في نحو: "يرمغ، وتنضب"٤، فإنهما كإثمد في كونه على وزن يكثر في الأفعال ويقل في الأسماء، وكأفكل في كونه مفتتحا بما يدل على وزن يكثر في الفعل دون الاسم.
تنبيهات:
الأول: قد اتضح بما ذكر أن التعبير عن هذا النوع بأن يقال: "أو ما أصله الفعل" كما فعل في الكافية. أو ما هو به أولى كما فعل في التسهيل. أجود من التعبير عنه بالغالب.
الثاني: قد فهم من قوله: "يخص الفعل أو غالب" أن الوزن المشترك غير الغالب لا يمنع الصرف نحو: ضرب ودحرج. خلافا لعيسى بن عمر فيما نقل من فعل فإنه لا يصرفه متمسكا بقوله٥:
_________________
(١) ١ أفكل: الرعدة. أكلب: جمع كلب. ٢ ب، ج وفي أ "نظائر هذا" فمن نظائر أفكل من الأسماء أبيض وأسود وأفضل، ومن الأفعال أذهب وأعلم وأسمع. ومن نظائر أكلب من الأسماء أبحر وأوجه وأعين، ومن الأفعال أنصر وأدخل وأخرج. ٣ نحو أذهب وأكتب. ٤ يرمغ -بتحتية فراء فميم فغين- بوزن يضرب، اسم لحجارة بيض دقاق تلمع. تنضب -بفوقية فنون فضاد فباء بوزن تنصر- اسم شجرة. اهـ صبان. ٥ قائله: هو سحيم بن وئيل اليربوعي، وقيل: المثقب العبدي، وقيل: أبو زيد. ونسبه بعضهم إلى الحجاج بن يوسف الثقفي. وليس بصحيح، وإنما أنشده على المنبر لما قدم الكوفة واليا عليها، وهو من الوافر. وعجزه: متى أضع العمامة تعرفوني اللغة: "جلا" كشف "طلاع" صيغة مبالغة من الطلوع وهو الصعود "الثنايا" جمع ثنية وهي العقبة، والمراد مقتحم الشدائد "العمامة" يريد ما تلبس في الحرب وتوضع في السلم، وهي البيضة. =
[ ٣ / ١٢١٢ ]
أنا ابنُ جَلا وطَلَّاع الثَّنَايَا
ولا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل، فيكون محكيا لأنه منقول من جملة، أو يكون حذف الموصوف وأقام صفته مقامه.
أي: أنا ابن رجل جلا.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الفعل قد يحكى مسمى به، وإن كان غير مسند إلى ضمير متمسكا بهذا البيت.
ونقل عن الفراء ما يقرب من مذهب عيسى، قال: الأمثلة التي تكون للأسماء والأفعال إن غلبت للأفعال فلا تجره في المعرفة نحو رجل اسمه "ضرب" فإن هذا اللفظ وإن كان اسما للعسل الأبيض هو الأشهر في الفعل.
فإن غلب في الاسم فأجره في المعرفة والنكرة نحو رجل مسمى بحجر؛ لأنه يكون فعلا تقول: "حجر عليه القاضي" ولكنه أشهر في الاسم. انتهى.
الثالث: يشرتط في الوزن المانع للصرف شرطان:
أحدهما: أن يكون لازما.
والثاني: ألا يخرج بالتغيير إلى مثال هو للاسم.
فخرج بالأول نحو امرئ، فإنه لو سمي به انصرف، وإن كان في النصب شبيها بالأمر من علم. وفي الجر شبيها بالأمر من ضرب، وفي الرفع شبيها بالأمر
_________________
(١) = المعنى: أنا ابن رجل كشف الأمور ومقتحم صعابها متى أضع على رأسي عمامة الحب تعرفون شجاعتي. الإعراب: "أنا" مبتدأ "ابن" خبره "جلا" مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وهو علم منقول من الفعل، أو "جلا" فعل ماض وفاعله يعود على "رجل" مقدر بعد ابن مضاف إليه، والجملة صفة لرجل المقدر. أي: أنا ابن رجل جلا الأمور "وطلاع" معطوف على ابن "الثنايا" مضاف إليه "متى" اسم شرط جازم "أضع" فعل مضارع مجزوم فعل الشرط "العمامة" مفعول به "تعرفوني" فعل مضارع جواب الشرط وعلامة جزمه حذف النون وواو الجماعة فاعله والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به لتعرفوا. الشاهد: قوله: "جلا" فقد استدل به عيسى بن عمر على أنه علم منقول من الفعل الماضي. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٣١/ ٢، وابن الناظم، وابن هشام ٣٤٥/ ٣، وذكر في القطر ص٨٤، وسيبويه ٧/ ٢، وابن يعيش ٦١/ ١.
[ ٣ / ١٢١٣ ]
من خرج؛ لأنه خالف الأفعال بكون عينه لا تلزم حركة واحدة، فلم تعتبر فيه الموازنة.
وخرج بالثاني نحو: "رد، وقيل" فإن أصلهما رُدِدَ وقُوِل، ولكن الإدغام والإعلال أخرجاهما إلى مشابهة يرد وقيل، فلم يعتبر فيهما الوزن الأصلي.
وشمل قولنا: "إلى مثال هو للاسم" قسمين:
أحدهما: ما خرج إلى مثال غير نادر، ولا إشكال في صرفه نحو: "رُدَّ، وقيل".
والآخر: ما خرج إلى مثال نادر نحو "انْطلقَ" إذا سكنت لامه، فإنه خرج إلى مثال إنْقَحْل١ وهو نادر، وهذا فيه خلاف، وجوز فيه ابن خروف الصرف والمنع.
وقد فهم من ذلك أن ما دخله إعلال ولم يخرجه إلى وزن الاسم نحو يزيد امتنع صرفه.
الرابع: اختلف في سكون التخفيف العارض بعد "التسمية"٢ نحو ضُرْبَ٣، فمذهب سيبويه أنه كالسكون اللازم فينصرف، وهو اختيار المصنف، وذهب المازني والمبرد ومن وافقهما إلى أنه يمنع الصرف، فلو خفف قبل التسمية انصرف قولا واحدا.
وما يصير علما من ذي أَلِفْ زِيدَتْ لإلحاق فليس يَنْصَرِفْ
ألف الإلحاق المقصورة تمنع الصرف مع العلمية؛ لشبهها بألف التأنيث من وجهين لا يوجدان في ألف الإلحاق الممدودة، فلذلك لم تمنع الصرف لوجهين:
أحدهما: أنها زائدة ليست مبدلة من شيء، بخلاف الممدودة فإنها مبدلة من ياء.
_________________
(١) ١ الإنقحل: بوزن جردحل، الرجل الذي يبس جلده على عظمه. وتقول: قحل الرجل على وزن قرح، فهو قحل مثل شهم وقحل مثل فرح. ٢ أ، ج وفي ب "الاسمية". ٣ بسكون العين مخففا من ضرب المجهول.
[ ٣ / ١٢١٤ ]
الثاني: أنها تقع في مثال صالح لألف التأنيث نحو أرطى١، فهو على مثال سكرى بخلاف الممدودة.
تنبيه:
حكم ألف التكثير كحكم ألف الإلحاق في أنها تمنع من العلمية نحو "قبعثرى"٢ ذكره بعضهم.
والعَلَمَ امْنَعْ صرفَه إن عُدِلا كفُعَلِ التوكيد أو كَثُعْلا
العدل يمنع الصرف مع العلمية في أربعة مواضع، وقد اشتمل هذا البيت على موضعين "منها"٣:
الأول: فُعَل في التوكيد، والمراد به جُمَع وتوابعه كقولك: "مررت بالهندات جمع" والمانع له من الصرف التعريف والعدل.
أما تعريفه فبالإضافة المنوية فشابه بذلك العلم؛ لكونه معرفة بغير قرينة لفظية، هذا ظاهر كلام سيبويه وهو اختيار ابن عصفور، وذهب بعضهم إلى أنه علم، وهو المفهوم من كلام الناظم هنا.
قلت: وإلى الأول ذهب في الكافية، وقال في شرحها: لأن العلم إما شخصي وإما جنسي.
فالشخصي مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصلح لغيره.
والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع بخلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل. انتهى.
وقال في التسهيل: والمانع العدل مع شبه العلمية أو الوصفية في فُعَل توكيدا.
قال الشيخ أبو حيان: وتجويز ابن مالك أن العدل يمنع مع شبه الصفة في باب جُمَع لا أعرف له فيه سلفا. انتهى.
_________________
(١) ١ أرطى: شجر له نَوَر وثمر كالعناب. ٢ القبعثرى: الجمل العظيم والفصيل المهزول. ٣ أ.
[ ٣ / ١٢١٥ ]
وأما عدله ففيه أقوال: قيل: إنه معدول عن فعلاوات؛ لأنه جمع فعلاء مؤنث أفعل وقد جمع المذكر بالواو والنون فكان حق المؤنث أن يجمع بالألف والتاء، وهو اختيار المصنف.
وقيل: معدول عن فُعْل؛ لأن قياس أفعل فعلاء أن يجمع مذكره ومؤنثه على فُعْل نحو: حُمْر في أحمر وحمراء، وهو قول الأخفش والسيرافي واختاره ابن عصفور.
وقيل: إنه معدول عن فعاليّ؛ لأن جمعاء اسم كصحراء.
الثاني: علم المذكر المعدول إلى فعل نحو: عمر، وطريق العلم بعدل هذا النوع سماعه "غير"١ مصروف عاريا من سائر الموانع ومنه: زفر ومضر وثعل وهبل وزحل وعظم وجثم وقثم وجمح وقزح ودلف وبلغ -بطن من قضاعة.
فإن ورد فعل مصروفا وهو علم علمنا أنه ليس بمعدول، وذلك نحو: أدد.
وهو عند سيبويه من الود فهمزته عن واو، وعند غيره من الأد٢ فهمزته أصلية، فإن وجد في فعل مانع مع العلمية لم يجعل معدولا نحو طُويّ، فإن منعه للتأنيث والعلمية ونحو "تُتل" اسم أعجمي٣ فالمانع له العجمة والعلمية عند من يرى منع الثلاثي مع العجمة.
تنبيهات:
الأول: فُعَل المذكور معدول عن فاعل، فعمر عن عامر وكذلك سائرها، قيل: وبعضها معدول عن أفعل وهو ثُعَل.
الثاني: إنما جعل هذا النوع معدولا لأمرين:
أحدهما: أنه لو لم يقدر عدله لزم ترتيب المنع على علة واحدة. وليس فيه من الموانع غير العلمية.
_________________
(١) ١ أ. ٢ وهو العظيم. ٣ اسم لبعض عظماء الترك.
[ ٣ / ١٢١٦ ]
والآخر: أن الأعلام يغلب "عليها"١ النقل، فجعل عمر معدولا عن عامر العلم المنقول من الصفة ولم يجعل مرتجلا.
الثالث: ذكر بعضهم لعدله فائدتين: إحداهما: لفظية وهي التخفيف. والأخرى: معنوية وهي تمحيض العلمية؛ إذ لو قيل: "عامر" لتوهم أنه صفة.
الرابع: ذكر بعضهم عن فُعَل علم جنس قالوا: "جاء بعلق وفلق" ولا يصرف وهو غريب.
الخامس: من الممنوع الصرف للعدل والتعريف فلا يصلح لغيره علما من المعدول إلى فعل في النداء كغدر وفسق فحكمه حكم عمر.
قال المصنف: وهو أحق من عمر بمنع الصرف؛ لأن عدله محقق وعدل عمر مقدر. انتهى.
وهو مذهب سيبويه. وذهب الأخفش وتبعه ابن السيد إلى صرفه ثم انتقل إلى الموضع الثالث فقال:
والعدلُ والتعريفُ مانعا سَحَرْ إذا به التعيينُ قَصْدا يُعْتَبَرْ
إذا قصد بسحر سحر يوم بعينه، فالأصل أن يعرف بأل أو بالإضافة.
فإن تجرد منهما مع قصد التعيين فهو حينئذ ظرف لا يتصرف، ولا ينصرف، نحو: "جئت يوم الجمعة سحر" والمانع له من الصرف العدل والتعريف.
أما العدل فعن اللفظ بأل وكان الأصل أن يعرف بها.
وأما التعريف فقيل: بالعلمية؛ لأنه جعل علما لهذا الوقت. وصرح به في التسهيل.
وقيل: بشبه العلمية؛ لأنه تعرف "بغير أداة ظاهرة"٢ كالعَلَم.
وهو اختيار ابن عصفور. وقوله هنا: "والتعريف" يومئ إليه؛ إذ لم يقل: والعلمية.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، وفي ب، ج "بأداة مقدرة".
[ ٣ / ١٢١٧ ]
وذهب صدر الأفاضل -وهو أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي١- إلى أنه مبني على الفتح؛ لتضمنه معنى حرف التعريف كأمس.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه مبني لا لتضمنه معنى الحرف بل لعدم "التقارب"٢.
وذهب السهيلي إلى أنه معرب، وإنما حذف تنوينه لنية الإضافة.
وذهب الشلوبين الصغير إلى أنه معرب أيضا، وإنما حذف تنوينه لنية أل.
وعلى هذين القولين فهو من قبيل المنصرف، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
تنبيه:
نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس عند بني تميم، فإن منهم من يعربه في الرفع غير منصرف. ويبنيه على الكسر في الجر والنصب. ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاث. خلافا لمن أنكر ذلك. وغير بني تميم يبنونه على الكسر.
وحكى ابن الربيع أن بني تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف إذا رفع أو جر بمذ أو منذ فقط، وزعم الزجاج أن من العرب من يبنيه على الفتح، واستشهد بقول الراجز٣:
_________________
(١) ١ هو ناصر بن عبد السيد علي بن المطرز أبو الفتح النحوي المشهور بالمطرزي من أهل خوارزم، قرأ على الزمخشري وغيره وبرع في النحو واللغة، ولد في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وصنف وشرح المقامات والمعرب في لغة الفقه ومختصر المصباح في النحو وغير ذلك. ومات بخوارزم في يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الأولى سنة عشر وستمائة. ٢ أ، وفي ب، ج "النقار". ٣ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز. وعجزه: عجائزا مثل السعالي خمسا اللغة: "عجبا" هو انفعال النفس بسبب وصف زائد في المتعجب منه "عجائزا" جمع عجوز، وهي التي هرمت من النساء "السعالي" حمع سعلاة بكسر السين، وهي أخبث الغيلان، وقيل: هي ساحرة الجن. =
[ ٣ / ١٢١٨ ]
لقد رأيتُ عجبا مذ أمسا
قال في شرح التسهيل: ومدَّعاه غير صحيح؛ لامتناع الفتح في مواضع الرفع، ولأن سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتح في "أمسا" فتح إعراب، وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه.
فقد غلط فيما ذهب إليه، واستحق ألا يعول عليه. انتهى.
وأجاز الخليل في "لقيته أمس" أن يكون التقدير: بالأمس، فحذف الباء وأل فتكون الكسرة إعراب، ولأمس أحكام أخر ليس هذا موضع ذكرها.
ثم انتقل إلى الموضع الرابع فقال:
وابْنِ على الكسر فَعَالِ عَلما مؤنثا وهو نظير جُشَمَا
عند تميم
لغة الحجازيين بناء فَعال علما لمؤنث نحو: "حذام" على الكسر مطلقا، وفي سبب بنائه أقوال:
أحدهما: شبهه بنزال وزنا وتعريفا وعدلا وتأنيثا.
والثاني: تضمنه معنى "هاء"١ التأنيث، وإليه ذهب الربعي.
_________________
(١) = المعنى: والله لقد رأيت من أمس أمرا يتعجب منه، وذلك أني رأيت نسوة كبارا في السن مثل الغيلان في القبح وعدتهن خمس. الإعراب: "لقد" اللام واقعة في جواب قسم محذوف، قد حرف تحقيق "رأيت" فعل وفاعل "عجبا" مفعول به، واصله صفة لموصوف محذوف. والتقدير: لقد رأيت شيئا عجبا ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه "مذ" حرف جر "أمسا" مجرور بمذ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف والمانع له من الصرف العلمية والعدل عن الأمس والجار والمجرور متعلق برأى "عجائزا" صرفه للضرورة وهو بدل من قوله عجبا "مثل" صفة لعجائز "السعالي" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل "خمسا" صفة لعجائز. الشاهد: قوله: "أمسا" حيث أعرب إعراب ما لا ينصرف وجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والعدل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٣٧/ ٢، وابن هشام ٣٥٢/ ٢، وابن الناظم. وذكره ابن هشام في قطر الندى ص٩، والشذور ص١٠٤، وسيبويه ٤٤/ ٢. ١ أ، ج وفي ب "تاء".
[ ٣ / ١٢١٩ ]
والثالث: توالي العلل، وليس بعد منع الصرف إلا البناء، قاله المبرد.
والأول هو المشهور١.
وأما بنو تميم ففصل أكثرهم بين ما آخره راء نحو حضار فبنوه على الكسر، وبين ما ليس آخره راء فمنعوه الصرف، وبعضهم أعرب النوعين إعراب ما لا ينصرف.
وإنما وافق أكثرهم فيما آخره راء؛ لأن مذهبهم الإمالة، فإذا كسروا توصلوا إليها ولو منعوه الصرف لامتنعت، وقد جمع الأعشى بين اللغتين في قوله٢:
ومرَّ دهرٌ على وَبَارِ فهَلَكَتْ جَهْرَةً وبار
ويحتمل أن يكون وباروا فعلا ماضيا والواو ضمير جمع.
واختلف في منع صرفه عند تميم فذهب سيبويه إلى أن المانع له العدل عن فاعله وللعلمية.
وذهب المبرد إلى أن المانع له التأنيث والعلمية، وليس بمعدول ووافق على أنها معدولة إذا بنيت.
_________________
(١) ١ تقول: هذه حذام ووبار، ورأيت حذام ووبار، ومررت بحذام ووبار. ٢ قائله: هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من البسيط. وقبله: ألم تروا إرما وعادا أودى بها الليل والنهار اللغة: "إرم" اسم البلدة "وعاد" اسم القبيلة "أودى بها" ذهب بها وأهلكها "وبار" اسم أمة قديمة بائدة كانت تسكن اليمن. الإعراب: "ومر" الواو عاطفة، مر فعل ماض "دهر" فاعل "على وبار" جار ومجرور متعلق بمر "فهلكت" الفاء عاطفة هلك فعل ماض والتاء للتأنيث "جهرة" منصوب على الظرفية عاملة هلكت "وبار" فاعل هلكت مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: قوله: "وبار" حيث بناه على الكسر في الأول على لغة الأكثرين، وأعربه في الثاني على رأي القلة وعند جعل وبار الثانية غير علم. أي: وباروا بمعنى هلكوا فعل ماض والواو للجماعة فالجملة معطوفة على "هلكت" وأنث هلكت على إرادة القبيلة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٣٨/ ٢، وابن الناظم وابن هشام ٣٥٠/ ٢، وذكره في الشذور ص١٠١، وسيبويه ٤١/ ٢، وابن يعيش ٦٤/ ٣.
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
فإن قلت: مذهب المبرد هو الظاهر؛ لأن التأنيث محقق والعدل مقدر، وأيضا فلا حاجة إلى تقدير عدلها؛ لأن تقدير العدل في باب عمر إنما ارتبك لأنه لو لم يقدر لزم ترتيب المنع على العلمية وحدها، ولا يلزم من ذلك هنا.
قلت: قال بعضهم: الظاهر مذهب سيبويه؛ لأن الغالب على الأعلام أن تكون منقولة؛ فلهذا جعلت معدولة عن فاعلة المنقولة "عن"١ صفة كما تقدم في عمر.
وعلى مذهب المبرد تكون مرتجلة.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "عند تميم" وإنما هو عند بعضهم.
الثاني: فهم من قوله: "نظير جشما" أن المانع له العدل والعلمية وفاقا لسيبويه.
الثالث: أفهم قوله: "مؤنثا" أن حذام وبابه لو سمي به مذكر لم يبن؛ ولكن يمنع الصرف للعلمية عن مؤنث، ويجوز صرفه؛ لأنه إنما كان مؤنثا لإرادتك به ما عدل عنه، فلما زال العدل زال التأنيث بزواله.
الرابع: فَعَال يكون معدولا وغير معدول؛ فالمعدول إما علم مؤنث كحذام وتقدم حكمه، وإما أمر نحو نزال، وإما مصدر نحو حَمَاد، وإما حال نحو٢:
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "من". ٢ قائله: عوف بن عطية يخاطب لقيط بن زرارة حين فر يوم رحرحان وأسر أخوه معبد. وقيل: للأحوص بن جعفر، وقيل: النابغة، وهو من الكامل. وصدره: وذكرتَ من لبنِ المحلق شربةً اللغة: "الملحق" -بكسر اللام- قطيع إبل وسم بمثل الحلق "بداد" -بفتح الباء- يقال: جاءت الخيل بداد: أي: متبددة "الصعيد" وجه الأرض. الإعراب: "وذكرت" فعل وفاعل "من لبن" جار ومجرور متعلق بذكرت "المحلق" مضاف إليه "شربة" مفعول "الخيل" مبتدأ "تعدو" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "في الصعيد" جار ومجرور متعلق بتعدو "بداد" حال. الشاهد: "بداد" وقعت حالا هاهنا على وزن فعال وبُني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو البدد. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٣٨/ ٢، والسيوطي في الهمع ٢٩/ ١، وسيبويه ٣٩/ ٢، وابن يعيش ٥٤/ ٣.
[ ٣ / ١٢٢١ ]
والخيل تعدو في الصعيد بداد
وإما صفة جارية مجرى الأعلام نحو حَلاق -للمنية- وإما صفة ملازمة للنداء نحو يا خباث، فهذه خمسة أنواع كلها تبني على الكسر معدولة عن مؤنث، فإن سمي بها مذكر ففيه وجهان: أرجحهما منع الصرف كعناق إذا سمي به١. والآخر: الصرف فيجعل كصَبَاح٢.
ولا يجوز البناء خلافا لابن بابشاذ، وغير المعدول يكون اسما كجناح ومصدرا كذهاب وصفة نحو جواد وجنسا نحو سحاب، فلو سمي بشيء من هذه مذكر انصرف قولا واحدا إلا ما كان مؤنثا كعناق.
وقوله:
واصرِفَنْ ما نُكِّرَا من كل ما التعريف فيه أُثِرَا
يعني: أن ما أثر فيه التعريف إذا نكر صرف لذهاب جزء العلة، والمراد بذلك الأنواع السبعة المتأخرة، وهي: ما امتنع للعلمية والتركيب أو الألف والنون الزائدتين، أو التأنيث بغير الألف، أو العجمة، أو وزن الفعل، أو ألف الإلحاق، أو العدل.
فتقول: ربَّ معديكربٍ وعمرانٍ وطلحةٍ وإبراهيمٍ وأحمدٍ وأرطًى وعمرٍ لقيتهم، فتصرف لذهاب العلمية.
وأما الأنواع الخمسة المتقدمة، وهي ما امتنع لألف التأنيث، أو للوصف والزيادتين، أو للوصف ووزن الفعل، أو للوصف والعدل، أو للجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل.
فهذه لا تنصرف وهي نكرة، فلو سمي بشيء منهما لم ينصرف أيضا، أما ما فيه ألف التأنيث فلأنها كافية في منع الصرف، ووهم من قال في "حواء": امتنع للتأنيث والعلمية.
_________________
(١) ١ كعناق: يريد أنه معرب ممنوع من الصرف. ٢ كصباح: يريد أنه معرب مصروف.
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
وأما ما فيه الوصف مع زيادتي فَعْلان، أو وزن أفعل؛ فلأن العلمية تخلُف الوصف فيصير منعه للعلمية والزيادتين، أو للعلمية ووزن أفعل؛ أما ما فيه الوصف والعدل؛ وذلك أخَرُ وفُعال ومَفْعل نحو أحاد ومَوْحَد، فمذهب سيبويه أنها إذا سمي بها امتنعت من الصرف للعلمية والعدل.
وكل معدول سمي به فعدله باقٍ، إلا سَحَر وأمسِ في لغة بني تميم١.
هذا مذهب سيبويه. وذهب الأخفش وأبو علي وابن برهان وابن بابشاذ إلى صرف العدل المعدول مسمى به، قالوا: لأن العدل يزول بالتسمية.
والصحيح مذهب سيبويه؛ لأن العدل باقٍ ولا أثر لزوال معناه.
وأما الجمع الموازن مفاعل أو مفاعيل؛ فقد تقدم الكلام على التسمية به.
وإذا نكر شيء من هذه الأنواع الخمسة بعد التسمية لم ينصرف أيضا، أما ذو ألف التأنيث فللألف، وأما ذو الوصف مع زيادتي فعلان أو وزن أفعل أو العدل إلى مَفعل أو فُعال؛ فلأنها لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية فمنعت الصرف لشبه الوصف مع هذه العلل، هذا مذهب سيبويه، وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه٢.
وأما باب أحمر ففيه أربعة مذاهب:
الأول: منع الصرف، وهو الصحيح.
والثاني: الصرف، وهو مذهب المبرد والأخفش في أحد قوليه، ثم وافق سيبويه في كتابه الأوسط.
قال في شرح الكافية: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته.
وذِكرُ موافقته أولى؛ لأنها آخر قوليه.
والثالث: إن سمي بأحمر رجل أحمر لم ينصرف بعد التنكير، وإن سمي به أسود أو نحوه انصرف. وهو مذهب الفراء وابن الأنباري.
_________________
(١) ١ فإن عدلهما يزول بالتسمية فيصرفان، بخلاف غيرهما من المعدولات، فإن عدله بالتسمية باقٍ، فيجب منع صرفه للعدل والعلمية عددا كان أو غيره. اهـ أشموني. ٢ أي: عند قصد تنكيره.
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
والرابع: أنه يجوز صرفه. قاله الفارسي في بعض كتبه.
وأما المعدول إلى مفعل أو فعال فمن صرف أحمر بعد التسمية صرفه، وقد تقدم الخلاف في الجمع إذا نكر بعد التسمية.
تنبيه:
إذا سمي بأفعل التفضيل مجردا من "من" ثم نكر بعد التسمية انصرف اتفاقا؛ لأنه لم يبقَ فيه شبه الوصف إذا لم يستعمل صفة إلا بمن ظاهرة أو مقدرة.
فإن سمي به مع "من" ثم نكر امتنع الصرف قولا واحدا، وسقط خلاف الأخفش؛ لأنك إن لم تلحظ أصله خرجت عن كلام العرب.
قلت: وكلامه في الكافية وشرحها يقتضي إجراء الخلاف فيه، فإنه قال:
وذو التفضيل منعه رجح إن قارنته من
وقال في شرحها: وحكمه حكم أحمر.
وما يكون منه منقوصا ففي إعرابه نهج جَوارٍ يَقْتَفِي
تقدم أن الجمع الموازن لمفاعل، إذا كان منقوصا أجري في الرفع والجر مجرى سار، وفي النصب مجرى نظيره من الصحيح، ولا خلاف في ذلك، وقد سبق تغليط من حكى فيه الخلاف.
وأما غير الجمع المنقوص الذي نظيره من الصحيح غير مصروف، فإن كان غير علم جرى مجرى جوار ونحوه فيما ذكر بلا خلاف. نحو "أعيم" تصغير أعمى. فتقول: "هذا أعيمٍ. ومررت بأعيمٍ. ورأيت أعيمَى" وتنوينه في الرفع والجر تنوين العوض كما سبق، وإن كان علما وهو المشار إليه بالبيت ففيه خلاف.
مذهب الخليل وسيبويه وأبي عمرو وابن أبي إسحاق أنه كذلك فتقول في "يُعَيل" تصغير يُعْلَى، هذا يعيل ومررت بيعيل ورأيت يعيلى.
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
وذهب يونس وأبو زيد وعيسى والكسائي إلى أنه يجري مجرى الصحيح في ترك تنوينه وجره بفتحة ظاهرة، واحتجوا بقوله١:
قد عَجِبَت مني ومن يُعيليا
والصحيح الأول؛ لأنه نظير جوار، وأما قوله: "يُعيليا" فهو عند غيرهم للضرورة.
ولاضطرار أو تناسب صُرف
ذو المنع والمصروف قد لا يَنْصَرِفْ
أما صرف ما يستحق المنع للضرورة فمتفق على جوازه، ومنه قوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: نسبه الشيخ خالد للفرزدق، وهو من الرجز. وعجزه: لما رأتني خَلقًا مُقُلولِيَا اللغة: "يعيليا" مصغر يعلى -علم لرجل- "خلقا" عتيقا بالياء، والمراد رث الهيئة "مقلوليا" متجافيا منكمشا، والمراد دميم الخلقة. المعنى: عجبت هذه المرأة مني ومن يعلى حين رأتني رث الهيئة دميم الخلقة. الإعراب: "قد" حرف تحقيق "عجبت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "مني" جار ومجرور متعلق بالفعل "من" حرف جر "يعيليا" مجرور بمن ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والألف للإطلاق "لما" ظرف زمان بمعنى حين "رأتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير والنون للوقاية والياء مفعول أول "خلقا" مفعول ثانٍ لرأتني "مقلوليا" نعت قوله خلقا، أو معطوف عليه بحذف العاطف. الشاهد: قوله: "يعيليا" فإنه علم مصغر موازن للفعل ممنوع من الصرف وهو منقوص. وقد عومل معاملة الصحيح، وفتحت ياؤه ولم ينون. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٤١/ ٢، وابن هشام ٣٥٧/ ٣، وابن الناظم. وذكره سيبويه ٥٩/ ٢. ٢ قائله: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وهو من الخفيف. اللغة: أتاها، الضمير يرجع إلى ناقة صالح ﵇ "أحيمر" أراد الذي عقر الناقة واسمه قدار بن سالف وكان أحمر أزرق أصهب "عضب" -بفتح العين وسكون الضاد- السيف القاطع. الإعراب: "أتاها" فعل ومفعول "أحيمر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "كأخي" الكاف للتشبيه والتقدير: أتاها مثل السهم بعضب وقيل: التقدير: أتاها بعضب كأخي السهم، أي: كمثل السهم، فعلى الأول محل الكاف النصب وعلى الثاني الجر "بعضب" جار ومجرور متعلق بأتاها "فقال" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه "كوني عقيرا" جملة وقعت مقول القول، الياء اسم كان -والخطاب للناقة- عقيرا خبر كان يستوي فيه المذكر والمؤنث. الشاهد: قوله: "أحيمر" حيث نونه مع أنه يستحق المنع؛ وذلك لأجل الضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٤١/ ٢.
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
وأتاها أحيمرٌ كأخي السهم بعَضْب فقال: كوني عقيرا
وهو كثير، وقد اختلف في نوعين:
أحدهما: ما فيه ألف التأنيث المقصورة، فمنع بعضهم صرفه للضرورة، وقال: إنه لا فائدة فيه؛ إذ يزيد بقدر ما ينقص.
ورد بقول المسلم بن رباح المري١:
إني مقَسِّمُ ما ملكت فجاعلٌ جرما لآخرتي ودنيًا تنفع
أنشده ابن الأعرابي بتنوين "دنيا".
وقال بعضهم في رد هذا القول: إن الألف قد تلتقي بساكن بعده فيحتاج الشاعر إلى كسر الأول لإقامة الوزن فينون ثم يكسر.
قلت: ومقتضى هذا أنه إذا لم يحتج إلى تنوينه لم ينون، وهو تفصيل حسن.
والثاني: "أفْعل من" منع الكوفيون صرفه للضرورة، قالوا: لأن حذف تنوينه إنما هو لأجل "من" فلا يجمع بينه وبينها، ومذهب البصريين جوازه؛ لأن المانع له الوزن والوصف كأحمر لا "من" بدليل صرف "خير منه وشر منه" لزوال الوزن.
_________________
(١) ١ قائله: المسلم بن رباح المري، وهو من الكامل. الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها "مقسم" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة "ما ملكت" ما موصولة وملكت فعل وفاعل والجملة صلة ما والعائد محذوف تقديره: ما ملكته، ومقسم مضاف وما ملكت مضاف إليه "فجاعل" الفاء عاطفة للمفصل على المجمل "جاعل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف تقديره: فمنه جاعل " أجرا" منصوب بجاعل "لآخرتي" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أجرا كائنا لآخرتي "ودنيا" عطف على أجرا، وفيه حذف تقديره: ومنه جاعل دنيا "تنفع" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة صفة لدنيا. الشاهد: قوله: "دنيا" حيث نونه الشاعر. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٤٢/ ٢.
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
ومثال صرفه للتناسب قوله تعالى: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ ١ وقرأ ابن مهران: "ولا يغوثًا ويعوقا ونسرا"٢.
وأجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارا، وزعم قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة، قال الأخفش: وكأن هذه لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر "فجرت"٣ ألسنتهم على ذلك في الكلام.
وأما من منع صرف المستحق للصرف للضرورة، ففي جوازه خلاف:
مذهب أكثر البصريين منعه، وأكثر الكوفيين والأخفش والفارسي جوازه، واختاره المصنف، وهو الصحيح، لثبوت سماعه فمنه٤:د
وما كان حصنٌ ولا حابسٌ يفوقان مرداس في مَجمع
وأبيات أخر٥.
وفصل بعض المتأخرين بين ما فيه العلمية فأجاز منعه لوجود إحدى العلتين وبين ما ليس كذلك فصرفه، ويؤيده أن ذلك لم يسمع إلا من العلم.
وأجاز قوم منهم أحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارا.
_________________
(١) ١ من الآية ٤ من سورة الإنسان، نافع والكسائي. ٢ من الآية ٢٣ من سورة نوح. ٣ ب، ج وفي أ "فجرى". ٤ قائله: هو العباس بن مرداس الصحابي، وهو من المتقارب. اللغة: "حصن" والد عيينه "حابس" والد الأقرع. الإعراب: "ما" نافية "كان" فعل ماض ناقص "حصن" اسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة "ولا حابس" عطف على اسم كان "يفوقان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وألف الاثنين فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان "مرداس" مفعول به "في مجمع" جار ومجرور متعلق بيفوقان. الشاهد: قوله: "مرداس" حيث منعه من الصرف وهو اسم مصروف للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٣/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١٤٣، وذكره في الهمع ٣٧/ ١، وابن يعيش ٦٨/ ١. ٥ منها قوله: وقائلة: ما بال دَوْسر بَعْدنا صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند؟ وقوله: طلب الأرازق بالكتائب إذ هوت بشبيبَ غائلة النفوس غَدورُ
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
إعراب الفعل:
ارْفَعْ مُضارعا إذا يُجَرَّدُ من ناصبٍ وجازمٍ كتَسْعَدُ
يعني المضارع الذي لم "تباشره"١ نون التوكيد ولا نون الإناث، وإنما لم يقيده اكتفاء بتقديم ذلك في باب الإعراب.
وفهم من كلامه أنه يجب رفع المضارع "المعرب"٢ إذا لم يدخل عليه ناصب ولا جازم نحو: "أنت تسعد"، ولم ينص هنا على رافعه، وفيه أقوال:
الأول: أن رافعه وقوعه موقع الاسم، وهو قول البصريين.
والثاني: أن رافعه تجرده من الناصب والجازم، وهو "قول حذاق"٣ الكوفيين منهم الفراء.
والثالث: أن رافعه نفس المضارعة، وهو قول ثعلب.
والرابع: أن رافعه حروف المضارعة، ونسب إلى الكسائي.
واختار المصنف الثاني؛ لسلامته من النقض، بخلاف مذهب البصريين، فإنه ينتقض بنحو: "هلا تفعل"٤.
ورد مذهب الفراء بأن التعري عدم فلا يكون عاملا، وأجاب الشارح بأنا لا نسلم أن التجرد من الناصب والجازم عدمي؛ لأنه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مخلصا عن لفظ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمجيء به على صفة ما ليس بعدمي. انتهى.
ولما ذكر أن رفعه مشروط بتجريده من الناصب والجازم أخذ يبينهما فقال:
وبِلَن انصبْه وكي كذا بأَنْ
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "يباشر". ٢ أ، ج وفي ب: "المعري". ٣ أ، ج وفي ب "مذهب". ٤ لأن أداة التحضيض مختصة بالفعل.
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
الأدوات التي تنصب المضارع أربعة، وهي الثلاثة المذكورة في هذا البيت وإذن وستأتي.
فأما "لن" فحرف نفي ينصب المضارع ويخلصه للاستقبال ولا يلزم أن يكون مؤبدا، خلافا للزمخشري، ذكر ذلك في أنموذجه، وقال في غيره: إن "لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل.
قال ابن عصفور: وما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون النفي بلا آكد من النفي بلن؛ لأن النفي بلا قد يكون جوابا للقسم، والنفي بلن لا يكون جوابا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد.
تنبيهات:
الأول: مذهب سيبويه والجمهور أن "لن" بسيطة، وذهب الخليل والكسائي إلى أنها مركبة وأصلها "لا أن" حذفت همزة أن تخفيفا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين. ورد سيبويه بجواز تقديم معمول معمولها عليها نحو: "زيدا لن أضرب".
وأجيب بأنه قد يحدث بعد التركيب ما لم يكن قبله، ومنع الأخفش الصغير تقديم معمول معمولها عليها.
وذهب الفراء إلى أن "لن" هي "لا" أبدلت ألفها نونا، وهو ضعيف.
الثاني: ذهب قوم منهم ابن السراج إلى أنه يجوز أن يكون الفعل بعدها دعاء، واختاره ابن عصفور، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
والصحيح: أنه لم يستعمل من حروف النفي في الدعاء إلا "لا" خاصة.
الثالث: حكى بعضهم أن الجزم بلن لغة لبعض العرب.
وأما "كي" فلفظ مشترك يكون اسما مخففا من كيف فيليها اسم أو فعل ماض أو مضارع مرفوع؛ كقوله٢:
_________________
(١) ١ من الآية ١٧ من سورة القصص. ٢ قائله: لم ينسب لقائل، وهو من البسيط. =
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
كي تجنحون إلى سلْم وما ثُئرت قتلاكم ولَظَى الهيجاء تضطرمُ
وتكون حرفا جارا للتعليل بمعنى اللام، وحرفا مصدريا فيتعين الأول في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تدخل على "ما" الاستفهامية كقولهم: "كيمه"١.
والثاني: أن تدخل على "ما" المصدرية كقوله٢:
كَيْمَا يَضرُّ وينفعُ
_________________
(١) = اللغة: "تجنحون" من جنح إذا مال "سلم" -بكسر السين- والفتح أحسن "ما ثئرت" صيغة مجهول من ثأرت القتيل وبالقتل ثأرا وثؤرة أي: قتلت قاتله "لظى" النار "الهيجاء" الحرب تمد وتقصر "تضطرم" تلتهب. الإعراب: "كي" أي: كيف للاستفهام "تجنحون" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل "إلى سلم" جار ومجرور متعلق بالفعل "ما ثئرت" ما نافية "ثئرت" صيغة المبني للمجهول "قتلاكم" نائب فاعل مرفوع وكم مضاف إليه "ولظى" الواو حالية ولظى مبتدأ "الهيجاء" مضاف إليه "تضطرم" فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة وقعت حالا. الشاهد: قوله "كي" فإنه بمعنى كيف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٤٩/ ٣، وابن الناظم. ١ بمعنى لمه. ٢ قائله: هو النابغة، وقيل: قيس بن الخطيم، وهو من الطويل. وتمامه: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون فضر من يستحق الضرر والإيذاء، فإن الإنسان لا يقصد منه في الحياة غير هذين العملين. الإعراب: "إذا" ظرف متضمن معنى الشرط في محل نصب "أنت" فاعل لفعل محذوف وهو فعل الشرط يفسره المذكور "لم تنفع" فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل ضمير، والجملة مفسرة "فضر" الفاء واقعة في جواب إذا وضر فعل أمر "فإنما" الفاء للتعليل وإنما أداة حصر "يرجى" فعل مضارع مبني للمجهول "الفتى" نائب فاعل "كيما" جارة تعليلية بمنزلة اللام وما مصدرية، وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكى. الشاهد: قوله: "كيما" حيث دخلت "ما" المصدرية على "كي". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٤٩/ ٣، وابن هشام في حروف الجر ٢٤٥/ ٢، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٥/ ٢، والشاهد ٦٥٦ في خزانة الأدب.
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
والثالث: أن تقع اللام بعدها كقوله١:
فأوقدت ناري كي ليُبْصَرَ ضَوؤُها
فهي هنا حرف جر واللام تأكيد لها وأن مضمرة بعدها، ولا يجوز كونها مصدرية لفصل اللام، وهذا التركيب نادر، ويتعين الثاني إذا وقعت بعد اللام ولم تقع أن بعدها نحو: "جئت لكي أقرأ".
ولا يجوز أن تكون حرف جر؛ لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها "أن" ولا يكون ذلك إلا في الضرورة، كقوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: هو حاتم بن عدي الطائي، وهو من الطويل. وعجزه: وأخرجت كلبي وهو في البيت داخله الإعراب: "فأوقدت" الفاء عاطفة، أو قدت فعل ماض والتاء فاعل، "ناري" مفعول به والياء مضاف إليه "كي" للتعليل "ليبصر" اللام للتعليل ويبصر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وهو مبني للمجهول "ضوؤها" نائب فاعل والهاء مضاف إليه "وأخرجت" الواو عطف على فأوقدت وأخرجت فعل وفاعل "كلبي" مفعول به والياء مضاف إليه "وهو" الواو حالية وهو مبتدأ "في البيت" جار ومجرور متعلق بداخله "داخله" خبر المبتدأ مرفوع والجملة حالية. الشاهد: قوله: "كي ليبصر" فإن كي هنا تتعين أن تكون حرفا جارا للتعليل بمعنى اللام؛ لظهور اللام بعدها، وإنما جمع بينهما للتأكيد، وهذا التركيب نادر. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه الألفية ٥٥٠/ ٣. ٢ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل. وتمامه: فتتركها شنا ببيداء بلقع اللغة: "تطير" تذهب بسرعة "شنا" -بفتح الشين وتشديد النون- القربة الخلق البالي "بيداء" المفازة "بلقع" -بفتح الباء وسكون اللام وفتح القاف- قفر خالية من كل شيء. المعنى: يخاطب الشاعر طائرا جارحا أو سارقا ماهرا، فيقول: رغبت أن تأخذ قربتي بسرعة وتتركها قطعة ممزقة بصحراء لا يصل إليها إنسان. الإعراب: "أردت" فعل وفاعل "لكيما" اللام حرف جر وتعليل وكي إما جارة تعليلية مؤكدة للام وأن ناصبة أو مصدرية مؤكدة بأن واللام جارة وما زائدة "أن" حرف مصدري ونصب "تطير" فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة والفاعل ضمير مستتر فيه "بقربتي" جار ومجرور متعلق بتطير "فتتركها" الفاء عاطفة على تطير وتترك فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والهاء مفعول أول "شنا" مفعول ثان لتترك أو حال على التأويل "ببيداء" جار ومجرور متعلق بتترك "بلقع" صفة لبيداء. =
[ ٣ / ١٢٣١ ]
أردت لكيما أن تطير بقِرْبَتي
ترجح كونها حرف جر مؤكدة للام، ويحتمل أن تكون مصدرية مؤكدة بأن. وإنما يترجح كونها جارة لأوجه:
أحدها: أن "أن" أم الباب، فلو جعلت مؤكدة لكي لكانت كي هي الناصبة١.
والثاني: أن ما كان أصلا في بابه لا يجعل مؤكدا لغيره.
والثالث: أن "أن" وليَت الفعل فترجح أن تكون العاملة، ويجوز الأمران في نحو: "جئت كي تفعل" فإن جعلت جارة كانت "أن" مقدرة بعدها، وإن جعلت ناصبة كانت اللام مقدرة قبلها.
تنبيهات:
الأول: ما ذكرته من أن "كي" تكون حرف جر ومصدرية هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها٢ ناصبة للفعل دائما، وتأولوا كيمه على تقدير "كي" تفعل ماذا.
وذهب قوم إلى أنها حرف جر دائما، ونقل عن الأخفش.
الثاني: إذا كانت "كي" حرف جر ودخلت على الاسم، فهي بمعنى لام التعليل، وإذا دخلت على الفعل دلت على العلة الغائية فقط، فهي أخص من اللام.
الثالث: أجاز الكسائي تقديم معمول معمولها عليها نحو: "جئت النحو كي أتعلم".
_________________
(١) = الشاهد: قوله: "لكيما أن تطير" حيث يجوز أن تكون كي مصدرية وأن مؤكدة لها، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام، ولولا "أن" لوجب أن تكون "كي" مصدرية ولولا وجود اللام لوجب أن تكون تعليلية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٤٩/ ٣، وابن هشام ٣٦٣/ ٣، والإنصاف ٣٤١/ ٢، وابن يعيش ١٩/ ٧، والشاهد ٦٣٥ في الخزانة. ١ فيلزم تقديم الفرع على الأصل. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
ومذهب الجمهور منع ذلك.
الرابع: إذا فصل بين "كي" والفعل لم يبطل عملها، خلافا للكسائي نحو: "جئت كي فيك أرغب" والكسائي يجيزه بالرفع لا بالنصب. قيل: والصحيح أن الفصل بينها وبين الفعل لا يجوز في الاختيار.
والخامس: زعم الفارسي أن أصل كما في قوله١:
وطَرْفُك إما جئتنا فاحبسنه كما يَحسبوا أن الهوى حيثُ تنظر
أي: "كيما" فحذفت الياء ونصب بها، وذهب المصنف إلى أنها كاف التشبيه كفت بما ودخلها معنى التعليل فنصبت، وذلك قليل.
وقد جاء الفعل بعدها مرفوعا في قوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: هو جميل بن معمر، وقيل: لبيد العامري، وهو من الطويل. اللغة: "طرفك" -بفتح الطاء- الطرف العين والمعنى وعينك. الإعراب: "طرفك" طرف مبتدأ والكاف مضاف إليه "إما" أصله إِنْ مَا وإن للشرط وما زائدة و"جئتنا" فعل وفاعل ومفعول وهو فعل الشرط "فاصرفنه" الفاء واقعة في جواب الشرط والضمير المنصوب يرجع إلى الطرف والجملة كلها في موضع الرفع على الخبرية -و"أن" بفتح الهمزة- "الهوى" اسم أن "حيث تنظر" خبر أن، وأن مع اسمها وخبرها سد مسد المفعولين ليحسب. الشاهد: قوله: "كما يحسبوا" حيث إن "كما" تنصب بنفسها بمعنى "كيما" واستدل به الكوفيون والمبرد، وعلامة النصب سقوط النون من يحسبوا، والصحيح ما ذهب إليه البصريون وهو المنع؛ لأنه لو كانت ناصبة مثل كيما لكثر في كلام العرب، ويحتمل أن تكون النون حذفت للضرورة، أو يكون الأصل كيما فحذفت الياء للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٥٠/ ٣، والإنصاف ٣٤٤/ ٢، والسيوطي في الهمع ٦/ ٢. ٢ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. المعنى: أنك إن شتمت شتمت وإذا لم تشتم لا تشتم ولعلك إن لم تشتم لا تشتم. الإعراب: "لا" ناهية "تشتم" فعل مضارع مجزوم بلا وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين والفاعل ضمير مستتر فيه "الناس" مفعول به "كما" ما كافة "تشتم" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله "كما لا تشتم" حيث رفع الفعل بعد قوله "كما" ولم ينصب، فقال الكوفيون: لأنها لم تكن بمعنى كيما؛ فلذلك لم تنصب، وقال البصريون: هذا على أصله؛ لأن "كما" ليست من النواصب. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٥١/ ٣، وذكره سيبويه ٤٥٩/ ١، والإنصاف ٣٤٥/ ٢.
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
لا تَشْتِمِّ الناس كما لا تشتم
وإما أن تكون زائدة ومفسرة ومصدرية، فالزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها فيطرد زيادتها بعد "لما" نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ ١ وبين القسم ولو.
نحو٢:
أما والله أن لو كنت حرا
ووقع لابن عصفور أن هذه رابطة والجواب "لو" وما دخلت عليه. وشذت زيادتها بعد كاف الجر في قوله٣:
كأَنْ ظبيةٍ
_________________
(١) ١ من الآية ٩٦ من سورة يوسف. ٢ قائله: لم أعثر على قائله، وأنشده سيبويه ولم يعزه إلى أحد، وهو من الوافر. وعجزه: وما بالحر أنت ولا العتيق الإعراب: "أما" -بفتح الهمزة وتخفيف الميم- حرف استفتاح بمنزلة ألا ويكثر قبل القسم "والله" حرف قسم ومقسم به "أن" رابطة أو زائدة "لو" شرطية "كنت" كان واسمها "حرا" خبر كان والجملة فعل الشرط وجواب الشرط محذوف تقديره: لقاومتك. الشاهد: قوله: "أن لو كنت" فإن أن فيه جعل حرفا يربط جملة القسم بجملة المقسم عليه. والذي ذهب إليه سيبويه أنها زائدة - بين القسم ولو. مواضعه: ذكره أيضا السيوطي في الهمع ١٨/ ٢. ٣ قائله: هو لباعث بن صريم -بفتح الصاد- اليشكري، هو من الطويل. وتمامه: ويوما توافينا بوجه مقسم تعطو إلى وارق السلم اللغة: "مقسم" محسن وأصله من التقسمات وهي مجاري الدموع في أعالي الوجه "تعطو" قال الأعلم: العاطية: التي تتناول أطراف الشجر مرتعية "وارق" المورق -وفعله أوراق- وهو نادر "السلم" شجر بعينه. المعنى: قال الأعلم: وصف امرأة حسنة الوجه فشبهها بظبية مخصبة. الإعراب: "يوما" ظرف متعلق بالفعل بعده "توافينا" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر عائد إلى المرأة الموصوفة ونا: مفعول "بوجه" متعلق بتوافي "مقسم" صفة لوجه "كأن" على رواة الجر الكاف حرف تشبيه وجر وأن زائدة "ظبية" مجرور بالكاف "تعطو" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر عائد إلى الظبية "إلى وارق" جار ومجرور متعلق بتعطو "السلم" مضاف إليه مجرور بالكسرة، وإنما سكن لأجل الوقف وجملة تعطو في محل رفع صفة لظبية. الشاهد: قوله: "كأن ظبية" حيث وقعت أن زائدة بين الكاف ومجرورها. مواضعه: راجعها في باب إن.
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
في رواية الجر.
وفائدة زيادتها التوكيد، وزعم الزمخشري والشلوبين أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر وهو أن الجواب يكون بعقب الفعل الذي يليها فتنبه على السببية والاتصال، وليست مثقلة في الأصل خلافا لزاعمه.
والمفسرة: وهي التي يحسن في موضعها أي. وعلامتها: أن تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ١.
فلو كان الذي قبلها غير جملة حكم عليها بأنها المصدرية نحو: "إشارتي إليك أن اصبر" ولا تقع المفسرة بعد صريح القول خلافا لبعضهم.
ومذهب الكوفيين أن التفسير ليس من معاني "أن" وهي عندهم الناصبة للفعل والمصدرية هي التي تؤول مع صلتها بمصدر، وتنقسم إلى مخففة من "أن" وناصبة للمضارع فإن كان العامل فيها فعل علم وجب أن تكون المخففة نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ ٢ وتقدم ذكرها في بابها.
وإن كان فعل ظن جاز فيها الأمران، وجاز في الفعل بعدها الرفع والنصب بالاعتبارين، إلا أن النصب هو الأكثر؛ ولذلك أجمع عليه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ٣ وقرئ بالوجهين: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٤.
وإن كان العامل فيها غير العلم والظن وجب أن تكون الناصبة للفعل نحو: "أريد أن تفعل" وإلى هذا التقسيم أشار بقوله:
لا بَعْدَ عِلْمٍ والتي من بَعْدِ ظَنْ
فانْصِبْ بها والرَّفْعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ تَخْفِيفَها مِنْ أنَّ فهو مُطَّرِدْ
أي: فاعتقد تخفيفها من "أن" إذا رفعت الفعل بعدها.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٧ من سورة المؤمنون. ٢ من الآية ٢٠ من سورة المزمل. ٣ من الآية ٢ من سورة العنكبوت. ٤ من الآية ٧١ من سورة المائدة.
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
تنبيهات:
الأول: إذا أول العلم بغيره جاز وقوع الناصبة بعده؛ ولذلك أجاز سيبويه "ما علمت إلا أن تقوم" -بالنصب- قال: لأنه كلام خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى قولك: "أشير عليك أن تقوم".
وعن أبي العباس: أن الناصبة لا تأتي بعد لفظ العلم أصلا.
الثاني: أجاز سيبويه والأخفش إجراءها بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف نحو: "خفت أن لا تفعل" أو "خشيت أن تقوم" -بالرفع- ومنع ذلك المبرد.
الثالث: أجاز الفراء وابن الأنباري أن تنصب بعد العلم غير المؤول، ومذهب الجمهور المنع.
الرابع: أجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، مستشهدا بقوله١:
ربَّيتُه حتى إذا تَمَعْدَدَا كان جزائِي بالعصا أن أُجْلَدَا
قال في التسهيل: ولا حجة فيما استشهد به لندوره، أو إمكان تقدير عامل مضمر.
_________________
(١) ١ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز. اللغة: "تمعدد" غلظ وشب. المعنى: ربيت ابني حتى إذا غلظ وشب وكان جزائي أن أجلد بالعصا. الإعراب: "ربيته" فعل وفاعل ومفعول "حتى" حرف ابتداء "إذا" ظرفية شرطية "تمعددا" فعل ماض في موضع الشرط والفاعل ضمير مستتر والألف للإطلاق وإذا منصوبة بشرطها أو جوابها "كان" فعل ماض ناقص "جزائي" اسم كان والياء مضاف إليه، وكان جزائي في موضع الجواب وجملة أن أجلدا في محل نصب خبر كان والألف للإطلاق. الشاهد: قوله: "بالعصا أن أجلدا" فإن قوله "بالعصا" يتعلق بأجلد، وأجلد معمول أن وصلتها، وقوله "بالعصا" معمول معمول أن، وأجب بأنه نادر لا يقاس عليه، أو تؤول بأن، التقدير: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٢٢/ ٣، والسيوطي في الهمع ٨٨، ١١٢/ ١، والشاهد ٦٤٣ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
الخامس: أجاز الأخفش أن تعمل وهي زائدة، واستدل بالسماع كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ وبالقياس على حرف الجر الزائد.
ولا حجة في ذلك؛ لأنها في الآية ونحوها مصدرية دخلت بعد "ما لنا" لتأوله بما منعنا. والفرق بينها وبين حرف الجر أن اختصاص باقٍ مع الزيادة بخلاف "أن" فإنها قد وليها الاسم في "كأن ظبية".
السادس: إذا وصلت "أن" بالماضي والأمر فهي التي تنصب المضارع خلافا لابن طاهر فإنه جعلها غيرها.
السابع: جملة ما ذكر لأن عشرة أقسام: ناصبة للمضارع ومخففة، وزائدة، ومفسرة، وشرطية، وبمعنى لا، وبمعنى لئلا، وبمعنى إذ، وبمعنى أن المخففة، وجازمة.
وقد تقدم الكلام عن الأربعة الأُول ولم يثبت ما سواها.
وأما الجازمة، فقال في التسهيل: ولا يجزم بها خلافا لبعض الكوفيين، انتهى. ووافقهم أبو عبيدة. وحكى اللحياني٢ أنها لغة بني صباح؛ وقال الرؤاسي٣: فصحاء العرب تنصب بأن وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها، وقد أنشدوا على ذلك أبياتا:
وبعضُهم أهملَ أَنْ حَمْلا علَى ما أخْتِها حيث استحقَّتْ عَمَلا
يعني: أن بعض العرب أهمل أن الناصبة حيث استحقت العمل، وذلك إذا لم يتقدمها علم أو ظن كقوله٤:
أَنْ تَقْرآنِ على أسماءَ ويْحَكُمَا مني السلام وأن لا تُشْعِرَا أَحَدَا
_________________
(١) ١ من الآية ٢٤٦ من سورة البقرة. ٢ هو علي بن المبارك اللحياني من بني لحيان، وقيل: سمي به لعظم لحيته، وأخذ عن الكسائي وأبي عمرو الشيباني وغيرهما، وله النوادر المشهورة. ٣ محمد بن الحسن الرؤاسي النحوي، سمى الرؤاسي لأنه كان كبير الرأس، وهو أول من وضع من الكوفيين كتابا في النحو، وهو أستاذ الكسائي والفراء، وله من الكتب: الفيصل، الوقف والابتداء الكبير، وغير ذلك. ٤ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من البسيط. =
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
فإن الأولى والثانية مصدريتان غير مخففتين وقد أعملت إحداهما وأهملت الأخرى، ومنه قراءة بعضهم: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَة"١.
ووجه إهمالها حملها على "ما" أختها، أعني: ما المصدرية، هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فهي عندهم "المخففة من الثقيلة"٢، وقوله في التسهيل: كونها المخففة أو المحمولة عليها أو على المصدرية يقتضي قولا ثالثا.
فإن قلت: هل يقاس على ذلك؟
قلت: ظاهر كلام المصنف أن إهمالها مقيس.
قال في شرح الكافية: ثم نبهت على أن من العرب من يجيز الرفع بعد أن الناصبة السالمة من سبق علم أو ظن.
ونَصَبُوا بإِذَنِ المسْتَقْبَلا إن صُدِّرَتْ والفعلُ بعدُ مُوصَلا
"إذن" حرف ينصب المضارع بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مستقبلا، فإن كان حالا رفع؛ لأن النواصب تخلص للاستقبال.
_________________
(١) = اللغة: "تقرآن" تبلغان وتقولان "ويحكما" مصدر معناه رحمة لكما. المعنى: أرجو يا صاحبي أن تبلغا محبوبتي أسماء تحيتي وألا تخبرا بذلك أحدا. الإعراب: "أن" مصدرية مهملة "تقرآن" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، وهو في محل نصب بدل من حاجة في بيت قبله، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف عائد إلى حاجة، أي: هي أن تقرآن "ويحكما" منصوب بفعل محذوف من معناه، وهو مصدر مضاف إلى ضمير المخاطبين "مني" متعلق بتقرآن "السلام" مفعول تقرآن "وأن لا" أن مصدرية ناصبة ولا نافية "تشعران" فعل مضارع منصوب بأن والألف فاعل "أحدا" مفعول. الشاهد: قوله: "أن تقرآن" حيث أهملت "أن" عن العمل حملا على أختها ما المصدرية، ورفع الفعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٥٣/ ٢، وابن هشام ٣٦٥/ ٣، والمكودي ص١٤٤، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في المغني ٢٠١/ ٢، وابن يعيش ١٥/ ٧، والإنصاف ٢٢٩/ ٢، والشاهد ٦٤٢ في الخزانة. ١ من الآية ٢٣٣ من سورة البقر، وهي قراءة ابن محيصن. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
الثاني: أن تكون مصدرة، فإن تأخرت ألغيت حتما، نحو: "أكرمك إذن" وإن توسطت وافتقر ما قبلها لما بعدها فكذلك.
قال في شرح الكافية: وشذ النصب بإذن بين خبر وذي خبر في قول الراجز١:
لا تَتْرُكَنِّي فيهم شَطِيرَا إني إِذَنْ أُهْلَكَ أو أَطِيرَا
قلت: نقل جواز ذلك عن بعض الكوفيين، وتأوله البصريون على حذف الخبر، والتقدير: إني لا أقدر على ذلك، ثم استأنف بإذن فنصب. وإن تقدمها حرف عطف فسيأتي.
والثالث: ألا يفصل بينها وبين الفعل بغير القسم، فإن فصل بينهما بغيره ألغيت نحو: "إذن زيد يكرمك"، وإن فصل به لم يعد حاجزا نحو: "إذن والله أكرمك".
تنبيه:
أجاز ابن عصفور الفصل بالظرف نحو: "إذن غدا أكرمك" وأجاز ابن بابشاذ: الفصل بالنداء والدعاء نحو: "إذن يا زيد أحسن إليك" و"إذن يغفر الله لك يدخلك الجنة" ولم يسمع شيء من ذلك، فالصحيح منعه.
_________________
(١) ١ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الرجز. اللغة: "شطيرا" -بفتح الشين وكسر الطاء- غريبا أو بعيدا "أطير" أذهب بعيدا. المعنى: لا تتركني وتصيرني مثل البعيد والغريب بين هؤلاء، فإني إذن أموت أو أرحل بعيدا عنهم. الإعراب: "لا تتركني" ناهية وفعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، والنون للوقاية والياء مفعول أول "فيهم" جار ومجرور متعلق بشطير "شطيرا" مفعول ثان أو حال "إني" إن واسمها "أهلك" فعل مضارع منصوب بإذن، والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر إن "أو أطيرا" عطف على أهلك. الشاهد: قوله: "إذن أهلك" حيث نصب إذن المضارع وإذن غير واقعة في صدر الجملة؛ لأنها معترضة بين اسم إن وخبرها. ويخرج على أنه ضرورة أو على أن خبر "إن" محذوف؛ أي: لا أقدر على ذلك ثم استأنف بعده، فتكون إذن في صدر جملة مستأنفة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٥٤/ ٣، وابن هشام ٣٧٠، وابن الناظم، والشاهد ٦٤٩ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
وأجاز الكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، وفي الفعل١ حينئذ وجهان.
والاختيار عند الكسائي النصب، وعند هشام الرفع.
وقد اشتمل البيت على "ذكر"٢ الشروط الثلاثة، ثم أشار إلى أن الفصل بالقسم مغتفر بقوله:
أو قبله اليمينُ
ثم نبه على حكمها بعد العاطف فقال:
وانْصِبْ وارْفَعَا إِذَا إِذَنْ من بعد عَطْفٍ وَقَعَا
والرفع أجود الوجهين وبه قرأ السبعة، وفي الشواذ: "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا"٣ على الإعمال.
تنبيهات:
الأول: أطلق في العطف، وفصل بعضهم فقال: إن كان العطف على ماله محل ألغيت نحو: "إن تزرني أزرك وإن أحسن إليك" بجزم أحسن عطفا على جواب الشرط.
وإن كان على ما لا محل له، فالأكثر الإلغاء كالآية.
الثاني: إلغاء إذن مع استيفاء الشروط لغة نادرة حكاها عيسى وسيبويه ولا يقبل قول من أنكرها.
الثالث: مذهب الجمهور أن "إذن" حرف. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم وأصلها "إذًا" والأصل أن تقول: "إذا جئتني أكرمك" فحذف ما يضاف إليه وعوض منه التنوين، والصحيح مذهب الجمهور.
ثم اختلف القائلون بحرفيتها؛ فقال الأكثرون: إنها بسيطة، وذهب الخليل في أحد أقواله إلى أنها مركبة من "إذ" و"إن".
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "الفصل". ٢ أ، ج. ٣ من الآية ٧٦ من سورة الإسراء.
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
ثم اختلف القائلون بأنها بسيطة، فذهب الأكثرون إلى أنها ناصبة بنفسها.
وذهب الخليل فيما روى عنه أبو عبيدة أنها ليست ناصبة بنفسها، وأن مضمرة بعدها، وإليه ذهب الزجاج والفارسي.
الرابع: إذا وقع بعدها الماضي مصحوبا باللام كقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ ١. فالظاهر أن اللام جواب قسم مقدر قبل إذن. وقال افراء: لو مقدرة قبل إذن. والتقدير: لو ركنت إليهم لأذقناك، وقدر في كل موضع ما يليق به.
الخامس: قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء "يعني إذن"٢ وحمله الشلوبين على ظاهره، وأنها للجواب والجزاء في كل موضع، وتكلف تخريج ما خفي فيه ذلك.
وذهب الفارسي إلى أنها قد ترد لهما، وهو الأكثر، وقد تكون للجواب وحده نحو أن يقول القائل: "أحبك" فتقول: "إذن أظنك صادقا" فلا يتصور هنا الجزاء. وحمل كلام سيبويه على ذلك كما قال في نعم: إنها عدة وتصديق باعتبار حالين.
وقال بعضهم: إذن وإن دلت على أن ما بعدها متسبب عما قبلها على وجهين؛ أحدهما: أن تدل على إنشاء الارتباط بحيث لا يفهم من غيرها. والثاني: أن تكون "واردة"٣ جوابا ارتبط بمتقدم أو منبهة على سبب "حصل"٤ في الحال نحو: "إن أتيتني إذن آتيك" أو "إذن أظنك صادقا" تقوله لمن يحدثك "وهي في الحالين غير عاملة"٥.
وبَيْنَ لا ولام جر التُزِمْ إظهارُ أن ناصبة وإن عُدِمْ
لا فأَنَ اعْمِلْ مُظهِرا أو مُضْمَرا وبعد نفي كان حتما أُضْمِرَا
_________________
(١) ١ من الآية ٧٥ من سورة الإسراء. ٢ ب، ج. ٣ أ، وفي ب، ج "مؤكدة". ٤ أ، وفي ب، ج "حصل". ٥ أ، ج.
[ ٣ / ١٢٤١ ]
"اعلم" أن أقوى نواصب الفعل "أن" لاختصاصها به ولشبهها بأن الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها، وإضمارها على ثلاثة أضرب: واجب، وجائز، وشاذ.
فالواجب بعد ستة أشياء؛ أولها: "كي" الجارة. وثانيها: لام الجحود. وثالثها: "أو" بمعنى إلى أو إلا. ورابعها: حتى. وخامسها: فاء الجواب. وسادسها: واو المصاحبة.
والجائز بعد شيئين؛ الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا. والثاني: العاطف على اسم خالص.
والشاذ: إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع.
والحاصل: أنها لا تعمل مضمرة باطراد إلا بعد حرف جر أو حرف عطف على ما سيأتي بيانه.
فأما "كي" الجارة، فلم ينبه في النظم عليها؛ بل ظاهر كلامه هنا موافقة من يقول: إنها ناصبة بنفسها دائما؛ لأنه ذكرها مع النواصب، ولم يذكرها غير ذلك. وقد ذكر لها في الكافية وغيرها الحالين.
وقد اشتمل هذان البيتان على حكم "أن" بعد لام كي ولام الجحود.
فأما لام كي فهي لام التعليل، ولأن بعدها حالان، حال يجب فيه إظهارها وذلك مع الفعل المقرون بلا النافية أو الزائدة، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ١.
وحال يجوز فيه إظهارها وإضمارها، وذلك مع الفعل غير المقرون بلا نحو: "جئت لتكرمني".
ولو أظهرت فقلت: لأن تكرمني، لجاز.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون النصب بعدها بإضمار كي؟
_________________
(١) ١ من الآية ٢٩ من سورة الحديد.
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
قلت: أجاز ذلك ابن كيسان والسيرافي، ومذهب الجمهور أن كي لا تضمر؛ لأنه لم يثبت إضمارها في غير هذا الموضع.
فإن قلت: لِمَ سميت لام كي؟
قلت: لأنها للسبب كما أن كي للسبب.
وأما لام الجحود، فهي الواقعة بعد كان المنفية الناقصة الماضية لفظا أو معنى نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ١ و﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ٢.
والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واجبة الإضمار، وعلل ذلك بأن إيجاب "ما كان زيد ليفعل" "كان زيد سيفعل" جعلت اللام في مقابلة السين، فكما أنه لا يجمع بين أن والسين كذلك لا يجمع بين أن واللام.
فإن قلت: حاصل كلام الناظم أن لأن بعد لام الجر ثلاثة أحوال: وجوب إظهارها مع المقرون بلا، ووجوب إضمارها بعد نفي كان، وجواز الأمرين فيما عدا ذلك، وهذا غير محرر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يقيد بالناقصة، فأوهم أنه يجب الإضمار أيضا بعد التامة، وليس كذلك؛ لأن اللام بعدها ليست لام الجحود.
الثاني: أنه يوهم "أن"٣ اختصاص هذا الحكم بالماضية لفظا، وقد تقدم أن الماضية معنى كالماضية لفظا.
والثالث: أنه أطلق فشمل إطلاقه النفي بكل نافٍ، وليس كذلك؛ لأن النفي هنا لا يكون إلا بما أو بلم ولا يكون بأن ولا بلما ولا بلا ولا بلن. نص على ذلك في الارتشاف.
قلت: قد يجاب عن الأول بأن استعمال الناقصة أكثر، وذكرها في أبواب النحو أشهر فتوجه كلامه إليها، وتعين حمله عند عدم التقييد عليها.
_________________
(١) ١ من الآية ١٧٩ من سورة آل عمران. ٢ من الآية ١٣٧ من سورة النساء. ٣ ب، ج.
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
وعن الثاني: بأنه لم يكن مندرجا في قوله: "ونفى كان" لأن المراد نفي الماضي، ولم تنف الماضي، على أن من النحويين من يرى أنها تصرف لفظ الماضي دون معناه.
وعن الثالث: أن قوله: "نفي كان" لا يشمل كل نافٍ، بل يشمل كل ما ينفي الماضي فخرجت "لن" لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك "لا" فإن نفي غير المستقبل بها قليل، وأما لما فإنها وإن كانت تنفي الماضي تدل على اتصال نفيه بالحال بخلاف "لم" وأما "أن" فهي بمعنى "ما" وإطلاقه يشملها، وفي استثنائها نظر.
بل الظاهر أن لام الجحود تقع بعد النفي بها، ويدل على ذلك قراءة غير الكسائي: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ١، ونص بعضهم على أن اللام في غير قراءته لام الجحود.
وفي هذه الآية رد على من زعم أن الفعل بعد لام الجحود لا يرفع إلا ضمير الاسم السابق.
وقد فهم من النظم فوائد:
الأول: أن ذلك لا يكون في أخوات كان؛ لتخصيص الحكم بها خلافا لمن أجازه قياسا في أخواتها، ولمن أجازه في ظننت.
والثانية: أن الفعل معها لا يكون موجبا، فلا يقال: "ما كان زيد إلا ليفعل" لأنها إذ ذاك بعد إيجاب لا بعد نفي كان.
الثالثة: أن إظهار أن بعد لام الجحود ممتنع؛ لقوله: "حتما أضمرا"، وهذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فحكى ابن الأنباري عنهم منع ذلك، وحكى غيره عن بعضهم جواز إظهار أن بعدها توكيدا.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآية ٤٦. أما قراءة الكسائي فهي بفتح اللام ورفع الفعل بأن مخففة من الثقيلة واللام للفصل، أي: وإن مكرهم لنزول منه الأمور المشبهة في عظمها بالجبال كبأس أعدائهم الكثيرين.
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
تنبيهات:
الأول: أجاز بعض النحويين حذف لام الجحود وإظهار أن مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ ١.
واضطراب ابن عصفور فمرة أجاز ومرة منع، والصحيح المنع، ولا حجة لهم في الآية؛ لأن "أن يفترى" في تأويل مصدر هو الخبر.
الثاني: قد فهم مما تقدم أن لام الجر التي ينصب الفعل بعدها قسمان: لام كي ولام الجحود.
أما لام الجحود فقد تقدم ضابطها.
وأما لام كي فهي ما عداها، وقسم بعضهم ما عدا لام الجحود إلى ثلاثة أقسام كما فعل الشارح: لام كي نحو: "جئت لتحسن إلي" ولام العاقبة نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٢ ولام زيادة نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٣.
وأن بعد هذه الثلاثة يجوز إظهارها وإضمارها.
قلت: أما لام العاقبة، وتسمى أيضا لام الصيرورة، ولام المآل، فقد أثبتها الكوفيون والأخفش وذكرها في التسهيل، وتأول جمهور البصريين ما أوهم ذلك، وردوه إلى لام كي.
وأما الزيادة، فذهب قوم إلى أن اللام في نحو: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ ٤ ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ ٥ زائدة وأن مقدرة بعدها.
وقال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع أن في أردت وأمرت، والمختار أنها لام كي.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٧ من سورة يونس. ٢ من الآية ٨ من سورة القصص. ٣ من الآية ٢٦ من سورة النساء. ٤ من الآية ٨ من سورة الصف. ٥ من الآية ٧١ من سورة الأنعام.
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر ليطفئوا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.
الثالث: ما ذكر من أن اللام التي "تنصب الفعل"١ بعدها هي لام الجر، والنصب بأن مضمرة، هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها، وذهب ثعلب إلى أن اللام ناصبة بنفسها لقيامها مقام أن، والخلاف في اللامين -أعني: لام كي ولام الجحود- واحد.
الرابع: اختلف في الفعل الواقع بعدم اللام، فذهب الكوفيون إلى أنه خبر "كان" واللام للتوكيد. وذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف، واللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف وقدروه: "ما كان زيد مريدا ليفعل"، وإنما ذهبوا إلى ذلك لأن اللام جارة عندهم، وما بعدها في تأويل مصدر، وصرح المصنف بأنها مؤكدة لنفي الخبر -وظاهره موافقة الكوفيين- إلا أن الناصب عنده أن مضمرة، فهو قول ثالث، قال الشيخ أبو حيان: ليس بقول بصري ولا كوفي، ومقتضى قوله مؤكدة أنها زائدة. وصرح به الشارح، وقال في شرحه لهذا الموضع من التسهيل: سميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة، إذ لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد ما كان زيد مقدرا أوهاما أو مستعدا لأن يفعل.
قلت: ما نقل عن البصريين من أنها متعلقة بالخبر المحذوف يقتضي أنها ليست بزائدة وتقدرهم مريدا يقتضي أنها زائدة مقوية للعامل. فليتأمل.
الخامس: ذكر في التسهيل أن فتح اللام الجارة الداخلة على الفعل لغة عكل وبلعنبر.
وقال أبو زيد: سمعت من يقرأ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ٢.
ثم انتقل إلى "أو" فقال:
كَذاكَ بعد أو إذا يَصْلحُ في موضِعِها حتى أَوِ الَّا أَنْ خَفى
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "ينصب". ٢ من الآية ٣٣ من سورة الأنفال.
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
يعني: أن "أن" يجب إضمارها بعد "أو" إذا صلح في موضعها حتى أو إلا كما وجب إضمارها بعد لام الجحود.
فإن قلت: حتى "تكون"١ بمعنى إلى وبمعنى كي فأيهما أراد؟
قلت: قال الشارح: حتى التي بمعنى إلى لا التي بمعنى كي، فإن كان ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا فهي بمعنى إلى وإلا فهي بمعنى إلا. انتهى.
يحتمل أن يريد المعنيين معا، وذلك أن بعضهم قدرها بكي، وبعضهم قدرها بإلى.
وأما سيبويه فقدرها بإلا، فكأنه أشار إلى الأولين بذكر حتى، ويصلح للتقديرات الثلاثة قولهم: "لألزمنك أو تقضيني حقي" فإنه يصلح للتعليل وللغاية وللاستثناء من الأزمان.
ويتعين الأول في نحو: "لأطيعن الله أو يغفر لي". والثاني في نحو: "لأنتظرنه أو يجيء"، والثالث في نحو: "لأقتلن الكافر أو يسلم"، وبذلك "يضعف"٢ قول من قال: إن تقديرا "بإلا مطرد، وقول من قال: إن تقديرها"٣ بكي أو إلى مطرد، ويؤيد الاحتمال الثاني أنه لو أراد حتى التي بمعنى إلى فقط لصرح بإلى والوزن موات له على ذلك.
تنبيهات:
الأول: احترز بقوله: "إذا يصلح في موضعها "حتى أو إلا " من التي لا يصلح في موضعها"٤ أحد الحرفين، فإن المضارع إذا ورد بعدها منصوبا جاز إظهار أن كقوله٥:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ ب، ج. ٣ ب، ج. ٤ أ. ٥ قائله: هو الحصين بن حمام المري، وهو من الطويل. =
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
ولولا رجالٌ من رِزَامٍ أعزةٌ وآلُ سُبيع أو أسوءَك عَلْقَمَا
الثاني: ما ذكر من تقدير حتى أو إلا في مكان أو تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" الناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بأو على المقدر قبلها فتقدير "لأنتظرنه أو يقدم": ليكونن انتظارٌ أو قدومٌ.
الثالث: ذهب الكسائي إلى أن "أو" المذكورة ناصبة بنفسها، وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أن الفعل انتصب بالمخالفة، والصحيح أن النصب بأن مضمرة بعدها؛ لأن "أو" حرف عطف فلا عمل لها ولكنها عطفت مصدرا مقدرا على مصدر متوهم، ومن ثَمَّ لزم إضمار أَنْ بعدها.
الرابع: قوله: "إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا" أجود من قول الشارح بعد أو بمعنى إلى أو إلا، فإنه يوهم أن "أو" ترادف الحرفين، وليس كذلك، بل هي أو العاطفة التي لأحد الشيئين.
ثم انتقل إلى حتى فقال:
وبعد حتى هكذا إضمارُ أن حَتْمٌ كجُدْ تَسُرَّ ذا حَزَنْ
حتى في الكلام على ثلاثة أضرب: عاطفة، وابتدائية، وجارة.
فالعاطفة: تعطف بعضا على كل، وتقدمت في حروف العطف.
_________________
(١) = اللغة: "رزام" -بكسر الراء وتخفيف الزاي- هو أبو حي من تميم واسمه رزام بن مالك بن عمرو بن تميم. الإعراب: "ولولا" الواو للعطف ولولا حرف امتناع لوجود "رجال" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "من رزام" جار ومجرور صفة لرجال والتقدير: لولا رجال كائنون من رزام "أعزة" صفة أخرى وخبر المبتدأ محذوف أي: كائنون "وآل" عطف عليه "سبيع" مضاف إليه "أو أسوءك" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد أو العاطفة والفاعل ضمير مستتر فيه والكاف مفعول "علقما" منادى مرخم تقديره: يا علقمة، فحذف حرف النداء فصار علقمة ثم رخمه فصار علقم -بفتح الميم- على ما كان ثم أشبع الفتحة ألفا. الشاهد: قوله "أو أسوءك" حيث نصب الفعل بعد أو بتقدير أن. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٥٩/ ٣، والسيوطي في الهمع ١٠/ ٢، وسيبويه ٤٢٩/ ١.
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
والابتدائية: تدخل على جملة مضمونها غاية لشيء قبلها كقوله١:
حتى ماءُ دجلةَ أَشْكَلُ
وليس المعنى أنه يجب أن يكون بعدها المبتدأ والخبر، بل المعنى على الصلاحية، فمتى كان بعدها جملة فعلية مصدرة بماض نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ ٢ أو بمضارع مرفوع تقول: "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" أطلق عليها حرف ابتداء.
والجارة: تدخل على الاسم الصريح بمعنى إلى وتقدمت في حروف الجر، وتدخل على المضارع ويجب حيئنذ إضمار أن بعدها ناصبة؛ لتكون مع الفعل في تأويل مصدر مجرور بحتى ولا يجوز إظهار أن بعدها.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح التسهيل عند ذكر حتى الجارة ومجرورها إما اسم صريح نحو: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ ٣ أو مصدر مؤول من أن وفعل ماض نحو: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أو مضارع نحو: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٤.
ونوزع في الماضي فإن حتى قبله ابتدائية وأن غير مضمرة.
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير بن عطية الخطفي من قصيدة يهجو بها الأخطل، وهو من الطويل. وتمامه: فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة اللغة: "القتلى" جمع قتيل "تمج" ترمي وتقذف "دجلة" -بكسر الدال- نهر العراق "أشكل" ماء أشكل إذا خالطه دم، والأشكل الذي يخالطه حمرة. الإعراب: "فما" الفاء عاطفة وما نافية "زالت" من أخوات كان "القتلى" اسم ما زالت "تمج" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "دماءها" مفعول به والهاء مضاف إليه والجملة في محل نصب خبر ما زال "بدجلة" الباء ظرفية، أي: في دجلة "حتى" حرف ابتداء "ماء" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "دجلة" مضاف إليه "أشكل" خبر المبتدأ. الشاهد: قوله: "حتى" حيث دخلت على الجملة الاسمية؛ لأنها حرف ابتداء. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٦٢/ ٣، وابن الناظم. ٢ من الآية ٩٥ من سورة الأعراف. ٣ من الآية ٣٥ من سورة يوسف. ٤ من الآية ٢١٤ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
الثاني: ذهب الكوفيون إلى أن حتى ناصبة بنفسها وأجازوا إظهار أن بعدها توكيدا كما أجازوا ذلك بعد لام الجحود.
الثالث: إذا انتصب المضارع بعد حتى، فالغالب أن تكون للغاية؛ كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ١ وعلامتها "أن يصلح في موضعها إلى، وقد تكون للتعليل نحو: "جد حتى تسر ذا حزن" وعلامتها"٢ أن يحسن في موضعها كي، وزاد في التسهيل: أنها تكون بمعنى إلا أن، كقوله٣:
ليس العطاءُ من الفضول سماحةً حتى تجودَ وما لديك قليلُ
وهذا معنى غريب، وممن ذكره ابن هشام وحكاه في البسيط عن بعضهم. ولا حجة في البيت لإمكان جعلها فيه بمعنى إلى.
ثم نبه على أن "الفعل بعدها لا يكون إلا مستقبلا حقيقة"٤ أو حكما.
وتِلوَ حتى حالا أو مؤولا به ارفعَنَّ وانصب المستقبلا
مثال الحال قولهم: "سألت عنك حتى لا أحتاج إلى سؤال"، ومثال المؤول بالحال كقراءة نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ من الآية ٩١ من سورة طه. ٢ ب، ج. ٣ قائله: قال العيني: لم ينسب لقائل، وفي الدرر اللوامع قال: للمقنع الكندي، وهو من الكامل. اللغة: "الفضول" المال الزائد "سماحة" الجود والكرم. الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص "العطاء" اسمها مرفوع بالضمة الظاهرة "من الفضول" جار ومجرور في محل رفع صفة للعطاء "سماحة" خبر ليس، والتقدير: ليس العطاء الحاصل من فضول المال سماحة وجودا "حتى" للغاية "تجود" فعل مضارع منصوب بتقدير أن "وما لديك قليل" جملة حالية. الشاهد: قوله: "حتى تجود" فإن حتى فيه بمعنى إلا أن، فحتى هنا بمعنى الاستثناء. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٦٠/ ٣، والسيوطي في الهمع ٩/ ٢. ٤ ب، ج وفي أ "منصوب الفعل لا يكون بعدها إلا مستقبلا حقيقة". ٥ من الآية ٢١٤ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
والمراد بالمؤول بالحال أن يكون الفعل قد وقع فيقدر اتصافه بالدخول فيه فيرفع؛ لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال، وقوله: "وانصب المستقبلا" يعني: حقيقة أو بتأويل. فالمستقبل حقيقة نحو: "لأسيرن حتى أدخل المدينة" والمؤول كقراءة غير نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾ "والمراد"١ به أن يكون الفعل قد وقع فيقدر المخبر به اتصافه بالعزم فينصب؛ لأنه "مستقبل بالنسبة إلى تلك الحال"٢.
تنبيهات:
الأول: إذا كان الفعل حالا أو مؤولا به فحتى ابتدائية وإذا كان مستقبلا أو مؤولا به فهي الجارة وأن مضمرة بعدها كما تقدم.
الثاني: علامة كونه حالا أو مؤولا به صلاحية جعل الفاء في موضع حتى، ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة مسببا عما قبلها.
الثالث: قد فهم مما ذكر أن الرفع يمتنع في نحو: "كان سيري حتى أدخلها" إذا جعلت ناقصة؛ لأنه لو رفع لكانت حتى ابتدائية، فتبقى كان بلا خبر، وفي نحو: "سرت حتى تطلع الشمس" لانتفاء السببية خلافا للكوفيين، وفي نحو: "ما سرت أو أسرت حتى تدخل المدينة" مما يدل على حدث غير واجب؛ لأنه لو رفع لزم أن يكون مستأنفا مقطوعا بوقوعه وما قبلها سبب له، وذلك لا يصح لأن ما قبلها منفي في "ما سرت" ومشكوك في وقوعه في "أسرت" فيلزم وقوع المسبب مع نفي السبب أو الشك فيه، وأجاز الأخفش الرفع في نحو: "ما سرت حتى أدخل المدينة" فقيل: هي مسألة خلاف بينه وبين سيبويه، وقيل: إنما أجازه على أن يكون أصل الكلام واجبا ثم أدخلت أداة النفي على الكلام بأسره، فنفيت أن يكون سير كان عنه دخول.
قال ابن عصفور: وهذا الذي قاله جيد وينبغي ألا يعد هذا خلافا.
الرابع: ذهب أبو الحسن إلى أن حتى إذا كانت بمعنى الفاء فهي عاطفة وتعطف الفعل على الفعل، وذلك إذا دخلت على الماضي أو المستقبل على جهة السبب نحو: "ضربت زيدا حتى بكى" و"لأضربنه حتى يبكي".
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب.
[ ٣ / ١٢٥١ ]
ومذهب الجمهور أنها ابتدائية كما سبق؛ لأنها إنما تعطف المفردات.
وثمرة الخلاف أن الأخفش يجيز الرفع في يبكي على العطف، والجمهور لا يجيزون فيه إلا النصب، ثم انتقل إلى فاء الجواب فقال:
وبَعْدَ فَا جوابِ نَفْي أو طَلَبْ مَحْضَيْنِ أَنْ وسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني: أن "أن" تنصب الفعل مضمرة بعد فاء جواب نفي نحو: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ١ أو طلب وهو أمر أو نهي أو دعاء أو استفهام أو عرض أو تحضيض أو تمن، فالأمر نحو: "اضرب زيدا فيستقيم" والنهي: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ ٢ والدعاء: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ ٣ والاستفهام: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ ٤ والعرض قول بعض العرب: "ألا تقع الماء فتسبح" يريد: في الماء. والتحضيض: "هلا أمرت فتطاع" والتمني: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ ٥.
والتمني يكون بليت كما مثل أو بألا نحو: "ألا رسول لنا منا فيخبرنا"، وبلو كقوله٦: لو نُعان فننهدا.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٦ من سورة فاطر. ٢ من الآية ٦١ من سورة طه. ٣ من الآية ٨٨ من سورة يونس. ٤ من الآية ٥٣ من سورة الأعراف. ٥ من الآية ٧٣ من سورة النساء. ٦ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: سرينا إليهم في جموع كأنها جبال شرورى اللغة "جموع" جمع جمع، وهو الجماعة "شرورى" اسم جبل لبني سليم "نعان" -على صيغة المبني للمجهول- من العون "فننهدا" من نهد إلى العدو ينهد -بالفتح فيهما- أي: نهض، ومنه المناهد في الحرب، وهي المناهضة. الإعراب: "سرينا" فعل وفاعل "إليهم" جار ومجرور متعلق بسرينا "في جموع" جار ومجرور في محل نصب على الحال، والتقدير: سرينا إلى هؤلاء القوم ونحن في جماعة "كأنها" كأن واسمها "جبال" خبر كأن مرفوع بالضمة الظاهرة "شرورى" مضاف إليه "لو نعان" نعان فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير "فننهدا" مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء وفاعله ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله: "لو نعان" فإن "لو" هنا للتمني، ونصب الفعل بعدها بإضمار "أن" وهو فننهدا؛ أي: فأن ننهدا.
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
ومنع المصنف كون لو للتمني وقال: التقدير: وددنا لو نعان، فهو جواب تمن إنشائي كجواب ليت.
وقد فهم من كلامه أنه لا يجوز النصب بعد شيء من ذلك إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الفاء مقصودا بها "الجواب"١ لإضافتها إلى الجواب احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: "ما تأتينا فتحدثنا" بمعنى: ما تأتينا فما تحدثنا؛ فيكون الفعلان مقصودا نفيهما، وبمعنى: ما تأتينا فأنت تحدثنا، على إضمار مبتدأ، فيكون المقصود نفي الإتيان وإثبات الحديث، وإذا قصد بها معنى الجزاء والسببية لم يكن الفعل بعدها إلا منصوبا على معنى: ما تأتينا محدثا، فيكون المقصود نفي اجتماعهما أو على معنى: ما تأتينا فكيف تحدثنا، فيكون المقصود نفي الثاني لانتفاء الأول.
الثاني: أن يكون النفي والطلب محضين، واحترز بذلك "عن"٢ النفي الذي ليس بمحض نحو: "ما أنت تأتينا إلا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا". ومن الطلب الذي ليس بمحض، والمراد بالطلب المحض أن يكون بفعل أصل في ذلك، فاحترز من أن يكون بمصدر نحو: "سقيا" أو باسم فعل نحو: "صه" أو بلفظ الخبر نحو: "رحم الله زيدا" فلا يكون لشيء من ذلك جواب منصوب، وسيأتي الخلاف في بعض ذلك.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح الكافية: النفي الذي لا جواب له منصوب لكونه ليس نفيا خالصا بأربعة أمثلة: "ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا" و"ما تزال تأتينا فتحدثنا" و"ما قام فيأكل إلا طعامه" وقول الشاعر٣:
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "الجزاء". ٢ ب، ج وفي أ "من". ٣ قائله: هو الفرزدق، وهو من الطويل. =
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
وما قام مِنَّا قائمٌ في ندينا فينطِقُ إلا بالتي هيَ أعرفُ
وتبعه الشارح في التمثيل بها، فأما الأولان فالتمثيل بهما صحيح، وأما الآخران فالنصب فيهما جائز، فإن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب. نص على ذلك سيبويه، وعلى النصب أنشد:
فينطِقَ إلا بالتي هي أعرفُ
الثاني: ذهب بعض الكوفيين إلى أن ما بعد الفاء منصوب بالمخالفة، وبعضهم إلى أن الفاء هي الناصبة كما تقدم في أو، والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفاء عاطفة فلا عمل لها؛ لأنها في ذلك عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم، والتقدير في نحو: "ما تأتينا فتحدثنا" ما يكون منك إتيان فحديث، وكذلك يقدر في جميع المواضع.
الثالث: شرط في التسهيل في نصب جواب الاستفهام ألا يتضمن وقوع الفعل احترازا من نحو: "لِمَ ضربتَ زيدا فيجازيك؟ " لأن الضرب قد وقع فلم يمكن سبك مصدر مستقبل منه، وهو مذهب أبي علي، ولم يشترط ذلك المغاربة، وحكى ابن كيسان "أين ذهب زيد فتتبعَه؟ " بالنصب، والفعل في ذلك محقق
_________________
(١) = اللغة: "ندينا" -بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء- على وزن غني: مجلس القوم ومكان حديثهم "إلا بالتي هي أعرف" أي: بالأشياء التي هي معروفة. المعنى: إذا نطق منا ناطق في مجلس جماعة عرف صواب قوله فلم ترد مقالته. الإعراب: "وما قام" الواو عاطفة وما نافية "قام" فعل ماض "منا" جار ومجرور في محل رفع صفة لقائم "قائم" فاعل لقام، والتقدير: وما قام قائم كائن منا، والأحسن أن يكون "منا" في محل نصب على الحال "في ندينا" جار ومجرور متعلق بمحذوف؛ أي: كائن في ندينا أو كائنا على الحال "فينطق" -بالرفع- عطفا على قوله "قام" وإنما لم ينصب؛ لأن النفي ليس بخالص "إلا" أداة استثناء من النفي فيكون إثباتا "بالتي" اسم موصول صفة لمحذوف؛ أي: بالأشياء التي "هي" ضمير منفصل مبتدأ "أعرف" خبر المبتدأ والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. الشاهد: قوله: "فينطق" حيث رفعه الشاعر؛ لأن من شرط النصب بعد النفي أن يكون النفي خالصا، وهاهنا ليس كذلك. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٦٤/ ٣، وابن الناظم، وسيبويه ٤٢٠/ ١، والشاهد ٦٦٦ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
الوقوع، فإذا لم يمكن سبك مصدر من الجملة سبكناه من لازمها، والتقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا.
ثم انتقل إلى الواو فقال:
والواوُ كالفَا إن تُفِدْ مفهومَ مَعْ كَلا تكُنْ جَلْدًا وتُظْهِرَ الجزَعْ
يعني: أن الواو تضمر أن بعدها وجوبا بعد النفي والطلب بشرطهما، كما أضمرت بعد الفاء بشرط أن تفيد المعية، كقوله: "لا تكن جلدا وتظهر الجزع" أي: لا تجمع بين الأمرين، وهي يومئذ عاطفة لمصدر مقدر على مصدر متوهم كما تقدم في الفاء وأو.
واحترز من أن يقصد التشريك بين الفعلين فتكون عاطفة فعلا على فعل نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بالجزم أو بقصد الاستئناف نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" -بالرفع- وأمثلة النصب بعد الواو معلومة من أمثلة الفاء، فلا نطول بذكرها.
قال الشيخ أبو حيان: ولا أحفظ النصب جاء بعد الواو في الدعاء ولا العرض ولا التحضيض ولا الرجاء، ولا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع.
تنبيهات:
الأول: الخلاف في الواو كالخلاف في الفاء، وقد تقدم.
الثاني: قد علم أن النصب بعد الواو ليس على معنى النصب بعد الفاء، وقولهم: تقع الواو في جواب كذا وكذا تجوز ظاهر، وزعم بعضهم أن النصب بعد الواو، وهو على معنى الجواب، وليس بصحيح.
وبعدَ غيرِ النفي جَزْمًا اعْتَمِدْ إنْ تسقُطِ الفا والجزاءُ قد قُصِدْ
انفردت الفاء بأن الفعل بعدها سنجزم عند سقوطها بشرط أن يقصد الجزاء نحو١:
_________________
(١) ١ قائله: هو امرؤ القيس، وهو من الطويل. وعجزه: بسِقْطِ اللوى بين الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ =
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
قِفَا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وذلك إنما يكون بعد الطلب، والأمثلة ظاهرة.
وأما النفي فليس له جواب مجزوم، فإنه يقتضي تحقيق عدم الوقوع كما يقتضي الإيجاب تحقق الوقوع، فلا يجوز بعده كما في الإيجاب؛ ولذلك قال: وبعد غير النفي جزما.
واحترز من ألا يقصد الجزاء، فإنه لا يجزم بل يرفع، إما مقصودا به الوصف نحو: "ليت لي مالا أنفق منه" أو الحال أو الاستئناف "ويحتملها"١ قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ ٢.
تنبيه:
إذا جزم الفعل بعد سقوط الفاء، ففي جازمه أقوال:
الأول: أن لفظ الطلب ضمن معنى حرف الشرط فجزم، وإليه ذهب ابن خروف، واختاره المصنف ونسبه إليه الخليل وسيبويه.
والثاني: أن الأمر والنهي وباقيها نابت عن الشرط؛ أي: حذفت جملة الشرط وأنيبت هذه في العمل منابها فجزمت، وهو مذهب السيرافي والفارسي وابن عصفور.
_________________
(١) = اللغة: "بسقط اللوى" -بكسر السين وسكون القاف- منقطع الرمل، واللوى -بكسر اللام- حيث يلتوي الرمل ويرق. وإنما خص منقطع الرمل وملتواه؛ لأنهم كانوا لا ينزلون إلا في صلابة من الأرض؛ ليكون ذلك أثبت لأوتاد الأبنية "والدخول والحومل" بلدان. المعنى: يأمر صاحبيه أن يقفا معه ليعاوناه على البكاء عند منازل أحبابه التي كان يلقاهم فيها وليجدد الذكريات القديمة. الإعراب: "قفا" فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعل "نبك" فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبكي "حبيب" مضاف إليه "ومنزل" عطف على حبيب "بسقط" جار ومجرور متعلق بقفا "اللوى" مضاف إليه "بين" ظرف مكان "الدخول" مضاف إليه "فحومل" عطف على الدخول. الشاهد: قوله: "نبكِ" فإنه جواب الأمر فلذلك جزم وهو غير مقترن بالفاء. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٦٧/ ٣، وابن هشام في القطر ص٧٨. ١ ب، ج وفي أ "ويحتملها". ٢ من الآية ٧٧ من سورة طه.
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
والثالث: أن الجزم بشرط مقدر دل عليه الطلب، وإليه ذهب أكثر المتأخرين.
والرابع: أن الجزم بلام مقدرة، فإذا قال: "ألا تنزل تُصِبْ خيرا".
"فمعناه: لتصب خيرا"، وهو ضعيف، ولا يطرد إلا بتجوز وتكلف.
والمختار القول الثالث، لا ما اختاره المصنف لأربعة أوجه:
أحدها: أن ما ذهب إليه يستلزم أن يكون العامل جملة، وذلك لا يوجد في موضع.
والثاني: أن الإضمار أسهل من التضمين؛ لأن التضمين زيادة بتغيير الوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير، فهو أسهل.
والثالث: أن التضمين لا يكون إلا لفائدة، ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام.
والرابع: أن الشرط لا بد له من فعل، ولا يجوز أن يكون هو الطلب بنفسه ولا مضمنا له "مع معنى"١ حرف الشرط؛ لما في ذلك من التعسف، ولا مقدرا بعده لقبح إظهار بدون حرف الشرط، بخلاف إظهاره معه.
وشَرْطُ جَزمٍ بعد نهي أَنْ تَضَعْ إِنْ قَبْلَ لا دونَ تَخالُفٍ يَقَعْ
يعني: أن شرط جزم الجواب بعد النهي أن يصح إقامة شرط منفي مقامه، وعلامة ذلك أن يصح المعنى بتقدير إن قبل لا النافية نحو: "لا تدنُ من الأسد تسلم" "فهذا يصح جزمه لأن المعنى: إن لا تدن من الأسد تسلم"٢ بخلاف "لا تدن من الأسد يأكلك" فإن هذا لا يصح جزمه لعدم صحة المعنى بتقدير إن لا تدن، هذا مذهب الجمهور، وأجاز الكسائي جزم جواب النهي مطلقا، ولا يشترط تقدير إن قبل لا، بل يقدر: إن تدن من الأسد يأكلك.
وذكر في شرح الكافية أن غير الكسائي لا يجيز ذلك.
قلت: وقد نسب "ذلك"٣ إلى الكوفيين.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، ج. ٣ ب، ج.
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
واستدل الكسائي بالقياس على النصب؛ لأن المنصوب بعد الفاء جاء فيه ذلك كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ١ وبالسماع قول النبي ﷺ: "فلا يقربنَّ مسجدنا يُؤذِنا بريح الثوم"، وقوله ﵊: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقول أبي طلحة لرسول الله ﷺ: "لا تشرفْ يُصبْك سهمٌ".
وأجيب بأن القياس على المنصوب لا يحسن؛ لأن النصب بعد الفاء يكون في النفي ولا جزم فيه.
وأما السماع فمحمول على إبدال الفعل من الفعل مع أن الرواية المشهورة "يؤذينا" و"يضرب" -بالرفع- ويحتمل أن يكون يضرب بعضكم على الإدغام نحو: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ ٢.
تنبيه:
شرط الجزم بعد الأمر بتقدير إن تفعل، كما أن شرطه بعد النهي بتقدير إن لا تفعل فيمتنع الجزم في نحو: "أحْسِن إليّ لا أحسن إليك" فإنه لا يجوز: "إِنْ تُحسنْ إليّ لا أحسن إليك" لكونه غير مناسب، وكلام التسهيل يوهم إجراء خلاف الكسائي فيه.
والأمرُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ افْعَلْ فَلا تَنْصِبْ جَوَابَهُ وجَزْمَهُ اقْبَلا
إذا دل على الأمر بخبر بفعل ماض أو مضارع أو باسم فعل أو باسم غيره جاز جزم الجواب اتفاقا، كقولهم: "اتقي الله امرؤٌ فَعَلَ خيرا يُثَبْ عليه"، وقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ٣، وقول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ سورة طه ٦١. ٢ من الآية ٢٨ من سورة الحديد، وسورة نوح ١٢. ٣ من الآية ١١، ١٢ سورة الصف. ٤ قائله: هو عمرو ابن الإطنابة الخزرجي -والإطنابة اسم أمه، واسم أبيه: زيد بن مناة- وهو من الوافر. وصدره: وقَوْلي كُلما جَشَأتْ وجَاشَتْ اللغة: "جشأت" ثارت ونهضت من فزع أو حزن، والضمير للنفس "جاشت" فزعت وغلت من حمل الأثقال كما تغلي القدر "تحمدي" يحمدك الناس. =
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
مكانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتريحي
وقولهم: "حسبُك ينم الناس"؛ لأن المعنى: ليتق وآمنوا واثبتي واكفف.
وأجاز الكسائي النصب نحو: "صه فأحدثك" و"حسبك فينام الناس".
ومذهب الجمهور منع ذلك؛ لأن النصب إنما هو بإضمار "أن" والفاء عاطفة على مصدر متوهم، وحسبك وصه ونحوها لا تدل على المصدر؛ لأنها غير مشتقة؛ ولذلك قال: فلا تنصب جوابه.
تنبيهات:
الأول: ذكر في شرح الكافية: أن الكسائي انفرد بجواز النصب بعد الفاء المجاب بها اسم أمر نحو: "صه" أو خبر
بمعنى الأمر نحو: "حسبك".
قلت: وافقه ابن عصفور في جواز نصب جواب نزال ونحوه من اسم الفعل المشتق، وحكاه ابن هشام عن ابن جني، والذي انفرد به الكسائي ما سوى ذلك.
الثاني: أجاز الكسائي "أيضا"١ نصب جواب الدعاء المدلول عليه بالخبر نحو: "غفر الله لزيد فيُدخلَه الجنةَ".
_________________
(١) = المعنى: إن همتي وشجاعتي جعلتني أقول لنفسي: كلما فزعت وضجرت من مشقات الحرب اثبتي تحمدي بالصبر والشجاعة، أو تستريحي عن عناء الدنيا بالقتل في موطن الشرف والفخار. الإعراب: "وقولي" الواو عاطفة وقولي مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه "كلما" ظرف زمان متعلق بقولي منصوب و"ما" حرف مصدري "جشأت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "وجاشت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه "مكانك" اسم فعل أمر بمعنى اثبتي والفاعل أنت والكاف حرف خطاب، أو اسم مضاف إليه باعتبار ما قبل النقل، والجملة مقول القول خبر المبتدأ "تحمدي" فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب وعلامة جزمه حذف النون وياء المخاطبة فاعل "أو تستريحي" أو حرف عطف تستريحي فعل مضارع معطوف على تحمدي مجزوم بحذف النون والياء فاعل. الشاهد: قوله "تحمدي" حيث جزم النون لوقوعه في جواب الأمر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٦٩/ ٣، وابن هشام ٣٨٤/ ٣، والمكودي ص١٤٦، وذكره ابن هشام في الشذور ص٣٦٠، والقطر ص٢٦٣. ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
الثالث: "حسبك" في قولك: "حسبك ينم الناس" مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر، والجملة متضمنة معنى اكفف، وزعمت جماعة -منهم ابن طاهر- أنه مبتدأ بلا خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه، وقال بعضهم: لو قيل: إنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، وضم لأنه كان معربا فحمل في البناء على قبل وبعد، لم يبعد.
والفعلُ بعد الفاء في الرَّجَا نُصِبْ كنَصْبِ ما إلى التمني يَنْتَسِبْ
قال في شرح الكافية: ألحق الفراء الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا، وبقوله أقول: لثبوت ذلك سماعا، ومنه قراءة حفص عن عاصم: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ ١ انتهى، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ٢.
ومذهب البصريين أن الرجاء ليس له جواب منصوب، وتأولوا ذلك بما فيه بُعد.
وقول أبي موسى: وقد أشْرَبَها معنى ليت مَن قرأ: "فأطلعَ" نصبا يقتضي تفصيلا٣.
فإن قلت: فهل يجوز جزم جواب الترجي إذا أسقطت الفاء عند مَن أجاز نصبه؟
قلت: نعم، وفي الارتشاف، وسمع الجزم بعد الترجي فدل على صحة مذهب الكوفيين.
وإِنْ على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عُطِفْ
تَنْصِبُهُ أن ثابتًا أو مُنْحَذِفْ
قد تقدم أن "أن" تضمر جوازا في موضعين:
_________________
(١) ١ من الآية ٣٦، ٣٧ من سورة غافر، فأطلع -بالنصب- في جواب قوله تعالى: ﴿أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ . ٢ من الآية ٣، ٤ من سورة عبس. ٣ يريد بالتفصيل أن الرجاء إذا أشرب معنى التمني نصب الفعل التالي للفاء في جوابه، وإن لم يشرب معنى التمني لم ينصب.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
أحدهما: بعد لام كي إذا لم يكن معها "لا" وقد سبق بيانه.
والآخر: بعد العاطف على اسم خالص، وهو المذكور في البيت، والعاطف المذكور هو: "الواو" و"الفاء" و"ثم" و"أو".
فالواو كقوله١:
لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
والفاء كقوله٢:
_________________
(١) ١ قائلته: هي ميسون بنت بحدل زوج معاوية بن أبي سفيان، وهو من الوافر. وعجزه: أحب إليَّ من لبس الشفوف اللغة: "عباءة" -بفتح العين- جبة من الصوف "تقر عيني" كناية عن سكون النفس وعدم طموحها إلى ما ليس في يدها "الشفوف" جمع شف -بكسر الشين وفتحها- وهو ثوب رقيق يستشف ما وراءه. المعنى: ولبس كساء غليظ من صوف مع سروري وفرحي أحب إلى نفسي من لبس الثياب الرفيعة القيمة مع استيلاء الهموم عليَّ. الإعراب: "ولبس" مبتدأ "عباءة" مضاف إليه "وتقر" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد الواو العاطفة على اسم خالص من التقدير بالفعل "عيني" فاعل تقر وياء المتكلم مضاف إليه "أحب" خبر المبتدأ "إلي" جار ومجرور متعلق بأحب "من لبس" جار ومجرور متعلق بأحب أيضا "الشفوف" مضاف إلى لبس. الشاهد: قولها: "وتقر" حيث نصب الفعل المضارع بأن مضمرة جوازا بعد واو العطف التي تقدمها اسم خالص من التقدير بالفعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٧٥١/ ٣، وابن عقيل ٦٦/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١١٦، والمكودي ص١٤٧، وابن هشام ٣٨٧/ ٣،وفي الشذور ص٣٢٨، والقطر ص٦١، والمغني ٣٤/ ٢، وفي شرح المفصل ٢٤/ ٣، والشاهد ٦٥٨ في الخزانة. ٢ قائله: لم ينسب لقائل، وهو من البسيط. وعجزه: ما كنتُ أوثر إترابا على تَرَب اللغة: "توقع" انتظار "المعتر" -بتشديد الراء- الفقير "إترابا" الإتراب وهو الغنى وكثرة المال، وهي مصدر أترب الرجل إذا استغنى "ترب" الفقر والعوز، وأصله لصوق اليد بالتراب. المعنى: يقول: لولا أنني أرتقب أن يتعرض لي ذو حاجة فأقضيها له ما كنت أفضل الغنى عن الفقر. الإعراب: "لولا" حرف امتناع لوجود "توقع" مبتدأ وخبره محذوف وجوبا "معتر" مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله "فأرضيه" الفاء عاطفة أرضيه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد الفاء العاطفة وفاعله ضمير مستتر والهاء مفعوله "ما" نافية "كنت" =
[ ٣ / ١٢٦١ ]
لولا توقُّعُ مُعترٍّ فأرضِيَهُ
وأو كقراءة غير نافع: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ ١.
وثم كقوله٢:
إني وقَتْلِي سُلَيْكًا ثم أَعْقِلَهُ
ونص بعضهم أن ذلك لا يجوز في غير هذه الأحرف.
_________________
(١) = فعل ماض ناقص واسمه "أوثر" فعل مضارع وفاعله ضمير والجملة في محل نصب خبر كان وجملة كان واسمه وخبره جواب لولا "إترابا" مفعول لأوثر "على ترب" متعلق بأوثر. الشاهد: قوله: "فأرضيه" حيث نصب الفعل بأن مضمرة جوازا بعد الفاء التي تقدم عليها اسم صريح وهو توقع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧١/ ٣، وابن عقيل ٢٦٧/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١١٦، والمكودي ص١٤٧، وابن هشام ٣٨٨/ ٣، وفي الشذور ص٣٢٩. ١ من الآية ٥١ من سورة الشورى، بالنصب عطفا على "وحيا". ٢ قائله: هو أنس بن مدركة الخثعمي، وهو من البسيط. وعجزه: كالثور يُضرَبُ لما عافَتِ البقرُ اللغة: "سليكا" -بضم السين- اسم رجل، وسبب هذا أن سليكا مر في بعض غزواته ببيت من خثعم وأهله خلوف فرأى فيهن امرأة بضة شابة فنال منها، فعلم أنس بذلك فأدركه فقتله، وأنشد هذا البيت "أعقله" من عقلت القتيل - أعطيت الدية "عافت البقر" كرهت وامتنعت. المعنى: يشبه نفسه إذ قتل سليكا ثم وداه بالثور يضربه الراعي لتشرب الإناث من البقر، والجامع بينهما تلبس كل منهما بالأذى؛ لينتفع سواه. الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب وياء المتكلم اسمه "وقتلى" عاطفة على اسم إن وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله "سليكا" مفعول قتل "ثم" عاطفة "أعقله" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد ثم، وفاعله مستتر فيه والهاء مفعول "كالثور" متعلق بمحذوف خبر إن "يضرب" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على الثور، والجملة في محل نصب حال من الثور "لما" حرف ربط "عافت" فعل ماض والتاء للتأنيث "البقرة" فاعل عاف. الشاهد: قوله: "أعقله" حيث نصب بعد ثم العاطفة بأن مضمرة جوازا، وقد عطفت فعلا على اسم صريح في الاسمية وهو "قتلى". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧١/ ٣، وابن عقيل ٢٦٦/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص١٤٧، والسيوطي ص١١٦، وابن هشام ٣٨٩/ ٣، وفي الشذور ص٣٣٠.
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
تنبيهات:
الأول: إنما قال على اسم ولم يقل على مصدر، كما قال بعضهم: ليشمل غير المصدر، فإن ذلك لا يختص به، فتقول: "لولا زيدٌ ويُحْسِنَ إليَّ لهلكتُ".
الثاني: المراد بالخالص ما ليس مؤولا بالفعل، واحترز من نحو: "الطائرُ فيغضبُ زيد الذباب" فإنه معطوف على اسم، ولا ينصب لأن الطائر بمعنى الذي يطير، ويخرج أيضا بذكر الخالص العطف على مصدر متوهم، فإنه يجب "فيه"١ إضمار أن كما تقدم.
الثالث: تجوز في قوله: "فعل عطف" فإن المعطوف في الحقيقة إنما هو المصدر.
الرابع: أشار بقوله: "ثابتا أو منحذف" إلى جواز إظهار أن وإضمارها بعد العاطف المذكور.
الخامس: أطلق في العاطف ولم يسمع في غير الأحرف الأربعة "المذكورة"٢ كما تقدم.
وشذَّ حذفُ أن ونَصْبٌ في سوَى ما مرَّ فاقبلْ منه ما عَدْلٌ رَوَى
يعني: أن حذف "أن" مع النصب في غير المواضع المنصوبة المذكورة شاذ لا يقبل منه إلا ما نقله العدول، كقول العرب: "خذ اللص قبل يأخذك" و"مُرْهُ يحفرَها" وقرأ الحسن: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدَ"٣، ومنه قول الشاعر٤:
ونَهْنَهْتُ نفسي بعدما كِدْت أفْعَلَه
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ أ، ج. ٣ من الآية ٦١ من سورة الزمر. ٤ قائله: هو عامر بن جوين الطائي، وهو من الطويل. وصدره: فلم أرَ مثلها خُبَاسَةَ واجد اللغة: "خباسة" بضم الخاء وتخفيف الباء -المغنم، قاله الجوهري "نهنهت نفسي" زجرتها وكففتها. المعنى: قال الأعلم: وصف ظلامة هم بها ثم صرف نفسه عنها. اهـ. الإعراب: "فلم" حرف نفي "أرَ" فعل مجزوم بحذف حرف العلة فإن كانت الرؤية علمية كانت "مثلها" في موضع المفعول الثاني، وإن كانت بصرية جاز لك وجهان؛ أحدهما: =
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "فاقبل منه ما عدل روى" أنه مقصور على السماع، ولا يقاس عليه، ونص على ذلك في غير هذا الموضع، وقال في التسهيل: وفي القياس عليه خلاف. انتهى.
والجواز مذهب الكوفيين ومَن وافقهم، والصحيح قصره على السماع؛ لقلته.
الثاني: قد يفهم من قوله: "وشذ حذف أن ونصب" أن حذفها ورفع الفعل ليس بشاذ، وهو ظاهر كلامه في شرح التسهيل، فإن جعل منه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ١ قال: ويريكم صلة لأن حذفت وبقي يريكم مرفوعا، وهذا هو القياس؛ لأن الحرف عامل ضعيف، فإذا حذف بَطَلَ عمله. انتهى.
وهذا مذهب أبي الحسن، أجاز "أن" ورفع الفعل دون نصبه، وجعل منه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾، وذهب قوم إلى أن حذف "أن" مقصور على السماع مطلقا، فلا ينصب ولا يرفع بعد الحذف إلا ما سمع، وإليه ذهب متأخرو المغاربة، قيل: وهو الصحيح.
والثالث: ما ذكره من أن حذف "أن" والنصب في غير ما مر شاذ، ليس على إطلاقه؛ بل هو مقيد بالنصب بعد الفاء والواو وبعد الشرط والجزاء، وسيأتي٢.
_________________
(١) = أن يكون مفعولا، وقوله: "خباسة واجد" بدل من مثلها ومضاف إليه. والآخر: أن يكون مثلها صفة خباسة ولكن لما تقدم عليها انتصب على الحال "نهنهت" فعل وفاعل "نفسي" مفعول به والياء مضاف إليه "بعد" منصوب على الظرفية "ما" مصدرية "كدت" كاد واسمها "أفعله" جملة في محل نصب خبر كاد. الشاهد: قوله: "أفعله" حيث حذفت "أن" وبقي عملها وهو نصب أفعله؛ لأن أصله أن أفعله. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧٢/ ٣، وابن الناظم، والمكودي ص١٤٧، والهمع ٣٣/ ١، وسيبويه ١٥٥/ ١، والإنصاف ٣٢٨/ ٢. ١ من الآية ٢٤ من سورة الروم. ٢ وفي هامش المخطوطة نسخة أقوله: "بل هو مقيد بالنصب إلخ "كذا"" في عدة نسخ، ولعل صواب العبارة بغير النصب كما يعلم بالتأمل، شيخنا. اهـ.
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
عوامل الجزم:
هي ضربان: أحدهما: يطلب فعلا واحدا، والآخر: يطلب فعلين.
فالأول أربعة أحرف ذكرها في قوله:
بلا ولامٍ طالبا جَزْما في الفعل هكذا بلَمْ ولَمَّا
أما "لا" فتكون للنهي نحو: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ١ وللدعاء نحو: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا﴾ ٢.
وأما "اللام" فتكون للأمر نحو: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ ٣ والدعاء نحو: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٤.
ولذلك قال "طالبا" فشمل الأمر والنهي والدعاء، واحترز به من "لا" غير الطلبية وهي النافية والزائدة، ومن لام غير طلبية كاللام التي ينتصب المضارع بعدها.
فأما "لا" فقال الشارح: تصحب فعل المخاطب والغائب كثيرا، وقد تصحب فعل المتكلم، فسوى بين المخاطب والغائب في الكثرة، ولم يفصل في المتكلم بين فعل الدعاء "وفعل"٥ المفعول، وهو موافق لظاهر الكافية والتسهيل، وفصل بعضهم فقال: إذا بنى الفعل للمفعول جاز دخول "لا" عليه سواء كان لمتكلم أو لمخاطب أو لغائب، وإذا بنى للفاعل فالأكثر أن يكون للمخاطب ويضعف للمتكلم نحو٦:
لا أعْرِفَن رَبْرَبا حُورا مَدَامِعُها
_________________
(١) ١ من الآية ٤٠ من سورة التوبة. ٢ من الآية ٢٨٦ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٧ من سورة الطلاق. ٤ من الآية ٧٧ من سورة الزخرف. ٥ أ، ب. ٦ قائله: هو النابغة الذبياني، يخوف بني فزارة من النعمان بن الحارث الغساني، ويحذرهم بأسه، وكانوا قد نزلوا أرضا يحميها، وهو من البسيط. وعجزه: مُردِفَات على أعقَابِ أكْوَارِ=
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
والغالب نحو: "لا يخرج زيد".
وأما "اللام" فتدخل على فعل المفعول مطلقا نحو: "لأعن بحاجتك ولتعن بحاجتي وليعن زيد بالأمر".
وتدخل على فعل الفاعل مسندا إلى الغالب نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ﴾ ١ وإلى المتكلم مشاركا نحو: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٢ أو مفردا كقوله في الحديث: "قوموا فلأصَلِّ لكم" وذكر الشارح: أن دخولها على مضارع الغائب والمتكلم كثير، وذكر في الكافية: أن دخولها على مضارع المتكلم قليل، لكن أكثر من دخول "لا".
وأما مضارع المخاطب المبني للفاعل فدخولها عليه قليل استغناء بصيغة أفعل، قالوا: وهي لغة رديئة.
وقال الزجاجي: هي لغة جيدة، ومن دخولها قراءة عثمان وأبي وأنس: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"٣.
_________________
(١) = المعنى: لا يكن نساء جميلات تشبه الغزلان أو بقر الوحش في الرشاقة وخفة الحركة وحور العين فأعرفها، قد ركبن خلف الراكبين على مؤخَّر الرحل، فأقيم المسبب مقام السبب، وكان عادة العرب أن يجعلوا النساء المسببات مردفات خلف من استباهن. اللغة: "ربربا" اسم للقطيع من بقر الوحش أو الظباء "حورا" جمع حوراء من الحور وهو شدة سواد العين مع شدة بياضها "مدامعها" جمع مدمع -اسم مكان- والمراد العيون؛ لأنها أماكن الدمع "مردفات" مركبات خلف الراكبين "أكوار" -جمع كور- وهو الرحل بأداته "أعقاب" -جمع عقب- وهو المؤخر من كل شيء. الإعراب: "لا" ناهية "أعرفن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل ضمير مستتر، ويجوز جعل "لا" النافية "ربربا" مفعول أعرفن "حورا" صفة لها "مدامعها" مرفوع بحورا ومضاف إليه "مردفات" حال من "ربربا" أو صفة ثانية "على أعقاب" جار ومجرور متعلق بمردفات "أكوار" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "لا أعرفن" فإن لا ناهية والمضارع المجزوم بها محلا للمتكلم، وهو مبني للمعلوم، وذلك شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧٣/ ٣، وابن هشام ٣٩١/ ٣، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١٩٩/ ١. ١ من الآية ٧ من سورة الطلاق. ٢ من الآية ١٢ من سورة العنكبوت. ٣ من الآية ٥٨ من سورة يونس.
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
وقوله في الحديث: "لتأخذوا مصَافكُمْ".
تنبيهات:
الأول: زعم بعصهم أن أصل "لا" الطلبية لام الأمر زيدت عليها ألف فانفتحت، وزعم السهيلي: أنها لا النافية، والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها، وحذفت كراهة اجتماع لامين في اللفظ وهما زعمان ضعيفان.
الثاني: لا يفصل بين "لا" ومجزومها "بمعموله"١ إلا في ضرورة كقوله٢:
ولا ذا حَقَّ قومِكَ تَظْلِمِ
أراد: ولا تظلم ذا حق قومك.
قال في شرح الكافية: وهذا رديء؛ لأنه شبيه بالفصل بين الجار والمجرور. انتهى.
قال في التسهيل: وقد يليها معمول مجزومها "ولم ينبه على اختصاصه بالضرورة، وقد أجازه بعضهم في قليل من الكلام نحو: "لا اليومَ تضرِب زيدًا"".
الثالث: في كلام ابن عصفور والأبدي ما يدل على جواز حذف "مجزومها"٣ إذا دل عليه دليل "قالا"٤ كقولك: "اضرب زيدا إن أساء" وإلا فلا، أي: فلا تضربه.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "بمعمولها". ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: وقالوا أخانا لا تخشع لظالم عزيز الإعراب: "قالوا" فعل وفاعل "أخانا" منادى بحرف نداء محذوف ومضاف إليه "لا تخشع" جملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول "لظالم" جاز ومجرور متعلق بالفعل "عزيز" صفة لظالم "لا" ناهية "تظلم" مجزوم بلا "حق قومك" حق مفعول به لتظلم تقدم عليه وقوم مضاف إليه "ذا" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف، وأصل الكلام: ولا تظلم حق قومك يا هذا، وقال العيني: ذا حق قومك مفعولان لتظلم. الشاهد: قوله: "ولا ذا حق قومك تظلم" حيث فصل بين لا ومجزومها. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٧٤/ ٣، وذكره السيوطي في همع الهوامع ٥٦/ ٢. ٣ أ. ٤ أوفي ب "بالا" وفي ج "فلا".
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
قال في الارتشاف: ويحتاج إلى سماع.
الرابع: حركة لام الطلب الكسرة، قال في التسهيل: وفتحها لغة.
قلت: فتحها حكاه الفراء عن بني سليم، فحكي عنه مطلقا كما في التسهيل، وعنه تفتح لفتحة الياء بعدها، فظاهر هذا أنها لا تفتح إذا انضم ما بعدها نحو: "ليكرم" أو انكسر نحو: "لتأذن"، وعنه أيضا ما نص عليه في سورة النساء، وهو قوله: وبنو سليم يفتحونها إذا استؤنفت، يريد: أنهم لا يفتحونها إلا إذا لم يكن قبلها واو أو فاء أو ثم.
الخامس: يجوز تسكين لام الطلب بعد الواو والفاء وثم، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها، وليس بضعيف بعد ثم، ولا ضرورة، خلافا لمن زعم ذلك.
ومذهب الأكثرين أن تسكينها حمل على عين فَعِل، ورده المصنف بأن ذلك إجراء منفصل مجرى متصل، ومثله لا يكاد يوجد مع قلته إلا في الاضطرار، وهو عند رجوع إلى الأصل؛ لأن لهذا اللام الأصالة في السكون من وجهين؛ أحدهما: مشترك، وهو كون السكون مقدما على الحركة. والثاني: مختص، وهو أن يكون لفظها مشاكلا لعملها كما فعل بباء الجر.
السادس: مذهب الجمهور أن لام الأمر لا تحذف إلا في الشعر، ومنع المبرد حذفها في الشعر أيضا وإن كان النحويون أنشدوا١:
مُحمدُ تَفْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ
_________________
(١) ١ قائله: هو من شواهد سيبويه ولم ينسبه ولكن منهم من نسبه إلى أبي طالب، ومن الناس من ينسبه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو من الوافر. وعجزه: إذا ما خِفْتَ من شيء تَبَالا اللغة: "التبال" سوء العاقبة أو الهلاك، وهو بفتح التاء. الإعراب: "محمد" منادى بحرف نداء محذوف يا محمد "تفد" فعل مضارع مجزوم بلام دعاء محذوفة وعلامة جزمه حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها "نفسك" مفعول به وضمير المخاطب مضاف إليه "كل" فاعل تفد "نفس" مضاف إليه "إذا" ظرفية تضمنت معنى الشرط "ما" زائدة "خفت" فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها "من أمر" جار ومجرور متعلق بخاف "تبالا" مفعول به لخاف، وجواب إذا محذوف يدل عليه سابق الكلام. الشاهد: قوله: "تفد" فعل مضارع لم يتقدمه ناصب لا جازم، ولكن جاء على صورة المجزوم، فقدره العلماء مجزوما بلام أمر محذوفة وأصله لتفد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٥٥/ ٢، وابن هشام في الشذور ص٢٢٢، وسيبويه ٤٠٨/ ١، والشاهد ٦٨٠ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
فإنه لا يعرف قائله، ويحتمل أن يكون خبرا وحذفت الياء استغناء بالكسرة، وأجاز الكسائي حذفها بعد الأمر بالقول كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ١. وذكر في شرح الكافية: أن حذف لام الأمر وإبقاء عملها على ثلاثة أضرب:
كثير مطرد، وهو حذفها بعد أمر بقول كالآية.
وقليل جائز في الاختيار، وهو حذفها بعد قول غير أمر، كقوله٢:
قلتُ لبوَّابٍ لديه دارُها تِيذَنْ فإني حَمُوها وجارُهَا
قال: وليس مضطرا؛ لتمكنه من أن يقول: ائذن، وليس لقائل أن يقول: إن هذا من تسكين المتحرك، على أن يكون الفعل مستحقا للرفع، فسكن اضطرارا؛ لأن الراجز لو قصد الرفع لتوصل إليه مستغنيا عن الفاء، فكان يقول: "تأذَن إني".
وقليل مخصوص بالاضطرار، وهو الحذف دون تقدم قول بصيغة أمر ولا بخلافه، كقول الشاعر٣:
_________________
(١) ١ من الآية ٣١ من سورة إبراهيم. ٢ قائله: هو منصور بن مرثد الأسدي، وهو من الرجز. الإعراب: "قلت" فعل وفاعل "لبواب" جار ومجرور متعلق بالفعل "لديه" في محل رفع خبر مقدم "دارها" مبتدأ مؤخر ومضاف إليه والجملة في محل جر صفة لبواب "تيذن" -بكسر التاء- مقول القول "فإني" الفاء للتعليل وإن حرف توكيد ونصب والضمير المتصل بها اسمها "حموها" خبر إن ومضاف إليه "وجارها" عطف على حموها. الشاهد: قوله: "تيذن" إذ أصله: لتيذن، فحذف اللام وأبقى عملها، وليس هذا بضرورة لتمكنه من أن يقول: إيذن. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٧٥/ ٣، والسيوطي في الهمع ٥٦/ ٢. ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله -يخاطب الشاعر به ابنه لما تمنى موته- وهو من الطويل. الإعراب: "فلا" الفاء عاطفة ولا ناهية "تستطل" فعل وفاعله ضمير مستتر فيه "مني" جار ومجرور متعلق بالفعل "بقائي" مفعول به للفعل والياء مضاف إليه "ومدتي" عطف على =
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
فلا تَسْتَطِلْ مني بقائي ومُدَّتِي ولكن يكنْ للخير منكَ نَصِيبُ
وقال في التسهيل: ويلزم في النثر في فعل غير الفاعل المخاطب، وفي بعض النسخ مطلقا، خلافا لمن أجاز حذفها في "نحو"١: "قل له لِيفعل" وهو خلاف ما في الكافية وشرحها.
وأما "لم" و"لما" أختها، فينفيان المضارع ويصرفان معناه إلى المضي وفاقا للمبرد وأكثر المتأخرين، لا لفظ الماضي إلى المضارع خلافا لأبي موسى ومَن وافقه، "وقد"٢ نسب إلى سيبويه.
ويختلفان في أمور:
الأول: أن النفي بلم لا يلزم اتصاله اتصاله بالحال، بل قد يكون منقطعا نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ ٣، وقد يكون متصلا نحو: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ٤ بخلاف "لما" فإنه يجب اتصال نفيها بالحال.
الثاني: أن الفعل بعد "لما" حذفه اختيارا، وهو أحسن ما تخرج عليه قراءة: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ ٥، ولا يجوز حذفه بعد "لم" إلا في الضرورة، كقوله٦:
_________________
(١) = ما قبله وقيل: إن بقائي بيان لقوله: مني أو بدل منه "ولكن" لاستدراك "يكن" أصله ليكن وهو فعل مضارع من كان الناقصة "للخير" جار ومجرور خبر يكن تقدم على اسمه "نصيب" اسم يكن مرفوع بالضمة الظاهرة "منك" في موضع النصب على الحال من نصيب، والتقدير: حال كون النصيب منك، ويجوز أن يكون في محل رفع صفة لنصيب، والتقدير: ليكن نصيب كائن منك لأجل الخير. الشاهد: قوله: "يكن" أصله ليكن فحذفت لام الأمر للضرورة وأبقى عمله. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧٥/ ٣، وابن الناظم. ١ ب، ج. ٢ ب، ج وفي أ "وهذا". ٣ من الآية١ من سورة الإنسان. ٤ من الآية ٤ من سورة مريم. ٥ من الآية ١١١ من سورة هود، قال ابن الحاجب: لما هذه جازمة حذف مجزومها، والتقدير: وإن كلا لما يهملوا، وقال ابن هشام: الأولى أن يكون التقدير: وإن كلا لما يوفوا أعمالهم، أي: أنهم إلى الآن لم يوفوها وسيوفونها. ٦ قائله: هو إبراهيم بن هرمة القرشي، وهرمة جده الأعلى، وهو من الكامل. =
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
احفَظْ وديعتَك التي استُودِعْتَها يَوْمَ الأعازِبِ إن وصَلْتَ وإن لَمِ
الثالث: إن "لم" تصحب أدوات الشرط نحو "إن لم" و"لو لم" بخلاف "لما".
الرابع: إن "لم" قد يفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، كقوله١:
كأن لم سِوَى أهل من الوحش تُؤْهَلِ
قال في التسهيل: وقد يلي لم معمول مجزومها اضطرارا، ولم يذكر ذلك في "لما".
وقال في شرح الكافية وانفردت "لم" بأشياء:
_________________
(١) = اللغة: "يوم الأعازب" يوم معهود من أيام العرب. الإعراب: "احفظ" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه "وديعتك" مفعول به ومضاف إليه "التي" اسم موصول نعت للوديعة "استودعتها" ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، وهي مفعوله الأول و"ها" مفعول ثان "يوم" منصوب على الظرفية "الأعازب" مضاف إليه "إن" شرطية "وصلت" فعل الشرط -روي بالبناء للمجهول وللمعلوم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله "وإن" الواو عاطفة إن حرف شرط جازم "لم" جازمة أو نافية. الشاهد: قوله: "وإن لم" حيث حذف الفعل الذي دخلت عليه لم، والتقدير: وإن لم تصل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٧٦/ ٣، وابن هشام ٢٩٤/ ٣، وفي المغني ٢٨٠/ ١، وذكره السيوطي في الهمع ٥٦/ ٢. ١ قائله: هو ذو الرمة غيلان، وهو من الطويل. وصدره: فأضحَتْ مغانيها قفارا رسومُها اللغة: "مغانيها" جمع مغنى وهو المنزل "قفارا" -بكسر القاف- جمع قفر وهو الأرض الخالية "تؤهل" من أهل الدار نزلها. الإعراب: "فأضحت" الفاء للعطف وأضحى فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث "مغانيها" اسم أضحى والهاء مضاف إليه "قفارا" خبرها منصوب بالفتحة الظاهرة "رسومها" بالرفع بدل من مغنيها "كأن" مخففة من كأن التي للتشبيه "لم" حرف جزم "سوى" ظرف فصل بين لم ومجزومها "أهل" مضاف إليه "تؤهل" مجزوم لم، والتقدير: كأن لم تؤهل الدار سوى أهل من الوحش، ومن بيانية. الشاهد: قوله: "لم سوى تؤهل" حيث فصل بين لم ومجزومها بالظرف للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٧٦/ ٣، والسيوطي في الهمع ٥٦/ ٢، وابن هشام في المغني ٢٧٨/ ١، والشاهد ٦٧٧ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٧١ ]
منها أن الفصل بينها وبين مجزومها اضطرارا، فهذا تصريح بانفراد "لم" بذلك، وفي الارتشاف: ولا يفصل بينها وبين معمولها إلا في الشعر.
قلت: ذكر المصنف في باب الاشتغال من شرح التسهيل أن "لن" و"لم" و"لما" الجازمة لا يلي الاسم واحدا منها إلا في ضرورة، وحكمه حينئذ أن يضمر له على سبيل الوجوب فعل يفسره ما بعده كما قال١:
ظُنِنتُ فقيرا ذا غنًى ثم نِلتُه فلم ذا رجاء ألقه غيرَ واهبِ
فسوى بين الثلاثة في الفصل باسم الاشتغال للضرورة.
الخامس: أن "لم" قد تلغى فلا يجزم بها، قال في التسهيل: حملا على "لا" وفي شرح الكافية: حمل على "ما" وهو أحسن "لأن ما"٢ ينفي بها الماضي كثيرا، بخلاف "لا".
وأنشد الأخفش على إهمالها٣:
_________________
(١) ١ قائله: هو ذو الرمة، وهو الطويل. المعنى: يعني: أنه في حال فقره كان متعففا فكنى عن ذلك بظنه ذاغني، وأنه حين صار غنيا يعطي كل راج لقيه ما يرجوه. الإعراب: "ظننت" -بالبناء للمجهول والتكلم- فعل ناسخ ينصب مفعولين ونائب الفاعل هو المفعول الأول "فقيرا" حال من نائب الفاعل "ذا غنى" مفعول ثان لظن ومضاف إليه "ثم" عاطفة "نلته" فعل وفاعل ومفعول -والضمير يعود على الغنى- "لم" حرف جزم ونفي "ذا" مفعول لفعل محذوف مفسر بألقى "ألقه" فعل ماض والفاعل ضمير والهاء مفعوله "غير" حال من الفاعل "واهب" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "فلم ذا رجاء ألقه" حيث دخلت لم على الاسم ضرورة. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢٧٨/ ١، والعيني في خزانة الأدب ٦٢٧/ ٣. ٢ ب، ج وفي أ "لأنها". ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. اللغة: "الفوارس" جمع فارس على غير قياس "ذهل" حي من بكر "أسرتهم" أسرة الرجل -بالضم- رهطه "الصليفاء" -بضم الصاد المهملة وبالفاء والمد- اسم موضع. الإعراب: "لولا" امتناع لوجود "فوارس" مبتدأ "من ذهل" جار ومجرور في محل رفع صفة فوارس وخبر المبتدأ محذوف تقديره: لولا فوارس كائنون من ذهل موجودون "وأسرتهم" بالرفع عطف على فوارس "يوم" منصوب على الظرفية "الصليفاء" مضاف إليه "لم يوفون بالجار" جواب لولا. الشاهد: قوله: "لم يوفون" حيث إن "لم" قد تهمل فلا تجزم، والفعل بعدها ثبتت فيه النون. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٧٦/ ٣، وابن هشام في المغني ٢٧٧/ ١، والسيوطي في الهمع ٥٦/ ٢، والشاهد ٦٧٦ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
لولا فوارسُ من ذُهْل وأسرتهم يوم الصُّليفاء لَمْ يُوفُون بالجارِ
ولم يذكر ذلك في "لما".
فإن قلت: فهل إهمال "لم" ضرورة أو لغة؟
قلت: نص بعض النحويين على أنه ضرورة، وقال في الكافية: وشذ، وفي التسهيل: وقد لا يجزم بها فلم يخصه بالضرورة، وصرح في أول شرح التسهيل بأن الرفع لغة قوم.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: ومنها "لم" ولما أختها، يعني من الجوازم، فقيد لما بقوله: "أختها" احترازا من "لما" بمعنى "إلا" ومن "لما" التي هي حرف وجود لوجود، وكذلك فعل الشارح، فقال: احترزت بقولي: أختها، من لما الحينية نحو: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ١، ومن "لما" بمعنى "إلا" نحو: "عزمت عليك لما فعلت" أي: إلا فعلت. المعنى: ما أسألك إلا فعلت "قوله: الحينية"٢ هو على مذهب الفارسي.
فإن قلت: فهلا قيد في النظم؟
قلت: لا يحتاج إليه؛ لأن التي بمعنى "إلا" يليها ماضي اللفظ مستقبل المعنى، والتي هي حرف وجود لوجود يليها ماضي اللفظ والمعنى، وقد ذكر ذلك في شرح التسهيل، فلا يحتاج إلى التقييد؛ لأنهما لا يليهما مضارع.
الثاني: حكى اللحياني عن بعض العرب أنه ينصب بلم، وقال في شرح الكافية: زعم بعض الناس أن النصب بلم لغة؛ اغترارا بقراءة بعض السلف: "أَلَمْ نَشْرَحَ لَكَ صَدْرَكَ"٣ -بفتح الحاء- وبقول الراجز٤:
_________________
(١) ١ من الآية ٩٤ من سورة هود. ٢ ب، ج. ٣ من الآية ١ من سورة الشرح. ٤ قائله: هو علي بن أبي طالب ﵁ يتمثل به، وهو من الرجز. =
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
في أيّ يَومَى من الموت أفِر أيَومَ لم يقدَرَ أم يوم قُدِر
وهو عند العلماء محمول على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة، ففتح لها ما قبله، ثم حذفت ونويت.
الثالث: اختلف في "لما" فقيل: مركبة من لم وما، وهو مذهب الجمهور، وقيل: بسيطة.
ثم انتقل إلى ما يطلب فعلين من الجوازم فقال:
واجْزِمْ بإِنْ ومَنْ وما ومهما أيٍّ متى أيانَ أينَ إِذْمَا
وحيثما أنَّى وحَرفٌ إذْمَا كإِنْ وباقي الأدوات اسْمَا
هذه أدوات الشرط الجازمة، وهي كَلِمٌ وضعت لتعليق جملة بجملة تكون الأولى سببا والثانية مسببا. وهذه الكلم حرف واسم.
فالحرف إن وهي أم الباب وإذما عند سيبويه، وذهب المبرد في أحد قوليه وابن السراج والفارسي إلى أنها ظرف زمان زيد عليها ما. قال في شرح الكافية: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، فعلى مذهب سيبويه تكون إذما كإن في "أنهما موضوعان"١ للتعليق المذكور من غير إشعار بأمر آخر.
وعلى مذهب القائلين بأنها الظرفية تكون مشعرة بالزمان، ويجزم بها في الاختيار خلافا لمن خص ذلك بالضرورة.
والاسم ظرف وغير ظرف، فغير الظرف من وما ومهما، فمن لتعميم أولي العلم، وما لتعميم ما تدل عليه وهي موصولة، وكلتاهما مبهمة في أزمان الربط، ومهما بمعنى ما ولا تخرج عن الاسمية خلافا لمن زعم أنها تكون حرفا، ولا عن
_________________
(١) = الإعراب: "في أي" جار ومجرور متعلق بأفر "يوميّ" مثنى. فأي مضاف ويومي مضاف إليه "من الموت" جار ومجرور متعلق بأفر "أيوم" الهمزة للاستفهام ويوم منصوب على الظرفية "لم يقدر" نصب الفعل بعد لم على لغة "قدر" فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله "لم يقدر" -بنصب الراء- وذلك لغة بعض العرب ينصبون بلم. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٧٨/ ٣، وابن هشام في المغني ٢٧٧/ ١. ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
الشرطية خلافا لمن زعم أنها تكون استفهاما، ولا تجر بإضافة ولا حرف جر بخلاف من وما، وقد وهم ابن عصفور فزعم أنه يجوز أن يدخل عليها حرف الجر، وذكر في الكافية وفي التسهيل أن ما ومهما مثل من في لزوم التجرد عن الظرفية مع أن استعمالهما ظرفين ثابت في أشعار الفصحاء من العرب، وأنشد أبياتا١.
قال ابنه بدر الدين: ولا أرى في هذه الأبيات حجة؛ لأنه يصح تقديرها بالمصدر.
وقال الزمخشري: هذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول: "مهما جئتني أعطيتك" وهذا من وضعه وليس من كلام واضح العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ ٢ بمعنى الوقف، فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين النظار في كتاب سيبويه، انتهى.
واختلف في "مهما" فقيل: إنها بسيطة وإنها فعلى وألفها إما للتأنيث وإما "للإلحاق"٣ وزال التنوين للبناء فهي على هذا من باب سلس، وقال ابن إياز: لو قيل: إنها مفعل تحاميا لذلك، لم أرَ به بأسا. وقال الخليل: مركبة من ماما الأولى للجزاء والثانية التي تزاد بعد الجزاء، فأبدلوا من ألف الأولى هاء كراهة التكرير. وقال الأخفش والزجاج ومن وافقهما: مركبة من مَهْ بمعنى اكفف وما الشرطية، وأجازه سيبويه.
وأما "أي" فهي عامة في ذوي العلم وغيرهم، وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى ظرف مكان كانت ظرف مكان، أو إلى ظرف زمان كانت ظرف زمان، أو إلى غيرهما لم تكن ظرفا، والظرف: مكاني وزماني.
_________________
(١) ١ منها قول الفرزدق في ما: وما تَحيَ لا أرهَبْ وإن كنت جارِما ولو عَد أعدائي عليَّ لهم ذَحلا وفي مهما قول حاتم: وإنك مهما تعطِ بطنك سُؤله وفرجَك نالا منتهى الذم أجمعا ٢ من الآية ١٣٢ من سورة الأعراف. ٣ ب، ج وفي أ "للإطلاق".
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
فالزماني: متى، وأيان، فمتى لتعميم الأزمنة، وأيان كمتى، وقد تستعمل في الأزمنة التي تقع فيها الأمور العظام، وكسر همزة أيان لغة سليم، وقرئ بها شاذا، والجزم بها محفوظ خلافا لمن أنكره، ولم يحفظه سيبويه لقلته.
وأما المكاني: أين وحيثما، هما لتعميم الأمكنة، وأنَّى ذكروها في ظروف المكان بمعنى أين. وقال بعضهم: هي لتعميم الأحوال.
تنبيهات:
الأول: "قد"١ فهم من كلامه أن حيث وإذ لا يجزمان إلا مقترنين بما كما لفظ بهما، وأجاز الفراء الجزم بإذ وحيث دون ما، وأما غيرهما فقسمان:
قسم لا تلحقه "ما" "وهو": مَنْ وما ومهما وأنَّى.
وقسم يجوز فيه الأمران وهي: إن وأي ومتى وأين وأيان، وأجاز الكوفيون زيادة "ما" بعد من وأنى، ومنع بعض النحويين زيادتها بعد أيان، والصحيح ما تقدم.
الثاني: ذكر في الكافية والتسهيل: أَنَّ "إِنْ" قد تهمل حملا على لو، كقراءة طلحة: "فَإِمَّا تَريْنَ"٢ بياء ساكنة ونون مفتوحة، وإن متى قد تهمل حملا على إذا ومثل بها بحديث: "إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس" ٣. وفي الارتشاف: ولا تهمل حملا على إذا خلافا لمن زعم ذلك ويعني متى.
الثالث: لم يذكر هنا من الجوازم إذا وكيف ولو.
أما إذا فالمشهور أنه لا يجزم بها إلا في الشعر لا في قليل من الكلام ولا في الكلام إذا زيد بعدها ما، خلافا لزاعم ذلك، وقوله في التسهيل: وقد يجزم بإذا
_________________
(١) ١ ب، وفي أ "قال". ٢ من الآية ٢٦ من سورة مريم. ٣ أسيف: أي ذو أسف وحزن، وقوله: يقوم مقامك: أي في الصلاة، وقوله: لا يسمع الناس: أي لبكائه.
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
الاستقبالية حملا على متى يقتضي ظاهره جواز ذلك في قليل من الكلام، وقال في الكافية١:
وذَا في النثر لن يُسْتَعْمَلا
وأما "كيف" فيجازى بها معنى لا عملا، خلافا للكوفيين، فإنهم أجازوا الجزم بها قياسا، ووافقهم قطرب.
وأما "لو" فذهب قوم منهم ابن الشجري إلى أنها يجزم بها في الشعر، ورده المصنف في الكافية٢.
وقال في التسهيل في آخر عوامل الجزم: والأصح امتناع حمل لو على إن، وقال في فصل: لو لم يجزم بها إلا اضطرارا، وزعم اطراد ذلك على لغة، فظاهره موافقة ابن الشجري ويتحصل فيه ثلاثة مذاهب، وذكر بعضهم أن من الجوازم "مهمن"٣، وقال قطرب: لم يحمل الجزم "بها"٤ عن فصيح.
فِعلَيْنِ يَقْتَضِينَ شرطٌ قُدِّما يتلو الجزاءُ وجوابًا وُسِمَا
يعني: أن كلا من أدوات الشرط تقتضي جملتين تسمى الأولى شرطا والثانية جزاء وجوابا أيضا. ويجب كون الأولى فعلية، وأما الثانية: فمنها "أيضا" أن تكون فعلية، وقد تكون اسمية، وسيأتي.
فإن قلت: فلمَ قال "فعلين" ولم يقل جملتين؟
قلت: للتنبيه على أن حق الشرط والجزاء أن يكونا فعلين، وإن كان ذلك لا يلزم في الجزاء.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "يتلو الجزاء" أنه لا يتقدم، وإن تقدم على أداة الشرط شبيه بالجواب فهو دليل عليه، وليس إياه، هذا مذهب جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد وأبو زيد إلى أنه الجواب نفسه، والصحيح الأول.
_________________
(١) ١ تمام بيت الكافية: وشاع جزمٌ بإذا حملا على متى ٢ بقوله: وجوِّز الجزمَ بها في الشعر ذو حُجة ضعَّفها من يَدْرِي ٣ في أ "مهمن" وفي ب، ج "كم". ٤ أ، ج.
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
الثاني: قد يؤخذ من قوله: "يقتضين" أن أداة الشرط هي الجازمة للشرط والجزاء معا لاقتضائها لهما، أما الشرط فنقل الاتفاق على أن الأداة جازمة له.
وشذ المازني: فعنه في قول: إنه مبني هو وفعل الجزاء، وفي قوله: إنه معرب وفعل الجزاء مبني.
وأما الجزاء ففيه أربعة أقوال:
الأول: أن الأداة هي الجازمة له، قيل: وهو مذهب المحققين من البصريين وعزاه السيرافي إلى سيبويه، وذهب الأخفش إلى أن الجزم بفعل الشرط، واختاره في التسهيل، وقيل: بالأداة والفعل معا، ونسب إلى سيبويه والخليل، وقيل: بالجواز، وهو مذهب الكوفيين.
وماضِيَيْنِ أو مُضارعَيْنِ تُلفِيهِمَا أو مُتخالِفَيْنِ
إذا كان الشرط والجزاء فعلين فلهما تسع صور؛ لأن الشرط له ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون ماضي اللفظ أو مضارعا عاريا من لم ومصحوبا بها، والجزاء كذلك.
والحاصل من ضرب ثلاثة في ثلاثة تسعة منها ثمانية تجوز في الاختيار وواحد مختلفين فيه، وهو أن يكون الشرط مضارعا، والجزاء ماضيا عاريا من لم، فمذهب الجمهور أنه لا يجوز إلا في الشعر، ومذهب الفراء والمصنف جوازه في الاختيار، واستدل المصنف بقوله ﷺ: "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، ويورد ذلك في أبيات لم يضطر قائلها إلى ذلك١.
ثم تلك الثمانية الجائزة في الاختيار منها راجح ومرجوح، فإن كونهما ماضيين وضعا أو بمصاحبة لم أحدهما أو كلاهما، أو مضارعين دون لم، أَوْلَى من سوى ذلك.
_________________
(١) ١ منها قوله: من يكدني بسيئ كنت منه كالشَّجا بين حلقه والوريد وقوله: إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا ملأتم أنفُسَ الأعداء إرهابا
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
وبَعْدَ ماضٍ رفعُك الجزا حَسَنْ ورفعُه بعد مضارعٍ وَهَنْ
يعني: أن الجزاء إذا كان مضارعا والشرط ماضيا جاز جزمه ورفعه، ومن الجزم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ١.
ومن الرفع قول زهير٢:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسغبة يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ
ونص الأئمة على جوازه في الاختيار مطلقا، وزعم بعضهم أنه لا يجيء في الكلام الفصيح إلا مع كان.
وقال بعض المتأخرين: لا أعلمه جاء في الكلام، وقد صرح الناظم بأن الرفع حسن.
فإن قلت: فأي الوجهين أحسن؟
قلت: زعم بعض المتأخرين أن الرفع أحسن من الجزم، والصواب عكسه، وقال في شرح الكافية: الجزم مختار، والرفع جائز كثير.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٠ من سورة الشورى. ٢ قائله: هو زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان، وهو من البسيط. اللغة: "خليل" المراد هنا: الفقير ذو الحاجة، من الخلة وهي الفقر والحاجة "مسغبة" مجاعة، من سغب فلان: إذا اشتد به الجوع "حرم" ممنوع وحرام. المعنى: يصف هرما بالكرم والجود وأنه لا يرد سائلا فيقول: إذا جاء ذو حاجة قد أخذ منه الجوع لا يعتذر بضيق ماله وعدم استطاعته عن الحصول عليه، ولا يقول للسائل المحتاج: أنت ممنوع محروم. الإعراب: "إن" حرف شرط يجزم فعلين "أتاه" فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعوله "خليل" فاعله "يوم" ظرف متعلق بقوله أتاه "مسألة" مضاف إلى يوم "يقول" فعل مضارع جواب الشرط مرفوع "لا" نافية عاملة عمل ليس "غائب" اسم لا مرفوع بها "مالي" فاعل لغائب سد مسد خبر لا "ولا" الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي "حرم" معطوف على غائب. الشاهد: قوله: "يقول" حيث رفع وهو جواب الشرط؛ لأن فعل الشرط ماضٍ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٨٥/ ٢، وابن هشام ٣٩٨/ ٣، وابن عقيل ٢٧٨/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١١٧، والمكودي ص١٤٨، والسيوطي في الهمع ٦٠/ ٢، وسيبويه ٤٣٦/ ١.
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
فائدة:
اختلف النحويون في تخريج الرفع، فذهب سيبويه إلى أنه على تقدير التقديم وجواب الشرط محذوف، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه على تقدير الفاء وهو الجواب، وذهب قوم إلى أنه ليس على التقديم والتأخير، ولا على حذف الفاء، بل لما لم يظهر لأداءة الشرط تأثير في فعل الشرط؛ لكونه ماضيا ضعف عن العمل في الجواب.
وإذا كان الشرط والجزاء مضارعين وجب جزمهما نحو: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١.
وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم كقوله٢:
يا أقرعُ بن حابس يا أقرعُ إنك إن يُصرَعْ أخوك تُصرَعُ
وإليه الإشارة بقوله: "ورفعه بعد مضارع وهن" أي: ضعف.
فإن قلت: فهل يطرد أم يخص بالضرورة؟
قلت: نصوا على أنه ضرورة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال: وقد جاء في الشعر.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٨٤ من سورة البقرة. ٢ قائله: هو عمرو بن خثارم البجلي، وأنشد في المنافرة التي كانت بين جرير بن عبد الله البجلي وخالد بن أرطاة الكلبي، وكانا قد تنافرا إلى الأقرع بين حابس ليحكم بينهما وذلك قبل إسلامه، وهو من الرجز. الإعراب: "يا" حرف نداء "أقرع" منادى مبني على الضم في محل نصب "بن" نعت لأقرع بمراعاة محله "حابس" مضاف إليه "يا أقرع" توكيد للنداء الأول "إنك" حرف توكيد ونصب والكاف اسمه "إن" شرطية "يصرع" فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط "أخوك" نائب فاعل والكاف مضاف إليه "تصرع" فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط ونائب الفعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله: "إن يصرع تصرع" حيث وقع جواب الشرط مضارعا مرفوعا، وفعل الشرط مضارع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٨٦/ ٣، وابن عقيل ٢٧٩/ ٢ن وابن الناظم، والسيوطي ص١١٧، والمكودي ص١٤٨، والسيوطي في الهمع ٦١/ ٢، وسيبويه ٤٣٦/ ١، والشاهد رقم ٩٩٠ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
وقال ابن الأنباري: في "إن تزرني أزرك" الاختيار الجزم، وإنما يحسن الرفع هنا إذا تقدم ما يطلب الجزاء قبل "إن" كقولهم: "طعامك إن تزرنا نأكل" وتقديره: طعامك نأكل إن تزرنا. انتهى.
وصرح في بعض نسخ التسهيل: أنه ضرورة، وفي بعضها بقتله، ولم يخصه بالضرورة، وقال في شرح الكافية: وقد يجيء الجواب مرفوعا والشرط مضارع مجزوم، ومنه قراءة طلحة بن سليمان: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ"١.
تنبيهات:
الأول: اختلف في تخريج الرفع بعد المضارع، فذهب المبرد إلى أنه على حذف الفاء مطلقا، وفصل سيبويه بين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه نحو: "إنك" في البيت، فالأولى أن يكون على التقديم والتأخير، وبين أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه، فالأولى أن يكون على حذف الفاء، وجوز العكس، وقيل: إن كانت الأداة اسم شرط فعلى إضمار الفاء، وإلا فعلى التقديم والتأخير.
الثاني: أطلق في قوله: بعد مضارع، وقيد في بعض نسخ التسهيل بألا يكون منفيا بلم، وجعل رفع الجزاء بعد المنفي بلم كثيرا؛ لرفعه بعد الماضي.
الثالث: قد يظهر من قوله: "رفعك الجزا" موافقة المبرد في أنه على تقدير الفاء لتسميته جزاء، ويحتمل أن يكون سماه جزاء باعتباره حالة الجزم وإن لم يكن جزاء إذا رفع.
واقْرُنْ بفا حَتْمًا جوابا لو جُعِلْ شرطا لإِنْ أو غيرها لم يَنْجَعِلْ
أصل جواب الشرط أن يكون فعلا صالحا لجعله شرطا، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، وذلك إذا كان ماضيا متصرفا مجردا من قد وغيرها، أو مضارعا مجردا أو منفيا بلا ولم.
قال الشارح: ويجوز اقترانه بها، فإن كان مضارعا رفع، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ ٣. انتهى.
_________________
(١) ١ من الآية ٧٨ من سورة النساء، برفع "يدرككم" وهي شاذة. ٢ من الآية ٢٦ من سورة يوسف. ٣ من الآية ١٣ من سورة الجن.
[ ٣ / ١٢٨١ ]
وهو معترض من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله: "ويجوز اقترانه بها" يقتضي ظاهره أن الفعل هو الجواب مع اقترانه بالفاء.
والتحقيق حينئذ أن الفعل خبر مبتدأ محذوف، والجواب جملة اسمية، قال في شرح الكافية: فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدأ، ولولا ذلك لحكمنا بزيادة الفاء وجزم الفعل إن كان مضارعا.
وقال الشيخ أبو حيان: ولو قيل: ربط الجملة الشرطية بالمضارع له طريقان:
أحدهما: بجزمه، والآخر: بالفاء ورفعه، لكان قولا.
والثاني: أن ظاهر كلامه جواز اقتران الماضي مطلقا، وليس كذلك، بل الماضي المنصرف المجرد على ثلاثة أضرب:
ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى ولم يقصد به وعد أو وعيد نحو: "إن قام زيد قام عمرو".
وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو ما كان ماضيا لفظا ومعنى نحو: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وقد معه مقدرة.
وضرب يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلا معنى وقصد به وعد أو وعيد نحو: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ١.
وقد نص المصنف على هذا التفصيل في شرح الكافية.
والثالث: أنه مثل ما يجوز اقترانه بالفاء بقوله تعالى: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ وليس كذلك، بل هو مثال الواجب، وإذا كان الجواب لا يصلح لأن يجعل شرطا وجب اقترانه بالفاء؛ ليعلم ارتباطها بالأداة.
وذلك إذا كان جملة اسمية أو فعلية طلبية، أو فعلا غير متصرف أو مقرونا بالسين أو سوف أو قد منفية بما أو لن أو إن، أو يكون قسما أو مقرونا برب٢.
_________________
(١) ١ من الآية ٩٠ من سورة النمل. ٢ نظمها بعضهم في قوله: طلبية واسمية وبجامد وبما وقد وبلن وبالتنفيس قال الصبان: وزاد الكمال ابن الهمام تصديره برب والقسم، والدنوشري تصديره بأداة شرط نحو: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ الآية. اهـ.
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
فهذه الأجوبة تلزمها الفاء؛ لأنها لا يصلح جعلها شرطا، وخطب التمثيل سهل.
وقد تحذف الفاء الواجب ذكرها للضرورة كقوله١:
مَنْ يفعلِ الحساتِ اللهُ يشكرها
وقال الشارح: لا يجوز تركها إلا في الضرورة أو ندور، ومثل الندور بما أخرجه البخاري من قوله ﷺ لأبي بن كعب: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها" ٢، وعن المبرد إجازة حذفها في الاختيار، وقد جاء حذفها وحذف المبتدأ في قوله٣:
_________________
(١) ١ قائله: هو عبد الرحمن بن سيدنا حسان بن ثابت، وهو من شواهد سيبويه. وعجزه: والشر بالشر عند الله مثلان وهو من البسيط. المعنى: من يفعل الخير والمعروف يحظَ برضاء الله وشكره والجزاء المضاعف، ومن يفعل الشر يجازى مثله. الإعراب: "من" اسم شرط جازم يجزم فعلين -مبتدأ- "يفعل" فعل الشرط مجزوم وحرك بالكسر للتخلص من الساكنين، وفاعله يعود على من "المحسنات" مفعوله منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم "الله" مبتدأ "يشكرها" الجملة خير المبتدأ في محل رفع، وجملة المبتدأ والخبر جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ "من" "الشر" مبتدأ والباء في بالشر للمقابلة "عند" منصوب على الظرفية "الله" مضاف إليه "مثلان" خبر المبتدأ. الشاهد: قوله: "الله يشكرها" فإنها جملة اسمية، وقد وقعت جوابا للشرط، وكان يجب أن تقترن بالفاء، ولكنها حذفت للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٨٧/ ٣، وابن هشام ٤٠١/ ٣، وابن الناظم، والسيوطي ص١١٧، وفي الهمع ٦/ ٢، وفي المغني ٦٥/ ١، وسيبويه ٤٣٥/ ١، والشاهد ٦٩١ في الخزانة. ٢ أي: في شأن اللقطة، وجواب الشرط الأول محذوف للعلم به أي: فأدها إليه. ٣ قائله: هو فلان الأسدي، وهو من الطويل. وصدره: بنى ثعل لا تنكعوا العنزَ شربها اللغة: "ثعل" قبيلة من طيئ "ينكح العنز" من نكعت الناقة: جهدتها حلبا "العنز" الماعزة، وهي الأنثى من المعز "شربها" -بكسر الشين- وهو الحظ من الماء. =
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
بني ثُعَل من ينكَعِ العنزَ ظالم
فإن قلت: ما هذه الفاء التي في جواب الشرط؟
قلت: هي فاء السبب الكامنة في نحو: "يقوم زيد فيقوم عمرو" وتعينت هنا للربط لا للتشريك، وزعم بعضهم أنها عاطفة جملة على جملة، ولا تخرج عن العطف، وهو بعيد.
وتَخْلُفُ الفاءَ إِذَا المفاجَأَهْ كإِنْ تَجُدْ إذا لنا مُكَافَأَهْ
يعني: أن إذا المفاجأة قد تقوم مقام الفاء وتخلفها في الربط ولا يكون ذلك إلا في الجملة الاسمية.
وقد فهم من قوله: "وتخلف الفاء" فائدتان:
الأول: أن الربط بإذا نفسها خلافا لمن ذهب أن الربط بألف مقدرها قبلها.
والثانية: أنه لا يجوز الجمع بين الفاء وإذا في الجواب، وإن كان ذلك جائزا في غيره؛ لكونها نائبة عنها كما نص عليه بعض النحويين.
فإن قلت: أطلق في قوله: "تخلف الفاء" وإنما يكون ذلك في الجملة الاسمية، لا مطلقا، بل بثلاثة شروط:
الأول: ألا تكون طلبية نحو: "إن عصى زيد فويل له".
والثاني: ألا يدخل عليها أداة نفي نحو: "إن قام زيد فما عمرو بقائم".
والثالث: ألا يدخل عليها إن نحو: "إن قام زيد فإن عمرًا قائم".
فكل ذلك لا بد له من الفاء، وذكر الثلاثة في الارتشاف.
_________________
(١) = الإعراب: "بني ثعل" منادى مضاف منصوب وحذف منه حرف النداء والتقدير: يا بني ثعل "من" شرطية "ينكع" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى من، وقعت فعل الشرط "العنز" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة "ظالم" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: فهو ظالم. الشاهد: قوله: "ظالم" حيث حذف منه المبتدأ مع الفاء التي هي جواب الشرط أي: فهو ظالم. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٨٨٥/ ٣، وسيبويه ٤٣٦/ ١.
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
قلت: مثاله يرشد إلى أن ذلك في الجملة الاسمية "وأيضا فقد تقرر أن إذا الفجائية لا تليها غالبا إلا الجملة الاسمية"١، فلم تحتج إلى التنبيه عليها لوضوحه.
وأما الشروط فمثاله قد حازها إلا أنه ليس في كلامه ما يدل على اشتراطها، وقد ذكر الأول في التسهيل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن "إذا" يربط بها بعد "إن" وغيرها من أدوات الشرط، وفي بعض نسخ التسهيل: "وقد تنوب بعد إن إذا المفاجأة عن الفاء" فخصه بإن.
قلت: نصوص النحويين على الإطلاق.
قال الشيخ أبو حيان: ومورد السماع إن، وقد جاءت بعد إذا الشرطية كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٢.
والفِعْلُ من بعد الجزَا إن يَقْتَرِنْ بالفا أو الواو بتَثْليثٍ قَمِنْ
إذا أخذت أداة الشرط جوابها، وذكر بعده مضارع مقرون بالفاء أو الواو جاز جزمه عطفا على الجواب ورفعه على الاستئناف ونصبه على إضمار أن، وقرئ بالثلاثة قوله تعالى: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ ٣ فالنصب يروى عن ابن عباس، وإنما جاز بعد الجزاء لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
تنبيه:
قوله: "من بعد الجزا" يشمل المجزوم وغيره، وقول الشارح: إذا كان بعد جواب الشرط المجزوم يوهم أن الجزم شرط في جواز الأوجه الثلاثة، وقد قرئ بالثلاثة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ من الآية ٤٨ من سورة الروم. ٣ من الآية ٢٨٤ من سورة البقرة. ٤ من الآية ٢٧١ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
وجَزْمٌ أو نَصْبٌ لفعل إِثْر فَا أو واوٍ إِنْ بالجملتَيْنِ اكتُنفا
إذا وقع المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين الشرط وجوابه جاز جزمه عطفا على فعل الشرط ونصبه بإضمار إن، وامتنع الرفع إذ "لا يصح"١ الاستئناف قبل الجزاء.
تنبيه:
ألحق الكوفيون ثم بالفاء والواو، فأجازوا النصب بعدها، واستدلوا بقراءة الحسن: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ ٢، وزاد بعضهم أو.
والشرطُ يُغني عن جواب قد عُلم والعكس قد يأتي إِنِ المعنى فُهم
مثال حذف الجواب للعلم به استغناء بالشرط قوله تعالى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ ٣ تقديره -والله أعلم: تطيرتم، وهو كثير، ومثال عكسه قول الشاعر٤:
فطلِّقْهَا فلست لها بكُفْءٍ وإلا يَعْلُ مِفْرقك الحسامُ
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "لا يصح". ٢ من الآية ١١٠ من سورة النساء. ٣ من الآية ١٩ من سورة يس. ٤ قائله: هو الأحوص الأنصاري -يخاطب مطرا، وكان دميما وتحته امراة حسناء- وهو من الوافر. اللغة: "بكفء" بماسوٍ ومماثل في الحسب وغيره مما يعتبر لازما للتكافؤ بين الزوجين "مفرقك" والمفرق: وسط الرأس حيث يفرق الشعر "الحسام" السيف القاطع. الإعراب: "فطلقها" الفاء عاطفة وطلق فعل أمر والفاعل ضمير مستتر فيه وها مفعوله "فلست" الفاء تعليلية، ليس فعل ماض ناقص والتاء اسمه "لها" جار ومجرور متعلق بكفء "بكفء" الباء زائدة، كفء خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة "وإلا" الواو عاطفة إن شرطية أدغمت في لا النافية، وفعل الشرط محذوف يدل عليه ما قبله؛ أي: وإن لا تطلقها "يعل" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف الواو "مفرقك" مفعول والكاف مضاف إليه "الحسام" فاعل. الشاهد: قوله: "وإلا يعل" حيث حذف الشرط؛ لأن الأداة إن مقرونة بلا؛ أي: وإلا تطلقها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٩١/ ٣، وابن هشام ٤٠٦/ ٣، وابن عقيل ٣٨٤/ ٢، وبن الناظم، والمكودي ص١٥٠، والسيوطي ص١١٨، وفي الهمع ٦٢/ ٢.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
أي: وإلا تطلقها.
تنبيه:
فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن ما لم يعلم من شرط أو جواب؛ لكونه لا دليل عليه لا يجوز حذفه، وذلك واضح.
والثانية: أن حذف الشرط أقل من حذف الجواب؛ لقوله: "لقد يأتي" فإن قد هنا للتقليل، وقد نص على ذلك في شرح الكافية.
والثالثة: أنه لا يشترط في حذف الشرط أن يكون مع إن، وفي الارتشاف: لا أحفظ إلا في إن وحدها.
وقال الشارح: حذفه بدون إن قليل، وحذفه معها كثير، وأنشد على حذفه مع غيرها١:
مَتَى تُؤخَذُوا قَسْرًا بظِنَّةِ عامرٍ ولا ينجُ إلا في الصِّفَادِ يَزِيدُ
أراد: متى تثقفوا تؤخذوا.
والرابعة: أنه لا يشترط في حذف فعل الشرط تعويض لا من الفعل المحذوف خلافا لابن عصفور والأبدي فإنهما قالا: لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض لا من الفعل المحذوف.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "قسرا" -بفتح القاف وسكون السين- قهرا وغصبا "بظنة" -بكسر الظاء- التهمة "الصفاد" -بكسر الصاد وتخفيف الفاء- وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغل. المعنى: أراد الشاعر تحذير هؤلاء القوم الذين عامر كبيرهم حيث يقول: ما آخذتم لا ينج أحد منكم غير يزيد، فإنه أيضا يقيد في الصفاد. الإعراب: "متى" شرطية "تؤخذوا" جواب الشرط وفعل الشرط محذوف أي: متى تثقفوا تؤخذوا "قسرا" منصوب على التمييز "بظنة" جار ومجرور متعلق بقوله: تؤخذوا "عامر" مضاف إليه "ولا ينج" التقدير: ولا ينج يزيد إلا وهو في الصفاد، فيزيد فاعل وإلا ملغاة. الشاهد: قوله: "متى تؤخذوا" حيث حذف فيه فعل الشرط؛ إذ أصله متى تثقفوا تؤخذوا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٩٢/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٦٣/ ٢.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
وقال في الارتشاف: قولهما ليس بشيء. انتهى. وقد حذف وهو مثبت في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١.
قلت: وفي بعض نسخ التسهيل: وكذا الشرط المنفي بلا تالية إن فظاهره اشتراط الأمرين.
تنبيهان:
الأول: قال في التسهيل: ويحذفان بعد إن في الضرورة، يعني الشرط والجزاء.
كقوله٢:
قالت وإننْ
وفي كلام بعضهم ما يدل على جوازه في الاختيار على قلة.
_________________
(١) ١ من الآية ٦ من سورة التوبة. ٢ قائله: نسبه النحاة لرؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. وتمامه: قالت بنات العم يا سلمى وإننْ كان فقيرا معدما قالت وإننْ اللغة: "معدما" شديد الفقر لا شيء عنده. المعنى: قالت بنات عم سلمى لها: أترضين بهذا البعل وإن كان شديد الفقر لا مال له؟ فأجابتهن: نعم رضيت به وإن كان كذلك. الإعراب: "قالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "بنات" فاعل "العم" مضاف إليه "يا" حرف نداء "سلمى" منادى وإن شرطية جازمة وحركت بالكسر للساكنين والنون الزائدة حرف "كان" فعل ماض ناقص فعل الشرط واسمها ضمير مستتر "فقيرا" خبر كان "معدما" صفة لخبر كان أو خبر ثان لها وجواب الشرط محذوف دل عليه معنى الكلام وتقديره: وإن كان فقيرا معدما ترضين به، و"قالت" فعل ماض والتاء للتأنيث "وإن" الواو عاطفة على مثال السابقة، إن شرطية حذف شرطها وجوابها لدلالة شرط السابقة وجوابها عليهما وجملتا الشرط والجواب في الموضعين في محل نصب مقول القول. الشاهد: قوله: "وإنن" حيث حذف فيه الشرط والجزاء جميعا؛ لأن التقدير: وإن كان فقيرا معدما رضيته. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٩٢/ ٣، وفي باب الكلام، وابن هشام ٢٩/ ١، والسيوطي ص١١٨، وفي الهمع ٦٢/ ٢، والشاهد ٦٨٧ في الخزانة.
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
والثاني: لا يجوز حذف إن ولا غيرها من أدوات الشرط خلافا لمن جوز ذلك في إن. قال: ويرتفع الفعل بحذفها، وجعل منه١.
وإنسانُ عيني يحسرُ الماءُ تارة فيبدو
وهو ضعيف.
واحذِفْ لدى اجتماعِ شرطٍ وقَسَمْ جَوَابَ ما أخَّرْتَ فهو مُلْتَزَمْ
القسم كالشرط في احتياجه إلى جواب إلا أن جوابه مؤكد باللام أو إن أو منفي، فإذا اجتمع الشرط والقسم حذف جواب المتأخر منهما استغناء بجواب المتقدم، مثال تقدم الشرط: إن قام زيد والله أكرمه، ومثال تقدم القسم: "والله إن قام زيد لأكرمنه".
هذا إذا لم يتقدم عليهما ذو خبر، فإن تقدم جعل الجواب للشرط مطلقا وحذف جواب القسم تقدم أو تأخر، وقد نبه على ذلك بقوله:
وإن تَوَاليَا وقبل ذُو خَبَرْ فالشرطُ رَجِّحْ مطلقا بلا حَذَرْ
مثال ذلك: "زيد والله إن يقم يكرمك" و"زيد إن يقم والله يكرمك" فجواب القسم محذوف في المثالين استغناء بجواب الشرط.
وإنما جعل الجواب للشرط مع تقدم ذي خبر؛ لأن سقوطه مخل بمعنى الجملة التي هو منها، بخلاف القسم، فإنه مسوق لمجرد التأكيد.
والمراد بذي الخبر ما يطلب خبرا من مبتدأ أو اسم كان ونحوه.
_________________
(١) ١ هذا البيت مضى شرحه في باب المبتدأ والخبر. إعرابه: "إنسان" مبتدأ "عين" مضاف إليه "يحسر" فعل مضارع مرفوع بالضمة "الماء" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة خبر المبتدأ "تارة" مفعول مطلق "فيبدو" الفاء عاطفة ويبدو فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود إلى "إنسان عيني" الواقع مبتدأ "وتارات" معطوف على تارة "يجم" فعل مضارع مرفوع بالضمة وفاعله ضمير مستتر يعود إلى الماء، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: وتارات هو -أي: إنسان عيني- يجم الماء "فيغرق" الفاء عاطفة "يغرق" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ضمير "إنسان عيني" والجملة في محل رفع معطوفة على جملة الخبر. الشاهد: قوله: "يحسر" حيث حذفت الأداة فارتفع الفعل.
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
تنبيه:
وقوله: "رجح" يقتضي أن ذلك ليس على سبيل التحتم، فعلى هذا يجوز أن يجعل الجواب للقسم المتقدم مع تقدم ذي خبر كما ذكر ابن عصفور وغيره، ونص في الكافي والتسهيل على أن ذلك على سبيل التحتم، وليس في كلام سيبويه ما يدل على التحتم. ثم قال:
ورُبَّما رُجِّحَ بَعْدَ قَسَم شَرْطٌ بلا ذي خَبَرٍ مُقَدَّم
هذا مذهب الفراء. أجاز جعل الجواب للشرط المتأخر وإن لم يتقدم ذو خبر، وتبعه المصنف مستشهدا بقول الأعشى١:
لئن مُنِيتَ بنا عن غِبِّ مَعْرَكةٍ لا تُلْفِنَا عن دماءِ القومِ ننفتل
وأبيات أُخَر، ومنع ذلك الجمهور وتأولوا البيت ونحوه على جعل اللام زائدة، وجعل الزمخشري قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ ٢ جواب الشرط في قوله: "لئن".
قال في شرح الكافية: فتثبت المزية للشرط من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) ١ قائله: هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من البسيط. اللغة: "منيت" ابتليت، والخطاب ليزيد بن مسهر الشيباني "عن غب" عن -هنا- ظرف بمعنى بعد، وغب -بكسر الغين- أي: عاقبة، ويروى: عن جد، والجد -بكسر الجيم- المجاهدة أو الشدة "لا تلفنا" لا تجدنا "ننفتل" نتخلص. الإعراب: "لئن" اللام موطئة للقسم أي: والله لئن، إن شرطية "منيت" فعل ماض مبني للمجهول، فعل الشرط، وتاء المخاطب نائب فاعل "بنا" متعلق بمنيت "عن" ظرف بمعنى بعد متعلق بمنيت أيضا "غب" مضاف إليه "معركة" مضاف إلى غب "لا" نافية "تلفنا" فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، والفاعل ضمير مستتر فيه "نا" مفعول أول "عن دماء" جار ومجرور متعلق بقوله: ننفتل "القوم" مضاف إلى دماء "ننفتل" فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لنلفي. الشاهد: قوله: "لا تلفنا" حث أوقعه جوابا للشرط مع تقديم القسم عليه وحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه، ولو أنه أوقعه جوابا للقسم لجاء به مرفوعا لا مجزوما. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٥٩٤/ ٣، وابن عقيل ٢٨٧/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص١٥٠. ٢ من الآية ٢٨ من سورة المائدة.
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
أحدها: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدم ذي خبر.
والثاني: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدمه وعدم تقدم ذي خبر.
والثالث: جواز الاستغناء بجوابه عند تأخره وتقدم ذي خبر.
تنبيهات:
الأول: أطلق في قوله: "واحذف لدى اجتماع شرط" وقيده في التسهيل بغير الامتناعي احترازا من نحو: لو ولولا؛ لأنه يتعين الاستغناء بجوابهما تقدما على القسم أو تأخرا كقوله١:
فأُقْسِم لو أندى الندِيُّ سوادَه لَمَا مَسَحَتْ تلك المسالاتِ عامرُ
وكقوله٢:
والله لولا الله ما اهتدينا
_________________
(١) ١ قائله: لم أعثر على قائله، وهو من الطويل. اللغة: "أندى" أحضر ورواية الشواهد "أبدى" من الإبداء وهو الإظهار "الندى" -بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء- على وزن فعيل وهو مجلس القوم ومتحدثهم "سواده" أي: شخصه والضمير فيه يرجع إلى الممدوح "المسالات" -بضم الميم وتخفيف السين- وهي جمع مسالة. قال الجوهري: مسالا الرجل جانبا لحيته "عامر" أراد به قبيلة في قريش. المعني: أن الشاعر يحلف أن الممدوح لو حضر مجلس القوم لما قدر عامر أن يمسحوا شواربهم من هيبته وسطوته على الناس. الإعراب: "فأقسم" الفاء للعطف وأقسم فعل مضارع والفاعل ضمير "لو" للشرط "أبدى" فعل ماض "الندى" فاعله "سواده" مفعول به والهاء مضاف إليه والجملة وقعت فعل الشرط "لما مسحت" جواب لو واكتفى عن جواب القسم "عامر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة "تلك المسالات" مفعول به. الشاهد: قوله: "لما مسحت" فقد اكتفى بجواب واحد لقسم وشرط. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٩٣/ ٣. ٢ قائله: هو عامر بن الأكوع ﵁، وكان النبي -ﷺ- يقوله يوم الخندق، وهو من الرجز. الإعراب: "والله" الواو حرف قسم ولفظ الجلالة مجرور بواو القسم "لولا" لربط امتناع الثانية بوجود الأولى "الله" لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف والتقدير: لولا الله موجود "ما اهتدينا" جواب القسم ولولا. "ولا تصدقنا" فعل ماض وفاعله "ولا صلينا" عطف عليه. الشاهد: قوله: "ما اهتدينا" فإنه اكتفى به لجواب القسم ولولا، ولا يجوز هنا حذف القسم لأن الجواب منفي. مواضعه: ذكره الأشموني ٥٩٣/ ٣.
[ ٣ / ١٢٩١ ]
وقد نص على ذلك في الكافية أيضا، وهو الصحيح، وذهب ابن عصفور إلى أن الجواب في ذلك للقسم؛ لتقدمه، ولزوم كونه ماضيا؛ لأنه مغنٍ عن جواب لو ولولا، وجوابهما لا يكون إلا ماضيا، وقوله في باب القسم في التسهيل: "وتصدر -يعني جملة الجواب- في الشرط الامتناعي بلو أو لولا يقتضي أن لو ولولا وما" دخلتا عليه جواب القسم، وكلامه في الفصل الأول من باب عوامل الجزم يقتضي أن جواب القسم محذوف استغناء بجواب لو ولولا، والعذر له في عدم التنبيه هنا على لو ولولا أن الباب موضوع للشرط غير الامتناعي فلم يشملهما كلامه.
والمغاربة لا يسمون "لولا" شرطا ولا "لو" إلا إذا كانت بمعنى إن.
الثاني: إذا تأخر القسم وقرن بالفاء وجب جعل الجواب له، والجملة القسمية حينئذ هي الجواب.
وقوله في الكافية: وبجواب القسم أغنى إن وصل بالفاء.
وفي التسهيل أيضا: فيغني جوابه، يوهم أن جواب الشرط محذوف، وليس كذلك.
الثالث: أجاز ابن السراج أن تنوي الفاء فيعطي القسم المتأخر مع نيتها ما أعطيه مع اللفظ بها، فأجاز "إن تقم يعلم الله لأزورنك" على تقدير: فيعلم الله، ولم يذكر شاهدا.
وينبغي ألا يجوز ذلك؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز عند الجمهور إلا في الضرورة.
الرابع: إذا حذف جواب الشرط لم يكن الشرط حينئذ إلا ماضيا أو مقرونا بلم. قال في التسهيل: إلا قليلا. انتهى، وقد ورد في الشعر مضارعا مجردا من لم، ومنه١:
_________________
(١) ١ قائله: هو عبد الله بن عتمة الضبي، وهو من الكامل. =
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
ولديكَ إِنْ هو يستزدكَ مَزِيدُ
وأجاز ذلك الكوفيون إلا الفراء.
الخامس: لم ينبه هنا على اجتماع الشرطين، فنذكره مختصرا.
إذا توالى شرطان دون عطف فالجواب لأولهما، والثاني مقيد للأول كتقييده بحال واقعة موقعه، كقوله١:
وإن تَستغيثوا بنا إن تُذْعَرُوا تَجِدوا منا معاقلَ عِزٍّ زَانَها كَرَمُ
_________________
(١) = وصدره: يثني عليك وأنت أهل ثنائه المعنى: هو يثني عليك ويشكر نعمتك ولو عاد إليك لوجد معادا؛ إذ لا تضجر ولا تسأم من الأفضال والجود. الإعراب: "يثني" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "عليك" جار ومجرور متعلق بالفعل "وأنت" الواو للحال وأنت مبتدأ "أهل" خبره "ثنائه" مضاف إليه "ولديك" ظرف خبر مقدم "إن" شرطية "هو" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده "يستزدك" فعل مضارع مجزوم إعطاء للمفسِّر -بالكسر- حكم المفسر -بالفتح- والفاعل ضمير والكاف مفعول به "مزيد" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو دليل الجواب. الشاهد: قوله "يستزدك" حيث جاء الفعل المضارع مجردا من "لم". مواضعه: ذكره الأشموني ٥٩٠/ ٣، والسيوطي في الهمع ٥٩/ ٢، والشاهد رقم ٦٨٩ في الخزانة. ١ قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط. اللغة: "تستغيثوا" من الاستغاثة "تذعروا" على صيغة المجهول من الذعر وهو الفزع والخوف "معاقل" جمع معقل، وهو الملجأ. الإعراب: "إن" للشرط "تستغيثوا" مجزوم بحذف النون والواو فاعل -وهو فعل الشرط- "بنا" جار ومجرور متعلق بالفعل "إن" للشرط "تذعروا" فعل مضارع، فعل الشرط مجزوم بحذف النون وهو مبني للمجهول "تجدوا" فعل مضارع مجزوم بحذف النون وهو جواب للشرطين "معاقل" مفعول به لتجدوا "عز" مضاف إليه "زانها" فعل ماض والهاء مفعول به "كرم" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة صفة لمعاقل. الشاهد: قوله: "إن تستغيثوا.. إن تذعروا.. تجدوا" حيث اكتفى بجواب واحد للشرطين وهو "تجدوا". مواضعة: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٩٦/ ٣، والسيوطي في الهمع ٦٣/ ٢.
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
وإن تواليا بعطف فالجواب لهما معا، كذا قال المصنف، ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ ١.
وقال غيره: إن توالَى الشرطان بعطف بالواو فالجواب لهما نحو: "إن تأتني وإن تحسن إليَّ أحسن إليك" أو بأو فالجواب لأحدهما نحو: "إن جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرمه، أو فأكرمها" أو بالفاء، فنصوا على أن الجواب للثاني، والثاني جوابه جواب الأول، وعلى هذا فإطلاق المصنف محمول على العطف بالواو.
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٦، ٣٧ من سورة محمد.
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
فصل لو:
على ثلاثة أضرب: شرطية، ومصدرية، وللتمني.
فالشرطية: هي المذكورة في هذا الفصل، وهي قسمان: امتناعية وهي للتعليق في الماضي، وبمعنى إن، وهي للتعليق في المستقبل، وسيأتي الكلام على القسمين.
وأما المصدرية: فلم يذكرها الجمهور، وممن ذكرها أبو علي والفراء، ومن المتأخرين التبريزي وأبو البقاء وتبعهم المصنف، وعلامتها: أن يصلح في موضعها أن كقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ ١ ومن أنكر كونها مصدرية تأول الآية ونحوها على حذف مفعول يود وجواب لو؛ أي: يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر بذلك.
وأما التي للتمني: فذكرها كثير من النحويين، وجعل الزمخشري لو في قوله تعالى: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ للتمني، وهو حكاية لودادتهم ولا إشكال، فإن لو قد ترد في مقام التمني؛ ولذلك ينصب الفعل بعد الفاء في جوابها كما ينصب في جواب ليت كقوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ ٢، ولكن هل هي قسم برأسه أو راجعة إلى أحد القسمين السابقين، في ذلك خلاف، نص ابن الصائغ وابن هشام الخضراوي على أنها قسم برأسه، فلا تجاب بجواب الامتناعية، وذكر غيرهما أنها الامتناعية أشربت معنى التمني. قيل: وهو الصحيح، وقد جاء جوابها باللام بعد جوابها بالفاء في قوله٣:
_________________
(١) ١ من الآية ٩٦ من سورة البقرة. ٢ من الآية ١٠٢ من سورة الشعراء. ٣ قائلهما: مهلهل بن ربيعة واسمه امرؤ القيس، وهما من الوافر. اللغة: "زير" الزير -بكسر الزاي- من يكثر زيارة النساء "الشعثمين" أراد شعثما وشعيبا ابني معاوية بن عمرو، وقال القالي: الشعثمان موضع معروف "كليب" أخوه "بالذنائب" الباء بمعنى في، وهو ثلاث هضبات بنجد فيها قبر كليب. الإعراب: "فلو" الفاء للعطف ولو للشرط "نبش" ماض مبني للمجهول "المقابر" نائب فاعل "عن كليب" جار ومجرور متعلق بالفعل "فيخبر" بالنصب جواب لو بتقدير أن =
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
فلو نُبِشَ المقابرُ عن كلَيْب فيُخْبَرَ بالذنائب أيُّ زِيرِ
بيوم الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عينا وكيف لقاءُ مَنْ تحت القبورِ؟
وذهب المصنف إلى أنها مصدرية أغنت عن التمني، بكونها لا تقع غالبا إلا بعد مفهم تمن، قال في التسهيل بعد ذكر المصدرية: وتغني عن التمني، فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء.
وقال في شرحه: أشرت إلى نحو قول الشاعر١:
سَرَينا إليهم في جموع كأنها جبالُ شَرَوْرَى لو تُعانُ فتَنْهدا
قال: فلك في "تنهدا" أن تقول: نصب لأنه جواب تمن إنشائي كجواب ليت؛ لأن الأصل وددنا لو تعان، فحذف فعل التمني لدلالة لو عليه، فأشبهت ليت في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه، فكان لها جواب كجواب ليت، وهذا عندي هو المختار، ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء، بل من باب العطف على المصدر؛ لأن لو والفعل في تأويل مصدر. انتهى.
ونص على أن لو في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ مصدرية. واعتذر عن الجمع بينها وبين أن المصدرية بوجهين:
أحدهما: أن التقدير: لو ثبت أن. والآخر: أن يكون من باب التوكيد.
_________________
(١) = "بالذنائب" الباء بمعنى في أي: فيها "أي زير" أي: مبتدأ وزير مضاف إليه وخبره محذوف والتقدير: أي: زير أنا، ويجوز أن يكون أنا مبتدأ وأي زير مقدما خبره "بيوم الشعثمين" جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب حال من أنا المحذوف "لقر" جواب لو بعد جواب آخر بالفاء، وهي جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى كليب "عينا" تمييز "كيف" للاستفهام، ولكنه أخرج مخرج التعجب ومحله الرفع على أنه خبر مقدم "لقاء" مبتدأ مؤخر "من" موصولة مضافة إلى لقاء "تحت القبور" جملة محذوفة الصدر تقديره: من هو تحت القبور، فهو مبتدأ وتحت ظرف خبره والقبور مضاف إليه، والجملة صلة الموصول. الشاهد: قوله: "لقر" حيث إن جواب لو قد جاء باللام بعد جوابها وهو فيخبر. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٥٩٧/ ٣، وابن هشام في المغني ٢٦٧/ ١. ١ مضى شرح هذا البيت في باب إعراب الفعل.
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الكتاب، والغرض هنا شرح النظم، فقوله:
لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ في مُضِيٍّ
هذا هو القسم الأول من قسمي الشرطية، وهي الامتناعية. يعني: أن لو الامتناعية حرف يدل على تعليق فعل بفعل فيما مضى، فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه؛ إذ لو قُدر حصوله لكان الجواب كذلك، ولم تكن للتعليق في المعنى، بل للإيجاب، فتخرج عن معناها.
وأما جوابها فلا يلزم كونه ممتنعا على كل تقدير؛ لأنه قد يكون ثابتا مع امتناع الشرط، كقوله: "نعم المرءُ صهيبٌ لو لم يخفِ الله لم يَعْصِهِ"١. ولكن الأكثر أن يكون ممتنعا، فلذلك كان قولهم: لو حرف امتناع لامتناع عبارة ظاهرها الفساد؛ لأنها تقتضي كون الجواب ممتنعا في كل موضع، وليس كذلك.
والحاصل: أن لو تدل على امتناع شرطها، وعلى كونه مستلزما لجوابها، ولا يتعرض لامتناع الجواب في نفس الأمر ولا لثبوته، قال في شرح الكافية: العبارة الجيدة في لو أن يقال: حرف يدل على امتناع تالٍ يلزم لثبوته ثبوت تاليه، فقيام زيد من قولك: "لو قام زيد لقام عمرو" محكوم بانتفائه فيما مضى، وكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له؟ لا يتعرض لذلك، بل الأكثر كون الأول والثاني غير واقعين.
وقال في التسهيل: لو حرف شرط يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه. وفي بعض النسخ: لو حرف يقتضي نفي ما يلزم لثبوته ثبوت غيره، وعباراته الثلاث بمعنى واحد، قال ابن المصنف: ولا شك أن ما قاله -يعني ما قاله أبوه- في تفسير لو أحسن وأدل على معنى لو، غير أن ما قالوه عندي تفسير صحيح وافٍ بشرح معنى لو، وهو الذي قصده سيبويه من قوله: لما كان سيقع لوقوع غيره.
_________________
(١) ١ هو من كلام عمر وجعله من كلام النبي -ﷺ- وهم، وإنما الوارد عنه -ﷺ- ما رواه أبو نعيم في الحلية أن النبي -ﷺ- قال في سالم مولى أبي حذيفة أنه شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله ما عصاه. صبان ٢٥/ ٤.
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
يعني: أنها تقتضي فعلا ماضيا كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره والمتوقع غير واقع، فكأنه قال: لو تقتضي فعلا امتنع لامتناع ما كان يثبت لثبوته، وهو نحو مما قاله غيره، فلنرجع إلى بيان صحته، فنقول: قولهم لم تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول يستقيم على وجهين:
الأول: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع الشرط غير ثابت لثبوت غيره بناء منهم على مفهوم الشرط في حكم اللغة لا في حكم العقل.
والثاني: أن يكون المراد أن جواب لو ممتنع لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتا لثبوت غيره؛ لأنها إذا كانت تقتضي نفي تاليها أو استلزامه لتاليه فقد دلت على امتناع الثاني لامتناع الأول؛ لأنه متى انتفى شيء انتفى مساويه في اللزوم مع احتمال أن يكون ثابتا لثبوت آخر. انتهى مختصرا.
وهذا الوجه الثاني هو الذي قرره في شرح الألفية.
ويقل إيلاؤُه مُستقبَلا لَكِنْ قُبِلْ
أي: يقل إيلاء لو فعلا مستقبل المعنى، وما كان من حقها أن يليها، لكن قيل: لورود السماع به كقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ١.
وقد ذكر ابن عصفور وغيره من النحويين أن لو "قد"٢ ترد بمعنى أن، وتعقب ذلك ابن الحاجب على ابن عصفور وقال وقال: هذا خطأ. قال الشارح: وعندي أن لولا تكون لغير الشرط في الماضي، وما تمسكوا به من نحو قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ وقول الشاعر٣:
ولو أن ليلى الأخيلية سلَّمتْ
_________________
(١) ١ من الآية ٩ من سورة النساء. ٢ ب، ج. ٣ قائله: توبة بن الحمير -بضم الحاء فتح الميم وتشديد الياء- وهو من الطويل. وتمامه: عليَّ ودوني جندل وصفائحُ =
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
لا حجة فيه لصحة حمله على المعنى.
ثم نبه بقوله:
وَهْيَ في الاختصاصِ بالفعلِ كإِنْ
على أن لولا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر يفسره فعل ظاهر بعد الاسم، كقول عمر بن الخطاب ﵁: "لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة"١، وقال ابن عصفور: لا يليها فعل مضمر، إلا في الضرورة، كقوله٢:
_________________
(١) = وبعده: لسلمت تسليم البشاشة أو زَقا إليا صَدى من جانب القبر صائحُ اللغة: "جندل" -بفتحتين بينهما سكون- أي حجر "صفائح" هي الحجارة العراض التي تكون على القبور "البشاشة" طلاقة الوجه "زقا" صاح "الصدى" ذكر البوم. المعنى: يريد أن ليلى لو سلمت عليه بعد موته وقد حجبته عنها الجنادل والأحجار العريضة، لسلم عليها وأجابها تسليم ذوي البشاشة، أو لناب عنه في تحيتها صدى يصيح من جانب القبر. الإعراب: "لو" حرف امتناع "أن" حرف توكيد ونصب "ليلى" اسم أن "الأخيلية" نعت لليلى "سلمت" فعل ماض والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر أن، وأن ومعمولها في تأويل مصدر: إما فاعل لفعل محذوف، والتقدير: لو ثبت تسليم ليلى، وإما أن يكون المصدر مبتدأ والخبر محذوف والتقدير: ولو تسليم ليلى حاصل، مثلا، على أية حال فهذه الجملة هي جملة الشرط "عليَّ" جار ومجرور متعلق بسلمت "ودوني" الواو للحال ودوني ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وياء المتكلم مضاف إليه "جندل" مبتدأ مؤخر "وصفائح" عطف عليه، والجملة في محل نصب حال. الشاهد: وقوع الفعل المستقبل في معناه بعد "لو" وهذا قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٠٠/ ٣، وابن عقيل ٢٨٨/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١١٩، وفي الهمع ٦٤/ ٢، وابن هشام في المغني ٢٦١/ ١. ١ الضمير المنصوب يعود إلى كلمة أبي عبيدة، وذلك أن عمر -﵁- لما توجه في زمن خلافته بالجيش إلى الشام بلغه أثناء الطريق أنه وقع بها وباء فأجمع رأيه على الرجوع بعد أن أشار به جمع من الصحابة، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله تعالى؟ فقال له عمر ﵁: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. وجواب لو محذوف أي: لعددتها. ٢ قائله: أبو الغطمش الضبي، وهو من الطويل. وعجزه: عَتبتُ ولكن ما على الموت مَعتَبُ اللغة: "أخلاي" جمع خليل، وهو الصديق "الحمام" الموت "معتب" مصدر ميمي بمعنى العتاب، من عتب عليه. =
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
أخلايَ لو غيرُ الحِمَامِ أصابكُم
أو نادر، كقول حاتم: "لو ذاتُ سِوارِ لطَمتْني"١.
والظاهر أن ذلك لا يختص بالضرورة والنادر، بل يكون في فصيح الكلام، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٢ حذف الفعل فانفصل الضمير.
ثم نبه على ما تنفرد به لو من مباشرة أن، فقال:
لكِنَّ لو أنَّ بها قد تَقْتَرِنْ
وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ ٣ واختلف في موضع أن بعد لو، فذهب سيبويه إلى أنها في موضع رفع بالابتداء، وشبه شذوذ ذلك بانتصاب غدوة بعد لدن.
وذهب الكوفيون والمبرد والزجاج وجماعة إلى أنها فاعل يثبت مقدرا، وهو أقيس؛ إبقاء للاختصاص، وقوله في شرح الكافية: وزعم الزمخشري أن بين لو وأن ثبت مقدرا، قد يوهم انفراده بذلك.
فإن قلت: إذا جعلت مبتدأ فما الخبر؟
_________________
(١) = المعنى: لو أصابكم أحد غير الموت لسخطت عليه ووجدت، وكان لي معه شأن آخر، ولكن الذي أصابكم الموت، ولا عتاب عليه ولا سخط؛ لأنه قدر لا مفر منه. الإعراب: "أخلاي" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الياء والياء مضافة إليه "لو" شرطية غير جازمة "غير" مبتدأ خبره بعده أو فاعل لفعل محذوف يفسره أصابكم "الحمام" مضاف إليه "أصابكم" فعل ومفعول والفاعل ضمير "عتبت" فعل وفاعل والجملة جواب لو "ولكن" عطف واستدراك "ما" نافية "على الدهر" جار ومجرور خبر مقدم "معتب" مبتدأ مؤخر. الشاهد: وقوع الاسم وهو "غير" بعد "لو" الشرطية، وذلك قليل. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٠١/ ٣، وابن هشام ٤٢٠/ ٣، وابن الناظم. ١ قاله حين لطمته جارية، وسبب اللطمة أن صاحبة المنزل أمرته أن يفصد ناقة لها لتأكل دمها فنحرها، فقيل له في ذلك فقال: هذا فصدي، فلطمته الجارية فقال: لو ذات سوار لطمتني، وذات السوار الحرة؛ لأن الإماء لا تلبس السوار، وجواب لو محذوف: لهان. ٢ من الآية ١٠٠ من سورة الإسراء. ٣ من الآية ٥ من سورة الحجرات.
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
قلت: قال ابن هشام الخضراوي: مذهب سيبويه والبصريين أن الخبر محذوف، وقال غيره: مذهب سيبويه أنها لا تحتاج إلى خبر؛ لانتظام المخبر عنه والخبر بعد أن.
فإن قلت: هل يفهم من قوله: "لكن لو" موافقة سيبويه؟
قلت: ظاهره موافقته في جعلها مبتدأ؛ إذ لو كان الفعل مقدرا لكان الاختصاص باقيا، ولم يكن حاجة إلى الاستدراك. ويحتمل أن يكون استدراك للتنبيه على أنها تنفرد بمباشرة أن لا غير، فيحتمل المذهبين.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن لولا يليها غير ما ذكر، وقد ذكر في غير هذا الموضع أنها قد وليها مبتدأ وخبر في قول الشاعر١:
لو بغير الماء حَلْقي شَرِقٌ
قلت: إنما ساغ ذلك في الضرورة، ولقلته لم يذكره هنا، وقد تأول ابن خروف البيت على إضمار "كان" الشانية، وتأوله الفارسي على أن حلقى فاعل فعل مقدر يفسره شرق، وشرق خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شرق، وفيه تكلف.
_________________
(١) ١ قائله: هو عدي بن زيد التميمي، وهو من الوافر. وعجزه: كنت كالغصان بالماء اعتصاري اللغة: "شرق" بفتح الشين وكسر الراء "كالغصان" فعلان من الغصة وهو الذي غص أي: شرق، والمراد: بغير الماء "اعتصاري" نجاتي وملجئي. قال أبو عبيدة: الاعتصار: الملجأ. المعنى: لو شرقت بغير الماء أسغت شرقي بالماء، فإن غصصت بالماء فبمَ أسيغه؟ الإعراب: "لو" للشرط "حلقي" مبتدأ "شرق" خبره "بغير الماء" متعلق به "كنت" كان فعل ماض ناقص والتاء اسمه، وهي جواب لو "كالغصان" جار ومجرور في محل نصب خبر كان "اعتصاري" مبتدأ والياء مضاف إليه "بالماء" جار ومجرور خبر مقدم. الشاهد: قوله: "لو بغير الماء" وذلك لأن شرط لو أن تكون مختصة بالفعل، وليس هاهنا كذلك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٠١/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٦٦/ ٢، وابن هشام في المغني ٢٦٧/ ١، وسيبويه ٤٦٢/ ١.
[ ٣ / ١٣٠١ ]
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وقد حمل الزمخشري ادعاءه إضمار ثبت بين لو وأن على التزام كون الخبر فعلا، ومنعه أن يكون اسما، ولو كان بمعنى فعل نحو: "لو أن زيد حاضر" وما منعه شائع ذائع في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ١ وكقول الراجز٢:
لو أن حيا مُدركُ الفلاح
قلت: وقد نُقل ذلك عن السيرافي، وأقول: الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الزمخشري أن يمنع كون خبرها اسما مشتقا، ويلتزم الفعل حينئذ؛ لإمكان صوغه قضاء لحق طلبها بالفعل، وأما إذا كان الاسم جامدا فيجوز لتعذر صوغ الفعل منه كما فعل الشيخ أبو عمرو.
ألا ترى قوله في المفصل، لو قلت: "لو أن زيدا حاضر لأكرمته" لم يجز؟
ولم يتعرض لغير المشتق، وإذا حمل على هذا لم يرد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ .
ولا نحو٣:
ولو أنها عصفورة
_________________
(١) ١ من الآية ٢٧ من سورة لقمان. ٢ قائله: هو لبيد بن عامر العامري، وهو من الرجز. وعجزه: أدركه مُلاعبُ الرماح اللغة: "الفلاح" النجاة والفوز والبقاء "ملاعب الرماح" أراد به أبا براء عامر بن مالك الذي يقال له: ملاعب الأسنة، وإنما قال لبيد: ملاعب الرماح؛ لضرورة القافية. الإعراب: "لو" للشرط "أن" حرف توكيد ونصب "حيا" اسم أن "مدرك" خبر أن مرفوع بالضمة "الفلاح" مضاف إليه "أدركه" فعل ماض والهاء مفعول والضمير يرجع إلى الفلاح "ملاعب" فاعل أدرك مرفوع بالضمة الظاهرة "الرماح" مضاف إليه وجملة أدرك وقعت جوابا للو. الشاهد: قوله: "مدرك الفلاح" حيث وقع خبرا لأن الواقعة بعد لو وهو اسم. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٠٣/ ٢، والسيوطي ص١١٩، وابن هشام في المغني ٢٧٠/ ١. ٣ قائله: هو العوام بن شوذب، وهو من الطويل. وتمامه: لحسبتها مُسومة تدعو عُبيدا وأزْنَما =
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
وإنما يرد عليه نحو: لو أن حيا مدركُ الفَلاحِ.
وله أن يجيب بأنه نادر.
وإِنْ مضارعٌ تلاها صُرِفَا إلى المضيِّ نَحْوُ لو يَفِي كَفَى
"يعني أن المضارع إذا وقع بعد لو صرف معناه إلى المضي. فمعنى لو يفي كفى: لو وفا كفى"١، ومثله٢:
لو يسمعونَ كما سمعتُ حديثَها خَرُّوا لعزة رُكعا وسُجُودا
_________________
(١) = اللغة: "لحسبتها" لظننتها "مسومة" معلمة "عبيدا" -بضم العين- بطن من الأوس "أزنما" بطن من بني يربوع، إليهم تنسب الإبل الأزتمية. الإعراب: "ولو" للعطف والشرط "أنها" أن حرف توكيد ونصب والهاء اسمها "عصفورة" خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، والضمير يرجع إلى الأسودة التي ترى من بعيد "لحسبتها" فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول أول لحسبت "مسومة" مفعول ثانٍ والجملة وقعت جوابا للو "تدعو" جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب "عبيدا" مفعول به "وأزنما" عطف على عبيدا، والألف للإشباع لأجل القافية. الشاهد: قوله: "عصفورة" حيث وقع خبرا لأن الواقعة بعد لو وهو اسم جامد. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٠٣/ ٣، وابن هشام في المغني ٢٧/ ١. ١ أ، ج. ٢ قائله: هو كثير عزة، هو من الكامل. اللغة: "خروا" من الخرور وهو السقوط "عزة" اسم محبوبته "ركعا" -بضم الراء- جمع راكع "سجودا" بضم السين جمع ساجد. الإعراب: "لو" حرف امتناع "يسمعون" فعل مضارع وواو الجماعة فاعل والنون علامة الرفع والجملة شرط لولا محل لها "كما" الكاف جارة وما مصدرية "سمعت" فعل وفاعل وما وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف نعت لمصدر محذوف أي: سماعا مثل سماعي "حديثها" تنازعه الفعلان قبله، وكل منهما يطلبه مفعولا وها مضاف إليه "خروا" فعل ماض وواو الجماعة فاعل، والجملة جواب لولا محل لها من الإعراب "لعزة" جار ومجرور متعلق بقوله: خروا "ركعا" حال من الواو في خروا "وسجودا" معطوف عليه. الشاهد: قوله: "لو يسمعون" حيث وقع الفعل المضارع بعد "لو" فصرفت معناه إلى المضي، فهو في قوة قولك: "لو سمعوا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٠٣/ ٣، وابن الناظم، وابن عقيل ٢٩١/ ٢، والمكودي ص١٥١.
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
تنبيهان:
الأول: "لو" الصارفة إلى المضي هي الامتناعية.
وأما التي بمعنى إن فتصرف الماضي إلى المستقبل، فإذا وقع بعدها مضارع فهو مستقبل المعنى، كقوله١:
لا يُلْفِكَ الرَّاجُوك إلا مُظهِرا خُلُقَ الكرام ولو تكونُ عَدِيمَا
الثاني: لا يكون جواب لو إلا فعلا ماضيا مثبتا أو منفيا بما أو مضارعا مجزوما بلم.
والأكثر في الماضي المثبت اقترانه باللام، وقد تحذف كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ٢ وقد تصحب المنفي بما، كقول الشاعر٣:
كذبتُ وبيت الله لو كنتَ صادقا لما سَبَقتْنِي بالبكاءِ حمائمُ
وإن ورد ما ظاهره خلاف ذلك جعل الجواب محذوفا.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل. اللغة: "لا يلفك" لا يجدك من ألفى يلفي إذا وجد "الكرام" جمع كريم "العديم" المعدوم وهو الذي لا يملك شيئا. المعنى: يمدح به الشاعر شخصا يقول: لا يجدك أحد من السائلين إلا وأنت مظهر لهم خلقا كريما مثل أخلاق الكرماء ولو كنت لا تملك شيئا. الإعراب: "لا يلفك" لا ناهية يلفي فعل مضارع والكاف مفعول أول "الراجوك" فاعل "مظهرا" مفعول ثان "خلق " مفعول لمظهرا "الكرام" مضاف إليه "لو" حرف شرط "تكون" فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر "عديما" خبر تكون. الشاهد: قوله: "لو تكون" فإن لو شرط في المستقبل مع أنه لم يجزم؛ لأن لو بمعنى إن لا يجزم ولكن إذا دخل على الماضي يصرفه للمستقبل، وإذا وقع بعده مضارع فهو مستقبل المعنى. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٠٠/ ٣، وابن هشام في المغني ٢٦١/ ١. ٢ من الآية ٧٠ من سورة الواقعة. ٣ قائله: هو مجنون بني عامر -وعن أبي عمرو الشيباني أن المجنون كان ذات ليلة جالسا مع أصحاب له من بني عمه، وهو واله يتلظى ويتململ وهم يعظونه حتى هتفت حمامة من سرحة كانت بإزائهم فوثب قائما وقال أبياتا فيها هذا البيت- وهو من الطويل. اللغة: "كنت صادقا"، ويروى: "لو كنت عاشقا" "حمائم" جمع حمامة. الإعراب: "كذبت" فعل ماض والتاء فاعل -أراد كذبت في دعواي عشق ليلى- "وبيت الله" قسم "لو" للشرط "كنت" فعل ماض ناقص والتاء اسمها "صادقا" خبر كان، والجملة وقعت فعل الشرط "لما سبقتني" فعل ماض والياء مفعول "بالبكاء" جار ومجرور متعلق بالفعل "حمائم" فاعل سبقتني، وجملة سبقتني وقعت جواب الشرط. الشاهد: قوله: "لما سبقتني" فإنه جواب لو، وقد صحب اللام فيه حرف النفي.
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
فصل أمَّا ولَوْلا ولَوْمَا:
أمَّا كمهما يكُ من شيء وَفَا لتِلْوِ تلوها وُجُوبا ألِفَا
أما حرف بسيط فيه معنى الشرط يؤول بمعنى: مهما يك من شيء؛ لأنه قائم مقام أداة الشرط وفعل الشرط، ولا بد بعده من جملة هي جواب له، فالأصل في قولك: "أما زيد فمنطلق" مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فحذف فعل الشرط وأداته، وأقيمت أما مقامهما، وكان الأصل أن يقال: أما زيد منطلق، فتجعل الفاء في صدر الجواب، وإنما أخرت لضرب من إصلاح اللفظ. وإلى هذا أشار بقوله:
وفا لتلو تلوها
تنبيهات:
الأول: يؤخذ من قوله: "لتلو تلوها" أنه لا يجوز أن يتقدم الفاء أكثر من اسم واحد، فلو قلت: "أما زيد طعامه فلا تأكل" لم يجز، كما نص عليه غيره.
الثاني: لا يفصل بين "أما" والفاء بجملة تامة، إلا إن كان دعاء، بشرط أن يتقدم الجملة فاصل نحو: "أما اليوم رحمك الله فالأمر كذا".
الثالث: قول الشارح: يفصلون بين أما والفاء بجزء من الجواب، فإن كان الجواب شرطيا فصل بجملة الشرط، وإن كان غير شرطي فصل بمبتدأ أو خبر أو معمول فعل أو شبهه أو معمول مفسر به يقتضي ظاهره أنه لا يفصل بغير ذلك، وليس كذلك، بل قد يفصل بالظرف والمجرور والحال والمفعول له معمولا لأما أو لفعل الشرط المحذوف.
الرابع: ما ذكر من قوله: "أما كمهما يك" لا يعني به أن معنى أما كمعنى مهما وشرطها؛ لأن أما حرف فكيف يصح أن تكون بمعنى اسم وفعل؟ وإنما المراد أن موضعها صالح لهما، وهي قائمة "مقامهما"١؛ لتضمنها "معنى الشرط"٢.
_________________
(١) ١ ب، ج، وفي أ "مقامها". ٢ أ، ب وفي ج "معنى حرف الشرط".
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
الخامس: تقديرها بمهما كما ذكر قول الجمهور. وقال بعض النحويين: إذا قلت: "أما زيد فمنطلق" فالأصل إن أردت معرفة حال زيد فزيد منطلق، حذفت أداء الشرط وأنيبت أما مناب ذلك.
السادس: قال في التسهيل: أما حرف تفصيل، وكذا قال كثير من النحويين، ولم يذكروا لها غير هذا المعنى، وقال بعضهم: "وقد ترد حيث لا تفصل نحو: "أما زيد فمنطلق" وقال بعضهم"١: وهي حرف إخبار مضمن معنى الشرط. وقوله "وجوبا" يعني: في غير ما سيذكر في قوله:
وحَذْفُ ذي الفا قّلَّ في نَثْرٍ إذَا لم يكُ قَوْلٌ معها قد نُبِذَا
يعني: أن حذف هذه الفاء في النثر قليل وكثير.
فالكثير: أن تحذف مع قول استغنى عنه بمحكيه كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ ٢ أي: فيقال لهم: أكفرتم.
والقليل: أن تحذف لا مع قول نحو ما خرجه البخاري من نحو قوله ﷺ: "أما بعد، ما بالُ جالٍ".
قد فهم من قوله: في نثر، أنها تحذف للضرورة كقوله٣:
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ من الآية ١٠٦ من سورة آل عمران. ٣ قائله: هو الحارث بن خالد المخزومي يهجو به بني أسيد، وهو من الطويل. وعجزه: ولكن سَيْرا في عِرَاضِ المواكبِ اللغة: "عراض" جمع عُرض -بالضم- وهو الناحية والشق "المواكب" جمع موكب، وهو الجماعة من الناس ركبانا أو مشاة، وقيل: هم الراكبون على الإبل والخيل للزينة خاصة. المعنى: يصف الشاعر بني أسيد بالجبن والضعف، وأنهم لا يقدرون على القتال ومنازلة الشجعان، ولكنهم يسيرون في جانب المواكب للزينة لا غير. الإعراب: "أما" شرطية نائبة عن مهما وفعل الشرط "القتال" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "لا" نافية للجنس "قتال" اسم لا "لديكم" ظرف متعلق بمحذوف خبر لا، والضمير مضاف إليه وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ "ولكن" الواو حرف عطف لكن حرف استدراك ونصب واسمها ضمير مخاطبين محذوف "سيرا" مفعول مطلق لفعل محذوف تقع جملته خبرا للكن، وتقدير الكلام: ولكنكم تسيرون سيرا، وقيل: إن =
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
فأما القتالُ لا قتالَ لديكُمُ
والحاصل أن حذفها على ثلاثة أضرب كثير، ونادر، وضرورة.
تنبيه:
لم ينبه في الكافية والتسهيل على ندور حذفها في النثر دون قول، فهو من زيادات الألفية:
لولا ولوما يلزمان الابتدا إذا امتناعا بوجود عَقَدَا
للولا ولوما حالان:
أحدهما: يختصان فيه بالأسماء، وذلك إذا دلا على امتناع شيء لوجود غيره. "وقد"١ يقال أيضا: لوجوب غيره، وهذا معنى قوله: "إذا امتناعا بوجود عقدا" أي: إذا ربطا امتناع شيء بوجود غيره، وفهم من قوله: "يلزمان الابتدا" فائدتان:
الأولى: أنهما لا يليهما الفعل.
والثانية: أن الاسم بعدهما مرفوع بالابتداء، وتقدم الكلام على خبره في باب الابتداء.
فإن قلت: فقد ولي لولا الفعل في قوله٢:
_________________
(١) = "سيرا" هو اسم للكن وخبرها هو المحذوف، وتقدير الكلام على هذا: ولكن لكم سيرا "في" حرف جر "عراض" مجرور بفي، والجار والمجرور متعلق بسير، وعراض مضاف و"المواكب" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: قوله: "لا قتال لديكم" حيث حذف الفاء من جواب "أما" مع أن الكلام ليس على تضمن قول محذوف، وذلك ضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٠٥/ ٣، وابن هشام ٤٢٥/ ٣، وابن عقيل ٢٩٢/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص١٥١، وذكره السيوطي في الهمع ٦٧١/ ٢، وابن هشام في المغني ٥٦/ ١. ١ أ. ٢ قائله: هو أبو ذؤيب الهذلي، وهو من الطويل. وصدره: ألا زعَمتْ أسماءُ أن لا أحبُّها الإعراب: "ألا" أداء استفتاح "زعمت" فعل ماض والتاء للتأنيث "أسماء" فاعل "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن "لا" نافية "أحبها" فعل مضارع والفاعل ضمير =
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
فقلت بلى لولا يُنازعني شُغْلي
قلت: يُؤول على وجهين:
أحدهما: أن لولا مؤولة بلو وليست مركبة، بل لو على حالها ولا نافية للماضي.
والآخر: أن تكون المختصة بالابتداء وإن مقدرة بعدها وموضعها رفع بالابتداء.
وثاني الحالين: يختصان فيه بالأفعال، وذلك إذا دلا على التحضيض "ويشاركهما في ذلك الأحرف المذكورة في قوله"١:
وبهما التحضيضَ مِزْ وَهَلا ألَّا، ألا وأولِيَنْها الفِعْلا
المشهور أن حروف التحضيض أربعة وهي: لولا، ولوما، وهلا وألا -بالتشديد- وأما ألَا -بالتخفيف- فهي حرف عرض، وذكره لها مع حروف التحضيض يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد "به"٢ أنها تكون للتحضيض بمعنى هلَّا في بعض المواضع لا مطلقا؛ لأنه ذكر في غير هذا الموضع أنها تكون للعرض.
والثاني: أن يكون ذكرها مع أدوات التحضيض لمشاركتها لهن في الاختصاص بالفعل "وقرب معناها من معناهن، وإن لم تكن موضوعة لمعناهن". ويؤيده قوله في شرح الكافية وألحق بحروف التحضيض في الاختصاص بالفعل٣: "ألا تزورنا" ثم قال:
_________________
(١) = والهاء مفعوله والجملة في محل رفع خبر أن "فقلت" فعل وفاعل "بلى" حرف جواب "لولا" حرف امتناع لوجود "ينازعني" فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول به "شغلي" فاعل والياء مضاف إليه. الشاهد: قوله: "لولا ينازعني" حيث ولي لولا الفعل. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢٧٦/ ٢. ١ أ، ج. ٢ أ. ٣ أ.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
وقَدْ يليها اسْمٌ بفِعْلٍ مُضْمَرِ عُلِّقَ أو بظاهرٍ مُؤخَّرِ
مثال الأول: "هلَّا زيدًا تضربه" فزيدًا علق بفعل مضمر، بمعنى أنه معمول للفعل المضمر.
ومثال الثاني: "هلَّا زيدًا تضربُ" فزيدًا علق بفعل ظاهر مؤخر، بمعنى أنه معمول للفعل الذي بعده؛ لأنه مفرغ له.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن حروف التحضيض لا يليها إلا فعل أو معمول فعل مضمر أو فعل مؤخر.
تنبيه:
قال في شرح الكافية: وربما ولي حرف التحضيض مبتدأ وخبر كقول الشاعر١:
فهلَّا نفسُ ليلى شفيعُهَا
قال: والأجود أن ينوي بعدها "كان" الشأنية.
_________________
(١) ١ قائله: هو قيس بن الملوح، وقيل: للصمة بن عبيد الله القشيري، وهو من الطويل. وصدره: ونُبئْتُ لَيْلى أرسَلت بشفاعَة إليَّ اللغة: "نبئت" -بالبناء للمجهول- أُخبرت "أرسلت بشفاعة" الشفاعة هو التوسل ابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى الشفيع، والذي أراده من الشفاعة هو الأمر الذي حمله رسولها، فلذلك عدي الفعل بالباء. الإعراب: "نبئت" نبئ فعل ماض ينصب ثلاثة مفاعيل مبني للمجهول مبني على فتح مقدر على آخره لا محل له من الإعراب وتاء المتكلم نائب فاعله وهو المفعول الأول "ليلى" مفعول ثان "أرسلت" فعل ماض والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ليلى، وجملة الفعل وفاعله في محل نصب مفعول ثالث لنبئ "بشفاعة" جار ومجرور متعلق بأرسل "إليَّ" جار ومجرور متعلق بأرسل "فهلا" الفاء حرف دال على السببية وهلا حرف تحضيض "نفس" مبتدأ مرفوع بالضمة "ليلى" مضاف إليه "شفيعها" خبر المبتدأ، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب خبر لكان المحذوفة مع اسمها، واسمها المحذوف ضمير شأن، والتقدير: فهلا كان هو -الحال والشأن- نفس ليلى شفيعها. الشاهد: قوله: "فلا نفس ليلى" فإن قوله: "نفس ليلى" مبتدأ وشفيعها خبر، وهذه الجملة في محل نصب خبر لكان المضمرة مع اسمها. مواضعه: ذكره الأشموني ٦١٠/ ٣، وابن هشام في باب الإضافة، وابن الناظم.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
قلت: وعلى هذا "الوجه"١ خرجه ابن طاهر، وخرجه بعضه على جعل ما بعدها فاعلا بفعل مقدر تقديره: فهلا شفعت نفس ليلى، وشفيعها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي شفيعها، وفيه تكلف.
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
الإخبار بالذي والألف واللام:
الباء في قوله: "الإخبار بالذي" باء السببية لا باء التعدية؛ لأن "الذي" يجعل في هذا الباب مبتدأ، لا خبرا، كما ستقف عليه، فهو في الحقيقة مخبر عنه، وباب الإخبار وضع للاختبار كمسائل التمرين في التصريف. قال الشارح: وكثيرا ما يصار إلى هذا الإخبار لقصد الاختصاص، أو تقوي الحكم، أو تشويق السامع، أو إجابة الممتحن.
ولما شرع في هذا الباب بدأ بكيفية الإخبار فقال:
ما قِيلَ أخبر عنه بالذي خَبَرْ عن الذي مبتدأ قَبْلُ استقَرْ
وما سواهما فوسِّطهُ صِلَهْ عائدُها خلفُ مُعْطِي التَّكْمِلَهْ
أي: إذا عين لك اسم من جملة، وقيل "لك"١ أخبر عنه بالذي فصدر الجملة بالموصول مبتدأ وأخر ذلك الاسم، واجعله خبرا عن الموصول المتقدم، وما سوى الموصول وخبره فوسطه بينهما فيكون صلة للموصول، واجعل في موضع الاسم الذي أخرته وجعلته خبرا ضميرا عائدا على الموصول.
فقد علم بما ذكر أن المخبر عنه في هذا الباب هو المجعول خبرا، قال ابن السراج: وإنما قال النحويون: أخبر عنه وهو في اللفظ خبر؛ لأنه في المعنى مخبر عنه و"ما" في قوله: "ما قيل" موصولة وهي مبتدأ.
وقوله: "خبر" هو "خبرها"٢، وقوله: "مبتدأ" حال من الذي، وقوله: "عائدها خلف معطي التكملة" معناه عائد الصلة، هو الضمير الذي خلف الاسم المجعول خبرا وهو "معطي التكملة" ثم فقال:
نحوُ الذي ضربتُه زيدٌ فَذَا
ضربتُ زيدا كان فادْرِ المأخَذَا
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ ب، ج وفي أ "خبر ما".
[ ٣ / ١٣١١ ]
إذا أخبر عن "زيد" من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضربته زيد" فصدرت الجملة بالذي مبتدأ وأخرت "زيدا" وهو المخبر عنه فجعلته خبرا عن الذي، وجعلت ما بينهما صلة الذي وجعلت "في"١ موضع زيد الذي أخرته ضميرا عائدا على الموصول.
وإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا" قلت: "الذي ضرب زيدا أنا" ففعلت فيه ما ذكر، إلا أن التاء ضمير متصل لا يمكن تأخيرها مع بقاء الاتصال ففصلت الضمير وأخرته، فلذلك قلت: أنا.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ما قيل أخبر عنه بالذي خبر هو أو خلفه. كما قال في التسهيل: وتأخير الاسم أو خلفه خبرا؛ ليشمل الضمير المتصل.
قلت: لا يخفى أن الضمير المتصل لا يمكن تأخيره إلا بعد انفصاله، فلم يحتج هنا إلى التنبيه عليه لوضوحه، واستكن الضمير الغائب الذي جعلته موضع التاء في ضرب، ومنع بعضهم الإخبار عن الفاعل إذا كان ضمير متكلم أو مخاطب، والصحيح الجواز.
وباللذَيْنِ والذِينَ والتي أخبِرْ مراعيا وِفَاقَ الْمُثْبَتِ
يعني: أن المخبر عنه في هذا الباب إذا كان مثنى أو مجموعا أو مؤنثا جيء بالموصول مطابقا له؛ لكونه خبره، فإذا أخبرت عن الزيدين من نحو: "بلَّغَ الزيدانِ العمرَيْنِ رسالةً".
قلت: "اللذان بلغ العمرين رسالة الزيدان".
أو عن العمرين قلت: "الذين بلغهم الزيدان رسالة العمرون".
أو عن الرسالة قلت: "التي بلغها الزيدان العمرِين رسالة".
وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن حكم باب الإخبار تقديم المبتدأ على الخبر لقوله: "قبل استقر".
فإن قلت: فهل ذلك على سبيل الوجوب؟
_________________
(١) ١ أ.
[ ٣ / ١٣١٢ ]
قلت: الذي يدل عليه كلام النحويين أن ذلك على سبيل الوجوب؛ لاشتراطهم في المخبر عنه قبول التأخير، ونص بعضهم على جواز تقديم المبتدأ في هذا الباب. وممن نص عليه الشارح، وفي البسيط أن ذلك على جهة الأولى والأحسن، وأنه يصح أن يقال: "زيد الذي ضرب عمرًا" فنجعل زيدا خبرا عن الذي إما مقدما وإما مؤخرا، وجوزه المبرد.
والثانية: أن الضمير الذي يخلف الاسم المتأخر لا بد من مطابقته الموصول لكونه عائدا، ويلزم كونه غائبا. ولو خالف ضمير متكلم أو مخاطب، وأجاز أبو ذر الخشني جعله مطابقا للخبر في الخطاب والتكلم، فتقول في الإخبار عن التاء في "ضربت الذي ضربت أنت" وعن التاء في "ضربت الذي ضربت أنا" ومذهب الجمهور منع ذلك.
الثالثة: أن هذا الضمير ينوب عن الاسم المتأخر في إعرابه الذي كان له؛ لكونه خلفه في موضعه فاستحق إعرابه.
ولما بين كيفية الإخبار شرع في شروط المخبر عنه فقال:
قبولُ تأخيرٍ وتعريفٍ لِمَا أُخْبِرَ عنه هاهنا قد حُتِمَا
كذا الغِنَى عنه بأجنبي اوْ بمضمرٍ شَرْطٌ فَرَاعِ ما رَعَوْا
هذه أربعة شروط:
الأول: قبول التأخير، فلا يخبر عن اسم يلزم صدر الكلام كضمير الشأن واسم الشرط واسم الاستفهام وكم الخبرية.
الثاني: قبلو التعريف، فلا يخبر عن الحال والتمييز؛ لأنهما ملازمان للتنكير.
الثالث: قبول الاستغناء بأجنبي، فلا يخبر عن اسم لا يجوز الاستغناء عنه بأجنبي، ضميرا كان أو ظاهرا، فالضمير كالهاء من قولك: "زيد ضربته" فإنها عائدة قبل ذكر الموصول على بعض الجملة، فلو أخبرت عنها لخلفها مثلها في العود إلى ما كانت تعود عليه، فيلزم إما بقاء الموصول بلا عائد، وإما عود ضمير واحد على شيئين، وكلاهما محال.
[ ٣ / ١٣١٣ ]
والظاهر كاسم إشارة نحو: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ١ وغيره مما حصل به الربط، فإنه لو أخبر عنه لزم المحذوف السابق.
تنبيه:
فهم من قوله: "كذا الغنى عنه بأجنبي" "أنه يجوز الإخبار عن ضمير الغائب الذي يجوز الاستغناء عنه بأجنبي"٢ وله صورتان:
إحداهما: أن يكون عائدا إلى اسم جملة أخرى نحو أن يذكر إنسان فتقول: لقيته، فيجوز الإخبار عن الهاء فيقال: الذي لقيته هو. صرح المصنف بجواز الإخبار في هذه الصورة وفاقا للشلوبين وابن عصفور، وذهب الشلوبين الصغير إلى منع ذلك، وهو ظاهر كلام الجزولي.
قال الشيخ أبو حيان: ونكتة هذا الخلاف: هل شرط هذا الضمير ألا يكون عائدا على شيء قبله أو شرطه ألا يكون رابطا؟
والأخرى: أن يكون عائدا على بعض الجملة إلا أنه غير محتاج إليه للربط نحو: "ضرب زيد غلامه".
فلا يمتنع على مقتضى كلام الناظم الإخبار عن الهاء في المثال فتقول: "الذي ضرب زيد غلامه هو" لأن الهاء في المثال يجوز أن يخلفها الأجنبي، فتقول: "ضرب زيد غلام عمرو" فلا يلزم من الإخبار عنها المحذوف المتقدم ذكره، وقد مثل الشارح بهذا لما يمتنع الإخبار عنه لكونه لا يستغنى عنه بالأجنبي، وليس كذلك.
فإن قلت: ظاهر كلامه في شرح الكافية منعها، فإنه قال: وباشتراط جواز الاستغناء عنه بأجنبي على امتناع الإخبار عن ضمير عائد على بعض الجملة؛ يعني: ونبهت باشتراط.
قلت: لا حجة في ذلك، بل الظاهر أن مراده ما كان متعينا للربط؛ لأن تعليله يرشد إليه وتمثيله يساعد عليه.
فإن قلت: فهل يجري فيها خلاف من تقدم؟
_________________
(١) ١ من الآية ٢٦ من سورة الأعراف. ٢ أوفي ب، ج "عدم امتناع الإخبار عن العائد".
[ ٣ / ١٣١٤ ]
قلت: لا إشكال أن من منع الأولى فامتناع هذه عنده أولى.
الرابع: جواز الاستغناء "عنه بضمير، فلا يخبر عن مصدر عامل دون معموله، ولا موصوف دون صفته، ولا صفة دون موصوفها، ولا مضاف دون المضاف إليه؛ إذ لا يجوز الاستغناء"١ عن هذه الأشياء بضمير.
فإن قلت: هذا الشرط الرابع مُغْنٍ عن اشتراط الثاني؛ لأن ما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار.
قلت: هو كذلك، وقد نبه في شرح الكافية على أن ذكره زيادة في البيان.
فإن قلت: كلام الناظم يقتضي أن الشروط المذكورة ثلاثة: قبول التأخير، وقبول التعريف، والغناء عنه بأحد أمرين: بأجنبي إن كان ضميرا، أو بضمير إن كان ظاهرا؛ إذ لا فائدة لاشتراط الاستغناء بالأجنبي في الظاهر ولا لاشتراط الاستغناء بالضمير في المضمر، ويدل على ذلك عطفه بأو.
قلت: بل هي أربعة: ولا يستقيم حمل كلامه على ما ذكرت؛ لأن اشتراط الاستغناء بالأجنبي مقيد في الضمير والظاهر كما تقدم، فلو كان الشرط لأحدهما لجاز الإخبار عن الظاهر إذا جاز الاستغناء عنه بالضمير، وإن لم يجز الاستغناء عنه بأجنبي، وليس كذلك كما سبق.
تنبيهات:
الأول: علة اشتراط هذه الشروط على سبيل الإجمال، أن كيفية الإخبار المذكورة لا تتأتى بدونها.
الثاني: بقي من شروط المخبر عنه في هذا الباب أربعة شروط أُخر لم يذكرها هنا وقد ذكرتها في غير هذا الكتاب:
أولها: جواز استعمال مرفوعا، فلا يخبر عن لازم الرفع نحو: "ايمن الله"، ولا عن لازم النصب نحو: "سبحان الله" وسحر معينا.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٣١٥ ]
وثانيها: جواز استعماله مثبتا، فلا يخبر عن "أحد وديار" ونحوهما من الأسماء الملازمة للنفي.
وثالثها: أن يكون بعض ما يوصف به١ "من"٢ جملة أو جملتين في حكم جملة واحدة كالشرط والجزاء؛ فلا يخبر عن اسم في جملة طلبية؛ لأن الجملة بعد الإخبار تجعل صلة، فيشترط أن تكون صالحة لأن يوصل بها.
ورابعها: إمكان الاستفادة، فلا يخبر عن اسم ليس تحته معنى، كثواني الأعلام نحو بكر من أبي بكر؛ إذ لا يمكن أن يكون خبرا عن شيء، وذكر هذا الشرط في الفصل في التسهيل، وفيه خلاف، أجاز المازني الإخبار عن الاسم الذي ليس تحته معنى مستدلا بقوله الشاعر٣:
فكأنما نظروا إلى قمر أو حيث عَلَّق قَوْسَه قُزَح
ورد بأن قزح اسم الشيطان.
وأخْبَرُوا هنا بأل عن بعضِ مَا يكونُ فيه الفِعْلُ قد تَقَدَّمَا
يجوز الإخبار بالذي وفروعه في الجملتين: الاسمية والفعلية. ويجوز بالألف واللام في الفعلية خاصة لا مطلقا بل بشرطين:
أحدهما: أن يكون الفعل متصرفا يمكن صوغ صلة منه للألف واللام، فلا يجوز الإخبار بأل في جملة مصدرة بليس ونحوها.
والثاني: أن يكون الفعل موجبا، فإن كان منفيا لم يجز الإخبار؛ لتعذر صوغ صلتها من المنفي.
_________________
(١) ١ وفي هامش المخطوطة "أ" "هل صوابه ما يوصل به شيخنام؟ ". ٢ أ، ج وفي ب "في جملة". ٣ قائله: هو شقيق بن سليك الأسدي، وهو من الكامل. الإعراب: "فكأنما" الفاء للعطف وكأن حرف تشبيه وبطل عملها بما الكافة "نظروا" فعل ماض وفاعله "إلى قمر" جار ومجرور متعلق بنظروا وهو في محل نصب على المفعولية "أو" عاطفة "حيث" عطف على قوله "إلى قمر" "علق" فعل ماض "قوسه" مفعول به "قزح" فاعله. الشاهد: المازني احتج به على جواز الإخبار عن الاسم الذي تحته معنى.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
وقد أشار إلى الأول بقوله:
إن صح صوغُ صلةٍ منه لألْ
ثم مثل فقال:
كصوغ واقٍ من وَقَى الله البَطَلْ
فإن أخبرت عن الفاعل قلت: "الواقي البطلَ اللهُ" أو عن المفعول قلت: "الواقيه اللهُ البطلُ". ونبه عن الثاني في التسهيل.
وإن يَكُنْ ما رَفَعَتْ صلة أل ضميرَ غيرِها أُبِينَ وانْفَصَلْ
إذا رفعت صلة أل ظاهرا كالمثال "السابق"١ فلا إشكال فيه، وإن رفعت ضميرا، فإن كان لأل وجب استتاره، وإن كان لغيرها وجب إبرازه.
فإذا أخبرت عن التاء من قولك: "ضربت زيدا".
قلت: الضارب زيد أنا، فيستكن مرفوع الصلة؛ لكونه لأل.
وإذا أخبرت عن زيد من المثال قلت: الضاربه أنا زيد، فتبرزه لكونه لغيرها؛ لأن الصفة متى جرت على غير من هي له يستكن مرفوعها.
تنبيه:
ذكر الأخفش مسألتن يخبر فيهما بأل ولا يصح الإخبار فيهما بالذي.
الأولى: "قامت جاريتا زيد لا قعدتا" فإذا أخبر عن زيد قلت: القائم جاريتاه لا القاعدتان زيد.
ولو أخبرت بالذي فقلت: "الذي قامت جاريتاه لا الذي قعدتا زيد" لم يجز؛ لأنه لا ضمير يعود على الجملة المعطوفة، وقد أجاز بعض النحويين: "مررت بالذي قام أبواه لا الذي قعدا".
فعلى هذا يجوز في الإخبار في المسألة بالذي أيضا.
الثانية: "المضروب الوجه زيد" ولا يجوز "الذي ضرب الوجه زيد".
قلت: وينبغي أن يجيزه من أجاز تشبيه الفعل اللازم بالمتعدي.
واعلم أن باب الإخبار طويل، فلنكتف بما تقدم.
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٣١٧ ]
العدد:
ثلاثةً بالتاء قُلْ للعشَرهْ في عَدِّ ما آحادُه مذَكَّرَهْ
في الضِّدِّ جَرِّدْ
للثلاثة والعشرة وما بينهما ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يقصد بها العدد المطلق.
الثانية: أن يقصد بها معدود ويذكر.
والثالث: أن يقصد بها معدود ولا يذكر.
فإذا قصد بها العدد المطلق كانت كلها بالتاء نحو: "ثلاثةٌ نصفُ ستةٍ" ولا تتصرف لأنها أعلام خلافا لبعضهم.
وإن قصد بها معدود وذكر في اللفظ استعملت بالتاء إن كان واحد "المعدود"١ مذكرا، وجردت من التاء إن كان واحده مؤنثا حقيقيا أو مجازيا كقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ ٢.
وإذا قصد بها معدود ولم يذكر في اللفظ "فالفصيح"٣ أن يكون بالتاء للمذكر وبعدمها في المؤنث كما لو ذكر المعدود، فتقول: "صمت خمسة" تريد أياما، و"سرت خمسا" تريد ليالي، ويجوز أن تحذف التاء في المذكر، وحكى الكسائي عن أبي الجراح "صمنا من الشهر خمسا"، وحكى الفراء "أفطرنا خمسا وصمنا خمسا وصمنا عشرا من رمضان" وتضافرت الروايات على حذف التاء من قوله ﷺ: $"ثم أتبعه بست من شوال".
وبهذا يظهر ضعف قول بعضهم: ما حكاه الكسائي لا يصح عن فصيح ولا يلتفت إليه، وقيل: لما استمر في التاريخ الاستغناء بالليالي عن الأيام التزم في غيره
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "العدد". ٢ من الآية ٧ من سورة الحافة. ٣ أ، ج وفي ب "فالصحيح".
[ ٣ / ١٣١٨ ]
بشرط أمن اللبس كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ١ ومنه: "وأتبعه بست من شوال"، وقال الزمخشري: تقول: "صمت عشرا" ولو ذكرت لخرجت "عن"٢ كلامهم، ورد بأن التذكير الأكثر الفصيح.
واختلف في علة إثبات التاء في العدد المذكر وإسقاطها في عدد المؤنث، فقال في شرح التسهيل ما معناه: إن الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات كزمرة وأمة وفرقة، فالأصل أن يكون بالتاء لتوافق نظائرها فاستصحب الأصل من المذكر لتقدم رتبته وحذفت مع المؤنث فرقا لتأخير رتبته، وقد ذكر غيره هذا المعنى من النحويين، وهو حسن فلنكتف به.
تنبيهات:
الأول: شمل كلام الناظم الصورتين الأخيرتين إذا لم يشترط اللفظ بالمعدود وخرجت منه الصورة الأولى في قوله: "ما آحاده مذكرا".
الثاني: فهم من قوله: "ما آحاده" أن المعتبر تذكير الواحد وتأنيثه، لا تذكير الجمع وتأنيثه؛ فلذلك تقول: "ثلاثة حمامات" خلافا لأهل بغداد فإنهم يقولون: "ثلاث حمامات" فيعتبرون لفظ الجمع. وقال الكسائي: تقول: "مررت بثلاث حمامات" وتقول: "رأيت ثلاث سجلات" بغير هاء، وإن كان الواحد مذكرا، وقاس عليه ما كان مثله ولم يقل به الفراء.
الثالث: اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسما في لفظه فتقول: "ثلاثة أشخاص" قاصد نسوة، و"ثلاث أعين" قاصد رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر ولفظ عين مؤنث.
ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى أو يكثر قصد المعنى، فيجوز حينئذ اعتباره.
فالأول كقوله٣:
_________________
(١) ١ من الآية ٢٣٤ من سورة البقرة. ٢ ب وفي أ، ج "من". ٣ قائله: هو عمرو بن أبي ربيعة المخزومي، وهو من الطويل. =
[ ٣ / ١٣١٩ ]
ثلاثُ شخوصٍ كاعبانِ ومُعْصِر
فتقوى المعنى بقوله: "كاعبان ومعصر".
والثاني كقوله١:
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ
_________________
(١) = وصدره: فكان مجني دون من كنت أتقي اللغة: "مجني" المجن: أصله الترس وجمعه مجان، ويريد به هنا ما يتقى به الرقباء "أتقي" أجانب وأحذر "شخوص" جمع شخص، وأصله الشبح الذي يُرى من بعد - والمراد هنا: الإنسان "كاعبان" مثنى كاعب، وهي الجارية حتى يبدو ثديها "معصر" الجارية أول ما تدرك وتدخل عصر الشباب. المعنى: كان سترى وحصني دون من كنت أتقيه وأخافه من الرقباء، هؤلاء الثلاثة اللواتي مشيت بينهن متنكرا وساعدتني على ذلك. الإعراب: "فكان" الفاء عاطفة وكان فعل ماض ناقص "مجني" خبر كان مقدم والياء مضاف إليه "دون" منصوب على الظرفية به لما فيه من معنى الواقي "من" اسم موصول مضاف إليه "كنت" كان واسمها "أتقي" فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة في محل نصب خبر كان، وجملة كنت أتقي صلة الموصول والعائد محذوف؛ أي: أتقيه "ثلاث" اسم كان مؤخر "شخوص" مضاف إليه "كاعبان" بدل من ثلاث "ومعصر" معطوف عليه. الشاهد: قوله: "ثلاث شخوص" فإن القياس فيه ثلاثة شخوص؛ لكنه كنى بالشخوص عن النساء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٢٠/ ٣، وابن هشام ١٩/ ٤، وابن الناظم. ١ قائله: هو الحطيئة، من أبيات يشكو فيها ما نزل به من بلاء، وذلك أنه كان في سفر ومعه امرأته وبنتاه، فسرح إبله فافتقد منها ناقة، وهو من الوافر. وعجزه: لقد جارَ الزمانُ على عيالي اللغة: "ذود" الذود من الإبل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، وقيل غير ذلك. الإعراب: "ثلاثة" خبر لمبتدأ محذوف أو العكس "أنفس" مضاف إليه؛ أي: نحن ثلاثة أنفس، ولنا ثلاث ذود، قال المبرد: أراد بثلاث ذود ثلاث نوق، كما تدل على ذلك القصة، فثلاث ذود عطف على ثلاثة أنفس "لقد" اللام موطئة للقسم قد للتحقيق "جار" فعل ماض "الزمان" فاعل "على عيالي" جار ومجرور. الشاهد: قوله: "ثلاثة أنفس" وكان القياس: ثلاث أنفس؛ لأن النفس مؤنث. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٢٠/ ٣، وابن هشام ١٧/ ٤، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٢٥٣/ ١، والشاهد ٥٤٢ في الخزانة.
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
فغلب المعنى؛ لأن النفس كثر استعمالها مقصودا بها إنسان.
وإن كان صفة فبموصوفها المنوي لا بها كقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ١ أي: عشر حسنات، وتقول: "ثلاث دواب" إذا قصدت ذكورا، وقال بعض العرب: "ثلاث دواب" لأنها جرت مجرى الأسماء الجامدة.
الرابع: ما ذكر من اعتبار تذكير الواحد وتأنيثه إنما هو في الجمع، وأما اسم الجنس نحو "غنم" واسم الجمع نحو "قوم" فيعتبر حكم لفظه ما لم يفصل بينه وبين العدد صفة دالة على المعنى أو يكن نائبا عن جمع المذكر، فالأول كقولك: "عندي ثلاثة ذكور من البط" وقال بعض المتأخرين: ويجوز حذفه التاء فلا يلحظ الوصف ولكن الأولى أن تلحظه، والثاني كقولهم: "ثلاثة أشياء" لأنه نائب من جمع شيء على أفعال، ولا أثر للوصف المتأخر كقولك: "ثلاث من البط ذكور".
والخامس: لا تعتبر أيضا تأنيث لفظ المفرد إذا كان علما نحو طلحة.
ثم ذكر حكم المميز فقال:
والمميِّزْ اجرُرِ جمعا بلفظ قلة في الأكثرِ
اعلم أن مميز الثلاثة وأخواتها إن كان اسم جنس أو اسم جمع جر بمن نحو: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ ٢ وقد أضيف إليه في قوله تعالى: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ٣ وقوله عليه الصلاة السلام: "خمس ذود" ٤.
فإن قلت: فهل يقاس على الأمرين؟
قلت: أما جره بمن فمتفق عليه، وأما الإضافة إليه ففيها مذاهب:
أحدها: الجواز على قلة، وهو ظاهر كلام ابن عصفور.
والثاني: الاقتصار على ما سمع، وهو مذهب الأكثرين، وإليه ذهب المصنف، قال في التسهيل: وإن ندر مضافا إليه لم يُقس عليه، وصرح سيبويه بأنه لا يقال: "ثلاث غنم".
_________________
(١) ١ من الآية ١٦٠ من سورة الأنعام. ٢ من الآية ٢٦٠ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٤٨ من سورة النمل. ٤ "ليس فيما دون خمس ذود صدقة".
[ ٣ / ١٣٢١ ]
والثالث: التفصيل، فإن كان مما يستعمل من اسم الجمع للقلة نحو: نفر ورهط وذود جاز، وإن كان مما يستعمل للقليل والكثير لم يجز، وإليه ذهب ابن عصفور في بعض كتبه، وحكاه الفارسي عن أبي عثمان، وإن كان غيرهما أضيف العدد إليه مجموعا على مثال قلة من جموع التكسير نحو: "ثلاثة أعبد، وثلاث آمٍ" هذا إذا وجد للاسم جمع قلة وجمع كثرة، فإن أهمل أحدهما أضيف إلى الموجود نحو: "ثلاثة أرجل، وثلاثة رجال".
وأشار بقوله: "في الأكثر" إلى أنه قد يؤثر مثال كثرة على مثال قلة، إما لقلة استعمال مثال القلة أو لخروجه عن القياس.
فالأول: نحو قولهم: "ثلاثة شسوع"١ فأوثر على أشساع لقلة استعماله.
والثاني: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ فأوثر على أقراء؛ لأن واحده قرء كفلس وجمع مثله على أفعال شاذ قاله المصنف، وذكر غيره أنه جمع قرء -بضم القاف- فلا يكون شاذا ولا يؤثر جمع قلة في غير ذلك إلا نادرا.
وأجاز المبرد "ثلاثة كلاب" ونحوه إذا أريد به ثلاثة من الكلاب وجعل من ذلك "ثلاثة قروء" وقال في شرح التسهيل: ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجة بجمع القلة؛ لأن كل جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا.
تنبيهات:
الأول: قال: "بلفظ قلة" يعني من أمثلة التكسير التي هي أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة.
وأما جمع التصحيح فلا يضاف إليه غالبا إلا إن أهمل غيره أو جاور ما أهمل أو قل استعمال غيره.
فالأول: نحو: "سبع بقرات" وفي هذا ونحوه يتعين التصحيح لإهمال غيره.
والثاني: نحو: "سبع سنبلات" ففي هذا ونحوه تجوز إضافته إلى التصحيح لمجاورته ما أهمل تكسيره وهو بقرات.
_________________
(١) ١ شسوع: جمع شسع -بكسر أوله وسكون ثانيه- أحد سيور النعل. ٢ من الآية ٢٢٨ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
والثالث: نحو: "ثلاث سعادات" فيجوز لقلة سعائد أيضا، ويختار التصحيح في هذين الموضعين فإن كثر استعمال غيره ولم يجاور ما أهمل تكسيره لم يضف إليه إلا قليلا نحو: "ثلاثة أحمدين" و"ثلاث زينبات"، وإلى هذا أشرت بقولي: غالبا، وقال ابن عصفور: وكذلك أيضا يضاف إلى جموع السلامة إذا لم تكن صفات يقول: "ثلاثة زيدين، وأربع هندات". انتهى.
والإضافة إلى الصفة ضعيفة نحو: "ثلاثة صالحين"، والأحسن الإتباع على النعت ثم النصب على الحال.
الثاني: إذا كان تمييز الثلاثة وأخواتها مائة لم يجمع إلا في شذوذ كقوله١:
ثلاثُ مئينَ للملوك وفَى بها
قيل: ويظهر من كلام سيبويه جواز جمع المائة في الكلام وتميز بالمائة ثلاث وتسع وما بينهما، ولا يقال: عشرة مائة استغناء بالألف، ذكر ذلك في شرح التسهيل، وحكى الفراء أن بعض العرب يقولون: عشر مائة، وأن أهل هذه اللغة هم الذين يقولون: "ثلاث مئين وأربع مئين" فيجمعون.
_________________
(١) ١ قائله: الفرزدق، وهو من الطويل. وعجزه: ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم اللغة: "ثلاث مئين" أي: ثلثمائة بعير "ردائي" الرداء: هو ما يلبس، قيل: والمراد به هنا السيف "جلت" كشفت "وجوه" عظماء وأعيان "الأهاتم" جمع أهتم، وهم بنو سنان الأهتم. المعنى: يقول: إن ردائي أو سيفي وفَى بديات ثلاث ملوك قتلوا -وكانت ديتهم ثلثمائة بعير- وأزال العبء عن عظماء هذه القبيلة، وكان قد رهن رداءه أو سيفه في ذلك. الإعراب: "ثلاث" مبتدأ "مئين" مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم "للملوك" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لثلاث مئين "وفَى" فعل ماض "بها" متعلق بالفعل "ردائي" فاعل والياء مضاف إليه "جلت" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر يعود على ردائي "عن وجوه" متعلق بالفعل. الشاهد: قوله: "ثلاث مئين" حيث جمع المائة مع أنها تمييز الثلاث، وهو شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٢٢/ ٣، وبن هشام ٢١/ ٤، وابن الناظم، واذكره ابن يعيش ٢/ ٦، والشاهد ٥٤٣ في الخزانة.
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
وفي كتاب الصفار عن الفراء: لا تقول: ثلاث مئين، إلا من لا يقول ألف، وإنما يقول: عشر مئين. وقوله: "ومائة والألف لمفرد أضف" يعني: أن المائة والألف يضافان إلى المعدود مفردا نحو: "مائة رجل وألف رجل" وتثنيتهما وجمعهما كذلك. وقوله: "ومائة بالجمع نزرا قد ردف".
أشار به إلى قراءة حمزة والكسائي: "ثلثمائة سنين"١، وأشار بقوله: "نزرا" إلى تقليله، وقال بجوازه الفراء، وقال المبرد: هو خطأ في الكلام وإنما يجوز في الشعر للضرورة وكلامه مردود بالقراءة المتواترة.
تنبيه:
قد شذ تمييز المائة بمفرد منصوب، كقول الربيع٢:
إذا عاشَ الفتَى مائتينِ عامَا
ولا يقاس عليه عند الجمهور، وأجاز ابن كيسان نصب تمييز المائة والألف فتقول: "المائة دينارا، والألف درهما" ثم شرع في بيان تركيب العشرة مع ما دونها فقال:
_________________
(١) ١ من الآية ٢٥ من سورة الكهف. ٢ قائله: هو الربيع بن ضبع الفزاري -أحد المعمرين- وهو من الوافر. وعجزه: فقد ذهبَ المسرةُ والفتَاءُ اللغة: "المسرة" ما يسر به الإنسان، والجمع مسار "الفتاء" الشباب، يقال: فتى فتاء فهو فتي؛ أي: بيِّن الفتاء. المعنى: إذا بلغ الإنسان هذا السن فقد ذهبت ملذاته التي يسر بها، وولى عنه شبابه الذي يتيه فيه. الإعراب: "إذا" للشرط "عاش" فعل ماض "الفتى" فاعل "مائتين" مفعوله "عاما" تمييز "فقد" حرف تحقيق "ذهب" فعل ماض "المسرة" فاعل والجملة وقعت جوابا للشرط "والفتاء" عطف على المسرة. الشاهد: قوله: "مائتن عاما" حيث نصب تمييز مائتين وكان حقه الجر بالإضافة فيقول: مائتي عام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٢٣/ ٣، وابن هشام ٢٢/ ٤، وابن الناظم، والسيوطي ص١٢١، والشاهد ٥٤٥ في الخزانة، وابن عيش ٢١/ ٦، وسيبويه ١٠٦، ٢٩٣/ ١.
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
وأحَدَ اذْكُرْ وصِلْنهُ بعَشَرْ مركَّبا قاصِدَ معدود ذَكَرْ
فتقول: "عندي أحد عشر درهما" بتجريد عشر من التاء، وهمزة أحد هذا مبدلة من واو، وقد قيل: وحد عشر على الأصل، وهو قليل، وقد يقال: واحد عشر على أصل العدد، ثم قال:
وقُلْ لدى التأنيث إحدى عَشْرَهْ
فتقول: إحدى عشرة امرأة، بإثبات التاء في عشرة، وقد يقال: واحدةَ عشرة. وقوله: "والشين فيها عن تميم كسْرَهْ".
يعني في التأنيث، فيقولون: "إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وكذا في سائرها، وبلغتهم قراءة بعضهم: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ١ قال في التسهيل: وقد تفتح يعني في المؤنث، وبالفتح قرأ الأعمش، قال الزمخشري: وهي لغة، انتهى، والفتح هو الأصل إلا أن الأفصح التسكين وهي لغة الحجازيين، وأما في التذكير فالشين مفتوحة،
وقد تسكن عين عشر فيقال: "أحد عشْر" وكذا أخواته؛ لتوالي الحركات، وبها قرأ أبو جعفر وقرأ هبيرة صاحب حفص ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ ٢ وفيها جمع بين ساكنين، وقوله:
ومع غير أحَدٍ وإحدَى ما معْهُما فعلتَ فافعَلْ قَصْدَا
يشير به إلى جعل ثاني "جزأي المركب عشر في التذكير وعشرة في التأنيث، والحاصل أن للعشرة في التركيب عكس ما لها قبله فتحذف التاء في التذكير وتثبت في التأنيث"٣ وقوله:
ولثلاثة وتسعة وما بينهما إن رُكبا ما قُدِّمَا
يشير به إلى أن حكم الثلاثة والتسعة وما بينهما إذا ركبا أن تثبت التاء في التذكير وتحذف في التأنيث كما كان يفعل بهما في الإفراد، وقوله:
وأَوْلِ عَشْرَةَ اثنتَيْ وعَشَرَا اثنَيْ إذا أُنثى تَشَا أو ذَكَرا
_________________
(١) ١ من الآية ١٦٠ من سورة الأعراف، ومن الآية ٦٠ من سورة البقرة. ٢ من الآية ٣٦ من سورة التوبة. ٣ أ، ج.
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
يعني أنه يقال في تركيب اثنين واثنتين اثنا عشر في المذكر فتحذف نون اثني وتوليه عشر، واثنتا عشرة في المؤنث فتحذف نون اثنتين وتلويه عشرة. وقوله:
واليَا لغير الرَّفعِ وارفَعْ بالألِفْ
يعني به: أنه يقول: اثنا عشر واثنتا عشرة بالألف في الرفع، واثني عشر واثنتي عشرة بالياء في الجر والنصب، بإعراب الصدر إعراب المثنى وبناء العجز.
ثم نبه على أن غيرهما لا حظ له في الإعراب بقوله:
والفتحُ في جزأَيْ سواهُما أُلِفْ
أما العجز فعلة بنائه تضمنه معنى حرف العطف، وأما الصدر فعلة بنائه وقوع العجز منه موقع تاء التأنيث؛ ولذلك أعرب صدر اثني عشر واثنتي عشرة؛ لوقوع العجز منه موقع النون، وما قبل النون محل إعراب لا بناء، ولوقوع العجز منهما موقع النون لم يضافا بخلاف غيرهما فيقال: "أحد عشرك" ولا يقال: "اثنا عشرك" وذهب ابن درستويه وابن كيسان إلى أنهما مبنيان كسائر أخواتهما، ورد بتغييرهما بالألف والياء.
تنبيهان:
الأول: بناء أحد عشر وغيره من المركب لازم، وأجاز الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه فيقولون: "هذه خمسةُ عشرِ" واستحسنوا ذلك إذا أضيف نحو: "خمسة عشرِكَ".
الثاني: قال في التسهيل: وتجعل العشرة مع النيِّف اسما واحدا مبنيا على الفتح ما لم يظهر العاطف. انتهى. فإن ظهر منع التركيب والبناء نحو: خمسة وعشرة، قال الشيخ أبو حيان: ويحتاج في إثبات نحو: "عندي خمسة وعشرة رجلا، وخمس وعشر امرأة" إلى سماع من العرب.
وميِّزِ العشرينَ للتسعينَا بواحدٍ كأربعينَ حِينا
العقود الثمانية يستوي فيها المذكر والمؤنث وتعطف على النيف كقولك: "ثلاثة وعشرون" في المذكر "وثلاث وعشرون" في المؤنث، وتميز بمفرد منصوب نحو قولك: "عشرون رجلا وعشرون امرأة".
وقد فهم من كلامه فائدتان:
الأولى: أن مميز العشرين وأخواته لا يجمع وهذا مذهب الجمهور، وأجاز الفراء جمعه فتقول: عشرون رجالا؛ ولذلك أجاز جمع تمييز أحد عشر وأخواته، وأجاز بعضهم أن يقال: عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا، قاصدا أن لكل "واحد"١ منهم عشرين، قال في شرح التسهيل: وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن، وإن لم تستعمله العرب؛ لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره، ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع. فإن وقع موقع تمييز شيء منها فهو حال أو تابع، انتهى.
والثانية: أن تمييز العشرين وبابه لا يكون إلا منصوبا كما مثل، وحكى الكسائي أن من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى المفسر منكرا أو معرفا فتقول: عشرو درهم وعشرو ثوب، وهذا عند الأكثرين من الشاذ الذي لا تبنى على مثله القواعد.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
تمييز المركب:
وميزُوا مركبا بمثل ما مُيِّزَ عشرون فسوِّينهُمَا
يعني: بواحد منصوب وتقدم خلاف الفراء، وأجاز بعضهم أن يميز بجمع صادق على الواحد منه، وجعل الزمخشري منه قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ ١.
والمراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة كل قبيلة أسباط لا سبط فأوقع أسباطا موقع قبيلة، قال في شرح التسهيل: ومقتضى ما ذهب إليه أن يقال: "رأيت أحد عشرة أنعاما" إذا أريد أحد عشرة جماعة كل جماعة أنعام، ولا بأس برأيه هذا لو ساعده استعماله، ولكن قوله: إن كل قبيلة أسباط لا سبط، مخالف لما يقوله أهل اللغة: إن السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وعلى هذا فأسباط واقع موقع قبائل، فلا يصح كونه تمييزا بل هو بدل والتمييز محذوف، انتهى.
_________________
(١) ١ من الآية ١٦٠ من سورة الأعراف.
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
قلت: كلامه في شرح الكافية مخالف لما ذكره هنا، فإنه قال عند ذكر تذكير التمييز وتأنيثه فإن اتصل به ما يراد به المعنى كقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ فبذكر أمم ترجح حكم التأنيث ولولا ذلك لقيل: اثنا عشر أسباطا؛ لأن السبط مذكر، انتهى.
وقال الجرمي: يجوز أن تكون أسباطا نعتا لفرقة ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وأمما نعت الأسباط وأنث العدد وهو واقع على الأسباط وهو مذكر؛ لأنه بمعنى فرقة أو أمة كما قال ثلاثة أنفس يعني رجالا وعشر أبطن بالنظر إلى القبيلة. انتهى.
تنبيه:
إذا نعت تمييز العشرين وبابه جاز فيه الحمل على اللفظ فتقول: عندي عشرون درهما وازنا، والحمل على المعنى فتقول: وازنة، ومنه قول عنترة١:
فيها اثنتانِ وأربعون حَلُوبة سُودًا كخَافيةِ الغُرابِ الأسْحَمِ
_________________
(١) ١ هذا البيت من الكامل. اللغة: "حلوبة" أي: محلوبة، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، والحلوبة تستعمل بلفظ واحد، للواحد والجمع، ويروى في مكانه "خلية" والخلية: أن يعطف على الحوار ثلاث نياق ثم يتخلى الراعي بواحدة منهن، فتلك الخلية "سودا" يروى بالرفع والنصب "كخافية" للطائر أربع خواف، وهي ريش الجناح مما يلي الظهر "الأسحم" الأسود. الإعراب: "فيها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم "اثنتان" مبتدأ مؤخر "وأربعون" معطوف عليه "حلوبة" تمييز "سودا" من رواه بالنصب فهو يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون صفة لحلوبة. والثاني: أن يكون حالا من العدد. والثالث: أن يكون حالا من حلوبة. ومن رواه بالرفع فهو نعت لقوله: اثنتان وأربعون، قال التبريزي: فإن قيل: كيف جاز أن ينعتهما أحدهما معطوف على صاحبه؟ قيل: لأنهما قد اجتمعا فصار بمنزلة قولك: جاءني زيد وعمرو الظريفان. اهـ. "كخافية" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لسود "الغراب" مضاف إليه "الأسحم" نعت الغراب. الشاهد: قوله: "سودا" فإنها نعت لقوله: حلوبة، وروعي فيها اللفظ. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٢٥/ ٣، وابن هشام في شذور الذهب ص٢٦٣، وابن يعيش ٢٤/ ٦، والشاهد ٥٤٦ في الخزانة.
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
وهذا المعنى هو الذي لحظه الجرمي في جعله أسباطا نعتا لفرقة.
وإِنْ أُضيفَ عددٌ مُركَّبُ يَبْقَ البِنَا وعجزُه قد يُعْربُ
إذا أضيف العدد المركب ففيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يبقى بناؤه وهو الأكثر كما يبقى مع الألف واللام بإجماع.
والثاني: أن يعرب عجزه مع بقاء التركيب كبعلبك، وحكاه سيبويه عن بعض العرب فتقول: "أحد عشرك مع أحد عشر زيد" واستحسنه الأخفش، واختاره ابن عصفور، وزعم أنه الأفصح، ووجه ذلك بأن الإضافة ترد الأسماء إلى أصلها من الإعراب، ومنع في التسهيل القياس عليه، وقال في الشرح: لا وجه لاستحسانه؛ لأن المبني قد يضاف نحو: "كم رجل عندك؟ " و﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١.
قلت: قال بعضهم: وهي لغة ضعيفة عند سيبويه، وإذا ثبت كونها لغة لم يمتنع القياس عليها، وإن كانت ضعيفة.
والثالث: أن يضاف صدره إلى عجزه مزالا بناؤهما، حكى الفراء أنه سمع من أبي فقعس الأسدي وأبي الهيثم العقيلي: "ما فعلت خمسة عشرك".
وذكر في التسهيل أنه لا يقاس عليه خلافا للفراء، وحكى ابن عصفور هذا الوجه في بعض كتبه عن الكوفيين وفي بعضها عن الفراء، ورد بأنه لم يسمع، وهذا الرد مردود بما تقدم.
تنبيه:
قال في التسهيل: ولا يجوز بإجماع "ثماني عشرة" إلا في الشعر يعني بإضافة صدره إلى عجزه دون إضافة كقول الراجز٢:
_________________
(١) ١ من الآية ١ من سورة هود. ٢ قائله: ينسب لنفيع بن طارق، وقيل: أنشده في أرجوزة ليست له، وهو من الرجز. اللغة: "كلف" ماض مبني للمجهول بالتشديد، من التكليف وهو تحمل ما فيه كلفة ومشقة "عنائه" العناء: التعب والجهد "شقوته" الشقاء والعشرة "من حجته" من عامه ذلك. =
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
كُلِّف من عنائه وشِقْوَتِهْ بنتَ ثماني عَشْرة من حِجَّتِهْ
وحكى غيره مع الكوفيين أنهم أجازوا ذلك مطلقا في الشعر وغيره في ثماني عشرة وغيرهما، فليس نقل الإجماع بصحيح.
وصُغْ من اثنينِ فما فوق إلى
عَشرةٍ كفاعلٍ من فَعَلا
يعني: أنه يصاغ من اثنين فما فوق إلى العشرة موازن فاعل نحو ثاني إلى عشرة كما يصاغ اسم الفاعل من فعل نحو ضرب فهو ضارب.
فإن قلت: لِمَ قال "من اثنين" وترك ذكر واحد وقد ذكره بعضهم من اسم الفاعل المشتق من العدد؟
قلت: واحد من أسماء العدد ولس المراد العدد فيذكر، وإنما المراد الصفة وهو وإن كان على زنة فاعل لا يمكن أن يراد به التصيير؛ إذ لا عدد أقل منه بخلاف الثاني فما فوقه:
واحْتِمْهُ في التأنيث بالتا ومتى ذَكَّرْتَ فاذكُرْ فاعلا بغيرِ تَا
فتقول في التأنيث ثانية إلى عشرة وفي التذكير ثان إلى عاشر، كما يفعل في اسم الفاعل من نحو ضارب، وإنما نبه على هذا مع وضوحه لئلا يتوهم أنه يسلك به سبيل العدد الذي صيغ منه.
وإن تُرِدْ بعضَ الذي منه بُنِي تُضِفْ إليه مثل بَعْضٍ بَيِّنِ
لاسم الفاعل المصوغ من العدد ثلاثة أحوال:
الأول: أن يستعمل مفردا ولا إشكال فيه.
_________________
(١) = المعنى: أن هذا الرجل تحمل وتكلف -لأجل تعبه وشقائه- مشقة حب بنت سنها ثماني عشرة في عامه ذلك. الإعراب: "كلف" فعل ماض مبني للمجهول "من" للتعليل "عنائه" مجرور بمن ومضاف إلى الهاء "وشقوته" عطف على عنائه "بنت" مفعول ثان لكلف، والمفعول الأول نائب الفاعل "ثماني عشرة" مضاف إليه "من" جارة بمعنى في "حجته" مجرور بمن. الشاهد: قوله: "ثماني عشرة" حيث أضيف صدره إلى عجزه بدون إضافة عشرة إلى شيء آخر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٢٧/ ٣، وابن هشام ٢٩/ ٤.
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
والثاني: أن يستعمل مع موافق كثاني مع اثنين فيجب إضافته عند الجمهور فتقول في التذكير: ثاني اثنين إلى عاشر عشرة، وفي التأنيث: ثانية اثنتين إلى عاشرة عشرة، وإنما لم ينصب لأنه ليس في معنى ما يعمل ولا مفرعا على فعل فالتزمت إضافته لكونه واحدا من العدد كما يلتزم إضافة البعض، وإلى هذا أشار بقوله: "مثل بعض بين" هذا مذهب الجمهور، وذهب الأخفش والكسائي وقطرب وثعلب إلى جواز إعماله فتقول: ثان اثنين وثالثُ ثلاثةَ، وفصل بعضهم فقال: يعمل ثان، ولا يعمل ثالث وما بعده، وإليه ذهب في التسهيل، قال: لأن العرب تقول: "ثَنَيْتُ الرجلين" إذا كنت الثاني منهما فمن قال: ثانِ اثنين بهذا المعنى عُذر؛ لأن له فعلا، ومن قال: ثالث ثلاثة لم يُعذر؛ لأنه لا فعل له، فهذه ثلاثة أقوال.
تنبيه:
قال في الكافية:
وثعلبٌ أجاز نحو رابع وأربعة وما له متابعُ
وقال في شرحها: ولا يجوز تنوينه والنصب به، وأجاز ذلك ثعلب وحده، ولا حجة له في ذلك. انتهى. فعمم المنع، وقد فصل في التسهيل وخص الجواز بثعلب، وقد نقله فيه عن الأخفش، ونقله غيره عن الكسائي وقطرب كما تقدم.
والثالث: أن يستعمل مع مخالفه ولا يكون إلا للعدد الذي تحته، فهذا يجوز أن يضاف وأن ينون وينصب لأنه اسم فالع حقيقة، فإنه يقال: "ثلثتُ الرجلين" إذا انضممت إليهما فصرتم ثلاثة، وكذلك "ربعت الثلاثة" إلى "عشرت التسعة" وقد أشار إلى هذا بقوله:
وإن تُردْ جَعْلَ الأقل مثلَ مَا فوق فحُكْمَ جاعلٍ له احْكُمَا
يعني: أن حكمه حكم اسم الفاعل، فإن كان بمعنى المضي وجبت إضافته. وإن كان بمعنى الحال والاستقبال جازت إضافته وجاز تنوينه وإعماله كما يفعل جاعل أو غيره من أسماء الفاعلين.
فإن قلت: هل لاختصاص جاعل بالتمثيل به فائدة؟
قلت: نعم، وهي التنبيه على معنى اسم فاعل العدد إذا استعمل مع ما تحته معنى جاعل، فإذا قلت: رابع ثلاثة فمعناه جاعل الثلاثة أي: مصيِّرهم أربعة.
[ ٣ / ١٣٣١ ]
تنبيهان:
الأول: قال الشارح في البيت: معناه وإن ترد بالمصوغ من اثنين فما فوقه أنه جعل ما هو أقل عددا مما اشتق منه مساويا له فاحكم لذلك المصوغ بحكم جاعل. انتهى.
وفيه تصريح بأن ثاني يستعمل بمعنى جاعل فيقال: ثاني واحد، وهو خلاف التسهيل؛ لأنه خص المصوغ من الاثنين بالإضافة إلى الموافق بمعنى بعض أصله، ونص سيبويه على أنه لا يقال: ثاني واحد، وقال الكسائي: بعض العرب يقول: ثاني واحد، وحكاه الجوهري أيضا وقال: ثاني واحد، والمعنى: هذا ثني واحدا.
والثاني: قال في التسهيل: وإن قصد بفاعل المصوغ من ثلاثة إلى عشرة، وهذه العبارة -كما قال في شرحه- تقريب على المتعلم، والحقيقة أنه من الثلث إلى العشر وهي مصادر ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة.
وإِنْ أردت مثل ثانِي اثنينِ مركبا فجِيءَ بتركيبينِ
إذا قصد صوغ الفاعل من المركب بمعنى بعض أصله كثاني اثنين.
ففي استعماله ثلاثة أوجه:
الأول: وهو الأصل أن يجاء بتركيبين صدر أولهما فاعل في التذكير وفاعلة في التأنيث وصدر ثانيهما الاسم المشتق منه، وعجزهما عشر في التذكير وعشرة في التأنيث.
فتقول في التذكير: "ثاني عشر اثني عشر" إلى "تاسع عَشَر تسعةَ عشَر"، وفي التأنيث: "ثانية عشر اثنتي عشرة" إلى "تاسعةَ عشَرة تِسْعَ عشَرة" بأربع كلمات مبنية، وأول التركيبين مضاف إلى ثانيهما إضافة ثاني إلى اثنين.
الثاني: أن يقتصر على صدر الأول، فيعرب لعدم التركيب ويضاف إلى المركب باقيا بناؤه، وإليه أشار بقوله:
أو فاعلا بحالتيه أَضِفْ إلى مركب بما تَنْوِي يَفِي
حالتاه هما التذكير والتأنيث فتقول في التذكير: "ثاني اثني عشر" إلى "تاسع تسعة عشر"، وفي الثأنيث: "ثانية اثنتي عشرة" إلى "تاسعة تسعَ عشرة".
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
الثالث: أن يقتصر على التركيب الأول، وإليه أشار بقوله:
وشاع الاستغنا بحادي عَشَرَا ونحوه
وفيه حينئذ ثلاثة أوجه:
الأول: أن يُبنى صدره وعجزه وهو الأعرف.
والثاني: أن يعرب صدره مضافا إلى عجزه مبنيا، حكاه ابن السكيت وابن كيسان. ووجهه أنه حذف عجز الأول فأعربه لزوال التركيب، ونوى صدر الثاني فبناه.
والثالث: أن تعربهما معا مقدرا حذف عجز الأول وصدر الثاني، وهذا الوجه أجازه بعض النحويين.
تنبيهان:
الأول: مثل في النظم بحادي عشر ولم يمثل بثاني عشر، قال الشارح: ليتضمن التمثيل فائدة التنبيه على ما التزموه حين صاغوا أحدا وإحدى على فاعل وفاعلة من القلب وجعل الفاء بعد اللام فقال: "حادي عشر، وحادية عشرة" والأصل واحد وواحدة.
قلت: وحكى الكسائي عن بعض العرب "واحد عشر" على الأصل فلم يلتزم القلب كل العرب.
الثاني: لم يذكر هنا صوغ اسم الفاعل من المركب بمعنى جاعل؛ لكونه لم يسمع، إلا أن سيبويه وجماعة من المتقدمين أجازوه قياسا "فيقولون": "هذا رابع عشر ثلاثة عشر" أو "رابع ثلاثة عشر" وإنما أجازوه بشرط الإضافة ولا يجوز أن ينصب ما بعده، وأجاز بعض النحويين "هذا ثان أحد عشر، وثالث اثني عشر" بالتنوين، وذهب الكوفيون وأكثر البصريين إلى منع بنائه بهذا المعنى، وقوله:
وقبل عشرين اذكرا
وبابه الفاعل من لفظ العدد بحالتَيْهِ قبل واو يُعْتَمَدْ
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
يعني: أن العشرين وبابه يعني بقية العقود يعطف على اسم الفاعل بحالتيه يعني التذكير والتأنيث فتقول: "الحادي والعشرون" إلى "التاسع والتسعين" و"الحادية والعشرون" إلى "التاسعة والتسعين" ولا يستعمل الحادي والحادية إلا في تنييف.
تنبيه:
لم يسمع بناء اسم الفاعل من العقود الثمانية أعني عشرين وبابه إلا أن بعضهم حكى "عاشر عشرين" فقاس عليه الكسائي. وقال سيبويه والفراء: "هذا الجزء العشرون" على معنى تمام العشرين فحذف.
وقال بعضهم: تقول: "هذا متمم عشرين أو مكمل عشرين" ورُد بأنه يلزم أن يتمم نفسه أو يكمل نفسه. وقال أبو علي: هو الموفى عشرين.
قال بعضهم: والصحيح أن يقال: هو كمال العشرين، أو تمام العشرين، أو تأتي بألفاظ العقود فتقول: العشرين إلى التسعين، والله أعلم.
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
كم وكأين وكذا:
هذه ألفاظ يكنى بها عن العدد؛ فلذلك أردف بها باب العدد.
أما "كم" فاسم لعدد مبهم الجنس والمقدار، وليست مركبة خلافا للكسائي والفراء فإنها مركبة عندهما من كاف التشبيه وما الاستفهامية محذوفة الألف وسكنت ميمها لكثرة الاستعمال.
وكم قسمان: استفهامية وخبرية، وكل منهما مفتقر إلى تمييز، وقد أشار إلى الاستفهامية بقوله:
ميِّزْ في الاستفهام كم بمثل ما ميَّزْتَ عشرين ككم شخصا سَمَا
يعني: أن تمييز الاستفهامية كتمييز العشرين في الإفراد والنصب نحو: "كم شخصا؟ ". أما إفراده فلازم خلافا للكوفيين فإنهم يجيزون جمعه نحو: "كم شهودا لك؟ " ولو سمع مثل هذا لم يكن لهم فيه حجة لصحة حمله على الحال، وجعل التمييز محذوفا. وأجاز بعضهم جمعه إذا كان السؤال عن الجماعات نحو: "كم غلمانا لك؟ " إذا أردت أصنافا من الغلمان، وهو مذهب الأخفش، فتحصل في جمعه ثلاثة مذاهب، وأما نصبه ففيه أيضا ثلاثة مذاهب:
أحدهما: أنه لازم ولا يجوز جره، وهو مذهب بعض النحويين.
والثاني: أنه ليس بلازم بل يجوز جره مطلقا حملا على الخبرية، وإليه ذهب الفراء والزجاج والسيرافي، وعليه حمل أكثرهم١:
كم عمةٍ لك يا جريرُ وخالةٍ
_________________
(١) ١ قائله: هو الفرزدق يهجو جريرا، وهو من الكامل. وعجزه: فَدْعَاء قد حلبت علي عشاري اللغة: "فدعاء" وصف من الفدع، وهو اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل حتى ينقلب الكف أو القدم إلى أنسيهما "حلبت علي" أي: على كره مني "عشاري" جمع عُشَراء، وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر. =
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
والثالث: أنه لازم إن لم يدخل على كم حرف جر، وراجح على الجر إن دخل عليها حرف جر، وهو المشهور، ولم يذكر سيبويه جره إلا إذا دخل على كم حرف جر، وإلى هذا أشار بقوله:
وأجِزْ أن تَجُرَّهُ من مُضْمَرا إن وَلِيتْ كم حَرْفَ جر مُظهَرا
فيجوز في نحو: "بكم درهم اشتريت؟ " النصب على الأصل، وهو الأجود والأكثر، والجر أيضا وفيه قولان:
أحدهما: أنه بمن مقدرة كما ذكر، وهو مذهب الخليل وسيبويه والفراء وجماعة.
والثاني: أنه بإضافة كم إليه، وهو قول الزجاج، وزعم ابن بابشاذ أن الأول ليس مذهب المحققين "ورد بأنه نص من كلامهم إلا الزجاج"١، ورد مذهب الزجاج بوجهين:
أحدهما: أنه بمنزلة عدد ينصب ما بعده قولا واحدا فلا يمكن الخفض بها، قاله ابن خروف.
_________________
(١) = المعنى: على الإخبار: كثير من عماتك وخالاتك يا جرير، كن من جملة خدمي وقد تعوجت أرساغهن من كثرة حلبهن نياقي على كره مني. وعلى الاستفهام: أخبرني يا جرير، بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كن يخدمنني ويحلبن نياقي حتى تعوجت أرساغهن من كثرة الحلب، فقد نسيت عددهن. الإعراب: "كم" خبرية مبتدأ أو استفهامية مقصود بها التهكم والسخرية "عمة" بالجر، تمييز لكم على الخبرية وبالنصب على الاستفهامية "لك" جار ومجرور صفة لعمة "وخالة" معطوفة على عمة "فدعاء" صفة لعمة وخالة، منصوب بالفتحة على رواية النصب، وعلى رواية الجر: بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف "قد حلبت" قد حرف تحقيق حلب فعل ماض والفاعل ضمير والجملة خبركم التي وقعت مبتدأ "عليَّ" جار ومجرور متعلق بحلبت "عشاري" مفعول حلبت. الشاهد: قوله: "كم عمة" حيث رُوي بالجر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٣٣/ ٣، وفي باب الابتداء، وابن هشام ٤٣/ ٤، وابن عقيل ١٢٨/ ١، وفي الهمع ٢٥٤/ ١، وفي المغني ١٨٥/ ١، وسيبويه ٥٥٣، ٢٩٥/ ١، والشاهد ٤٩٢ في الخزانة. ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
والآخر: أن الجر لو كان بالإضافة لم يشترط دخول حرف الجر على كم ليكون عوضا من إظهار من.
قلت: وفي لزوم هذا للزجاج نظر؛ لأنه نقل عنه أنه يجيز الجر مطلقا كما تقدم.
ثم أشار إلى الخبرية بقوله:
واسْتَعْمِلنَهَا مُخبرًا كعَشَرَهْ أو مائةٍ ككَمْ رِجالٍ أو مَرَهْ
يعني: أن كم الخبرية تستعمل تارة استعمال عشرة فيكون تمييزها جمعا مجرورا نحو: "كم رجالٍ" وتارة استعمال مائة فيكون تمييزها مفردا مجرورا نحو: "كم مرةً" ومن الجمع قول الشاعر١:
كَمْ ملوكٍ باد ملكُهم
ومن الإفراد قول الراجز٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من المديد. وعجزه: ونعيم سوقة بادوا اللغة: "باد" هلك من باد يبيد "سوقة" السوقة -بضم السين وسكون الواو وفتح القاف- جمع سوقي، وهم أهل السوق، وقيل: هم ما دون الملك، وهو الأظهر. الإعراب: "كم" خبرية "ملوك" -بالجر- مميزه "باد" فعل ماض "ملكهم" فاعل وهم مضاف إليه والجملة في محل رفع خبر المبتدأ وهو كم "ونعيم" -بالجر- عطف على ملوك تقديره: كم باد نعيم سوقة "بادوا" جملة في محل جر صفة لسوقة. الشاهد: قوله: "كم ملوك" فإن تمييز كم جاء مجموعا مجرورا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٣٤/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ٢٥٤/ ١، وابن هشام في المغني ١٨٥/ ١. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: بناحية الحجلين منعمة القلب اللغة: "غير آثم" غير سكران "الحجلين" موضع. الإعراب: "وكم" الواو للعطف وكم خبرية "ليلة" -بالجر- مميزه "قد" حرف تحقيق "بتها" أي: قد بت فيها، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر صفة لليلة "غير" منصوب على الحال "آثم" مضاف إليه وغير حال من الضمير المرفوع الذي قد بتها "بناحية" جار ومجرور متعلق بقوله بتها "الحجلين" مضاف إليه "منعمة القلب" كلام إضافي حال أيضا. الشاهد: قوله: "كم ليلة" حيث جاء التمييز فيه مفردا مجرورا. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٤٣/ ٣.
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
وكم ليلةٍ قد بِتُّها غير آثِم
تنبيهات:
الأول: إفراد تمييز الخبرية أكثر وأفصح من جمعها، وليس الجمع بشاذ كما زعم بعضهم، وقيل: الجمع على معنى الواحد فكم رجال على معنى كم جماعة من الرجال.
الثاني: ذهب الفراء إلى أن الجر بعد الخبرية بمن مقدرة، ونقله عن الكوفيين، والصحيح أنه بإضافة كم؛ إذ لا مانع من إضافتها.
الثالث: شرط جر تمييز الخبرية الاتصال، فإن فُصل نصب، حملا على الاستفهامية، وقد جاء مجرورا مع الفصل بظرف أو بجار ومجرور.
فالأول: كقوله١:
كم دون مَيَّة مَومَاةٍ يُهالُ لها إذا تيمَّمها الخريت ذُو الجلدِ
وقوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: قيل: ذو الرمة، وهو من البسيط. اللغة: "مية" اسم محبوبته "موماة" -بفتح الميم وسكون الواو- المفازة "يهال" للمجهول أي: يفزع منها "تيممها" قصدها "الخريت" -بكسر الخاء وتشديد الراء- الماهر الحاذق "ذو الجلد" -بفتح الجيم واللام- أي: ذو قوة، ويجوز أن يكون بالخاء أي ذو بال قوي. الإعراب: "كم" خبرية "دون" منصوب على الظرفية "مية" مضاف إليه "موماة" ألجبر مميزكم "يهال" فعل مضارع مبني للمجهول "لها" أي: للموماة أي: لأجلها أو تكون اللام بمعنى من أوفى "إذا" ظرف يتضمن معنى الشرط "تيممها" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الخريت، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى الموماة "الخريت" نائب فاعل، وجواب إذا محذوف دل عليه صدر الكلام "ذو الجلد" صفة الخريت. الشاهد: "كم دون مية موماة" حيث فصل بين كم ومميزه المجرور بالظرف وهو دون مية. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٣٥/ ٣. ٢ قائله: هو أنس بن زنيم -من قصيدة قالها لعبيد الله بن زياد- وهو من المديد. وعجزه: وكريم بخله قد وضعه =
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
كم بجودٍ مُقْرِفٍ نالَ العلا
وفيه مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز إلا في الشعر، وهو مذهب جمهور البصريين، وإليه ذهب المصنف.
والثاني: أنه يجوز في الاختيار، وهو مذهب الكوفيين.
والثالث: أنه يجوز إذا كان الفصل بناقص نحو: "كم اليوم جائع أتاني" و"كم بك مأخوذ جاءني" لا إن كان بتام، وهو مذهب يونس.
فإن كان الفصل بجملة نحو١:
_________________
(١) = اللغة: "بجود" بكرم وسخاوة "مقرف" -بضم الميم وسكون القاف وكسر الراء- الرجل الذي ليس له أصالة من جهة الأب "نال العلا" أي: بلغ المنزلة العالية "كريم" أراد به الأصل من الطرفين "وضعه" من الوضيع وهو الدنيء من الناس والهاء عوض من الواو. الإعراب: "كم" خبرية "بجود" جار ومجرور فصل به بين كم ومميزه "مقرف" مميز كم "نال العلا" جملة في محل رفع على أنها خبر لكم "وكريم" أي: وكم كريم "بخله" مبتدأ والهاء مضاف إليه "قد وضعه" جملة في محل رفع خبر المبتدأ والجملة خبر لكم المحذوفة. الشاهد: قوله: "كم بجود مقرف" حيث فصل بين كم ومميزه بالجار والمجرور. ومواضعه: ذكره الأشموني ٦٣٥/ ٣، وابن الناظم، والسيوطي في الهمع ٢٥٥/ ١، والشاهد ٤٨٩ في الخزانة، وسيبويه ٢٩٦/ ١. ١ قائله: هو القطامي، وهو من البسيط. وعجزه: إذ لا أكاد من الإقتار أجتمل اللغة: "من الإقتار" من أقتر الرجل إذا افتقر "أجتمل" من اجتملت الشحم جملا: إذا أذبته، ورُوي أحتمل -بالحاء- من الاحتمال، وما أظنه صحيحا. المعنى: يقول: أنعموا عليَّ وأفضلوا عند عدمي حين يبلغ مني الجهد إلى ألا أقدر على الارتحال لطلب الرزق. الإعراب: "كم" خبرية ظرف زمان، أي: كم مرة أو كم يوما "نالني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول "فضلا" مميز كم "على عدم" جار ومجرور متعلق بنالني، ويجوز في "فضلا" الرفع على أنه فاعل نالني، والجر على لغة من جر مع الفصل، والنصب هو الأظهر "إذ" بمعنى حين "لا أكاد" من أفعال المقاربة والضمير المستتر فيه اسمه أجتمل، خبره "من الإقتار" جار ومجرور متعلق بأجتمل. الشاهد: قوله: "كم نالني منهم فضلا" حيث فصل بين كم ومميزها بجملة، وهي نالني منهم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٣٦/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٢٥٥/ ١، والشاهد ٤٩١ في الخزانة، وسيبويه ٢٩٥/ ١.
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
كم نالني منهم فضلا على عدم
أو بظرف أو جار ومجرور معا نحو١:
تؤُمُّ سنانا وكم دونه من الأرض محدَودِبا غارُها
تعين النصب، قال المصنف: وهو مذهب سيبويه. وظاهر كلام المبرد جواز جر المفصول بجملة في الشعر، وحكي عن الكوفيين جوازه في الكلام.
وقد رُوي خفض "فضلا" من قوله: "كم نالني منهم فضل على عدم".
الرابع: ذكر سيبويه أن بعض العرب ينصب مميز الخبرية مع الاتصال حملا على الاستفهامية. وحكاه المصنف في غير هذا الكتاب عن تميم، وجزم هنا باللغة الفصحى.
الخامس: إذا نصب هنا مع الاتصال على هذه اللغة، فقال الشلوبين: لا يكون إلا مفردا، والصحيح أنه تجوز فيه "هنا"٢ الإفراد والجمع على هذه اللغة كما ذكره في شرح الكافية، نص على ذلك السيرافي.
السادس: قد علم مما تقدم أن الاستفهامية والخبرية تتفقان في أحكام وتفترقان في أحكام. فلنذكر طرفا من ذلك فنقول: يتفقان في ستة أشياء:
أولها: أنهما اسمان خلافا لمن قال: إن الخبرية حرف، ودليل اسميتها واضح.
_________________
(١) ١ قائله: هو زهير بن أبي سلمى، وقيل: ابنه كعب، وليس موجودا في ديوانيهما، وهو من الوافر. اللغة: "تؤم" تقصد "سنان" وسنان هو ابن أبي حارثة المري "محدودبا" من الحدب وهو ما ارتفع من الأرض "غارها" بالغين أصلها غائرها، فحذف عين الفعل كما حذف في رجل شاك أصله شائك، وهو الأرض الغائر المطمئن. المعنى: وصف ناقته فيقول: تؤم سنانا هذا الممدوح على بعد المسافة بينها وبينه. الإعراب: "تؤم" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه الراجع إلى الناقة "سنانا" مفعوله "وكم" الواو للحال وكم خبرية "دونه" منصوب على الظرفية "من الأرض" جار ومجرور يتعلق بحذوف "محدودبا" مميز كم "غارها" مرفوع به. الشاهد: قوله: "كم دونه من الأرض محدودبا" حيث فصل بين كم ومميزها بظرف وجار ومجرور معا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٣٦/ ٣، وابن الناظم، وسيبويه ٢٩٥/ ١. ٢ أ.
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
وثانيها: أنهما مبنيان، أما الاستفهامية فلتضمنها معنى حرفه، وأما الخبرية فقيل: لشبهها بها، وقيل: لمناسبة رب التي للتكثير، وقيل: حملا على رب، وإن كانت للتقليل؛ لأن الشيء يحمل على نقيضه كما يحمل على نظيره.
قلت: والتعليل بالشبه الوضعي كافٍ في بنائهما.
ورابعهما: أن مميزهما قد يحذف إذا دل عليه دليل خلافا لمن منع حذف تمييز الخبرية، وقال بعضهم: يقبح حذف مميز الخبرية إلا إن قدر منصوبا، قال في الارتشاف: وبنبغي أن يقال: إن قدر تمييز الخبرية منصوبا أو مجرورا بمن جاز حذفه، أو بالإضافة فلا يجوز.
وخامسها: أنهما يلزمان الصدر، أما الاستفهامية فواضح، وأما الخبرية فللحمل على رب، فلا يعمل فيهما ما قبلهما إلا المضاف وحرف الجر، وحكى الأخفش أن بعض العرب يقدم العامل على كم الخبرية، فتقول على هذا: "ملكت كم غلام" فقيل: هي من القلة بحيث لا يقاس عليها، والصحيح أنه يجوز القياس عليها، وأنها لغة.
وسادسها: أنهما يشتركان في وجوه الإعراب، وهذا تقييد في إعراب كم إن تقدم عليها حرف جر أو مضاف، فهي مجرورة وإلا فإن كانت كناية عن مصدر أو ظرف فهي منصوبة على المصدر أو على الظرف، وإلا فإن لم يلها فعل أو وليها فعل وهو لازم أو متعد رافع ضميرها أو سببها فهي مبتدأ، وإن وليها فعل متعد ولم يأخذ مفعوله، وإن أخذه فهي مبتدأ، إلا أن يكون ضميرا يعود عليها، ففيها الابتداء، والنصب على الاشتغال.
ويفترقان في ستة أشياء:
أولها: أن تمييز الاستفهامية أصله النصب وتمييز الخبرية أصله الجر.
وثانيها: أن تمييز الاستفهامية مفرد وتمييز الخبرية يكون مفردا وجمعا.
وثالثها: أن الفصل بين الاستفهامية ومميزها جائز في السعة، ولا يفصل بين الخبرية ومميزها إلا في الضرورة، نص المصنف على ذلك، وتقدم ما يقتضي الإطلاق.
ورابعها: أن الاستفهامية لا تدل على تكثير -خلافا لبعضهم- والخبرية للتكثير خلافا لابن طاهر وتلميذه ابن خروف.
[ ٣ / ١٣٤١ ]
وخامسها: أن الاستفهامية تحتاج إلى جواب بخلاف الخبرية، والأجود في جوابها أن يكون على حسب موضعها في الإعراب، ولو رفع مطلقا لجاز.
وسادسها: أن الاستفهامية لا يعطف عليها بلا، خلاف الخبرية، فتقول: كم رجل جاءني لا رجل ولا رجلان.
ثم انتقل إلى كأين وكذا فقال:
كَكَمْ كَأَيِّنْ وكذَا وينْتَصِبْ تَمييزُ ذَينِ أو به صِلْ من تُصِبْ
يعني: أن كأين وكذا مثل كم الخبرية في الدلالة على تكثير عدد مبهم الجنس والمقدار إلا أن تمييزها منصوب بخلاف تمييز كم الخبرية، فتقول: كأين رجلا رأيت، ورأيت كذا رجلا، والأكثر بعد كأين جره بمن كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ١ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ ٢ وخطئ ابن عصفور في قوله: إن من تلزم تمييز كأين.
تنبيهات:
الأول: المشبه به في قوله "ككم" هي الخبرية؛ لأن كأين وكذا لا يستفهم بهما، أما كذا فبالاتفاق، وأما كأين فذهب المصنف إلى أنها قد يستفهم بها مستدلا بقول أبي بن كعب لعب الله بن مسعود ﵄: "كأين تقرأ سورة الأحزاب آية".
ونصوص النحويين على أنها لا تكون إلا خبرية.
فإن قلت: فأي قرينة ترشد إلى أن مراده الخبرية؟
قلت: القرينة أنها المذكورة ثانيا.
الثاني: وجه الشبه إنما هو في الدلالة على تكثير عدد مبهم لا في جميع الأحكام؛ لأن كأين لا يحفظ كون مميزها جمعا بخلاف "الدلالة على"٣ كم،
_________________
(١) ١ من الآية ١٤٦ من سورة آل عمران. ٢ من الآية ١٠٥ من سورة يوسف. ٣ أ.
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
ولأن كذا لا تلزم الصدر ولأن كأين لا تجر بحرف ولا بإضافة، وأجاز ابن قتيبة١ وابن عصفور جرها بالحرف.
الثالث: فهم من تشبيه كأين وكذا بكم الخبرية أنهما للتكثير، وقد صرح المصنف بذلك في غير هذا الموضع، ونوزع في "كذا" فإن الذي يظهر أنها لم توضع للتكثير.
الرابع: قد فهم من قوله: "وينتصب" أن تمييزها لا يجوز جره بإضافتهما إليه بخلاف كم.
فإن قلت: كان حقهما أن يضافا كما تضاف كم؛ لكونهما بمعناها.
قلت: منع من ذلك أن المحكي لا يضاف، وأن في آخر كأين تنوينا وفي آخر كذا اسم الإشارة، وهما مانعان من الإضافة.
الخامس: خطأ الفارسي والزجاج وابن أبي الربيع وابن عصفور من جر التمييز بعد كذا في نحو: "كذا درهم"، وأجازه بعضهم على الإضافة وبعضهم على البدل، والصحيح أنه لا يجوز ولم يسمع.
قال ابن العلج: "وأما الرفع"٢ بعد كذا فخطأ؛ لأنه لم يسمع.
السادس: ظاهر قوله: "أو به صل من تصب" جواز جر تمييز كذا بمن، وكلامه في غير هذا الموضع يقتضي وجوب نصبه.
السابع: ظاهر قوله: "وكذا" أنها تستعمل كناية عن العدد وهي مفردة، قال بعضهم: ولا يحفظ فيها إذا كانت كناية عن العدد إلا كونها مكررة بالعطف كقوله٣:
_________________
(١) ١ هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي الكاتب، كان رأسا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس، وقد سكن بغداد وحدث بها، وروى عنه كثير من العلماء منهم ابن درستويه، وله مؤلفات كثيرة؛ منها: إعراب القرآن، وجامع النحو، وعيون الأخبار. وتوفي سنة ٢٨٦هـ على الأصح. ٢ ب وفي أ، ج "وما نحو تجويزهم الرفع". ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "نُعمى" -بضم النون- النعمة "بؤساك" -بضم الباء- الشدة "الْجَهد" بالفتح: الطاقة، وبالضم: المشقة. =
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
عِدِ النفس نُعمى بعد بُؤساك ذَاكِرَا كذا وكذا لُطفا به نُسي الْجَهد
وقال في التسهيل: وقلَّ ورود "كذا" مفردا أو مكررا بلا واو، وذلك يدل على ورود الأمرين، ولم يذكر لهما شاهدا، ونازع ابن خروف في إفرادها وزعم أنه غير مستعمل.
الثامن: مذهب البصريين أن تمييز كذا لا يكون إلا مفردا ومنصوبا سواء كانت مفردة أو مكررة كما تقدم، وذهب الكوفيون إلى أنها تعامل معاملة ما يكنى بها "عنه"١ فكذا أعبد كناية عن ثلاثة إلى عشرة، وكذا عبد "من"٢ مائة فصاعدا، وكذا وكذا عبدا من أحد عشر إلى تسعة عشر، وكذا عبدا من عشرين إلى تسعين، وكذا وكذا عبدا من واحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، ووافقهم على ذلك المبرد وابن الدهان وابن معط، ونقله صاحب البسيط عن الأخفش، قال في شرح التسهيل: ومستند هذا التفصيل الرأي لا الرواية، وذهب ابن عصفور إلى مذهب ثالث وهو موافقتهم في المركب والعقد والمعطوف ومخالفتهم في المضاف وهو الثلاثة إلى العشرة، فيفسر بجمع معروف بالألف واللام مجرور بمن، وزعم أنه مذهب البصريين بناء على ما نقله ابن السيد من أن البصريين والكوفيين اتفقوا على أن كذا وكذا كناية عن الأعداد المعطوفة، وأن كذا كذا كناية عن الأعداد المركبة، وليس كما نقل.
_________________
(١) = الإعراب: "عد" أمر من وعد يعد والفاعل ضمير مستتر فيه "النفس" مفعول به "نعمى" مفعول ثان بنزع الخافض تقديره بنعمى "بعد" ظرف "بؤساك" كلام إضافي مجرور بالإضافة "ذاكرا" حال من الضمير الذي في عد "كذا" مفعول ذاكرا "وكذا" عطف عليه "لطفا" منصوب على التمييز "به" جار ومجرور متعلق بنُسي "نسي" فعل بني للمجهول "الجهد" نائب فاعل والضمير في به يرجع إلى لطفا، وحملة نسي الجهد في محل نصب على أنها صفة لطفا. الشاهد: قوله: "كذا وكذا" حيث استعمل مكررا بالعطف لكونه كناية عن العدد. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٣٨/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ٢٥٦/ ١، وفي المغني ١٨٨/ ١. ١ أ، ج وفي ب "فيه". ٢ أ، ج وفي ب "عن".
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
التاسع: كأين مركبة من كاف التشبيه وأي، قيل: الاستفهامية، وحكيت فصارت كيزيد مسمى به يحكى ويحكم على موضعه بالإعراب، وقال ابن عصفور: الكاف فيها زائدة لا تتعلق بشيء، وأجاز ابن خروف أن تكون مركبة من الكاف التي هي اسم ومن أي اسم على وزن فيعل، ولم يستعمل هذا الاسم مفردا بل مركبا مع الكاف، وهو مبني على السكون من حيث استعمل في معنى كم، وقال بعض المغاربة: ويحتمل أن تكون بسيطة.
العاشر: في كأين خمس لغات أفصحها كأين وبها قرأ أكثر القراء، وثانيها كائن وبها قرأ ابن كثير، وثالثها كأن وحكاها المبرد، ورابعها كأين وبها قرأ ابن محيصن والأشهب العقيلي، والخامسة كيئن.
الحادي عشر: اختلف في الوقف على كأين في اللغة المشهورة، فذهب الفارسي والسيرافي وجماعة من البصريين إلى أنه تخذف النون، وذهب ابن كيسان وابن خروف إلى أنه بإقرار النون.
والوجهان منقولان عن أبي عمرو والكسائي.
قلت: وقف أكثر القراء بالنون إتباعا للرسم، ووقف أبو عمرو بالياء، واختلف أيضا في الوقف على كائن وهي التي قرأ بها ابن كثير، فوقف المبرد وابن كيسان بالنون، ووقف جماعة بحذفها، وقد أغرب من جعلها اسم فاعل من كان، ومن علها من كاء يكيء كيئا إذا رجع وارتدع.
الثاني عشر: كذا مركبة من كاف التشبيه وذا الإشارية، وتكون كناية عن العدد كما تقدم، وعن غيره. وإذا كانت كناية عن غير عدد فتكون مفردة ومعطوفة، ويكنى بها عن المعرفة والنكرة.
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
الحكاية:
هذا باب للحكاية بأي، وبمن في الاستثبات، لا مطلق الحكاية.
احْكِ بأيٍّ ما لمنكور سُئِلْ عنه بها في الوَقْفِ وحين تَصِلْ
إذا سئل بأي حكي بها ما للمسئول عنه بشرطين:
أحدهما: أن يكون السؤال عن مذكور، الثاني: أن يكون نكرة.
وفي الحكاية بها بهذين الشرطين لغتان:
الأولى: أن يحكى بها ما للمسئول عنه من إعراب وتذكير وإفراد وفروعهما، فتقول لمن قال: قام رجل أي أو رجلان أيان أو رجلا أيون أو امرأة أية أو امرأتان أيتان أو نساء أيات، ولا يحكى بها إلا جمع تصحيح موجود في المسئول عنه أو صالح لأن يوصف به نحو رجال، فإنه يوصف بجمع التصحيح فتقول: "رجال مسلمون"، وهذه اللغة هي الفصحى وبها جزم هنا.
والثانية: أن يحكى بها ما له من إعراب وتذكير وتأنيث فقط ولا يثنى ولا يجمع. فتقول: أي لمن قال: قام رجل أو رجلان أو رجال وأية لمن قال: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء. وقوله: "في الوقف أو حين تصل" يعني: أن أيا يحكي بها في الحالين بخلاف من.
تنبيه:
اختلف في الحركات اللاحقة لأي، فقيل: هي حركات حكاية وأي بمنزلة من في موضع رفع بالابتداء أو الخبر، ولا يبعد أن تكون مفعولة محلا، وقيل: هي حركات إعراب فهي في الرفع على قياس قول البصريين مبتدأ وخبرها محذوف تقديره: أي قام، وإنما لم يقدم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وأجاز الكوفيون رفعها بفعل مضمر قبلها، ولو أظهر لجاز.
وأما في النصب والجر فهي محمولة على فعل مقدر بعدها تقديره: أيا ضربت وبأي مررت، ويجب ذكره مؤخرا، وأجاز بعضهم أن يؤتى به قبل أي
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
واعترض من قال: إنها إعراب؛ لأنه يلزمه إضمار حرف الجر في نحو أي، والتزم بعضهم إدخال حرف الجر فيقول: بأي.
ثم انتقل إلى من فقال:
ووقْفًا احْكِ ما لمنكور بِمَنْ والنونَ حرِّكْ مطلقا وأشبِعَنْ
إذا سئل بمن عن منكور حكي بها في الوقف دون الوصل ما للمسئول عنه من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما، وتشبع الحركة في نونها حال الإفراد فتقول لمن قال: قام رجل مَنُو، ولمن قال: رأيت رجلا منا، ولمنقال: مررت برجل مني.
تنبيهات:
الأول: الحكاية بمن مشروطة بالشرطين المذكورين في الحكاية بأي. أعني: كون المسئول عنه مذكورا منكورا.
الثاني: فهم من كلامه أن "أيا" تخالف من في أمرين؛ أحدهما: أن "أيا" يحكى بها وصلا ووقفا ولا يحكى بمن إلا وقفا. والآخر: أن "أيا" لا تشبع حركاتها في الوقف بخلاف من.
الثالث: اختلف في هذه الأحرف اللاحقة لمن فقال أبو علي: ألحقت إرادة الحكاية وحركت النون إتباعا لها، وذهب السيرافي إلى أن الحكاية وقعت بالحركات ثم أشبعت فنشأت عنها الحروف؛ ليوقف عليها، وبهذا يشعر قول الناظم: "وأشبعن"، وذهب قوم إلى أن هذه الأحرف مبدلة من التنوين.
ثم اعلم أن المحكي ستة أقسام؛ لأنه إما مذكر وإما مؤنث وكل منهما إما مفرد وإما مثنى وإما جمع، وقد تقدم حكاية المفرد المذكر.
ثم انتقل إلى المثنى المذكر فقال:
وقُلْ مَنَانِ ومنَيْنِ بعدَ لِي إِلْفانِ بابنيْنِ وسكن تَعْدِلِ
أي: تقول: منان في الرفع ومنين في النصب والجر والنون فيهما ساكنة، وإنما كسرها لإقامة الوزن اضطرارا، ونبه على ما يلزم في غير الضرورة بقوله: "وسكن تعدل". ثم انتقل إلى المفرد المؤنث فقال:
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
وقُلْ لمن قال أتَتْ بِنتٌ مَنَهْ
أي: تقول في حكاية المؤنث منه -بفتح النون وقلب التاء هاء- وقد يقال: "منت" -بإسكان النون وسلامة التاء- ثم انتقل إلى المثنى المؤنث فقال:
والنونُ قبل تا المثنى مُسْكَنَهْ
أي تقول: في حكاية المثنى المؤنث منتان -بإسكان النون التي قبل التاء والنون التي بعد الألف.
وفي الجر والنصب منتين -بإسكان النونين- وبعضهم يحرك النون قبل التاء فيقول: منتان ومنتين، وإليه أشار بقوله: "والفتح نزر".
فإن قلت: لِمَ كان الفتح في المفرد أشهر والإسكان في التثنية أشهر؟
قلت: لأن التاء في مَنَه متطرفة فهي ساكنة للوقف فحرك ما قبلها لئلا يلتقي ساكنان ولا كذلك منتان، ثم انتقل إلى جمع المؤنث فقال:
وصِلِ التا والألفْ بمَنْ بإثْرِ ذا بنسوةٍ كلفْ
أي: تقول في حكاية جمع المؤنث منات -بإسكان التاء- ثم كمل الأقسام بجمع المذكر فقال:
وقُلْ منونَ ومنينَ مُسْكِنَا إِنْ قيل جَا قَومٌ لقومٍ فُطَنَا
أي: تقول في حكاية جمع المذكر منون رفعا ومنين نصبا وجرا، والنون ساكنة للوقف كما سبق.
تنبيه:
في الحكاية بمن لغتان:
إحداهما: وهي الفصحى، أن يحكى بها للمسئول عنه من إعراب وإفراد وتذكير وفروعهما على ما تقدم من التفصيل، ولم يذكر المصنف غيرها.
والآخر: أن يحكى بها إعراب المسئول عنه فقط، فتقول لمن قال: قام رجل أو رجلان أو رجال أو امرأة أو امرأتان أو نساء: منو، وفي النصب: منا، وفي الجر: مني، وقوله: "وإن تصل فلفظ من لا يختلف" تصريح بمفهوم قوله: "وقفا
[ ٣ / ١٣٤٨ ]
احك" فتقول: "من يا فتى؟ " في الأحوال كلها، وأجاز يونس إثبات الزوائد وصلا، فتقول: "منو يا فتى" وتشير إلى الحركة في "منت" ولا تنون وتكسر نون المثنى وتفتح نون الجمع، وتنون مناتٍ -ضما وكسرا- وهو مذهب حكاه يونس عن بعض العرب، وحمل عليه قول الشاعر١:
أَتَوْا نارِي فقلت: مَنونُ أنتم؟ فقالوا: الجن قُلت عِمُوا ظلاما
وهذا شاذ عند سيبويه والجمهور من وجهين:
أحدهما: إثبات العلامة وصلا، والآخر: أنه حكي مقدرا غير مذكور.
وإلى البيت أشار بقوله:
ونادرٌ مَنُونَ في نَظْمٍ عُرِفْ
وهو لتأبط شرا، ويقال: لشمر الغساني، ورواه بعضهم: فقلت عموا صباحا، وغلط الزجاج من رواه كذلك؛ لأن القصيدة ميمية، وقال ابن السيد: ليس ما أنكره بخطأ، فإنه وقع في شعر آخر منسوبا إلى خديج بن سنان الغساني في قصيدة حائية، ثم ذكر حكاية العلم فقال:
_________________
(١) ١ قائله: هو جذع بن سنان الغساني، وقيل: لشمر بن الحارث الضبي، وقيل: لتأبط شرا، وهو من الوافر. اللغة: "أتوا" حضروا وجاءوا "ناري" المراد: النار التي توقد لإرشاد السائرين "منون أنتم" أي: من أنتم؟ "عموا ظلاما" تحية من تحايا العرب الجاهليين. المعنى: هذا البيت من أوهام العرب وأكاذيبهم في الجن، يقول الشاعر: حضر الجن إليَّ فقلت عند ذلك تحية لهم: نعم ظلامكم. الإعراب: "أتوا" فعل وفاعل "ناري" مفعول وياء المتكلم مضاف إليه، فقلت: الفاء للترتيب الذكري "قلت" فعل وفاعل "منون" اسم استفهام مبتدأ "أنتم" خبره، والجملة في محل نصب مقول القول "فقالوا" فعل وفاعل "الجن" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فقالوا نحن الجن، والجملة في محل نصب مقول القول "قلت" فعل وفاعل "عموا" فعل وفاعل، والجملة في محل نصب مقول القول "ظلاما" يجوز أن يكون تمييزا محولا عن الفاعل، والأصل لينعم ظلامكم، ويجوز أن يكون منصوبا على الظرفية؛ أي: في ظلامكم. الشاهد: قوله: "منون" حيث لحقته الواو والنون في الوصل، وذلك شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٤٢/ ٣، وابن هشام ٥٢/ ٤، وابن عقيل ٣٩٧/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص١٢٤، والمكودي ص٥٨، وسيبويه ٤٠٢/ ١.
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
والعَلَمَ احكينَّهُ من بَعْدِ مَنْ إن عَرِيَتْ من عَاطِفٍ بها اقْتَرَنْ
إذا سئل بمن علم مذكور لم يتيقن نفي الاشتراك فيه، ففيه لغتان:
إحداهما: أن يحكى فيه بعد من إعراب الأول، فتقول: لمن قال قام زيد: مَن زيد؟ ورأيت زيدا: من زيدا؟ ومررت بزيد: من زيدٍ؟ وهذه لغة الحجازيين.
وأما غيرهم فلا يحكون، بل يجيئون بالعلم المسئول عنه بعد من مرفوعا؛ لأنه مبتدأ خبره من، أو خبر مبتدؤه من، فإن اقترنت بعاطف كقولك: "ومن زيد؟ " تعين الرفع عند جميع العرب.
تنبيهات:
الأول: أجاز يونس حكاية سائر المعارف قياسا على العلم.
الثاني: جزم المصنف في التسهيل عن الحجازيين بالحكاية بشرطها، وحكى غيره عنهم جواز الإعراب أيضا.
الثالث: فهم من قوله: "احكينه" أي: حركاته حركات حكاية، وأن إعرابه مقدر كما صرح به في غير هذا الموضع، ومذهب الجمهور أن من مبتدأ وزيدا خبره كانت حركته ضمة أو فتحة أو كسرة، وحركة إعرابه مقدرة؛ لاشتغال آخره بحركة الحكاية.
وقيل: الحركة في حال الرفع إعراب بخلاف النصب والجر، وذهب كثير من الكوفيين إلى أنها محمولة على عامل مقدر يدل عليه العامل في الاسم المستفهم عنه والواقع بعد من مبدل منه، وقيل غير ذلك، والصحيح الأول. والله أعلم.
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
الجزء الخامس:
التأنيث:
علامة التأنيث تاء أو ألف
التذكير هو الأصل فلم يفتقر إلى علامة بخلاف التأنيث. وللتأنيث كما ذكر علامتان: التاء والألف، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب الكوفيون والزجاج إلى أن علامات التأنيث ثلاث: التاء والألف والهمزة في حمراء ونحوه، وذهب بعضهم إلى أن الهمزة والألف قبلها معا علامتا التأنيث، ومذهب الجمهور أن الهمزة في حمراء ونحوه بدل من ألف التأنيث؛ وذلك أنهم لما أرادوا تأنيث ما آخره ألف بألف التأنيث لم يمكنهم الجمع بين ألفين فأبدلت المتطرفة همزة.
تنبيه:
إنما قال "تاء" ولم يقل هاء؛ لأن مذهب البصريين أن التاء هي الأصل والهاء المبدلة في الوقف فرعها، وعكس الكوفيون:
وفي أسامٍ قدروا التاكالكتف
يعني: أن المؤنث بالتاء نوعان: نوع ظهرت فيه التاء ونوع قدرت فيه، فالأول ثلاثة أقسام: مؤنث المعنى نحو عائشة لا يذكر إلا ضرورة، ومذكر نحو حمزة، فهذا لا يؤنث إلا ضرورة، كقوله١:
أبُوكَ خليفةٌ وَلَدَتْه أخرى
وما ليس معناه مذكرا حقيقة ولا مؤنثا حقيقة نحو خشبة، فهذا يؤنث نظرا إلى لفظه: خشبة واحدة.
تنبيه:
هذا التقسيم إنما هو فيما يمتاز مذكره من مؤنثه، فإن لم يميز نحو: "نملة"
_________________
(١) ١ نشده الفراء -وهو من الوافر- وتمامه: وأنت خليفة ذاك الكمال الإعراب: أبوك مبتدأ والكاف مضاف إليه، خليفة خبره، ولدته فعل ومفعول، أخرى فاعل، وأنت مبتدأ، خليفة خبره، ذاك مبتدأ، الكمال خبره. الشاهد: قوله: "خليفة" حيث أنثه.
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
أنت مطلقا؛ ولهذا وهم من استدل على تأنيث نملة سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ١.
وأما الثاني: وهو ما تاؤه مقدرة نحو: كتف ويد وعين، ومأخذه السماع.
فإن قلت: ما الدليل على أن فيه تاء مقدرة؟
قلت: لرجوعها في التصغير نحو: كتيفة ويدية وعيينة، ثم أشار إلى ما يعرف به التقدير بقوله:
ويُعْرَفُ التقديرُ بالضَّميرِ ونَحْوِهِ كالردِّ في التَّصْغِيرِ
فالضمير نحو: "الكتف نهشتها" والرد في التصغير نحو: "كتيفة" ونحو ذلك كتأنيث خبره أو نعته أو حاله أو عدده أو الإشارة إليه أو جمعه على مثال يخص المؤنث نحو: هندات، أو يغلب فيه نحو: عقاب وأعقب.
ثم اعلم أن التاء تأتي لفوائد كثيرة لا حاجة هنا إلى ذكرها، فإن الناظم لم يتعرض هنا لتنبيه عليها، والغرض الأصلي من زيادتها الفرق بين المذكر والمؤنث، ويكثر ذلك في الصفات نحو: ضارب وضاربة، ويقل في الأسماء نحو: رجل ورجلة، وقد اتسع في صفات فلم تلحقها تاء الفرق وهي خمسة:
الأول: فعول بمعنى فاعل نحو: صبور وشكور، وإليه أشار بقوله:
ولا تَلِي فارقةً فَعُولا أَصْلا ولا المِفْعَال والمِفْعِيلا
كَذاكَ مِفْعَلٌ
أي: بمعنى فاعل؛ لأن بنية الفاعل أصل، وقال الشارح: لأنه أكثر من فعول بمعنى مفعول فهو أصل له. انتهى. واحترز بذلك عن فعول بمعنى مفعول؛ لأنه قد تلحقه التاء نحو: أكولة بمعنى مأكولة، وركوبة بمعنى مركوبة، وحلوبة بمعنى محلوبة، وربما حذفوها فقالوا: ركوب وحلوب.
والثاني: مفعال نحو: مكسال ومهذار ومذكار٢.
_________________
(١) ١ من الآية ١٨ من سورة النمل. ٢ مهذار: الكثير الهذر، والهذر: الكلام الذي لا يعبأ به. ومذكار: بمعنى ذكر، وإن لم يستعمل.
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
والثالث: مِفْعِيل نحو: معطير ومنطيق١.
والرابع: مِفْعَل نحو: مِغْشَم٢.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "ولا تلي فارقة" أنها قد تلي غير فارقة كقولهم: "ملولة وفروقة" فإن التاء فيهما للمبالغة؛ ولذلك تدخل في المؤنث والمذكر.
الثاني: أشار بقوله:
وما تليهِ تَا الفَرْقِ من ذي فشُذُوذٌ فِيهِ
إلى أن تاء الفرق قد تلحق بعض هذه الأوزان شذوذا كقولهم: "عدو وعدوة وميقان وميقانة ومسكين ومسكينة"٣، وحكي عن بعض العرب: "امرأة مسكين" على القياس.
والخامس: فعيل بمعنى مفعول نحو: "قتيل وجريح" فتقول: رأيت رجلا قتيلا وامرأة قتيلا، وإلى تقييده بمعنى مفعول أشار بقوله: "كقتيل". واحترز من فعيل بمعنى فاعل نحو: شريف وظريف، فإنه تلحقه التاء، وقد يشبه بالذي بمعنى مفعول فلا تلحقه كقوله: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٤.
وقوله:
إِنْ تَبِعْ مَوْصُوفَه غالبا التَّا تَمْتَنِعْ
شرط في تجريد فعيل من التاء الفارقة، واحترز بذلك من أن يحذف موصوفه فتلحقه التاء نحو: "رأيت قتيلا وقتيلة" فرارا من اللبس، قال في التسهيل: ما لم يحذف موصوف فعيل فتلحقه.
تنبيه:
ذكر أبو حاتم أنه إذا جيء بما يبين أنه مؤنث لم تلحقه التاء لأمن اللبس نحو: "رأيت قتيلا من النساء" قيل: وعلى هذا فإطلاق المصنف ليس بجيد.
_________________
(١) ١ معطير: كثير التعطر. ٢ المغشم: بغين وشين، وهو الذي لا ينتهي عما يريده ويهواه لشجاعته. ٣ ميقان: من اليقين، وهو عدم التردد، يقال: رجل ميقان أي: لا يسمع شيئا إلا أيقنه. ٤ من الآية ٧٨ من سورة يس.
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
قلت: يمكن أن يحمل كلامه على أن المراد بقوله: ما لا لم يحذف موصوف فعيل، أن يستعمل استعمال الأسماء غير جار على موصوف ظاهر ولا منوي لدليل، فحينئذ تلحقه التاء نحو: "رأيت قتيلة وأكيلة السبع". وقد أشار إلى هذا المعنى في شرح الكافية.
وقوله: "غالبا" إلى أنه قد تلحقه تاء الفرق حملا على الذي بمعنى فاعل، كقول العرب: صفة ذميمة، وخلة حميدة، فقد حمل كل منهما على الآخر.
ثم انتقل إلى ألف التأنيث فقال:
وألفُ التأنيثِ ذَاتُ قَصْرِ وذاتُ مدٍّ نحو أُنثى الغُرِّ
تقدم أن المقصورة أصل الممدودة وأنثى الغر غراء، ثم قال:
والاشتهارُ في مبانِي الأُولَى
يعني بالأولى: المقصورة، وذكر لها من الأبنية المشتهرة اثني عشر بناء، وهي ضربان: ضرب يختص بها، وضرب يشركها فيه الممدودة، وسأنبه على ذلك إن شاء الله تعالى.
الأولى: فُعْلَى نحو: أُرْبَى -للداهية- ولم ترد إلا اسما، وهو بناء مشترك، ومثال الممدود: خُشَشَاء -لعظم خلف الأذن- وعُشَرَاء.
الثاني: فُعْلَى، وهو مختص بالمقصورة، ويكون اسما غير مصدر كبُهْمَى١ ومصدرا كرجعي وصفة كطُولى، وأما قولهم بهماة فشاذ، وقيل: جعلت الألف للتكثير أو للإلحاق على من يثبت بناء فعلل، وما رواه ابن الأعرابي من صرف دنيا شاذ.
الثالث: فَعَلَى، وهو مشترك، فمثال المقصورة اسما بَرَدَى، وصفة كحَيَدَى، ومصدرا نحو مرطى٢.
_________________
(١) ١ اسم لنبت، يطلق على الواحد والجمع، أو واحدته بهماة، يقال: أبهمت الأرض: أثبتت البهمى. ٢ لنهر بدمشق، وحيدى: يقال حمار حيدى؛ أي: يحيد عن ظله لنشاطه، ومرطى: مرطت الناقة: أي أسرعت.
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
ومثال الممدودة: قرماء وجنفاء -وهما موضعان- وابن دَاثَاء١، ولا يحفظ غيرها.
الرابع: إذا كان جمعا نحو: جرحى، أو مصدرا نحو: دعوى، أو صفة نحو: شبعى، فإن كان فعلى اسما لم يتعين كون ألفه للتأنيث، بل ألفه صالحة للتأنيث والإلحاق، ومما فيه وجهان: أَرْطَى وعلقى وتترى٢.
الخامس: فُعَالَى، وهو مختص بالمقصورة نحو حبارى -لطائر- ولم يجئ صفة إلا جمعا نحو: سكارى، وزعم الزبيدي أنه جاء صفة مفردا، وحكى قولهم: جمل عُلادَى٣.
السادس: فُعَّلَى، وهو مختص بالمقصور نحو قولهم: السُّمَّهَى -للباطل.
السابع: فِعَلَّى، وهو مختص بالمقصورة نحو: سبطرى ودفقى- وهما لضربين من المشي.
الثامن: فِعْلَى، وهو مختص بالمقصورة نحو: ذكرى.
تنبيه:
أطلق في قوله فِعلى، وكان ينبغي أن يفصل كما فصل في فَعْلَى؛ وذلك أن فِعلى -بكسر الفاء- إن كان مصدرا نحو: ذكرى، أو جمعا نحو: حجلى أو ظربى٤ ولا ثالث لهما، فألفه للتأنيث، وإن لم يكن مصدرا ولا جمعا، لم يلزم كون ألفه للتأنيث، بل إن لم ينون في التنكير فهي للتأنيث نحو ضئزى -بالهمزة- وهي القسمة الجائرة، وإن نُون فألفه للإلحاق نحو: رجل كِيصَى -وهو المولع بالأكل وحده- وإن كان يُنون في لغة ففي ألفه وجهان نحو: ذفرى، والأكثر في ذفرى منع الصرف.
_________________
(١) ١ وهي الأمة. ٢ الأرطى: شجر ينبت في الرمل يدبغ به الأديم، والعلقى: نبت، والتترى: قال في القاموس: جاءوا تترى، وينون. ٣ علادى: أي شديد. ٤ حجلى: جمعا للحجل -بفتحتين- اسما لطائر، وظربى: جمعا لظربان -بفتح أوله وكسر ثانيه- وهي دويبة شبه الهرة منتنة الفسو.
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
التاسع: فِعِّيلَى، وهو مشترك، فالمقصورة نحو: حثيثى وهجيرى١ ولم يجئ إلا مصدرا، والممدودة: فخيراء وخصيصاء ومكناء٢، وهذه الثلاثة تمد وتقصر ولا رابع لها، والكسائي يقيس على ما سمع من فعيلاء فيمد جميع الباب، وغيره يقصره على السماع.
والعاشر: فُعُلَّى، وهو مختص بالمقصورة نحو: "كفرى"، وهو وعاء الطلع بفتح الفاء وضمها، وحكى الفراء سلحفاة٣، وظاهره أن ألف سلحفاة ليست للتأنيث إلا أن تجعل شاذا مثل بهماة، وحكى في التسهيل: سلحفاء -بالمد- وحكاه ابن القطاع٤، فعلى هذا يكون من الأبنية المشتركة.
الحادي عشر: فُعَّيْلى، وهو مشترك، فالمقصورة نحو: خليطى٥، والممدودة نحو قولهم: هو عالم بدخيلاته -أي: بباطن أمره- ولا يحفظ غيره.
الثاني عشر: فُعَّالى، وهو مختص بالمقصورة نحو: شقارى -وهو نبت.
وقوله:
واعز لغير هذه استندارا
يعني: أن ما لم يذكره هنا من أبنية ألف التأنيث المقصورة مستندر، وفيه نظر. ثم شرع في ذكر أبنية الممدودة مقتصرا على الأوزان المشتهرة كما فعل في المقصورة، وجملة ما ذكره سبعة عشر وزنا، وهي أيضا ضربان: مختص بالممدود ومشترك، ويتبين بالتفصيل:
الأول: فَعْلاء، كيف أتى اسما كصحراء، أو مصدر كرغباء٦، أو جمعا في المعنى كطرفاء، أو صفة أنثى أفعل كحمراء أو غيره كديمة هطلاء٧، وهو قليل.
_________________
(١) ١ حثيثى: مصدر للفعل: حث على الشيء إذا حض عليه، ولم يجئ إلا مصدرا. وهجيرى: للعادة. ٢ فخيراء: للفخر، وخصيصاء: للاختصاص، ومكيناء: للتمكن. ٣ دويبة معروفة. ٤ هو علي بن جعفر بن محمد بن عبد الله المعروف بالقطاع. قال ياقوت: كان إمام وقته بمصر في علم العربية، ولد في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ومن مؤلفاته: أبنية الأسماء وحواشي الصحاح وغيرهما، ومات في صفر سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة وخمسمائة. ودفن بقرب ضريح الإمام الشافعي. ٥ خليطى: للاختلاط. ٦ رغباء: مصدر رغب إليه إذا أراد ما عنده. ٧ أو غيره: أي: لغير أنثى أفعل. وديمة هطلاء: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، وهطلاء: متتباعة المطر.
[ ٣ / ١٣٥٨ ]
الثاني والثالث والرابع: أفعلاء -بفتح العين وكسرها وضمها- وإليه أشار بقوله:
أفعلاء مثلث العين
ومثالها قولهم لليوم الرابع من أيام الأسبوع: أربَعاء وأربِعاء وأربُعاء -بفتح الباء وكسرها وضمها- وأفعلاء بفتح العين مشترك، ومثال المقصورة قولهم: أجفلى -لدعوة الجماعة.
الخامس: فَعْلَلاءُ، وهو مشترك، فالممدودة: عقرباء وحرملاء -لمكانين- ذكرهما سيبويه، والمقصورة: فرتنى -اسم امرأة- وقرقرى -اسم موضع- ولا يكون هذا الوزن إلا اسما مدا وقصرا.
السادس: فِعالاء، وهو مختص بالممدودة ومثاله قصاصاء -وهو القصاص- حكاه ابن دريد، ولا يحفظ غيره.
السابع: فُعْلُلاء، نحو: قعد القرفصاء ولم يجئ إلا اسما، وهو قليل، وحكى ابن القطاع أنه يقال: قعد القرفصى -بالقصر- فعلى هذا يكون مشتركا.
الثامن: فَاعُولاء، نحو: عاشوراء، وهو مشترك، ومثال المقصورة بادولى -وهو اسم موضع.
التاسع: فَاعِلاء، نحو: قاصعاء١، وهو مختص بالممدودة.
العاشر: فِعْلِياء، نحو: كبرياء، وهو مختص بالممدودة.
الحادي عشر: مَفْعولاء -نحو مشيوخاء- وهو جماعة الشيوخ، وهو مختص بالممدودة.
الثاني عشر: فَعالاء، نحو: براساء، يقال: ما أدرى أي البراساء هو، أي: أي الناس هو، وقد أثبت ابن القطاع فعالى مقصورا في ألفاظ؛ منها: خزازى -اسم جبل- فعلى هذا يكون مشتركا.
الثالث عشر: فعِيلاء، نحو: كثيراء، وهو مشترك. ومثال المقصورة: كثيرى٢ أيضا.
الرابع عشر: فَعُولاء، نحو: دبوقاء، وحروراء٣، وجعله في التسهيل من
_________________
(١) ١ قاصعاء: لأحد بابي جحرة اليربوع. ٢ كثيرى: اسم البزر. ٣ دبوقاء: اسم للعذرة. وحروراء: اسم لموضع تنسب إليه الحرورية، وهم طائفة من الخوارج.
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
الأبنية المختصة بألف التأنيث المقصورة، وإلى ذلك ذهب ابن عصفور وابن القطاع إلى إثبات فعولى، وأورد من ذلك "عبد سنوطى" اسم أو لقب، وحضورى -موضع- وديوقى -للعذرة- ودقوقى -قرية بالبحرين- وقطورى -قبيلة في جرهم.
وفي شعر امرئ القيس١: عُقَابُ تَنُوفى.
وعلى هذا فهو مشترك، وهو الصحيح.
وقد أشار إلى هذه الأوزان الثلاثة بقوله:
ومطلق العين فعالا
ويعني بالإطلاق: أن يحركها بالفتح مع الألف وبالضم مع الواو وبالكسر مع الياء.
_________________
(١) ١ جزء بيت من الطويل. وتمامه: كأن دثارا حلقت بلبونه لا عقاب القواعل اللغة: دثارا -بكسر الدال- اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس، وهو دثار بن فقعس بن طريف أحد بني أسد، حلقت -بتضعيف اللام- ارتفعت، لبونه -بفتح اللام- الإبل ذوات اللبن، عقاب -بضم العين- طائر من الكواسر، تنوفى -بفتح التاء وضم النون- اسم موضع في جبال طيئ، ورواه أبو سعيد تنوف مثل رسول، ورواه أبو عبيدة تنوفِي -بكسر الفاء- ورواه أبو حاتم تنوفى -بفتح الفاء بعدها ألف مقصورة- القواعل: موضع مما يلي تنوفى. المعنى: وصف هذا الشاعر راعي إبله وقد أغار أعداؤه عليها فتفرقت وشردت، فهو يقول: كأن عقابا قد طارت بهذه الإبل فصعدت بها فوق جبل تنوفى فلا يقدر على الوصول إليها لارتفاعه. الإعراب: "كأن" حرف تشبيه ونصب "دثارا" اسم كأن منصوب بالفتحة "حلقت" فعل ماض والتاء للتأنيث "بلبونه" جار ومجرور متعلق بحلقت وضمير الغائب العائد إلى دثار مضاف إليه "عقاب" فاعل حلقت "تنوفى" مضاف إليه، وجملة حلقت في محل رفع خبر كأن "لا" حرف عطف "عقاب" معطوف على عقاب الأول "القواعل" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: قوله: "تنوفى" على وزن فعولى. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٥٣/ ٣، وفي باب عطف النسق، وابن هشام في عطف النسق.
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
الخامس عشر: فَعَلاء، نحو: جنفاء -اسم موضع- وهو مشترك كما تقدم في أبنية المقصورة.
السادس عشر: فِعَلاء، نحو: سِيَراء -وهو ثوب مخطط يعمل من القز- وهو مختص بالممدودة.
السابع عشر: فُعَلاء، نحو: عشراء١ ونفساء، وهو مشترك كما تقدم في المقصورة.
وقد أشار إلى هذه الثلاثة بقوله:
وكذا مطلق فاء فَعَلاء أُخِذَا
والله أعلم.
_________________
(١) ١ عشراء: للناقة المرضع.
[ ٣ / ١٣٦١ ]
المقصور والممدود:
المقصور: هو الاسم الذي حرف إعرابه ألف لازمة.
والممدود: هو الذي حرف إعرابه همزة قبلها ألف زائدة.
وكلاهما مقيس ومسموع، وقد أشار إلى ضابط المقصور القياسي بقوله:
إذا اسمٌ استوجَبَ من قبل الطرَفْ فَتْحًا وكان ذا نظيرٍ كالأَسَفْ
فَلِنَظِيره الْمُعَلِّ الآخِرِ ثُبوتُ قصرٍ بقياس ظاهِرِ
اعلم أن القصر والمد لا يكونان إلا في المعتل الآخر، فكل اسم معتل الآخر له نظير من الصحيح، يطرد فتح ما قبل آخره، فهو مقصور كقولك: جَوِيَ جَوّى، فإن نظيره من الصحيح: أسف أسفا، وهو يطرد فتح ما قبل آخره؛ لأن فَعِلَ اللازم قياس مصدره فعَل.
فقوله: "إذا اسم" يعني: من الصحيح، وقوله: "وكان ذا نظير" يعني: من المعتل، وقوله: "كالأسف" مثال للصحيح الذي استوجب من قبل الطرف فتحا.
فإن قلت: قوله: "استوجب" ليس بجيد؛ لأنه يقتضي أن شرط ذلك أن يلزم فتحه فلا يكفي غلبة الفتح، وليس كذلك، بل هي كافية، قال في التسهيل: كل المعتل الآخر فتح ما قبل آخر نظيره الصحيح لزوما أو غلبة فقصره مقيس. انتهى. فمثال ما فتح لزوما اسم مفعول ما زاد على الثلاثة، ومثال ما فتح غلبة مصدر فعل اللازم، فإنه قد جاء على فعالة نحو: شكس شكاسة، وعلى مفعول نحو: صهب صهوبة، وعلى فعل نحو: سكر سكرا.
قلت: معنى قوله: "استوجب" أنه استحق ذلك في القياس فيشمل القسمين، ألا ترى أن مصدر فعل اللازم يتوجب فتح ما قبل آخره في القياس، وإن كان السماع قد ورد في بعضه بخلاف ذلك، والذي يوضح لك أن هذا معنى كلامه تمثيله بالأسف للمستوجب الفتح، وهذا واضح.
كفِعَلْ وفُعَلْ في جَمْع مَا كفِعْلةٍ وفُعْلةٍ نحو الدُّمَى
هذان من أمثلة المقصور المقيس، ففعل جمع فعلة نحو: مرية ومرى، وفعل
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
جمع فُعلة نحو: دمية ودمى١، وإنما وجب قصرهما لأن نظيرهما من الصحيح قِرب جمع قِربة، وقُرب جمع قُربة، ثم شرع في بيان ضابط الممدود فقال:
وما استَحقَّ قبل آخر ألفْ فالمد في نظيره حَتْمًا عُرِفْ
يعني: أن الاسم الصحيح إذا استحق زيادة الألف قبل آخره، فإن نظيره المعتل واجب المد قياسا، فالمدود المقيس إذا كان معتل الآخر له نظيره في الصحيح يطرد زيادة الألف قبل آخره، وقوله: "استحق" يعني: في القياس سواء لزم ذلك كمصدر ما أوله همزة وصل كما سيذكر أو غلب ولم يلزم كمفعال صفة نحو: مهداء٢، فإن نظيره من الصحيح مهذار، وقد جاء منه شيء على مفعل نحو: مدعس٣.
وقوله:
كمصدر الفعل الذي قد بُدئا بهمز وصل كارْعَوَى وكارْتَأَى
هذا مما يجب مده قياسا؛ لأن نظيره من الصحيح تجب زيادة ألف قبل آخره، فتقول: ارعواء وارتياء -بالمد- لأن نظيرهما احمرار واقتدار، ثم قال:
والعادمُ النظير ذا قَصْرٍ وذَا مَدٍّ بنَقْلٍ كالحِجَا وكالحِذَا
يعني: أن ما كان معتل الآخر ولا نظير له من الصحيح يطرد فتح ما قبل آخره، أو زيادة ألف قبل آخره، فلا يؤخذ قصره ومده إلا من السماع.
فمن المقصور سماعا: الحجا -وهو العقل- ومن الممدود سماعا: الحذاء وهو النعل، وقد صنف الناس في ذلك كتبا فلا نطول بكثرة الأمثلة.
تنبيه:
كلامه مخصص كما قيل مما تقدم ذكره من ألفي التأنيث. ثم ختم الباب بالكلام على قصر الممدود ومد المقصور فقال:
وقَصْرُ ذي المد اضطرارا مُجْمَعُ عليه والعَكْسُ بخُلْفٍ يَقَعُ
قصر الممدود للضرورة يشبه صرف ما لا ينصرف، فلذلك أجمع على جوازه، ومد المقصور شبيه بمنع ما يستحق الصرف؛ فلذلك اختلف فيه فمنعه
_________________
(١) ١ الدمية -بضم الدال- وهي الصورة من العاج ونحوه والصنم، والمراد بها هنا الصورة، وربما تستعار للذات الجميلة. ٢ المهداء: المرأة الكثيرة الإهداء. ٣ المدعس: الرمح الذي يطعن به.
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
جمهور البصريين مطلقا، وأجازه جمهور الكوفيين مطلقا، وفصل الفراء فأجاز مد ما لا موجب لقصره كالعنى، ومنع مد ما له موجب قصر كسكرى، والظاهر جوازه لوروده، كقول العجاج١:
والمرء يُبليه بِلاءَ السِّربالْ تَعاقُبُ الإهلالِ بعد الإهلالْ
وقول الآخر٢:
يا لك من تَمْر ومن شِيشَاء يَنشَبُ في المسْعَل واللَّهاء
فمد اللهاء، وهي مقصورة.
_________________
(١) ١ البيت من السريع. اللغة: "يبليه" من بلي الثوب يَبْلَى إذا خَلَق ومعناه هنا يمتحنه "تعاقب الإهلال" أي: توارده، وهو من أهل الشهر إهلالا. الإعراب: "المرء" مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده وهي "يبليه" وهي جملة من الفعل والمفعول والفاعل هو قوله: "تعاقب" و"الإهلال" مضاف إليه "بلاء" منصوب على المصدرية و"السربال" مضاف إليه، والمعنى ييليه بلي كبلى السربال، وهو في الحقيقة منصوب بنزع الخافض والجملة صفة للمصدر المحذوف "بعد" ظرف "الإهلال" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "بلاء" حيث مد بلاء، وهو المقصور. وإنما يصح الاستشهاد به إذا كان بكسر الباء وأما إذا فتحها فلا استشهاد. مواضعه: ذكره الأشموني ٣١٦٥٨، والمكودي ص١٦١. ٢ قائله: قال العيني: قائله أعرابي من أهل البادية، ونسبه أبو عبد الله البكري في اللآلئ لأبي المقدام الراجز، وهو من الرجز المسدس. اللغة: "شيشاء" -بشينين أولاهما مكسورة بينهما ياء- وهو الشيص أي التمر الذي لم يشتد "ينشب" -بفتح الشين- يتعلق "المسعل" موضع السعال من الحلق "واللهاء" جمع لهاة كالحصى جمع حصاة مد للضرورة. واللهاة: لحمة مطبقة في أقصى سقف الحنك. وقبله: قد علمت أخت بني السعلاء وعلمت ذاك مع الجزاء أن نعم مأكولا على الخواء الإعراب: "يا" حرف نداء وقصد به هنا التنبيه "لك" جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، أي: لك شيء من تمر "من" للبيان وقيل: من زائدة وتمر مبتدأ ولك خبره مقدما، وفي زيادة من في الإثبات خلاف "ومن شيشاء" عطف عليه "ينشب" فعل مضارع والفاعل ضمير، والجملة في محل الجر على الوصفية "في المسعل" جار ومجرور "واللهاء" عطف عليه. الشاهد: قوله: "اللهاء" حيث مده للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٣١٦٥٩، وابن الناظم، وابن عقيل ٢١٣٢٩.
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
وقال طرفة١:
لها كَبدٌ ملساءُ ذاتُ أسِرَّة وكشحان لم ينقص طواءَهما الحبل
وممن وافق الكوفيين على جواز ذلك ابن ولاد وابن خروف، وزعما أن سيبويه استدل على جوازه في الشعر بقوله: وربما مدوا فقالوا منابير.
قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء، وأما قراءة طلحة: "يَكَادُ سَنَاء بَرْقِهِ"٢ -بالمد- فشاذ؛ إذ لم تثبت لغة، ويمكن أن يكون أراد العلو لا الضوء.
فإن قلت: حُكي الإجماع على قصر الممدود، فليس كذلك؛ لأن مذهب الفراء منعه فيما له قياس يوجب مده نحو فعلاء أفعل.
قلت: هو مجمع على جوازه في الجملة وإن وقع الخلاف في بعض المواضع، والصحيح جوازه مطلقا.
ورد مذهب الفراء بقول الشاعر٣:
وأنتِ لَوْ بَاكَرْتِ مشمولةً صَفْرَا كَلَونِ الفرس الأشْقَرِ
_________________
(١) ١ قائله: هو طرفة بن العبد البكري، وهو من الطويل. اللغة: "كبد" أي: بطن ووسط، ومنه كبد القوس، وهو مقبضها "ملساء" وهو تأنيث أملس، وهو اللين، من الملاسة، وهو ضد الخشونة "أسرة" أراد بها الخطوط التي تكون على البطن، كما يكون في الكف والجبهة واحدها سِرَ ر-بكسرالسين وفتح الراء- "كشحان" تثنية كشح، وهو ما بين الخاصرة إلى الضع الخلفي، وقال الأعلم: الكشحان ما انضمت عليه الأضلاع من الجنين "لم ينقص طواءهما" أراد أنها خميصة البطن ليست بمفاضة، وأصل الحبل: الامتلاء. الإعراب: "لها" جار ومجرور خبر مقدم "كبد" مبتدأ مؤخر "ملساء" صفة لكبد "ذات" صفة بعد صفة "أسرة" مضاف إليه "وكشحان" عطف على قوله: كبد، أي: ولها كشحان "لم" حرف نفي وجزم وقلب "ينقص" فعل مضارع مجزوم بلم "طواءهما" مفعول به ومضاف إليه "الحبل" فاعل ينقص. الشاهد: قوله: "طواءهما" حيث مد الطواء، والمعروف فيه القصر. ٢ من الآية ٤٣ من سورة النور. ٣ قائله: هو الأقيشر، واسمه المغيرة بن عبد الله، وهو من الطويل. اللغة: "لو باكرت" لو بادرت وأسرعت "مشمولة" أراد بها الخمر، إذا كانت باردة الطعم "صفرا" ويروى: صهباء "وأنت" وروي: فقلت. =
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا:
تقدم حد المقصور والممدود، وإنما اقتصر عليهما لوضوح تثنية غيرهما وجمعه، قال في شرح الكافية: إذا قصدت تثنية اسم ولم يكن مقصورا ولا ممدودا فتح آخره ووصل بإحدى العلامتين المذكورتين في باب الإعراب.
آخِرَ مقصورٍ تُثَنِّي اجعلْهُ يَا إِنْ كَانَ عن ثلاثةٍ مرتَقِيَا
شمل الألف الرابعة نحو: معطى، والخامسة نحو: منتمى، والسادسة نحو: مستدعى، فتقول: معطيان ومنتميان ومستدعيان بقلب الألف ياء في جميع ذلك ولا نظر إلى أصلها، ثم قال:
كذا الذي اليا أصله نحو الفتى والجامدُ الذي أُميل كمتى
إذا وقعت ألف المقصور ثالثة فلها أربعة أقسام: منقلبة عن الياء نحو: الفتى، ومنقلبة عن واو نحو: العصا، وأصلية وهي: إذا ومتى، والمراد بها: كل ألف في حرف أو شبهه، ومجهولة الأصل نحو: الددا -وهو اللهو- فإن ألفه لا يُدرى هل هي عن ياء أو عن واو؟ لأن الألف في الثلاثي المعرب لا تكون إلا منقلبة عن أحدهما.
فأما المنقلبة عن الياء فتنقلب في التثنية ياء ردا إلى أصلها نحو قولك: فتيان، وأما المنقلبة عن الواو فتقلب واوا ردا إلى أصلها أيضا نحو قولك: عصوان.
وأما الأصلية والمجهولة ففيها ثلاثة مذاهب:
الأول: -وهو المشهور- أن يعتبر حالهما بالإمالة فإن أميلا ثنيا بالياء، نحو: بلى ومتى، فتقول: بليان ومتيان، وإن لم يمالا فبالواو نحو: على، وإذا مسمى بهما علوان وإذوان، وهذا مذهب سيبويه، وبه جزم هنا.
_________________
(١) = الإعراب: "فقلت" فعل وفاعل، عطف على قوله تقول في بيت سابق "لو" للشرط "باكرت" فعل وفاعل "مشمولة" مفعوله "صفرا" صفة لمشمولة "كلون" الكاف للتشبيه ولون مجرور بها "الفرس" مضاف إليه "الأشقر" صفة للفرس وجواب لو هو قوله: رحت وفي رجليك -في بيت بعده. الشاهد: قوله: "صفرا" حيث قصرها وهي ممدودة. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٥٨/ ٣.
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
والثاني: أن ألفهما إن أميلت أو قلبت ياء في موضع ما ثنيت بالياء، وإلا فبالواو، وهذا اختيار ابن عصفور، وبه جزم في الكافية. فعلى هذا يثنى على وإلى ولدى بالياء لانقلاب ألفهن ياء مع الضمير، وعلى الأول يثنيان بالواو، والقولان عن الأخفش.
والثالث: أن الألف الأصلية والمجهولة يقلبان ياء مطلقا.
تنبيهان:
الأول: قوله: "جامد" يشمل الألفين، فإن الجامد هنا ما لم يعرف له اشتقاق، وقد عبر بعضهم عن الأصلية بالمجهولة.
والثاني: مثل في شرح التسهيل المجهولة بخسا -بمعنى فرد- ولقا بمعنى ملقى لا يعبأ به، ونوزع في المثالين، أما خسا فقال في المخصص يكتب في الألف من خساء مهموزا، وأما لقى فنص ابن جني على أن ألفه عن ياء وهو بمعنى ملقى فهو فعل بمعنى مفعول، والمعنى أنه لخساسته وكونه تافها يلقاه كل أحد فلا يأخذه.
وقوله:
في غَيْرِ ذا تُقْلَبُ واوا الألِفْ
الإشارة إلى الأنواع التي تقلب ألفها ياء وهي ما كانت ألفه رابعة فصاعدا أو ثالثة منقلبة عن ياء أو أصلية أو مجهولة وأميلت، وما عدا ذلك تقلب ألفه واوا، وهو نوعان؛ أحدهما: ما ألفه ثالثة منقلبة عن واو. والآخر: ما ألفه أصلية أو مجهولة ولم تمل، وتقدم تمثيل ذلك.
وقوله:
وأَوْلِهَا ما كان قَبْلُ قد أُلفْ
يعني: من العلامة المذكورة في باب الإعراب، ثم انتقل إلى الممدود فقال:
وما كصحراء بواو ثنيا
يعني: أن ما كانت همزته للتأنيث فإذا ثني تقلبها واوا فتقول في صحراء صحراوان، وكذلك ما أشبهه.
وقوله:
ونحو علباء كساء وحياء
بواو أو همز
يعني: أن ما همزته للإلحاق نحو علباء١ أو منقلبة عن أصل نحو كساء وحياء فهمزة كساء عن واو وأصله كساو، وهمزة حياء عن ياء وأصله حياي، فهذان النوعان يجوز في همزتهما وجهان: قلبهما واوا وتصحيحهما، فتقول عن الأول: علباوان وكساوان وحياوان، وعلى الثاني: علباءان وكساءان وحياءان.
_________________
(١) ١ العلباء: اسم لبعض أعصاب صفة العنق.
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
فإن قلت: أي الوجهين أجود؟
قلت: ذكر المصنف وفاقا لبعضهم أن قلب التي للإلحاق أولى من تصحيحها والمنقلبة عن أصل بالعكس. ونص سيبويه والأخفش على أن إقرار الهمزة فيهما أحسن إلا أن سيبويه ذكر أن القلب في التي للإلحاق أكثر منه في المنقلبة عن أصل، مع اشتراكهما في القلة، وقوله:
وغير ما ذكر صحح
يعني: أن غير ما ذكر من أقسام الممدود تصحح همزته في التثنية، ويعني بذلك ما همزته أصلية نحو: قَرَّاء ووَضَّاء، فإنه لم يبقَ من أقسام الممدود غيره، فتقول فيهما: قراءان ووضاءان١.
والحاصل أن الممدود أربعة أقسام؛ لأن همزته إما أصلية أو مبدلة من أصل أو مبدلة من ياء الإلحاق أو مبدلة من ألف التأنيث، وقد عرفت أحكامها.
تنبيه:
قال الشارح: الممدود على أربعة أضرب؛ لأن همزته إما زائدة وإما أصلية، والزائدة إما للتأنيث نحو حمراء وصحراء وإما للإلحاق كعلباء وقوباء٢، والأصلية إما بدل نحو كساء ورداء وحياء، وإما غير بدل نحو قراء ووضاء. انتهى. وفيه تجوُّز؛ لأن الهمزة في حمراء ونحوه ليست زائدة للتأنيث، بل مبدلة من الألف الزائدة للتأنيث عند الجمهور، وكذلك الهمزة في علباء ونحوه إنما هي مبدلة من الياء الزائدة للإلحاق، وتسمية همزة كساء ونحوه أصلية إنما هو باعتبار ما نشأت عنه. وقوله:
وما شذ على نقل قُصِرْ
يشير به إلى أن الذي يقاس عليه في تثنية المقصور والممدود هو ما سبق ذكره، وما ورد بخلافه فهو شاذ لا يقاس عليه.
أما الذي شذ في المقصور فثلاثة أشياء:
الأول: قولهم مِذْرَوان -وهما طرفا الألية- وقد يطلقان على جانب الرأس ونحوه، والقياس مِذْرَيان؛ لأن ألفه رابعة، وعلة تصحيحه أنه لم يستعملها مثنى،
_________________
(١) ١ القراء: الناسك أي: المتعبد، والوضاء: الوضيء أي: الحسن الوجه. ٢ القوباء: مرض جلدي معروف، يظهر على الجلد على شكل بقع بيضاء مستديرة صغيرة ثم تتسع.
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
قال أبو علي: التالي لا يفرد ألبتة، وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو مذري مفردا، وحكي عن أبي عبيدة مذري ومذريان على القياس.
والثاني: حذف ألف المقصور خامسة فصاعدا لقولهم: خَوْزَلان وضَغْطَران في خوزلي١ وضغطري -وهو الأحمق- ولا يقاس على ذلك خلافا للكوفيين.
والثالث: قوله بعضهم: رضيان في رضى وقياسه رضوان؛ لأنه من ذوات الواو، وقاس الكسائي على ما ندر من ذلك، فأجاز تثنية نحو رضى وعلا من ذوات الواو المكسورة الأول والمضمومة بالياء.
وأما الذي شذ في الممدود فخمسة أشياء:
الأول: إقرار همزة التأنيث كقولهم: حمراءان.
والثاني: قلبها ياء نحو حمرايان. قال المصنف: وكلاهما نادر، انتهى. وحكى النحاس أن الكوفيين أجازوا فيها الإقرار، وحكى غيره أن قلبها ياء لغة فزارة.
والثالث: حذف الألف والهمزة من قاصعاء ونحوه، قالوا: قاصعان، وقاس عليه الكوفيون.
والرابع: قلب همزة كساء ونحوه ياء، وفي التسهيل: ولا يقاس عليه خلافا للكسائي. انتهى، ونقله أبوزيد لغة عن فزارة.
والخامس: قلب الأصلية واوا، قال في التسهيل: وربما قلبت قلبت الأصلية واوا. انتهى. وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه لم يسمع، وقال في شرح التسهيل: والحاصل أن المقيس عليه قلب المبدلة من ألف التأنيث واوا وسلامة الأصلية وإجازة وجهين في الملحقة مع ترجيح القلب، وإجازة وجهين في المبدلة من أصل مع ترجيح السلامة، وما سوى ذلك يحفظ ولا يقاس عليه إلا عند الكسائي، وقد تبين ذلك.
واحْذِفْ من المقصورِ في جَمْعٍ عَلَى حَدِّ المثنى ما به تَكَمَّلا
_________________
(١) ١ الخوزلى: مشية فيها تثاقل وتبختر.
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
الجمع الذي على حد المثنى هو الجمع المذكر السالم، فإذا جمع الاسم هذا الجمع وكان مقصورا حذف لالتقاء الساكنين وأبقيت الفتحة التي كانت قبل الألف لتشعر بالألف المحذوفة، فتقول: جاء الأعلون ورأيت الأعلين، وقد أشار إلى إبقاء الفتحة، وعلة إبقائها بقوله:
والفتحَ أبقِ مُشْعِرًا بما حُذِفْ
وقد فهم من إطلاقه أنه لا فرق فيما ألفه زائدة وما ألفه غير زائدة، وهذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فنقل عنهم أنهم أجازوا ضم ما قبل الياء مطلقا، ونقله المصنف عنهم في ذي الألف الزائدة نحو حبلى -مسمى به- قال في شرح التسهيل: فإن كان أعجميا نحو عيسى أجازوا فيه الوجهين؛ لاحتمال الزيادة وعدمها.
تنبيه:
ظاهر كلامه في التسهيل وشرحه أن الكوفيين يجزمون في ذي الألف الزائدة بما ذكر من الضم والكسر، وقال في شرح الكافية: وأجاز الكوفيون ضم ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء في المقصور الذي ألفه زائدة، فظاهره أنهم يجيزون الوجهين، وهو الظاهر من نقل غيره.
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم غير المقصور إذا جمع على حد المثنى.
قلت: قد تقدم أول الباب الاعتذار عن اقتصاره هنا على المقصور والممدود، ولما كان حكم همزة الممدود في جمع التصحيح كحكمها في التثنية لم يعد ذكره في الجمع إحالة على التثنية، وكان ينبغي أن ينبه على أن ياء المنقوص تحذف في الجمع على حد المثنى، ويضم ما قبل الواو ويكسر ما قبل الياء فتقول: "جاء القاضون ورأيت القاضين".
والحاصل أن حكم المجموع على حد المثنى في الصحة والتغيير كحكم المثنى إلا المقصور والمنقوص، فإن آخرهما يحذف.
ثم انتقل إلى الجمع بالألف والتاء فقال:
وإِنْ جَمَعْتَهُ بتاءٍ وأَلِفْ
فالألفَ اقلِبْ قلبَها في التثنيهْ
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
الضمير في قوله: "وإن جمعته" للمقصور، ومعنى قوله: "قلبها في التثنية" أنها إن كانت رابعة فصاعدا قلبت ياء، وإن كانت ثالثة فعلى التفصيل المتقدم.
فإن قلت: ما حكم الممدود والمنقوص إذا جمعا بالألف والتاء؟ قلت: كحكمهما إذا ثنيا.
فالحاصل أن حكم المجموع بالألف والتاء كحكم المثنى مطلقا إلا في حذف تاء التأنيث مما هي فيه، كما سيأتي.
فإن قلت: لم ذكر حكم المقصور إذا جمع بالألف والتاء ولم يذكر حكم الممدود وكلاهما موافق للتثنية، فكان حقه أن يترك ذكرهما استغناء بما تقدم في التثنية أو يذكرهما إيضاحا؟
قلت: لما كان حكم الممدود في جمعي التصحيح واحدا لم يذكره استغناء بذكره في التثنية بخلاف المقصور فإنه خالف التثنية في أحد الجمعين ووافقهما في الآخر.
وقوله:
وتاءَ ذي التا أَلزِمَنَّ تَنْحِيَهْ
يعني: أن تاء التأنيث تحذف عند تصحيح ما هي فيه؛ لئلا يجمع بين علامتي التأنيث، ويعامل الاسم بعد حذفها معاملة العاري منها فتقول في مسلمة: مسلمات، وإذا كان قبلها ألف قلبت على حد قلبها في التثنية، فتقول في فتاة: فتيات؛ لأنها عن ياء، وفي قطاة: قطوات؛ لأنها عن واو، وفي معطاة: معطيات؛ لأنها رابعة، وإذا كان قبلها همزة تلي ألفا زائدة صححت إذا كانت أصلية نحو قراءة وقراءات، وجاز فيها القلب والتصحيح إن كانت بدلا من أصل نحو نباءة فيقال: نباءات ونباوات، كما يفعل في التثنية.
والسالِمَ العَيْن الثلاثي اسمًا أنِلْ إتْباعَ عين فاءَه بما شُكِلْ
إنْ ساكن العين مؤنثا بَدَا مُختتما بالتاء أو مُجردَا
يعني: أن ما جمع بالألف والتاء وحاز الشروط المذكورة في هذين البيتين تتبع عينه فاءه في الحركة، فتفتح إن كانت الفاء مفتوحة وتضم إن كانت الفاء مضمومة وتكسر إن كانت الفاء مكسورة.
[ ٣ / ١٣٧١ ]
والشروط المذكورة خمسة، وأنا أذكرها على ترتيبها:
الأول: أن يكون سالم العين، واحترز به من نوعين: أحدهما المشددة نحو جَنة وجِنة وجُنة١ فليس فيه إلا التسكين. والآخر: ما عينه حرف علة، وهو ضربان: ضرب قبل حرف العلة فيه حركة تجانسه نحو تارة ودولة وديمة، فهذا يبقى على حاله، وذكر ابن الخباز في سورة الفتح ونسب إلى الوهم، وفي المصباح: هذيل تقول ديمات -بالفتح- في جميع الباب. وضرب قبل حرف العلة فيه فتحة نحو جَوْزة وبيضة، وهذا فيه لغتان: لغة هذيل الإتباع، ولغة غيرهم الإسكان، وسيأتي ذكره عند إشارة الناظم إليه.
الثاني: أن يكون ثلاثيا، واحترز به من الرباعي نحو جيأل -علم للضبع فإنه يبقى على حاله.
الثالث: أن يكون اسما، واحترز به من الصفة نحو ضخمة وجِلْفة٢ وحلوة، فليس فيها إلا التسكين.
الرابع: أن يكون ساكن العين، واحترز به من متحرك العين، نحو شجرة ونِبقة وسمُرة، فإنه لا يغير.
الخامس: أن يكون مؤنثا، واحترز به من المذكر نحو بكر، فإنه لا يجمع بالألف والتاء فلا يكون الإتباع المذكور، ولا يشترط أن يكون فيه تاء التأنيث، فلذلك سوى بين المختتم بتاء التأنيث والمجرد منها، فمثال المختتم بالتاء جفنة وسدرة وغرفة، ومثال المجرد منها دعد وهند وجُمْل، فإذا جمعت هذه المثل ونحوها بالألف والتاء تبعت عينها فاءها لجمعها للشروط المذكورة فتقول: جفنات وسدرات وغرفات ودعدات وهندات وجملات.
تنبيه:
منع الفراء إتباع الكسرة إلا أن يسمع فيحفظ ولا يقاس عليه، وحجته أن فعلات تتضمن فعلا وهو وزن أهمل إلا ما ندر كإبل، ورد بأنه أخف من فعل، فإن تصرف أدى إلى استعماله فلا ينبغي أن يجتنب.
_________________
(١) ١ الجنة: بفتح الجيم البستان، وبكسرها: الجنون والجن، وبضمها: الوقاية. ٢ جلفة: بكسر الجيم -مؤنث جلف- وهو الرجل الجافي.
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
وقوله:
وسَكِّنْ التالي غيرَ الفتحِ أوْ خفِّفْهُ بالفتح فكُلًّا قد رَوَوْا
يعني: أنه يجوز في العين بعد الفاء المضمومة أو المكسورة وجهان مع الإتباع، وهما الإسكان والفتح، فاتضح بذلك أن في نحو سدرة وهند من مكسور الفاء وجمل وغرفة من مضموم الفاء ثلاث لغات: الإتباع والإسكان والفتح. وأما نحو جفنة ودعد فلا يجوز فيه إلا الإتباع، ولا يسكن إلا في الضرورة، وذكر في التسهيل أنه يجوز فيه الإسكان اختيارا لأمرين؛ أحدهما: اعتلال لامه نحو ظبيان، والآخر: شبه الصفة نحو أهل وأهلات، ولم يستثنِ أكثرهم هذين النوعين، والأول حكاه ابن جني عن قوم من العرب، فإذا صح النقل وجب قبوله.
تنبيهان:
الأول: أشار بقوله: "فكلا قد رووا" إلى ثبوت هذه اللغات نقلا عن العرب خلافا لمن زعم أن الفتح في نحو غرفات إنما هو على أنه جمع غرف، ورُدَّ بأن العدول إلى الفتح تخفيفا أسهل من ادعاء جمع الجمع، ورده السيرافي بقولهم: "ثلاث غُرَفات" -بالفتح.
الثاني: مذهب أبي علي والجماعة أن السكون في نحو غرفات تخفيف عن الضم وليس على الأصل، واستدل أبو علي بأن السكون لم يجئ في المفتوح على الأصل إلا نادرا في الشعر فلا يحمل عليه الشائع الكثير، وكذلك الفتح عندهم تخفيفا عن الضم، عدلوا عن الضم إليه، وذهب بعضهم إلى الفتح إتباع لما بعد، وان التسكين تسليم للمجموع، واستدل بقول سيبويه: ومن العرب من يدع العين ساكنة، فهذا دليل على أنه سكون الأصل، وظاهر قوله: "وسكن التالي الفتح أو خففه بالفتح" موافقة أبي علي والجماعة.
ومنعوا إِتْباع نحو ذروه وزبية
يعني: أن العرب منعوا إتباع الكسرة فيما لامه واو، وإتباع الضمة فيما لامه ياء؛ لاستثقال الكسرة قبل الواو والضمة قبل الياء، ولا خلاف في ذلك.
وقوله:
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
وشذ كسر جروه
إشارة إلى قولهم: جِروات -بكسر الراء- حكاه يونس وهو في غاية الشذوذ؛ لما فيه من الكسر قبل الواو.
تنبيهات:
الأول: قد ظهر بهذا أن لإتباع الكسرة والضمة شرطا آخر غير الشروط السابقة.
الثاني: فهم من كلامه جواز الإسكان والفتح في نحو ذِرْوَة وزُبْيَة١؛ إذ لم يتعرض لمنع غير الإتباع.
الثالث: فهم أيضا من إطلاقه جواز اللغات الثلاث، في نحو خطوة ولحية، ومنع بعض البصريين الإتباع في نحو لحية؛ لأن فيه توالي الحركات مرتين قبل الياء قال ابن عصفور: كما لم يحفلوا باجتماع ضمتين والواو، كذلك لم يحفلوا باجتماع كسرتين والياء.
ونَادِرٌ أو ذو اضطرارٍ غير ما قَدَّمْتُه أو لأناس انْتَمَى
يعني: أن ما ورد من هذا الباب مخالفا لما تقدم فهو إما نادر، وإما ضرورة، وإما لغة قوم من العرب، فمن النادر قول بعضهم: كَهَلات -بالفتح٢- وقياسه الإسكان؛ لأنه صفة، ولا يقاس عليه، خلافا لقطرب، ومنه قول جميع العرب: "عِيَرات" -بكسر العين وفتح الياء- جمع عير وهي الدابة التي يحمل عليها، والعير مؤنث، وذهب المبرد والزجاج إلى أنه "عَيرات" بفتح العين، قال المبرد: جمع عَيْر -وهو الحمار- وقال الزجاج: جمع عير، الذي في الكتف أو القدم٣ وهو مؤنث، ومنه جروات كما تقدم.
_________________
(١) ١ ذروة: بكسر الذال وضمها كما في القاموس، وهو أعلى الشيء. وزبية: بضم الزاي وسكون الباء وفتح الياء، وهي حفرة الأسد. ٢ كهلات: جمع كهلة، وهي التي جاوزت ثلاثين سنة. ٣ وهو العظم الناتئ في وسط الكتف أو وسط القدم.
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
ومن الضرورة قوله١:
فتستريح النفسُ من زَفْراتِهَا
وقياسه الفتح.
ومن المنتمي إلى قوم من العرب فتح العين المعتلة بعد الفاء المفتوحة نحو: جوْزة وبيضة، فإنها لغة هذيل. قال شاعرهم٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم راجزه، وهو من الرجز. وقبله: عل صروف الدهر أو دولاتها تدلننا اللمة من لماتها اللغة: "عل" لغة في لعل "الدولات" -بضم الدال- جمع دولة في المال، وبالفتح في الحرب، وقيل: هما واحد "تدلننا" من الإدالة، وهي الغلبة "اللمة" بالفتح الشدة "زفراتها" -جمع زفر- وهي الشدة. الإعراب: "عل" حرف من الحروف المشبهة بالفعل "صروف" اسم لعل "الدهر" مضاف إليه "أو" حرف عطف "دولاتها" عطف عليها "تدلننا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبر لعل "اللمة" -بالنصب- مفعول ثان لتدلننا "من لماتها" جار ومجرور في محل نصب صفة لقوله اللمة تقديرها: اللمة الكائنة من لماتها "فتستريح" -بالنصب- فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء "النفس" فاعل "من زفراتها" جار ومجرور متعلق بنستريج. الشاهد: قوله: "زفراتها" حيث سكن الفاء فيها لإقامة الوزن، والقياس تحريكها. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٦٨/ ٣، وابن الناظم، والسيوطي ص١٢٩، والمكودي ص١٦٤. ٢ قائله: هو شاعر من هذيل يمدح جمله، وهو من الطويل. وعجزه: رفيق بمسح المنكبين سبوح اللغة: "أخو بيضات" أي: صاحب بيضات وملازم لها وهو جمع بيضة "رائح" اسم فاعل من راح يروح رواحا، والرواح: السير وقت العشي، والمراد راجع إلى عشه "متأوب" اسم فاعل من تأوب، إذا جاء في أول الليل "رفيق بمسح" عليم بتحريكهما في السير "سبوح" حسن الجري. المعنى: يمدح الشاعر الهذلي جمله فيقول: إن جملي في سرعة سيره كذكر النعام الذي له بيضات يحرص عليها. فهو يسعى ليلا ونهارا بسرعة ومهارة؛ ليصل إليها ويطمئن عليها. الإعراب: "أخو" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أخو "بيضات" مضاف إليه "رائح متأوب" صفتان لأخ وكذلك "رفيق وسبوح" ويجوز في سبوح أن تجعل خبرا ثانيا للمبتدأ. الشاهد: قوله: "بيضات" حيث فتح العين إتباعا لحركة الفاء، والاسم ثلاثي معتل العين. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٦٨/ ٣، وابن هشام ٩١/ ٤، وابن الناظم، والمكودي ص١٦٤.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]
أخو بيضات رائح متأوب
وبلغتهم قرئ: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ ١، ومنه إسكان العين في نحو ظبية؛ لاعتلال لامه كما تقدم. والله أعلم.
_________________
(١) ١ من الآية ٥٨ من سورة النور.
[ ٣ / ١٣٧٦ ]
جمع التكسير:
وهو الاسم الدال على أكثر من اثنين بتغيير ظاهر أو مقدر. وقسَّم المصنف التغيير إلى ستة أقسام؛ لأنه إما بزيادة نحو صِنْو وصنون١، أو بنقص كتخمة وتُخَم، أو تبديل شكل نحو أَسَد وأُسْد، أو بزيادة وتبديل شكل نحو رجل ورجال، أو بنقص وتبديل شكل نحو قضيب وقُضُب، أو بهن كغلام وغلمان.
واعترض بأنه لا تحرير فيه؛ لأن صنوان من زيادة وتبديل شكل، وتخم من نقص وتبديل شكل؛ لأن الحركات التي في الجمع غير الحركات التي في المفرد.
والتغيير المقدر في نحو فُلْك ودِلاص وهِجَان وشِمال للخِلْقة٢ قيل: ولم يرد غير هذه الأربعة.
قلت: وليس كذلك، بل ذكر في شرح الكافية من ذلك قولهم: "رجل عِفْتَان" -وهو القوي الجافي- "ورجال عفتان"، وحكى ابن سيده "ناقة كِنَاز" و"نوق كناز"٣ فتكون منها، ومذهب سيبويه أن فلكا وبابه جمع تكسير، فيقدر في ذلك زوال حركات المفرد وتبدلها بحركات مشعرة بالجمع، ففلك إذا كان مفردا كقُفْل، وإذا كان جمعا كبُدْن، وكذلك تقول في سائرها، ودعانا إلى ذلك أنهم قالوا في تثنيته فلكان، فعلم أنهم لم يقصدوا به ما قصدوا بجُنُب ونحوه مما اشترك فيه الواحد وغيره، حين قالوا: هذا جنب، وهذان جنب، وهؤلاء جُنُب، فالفارق عنده بين ما يقدر تغييره وما لا يقدر تغييره وجود التثنية وعدمها، وقال المصنف في باب أمثلة الجمع من التسهيل: والأصح كونه -يعني باب فلك- اسم جمع مستغنيا عن تقدير التغيير.
فإن قلت: يرد على حد جمع التكسير نحو: "جَفَنات، ومُصْطفيْن" فإن واحده قد تغير للجمع.
_________________
(١) ١ صنو وصنوان: إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منهن صنو. والاثنان صنوان -بكسر النون- غير منون، والجمع صنوان بتحريك النون بحسب العامل منونة. ٢ دلاص: أي براق، يقال: للواحد ولجمع من الدروع. وهجان: يقال للواحد والجمع من الإبل. والخلقة: أي الطبيعة. ٣ كناز: أي: مكتنزة اللحم، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
قلت: ليست الجمعية مستفادة من فتح فاء جفنات وحذف ألف مصطفى، فإن تقدير السلامة فيها لا يخل بالجمعية.
وجمع التكسير على ضربين: ضرب للقلة، وضرب للكثرة.
فمدلول جمع القلة بطريق الحقيقة من ثلاثة إلى عشرة، ومدلول جمع الكثرة بطريق الحقيقة ما فوق العشرة إلى ما لا نهاية له، وبدأ بأبنية القلة فقال:
أَفْعِلَةٌ أفَعُلُ ثم فِعْلَهْ ثُمَّت أفعالٌ جموعُ قِلَّهْ
أمثلتها على الترتيب: أرغفة، أبحر، فتية، أجمال.
وقد فهم من هذا أن ما بقي من أبنية جمع التكسير فهو للكثرة، وليس من أبنية القلة فُعَل نحو ظُلَم، ولا فِعَل نحو نِعَم، ولا فِعَلة نحو قِرَدة خلافا للفراء، ولا فَعَلة نحو بَرَرة، خلافا لبعضهم، نقله عنه ابن الدهان، ولا أفعِلاء نحو أصدقاء خلافا لأبي زيد الأنصاري، نقله عنه أبو زكريا التبريزي، والصحيح أن هذه كلها من جموع الكثرة.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن السراج إلى أن فِعْلة اسم جمع، لا جمع تكسير، وشبهته أنه لم يطرد.
الثاني: يشارك أفعلة وأخواته في الدلالة على القلة جمع التصحيح للمذكر والمؤنث، ونقل ابن إياز عن ابن خروف: أنه قال في شرح الجمل: هو مشترك بينهما؛ وذلك لأنه مستعمل فيهما، والأصل الحقيقة، قال ابن إياز: واستضعفه بعض الأشياخ؛ لأن اللفظ إذا دار بين المجاز والاشتراك كان المجاز راجحا.
الثالث: إذا قُرِنَ جمع القلة بأل التي للاستغراق، أو أضيف إلى ما يدل على الكثرة انصرف بذلك إلى الكثرة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ١ وقد جمع الأمرين قول حسان٢:
_________________
(١) ١ من الآية ٣٥ من سورة الأحزاب. ٢ قائله: هو حسان بن ثابت الأنصاري، وهو من الطويل. =
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
لنا الْجَفناتُ الغر يَلْمعنَ في الضحى وأسيافنا يقْطُرن من نَجْدَة دمَا
وبعضُ ذي بكَثْرة وَضْعا يَفِي كأرْجُل والعكس جاء كالصُّفِي
قد يستغنى بوضع مثال القلة عن مثال الكثرة، كقوله في رِجْل: أرجُل، ولم يجمعوه على مثال كثرة، ونظيره عُنُق وأعناق، وفؤاد وأفئدة.
وقد يستغنى بوضع مثال الكثرة عن مثال القلة كقولهم في صَفَاة صُفِي١ ولم يجمعوه على مثال القلة، ونظيره قَلْب وقلوب ورجُل ورجال.
وقد يستغنى بأحدهما عن الآخر في الاستعمال لقرينة مجازا نحو: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢. واعلم أن للكلام على جمع التكسير طريقتين:
الأولى: وهي طريق سيبويه وأكثر النحويين، أن يتكلم على بنية المفرد فيقال مثلا فَعْل يجمع في القلة على كذا وفي الكثرة على كذا.
والثانية: وهي طريق المصنف أن يتكلم على بنية الجمع فيقول مثلا أفعل يطرد في كذا ويحفظ في كذا.
ولما شرع في التفصيل على هذه الطريقة قال:
لفِعْلٍ اسمًا صَحَّ عينًا أفعُلُ وللرباعي اسما أيضا يُجعَلُ
_________________
(١) = اللغة: "الجفنات" جمع جفنة وهي القصعة "الغُر" -بضم الغين- جمع غراء وهي البيضاء "يلمعن" من لمع إذا أضاء ومن للبيان "من نجدة" أي: من شجاعة وشدة "دما" واحد وضع موضع الجمع لأنه جنس. الإعراب: "لنا" جار ومجرور خبر مقدم "الجفنات" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة "الغر" صفة للجفنات "يلمعن" جملة من الفعل والفاعل في محل نصب حال من الجفنات "في الضحى" جار ومجرور، وروي: بالضحى، فالباء ظرفية بمعنى في "وأسيافنا" أسياف مبتدأ ونا مضاف إليه "يقطرن" جملة من الفعل والفاعل في محل خبر المبتدأ "من نجدة" جار ومجرور، ومن للبيان والتبعيض. الشاهد: قوله: "الجفنات" حيث جمعت بالألف والتاء في القلة، وأيضا "أسيافنا" فإن المراد بها التكثير، وقال الركني: القياس الجفان والسيوف. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٧١/ ٣، والشاهد ٥٩٤ في الخزانة، وابن يعيش ١٠/ ٥، وسيبويه ١٨١/ ٢. ١ صفاة: الصخرة الملساء. ٢ من الآية ٢٢٨ من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
يعني أن أفعُلا أحد جموع القلة يطرد في نوعين من المفردات:
الأول: ما كان على فَعْل بشرطين؛ أحدهما: أن يكون اسما، وأن يكون صحيح العين.
فشمل نحو: فَلْس وكَف ودَلْو وظَبْي ووَجْه، فتقول في هذه: أفْلُس وأَكف وأَدْل وأظب١ وأوجه.
واحترز بقوله: "اسما" من الصفة، فلا يجمع على أَفْعُل، وندر أعبد في عبد؛ لأنه صفة، وسهله غلبة الاسمية.
واحترز بقوله: "صح عينا" من معتل العين، فلا يجمع على أفعل إلا نادرا كقولهم: أعين وأثوب.
والثاني: ما كان رباعيا، بأربعة شروط: أن يكون اسما، وأن يكون بمدة ثالثة، وأن يكون مؤنثا، وأن يكون بلا علامة نحو: "عَنَاق"٢ وذرِاع، وعُقاب، ويمين، فتقول فيها: أعنُق، وأذرُع، وأعقُب، وأيمُن.
فإن كان صفة نحو شجاع، أو بلا مدة نحو خِنْصَر، أو مذكرا نحو حمار، أو بعلامة التأنيث نحو سحابة لم يجمع على أفعُل، وندر من المذكر طِحَال وأطحُل، وغُراب وأغرُب، وعَتَاد وأعتُد، ونحوها.
وقد أشار إلى هذه الشروط بقوله:
إِنْ كان كالعنَاقِ والذِّراعِ في مدٍّ وتأنيثٍ وعَدِّ الأحرُفِ
تنبيهات:
الأول: فهم من تمثيله أن حركة الأول لا يشترط كونها فتحة أو غيرها لتمثيله بالمفتوح والمكسور.
_________________
(١) ١ أدل وأظب: أصلهما أدلو وأظبي فقلبت ضمة اللام والباء كسرة والواو ياء وحذفت الياء الأصلية في أظبي والمنقبلة في أدلو على حد الحذف في قاض وغاز. ٢ العناق: أنثى المعز والجمع أعنق وعنوق.
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
الثاني: فهم من إطلاقه "في مد" أن الألف وغيرها من أحرف المد في ذلك سواء.
الثالث: فائدة قوله: "وعد الأحرف" التنبيه على الشرط الرابع -وهو التعري من العلامة- ولولا التنبيه على هذا لم يكن له فائدة؛ لأنه صرح أولا بالرباعي.
وغيرُ ما أفعُلُ فيه مطَّرِدْ من الثلاثي اسمًا بأفعالٍ يَرِدْ
يعني: أن أفعالا يطرد في جمع اسم ثلاثي لم يطرد فيه أفعُل، وهو فَعْل الصحيح العين، فاندرج في ذلك فَعْل المعتل نحو ثوب وسيف، وغير فَعْل من أوزان الثلاثي، وهي فِعْل نحو حزب وأحزاب، وفُعْل نحو صُلْب وأصلاب١، وفَعَل نحو جَمَل وأجمال، وفَعِل نحو وعل وأوعال٢، وفَعُل نحو عضد وأعضاد، وفُعُل عنق وأعناق، وفُعَل نحو رطب وأرطاب، وفِعِل نحو إبل وآبال، وفِعَل نحو ضِلَع وأضلاع.
وأما فَعْل الصحيح العين، وهو الذي يطرد فيه أفعل، فلا يجمع على أفعال إلا نادرا نحو: فَرْخ وأفراخ، وزَنْد وأزناد٣، وسمع من ذلك شيء كثير، حتى لو قيل: ذهب ذاهب إلى اقتباسه، لذهب مذهبا حسنا، وذهب الفراء إلى أنه ينقاس فيما فاؤه واو نحو وهم وأوهام، أو همزة نحو ألف وآلاف ومذهب الجمهور أنه لا ينقاس فيهما ولا في غيرهما. وذكر في شرح الكافية أن أفعالا أكثر من أفعُل في فَعْل الذي فاؤه واو نحو: وقت وأوقات ووهم وأوهام، والمضاعف نحو: عم وأعمام وجد وأجداد، وذكر أن جمع الذي فاؤه واو على أفعل شاذ نحو: وجه وأوجه، وأن المضاعف لم يسمع فيه أفعل إلا نادرا.
قلت: وهذا يؤيد مذهب الفراء فيما فاؤه واو، بل يقتضي ألا يكون أفعل مطردا في هذين النوعين، وقد صرح في التسهيل بمخالفة الفراء.
وغالبًا أغناهُمُ فِعْلانُ في فُعَل كقولهم صِرْدَانُ
_________________
(١) ١ الصُّلْب -بضم الصاد- كل ظهر له فقار، والغليظ الشديد. ٢ الوَعِل -بفتح الواو وكسر العين- التيس الجبلي. ٣ الزند: العود الأعلى الذي يقدح به النار. والزندة -بالهاء- العود الأسفل. والزند: موصل طرف الذراع في الكف.
[ ٣ / ١٣٨١ ]
يعني: أن الغالب في فُعَل أن يجمع على فِعْلان -بكسر الفاء- كقولهم في صُرَد: صِرْدان، وفي نُغَز: نِغْزان١، وقد جاء بعضه على أفعال نحو: رطب وأرطاب، وإليه أشار بقوله: "غالبا"، ونص في التسهيل على أن أفعالا فيه نادر.
قلت: فلا ينبغي أن يمثل به فيما يطرد فيه أفعال.
في اسمٍ مذكرٍ رباعيٍّ بِمَدّ ثالثٍ أفعِلَةُ عنهُمُ اطَّرَدْ
يعني: أن أفعلة يطرد في جمع اسم مذكر رباعي بمدة ثالثة نحو: طعام وأطعمة، ورغيف وأرغفة، وعمود وأعمدة، وقال المهاباذي٢: وربما شذ شيء من هذا فلم يستعملوا فيه أفعلة قالوا: كتاب وكتب، ولم يقولوا: أكتبة. واحترز بالاسم من الصفة وبالمذكر من المؤنث، وبالرباعي من الثلاثي، وبالمدة الثالثة من العاري عنه، فلا يجمع شيء من ذلك على أفعلة، إلا ما ندر من قولهم: شحيح وأشِحَّة -وهو صفة- وعقاب وأعقبة -وهو مؤنث، وإنما قياسه أفعل- وقدح وأقدحة -وهو ثلاثي- وجائز وأجوزة -وليست مدته ثالثة- والجائز: الخشبة الممتدة في أعلى السقف.
والزَمْهُ في فَعَالٍ أو فِعَالِ مُصَاحِبي تضعيف أو إعلالِ
يعني: أن أفعل ملتزم في جمع فَعال -بفتح الفاء- وفِعال -بكسرها- مضاعفين نحو: بتات٣ وأبتة، وزمام وأزمة، أو معتل اللام نحو: قَباء وأقبية، وإناء وآنية، فإن قلت قد شذ قولهم: عِنَان وعُنُن، وحَجَاج وحُجُج٤، وقالوا في جمع سماء بمعنى المطر: سُمِيّ، والقياس: أسمية، وهو مسموع أيضا، فكان ينبغي أن يقول: "والزمه في غير شذوذ".
_________________
(١) ١ النغز: طير كالعصفور أحمر اللون يسمى البلبل، والأنثى نغزة. والصرد: طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير. ٢ هو أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير. قال ياقوت: من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني، له شرح اللمع. ٣ بتات: متاع البيت، وأبتة: أصله أبتتة، فالتقى مثلان فنقلت حركة أولهما إلى الساكن قبله ثم أدغم أحد المثلين في الآخر، وكذا يقال في أزمة. ٤ عِنَان -بكسر العين- ما يقاد به الفرس، وبفتحها السحاب. وحجاج -بفتح الحاء وكسرها- العظم الذي ينبت عليه الحاجب.
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
قلت: وقد أشار إلى ذلك بعد بقوله:
ما لم يُضاعَفْ في الأعم ذو الألف
وسيأتي.
فُعْلٌ لنحو أحْمَر وحَمْرَا
من أمثلة جمع الكثرة فُعْل، وهو مطرد في أفل فعلاء، صفتين متقابلتين نحو أحمر وحمراء فتقول فيهما: حمر. ومنفردين لمانع في الخلقة، نحو رجل أكمر -للعظيم الكمرة١- وامرأة عفلاء٢ فتقول فيهما: كُمْر وعُفْل، فإن كانا منفردين لمانع في الاستعمال خاصة نحو: رجل آلى٣ وامرأة عجزاء٤ ولم يقولوا: رجل أعجز ولا امرأة ألياء في أشهر اللغات؛ ففي اطراد فُعْل في هذا النوع خلاف. ونص في شرح الكافية على اطراده، وتبعه الشارح، ونص في التسهيل على أن فُعْلا فيه محفوظ.
فإن قلت: فما المفهوم من كلامه هنا؟
قلت: موافقة شرح الكافية؛ لأنه أحال على التمثيل بأحمر وحمراء، فكل ما شابهه في الوزن والوصف جمع جمعها، وإن خص كلامه بالمتقابلين لخصوصية المثال لم يستقم لخروج المنفردين لمانع، فتعين التعميم.
تنبيهان:
الأول: يجب كسر فاء هذا الجمع فيما عينه ياء نحو بيض؛ لما سيذكر في التصريف.
الثاني: يجوز في الضرورة ضم عين هذا الجمع بثلاثة شروط: صحة عينه، وصحة كلامه، وعدم التضعيف، كقوله٥:
وأنكرَتْنِي ذواتُ الأعين النُّجُلِ
_________________
(١) ١ مانع خلقي بأن تكون خلقة المذكر أو المؤنث غير قابلة للوصف. والأكمر: العظيم الكمرة وهي حشفة الذكر. ٢ عفلاء: العفل: شيء يجتمع في قبل المرأة يشبه الأدرة للرجل، والأدرة: الخصية المنتفخة. ٣ آلى: كبير الألية، والأصل أألى بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فقلبت الهمزة الثانية ألفا، وكذا الياء لتحركها وانفتاح ما قبلها. ٤ عجزاء: أي كبيرة العجز. ٥ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. وصدره: طوى الجديدان ما قد كنت أنشره =
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
وهو كثير، فإن اعتلت عينه نحو بيض وسود، أو لامه نحو عُمْي وعُشْو، أو كان مضاعفا نحو غُر جمع أغَرّ، لم يجز الضم.
وفَعْلَةٌ جمعًا بنقلٍ يُدْرَى
هذا هو رابع جمع القلة، ولم يطرد في شيء من الأبنية، بل هو محفوظ في ستة أوزان: فَعيل نحو صبي وصبية، وفَعَل نحو فتى وفتية، وفَعْل نحو شيخ وشيخة، وفُعَال نحو غلام وغلمة، وفَعَال نحو غزال وغزلة، وفِعَل نحو ثِنَى وثنية على وزن عِدَى حكاه الفارسي، والثِّنى: هو الثاني في السيادة. فإن قلت: فما فائدة قوله: "وفعلة جمعا" وقد علم بذكره أولا أنه جمع؟
قلت: التعريض بقول ابن السراج؛ ولذلك لم يقل مثل هذا في غيره من جموع القلة؛ "إذ لا خلاف فيها"١.
تنبيه:
لو قدم قوله: "وفعلة جمعا بنقل يدرَى" على قوله: "فعل لنحو أحمر وحمرا" لتوالت جموع القلة.
وفَعُلٌ لاسم رُباعي بمد قد زِيدَ قبل لامٍ اعلالا فَقَدْ
ما لم يُضاعَفْ في الأعم ذُو الأَلِفْ
من أمثلة جمع الكثرة فعل، وهو مطرد في اسم رباعي بمد قبل لامه صحيح اللام، فإن كانت مدته ياء أو واوا ولم يشترط فيه غير ذلك نحو: قضيب وقُضُب، وعمود وعُمُد. فإن كانت ألفا اشترط فيه مع ذلك ألا يكون مضاعفا نحو: قَزَال وقُذُل٢ وحِمَار وحُمُر.
_________________
(١) = اللغة: "الجديدان" الليل والنهار "الأعين" جمع عين "النجل" بضم النون جمع نجلاء من النجل وهو سعة شق العين، والرجل أنجل والعين نجلاء. الإعراب: "طوى" فعل ماض "الجديدان" فاعل "ما" موصولة في محل نصب مفعول "قد" حرف تحقيق "كنت" كان واسمها "أنشره" جملة في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول "أنكرتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية والياء مفعول "ذوات" فاعل "الأعين" مضاف إليه "النجل" صفة الأعين. الشاهد: قوله: "النجل" فإنه حرك الجيم للضرورة، والقياس تسكينها. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٧٧/ ٣، والسيوطي في الهمع ١٧٥/ ٢. ١ ب، ج. ٢ القذال: جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية.
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
واحترز بالاسم من الصفة فإنها لا تجمع على فُعُل، وشذ في وصف على فَعال نحو: صَناع وصُنَع، وفِعال نحو: ناقة كِنَاز ونوق كُنُز، وذهب بعضهم إلى أنه قياس فيهما وبالرباعي من غيره، وشذ نحو: رهن ورهن ونَمِر ونُمُر، قال١:
فيها عيَايِيلُ أُسُودٍ ونُمُرْ
وقيل: يجوز أن يكون قصره من نمور ضرورة. وبالمد من العاري منها، وبصحة اللام من المعتلها نحو سقاء، فإنه لا يجمع على فُعُل، وسبب ذلك أنه لو جمع عليه لأدى إلى قلب الياء واوا فيصير إلى سُقُو، وقياسه حينئذ قلب الواو ياء والضمة كسرة فيصير إلى سُقِي، وهو بناء تنكبته العرب، وبعدم التضعيف في ذي الألف عن نحو: بتَات وزِمام، فإن قياسه أفعلة، وأشار بقوله: في الأعم، إلى شذوذ قولهم: عِنان وعُنُن وحِجاج وحُجُج، وفهم من تخصيص ذلك بذي الألف أن المضاعف من ذي الياء نحو سرير، وذي الواو نحو ذلول، يجمع على فعل نحو: سرير وسرر وذلول وذُلُل.
تنبيهات:
الأول: لا فرق في الاسم الرباعي الجامع للشروط بين أن يكون مذكرا كما مُثِّلَ، أو مؤنثا نحو: أتان وأُتن، وقَلوص وقُلص٢، فكلاهما يطرد فيه فُعُل.
_________________
(١) ١ قائله: أنشده سيبويه لحكيم بن معية الربعي من تميم يصف فتاة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، وهو من الرجز. وقبله: حفت بأطواد جبال وسمر في أشب الغيطان ملتف الحظر اللغة: "حفت" أحيطت "بأطواد" جمع طود وأصله الجبل العالي، والمراد هنا الشديد الارتفاع "الحظر" الموضع الذي حوله شجر كالحظيرة "أشب" ملتف ومختلط "الغيطان" جمع غوط وهي الأرض المطمئنة الواسعة "عياييل" جمع عيل -واحد العيال- والمراد أشبال السباع. الإعراب: "فيها" جار ومجرور خبر مقدم والضمير عائد إلى الغيطان "عياييل" مبتدأ مؤخر "أسود" بدل من عياييل أو بيان لها. وروي بالجر على الإضافة، ويكون من إضافة الصفة إلى الموصوف. الشاهد: قوله: "نمر" جمع نمر على نمر، والقياس: نمور. مواضعه: ذكره ابن هشام في شرح الألفية ١١٢/ ٤، وابن يعيش ١٨/ ٥. ٢ القلوص -بفتح القاف- الناقة الشابة.
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
الثاني: ما مدته ألف ثلاثة أقسام: مفتوح الأول، ومكسوره، ومضمومه.
أما الأول والثاني ففُعُل فيهما مطرد، وتقدم تمثيلهما، وأما الثالث فظاهر إطلاقه هنا اطراد فُعُل فيه، وصرح بذلك في شرح الكافية، فإنه مثل بقُراد وقُرُد، وكُراع وكُرُع في المطرد، وتبعه الشارح، وذكر في التسهيل أن فُعُلا نادر في فُعَال وهو الصحيح؛ فلا يقال في غراب: غُرُب، ولا في عُقاب: عُقُب.
وإذا قلنا باطراده فيشترط ألا يكون مضاعفا كما شرط ذلك في أخويه.
الثالث: يجب في غير الضرورة تسكين عين هذا الجمع إن كانت واوا نحو: سِوار وسور، ومن ضمها في الضرورة قوله١:
أغَرُّ الثنايا أحم اللِّثَاتِ يحسِّنُها سُوُكُ الإِسْحِلِ
قال الفراء: وربما قالوا: عون كرسل، فعلوا ذلك فرقا بين العوان والعانة، أي: بين جمعهما، والبصريون لا يجيزون ضم هذه الواو إلا في الشعر، ويجوز تسكين عينه إن لم تكن واوا نحو: قُذْل وحُمْر في قذل وحمر، وإن كانت ياء كسرت الفاء عند التسكين فتقول في سيال: سُيُل وسيل٢، فإن كان مضاعفا لم يجز تسكينه، لما يؤدي إليه من إدغام، وندر قولهم: ذُباب وذُبُّ، والأصل: ذُبُب.
الرابع: اطرد عند تميم وبعض كلب فتح عين فعل المضاف تخفيفا فقيل في الاسم فقط، فلا يصح في ثياب جدد إلا الضم، وقيل: مطلقا في الاسم
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من المتقارب. اللغة: "أغر" أبيض "الثنايا" جمع ثنية وهي الأسنان الأربعة التي يليها الرباعيات "أحم" من الحمة وهو لون بين الدهمة والكمتة "اللثات" جمع لثة، وهي اللحمة المركبة فيها الأسنان "يحسنها" يجملها "سوك" جمع سواك "الإسحل" -بكسر الهمزة- شجر يتخذ منه المساويك. الإعراب: "أغر" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هو أغر "الثنايا" مضاف إليه "أحم" خبر بعد خبر "اللثات" مضاف إليه "يحسنها" فعل مضارع والهاء مفعوله "سوك" فاعل "الإسحل" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "سوك" حيث ضم فيه الواو، والقياس: تسكينها. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٦٩/ ٣. ٢ السيال: ضرب من الشجر له شوك.
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
والصفة، وإلى الأول ذهب ابن قتيبة وغيره من أئمة اللغة، واختاره ابن الصائغ، وإلى الثاني ذهب أبو الفتح والشلوبين.
الخامس: ذكر في الكافية والتسهيل أن فُعُلا طرد في نوعين: أحدهما المتقدم، والآخر فُعُول بمعنى فاعل نحو: صبور وصُبُر، فإن كان بمعنى مفعول لم يجمع على فُعُل نحو رَكوب، ولم يذكره هنا، فأوهم أنه غير مقيس، وليس كذلك.
وفُعَلٌ جمعا لفُعلة عُرِف
ونحوِ كُبرى
من أمثلة جمع الكثرة فُعل، ويطرد في نوعين:
الأول: فُعْلة - اسما نحو: غُرفة وغُرَف، فإن كانت صفة نحو ضُحكة١ لم يجمع على فُعَل.
الثاني: الفُعْلَى - أنثى الأفعل نحو: الكُبَرى والكبر، فإن لم تكن أنثى الأفعل نحو بُهمَى ورُجعَى لم يجمع على فُعَل.
تنبيهات:
الأول: قوله: "ونحو" بالجر معطوف على فاعله، أي ولنحو.
الثاني: فهم من تمثيله بكبرى أن مراده أنثى الأفعل، احترازا من غيرها كما سبق.
الثالث: أخل هنا باشتراط الاسمية من فُعْلة، وهو شرط كما تقدم فلو قال: "فُعَل لفُعلة اسما عرف" لأجاد.
الرابع: اقتصر هنا وفي الكافية على هذين النوعين، أعني فعلة اسما والفُعلَى أثنى الأفعل، وقال في شرح الكافية بعد ذكرهما: وشذ فيما سوى ذلك، يعني فُعَلا، وزاد في التسهيل نوعا ثالثا وهو فُعُلَة اسما نحو: جُمُعة وجُمَع، فإن
_________________
(١) ١ ضحكة -بضم فسكون- وهو من يُضحك منه كثيرا، وأما بضم ففتح فهو مَن يضحك كثيرا.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
كان صفة نحو امرأة شُلُلة -وهي السريعة- لم يجمع على فُعَل. وتقدم رابع يطرد فيه فُعَل عند بعض تميم وكلب.
الخامس: اختلف في ثلاثة أنواع أخر؛ الأول: فُعْلى مصدرا نحو رُجْعى، والثاني: فَعْلة -بفتح الفاء- فيما ثانيه واو ساكنة نحو جَوْزَة، فقاسه الفراء في هذين النوعين فتقول: رُجَع وجُوَز كما قالوا في رؤيا ونوبة: رُؤًى ونُوَب. وغيره يجعل رُؤًى ونوب مما يحفظ ولا يقاس عليه. والثالث: فُعْل مؤنثا بغير تاء نحو جُمْل، فهذا يجمع على فُعَل قياسا عند المبرد، وغيره يقصره إن جاء على السماع. وقوله في الكافية: وجُمْل مثل بُرُمة في فُعَل - يقتضي موافقة المبرد.
ولفِعلَةٍ فعَلْ
من أمثلة جمع الكثرة فِعْلٌ، وهو مطرد في فعلة، قال في التسهيل: اسما تاما، نحو فرقة وفرق، واحترز بالاسم من الصفة كقولهم: صِغرَة وكِبرَة وعِجزَة في ألفاظ ذكرت في المخصص، وذكر أنها تكون هكذا للمفرد وللمثنى والمجموع، وبالتام من نحو رِقَة فإن أصله ورق، لكن حذفت فاؤه.
فإن قلت: فقد أخل هنا بالشرطين.
قلت: أما اشتراط الاسمية فإنه أخل به في فعلة كما أخل به في فعلة، ولو قال: لفعلة اسما، وجاء بعضه على فعل لأوضح.
وأما الثاني: فقد أجاب عنه بأن نحو رقة بعد الحذف لم يبقَ على وزن فعلة، وإنما ذلك باعتبار أصله.
فإن قلت: قد زعم بعض النحويين أن فعلة لم يجئ صفة فلعله إنما لم يعتد بالاسمية بناء على هذا كما تقدم.
قلت: تقييده بالاسمية في التسهيل يرد ذلك، وأيضا فقد ثبت ورود فعله صفة "فليس نفيه بصحيح"١.
فإن قلت: ما حكم فُعلة -بضم الفاء- إذا حذفت فاؤه؟
_________________
(١) ١ ب، ج. وفي أبإسقاط فليس.
[ ٣ / ١٣٨٨ ]
قلت: لم يشترط في التسهيل التمام إلا في فِعلة -بكسر الفاء- والقياس يقتضي تساويهما، فلعله إنما لم يذكر ذلك في فعلة -بضم الفاء- لأنه قليل جدا قالوا: في وصله صلة.
تنبيه:
قاس الفراء فِعَلا في فِعْلى اسما نحو: ذكرى وذِكَر، وفَعْلة يائي العين نحو: ضيعة وضِيَع، كما قاس فُعَلا في نحو: رُؤْيا ونَوْبة، وقاسه الفراء في نحو هند، كما قاس فُعَلا نحو جُمْل، ومذهب الجمهور أنه إن ورد لم يقس عليه هذه الأنواع، وقوله في الكافية: وهند مثل كِسْرةٍ في فِعَل.
يقتضي موافقة المبرد كما في نحو جمل "وقد يجيء جمعه على فُعَل" يعني أن فِعلة -بكسر الفاء- قد تجمع على فعل كقولهم: حِلية وحُلى، ولِحية ولِحى، وهو شاذ، وقال بعضهم: حِلى ولِحى -بالكسر- على القياس.
تنبيه:
كما ناب فُعَل عن فِعَل في حلية ولحية ناب فِعَل عن فُعَل في صورة وقوة قالوا: صِوَر وقِوى، بكسر أولهما شذوذا.
في نحو رامٍ ذُو اطراد فُعَلَه
من أمثلة جمع الكثير فُعلة -بضم الفاء- وهو مطرد في فاعل وصفا لمذكر عاقل معتل اللام نحو: رام ورُماة وقاض وقُضاة، وإلى هذه الشروط بقوله في التمثيل برام، فاحترز بفاعل من وصف على غير فاعل، وبالصفة من نحو واد، وبالمذكر من نحو رامية، وبالعاقل من نحو أسد ضارٍ١، وبالمعتل من نحو ضارب، فلا يجمع شيء من ذلك على فُعَلة، وشذ في صفة على غير فاعل نحو كمي وكماة، وفي فاعل اسما نحو بازٍ وبُزاة، وفيه شذوذ من وجه آخر؛ لأنه غير عاقل، وفي وصف على فاعل صحيح اللام قالوا: هادر وهُدَرَة -بالدال المهملة- وهو الرجل الذي لا يعتد به.
_________________
(١) ١ ضار -بتخفيف الراء- من الضراوة لا بتشديدها من الضرر.
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
تنبيه:
اختلف النحويون في وزن رماة ونحوه، فذهب الجمهور إلى أنه فعلة، وهو مما انفرد به المعتل إلا ما ندر، أعني هدرة، وذهب الفراء إلى أن وزنه فعّل نحو شاهد وشهد بدليل مجيء بعض ذلك كقولهم: غُزّى جمع غاز والهاء فيه عوض من ذهاب التضعيف، وذهب بعضهم إلى أن وزنه فعلة -بالفتح- نحو حملة، وضمت فاؤه فرقا بين الصحيح والمعتل.
وشاعَ نحوُ كاملٍ وكَمَلَهْ
ومن أمثلة جمع الكثرة فعلة -بفتح الفاء- وهو مطرد في فاعل وصفا لمذكر عاقل صحيح اللام نحو: كامِل وكَمَلة وبارّ وبَرَرَة، وأشار بالمثل أيضا إلى الشروط.
واحترز من غير فاعل ومن فاعل اسما أو مؤنثا أو غير عاقل أو معتل اللام، ولا يجمع شيء من ذلك على فعلة باطراد، وشذ في غير فاعل نحو: سيِّد وسادَة، وقل في غير العاقل نحو: ناعق ونَعَقَة -وهي الغربان.
تنبيه:
لو قال كذاك نحو: كامل وكملة، لكان أنصّ؛ لأن الشياع لا يلزم منه الاطراد.
فَعْلَى لوصفٍ كقتيلٍ وزَمِنْ وهالك ومَيِّت به قَمِنْ
من أمثلة جمع الكثرة فَعْلَى، وهو مطرد في وصف على فَعِيل بمعنى مفعول دال على هلك أو توجع، قال في شرح الكافية: أو تشتت نحو: قتيل وقتلى وجريح وجرحى وأسير وأسرى، ويُحمَل عليه ما أشبه في المعنى من فَعِل كزَمِن وزَمْنَى، وفاعل كهالك وهلكى، وفَيْعل كميت وموتى، وزاد في الكافية والتسهيل فعيل بمعنى فاعل كمريض ومَرْضى، وأَفْعَل كأحمق وحَمْقى، وفَعْلان كسكران وسَكْرَى، قال: وبه قرأ حمزة والكسائي: "وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى"١ قال: وما سوى ذلك محفوظ، كقولهم: كيس وكيسى، فإنه ليس فيه ذلك المعنى.
لفعلٍ اسما صَحَّ لامًا فِعَلَهْ والوضعُ في فَعْلِ وفِعْلٍ قَلَّلهْ
_________________
(١) ١ من الآية ٢ من سورة الحج.
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
من أمثلة جمع الكثرة فَعِلة، وهو لاسم صحيح اللام على فُعْل نحو: دُرْج ودِرَجة١ وكُوز وكِوزة، ودُب ودِبَبة، وعلى فعْل وفِعْل قليلا، فالأول نحو: غَرْد وغِردَة٢ وزَوْج وزِوَجة، والثاني قِرْد وقِرَدة وحِسْل وحِسَلة وهو الضب، وهو محفوظ في هذين كما يحفظ في غيرهما نحو هادِر وهِدَرة.
واحترز بالاسم من الصفة، وبالصحيح اللام من المعتل نحوى مدى وظبى ونِحْي٣ فإنه لا يجمع شيء من ذلك على فِعَلة، وندر في عِلْج عِلَجَة٤ لأنه صفة.
وفُعَّلٌ لفاعل وفاعِلَهْ وصفَيْنِ نحوُ عاذِلٍ وعاذِلَهْ
من أمثلة جمع الكثرة فُعَّل، وهو مطرد في وصف صحيح اللام على فاعل وفاعلة نحو: عاذل وعذل، وعاذلة وعذل، واحترز بالوصفين من الاسمين نحو: حاجب العين، وجائزة البيت، ولا يجمعان على فعل.
من أمثلة جمع الكثرة فُعَّال وهو مثل فُعَّل في المذكر خاصة، أي: يطرد في وصف صحيح اللام على فاعل نحو: عاذل وعُذَّال، وندر في المؤنث كقوله٥:
_________________
(١) ١ درج -بضم الدال وسكون الراء- وهو وعاء المغازل. ٢ غرد -بفتح الغين وسكون الراء- وهو نوع من الكمأة. ٣ نحي -بكسر النون وسكون الحاء- وهو وعاء السمن. ٤ علج -بكسر فسكون- الرجل من كفار العجم، وهو أيضا الشديد الغليظ. ٥ قائله: هو عمير بن شييم -المعروف بالقطامي- وهو من البسيط. اللغة: "أبصارهن" جمع بصر، والمراد العين مائلة متجهة "صداد" من الصد وهو الإعراض. المعنى: إن عيون هؤلاء الغواني متجهة إلى الشبان، والحال أنهن لم يعرضن عني ولم ينسينني. الإعراب: "أبصارهن" مبتدأ وضمير النسوة مضاف إليه "إلى الشبان" جار ومجرور متعلق بقوله مائلة "مائلة" خبر المبتدأ "وقد" حرف تحقيق "أراهن" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والضمير البارز مفعول أول، "عني" جار ومجرور متعلق بقوله صداد وساغ تقديم معمول المضاف إليه على المضاف لأمرين؛ أولهما: أن المعمول جار ومجرور فيتوسع فيه، والثاني: أن المضاف يشبه حرف النفي، فكأنه ليس في الكلام إضافة "غير" مفعول ثان لأرى "صداد" مضاف إليه. =
[ ٣ / ١٣٩١ ]
أبصارُهن إلى الشبان مائلةٌ وقد أراهُن عني غير صُدَّادِ
وتأوله بعضهم على أن صداد في البيت جمع صاد، وجعل الضمير للأبصار؛ لأنه يقال: بصر صادّ، كما يقال: بصر حادّ.
تنبيه:
قال بعض النحويين: ينظر ما سمع من فعل وفعال في فاعل المذكور فيتبع فإن لم يسمع جمع تصحيحا، فإن فقد شروط التصحيح جمعت بأيهما شئت، وهذا خلاف المفهوم من كلام المصنف. وقوله: "وذان" الإشارة إلى فُعَّل وفُعَّال، يعني: أنهما ندرا في جمع فاعل المعتل اللام نحو: غاز وغُزَّى، فعلم أن شرط اطرادهما صحة اللام.
فَعْلٌ وفَعْلَةٌ فِعَالٌ لَهُمَا وقَلَّ فيما عينُه اليَا مِنْهُمَا
من أمثلة جمع الكثرة فِعَال، وهو مطرد في فعل وفعلة اسمين أو وصفين نحو: كعب وكعاب، وصعب وصعاب، وقصعة وقصاع، وخَدْلة وخدال١، بشرط ألا تكون عينهما ياء، فهم ذلك من قوله: "وقل فيما عينه اليا منهما".
ومن القليل: ضيف وضِياف.
تنبيه:
بقي شرط آخر وهو ألا يكون فاؤهما ياء، وندر قولهم: يِعار جمع يَعْر -وهو الجدي- وقد ذكر هذا في غير هذا الكتاب.
وفَعَلٌ أيضا له فِعَالُ ما لم يكن في لامه اعتلالُ
يعني: أن فعال أيضا يطرد في فَعَل نحو: جبل وجبال بثلاثة شروط:
_________________
(١) = الشاهد: قوله: "صداد" فإنه جمع صادة بدليل التأنيث في أبصارهن وأراهن وذلك نادر؛ لأن فعال جمع لفاعل لا لفاعلة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٦٨٤/ ٣، وابن هشام ١٠٩/ ٤. وابن عقيل ٣٤٤/ ٢. ١ خدلة: أي ممتلئة الساقين والذراعين.
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
الأول: ألا تكون لامه معتلة، احترازا من نحو فتى.
والثاني: ألا يكون مضعفا، احترازا من نحو طلل.
والثالث: أن يكون اسما لا صفة، ونص على الثاني بقوله: "أو يك مضعفا" وأما الثالث فقد ذكره في التسهيل "ومثل فَعَل ذو التا" يعني: أن فَعلة يجمع على فعال باطراد كفعل نحو: رقبة ورقاب، ويشترط فيه ما اشترط في فعل. والله أعلم. وقوله: "وفِعْلٌ مع فُعْل فاقبل" يعني: أن فعالا يطرد فيها أيضا نحو: قِدْح وقِدَاح ورُمْح ورِمَاح.
تنبيه:
يشترط في هذين الوزنين أن يكونا اسمين احترازا من نحو: جِلْف وجلوف١. ويشترط في ثانيهما ألا يكون واوي العين كحوت، ولا يائي اللام كمُدْي٢.
وفي فَعِيلٍ وَصْفَ فاعلٍ وَرَدْ كذاك في أُنْثَاهُ أيضا اطَّرَدْ
يطرد فعال أيضا في فعيل بمعنى فاعل وفعيلة مؤنثة نحو ظريف وظريفة يجمعان على ظراف. واحترز من فعيل بمعنى مفعول ومؤنثه نحو: جريح وجريحة، فلا يقال فيهما: جِراح.
تنبيهات:
الأول: يشترط في فعيل بمعنى فاعل وأنثاه أن يكونا صحيحي اللام، ذكره في التسهيل.
الثاني: زعم العبدي٣ أن فعالا يختص بجمع فعيلة المؤنث وهو خطأ، بل يشترط فيه المذكر والمؤنث.
_________________
(١) ١ جلف: وهو الشاة المسلوخة بلا رأس ولا قوائم، ومنه الرجل الجافي في خلقه. ٢ المدي: هو القفيز الشامي، وهو غير المد، وقياس جمعه: أمداء. ٣ هو أحمد بن بكر بن أحمد العبدي أبو طالب، أحد أئمة النحاة المشهورين، قال ياقوت: كان نحويا لغويا قرأ على السيرافي والرماني والفارسي، وله شرح الإيضاح، شرح كتاب الجرمي، ومات يوم الخميس العاشر من شهر رمضان سنة ست وأربعمائة.
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
الثالث: قد اتضح بما تقدم أن فعالا مطرد في ثمانية أوزان:
فَعْل، وفَعْلة، وفَعَل، وفَعَلَة، وفِعْل، وفُعْل، وفَعِيل، وفَعِيلة - بالشروط المذكورة.
وشاع في وصف على فَعْلانا أو أنثييه
أي: كثر فِعال في وصف على فَعلان نحو: غضبان وغِضاب، وندمان ونِدام، أو على فعلى نحو: غضبى وغِضاب أيضا، أو على فعلانة نحو: ندمانة ونِدام، وهما أنثيا فعلان؛ لأن مؤنثه يكون على فعلى وفعلانة، وقوله: "أو على فعلانا" -بضم الفاء- نحو: خُمصان وخِماص١، وكذلك فعلانة أنثاء نحو: خُمصانة وخِماص أيضا، وإليها أشار بقوله:
أو على فعلانا
فهذه خمسة أوزان: فَعْلان، وفَعْلى، وفَعْلانة، وفُعْلان وفعلانة - كثر فيها فعال.
فإن قلت: فهل يطرد فيها؟
قلت: صرح في شرح الكافية بعدم الاطراد فيها فقال: وشاع دون اطراد، وظاهر التسهيل اطراده، وقوله:
ومثلُه فُعلانة والزمْه في نحو طويل وطويلة تَفِي
أي: التزم فعالا فيما عينه واو ولامه صحيحة من فعيل بمعنى فاعل وفعيلة أنثاه نحو طويل وطويلة، فنقول فيهما: طوال، ولم تجاوزه فيهما إلا إلى التصحيح٢.
وبفُعُول فَعِل نحو كَبِدْ يُخَصُّ غالبا
من أمثلة الكثرة فُعُول، وهو مطرد في اسم على فَعِل نحو: كبد وكُبُود ونمر ونُمُور، ولم يجاوزوا فُعُولا في جمع فعل إلى غيره من جموع الكثرة غالبا، وإلى هذا أشار بقوله: "يخص غالبا".
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أنه قد يجمع على غير فُعُول نادرا، نحو: نَمِر ونُمُر،
_________________
(١) ١ الخمصة: الجوعة، وخمص البط -مثلثة- خلا، ورجل خمصان وخميص الحشا: ضامر البطن، وهي خمصانة، والجمع خماص. ٢ نحو: طويلين وطويلات.
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
ولم يجمع فعل على فعال استغناء بفعول، وقال الشارح: ولا يكادون يجاوزون في الكثرة جمع فعل على فعول إلى جمعه على فعال، فإن جاء منه شيء عد نادرا، فيه نظر؛ لأن تخصيصه بقوله إلى فعال يقتضي أنهم قد يجاوزونه إلى غير فعال، وكلام الناظم يقتضي أنهم لم يجاوزوه، غالبا لا إلى فعال ولا إلى غيره، وقوله: "وإن جاء منه بشيء"، يقتضي أنه لم يقف على شيء منه، وقد سمع نمار في نمر، وأشار إليه في التسهيل.
كذاك يطرد
في فَعْل اسما مطلق الفا
يعني: أن فُعُولا أيضا يطرد في فَعْل -بفتح الفاء- نحو: كعب وكعوب، وكسرها نحو: حِمل وحمول، وضمها نحو: جُند وجنود، بشرط أن يكون اسما، فإن كانت أوصافا نحو: صعب وجِلْف وحُلو، لم يجمع على فعول، إلا ما شذ كضيف وضُيُوف.
تنبيهات:
الأول: اطراد فُعول في فَعْل مشروط بألا تكون عينه واوا كحوض وشذ فُووج في فَوْج، ومشروط في فُعْل بألا تكون عينه واوا أيضا كحوت، وألا يكون مضاعفا نحو: خُف وشذ وحُص وحُصُوص١.
الثاني: صرح المصنف بأن فعالا وفعلولا مقيسان في هذه الأوزان الثلاثة بشروطها.
وقال بعض النحويين: فعل يجمع في الكثرة على فعال وفعول، وهو في ذلك على ثلاثة أضرب:
ضرب يجتمعان فيه نحو: كعب وكعاب وكعوب، وضرب ينفرد به فعال نحو: كلب وكلاب دون كلوب، وضرب ينفرد به فعول وهو: فلس وفلوس دون فلاس. وقال غيره: فعول وفعال كثرا في جمع فعل الصحيح العين فعلى أيهما جمعته العرب اتبع، فإن لم يحفظ منها واحد نظر في بقية أبنية الجموع فإن جمع على واحد منها أو أكثر اتبع، فإن لم يوجد جمع على أي منهما على التخيير، قال
_________________
(١) ١ والحص: هو الورس، ويقال له: الزعفران.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
بعض المتأخرين: وينبغي أن تعلم أن أكثر الجموع سماعي، لكن منها ما يغلب فيذكر الغالب ليحمل عليه ما لم يسمع جمعه.
الثالث: قال في التسهيل: وقد تلحقهما التاء، يعني فعالا وفعولا نحو: فحالة وفحولة، وهو قليل لا يطرد. وذكر في التسهيل أيضا أن من أمثلة اسم الجمع فعالة نحو: جمل وجمالة، قيل: وقد ذكر أولا أن فعالا تحلقه التاء فيكون جمالة جمع تكسير لا اسم جمع. وقوله: "وفَعَلْ لَهُ" من تتمة الكلام على فعول نحو: أَسَد وأُسُود وشَجَن وشُجُون.
فإن قلت: فهل يطرد جمعه على فعول؟
قلت: ذكره في التسهيل مع ما يقاس فيه فُعُول، لكن بشرطين: أن يكون اسما، وألا يكون مضاعفا، أما نحو طُلول في طلل فمقصور على السماع. وقال في الكافية: وفي فعل يقل، وصرح في شرحها بأنه يقتصر فيه على السماع، وفي الارتشاف بعد ذكره فيما يطرد فيه فعول، وقيل: يقتصر فيه على السماع، وبه جزم الشارح.
فإن قلت: فما المفهوم من قوله: "وفعل له"؟
قلت: ظاهره أنه مقيس، وفاقا لظاهر التسهيل، فإنه ذكره عقيب المطرد، ولم يصرح بعد اطراده، وأيضا فإنه لم يذكر في هذا النظم غالبا إلا المطرد، وقد شذ فعول في غير فعل نحو: شاهد وشهود وصال وصُليّ، ولم يتعرض لذكر ذلك، فظهر أن مراده ذكر المطرد، وقال الشارح: ويحفظ فعول في فعل ولذلك قال: وفعل أيضا له فعول، ولم يقيده باطراد، فعلم أنه محفوظ فيه. انتهى. وفيه نظر؛ لأن مثل هذه العبارة إنما استعملها الناظم فيما هو مطرد كقوله: وفعل أيضا له فعال.
فإذا قلت: فما إعراب قوله: "وفعل له" على هذا؟
قلت: يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون فعل مبتدأ، وله خبر مبتدأ محذوف تقديره: له فعول، والضمير عائد على فعل، والجملة خبر الأول، وهذا ظاهر تقدير الشارح. والثاني: أن يكون فعل مبتدأ، وله خبره، والضمير لفُعُول أي: فَعل لفُعُول، يعني أنه من المفردات التي تجمع على فعول.
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
فإن قلت: فهلا جعلت قوله: وفعل معطوفا على قوله: في فعل، فيكون نصا في اطراد فعول فيه، فيكون قوله: له، ابتداء كلام يتعلق بما بعده، والضمر لفعل، أي: لفعل وللفعال فعلان، فيؤخذ منه أن فعلا جمع على فعلان.
قلت: أما جمع فعل على فعلان فثابت في الصحيح والمعتل نحو خرب وخربان -وهو ذكر الحبارى- وفتى وفتيان، وأخ وإخوان، وتاج وتيجان، وهو مطرد في واوي العين، صرح بذلك في شرح الكافية قال: وقد يجمع عليه الصحيح العين نحو خرب، فظاهره أنه لا يطرد في الصحيح العين، فلو جعل قوله: له، ابتداء كلام لاقتضى اطراد جمع فعل على فعلان في الواوي العين وغيره. وقوله: بعد "وشاع" في قاع وحوت، يدل على أن اطراده مخصوص بنحو قاع من الواوي العين.
فإن قلت: يحتمل أن يكون أراد أن فعلانا مطرد في فعل مطلقا، ولا ينافي ذلك ما ذكر من شياعه في قاع ونحوه، لاحتمال أن يكون في قاع ونحوه أكثر منه في غيره مع اطراده في النوعين، ويدل على صحة هذا قوله في التسهيل: ومنها فعلان لاسم على فعل أو فعال أو فعل مطلقا، أو فعل واوي العين فلم يعتد بواوي العين إلا فعلا، وقال: في فعل مطلقا.
قلت: هذا احتمال يبعده ظاهر اللفظ، والله أعلم.
وقوله:
وللفُعال فِعْلان حَصَلْ
يعني: أن من أمثلة جمع الكثرة فِعْلان -بكسر الفاء- وهو مطرد في اسم على فُعال نحو: غراب وغربان، وغلام وغلمان، وتقدم أول الباب التنبيه على اطراده في فُعَل نحو: صُرَد وصِرْدَان.
وشاع في حُوت وقاع مع ما ضاهاهما وقَلَّ في غيرهما
يعني: أن فِعْلان كثر فيما عينه واو من فُعْل وفعل فالأول نحو: حوت وحيتان ونون ونينان١ والثاني نحو: قاع وقيعان، وتاج وتيجان.
_________________
(١) ١ النون: هو الحوت.
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
قلت: وصرح في شرح الكافية باطراده فيما عينه واو من الوزنين، ثم أشار بقوله: وقل في غيرهما، إلى أنه قد ورد فعلان في غير ما ذكر قليلا كقولهم: خَرَب وخِرْبان، وتاج وتيجان، وأخ وإخوان، وغزال وغزلان، وصِوَار وصِيران -والصِّوار: قطيع بقر الوحش- وظَلِيم وظِلْمان -والظليم ذَكَر النعام- وخروف وخرفان، وحائط وحيطان، وقِنْو وقِنْوَان١.
قال الشارح بعد ذكر هذه المثل: فهذه وأمثالها أسماء تحفظ ولا يقاس عليها.
قلت: وفيه تصريح بأن فعلان في نحو خرب لا يقاس عليه، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية كما سبق ذكره، وتقدم ما ذكره في التسهيل. والله أعلم.
وفَعْلا اسما وفَعيلا وفَعَلْ غير مُعَلِّ العين فُعْلان شَمِلْ
من أمثلة الكثرة فُعْلان -بضم الفاء- وهو مقيس في اسم على فَعْل نحو: بطن وبطنان وظهر وظهران وسقف وسقفان، أو فعيل نحو: قضيب وقضبان ورغيف ورغفان، أو فَعَل -صحيح العين- نحو: ذكر وذُكرن وجمل وجُمْلان.
تنبيهات:
الأول: قال في شرح الكافية: إن فعلان يطرد فيما كان من الأسماء الجامدة والجارية مجراها على فعل، ومثل الجارية مجراها بعبدان جمع عبد.
الثاني: ذكر الشارح في أمثلة فَعَل جَذَع وجُذعان٢. وذكر في التسهيل أن فعلان يحفظ في جذع ولا يقاس عليه لأنه صفة.
الثالث: ظاهر كلامه أن فُعلانا شاذ في غير ما ذكر، وقال في التسهيل: ومنها فُعْلان لاسم على فَعيل أو فَعَل صحيح العين أو فَعْل أو فِعل، فزاد فِعْلا نحو: ذئب وذؤبان، وقال في شرح الكافية: إن فُعلانا في فِعْل قليل.
ولكريم وبخيل فُعَلا كذا لما ضاهاهما قد جُعِلا
_________________
(١) ١ القنو -بالكسر والضم- والقنا -بالكسر والفتح- الكياسة، جمعه أقناء وقنوان وقنيان، مثلثين. ٢ الجذع: الشاب الحدث، وقيل: الثنى من المعز -وهي بهاء- والجمع: جذاع وجذعان.
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
ومن أمثلة جمع الكثرة فعلاء، وهو مقيس في فعيل صفة لمذكر عاقل بمعنى فاعل غير مضاف ولا معتل اللام، نحو: كريم وكرماء وبخيل وبخلاء.
فإن قلت: هل لذكر المثالين فائدة؟
قلت: التنبيه على استواء وصف المدح والذم في ذلك.
تنبيهات:
الأول: قيد فعيلا المذكور في شرح الكافية بأن يكون بمعنى فاعل، واحترز بذلك من فعيل بمعنى مفعول، فإنه لا يجمع على فعلاء إلا نادرا كقولهم: دفين ودُفناء وسجين وسجناء، وقال في التسهيل: ومنها فُعَلاء لمذكر عاقل بمعنى فاعل أو مُفْعِل أو مُفاعِل فزاد مفعلا نحو فعيل سميع بمعنى مسمع، ومفاعلا نحو جليس بمعنى مجالس، فيقال فيهما: سمعاء وجلساء، فينبغي أن يحمل قوله في شرح الكافية بمعنى فاعل على أن المراد بمعنى اسم الفاعل مطلقا؛ ليشمل الثلاثي وغيره.
والثاني: يحتمل قوله: "كذا لما ضاهاهما" وجهين؛ أحدهما: أن المراد ما شابه كريما وبخيلا في الوزن بالشروط المذكورة، نحو: ظريف وشريف، وأراد بذلك التنصيص على تعميم الحكم.
والآخر: أن يكون المراد ما شابه كريما وبخيلا في المعنى، وبهذا جزم الشارح، قال: وكثر فيما دل على المدح كعاقل وعقلاء وصالح وصلحاء وشاعر وشعراء، وإلا هذا أشار بقوله: لما ضاهاهما.
يعني: أن نحو عاقل وصالح وشاعر مشابه لنحو بخيل وكريم في الدلالة على معنى هو الغريزة، فهو كالنائب عن فعيل، فلهذا جرى مجراه. انتهى.
قلت: ما ذكره الشارح هو معنى قوله في الكافية:
وكفعيل ذا اجمَعَنّ فاعِلا في قصد مدح نحو جَمْعي عاقِلا
وظاهر كلامه اطراد ذلك، إلا أن فهم ذلك من قوله هنا: كذا لما ضاهاهما. غير واضح؛ لأنه لم يخصه بفاعل، فيوهم أن كل وصف دل على مدح "أو ذم"١ يجمع على فعلاء، وليس كذلك.
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
ثم اعلم أن في اقتصار الشارح تبعا للكافية على فاعل وعلى معنى المدح نظرا؛ لأنه ذكر في التسهيل أنه حمل على فعيل المذكور ما دل على سجية حمد أو ذم من فعال أو فاعل، فزاد فعالا ولم يقتصر على المدح ومثَّل فقال: شجاع وشجعاء وبعاد وبعداء، وذكر في الكافية أن ذلك في فعال مقصور على السماع، فعلى هذا لا ينبغي أن يذكر مع فاعل.
ونابَ عنه أَفْعِلاءُ في المُعَلّ لاما ومُضْعَف وغير ذاك قَلّ
من أمثلة جمع الكثرة أَفْعِلاء، وهو ينوب عن فُعَلاء في المضاعف والمعتل اللام من فعيل المتقدم ذكره، فالمضاعف نحو: شديد وأشداء وخليل وأخلاء، والمعتل نحو: غني وأغنياء وولي وأولياء، استغنوا به عن فعلاء في هذين النوعين لما فيه من الثقل إلا ما ندر في المعتل كقولهم: سَرِيّ وسُرَوَاء، وتقي وتُقَواء، وسَخِي وسخواء، وأشار بقوله: وغير ذاك قل، إلى ورود أفعلاء في غير المضعف والمعتل قليلا نحو: نصيب وأنصباء وصديق وأصدقاء وهَيِّن وأَهْوِنَاء، ونحو ذلك.
فواعِل لفَوْعَل وفاعلِ وفاعِلاء مع نحو كاهِلِ
وحائض وصاهل وفاعِلهْ
من أمثلة جمع الكثرة: فواعل، وهو مطرد في هذه الأنواع السبعة:
أولها: فوعل، نحو: جوهر وجواهر.
وثانيها: فاعَل -بفتح العين- نحو: طابَع وطوابع.
وثالثها: فاعلاء، نحو: قاصعاء وقواصع١.
ورابعها: فاعِل اسما علما أو غير علم، نحو: كاهل وكواهل٢ وخاتم وخواتم.
وخامسها: فاعِل صفة مؤنث، نحو: حائض وحوائض.
وسادسها: فاعِل صفة مذكر غير عاقل، نحو: صاهل وصواهل.
_________________
(١) ١ قاصعاء: هو جحر اليربوع يقع فيه أي: يدخل. ٢ كاهل: هو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى وفيه ست فقرات.
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
وسابعها: فَاعِلة مطلقا، نحو: ضاربة وضوارب وفاطمة وفواطم وناصية ونواصٍ.
تنبيهات:
الأول: زاد في الكافية نوعا ثامنا وهو فَوْعَلَة نحو: صومعة وصوامع.
الثاني: ذكر في التسهيل ضابطا لهذه الأنواع، قال: فواعل لغير فاعل الموصوف به مذكر عاقل مما ثانيه ألف زائدة أو واو غير ملحقة بخماسي، واحترز بقوله: غير ملحقة بخماسي، من نحو خَوَرْنق١، فإنك تقول في جمعه: خرانق، بحذف الواو.
الثالث: نص سيبويه على اطراد فواعل في فاعل صفة لمذكر غير عاقل كما تقدم نحو: "نجوم طوالع وجبال شوامخ"، قال في شرح الكافية: وغلط كثير من المتأخرين فحكم على مثل هذا بالشذوذ، وإنما الشاذ جمع فاعل صفة لمذكر عاقل على فواعل نحو: فارس وفوارس، وإلى هذا أشار بقوله: وشذ في الفارس مع ما ماثله.
والذي ماثله نحو: نَواكِس وهوالك وغوائب وشواهد، وكلها في صفات المذكر العاقل، قيل: ويحسنه في فوارس أمن اللبس؛ لاختصاص معناه بالمذكر، فإنه لا يقال: امرأة فارسة، وأما هوالك فورد في مثل قالوا: هالك في الهوالك، ونواكس وغوائب وردا في الشعر.
تنبيهان:
الأول: تأول بعضهم ما ورد من ذلك على أنه صفة لطوائف فيكون على القياس، فيقدر في قولهم: هالك في الهوالك في الطوائف الهوالك، قيل: وهو ممكن إن لم يقولوا: رجال هوالك.
الثاني: قال في الارتشاف: وذكر المبرد أنه الأصل وأنه جائز شائع في
_________________
(١) ١ الخورنق: هو قصر النعمان الأكبر، والواو فيه لإلحاقه بسفرجل.
[ ٣ / ١٤٠١ ]
الشعر، قلت: يعني أنه جائز في الشعر لا مطلقا كما نقل غيره، وقال في الارتشاف: وأجاز الأصمعي أن تجمع هذه الصفة جمع الاسم بالحمل عليه.
وبفَعَائِل اجمَعنْ فَعَالهْ وشِبْهَه ذا تاء أو مُزَالَهْ
ومن أمثلة جمع الكثرة: فعائل، وهو لكل رباعي مؤنث بمدة قبل آخره مختوما بالتاء أو مجردا منها، وإلى هذا الضابط أشار بقوله: "وشبهه" فاندرج فيه خمسة أوزان بالتاء وخمسة بلا تاء، فالتي بالتاء فَعَالَة نحو: سحابة وسحائب، وفِعالة نحو: رسالة ورسائل، وفُعَالة نحو: ذؤابة وذوائب١، وفَعُولة نحو: حمولة وحمائل، وفَعِيلة نحو: صحيفة وصحائف.
والتي بلا تاء فِعال نحو: شِمال وشمائل، وفَعال نحو: شَمال وشمائل٢، وفُعال نحو: عُقاب وعقائب، وفَعُول نحو: عجوز وعجائز، وفَعِيل نحو: سعيد -علم امرأة- قال في شرح الكافية: وأما فعائل جمع فعيل من هذا القبيل فلم يأتِ اسم جنس فيما أعلم، لكنه بمقتضى القياس يكون لعلم مؤنث كسعائد جمع سعيد -اسم امرأة.
تنبيهات:
الأول: شرط هذه المثل المجردة من التاء أن تكون مؤنثة، فلو كانت مذكرة لم تجمع على فعائل إلا نادرا، كقولهم: جَزُور وجَزَائر، وسماء وسمائي٣، قال٤:
_________________
(١) ١ الذؤابة -بضم الذال مهموز- الضفير من الشعر إذا كانت مرسلة، فإن كانت ملوية فهي عقيصة، والذؤابة أيضا: طرف العمامة، وطرف السوط. ٢ شمال: بكسر الشين: مقابل اليمين، وبفتحها: ريح تهب من ناحية القطب. ٣ الجزور: قال في القاموس: الجزور البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، وقال في المصباح: الجزور من الإبل خاصة يقع على الذكر والأنثى. وسماء: بمعنى المطر. ٤ قائله: هو أمية بن الصلت، وهو من الطويل. وصدره: له ما رأت عين البصير وفوقه اللغة: "سماء الإله" أراد به العرش. الإعراب: "له" جار ومجرور خبر مقدم وضميره لربنا "ما" موصولة مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر للحصر، أي: الذي رأته الأعين ملك لربنا ليس لأحد شيء منه، وجملة رأت عين البصير صلة الموصول "فوقه" ظرف خبر مقدم والضمير عائد لما الموصولة "سماء" مبتدأ =
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
سماءُ الإلهِ فوق سبع سمائِيَا
ووَصيد ووصَائِد١.
الثاني: قال في التسهيل: ولفُعولة وفَعالة وفِعالة وفُعالة أسماء، فشرط الاسمية في غير فعيلة وأخل باشتراطها هنا، وأما فعيلة فشرط فيها ألا تكون بمعنى مفعولة احترازا من جريحة وقتيلة ونحوهما، فلا يقال: جرائح ولا قتائل، وشذ قولهم: ذبيحة وذبائح ونحوهما.
الثالث: ظاهر اطراد فعائل في هذه الأوزان الخمسة مختومة التاء ومجردة منها كما هو ظاهر الكافية، وقال في التسهيل -بعد ذكر فُعولة وفَعالة وفِعالة وفُعالة: وإن خلون من التاء حفظ فيهن وأحقهن به فعول. انتهى.
وأما فعيل فلم يذكره في التسهيل؛ لأنه لم يحفظ فيه فعائل كما تقدم، وهذا يدل على أن فعائل غير مطرد في هذه الأوزان المجردة وتبعه في الارتشاف.
الرابع: ذكر في التسهيل أن فعائل أيضا لنحو جُرائض وقَرِيثاء وبَرَاكاء وجَلُولاء وحُبَارى وحَزَابية٢ أن حذف ما زيد بعد لاميهما، يعني حبارى وحزابية، واحترز من أن يحذف أول الزائدين فيجمعا حينئذ على الفعالى فتقول: إن حذفت ما بعد اللام حبائر، وحزائب، وإن حذفت الأولى حباريّ وحزابيّ.
_________________
(١) = مؤخر "الإله" مضاف إليه "فوق سبع سمائيا" حال من الضمير المستتر في فوقه، ومن رفع سماء الإله بالظرف قبله كان فوق سبع سمائيا حالا من سماء الإله. الشاهد: قوله: "سمائيا" فقد جمع على فعائل. مواضعه: ذكره سيبويه ٥٩/ ٢، والشاهد ٣٦ في الخزانة. ١ الوصيد: يطلق على معان ذكرها القاموس منها: فناء البيت، وعتبته، وبيت كالحظيرة من الحجارة، وكهف أصحاب الكهف، والذي يختن مرتين. ٢ الجرائض -بجيم مضمومة وهمزة مكسورة- وهو العظيم البطن، والقريثاء -بقاف مفتوحة فراء مكسورة- التمر والبسر الجديدان، والبركاء -بفتح الباء والراء- الثبات في الحرب، والجلولاء -بفتح الجيم وضم اللام- قرية بناحية فارس، الحبارى -بضم الحاء وتخفيف الباء- طائر يقع على الذكر والأنثى، والحزابية -بحاء مفتوحة- هو الغليظ إلى القصر.
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
وبالفَعاَلِي والفَعَالَى جُمِعَا صَحْرَاء والعَذْرَاء والقَيْسَ اتْبَعَا
من أمثلة جمع الكثرة: الفَعَالِي -بالكسر- والفَعَالَى -بالفتح- ولهما اشتراك وانفراد، فيشتركان في أنواع:
الأول: أن يكونا فَعْلاء اسما نحو: صحراء وصحارٍ وصحارى.
والثاني: فَعْلَى اسما نحو: عَلْقَى وعلاقٍ وعَلاقَى١.
والثالث: فِعْلَى اسما نحو: ذِفْرَى وذَفَارٍ وذَفَارَى٢.
والرابع: فُعْلَى وصفا لأنثى أفعل نحو: حُبْلَى وحبالٍ وحبالَى.
الخامس: فَعْلَاء نحو: عذراء قالوا عذارٍ وعذارَى.
وظاهر قوله: "والقيس اتبعا" أن فعالِي وفعالَى مقيسان في نحو عذراء كما أنهما مقيسان في نحو صحراء، ويؤيد ذلك قوله في شرح الكافية: وكذلك ما أشبههما، ثم يحتمل أن يريد بنحو عذراء ما كان على فعلاء صفة مطلقا أو صفة خاصة بالمؤنث، وهذا أقرب، وقال الشارح: ويشترك فعالِي وفعالَى فيما كان على فعلاء اسما نحو صحراء أو صفة نحو عذراء، فسوى بينهما ولم يقيد الصفة، ثم الظاهر بعد هذا ما ذكره في التسهيل وهو أن فعالى يحفظ في نحو عذراء وأن الفعالى يشاركه فيه فاتضح أنهما غير مقيسين في فعلاء صفة، ويشتركان أيضا في جمع مَهْرِيّ قالوا: مهارٍ ومهارَى، ولا يقاس عليهما، وسوى في التسهيل بين عذراء ومهري، وينفرد فعالِي -بالكسر- بنحو: حذرية وسعلاوة وعرقوة والمأقي٣
_________________
(١) ١ علقى -بفتح العين والقاف- اسم نبت. ٢ ذِفرى -بكسر الذال وسكون الفاء- الموضع الذي يعرق من قفا البعير خلف الأذن وألفه للإلحاق بدرهم. ٣ حذرية -بكسر الحاء والراء وإسكان الذال- وهي القطعة الغليظة من الأرض. سعلاة -بكسر السين وسكون العين- قال في القاموس: السعلاوة والسعلاء -بكسرهما- الغول أو ساحرة الجن. عرقوة -بفتح العين وسكون الراء وضم القاف- وهي الخشبة المعترضة على رأس الدلو. المأقي -بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر القاف- وهو طرف العين مما يلي الأنف ويقال له: الموق والماق، وأما طرفها مما يلي الصدغ فاللحاظ.
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
وربما حذف أول زائديه من نحو: حَبَنْطَى وعَفَرنَى وعَدَوْلَى وقَهَوْبَاة وبُلَهْنِية وقلنسوة وحبارى١. وندر في أهل وعشرين وليلة وكيكة، وهي البيضة. وينفرد فعالَى -بالفتح- بوصف على فَعْلان أو فَعْلى نحو: سكران وسكرى وغضبان وغضبى فتقول: سكارى وغضابى، ولا تقول: سكاري وغضابي -بالكسر- وورد محفوظا في ألفاظ أخر نحو: حبط وحباطى.
واعلم أن جمع فعلان وفعلى على فعالى -بضم الفاء- راجع على فعالى -بفتحها.
تنبيهات:
الأول: إنما لم يذكر هنا ما تنفرد به فَعَالى من نحو حذرية وما بعدها؛ لأنه يستفاد من قوله: "وبفَعَالِل وشبهه انطقا" وسيأتي بيانه، ولكنه أخل بفُعالى -بضم الفاء- فلم يذكره.
الثاني: قالوا في جمع صحراء وعذراء: صحارِيّ وعذارِيّ أيضا -بالتشديد- فصار لكل منهما ثلاثة جموع فعالي وفعالَى وفعالِيّ.
الثالث: اعلم أن فعاليّ -بالتشديد- هو الأصل في جمع صحراء ونحوها، وإن كان محفوظا لا يقاس عليه، وإنما يجيء غالبا في الشعر، وإنما قلنا: إنه الأصل لأنك إذا جمعت صحراء أدخلت بين الحاء والراء ألفا وكسرت الراء، كما تكسر ما بعد ألف الجمع في كل موضع نحو مساجد، فتنقلب الألف التي بعد الراء ياء؛ لانكسار ما قبلها، وتنقلب الثانية التي للتأنيث أيضا ياء ثم تدغم الأولى فيها، ثم
_________________
(١) ١ حبنطى -بفتح الحاء والطاء وسكون النون- وهو العظيم البطن. عفرنى -بفتح العين والفاء والنون وسكون الراء- وهو الأسد. عدولى -بفتح العين والدال واللام وسكون الواو- وهي قرية بالبحرين. قهوباة -بفتح القاف والهاء وسكون الواو- وهي سهم صغير، وأول زائديه الواو. بلهنية -بضم الباء وفتح اللام وسكون الهاء- من العيش، أي: في سعة، وأول زائديه النون. قلنسوة -بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين- ما يلبس على الرأس، وزيد فيه النون والواو ليلتحق بقمدحوة، وأول زائديه النون.
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
إنهم آثروا التخفيف فحذفوا إحدى الياءين، فمن حذف الثانية قال الصحارِي -بالكسر- ومن حذف الأولى قال الصحارَى -بالفتح- وإنما فتح الراء وقلب الياء ألفا لتسلم من الحذف عند التنوين، والله أعلم.
واجعَلْ فَعَاليّ لغير ذي نَسَبْ جُدِّدَ كالكرسي تَتْبَعِ العربْ
من أمثلة جمع الكثرة: فعاليّ وهو لثلاثي، ساكن العين، مزيد، آخره ياء مشددة لغير تجديد نسب، نحو: كرسيّ وكراسيّ وبرديّ وبراديّ، واحترز بقوله: "لغير ذي نسب جدد" من نحو بصري، فلا يقال: بصاريّ، وعلامة النسب المتجدد جواز سقوط الياء وبقاء الدلالة على معنى مشعور به قبل سقوطها.
تنبيهات:
الأول: قد تكون الياء في الأصل للنسب الحقيقي ثم يكثر استعمال ما هي فيه حتى يصير منسيا أو كالمنسي، فيعامل الاسم معاملة ما ليس منسوبا كقولهم: مَهْرِيّ مهاريّ، وأصله البعير المنسوب إلى مَهْرَة قبيلة من قبائل اليمن، ثم كثر استعماله حتى صار اسما للنجيب من الإبل.
الثاني: ذكر في التسهيل أن هذا الجمع أيضا لنحو علباء وقوباء وحَوْلايا١ ويحفظ في نحو صحراء وعذراء وإنسان وظَرِبان٢.
قلت: أما صحراء وعذراء فقالوا فيهما: صحاري وعذاري -بالتشديد- وتقدم التنبيه على أنه الأصل مع أنه لا يقاس عليه، وأما إنسان وظربان، فقالوا فيهما: أناسي وظرابي، وأصلهما أناسين وظرابين والياء فيهما بدل من النون. وزعم ابن عصفور: أن هذا البدل في أناسي لازم، ورد بأن العرب قالت أناسين على الأصل، قال الشاعر٣:
_________________
(١) ١ حولايا -بفتح الحاء وسكون الواو- اسم موضع، وقال في القاموس: قرية من عمل النهروان. ٢ ظربان -على وزن قطران- دويبة منتنة الريح، قيل: تشبه الهر، وقيل: تشبه القرد، وقيل: تشبه الكلب. ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، يسلي شخصا مصابا بأهله نازحا عن داره ووطنه وقدم على قوم أحسنوا إليه غاية الإحسان حتى كأنه اجتمع بأهله في وطنه- وهو من البسيط. =
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
أهلا بأهل وبيتًا مثل بيتِكم وبالأنَاسِين إبدالِ الأَنَاسِين
قال في التذييل والتكميل: ولو ذهب ذاهب إلى أن الياء في أناسي ليست بدلا وأن أناسي جمع إنسي، وأناسين جمع إنسان، لكان قد ذهب إلى قول حسن واستراح من دعوى البدل؛ إذ العرب تقول: إنسي في معنى إنسان، قال الشاعر١:
ولست لإِنْسيٍّ ولكن لَمِلأَكٍ تَنَزَّلَ من جو السماء يَصُوبُ
فكما قالوا بختي وقمري وبخاتي٢ وقماري كذلك قالوا: إنسى وأناسي. انتهى.
قلت: الحامل لأهل التصريف على جعل أناسي جمع إنسان لا جمع إنسي أن ياءه للنسب، فليست كياء كرسي، قال في شرح الكافية: ولو كان أناسي جمع إنسى لقيل في جمع جني: جناني، وفي جمع تركي: تراكي. انتهى. ويُحكى في
_________________
(١) = الإعراب: "أهلا" منصوب بفعل محذوف تقديره: أتيت أهلا "بأهل" الباء للمقابلة. والمعنى: أتيت أهلا عوض أهلك "وبيتا" عطف على أهلا، أي وأتيت بيتا مثل بيتكم، أي عوضه "وبالأناسين" عطف على قوله بأهل، والمعنى: وعوضت بالأناسين "إبدال" يجوز بالجر على أنه صفة للأناسين الأول، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم إبدال -والجر أظهر- "الأناسين" مضاف إليه. والإبدال جمع بدل وأراد به العوض، وأراد بالأناسين الأول الأناسين الذين قدم عندهم، وبالثاني الأناسين الذين فقدهم وأصيب بهم. الشاهد: قوله: "وبالأناسين" فإنه جمع إنسان ويبدل من النون الياء فيقال: أناسي. ١ قائله: هو رجل من عبد القيس يمدح به النعمان بن المنذر. وقيل: قائله: أبو وجزة يمدح به عبد الله بن الزبير ﵄، وقيل: قائله: علقمة بن عبدة، وهو من الطويل. اللغة: "لملأك" -بالهمزة- أخرجه الشاعر عن الأصل؛ لأن أصل ملك ملاك، حذفت الهمزة للتخفيف. "يصوب" ينزل. الإعراب: "ولست" الواو عاطفة على بيت قبله "ولست" ليس فعل ماض ناقص واسمها وخبرها محذوف. تقديره: لست معزوا لإنسي، وحرف الجر يتعلق بالمحذوف "ولكن" للاستدراك "لملأك" يتعلق بمحذوف تقديره: ولكن أنت معزو لملاك "تنزل" جملة من الفعل والفاعل وقعت صفة لملأك "من جو" يتعلق به "السماء" مضاف إليه "يصوب" جملة وقعت حالا من ملاك. الشاهد: قوله: "لإنسي" فهي بمعنى إنسان. مواضعه: ذكره سيبويه ٣٧٩/ ٢. ٢ البخاتي جمع بختي -ككرسي- قال في اللسان: البخت والبختية دخيل في العربية أعجمي معرب، وهي الإبل الخراسانية تنتج من عربية وفالج وبعضهم يقول: إن البخت عربي.
[ ٣ / ١٤٠٧ ]
جمع إنسان أيضا أناسية بتعويض تاء التأنيث من الياء المحذوفة كما قالوا في زنادقة، وحكى أهل التصريف أيضا إبدال نون الأولى ياء في الإفراد والجمع فقالوا: إنسان وجمعه أناسين، وأما ظرابي فذكر بعض أهل التصريف أن الإبدال فيه لازم، وليس كذلك؛ لأن من العرب من يقول: ظرابين على الأصل. ذكره في شرح الكافية، وحكى أبو القاسم السعدي وغيره أنه يقال: ظرباء لغة من ظربان، قيل: فيحتمل أن يكون ظرابي جمعا لظرباء وتكون الياء بدلا من همزة التأنيث كما قالوا في "جمع"١ صحراء: صحاري.
الثالث: هذا آخر ما ذكره في هذا النظم من أمثلة تكسير الثلاثي المجرد والمزيد فيه غير الملحق والشبيه به، وجملتها أحد وعشرون بناء.
فعل كخمر، فعل كقُذَل، وفعل كغرَف، وفعل كفرق، وفعلة كرماة، وفعلة ككملة، وفعلى كقتلى، وفعلة كدِرَجَة، وفعل كعُذَّل، وفعال كعُذَّال، وفعال ككعاب، وفعول ككبود، وفعلان كغلمان، وفعلان كظهران، وفعلاء نحو كرماء، وأفعلاء نحو أولياء، وفواعل كخواتم، وفعائل كرسائل، وفعالى كصحارى، وفعاليّ ككراسيّ.
وزاد في الكافية ثلاثة أبنية: فُعالى، وفَعِيل، وفُعال، أما فُعالى فنحو سكارى وهو لوصف على فَعْلان وفَعْلى، وتقدم ذكره، وأنه يرجع إلى فعالَى -بفتح الفاء- في هذين الوصفين.
وأما فعيل وفُعَال -بضم الفاء- نحو عبيد وظُؤَار -جمع ظئر٢- ففيهما خلاف ذكر بعضهم أنهما اسما جمع على الصحيح، وقال في التسهيل: الأصح أنهما مثالا تكسير لا اسما جمع فإن ذكر فعيل فهو اسم جمع، وقال في شرح الكافية: وما كان على وزن فعيل فهو جمع إن أُنِّث كعبيد وحمير واسم جمع إن ذكر ككليب وحجيج.
قلت: ففي فعال قولان متقابلان، وفي فعيل قولان: أحدهما أنه اسم جمع مطلقا. والثاني التفصيل.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ ظئر -بكسر الظاء وسكون الهمزة- الناقة تعطف على غير ولدها، ومنه قيل للمرأة الحاضنة: ولد غيرها ظئر، وللرجل الحاضن: ولد غيره ظئر.
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
وفي كلام بعضهم ما يقتضي أنه جمع تكسير مطلقا، قال ابن الخباز: قد كسروا على فعيل ثلاثة أبنية: فعل كعبد وعبيد وكلب وكليب ورهن ورهين، وفعل كبقر وبقير، وفعل كضرس وضريس، وهو قليل؛ لأنه أشبه بالآحاد. انتهى، فلم يفرق بين عبيد وكليب كما ترى، وكذا قال في الصحاح، والعبد خلاف الحر والجمع عبيد مثل كلب وكليب وهو جمع عزيز، وذكر في الكافية أيضا من جموع التكسير فعلى ولم يسمع منه إلا لفظان حجلى جمع حجل، وظربى جمع ظربان، قال: ومذهبو ابن السراج أنه اسم جمع، وقال الأصمعي: الحجلى لغة في الحجل١. وذهب الأخفش إلى أن نحو ركب وصحب جمع تكسير، مذهب سيبويه أنه اسم جمع وهو الصحيح؛ لأنه يصغر على لفظه وذهب الفراء إلى أنه كل ما له واحد موافق في أصل اللفظ نحو ثمر وثمار جمع تكسير، وليس بشيء.
وبفَعَالل وشِبْهِهِ انْطِقَا في جَمْعِ ما فَوْقَ الثلاثةِ ارْتَقَى
من أمثلة جمع الكثرة وشبهه، والمراد يشبه ما يماثله في العدة والهيئة، وإن خالفه في الوزن، نحو: مفاعل وفياعل، أما فعالل فيجمع عليه كل ما زادت أصوله على ثلاثة، وما شبهه فيجمع عليه كل ثلاثي مزيد إلا ما أخرجه بقوله: من غير ما مضى.
وهو باب كُبْرى وسُكْرى، وأحمر وحمراء، ورامٍ وكامل ونحوها؛ لأن هذه قد استقر تكسيرها على ما تقدم بيانه.
تنبيه:
شمل قوله: "ما فوق الثلاثة" الرباعي وما زاد عليه، أما الرباعي فإن كان مجردا جمع على فعالل نحو: جعفر وجعافر وبرثن وبراثن٢، وإن كان بزيادة جمع على شبه فعالل سواء كانت الزيادة للإلحاق نحو: صَيْرَف وصيارِف وعلقى وعلاق٣، أم لغيره نحو: أَصْبَع وأصابع ومسجد ومساجد، ما لم يكن مما تقدم استثناؤه.
_________________
(١) ١ الحجل -بفتح الحاء والجيم- طائر معروف. ٢ برثن -بضم الباء والثاء وسكون الراء- قال في القاموس: الكف مع الأصابع ومخلب الأسد. ٣ صيرف: هو المحال من الأمور.
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
وأما الخماسي فهو أيضا إما مجرد وإما بزيادة، فإن كان مجردا فقد نبه عليه بقوله:
ومن خماسي جُرِّد الآخر انْفِ بالقياس
إذا أريد جمع الخماسي المجرد حذف آخره؛ ليتوصل بذلك إلى بناء فعائل، فتقول في سفرجل: سفارج، ثم إن كان رابعه شبها بالزائد جاز حذفه وإبقاء الخامس كما نبه عليه بقوله:
والرابع الشبيه بالمزيد قد يُحذف دون ما به تم العدد
يجوز حذف الرابع إذا كان شبيها بالمزيد لفظا أو مخرجا، فالأول نحو خدرنق١؛ لأن النون من حروف الزيادة، والثاني نحو فرزدق٢؛ لأن الدال من مخرج التاء وهي من حروف الزيادة، فلك أن تقول فيهما: خدارق وفرازق -بحذف النون والدال- ولك أن تقول: خدارن وفرازد بحذف الخامس كما تقدم وهو الأجود، وهذا مذهب سيبويه، وقال المبرد: لا يحذف في مثل هذا إلا الخامس، وخوارق وفرازق غلط.
تنبيهان:
الأول: أجاز الكوفيون والأخفش حذف الثالث، كأنهم رأوا حذف الثالث أسهل؛ لأن ألف الجمع تحل محله.
الثاني: منع ابن ولاد تكسير الخماسي ألبتة، وقال سيبويه: لا يكسرونها إلا على استكراه، وقال في التسهيل: ويغني غالبا التصحيح عن تكسير الخماسي الأصول، وأما الخماسي بزيادة فإنه يحذف زائده آخرا كان أو غير آخر نحو: سِبَطْرَى وسباطر وفَدَوْكَس وفداكس٣، ما لم يكن الزائد من الخمسة حرف لين قبل
_________________
(١) ١ الخدرنق: العنكبوت، وقالوا: خرونق، والصواب الأول. ٢ فرزدق: اسم جنس جمعي لفرزدقة، وهي القطعة من العجين. ٣ سبطرى: مشية فيها تبختر، واسبطر: اضطجع وامتد، والإبل أسرعت، والبلاد استقامت. فدوكس -بفتح الفاء والدال والكاف وسكون الواو- وهو الأسد والرجل الشديد.
[ ٣ / ١٤١٠ ]
الآخر، فإنه لا يحذف بل يجمع على مفاعيل ونحوه، نحو: عصفور وعصافير وقرطاس وقراطيس وقنديل وقناديل، وهذا مفهوم من قوله:
وزائدَ العادي الرابعي احذفْه ما لم يكُ لينا إثره اللذ خَتَمَا
فإن قلت: فهم من استثنائه حرف اللين أنه لا يحذف، ولكن من أين يفهم أن واو عصفور وألف قرطاس ونحوها يقلبان ياء؟
قلت: هذا مفهوم من قاعدة مذكورة في التصريف لا يحتاج هنا إلى النص عليها.
تنبيهان:
الأول: شمل قوله: "وزائد العادي الرباعي" نحو: قَبَعْثَرَى١ مما أصوله خمسة، فهذا ونحوه إذا جمع حذف حرفان الزائد وخامس الأصول؛ فتقول فيه: قباعث.
الثاني: شمل قوله: "لينا" ما قبله حركة مجانسة كما مر تمثيله، وما قبله حركة غير مجانسة نحو: غُرْنَيْق وفردوس٢، فتقول فيهما: غرانيق وفراديس، وخرج منه كَنَهْوَر٣ مما يحرك فيه حرف العلة، فإنه لا يقلب ياء، بل حذف فتقول: كناهر.
والسين والتا من كمُسْتَدْعٍ أَزِلْ إذ بِبِنَا الجمع بَقَاهُما مُخِل
اعلم أن الاسم إذا كان فيه من الزوائد ما يخل بقاؤه بمثالي الجمع -أعني فعالل وفعاليل- توصل إليهما بحذفه، فإن تأتي أحد المثالين بحذف بعض وإبقاء بعض أبقى ما له مزية في المعنى أو في اللفظ، فلذلك تقول في جمع مستدع: مداع -بحذف السين والتاء معا- لأن بقاءهما يخل ببنية الجمع، وأبقيت الميم لأن لها مزية عليهما لكونها تزاد لمعنى يخص الأسماء، وكذلك تقول في منطلق
_________________
(١) ١ القبعثرى: العظيم الشديد، والأنثى قبعثراة. ٢ غرنيق -بضم الغين وسكون الراء وفتح النون- طير من طيور الماء طويل العنق. وفردوس: بستان. ٣ كنهور: كسفرجل، المتراكم من السحاب والضخم من الرجال.
[ ٣ / ١٤١١ ]
ومغتلم: مطالق ومغالم، فتؤثر الميم بالبقاء على النون والتاء، لما تقدم، وإلى هذا أشار بقوله: والميم أَوْلَى من سواه بالبَقَا، فشمل قوله: "من سواه" صورتين:
إحداهما: وفاقية وهي أن يكون ثاني الزائدين غير ملحق، كنون منطلق وتاء مغتلم.
والأخرى: خلافية وهي أن يكون الزائد ملحقا نحو: مُقْعَنْسس١، فمذهب سيبويه فيه وفي نحوه إبقاء الميم فتقول: مقاعس، ومذهب المبرد إبقاء الملحق فتقول: قعاسس، ورجح مذهب سيبويه بأن الميم مصدره وهي لمعنى يخص الاسم فكانت أولى بالبقاء.
تنبيه:
لا يعني بالأولوية هنا رجحان أحد الأمرين مع جوازهما؛ لأن إبقاء الميم فيما ذكر متعين؛ لكونه أولى فلا يعدل عنه. قوله: والهمز واليا مثله إن سبقا، يعني: أن الهمزة والياء مثل الميم في كونهما أولى بالبقاء إذا تصدرا نحو: أَلَنْدَد ويَلَنْدَد٢ فتقول في جمعهما: أَلادّ ويلادّ، بحذف النون وإبقاء الهمزة والياء؛ لتصدرهما ولأنهما في موضع يقعان فيه دالين على معنى بخلاف النون فإنهما في موضع لا تدل فيه على معنى أصلا، وإنما أدغم ألاد ويلاد في الجمع رجوعا إلى القياس.
تنبيه:
تقدم أن المزية تكون في المعنى وفي اللفظ، وما تقدم من إبقاء الميم والهمزة والياء في المثل السابقة من المزية المعنوية ولها أمثلة أخر لا يحتمل ذكرها هذا المختصر، ومثال المزية اللفظية كقولك في جمع استخراج تخاريج؛ لأن له نظيرا وهي تماثيل، فلا تقول: سخاريج؛ لأن سفاعيل عدوم، وكذلك مثله مرمريس٣
_________________
(١) ١ مقعنسس: أي متأخر إلى خلف من القعس وهو خروج الصدر ودخول الظهر عند الحدب. ٢ ألندد ويلندد: كلاهما بمعنى الخصم الشديد الخصومة كالألد. ٣ مرمريس: من أوصاف الداهية، يقال: مرمريس أي: شديد، والمرمريس: الأملس أيضا، ووزنه فعفعيل.
[ ٣ / ١٤١٢ ]
فتقول فيه: مراريس -بحذف الميم وإقباء الراء- لأن ذلك لا يجهل معه كون الاسم ثلاثيا في الأصل، فلو حذفت الراء وأبقيت الميم فقلت: مراميس، لأوهم أنه كون الكلمة رباعية، وكذلك مثله حطائط١، فإن الهمزة فيه أولى بالبقاء من الألف لتحركها ولشبهها بحرف أصلي؛ لأن زيادتها وسطا شاذة، بخلاف الألف، ويونس يؤثر الألف بالبقاء؛ لأنها أبعد من آخر الاسم فتنقلب همزة فتقول: حطائط، على القولين، والتقدير مختلف، ومسائل هذا الفصل كثيرة، فلنكتفِ بما ذكرناه، ومن المزية أيضا ما أشار إليه بقوله:
والياءَ لا الواوَ احذفْ إن جَمَعْتَ ما كحَيْزَبُون فهو حُكْمٌ حُتِمَا
ما يجب إيثاره بالبقاء واو حيزبون وعَيْطموس٢ ونحوهما، فإن تكسيرهما حزابين وعطاميس، حذفت الياء وأبقيت الواو فانقلبت ياء لانكسار ما قبلهما، وإنما أوثرت الواو في ذلك بالبقاء؛ لأن الياء إذا حذفت أغنى حذفها عن حذف الواو، ولبقائها رابعة قبل الآخر، فيفعل بها ما فعل بواو عصفور، ولو حذفت الواو أولا لم يغنِ حذفها عن الياء؛ لأن بقاء الياء مفوت لصيغة الجمع.
وخَيِّرُوا في زائدَيْ سَرَنْدَى وكل ما ضاهاه كالعَلَنْدَى
زائدا سرندى٣ هما النون والألف، فإن حذفت النون قلت: سراد، وإن حذفت الألف قلت: سراند، وكذلك نظائره نحو: العلندى٤ والحبنطى العفرنى، وإنما خيروا في هذين الزائدين لثبوت التكافؤ بينهما؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
والحاصل أنه إن كان لأحد الزائدين مزية أبقى، فإن ثبت التكافؤ فالحاذف مخير. وهذه مسائل أختم بها باب الجمع:
_________________
(١) ١ حطائط: الصغير، كأنه حط عن مرتبة العظيم. ٢ الحيزبون: المرأة العجوز، وفي زوائد: الياء والواو والنون، العيطموس: التامة الخلق من الإبل والمرأة الجميلة أو الحسنة الطويلة التارة العاقر. ٣ السرندى: السريع في أموره أو الشديد. ٤ العلندى: البعير الضخم والغليظ من كل شيء ونوع من شجر العضاة له شوك، واحده بهاء والجمع علاند.
[ ٣ / ١٤١٣ ]
الأولى: يجوز تعويض ياء قبل الطرف مما حذف "منه"١ أصل زائد، فتقول في سفرجل ومنطلق: سفاريج ومطاليق، وقد ذكر هذا أول التصغير، وسيأتي.
الثانية: أجاز الكوفيون زيادة الياء في مماثل مفاعل وحذفها من مماثل مفاعيل، فيجيزون في جعافر جعافير، وفي عصافير عصافر، وهذا عندهم جائز في الكلام، وجعلوا من الأول: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢ ومن الثاني: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ٣ ووافقهم في التسهيل على جواز الأمرين، واستثنى فواعل فلا يقال فيه: فواعيل، إلا شذوذا كقولهم٤:
سوابيغ بيض لا يُخرِّقها النبل
ووافقهم الجرمي على زيادة الياء قياسا في نحو: طوابيق وخواتيم٥، وكل ما يجمع على فعائل، وقال أبو حاتم في نحو: أمنية وأثفية٦: كل ما جاء من هذا
_________________
(١) ١ أ. ٢ من الآية ١٥ من سورة القيامة. ٣ من الآية ٥٩ من سورة الأنعام. ٤ قائله: وهو زهير بن أبي سلمى، وهو من الطويل. وصدره: عليا أسود ضاريات لبوسهم اللغة: "عليها" أي: على الخيل "أسود" جمع أسد "ضاريات" جمع ضارية، من ضرى إذا اجترأ "سوابيغ" كوامل "بيض" صقيلة "النبل" السهم. الإعراب: "عليها" جار ومجرور خبر مقدم "أسود" مبتدأ مؤخر "ضاريات" صفة "لبوسهم" مبتدأ ومضاف إليه "سوابيغ" خبر المبتدأ "بيض صفته "لا يخرقها" لا نافية ويخرق فعل مضارع وها مفعول به "النبل" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة صفة لسوابيغ. الشاهد: قوله: "سوابيغ" والقياس سوابغ -بدون الياء. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٠٣/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ١٨٢/ ٢. ٥ طوابيق: جمع طابق -بفتح الباء وكسرها- وهو العضو من أعضاء الإنسان كاليد والرجل، ويجمع على طوابق، وقد جاء الجمع شذوذا طوابيق، وخواتيم: نوع من الحلي، وهو أيضا ما يوضع على الطين ويختم به الكتاب. ٦ أثفية -بضم الهمزة وسكون الثاء وكسر الفاء- وهي حجر يوضع عليه القِدْر، وهي ثلاثة أحجار.
[ ٣ / ١٤١٤ ]
النوع واحده مشدد، ففي جمعه التشديد والتخفيف كأثافي، وقال الأخفش: هذا كما يقال في جمع مفتاح مفاتح ومفاتيح، وقال النحاس: الحذف في المعتل أكثر، ومذهب البصريين أن زيادة الياء في مثل "مفاعل وحذفها من مثال"١ مفاعيل لا يجوز إلا للضرورة.
الثالثة: قد ورد في جمع التكسير ما يشبه تصغير الترخيم، وأشار إليه في التسهيل بقوله: وربما قدر تجريد المزيد فيه فعومل معاملة المجرد، ومثال ذلك قولهم في ظريف وخبيث: ظروف وخبوث، قال الجرمي والفارسي: كسروه على حذف الزيادة، وهو مذهب المبرد، وكان يقول فيه: جمع الترخيم، ومذهب الخليل وسيبويه أنه مما جمع على غير واحده المستعمل كملاميح، وأجاز السيرافي أن يكون اسم جمع.
الرابعة: قال في التسهيل: يُجمع اسم الجمع وجمع التكسير غير الموازن مفاعل أو مفاعيل أو فعلة أو فعلة لما يثنيان له جمع شبيهيهما من مثل الآحاد. انتهى. فمن جمع اسم الجمع قوم وأقوام، وظاهر كلام سيبويه أنه لا ينقاس، ومن جمع الجمع عقبان وعقابين كما تقول سرحان وسراحين٢، ومعنى قوله: "لما يثنيان له" للمعنى الذي يثنيان له، يعني أن الداعي إلى جمعهما هو الداعي إلى تثنيتهما، وظاهر كلامه جواز ذلك في جمع الكثرة وجمع القلة ونقل غيره أن جمع الكثرة لا يقاس عليه باتفاق.
واختلف في جمع القلة فقيل: يقاس عليه، وهو مذهب الأكثرين، وقيل: لا ينقاس ولا يجمع من الجموع إلا ما جمعوا، وهو مذهب الجرمي، واختيار ابن عصفور، وبه فسر الفارسي كلام سيبويه.
الخامسة: اختلف في أصائل فقيل: هو جمع جمع جمع؛ لأنه جمع آصال وآصال جمع أصل وأصل جمع أصيل، قاله ابن الشجري، ورده ابن الخشاب وهو خليق بالرد وقيل: هو جمع جمع، لأنه جمع آصال وآصال جمع أصل وأصل مفرد
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ السرحان: الذئب، وقيل: الأسد بلغة هذيل.
[ ٣ / ١٤١٥ ]
لا جمع له. وقيل: إن آصالا جمع أصيل كيمين وأيمان وأصائل جمع أصيلة كسفينة وسفائن ذكره ابن الباذش وقاله أيضا أبو الحسين بن فارس١، وقال ابن الخشاب: أصائل مفرده أصيل مثل أفيل وأفائل والأفيل الصغير من أولاد الإبل، وعلى هذين القولين فليس بجمع جمع.
السادسة: في الفرق بين الجمع واسم الجمع واسم الجنس، وإنما أخرته إلى هذا الموضع؛ لأن معرفته متوقفة على معرفة أمثلة التكسير، والفرق بين هذة الثلاثة من وجهين: أحدهما معنوي، والآخر لفظي.
أما المعنوي: فقال الشارح في صدر الشرح: الاسم الدال على أكثر من اثنين بشهادة التأمل، إما أن يكون موضوعا للآحاد المجتمعة دالا عليها دلالة تكرار الواحد بالعطف، وإما أن يكون موضوعا لمجموع الآحاد دالا عليها دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه، وإما أن يكون موضوعا للحقيقة ملغى فيه اعتبار الفردية؛ إلا أن الواحد ينتفي بنفيه، فالموضوع للآحاد المجتمعة هو الجمع سواء كان له من لفظه واحد مستعمل كرجال وأسود، أو لم يكن كأبابيل٢ والموضوع لمجموع الآحاد، وهو اسم الجمع، سواء كان له واحد من لفظه كركب وصحب، أو لم يكن كرهط وقوم، والموضوع للحقيقة بالمعنى المذكور هو اسم الجنس، وهو غالب فيما يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة وعكسه كمأة وجبأة. انتهى. يعني: أن الكمأ والجبأ للواحد، والكمأة والجبأة للجنس، وهذا قليل، وبعضه يقول كمأة وللجنس كمء على القياس. وقوله: وهو غالب يفرق بينه وبين واحده بالتاء، يشير إلى أن اسم الجنس لا ينحصر في ذلك؛ لأنه قد يفرق بينه وبين واحده بياء النسب نحو: روم ورومي وزنج وزنجي.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد أبو الحسين اللغوي القزويني كان نحويا على طريقة الكوفيين، سمع أباه وعلي بن إبراهيم بن سلمة، وقرأ عليه البديع الهمذاني، وكان كريما جوادا، وله مقدمة في النحو، واختلاف النحويين وغيرهما. قال الذهبي: مات سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. ٢ أبابيل: بمعنى فرق.
[ ٣ / ١٤١٦ ]
واعلم أن فيما عرف به اسم الجنس نظرا؛ لأن مقتضاه صحة إطلاق تمر ونحوه على القليل والكثير كالعسل والماء؛ لأن الواحد إنما ينتفي بنفيه إذا كان صادقا عليه، وقد صرح بذلك الشيخ أبو عمرو في شرحه لكافيته، والمفهوم من كلام النحويين أن اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث نحو: جَوْز ونخل١ وكلم، لا يطلق على أقل من ثلاثة، وإنما يقال ذلك في نحو ضرب من المصادر، فإنه صالح للقليل والكثير، وإذا قيل ضربة فالتاء للتنصيص على الوحدة، وأما غير المصادر فلا يقال فيها ذلك، وقد صرح المصنف بذلك قال في شرح التسهيل: الكلم اسم جنس جمعي كالنبق واللبن، وأقل ما يتناول ثلاث كلمات، بل يقتضي قوله في التسهيل: تكسير الواحد الممتاز بالتاء محفوظ استغناء بتجريده في الكثرة وبتصحيحه في القلة، أن تمرا ونحوه لما فوق العشرة حتى قيل ناقض كلامه الأول.
وأما اللفظي فاعلم أن الاسم الدال على أكثر من اثنين إن لم يكن له واحد من لفظه فإما أن يكون على وزن خاص بالجمع أو غالب فيه أو لا؛ فإن كان على وزن خاص بالجمع نحو عبابيد، أو غالب فيه نحو أعراب، فهو جمع واحد مقدر، وإلا فهو اسم جمع نحو رهط وإبل.
وإنما قلنا: إن أعرابا على وزن غالب؛ لأن أفعالا وزن نادر في المفردات كقولهم: "برمة أعشار"٢ هذا مذهب بعض النحويين، وأكثرهم يرى أن أفعالا وزن خاص بالجمع، ويجعل قولهم: "برمة أعشار" من وصف المفرد بالجمع، ولذلك لم يذكر في الكافية غير الخاص بالجمع، وليس الأعراب جمع عرب؛ لأن العرب يعم الحاضرين والبادين، والأعراب يخص البادين، خلافا لمن زعم أنه جمعه، وإن كان له واحد من لفظه فإما أن يوافقه في أصل اللفظ دون الهيئة أو فيهما، فإن وافقه فيهما وثنى فهو جمع يقدر تغييره نحو فلك، فإن لم يثن فليس بجمع نحو جنب، والمصدر إذا وصف به وإن وافقه في أصل اللفظ دون الهيئة، فإما أن يميز من واحده بنزع ياء النسب نحو روم أو بتاء التأنيث ولم يلتزم تأنيثه نحو تمر أو لا، فإن ميز بما ذكر ولم يلتزم تأنيثه فهو اسم جنس، وإن التزم تأنيثه فهو جمع نحو
_________________
(١) ١ جوز: الجوز -بفتح الجيم وسكون الواو- المفازة التي يتيه فيها السالك. ٢ البرمة: قد من حجارة، وبرمة أعشار إذا كانت عظيمة لا يحملها إلا عشرة، وقيل: إذا كانت مكسرة على عشر قطع.
[ ٣ / ١٤١٧ ]
تُخَم وتهم، حكم سيبويه بجمعيتهما؛ لأن العرب التزمت تأنيثهما، فإن الغالب على "اسم الجنس"١ الممتاز واحده بالتاء. التذكير، وقال ابن سيده: التذكير والتأنيث سواء في الاستعمال والكثرة. وإن لم يكن كذلك، فإما أن يوافق أوزان الجموع الماضية أولا، فإن وافقها فهو جمع، ما لم يساو الواحد في التذكير والنسب إليه دون قبح فيكون اسم جمع، فلذلك حكم على غزى بأنه اسم جمع لغاز؛ لأنه ساوى الواحد في التذكير، بخلاف كليب، فإنه جمع لأنه مؤنث، وحكم أيضا على ركاب بأنه اسم جمع لركوبة؛ لأنهم نسبوا إليه فقالوا: ركابي، والجموع لا ينسب إليها إلا إذا غلبت أو أهمل واحدها.
وإنما قلنا: دون قبح؛ لأن الجمع قد يساوي الواحد فيما ذكر بقبح فيقال: الرجال قام، وإن خالف أوزان الجمع الماضية فهو اسم جمع نحو صحب وركب؛ لأن فعلا ليس من أبنية الجمع، خلافا لأبي الحسن.
والحاصل أن اسم الجنس هو ما يتميز واحده الياء أو بالتاء ولم يلتزم تأنيثه واسم الجمع ما لا واحد له من لفظه وليس على وزن خاص بالجمع ولا غالب فيه، أو له واحد ولكنه مخالف لأوزان الجمع، أو غير مخالف ولكنه مساو للواحدة دون قبح في التذكير والنسب، وإذا عرفا عرف الجمع بمعرفتهما. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أ، ب.
[ ٣ / ١٤١٨ ]
التصغير:
إنما ذكره بعد التكسير "لأنهما"١ -كما قال سيبويه- من وادٍ واحد، فلنذكر فوائده وعلاماته وشروط المصغر.
أما فوائده عند البصريين "فثلاثة"٢: التقليل، والتقريب، والتحقير.
فالتحقير: إما لذات الشيء نحو حجير أي: حجر صغير، وإما لشأنه نحو رجيل.
والقليل: لكمية الشيء "نحو"٣ دريهمات، والتقريب: إما لزمان الشيء نحو بعيد العصر، وإما لمكانه نحو دوين السماء، وإما لمنزلته نحو صُدِّيقي.
وزاد الكوفيون في فوائده التعظيم، كقول لبيد٤:
دُوَيْهَية تَصْفَرُّ منها الأناملُ
أي: الموت.
وأجيب بأن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول، فالتصغير لتقليل المدة، أو بأن المراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي ج "لأنه". ٢ أ، ب. ٣ أ، ج. ٤ قائله: هو لبيد بن ربيعة بن عامر العامري، وهو من الطويل. وصدره: وكل أناس سوف تدخل بينهم اللغة: "دويهية" تصغير داهية، ويروى في مكانه "خويخة" وهو مصغر خوخة -بفتح فسكون- وهو الباب الصغير، أي: أنه سينفتح عليهم باب يدخل إليهم منه الشر، وإذا مات الإنسان أو قتل اصفرت أنامله واسودت أظافره، وقيل: المراد من الأنامل الأظافر، فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت. الإعراب: "كل" مبتدأ "أناس" مضاف إليه "سوف" هنا للتحقيق والتأكيد "تدخل" فعل مضارع "بينهم" متعلق بتدخل "دويهية" فاعل تدخل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "تصفر" فعل مضارع "منها" متعلق بالفعل "الأنامل" فاعل تصفر، الجملة في محل رفع صفة لدويهية. الشاهد: قوله: "دويهية" حيث إن التصغير هنا للتعظيم عند الكوفيين. مواضعه: ذكره الشجري في أماليه ٢٥/ ٢، ٤٩/ ٢، وابن الأنباري في الإنصاف ١٣٩، وابن يعيش ١١٤/ ٥، ٥٦١/ ٢ في الخزانة، ٨٥ في شرح شواهد الشافية، ١٨٥/ ٢ همع الهوامع، ٧٠٦/ ٣ شرح الأشموني.
[ ٣ / ١٤١٩ ]
وأما علامته فهي: الياء، وإنما جعلوها ياء؛ لأن أَوْلَى الحروف بالزيادة حروف المد واللين، فالألف قد استبد بها الجمع فعدلوا إلى الياء؛ لأنها أقرب إلى الألف، وزعم بعض الكوفيين وصاحب الغرة: أن الألف قد تجعل علامة التصغير، واستدلوا بقول العرب في: هدهد، هداهد، يعنون التصغير، وفي دابة وشابة، دوابة وشوابة. ورد بأن الهداهد لغة في الهدهد، وأما دوابة وشوابة فألفهما بدل من ياء التصغير والأصل دويبة وشويبة؛ لأن ياء التصغير قد تجعل ألفا إذا وليها حرف مشدد.
وأما شروط المصغر فأربعة:
الأول: أن يكون اسما فلا يصغر الفعل ولا الحرف؛ لأن التصغير وصف في المعنى وشذ تصغير فعل التعجب، وفي كونه مقيسا خلاف تقدم في بابه.
الثاني: أن يكون غير متوغل في شبه الحرف، فلا تصغر المضمرات ولا مَنْ وكيف ونحوها. وشذ تصغير بعض أسماء الإشارة والموصولات، وسيأتي.
والثالث: أن يكون قابلا للتصغير فلا يصغر نحو كبير وجسيم، ولا الأسماء المعظمة شرعا، وفي أسماء شهور السنة وأيام الأسبوع قولان، والمنع مذهب سيبويه.
والرابع: أن يكون خاليا من صيغ التصغير وشبهها، فإنه لا يصغر نحو كميت١.
فُعَيلا اجعل الثلاثي إذا صغرته نحو قُذَيٍّ في قَذَا
فُعَيْعِل مع فُعَيْعِيل لما فاق كجَعْل درهم دُريهما
أبنية التصغير ثلاثة: فُعيل وفُعيعِل وفُعيعيل، ففعيل للثلاثي مطلقا نحو: قذي في تصغير قذى، وفليس في تصغير فلس، وفعيعل وفعيعيل لما زاد على الثلاثة.
أما فعيعل فللرباعي نحو: دريهم في درهم، وجعيفر في جعفر، وللخماسي المجرد إذا حذف آخره ولم يعوض نحو: فريزد في فرزدق.
_________________
(١) ١ الكميت من الخيل: هو الفرس الذي تضرب حمرته إلى سواد.
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
وأما فعيعيل فللخماسي ولما فوقه أيضا، إذا كان قبل آخره حرف لين نحو عصيفير، أو حذف منه وعوض نحو فريزيد "ولما فوقه أيضا"١.
تنبيهات:
الأول: هذه الأوزان الثلاثة من وضع الخليل -﵀- فقيل له: لم بنيت المصغر على هذه الأمثلة؟ فقال: وجدت معاملة الناس على فلس ودرهم ودينار.
والثاني: وزن المصغر بهذه "الأوزان"٢ اصطلاح خاص بهذا الباب، اعتبر فيه مجرد اللفظ تقريبا، وكراهة لتكثير الأبنية، وليس بجار على مصطلح التصريف.
ألا ترى أن وزن أُحيمد ومُكيرم وسفيرج في التصغير فعيعل، ووزنها التصريفي أفيعل ومفيعل وفعيلل.
الثالث: فهم من قوله: "فعيلا اجعل الثلاثي" أن في الثلاثي إذا صغر ثلاثة أعمال: ضم أوله وفتح ثانيه وإلحاق ياء ساكنة بعده.
وفهم من قوله: "فعيعل مع فعيعيل لما فاق" أن ما فوق الثلاثة يشارك الثلاثي في الأعمال الثلاثة ويزيد "عليه" ٣ رابعا وهو كسر ما بعد الياء إلا "فيما"٤ سيستثنيه.
الرابع: هذه الكيفية المذكورة إنما هي في المتمكن، وأما غير المتمكن فإنه يخالفه في بعضها، وسيأتي آخر الباب.
الخامس: ذكروا لضم أول المصغر عللا أكثرها ظاهر الضعف، منها أنهم لما فتحوا في التكسير أول الرباعي والخماسي لم يبقَ إلا الكسر والضم، فكان الضم أولى لمكان الياء. قال معناه السيرافي. وفتحوا ثانيه لأن ياء التصغير وألف التكسير في نحو مفاعل متقابلان فحمل ما قبل الياء على ما قبل الألف.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ في ج "الأمثلة". ٣ أ، ب. ٤ أ، ب.
[ ٣ / ١٤٢١ ]
السادس: قال بعضهم: ضم أول المصغر وفتح ثانيه إنما هو فيما ليس كذلك نحو صرد١ أو تقول: الضمة والفتحة في المكبر غير الضمة والفتحة في المصغر كما في فلك ونحوه.
وجزم ابن إياز بالثاني فقال: لو كان أول المكبر مضموما كغراب وغلام ثم صغرته لحكم بأن الضمة في التصغير غيرها في التكبير، وقال بعضهم في نحو زبرج٢ مما قبل آخره مكسورا إذا صغر لا يغير، قال: ولو قيل: إن الكسرة في التصغير غيرها في التكبير لكان وجها.
السابع: لو كان المكبر على هيئة المصغر كمبيطر ومهيمن٣ ونحوهما من أسماء الفاعلين، فقال بعضهم: إن تصغيرها يكون بالتقدير، وظاهر التسهيل أن مثل هذا لا يصغر؛ لأنه شرط في المصغر خلوه من صيغ التصغير وشبهها.
وما به لمنتهى الجمع وصِلْ به إلى أمثلة التصغير صِلْ
يعني: أنه يتوصل إلى بناء فعيعل وفعيعيل فيما زاد على أربعة أحرف "بما يتوصل به إلى منتهى الجمع"٤ يعني: بناء مفاعل ومفاعيل "وللحاذف"٥ هنا -من ترجيح وتخيير- ما له في التكسير فتقول في تصغير فرزدق فريزد بحذف الخامس، أو فريزق بحذف الرابع؛ لأنه يشبه الزائد، وتقول في منطلق: مطيلق بحذف النون وإبقاء الميم؛ لأنه لها مزية كما تقدم، وتقول في استخراج تخيريج -بحذف السين؛ لأن التاء أولى بالبقاء لما سبق، وتقول في حيزبون٦: حُزيبين بحذف الياء وإبقاء الواو مقلوبة ياء لما مر، وتقول في علندى٧: عليند أو عليد؛ إذ لا مزية لأحد زائديه على الآخر، وقد تقدم بيان ذلك في التكسير فأغنى عن إعادته.
_________________
(١) ١ الصرد -بضم ففتح- طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير، وبياض في ظهر الفرس من أثر الدبر. ٢ الزبرج: الزينة من وشي أو جوهر، وقيل: الذهب، وقيل: السحاب الرقيق. ٣ المهيمن: اسم فاعل هيمن إذا كان رقيبا على الشيء. ٤ ب، ج، وفي أ "بما يوصل به فيه إلى منتهى الجمع". ٥ أ، وفي ب، ج "وللحادق". ٦ الحيزبون: المرأة العجوز. ٧ العلندى -بالفتح- الغليظ من كل شيء، وربما قيل: جمل علندى -بالضم.
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
تنبيه:
يستثنى من ذلك هاء التأنيث، وألفه الممدودة، وياء النسب، والألف والنون بعد أربعة أحرف فصاعدا، فإنهن لا يحذفن في التصغير، ولا يعتد بهن كما سيأتي.
وجائز تعويض يا قبل الطرف إن كان بعض الاسم فيهما انحذف
يعني: أنه يجوز أن يعوض مما حذف في التكسير والتصغير ياء قبل الآخر، وسواء في ذلك ما حذف منه أصل نحو سفرجل فتقول في جمعه: سفارج، وإن عوضت قلت: سفاريج، وفي التصغير: سفيرج، وإن عوضت قلت: سفيريج.
وما حذف منه زائد نحو منطلق فتقول في جمعه: مطالق ومطاليق، وفي تصغيره مطيلق على الوجهين.
وعلم من قوله: "جائز" أن التعويض لا يلزم.
تنبيه:
قال في التسهيل: وجائز أن يعوض مما حذف ياء ساكنة قبل الآخر، ما لم يستحقها لغير تعويض، واحترز بقوله: "لغير تعويض" من نحو لفاغيز جمع لُغيَّزى، فإنه حذفت ألفه ولم يحتج إلى تعويض، لثبوت يائه التي كانت في المفرد.
وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكما رُسِمَا
مما خولف "به"١ القياس في التصغير نحو قولهم في المغرب: مغيربان، كأنه تصغير مغربان، وفي العشاء: عُشَيَّان، كأنه تصغير عَشِيَّان، وفي عشية: عشيشية، كأنه تصغير عشاة، وفي إنسان: أنيسيان، كأنه تصغير: أنسيان، وفيه خلاف. مذهب البصريين أنه فعلان من الأنس، وقال الشيباني: فعلان أيضا، لكن من الإيناس بمعنى الإبصار، وقال معظم الكوفيين: إنه أفعلان من النسيان فهو على الأولين من
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "فيه".
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
هذا النوع، وفي بنون: أبينون، كأنه تصغير أبنين، وفي ليلة: لييلية، كأنه تصغير ليلاه، وفي رجل: رويجل، كأنه تصغير راجل، وفي صبية وغلمة: أصيبية وأغيلمة، كأنهما تصغير أفعلة، فهذه الألفاظ ما استغنى فيها بتصغير مهمل عن تصغير مستعمل "وقد سمع في بعضها القياس أيضا"١ قالوا في صبية: صبيّة على القياس. أنشد سيبويه٢:
صُبَيَّة على الدخان رُمْكَا ما إن عدا أصغرهم أنْ زكَّا
يقال: زك زكيكا إذا دب، قال المبرد: والصواب: ما إن عدا أكبرهم.
ومما خولف به القياس في التكسير قولهم: رهط وأراهط، وباطل وأباطيل، وحديث وأحاديث، وكراع وأكارع، وعروض وأعاريض، وقطيع وأقاطيع٣.
فهذه جموع لواحد مهمل استغنى به عن جمع المستعمل، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب بعض النحويين إلى أنها جموع للمنطوق به على غير قياس، وذهب ابن جني إلى أن اللفظ يغير إلى هيئة أخرى ثم يجمع، فيرى في
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. اللغة: "رمكا" -بضم الراء وسكون الميم- جمع أرمك والرمكة لون كلون الرماد "عدا" جاوز "أن زكا" ويروى: قد زكا. يصف رؤبة بهذا: صبية صغارا قد اغبروا وتشعثوا لشدة الزمان وكلب الشتاء والبرد. الإعراب: "صبية" منصوب بفعل مقدر تقديره: ترك صبية "على الدخان" حال "رمكا" صفة لصبية "ما" النفي "إن" زائدة "عدا" فعل ماض "أصغرهم" فاعل ومضاف إليه "أن" مصدرية "زكا" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول عدا. الشاهد: قوله: "صبية" حيث صغرت على لفظها، والأكثر في كلامهم أصيبية. مواضعه: ذكره سيبويه ١٣٩/ ٢، والمقتضب ٢١٢، والمخصص ٣١/ ١. ٣ الرهط: قوم الرجل وقبيلته ويطلق على الجماعة من ثلاثة إلى عشرة أو من سبعة إلى عشرة بشرط أن يكونوا كلهم رجالا. والكراع: هو مستدق الساق، وفي نسخة ب: "كراع وأكاريع". والعروض: آخر تفعيلة من الشرط الأول من بيت الشعر.
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
أباطيل أن الاسم غير إلى إبطيل أبطول ثم جمع، وذهب المبرد إلى أن أراهط جمع أرهط وأباطيل جمع إبطال مصدر أبطل واستغنى به عن جمع الاسم، وأعاريض تكسير إعراض مصدر أعرض.
وذهب الفراء إلى أن أحاديث جمع أحدوثة بمعنى حديث، وقال ابن خروف: إن أحدوثة إنما تستعمل في المصائب والدواهي لا في معنى الحديث الذي يتحدث به، وعد بعضهم من هذا النوع قولهم: أظافير في جمع ظفر، وليال في جمع ليلة، وليستا منه، بل هما مما استغنى فيه بجمع واحد مستعمل قليلا؛ لأنهم قالوا "أظفور وليلاه، وإن كان الأشهر ليلية وظفرا، قلت: وكذا لا ينبغي أن يعد قولهم"١ في التصغير لييلية مما استغنى فيه بتصغير مهمل.
لتلو يا التصغير من قبل علم تأنيث أو مدته الفتح انحتم
كذلك مامدة أفعال سبق أو مد سكران وما به التحق
اعلم أن ما بعد ياء التصغير إن كان حرف إعراب جرى بوجوه الإعراب: على مقتضى العوامل نحو زبيد، وإن لم يكن حرف إعراب وجب كسره كما كسر ما بعد ألف التكسير إلا خمسة أشياء:
الأول: ما قبل علامة التأنيث وهي التاء والألف نحو: طلحة وسكرى، فتقول فيهما: طليحة وسكيرى -بالفتح- لوجوب فتح ما قبل تاء التأنيث، ومحافظة على بقاء الألف.
ويعني بقوله: "من قبل علم" ما كان متصلا كما مثل، فلو انفصل من الياء كسر نحو دُحَيْرِجة.
الثاني: ما قبل مدة التأنيث وهي الألف التي قبل الهمزة في حمراء ونحوه، فإنها ليست علامة للتأنيث عند جمهور البصريين، وإنما العلامة عندهم الألف التي انقلبت همزة، وقد تقدم بيان ذلك في التأنيث والتذكير، فتقول في تصغير حمراء: حُميراء -بالفتح- محافظة على سلامة الألف.
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
فإن قلت: فلعله أراد بعلم التأنيث التاء وحدها، وبالمدة الألفين المقصورة والممدودة.
قلت: لا يصح ذلك؛ لأن المقصورة علم تأنيث أيضا فتخصيصه بالتاء لا وجه له، وإنما عطفت المدة المذكورة على علم التأنيث؛ لعدم اندراجها فيه فهو كقوله في التسهيل: أو ألف التأنيث أو الألف قبلها.
فإن قلت: قوله في شرح الكافية: فإن اتصل بما ولي الياء علامة تأنيث فتح، كتُميرة وحُبيلى وحُميراء، يقتضي أن المدة في حمراء مندرجة في قوله: "علامة تأنيث"؛ ولذلك اقتصر في الكافية على قوله: لتأنيث علم.
قلت: يجوز في ذلك، والتحقيق ما تقدم.
والثاني: ما قبل ألف أفعال نحو أجمال فتقول فيه: أجيمال؛ محافظة على بقاء الألف "التي"١ للجمع.
تنبيه:
أطلق الناظم أفعالا، ولم يقيده بأن يكون جمعا، فشمل المفرد، وفي بعض نسخ التسهيل: "أو ألف أفعال جمعا أو مفردا" فمثال الجمع ما ذكر، وأما المفرد فلا يتصور تمثيله على قول الأكثرين، إلا ما سمي به من الجمع؛ لأن أفعالا عندهم لم يثبت في المفردات. قال سيبويه: إذا حقرت أفعالا اسم رجل قلت: أفيعال كما تحقرها قبل أن تكون اسما، فتحقير أفعال كتحقير عطشان، فرقوا بينها وبين أفعال؛ لأنه لا يكون إلا واحدا، ولا يكون أفعال إلا جمعا. انتهى.
وقد أثبت بعض النحويين أفعالا في المفردات، وجعل منه قولهم: برمة أعشار، وثوب أخلاق وأسمال٢، وهو عند الأكثرين من وصف المفرد بالجمع، وتصغيره أفيعال كما سبق.
_________________
(١) ١ أ. ٢ عطف مرادف يقال: سمل الثوب سمولا خلق فهو ثوب أسمال. اهـ قاموس. ويقال: ثوب أسمال، ويقال: ثوب أخلاق، إذا كان قد صار مزقا.
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
فإن قلت: إذا فرعنا على مذهب من أثبته في المفردات، فهل يصغر على أفيعال أو على أفيعيل؟
قلت: مقتضى إطلاق الناظم وقوله في التسهيل: جمعا أو مفردا أنه يصغر على أفيعال -بالفتح.
ومقتضى قول من قال من النحويين: "أو أفعال جمعا" كأبي موسى وابن الحاجب أنه يصغر على أفيعيل -بالكسر.
وقال بعض شراح تصريف ابن الحاجب: قيد بقوله: "جمعا" احترازا عما ليس بجمع نحو أعشار، فإن تصغيره أعيشير. انتهى.
وقال الشارح: "أو ألف أفعال جمعا، وعلى هذا نبه بقوله سبق". انتهى. فقيد. وحمل كلام الناظم على التقييد، وكأنه جعل "سبق" قيدا لأفعال، أي ألف أفعال السابق في باب التكسير، وهو الجمع، أما تقييده فتتبع فيه أبا موسى ومن وافقه. وقال الشلوبين مشيرا إلى قول أبي موسى: هذا خطأ؛ لأن سيبويه قال: إذا حقرت أفعالا اسم رجل قلت: أفيعال كما تحقرها قبل أن تكون اسما، وأما حمل كلام الناظم على التقييد، فلا يستقيم؛ لأن قوله: "سبق" ليس حالا من أفعال فيكون مقيدا به، بل هو صلة ما، ومدة مفعول لسبق تقدم عليه، والتقدير: كذلك ما سبق مدة أفعال، وأيضا فإن الناظم أطلق في غير هذا الكتاب، بل صرح بالتعميم في بعض نسخ التسهيل. فعلى هذا يحمل كلامه. والله أعلم.
الرابع: ما قبل ألف سكران ونحوه مما آخره ألف ونون زائدتان لم يعلم جمع ما هما فيه على فعالين دون شذوذ؛ ولهذا أحال الناظم على سكران، فيقال فيه سكيران؛ لأ، هم لم يقولوا في جمعه سكارين، وكذلك ما كان مثله نحو غضبان وعطشان، فإن جمع على فعالين دون شذوذ صغر على فعلين نحو سرحان وسريحين١، فإنه جمع على سراحين، وإن كان جمعه على فعالين شاذا لم يلتفت
_________________
(١) ١ سرحان: الذئب، وقيل: الأسد بلغة هذيل.
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
إليه، بل يصغر على فعيلان، مثال ذلك: غرثان١ وإنسان، فإنهم قالوا: جمعهما غراثين وأناسين على جهة الشذوذ، فإن صغرا قيل فيهما: غريثان وأنيسان.
وإذا ورد ما آخره ألف ونون مزيدتان، لم يعرف هل تقلب العرب ألفه ياء أو لا؟ حمل على باب سكران؛ لأنه أكثر.
الخامس: ما كان قبل اسم منزل منزلة تاء التأنيث، والمراد به عجز المركب نحو بعلبك، فتقول فيه: بعيلبك، ولم يذكره هنا.
وألف التأنيث حيث مدا وتاؤه منفصلين عدا
كذا المزيد آخرا للنسب وعجز المضاف والمركب
وهكذا زيادتا فَعْلانا من بعد أربع كزَعْفَرانا
وقَدِّر انفصالا ما دل على تثنية أو جمع تصحيح جلا
يعني: أنه لا يعتد في التصغير بهذه الأشياء الثمانية؛ لأنها تعد منفصلة، أي: تنزل منزلة كلمة مستقلة.
ومعنى عدم الاعتداد بها أن ما قبلها يصغر غير متمم بها.
الأول: ألف التأنيث الممدود نحو راهطاء.
الثاني: تاء التأنيث نحو حنظلة.
الثالث: ياء النسب نحو عبقري٢.
الرابع: عجز المضاف المركب نحو عبد شمس.
الخامس: عجز المركب، يعني: غير المضاف المتقدم ذكره نحو بعلبك.
السادس: الألف والنون الزائدتان بعد أربعة أحرف فصاعدا، نحو زعفران
_________________
(١) ١ غرثان -بفتح الغين فراء ساكنة- وجمعه غراثى كسكارى من غرث كفرح جاع. اهـ قاموس. ٢ عبقري: نسبة إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب.
[ ٣ / ١٤٢٨ ]
وعبوثران١، واحترز من أن يكونا بعد ثلاثة نحو سكران وسرحان، وقد تقدم حكمها.
السابع: علامة التثنية نحو مسلمين.
الثامن: علامة جمع التصحيح نحو مسلمين ومسلمات.
فهذا لا يعتد بها فتقول في تصغيرها رويهطاء وحنيظلة وعبيقرى وعبيد شمس وبعيلبك وزعيفران وعبيثران ومسيلمان ومسيلمين ومسيلمات، فيقدر تمام بنية التصغير قبل الألف والتاء، وكذا سائرها.
تنبيهات:
الأول: هذا تقييد لإطلاق قوله: "وما به لمنتهى الجمع وصل" وقد تقدم التنبيه عليه.
الثاني: ليست الألف الممدودة عند سيبويه كتاء التأنيث في عدم الاعتداد بها من كل وجه؛ لأن مذهبه في نحو جلولاء وبراكاء وقريثاء٢ -مما ثالثه حرف مد- حذف الواو والألف والياء، فتقول في تصغيرها: جليلاء وبريكاء وقريثاء بالتخفيف بخلاف نحو فروقة٣ فإنه يقول في تصغيرها فريقة بالتشديد، ولا يحذف، فقد ظهر أن الألف عنده يعتد بها من هذا الوجه، بخلاف التاء. ومذهب المبرد إبقاء الواو والألف والياء في جلولاء وأخويه، فيقول في تصغيرها: جليلاء وبركاء وقريثاء، بالإدغام مسويا بين ألف التأنيث وتائه.
وحجة سيبويه أن لألف التأنيث الممدودة شبها بهاء التأنيث وشبها بالألف المقصورة، واعتبار الشبهين أَوْلَى من إلغاء أحدهما، وقد اعتبر الشبه بالهاء من قبل
_________________
(١) ١ عبوثران: اسم نبت. ٢ جلولاء -بفتح أوله وضم ثانيه- ناحية من نواحي سواد العراق في طريق خراسان بينهما وبين خائفين سبعة فراسخ، وجلولاء أيضا: مدينة مشهورة بإفريقيا بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلا. والبراكاء: شدة القتال. والقريثاء: ضرب من التمر أسود. ٣ فروقة: تقول رجل فروقة، وامرأة فروقة، ورجل فرق، إذا كان شديد الفزع.
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
مشاركة الألف الممدودة لها في عدم السقوط وتقدير الانفصال بوجه ما فلا غنى عن اعتبار الشبه بالألف المقصورة في عدم ثبوت الواو في جلولاء ونحوها، فإنها كألف حبارى الأولى، وسقوطها في التصغير متعين عند بقاء ألف التأنيث، فكذا يتعين سقوط الواو المذكورة ونحوها في التصغير.
واعلم أن تسوية الناظم هنا بين ألف التأنيث الممدودة وتائه تقتضي موافقة المبرد. ولكنه صحح في غير هذا النظم مذهب سيبويه.
الثالث: اختلف أيضا في نحو "ثلاثين" علما أو غير علم، وفي نحو "جدارين، وظريفين، وظريفات" أعلاما، فمذهب سيبويه الحذف فتقول: ثُليْثون -بالتخفيف- لأن زيادته غير طارئة على لفظ مجرد، فعومل معاملة جلولاء، وكذا يفعل بما جعل علما مما فيه علامة التثنية وجمع التصحيح، نص على جميع ذلك.
ومذهب المبرد إبقاء حرف المد في ذلك والإدغام كما يفعل في جلولاء واتفقا في نحو: "ظريفين، وظريفات" إذا لم يجعلن أعلاما على التشديد، ولم يذكر هنا هذا التفصيل.
وألف التأنيث ذو القصر متى زاد على أربعة لن يَثْبُتَا
ألف التأنيث المقصورة أبعد عن تقدير الانفصال من الممدودة لعدم إمكان استقلال النطق بها، فلذلك تحذف في التصغير خامسة فصاعدا، فإن بقاءها يخرج البناء عن مثال فعيعيل كقولك في قرقرى ولغيزى: فريقر ولغيغز١. فإن كانت خامسة وقبلها مدة زائدة جاز حذف المدة وإبقاء ألف التأنيث وجاز عكسه، وإلى هذا أشار بقوله:
وعند تصغير حُبارى خَيِّر بين الْحُبيرى فادْرِ والحبير
فإن حذفت المدة قلت: الحبيرى، وإن حذفت ألف التأنيث قلت: الحبير، بقلب المدة ياء ثم تدغم ياء التصغير فيها.
_________________
(١) ١ قرقرى: اسم موضع، واللغيزى -بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحا- مثل اللغز -كقفل وكرطب وكجبل- وهو ما عمي من الكلام وأخفي المراد منه.
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
واردد لأصل ثانيا لينا قُلب فقيمة صير قُويمة تُصب
اعلم أن الثاني يرد إلى أصله في التصغير بشرطين:
الأول: أن يكون لينا، والثاني: أن يكون بدل غير همزة تلي همزة، فاندرج في ذلك ثلاثة أنواع:
أولها: ما كان لينا منقلبا عن لين نحو باب وميزان وقيمة وناب وموقن، فتقول في تصغير باب بويب؛ لأن ألفه عن واو، وفي ميزان مويزين؛ لأن ياءه عن واو، وكذلك تقول في قيمة قويمة وديمة دويمة؛ لأن الياء فيهما منقبلة عن واو، وفي ناب -وهو السن- نييب؛ لأن ألفه عن ياء، وفي موقن مييقن؛ لأن واوه عن ياء، وإنا رد الثاني في ذلك إلى أصله لزوال سبب انقلابه.
وثانيها: ما كان لينا مبدلا من حرف صحيح غير همزة نحو: دينار وقيراط، فإن أصلهما دنار وقراط١ والياء فيهما بدل من أول المثلين، فتقول في تصغيرهما: دنينير وقريريط؛ لزوال سبب الإبدال.
وثالثها: ما كان لينا مبدلا من همزة لا تلي همزة نحو ذيب فإن أصله الهمزة، والياء فيه بدل من الهمزة، فإذا صغرته قلت: ذؤيب -بالهمزة- رجوعا إلى أصله؛ لأن قلب الهمزة ياء إنما لانكسار ما قبلها.
وخرج بالشرط الأول ما ليس بلين، فإنه لا يرد إلى أصله ولو كان مبدلا من لين فتقول في قائم قويئم -بالهمزة- وفي متعد متيعد خلافا للزجاج في متعد، فإنه يرده إلى أصله، فيقول فيه: مويعد، والأول مذهب سيبويه، وهو الصحيح؛ لأنه إذا قيل فيه مويعد أوهم أن مكبره موعد، أو موعد، ومتيعد لا إبهام فيه.
وخرج بالشرط الثاني ما كان لينا مبدلا من همزة تلي همزة كألف آدم وياء أيمة فإنهما لا يردان إلى أصلهما، أما آدم فتقلب ألفه واوا، وأما أيمة فيصغر على لفظه.
_________________
(١) ١ بدليل جمعهما على دنانير وقراريط.
[ ٣ / ١٤٣١ ]
تنبيهات:
الأول: ضابط هذا الفصل إنما أبدل لعلة ما لا تزول بالتصغير "فإنه لا يرد إلى أصله"١ وما أبدل لعله تزول بالتصغير رد إلى أصله.
الثاني: ظهر بما ذكرناه أن قوله في شرح الكافية "وهو -يعني الرد- مشروط بكون الحرف حرف لين مبدلا من لين" غير محرر، بل ينبغي أن يقول "مبدلا من غير همزة تلي همزة" كما ذكر في التسهيل.
الثالث: ظاهر قوله: "لينا قلب" أن مراده قلب عن لين، كما قال في الكافية:
واردُدْ لأصل ثانيا أُبدلَ من ذي اللين عينا فهو بالرد قَمِنْ
وذلك لأن القلب في اصطلاح أهل التصريف لا يطلق على إبدال حرف لين من حرف صحيح، ولا عكسه، بل على إبدال حرف علة من حرف علة آخر، وإذا كان كذلك فمفهومه يوهم اشتراط كونه مبدلا من لين، صرح به في شرح الكافية.
فإن قلت: فلعل مراده بالقلب هنا مطلق الإبدال، فيشمل ما كان مبدلا من لين وما كان مبدلا من غيره.
قلت: إذا حمل على هذا ورد عليه "ما كان بدلا من همزة تلي همزة"٢ فإنه لم يستثنه.
الرابع: أجاز الكوفيون في نحو ناب مما ألفه ياء نويب بالواو، وأجازوا أيضا إبدال الياء في نحو شيخ واوا، ووافقهم في التسهيل على جوازه فيهما جوازا مرجوحا، ويؤيده أنه سمع في بيضة بويضة، وهو عند البصريين شاذ.
وقوله: "وشذ في عيد عييد" وجه شذوذه أنهم صغروه على لفظه، ولم يردوه إلى أصله، وقياسه عويد؛ لأنه من عاد يعود، فلم يردوا الياء إلى الأصل.
قال الشارح: حملا على قولهم: في جمعه أعياد.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، ج "لم يرد إلى أصله". ٢ ب، ج وفي أ "ما كان بدل تلي همزة".
[ ٣ / ١٤٣٢ ]
قلت: وقال غيره: فيه نظر؛ لأنهم قالوا: جمعوه على أعياد فرقا بينه وبين جمع عود فينبغي أن يقال: وصغروه على عييد فرقا بينه وبين تصغير عود، ولا حاجة إلى جعل أحدهما محمولا على الآخر.
وقوله:
وحُتم للجمع من ذا ما لتصغير عُلم
يعني: يجب لجمع التكسير من رد الثاني إلى أصله ما وجب للتصغير، كقولك في باب وناب وميزان أبواب وموازين، إلا ما شذ كأعياد وقوله١:
حِمى لا يحل الدهر إلا بإذننا
ولا نسأل الأقوام عقد المياثق
يريد: المواثق.
والألف الثان المزيد يُجعل واوا كذا ما الأصل فيه يُجهل
الألف إذا كانت ثانية فلها خمسة أقسام:
الأول: مبدل من ياء كناب.
والثاني: مبدل من واو كباب.
والثالث: مجهول الأصل كعاج وصاب٢.
والرابع: زائد كضارب.
والخامس: مبدل من همزة كآدم.
فأما الأولان فتقدم أنهما يردان إلى الأصل، وأما الثالث والرابع فينقلبان واوا، وإليهما أشار بقوله في البيت، فيقال: عويج وصويب وضويرب.
_________________
(١) ١ قائله: هو عياض بن أم درة، وهو من الطويل. اللغة: "حمى" الحمى -بكسر الحاء- هو الموضع الذي يحميه الإمام ولا يقربه أحد، من حمى المكان وأحماه "لا يحل" من الإحلال. الإعراب: "حمى" خبر مبتدأ محذوف أي: حمانا حمى أو نحو ذلك مما يناسب المقام "لا يحل" على صيغة المجهول جملة من الفعل ونائب الفاعل في موضع الرفع على أنه صفة لحمى "الدهر" منصوب على الظرفية "إلا" أداة استثناء "بإذننا" متعلق بالفعل "لا نسأل" لا نافية ونسأل فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة عطف على ما قبلها "الأقوام" مفعول به "عقد" مفعول ثان "المياثق" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "عقد المياثق" فإن القياس فيه المواثق؛ لأنه جمع ميثاق. ٢ صاب: اسم شجر مر، واحدته صابة، وقيل: هي عصارة الصبر.
[ ٣ / ١٤٣٣ ]
وأما الخامس: فينقلب واوا أيضا نحو أويدم، ولم ينبه عليه.
واعلم أن حكم التكسير في إبدال الثاني كحكم التصغير؛ فتقول: ضوارب وأوادم.
وكمل المنقوص في التصغير ما لم يَحْوِ غير التاء ثالثا كَمَا
المنقوص هنا هو العام، وهو ما حذف منه أصل الخاص، وهو ما حرف إعرابه ياء لازمة قبلها كسرة.
فإذا صغر المنقوص المذكور كمل بأن يرد ما حذف منه إن كان على حرفين نحو "خذ" مسمى به -وثبة ويد- فتقول فيها: أخيذ وثييبة ويدية -برد فاء الأول وعين الثاني ولام الثالث.
وإن كان على ثلاثة والثالث تاء التأنيث لم يعتد بها، ويكمل أيضا كما يكمل الثنائي، نحو عدة وسنة، فتقول فيهما: وعيدة وسنيهة أو سنية، برد فاء الأول ولام الثاني.
فإن قلت: فهل ورد من هذا النوع محذوف العين؟
قلت: لا أعرف لذلك مثالا إلا لفظا واحدا فيه خلاف وهو ثبة، ذهب الزجاج إلى أنها محذوفة العين من ثاب يثوب، وذهب غيره إلى أنها محذوفة اللام من ثبيت إذا جمعت، وهو الأولى.
وهذا الخلاف إنما في الثبة التي هي مجتمع الماء من وسط الحوض.
وأما الثبة التي هي الجماعة من الناس، فهي من محذوفة اللام، لا أعرف في ذلك خلافا.
وإن كان للمنقوص ثالث غير الياء لم يرد إليه ما حذف؛ لعدم الحاجة إليه؛ لأن بنية فعيل تتأتى بدونه؛ فتقول في هار وشاك وميت١: هوير، وشويك، ومييت، وإلى هذا أشار بقوله:
_________________
(١) ١ هار وشاك: اعلم أن أصلهما هاور وشاوك، فحذفت الواو على غير القياس فوزنهما فال، وكان القياس قلبهما همزة، وقد جاءوا على القياس أيضا فقيل: هائر وشائك بوزن فاعل. صبان.
[ ٣ / ١٤٣٤ ]
ما لم يحو غير التاء ثالثا
ففهم منه أنه إن حوى ثالثا غير التاء لم يرد إليه المحذوف، وإن كان الثالث هو التاء لم يعتد بها ورد إليه.
تنبيهات:
الأول: شذ قول بعض العرب في هار هوير -برد المحذوف- ولا يقاس عليه، خلافا لأبي عمرو، ونقل أيضا عن يونس والمازني إلا أن أبا عمرو ويونس يردان الهمزة في خير وشر، والمازني لا يردها فيهما.
الثاني: إنما قال: "غير التاء"، ولم يقل: غير الهاء، ليشمل تاء بنت وأخت؛ فإنها لا يعتد بها أيضا، بل يقال: بنية وأخية -برد المحذوف.
الثالث: يعني بقوله: "ثالثا" ما زاد على حرفين، ولو كان أولا أو وسطا، فالأول كقولك في تصغير يرى١: يُري، فلا يرد اعتدادا بحرف المضارعة، وأجاز أبو عمرو والمازني الرد؛ فيقولان: يُريْ. ويونس يرد ولا ينون على أصل مذهبه في يعيل٢ ونحوه، ويقدم مثال الوسط.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: ما لم يحو غير التاء أو همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل لا يعتد بها أيضا، بل يرد المحذوف فيما هي فيه.
قلت: لا يحتاج إلى ذلك، فإن ما فيه همزة الوصل إذا صغر حذفت فيبقى على حرفين لا ثالث لهما نحو: اسم وابن، تقولم في تصغيرهما: سمي وبني، بحذف همزة الوصل استغناء عنها بتحريك الأول.
وقوله: "كما" أشار إلى الثنائي وضعا يكمل أيضا في التصغير توصلا إلى بناء فعيل إلا أن هذا النوع لم يعلم له ثالث، فيرد بخلاف النوع السابق.
وأجاز في الكافية والتسهيل في الثنائي وضعا وجهين:
أحدهما: أن يكمل بحرف علة، فتقول في عن وهل -مسمى بهما- عني وهلي.
_________________
(١) ١ يرى مسمى به. ٢ يعيل: تصغير يعلى.
[ ٣ / ١٤٣٥ ]
والآخر: أن يجعل من قبيل المضاعف، فتقول فيهما: عنين وهليل، وصرح في التسهيل بأن الأول أولى، وبه جزم الشارح.
فإن قلت: إذا كمل بحرف علة فهل يكمل بياء أو بواو؟
قلت: خير بعضهم فقال: واو أو ياء، وظاهر كلام المصنف أنه ياء "لأنه"١ شبهه بدم، ونص الأبدي على أنه ياء، وهو الأظهر.
تنبيهان:
الأول: لا يظهر لهذين الوجهين أثر لفظي في نحو "ما" الاسمية والحرفية إذا سمي بهما، فإنك تقول على التقديرين: مُوَى، وهو واضح.
الثاني: في قوله "كما" نظر؛ لأنه أراد التمثيل، فليس بجيد؛ لأن ما ونحوه من الثنائي وضعا، ليس من قبيل المنقوص فكيف يمثل به، وإن أراد التنظير، فليس نظير المنقوص إلا في مطلق التكميل؛ لأن المنقوص يرد إليه ما حذف منه، وهذا لم يعلم له محذوف، فلا يؤخذ إذ ذاك من كلامه إلا أن نحو "ما" يكمل كما يكمل المنقوص، ولا يدرى بما يكمل، والله أعلم.
ومَنْ بترخيم يُصغر اكتفى بالأصل كالعُطَيف يَعني المِعْطَفَا
من التصغير نوع يسمى تصغير الترخيم، وهو تصغير الاسم بتجريده من الزوائد، فإن كانت أصوله ثلاثة صغر على فعيل، وإن كانت أصوله أربعة صغر على فعيعل فتقول في معطف: عطيف، وفي أزهر: زهير، وفي حمدان وحامد ومحمود وأحمد: حميد، وتقول في قرطاس وعصفور: قريطس وعصيفر.
تنبيهات:
الأول: إذا كان المصغر تصغير الترخيم ثلاثي الأصول، ومسماه مؤنث، لحقته التاء، فتقول في غلاب وسعاد وحبلى: غليبة وسعيدة وحبيلة.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٤٣٦ ]
الثاني: إذا صغرت نحو حائض وطالق من الأوصاف الخاصة بالمؤنث تصغير الترخيم، قلت: حييض وطليق؛ لأنها في الأصل صفة لمذكر.
الثالث: شذ في تصغير إبراهيم وإسماعيل بريه وسميع، فحذفوا من كل منهما أصلين وزائدين؛ لأن الهمزة فيهما والميم واللام أصول، أما الميم واللام فباتفاق، وأما الهمزة ففيها خلاف: مذهب المبرد أنها أصلية، ومذهب سيبويه أنها زائدة، وينبغي عليهما تصغير الاسمين لغير ترخيم، فقال المبرد: أبيريه، وقال سيبويه: بريهيم وسميعيل، وهو الصحيح الذي سمعه أبو زيد وغيره من العرب، وعلى هذا ينبغي جمعها؛ فقال الخليل وسيبويه: براهيم وسماعيل، وعلى مذهب المبرد أباريه وأساميع، وحكى الكوفيون براهم وسماعل بغير ياء، وبراهمة وسماعلة، والهاء بدل من الياء.
وقال بعضهم: أباره وأسامع، وأجاز ثعلب براه كما يقال في تصغيره بريه، والوجه أن يجمعا جمع سلامة، فيقال: إبراهيمون وإسماعيلون.
الرابع: لا يختص تصغير الترخيم بالأعلام، خلافا للفراء وثعلب، وقيل: وللكوفيين، بدليل قول العرب: "يجري بليق ويذم"١ تصغير أبلق، ومن كلامهم: "جاء بأم الربيق على أريق"٢. قال الأصمعي: تزعم العرب أنه من قول رجل رأى الغول على جمل أورق، فقلبت الواو في التصغير همزة.
وأما قولهم: "عرف حميق جمله"٣ فلا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون تصغير حمق.
واختم بتا التأنيث ما صَغَّرْتَ مِنْ مؤنث عارٍ ثلاثي كَسِنّ
_________________
(١) ١ بليق: اسم فرس كان يسبق، ومع ذلك يعاب. مجمع الأمثال للميداني ٤٦٥٩. ٢ قال أبو عبيد: أم الربيق: الداهية، وأصله من الحيات، وأما أريق: فأصله وريق تصغير أورق مرخما، وهو الجمل الذي لونه لون الرماد. مجمع الأمثال للميداني ٨٨٨. ٣ أي: عرف هذا القدر وإن كان أحمق، ويروى "عرف حميقا جمله" أي: أن جمله عرفه فاجترأ عليه، يضرب في الإفراط في مؤانسة الناس، ويقال: معناه عرف قدره ويقال: يضرب لمن يستضعف إنسانا ويولع به فلا يزال يؤذيه ويظلمه. مجمع الأمثال للميداني ٢٤١٤.
[ ٣ / ١٤٣٧ ]
تلحق تاء التأنيث في تصغير الاسم المؤنث بلا علامة إذا كان ثلاثيا في الأصل أو في الحال أو في المآل.
فالأول: نحو يد فإنه ثلاثي في الأصل، فتقول في تصغيره: يدية.
والثاني: نحو سن ودار، فتقول في تصغيرهما: سنينة ودويرة.
والثالث: نوعان:
أحدهما: ما كان رباعيا بمدة قبل لام معتلة، فإنه إذا صغر تلحقه التاء نحو سماء وسمية؛ وذلك لأن الأصل فيه سمييي -بثلاث ياءات- الأولى ياء التصغير، والثانية بدل المدة، والثالثة: بدل لام الكلمة، فحذفت إحدى الياءين على القياس المقرر في هذا الباب، فبقي الاسم ثلاثيا، فلحقته التاء كما تلحق الثلاثي المجرد.
والآخر: ما صغر تصغير الترخيم مما أصوله ثلاثة، وقد تقدم بيانه.
ثم استثنى من هذا الضابط نوعين لا تلحقهما التاء، وأشار إلى الأول منهما بقوله:
ما لم يكن بالتا يُرى ذا لَبْس كشجر وبقر وخَمْس
يعني: أن التاء لا تلحق اسم الجنس الذي يتميز من واحده بنزع التاء نحو شجر وبقر فتقول في تصغيرهما: شجير وبقير؛ إذ لو قلت في تصغيرهما شجيرة وبقيرة؛ لالتبس بتصغير شجرة وبقرة، ولا تلحق أيضا بضعا وعشرا وما دونهما من عدد المؤنث، بل يقال: بضيع وعشير؛ إذ لو قيل: بضيعة وعشيرة؛ لتوهم أن ذلك عدد مذكر، ثم أشار إليه الثاني بقوله: وشذ ترك دون لبس.
يعني: شذ ترك التاء دون لبس، في ألفاظ مخصوصة لا يقاس عليها، وهي: ذود، وشول١ وناب -للمسن من الإبل- وحرب وفرس وقوس ودرع -للحديد- وعرس وضحى ونعل ونَصَف٢، وبعض العرب يذكر الحرب والدرع
_________________
(١) ١ الذود: من ثلاثة أبعرة إلى عشرة، وقيل: غير ذلك. الشول: وهي من الإبل ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها. ٢ عرس -بالكسر- امرأة الرجل ورجلها، ولبؤة الأسد، وبالضم وبضمتين طعام الوليمة. اهـ قاموس. والمناسب هنا الكسر. وعرب: خلاف العجم. ونصف: هي المرأة المتوسطة بين الصغر والكبر.
[ ٣ / ١٤٣٨ ]
والعرس، فلا يكون من هذا القبيل، وبعضهم ألحق التاء في عرس وقوس، فقال: عريسة وقويسة.
تنبيهات:
الأول: لم يتعرض في الكافية والتسهيل إلى اسثناء النوع الأول أعني: نحو شجر وخمس.
الثاني: كان ينبغي أن يستثني نوعا آخر وهو طالق من أوصاف المؤنث، إذا صغر تصغير الترخيم، وقد تقدم التنبيه عليه.
الثالث: لا اعتبار في العلم بما نقل عنه من تذكير وتأنيث، بل تقول في رمح -علم امرأة- رميحة، وفي عين -علم رجل- عيين، خلافا لابن الأنباري في اعتبار الأصل، فتقول في الأول: رميح، وفي الثاني: عيينة، واستدل بقولهم: عيينة بن حصن ونحوه، وأجيب بأن ذلك مما نقل مصغرا.
الرابع: إذا سميت مؤنثا ببنت وأخت حذفت هذه التاء ثم صغرت وألحقت تاء التأنيث فتقول: بنية وأخية، وإذا سميت بهما مذكرا لم تلحق التاء، فتقول: بني وأخي.
وقوله:
وندر لحاق تا فيما ثلاثيا كَثر
أي: ندر لحاق التاء في تصغير ما زاد على ثلاثة، وذلك قولهم في وراء: وريئة -بالهمزة- وفي أمام: أميمة، وفي قدام: قديديمة.
وقوله: "كثر" بمعنى فاقه في الكثرة و"ثلاثيا" مفعوله تقدم عليه.
تنبيه:
أجاز أبو عمرو أن يقال في تصغير جبارى ولغيزى١: حبيرة ولغيغيزة، فيجاء
_________________
(١) ١ الحبارى -بضم أوله وتخفيف ثانيه- طائر يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع، وهو على شكل الأوزة.
[ ٣ / ١٤٣٩ ]
بتاء عوضا من الألف المحذوفة، وظاهر التسهيل موافقته، فإنه قال: ولا تلحق التاء دون شذوذ غير ما ذكر، إلا ما حذفت منه ألف التأنيث خامسة أو سادسة.
وصغروا شذوذا الذي والتي وذا مع الفروع منها تا وتِي
التصغير من جملة التصريف في الاسم، فحقه ألا يدخل غير المتمكن، إلا أن أسماء الإشارة والموصولات شابهت المتمكن؛ لكونها توصف ويوصف بها، فلذلك استبيح تصغير بعضها، لكن على وجه خولف به تصغير المتمكن، فترك أولها على ما كان عليه قبل التصغير، وعوض منه ضمة ألف مزيدة في الآخر، ووافقت المتمكن في زيادة ياء ثالثة ساكنة بعد فتحة، فقيل في الذي والتي: اللذيا واللتيا، وفي تثنيتهما: اللذيان واللتيان، وأما الجمع فقال سيبويه في جمع الذي اللذيون رفعا واللذيين جرا ونصبا -بالضم قبل الواو والكسر قبل الياء- وقال الأخفش: اللذيون واللذيين -بالفتح- كالمقصور.
ومنشأ الخلاف من التثنية، فسيبويه يقول: حذفت ألف اللذيا في التثنية تخفيفا وفرقا بين المتمكن وغيره، والأخفش يقول: حذفت لالتقاء الساكنين.
قال بعضه: ولم ينقل عن العرب ما يستند إليه في جمع الذي.
قالوا في جمع التي: اللتيات، وهو جمع للتيا تصغير التي، ولم يذكر سيبويه من الموصولات التي صغرت غير اللذيا واللتيا وتثنيتهما وجمعهما. وقال في التسهيل: واللتيات واللوايتا في اللاتي، واللويا واللويون في اللائي واللائين، فزاد تصغير اللاتي واللائين. وظاهر كلامه أن اللتيات. واللويتا كلاهما تصغير اللاتي، أما اللويتا فصحيح، ذكره الأخفش. وأما اللتيات فإنما هو جمع اللتيا كما سبق، فتجوز في جعله تصغير اللاتي. ومذهب سيبويه أن اللاتي لا يصغر استغناء بجمع اللتيا، وأجاز الأخفش أيضا اللويا في اللاي غير مهموز، وأجاز غيره اللويا في اللائي، وقال في اللائين: اللويئون.
قيل: والصحيح أنه لا يجوز تصغير اللاتي ولا اللواتي، وهذا مذهب سيبويه.
[ ٣ / ١٤٤٠ ]
وصغروا من أسماء الإشارة ذا وتا، فقالوا: ذيا وتيا، وفي التثنية: ذيان وتيان، وقالوا في أولى بالقصر: أوليا، وفي أولاء بالمد: أولياء، ولم يصغروا منها غير ذلك.
تنبيهات:
الأول: لأسماء الإشارة في التصغير من التثنية والخطاب ما لها في التكسير.
الثاني: أن اصل ذيا وتيا ذييا وتييا، بثلاث ياءات، الأولى عين الكلمة، والثانية للتصغير، والثالثة لام الكلمة، فاستثقلوا ذلك مع زيادة الألف آخره فحذفت الياء؛ لأن ياء التصغير لمعنى فلا تحذف، ولأن الثالثة لو حذفت لزم فتح ياء التصغير لأجل الألف.
فإن قلت: ما الداعي إلى هذا التقدير؟
قلت: الداعي إليه المحافظة على ما استقر لياء التصغير من كونها لا تلحق إلا ثالثة.
الثالث: ما ذكر من التقدير إنما يستقيم على قول البصريين أن ذا ثلاثي في الوضع وأن ألفه عن ياء، وعين الكلمة محذوفة، وهي ياء أيضا.
وذهب بعضهم إلى أن عينه واو فتكون من باب طويت، وقد قيل: إن هذه الألف هي العين واللام هي المحذوفة.
وأما على مذهب الكوفيين والسهيلي فلا يستقيم؛ لأن الألف عندهم زائدة، وهو مما وضع على حرف واحد.
وذهب قوم منهم السيرافي إلى أن ذا ثنائي في الوضع، والتقدير السابق فيه يمكن، لأن يكمل في التصغير كما تقدم في ماء.
الرابع: ذكروا أن الألف في آخر هذه الأسماء عوض من ضم أولها. قيل: ويرده ما حكي من ضم لام اللذيا واللتيا، وذكر في التسهيل أن الضم لغة.
الخامس: زيادة الألف في أُليّا -بالقصر- ظاهرة؛ لأن ألفه أبدلت ياء وأدغمت ياء التصغير فيها.
[ ٣ / ١٤٤١ ]
وأما أُليّاء -بالمد- فمذهب المبرد أن الألف المزيدة ألحقت قبل الهمزة لئلا يصير الممدود مقصورا، فالياء الأولى للتصغير والثانية منقلبة عن ألف أولاء، والألف التي قبل الهمزة هي المزيدة. ومذهب الزجاج أن الألف زيدت آخرا كما في أخواته، لكنه يرى أن أصل همزة أولاء ألف، فزيدت الياء ثالثة وقلبت الألف التي بعدها وأعيدت الهمزة إلى أصلها وزيدت ألف العوض آخرا.
واعلم أن في همزة أولاء ثلاثة مذهب:
أحدها: أنها عن ياء وهو مذهب المبرد.
والثاني: أن أصلها ألف وهو مذهب الزجاج.
والثالث: أنها أصلية غير مبدلة من شيء "يل إلا"١ مما فاؤه همزة ولامه همزة وهو مذهب الفارسي وقد تقدمت "هذه المذاهب في باب اسم الإشارة"٢.
فإن قلت: كيف زعموا أن الألف المزيدة في ألياء وأليا للعوض وأولها مضموم؟
قلت: الضمة فيهما ليست المجتلبة للتصغير، بل هي الموجودة في حل التكبير.
السادس: اعلم أن قول الناظم: وصغروا شذوذا ، البيت معترض من ثلاثة أوجه:
أولها: أنه لم يبين الكيفية، بل ظاهره أن تصغيرها كتصغير المتمكن.
وثانيها: أن قوله: "مع الفروع" ليس على عمومه؛ لأنهم لم يصغروا جميع الفروع.
وثالثها: أن قوله: "منها تا وتِي" يوهم أن تِي صغر كما صغرتا، وقد نصوا على أنهم لم يصغروا من ألفاظ المؤنث إلا تا، وهو المفهوم من التسهيل، فإنه قال: لا يصغر من غير المتمكن إلا ذا والذي وفروعهما الآتي ذكره، ولم يذكر من ألفاظ المؤنث غير تا.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "كأولياء وألياء وأليا". ٢ أ، ج.
[ ٣ / ١٤٤٢ ]
النسب:
هذا الأعرف في ترجمته، وقال سيبويه: باب الإضافة.
ويحدث بالنسب ثلاثة تغييرات:
الأول: لفظي، وهو ثلاثة أشياء: إلحاق ياء مشددة آخر المنسوب إليه وكسر ما قبلها، ونقل إعرابه إليها.
والثاني: معنوي، وهو صيرورته اسما لما لم يكن له.
والثالث: حكمي، وهو معاملته معاملة الصفة المشبهة في رفعه المضمر والظاهر باطراد.
وقد أشار إلى التغيير اللفظي بقوله:
ياء كيا الكرسي زادوا للنسب وكل ما تليه كسره وجب
يعني: أنهم إذا قصدوا نسبة شيء إلى شيء زادوا آخر المنسوب إليه ياء مشددة "كيا الكرسي" مكسورا ما قبلها كقولك في النسب إلى زيد: زيدي، ولم ينص على أن إعرابه ينقل إليها لوضوحه.
ثم إنه قد ينضم إلى هذه التغييرات في بعض الأسماء تغيير آخر أو أكثر، فمن ذلك ما أشار إليه بقوله:
ومثله مما حواه احذِفْ وتا تأنيث أو مدته لا تُثْبِتَا
يعني: أنه يحذف لياء النسب كل ياء تماثلها في كونها مشددة بعد ثلاثة أحرف فصاعدا وتجعل ياء النسب مكانها، كقولك في شافعي: شافعي، وفي مرمي: مرمي.
يقدر حذف الأولى وجعل ياء النسب في موضعها.
فإن قلت: فهل يظهر لهذا التقدير أثر لفظي؟
قلت: يظهر أثره في نحو بخاتي جمع بختي -إذا سمي به- ثم نسب إليه، فإنك تقول: هذا بَخَاتِي١ مصروفا، وكان قبل النسب غير مصروف.
_________________
(١) ١ بخاتي: جمع بختي ككرسي، قال في اللسان: "البخت والبختية دخيل في العربية أعجمي معرب، وهي الإبل الخراسانية تنتج من عربية وفالج، وبعضهم يقول: إن البخت عربي، وفي الحديث: "فأتي بسارق قد سرق بختية" والبختية: الأنثى من الجمال البخت، وهي جمال طوال الأعناق ".
[ ٣ / ١٤٤٣ ]
تنبيه:
لا فرق في ذلك بين ما ياءاه زائدتان كشافعي، وبين ما إحدى ياءيه أصلية كمرمي "هذا هو الأفصح، وفصل بعض العرب، فقال في المرمي: مرموي؛ لأن ثاني ياء به أصلية، وسيأتي"١.
وقوله: "تا تأنيث" يعني: أنها تحذف أيضا لياء النسب، فيقال في النسب إلى مكة: مكي؛ لئلا يجمعوا بين علامتي تأنيث في نحو: امرأة مكية.
وقول العامة: درهم خليفتي -لحن.
وقوله: "أو مدته" يعني: أن ألف التأنيث المقصورة، وهي إما رابعة أو خامسة فصاعدا، فإن كانت خامسة فصاعدا حذفت وجها واحدا، كقولك في حبارى: حُباري، وفي قبعثرى: قُبعثري٢، وإن كانت رابعة في اسم ثانية متحرك حذفت كالخامسة كقولك في جَمَزَى: جَمَزِي٣، وإن كان ثانيه ساكنا فوجهان: قلبها واوا وحذفها.
وقد أشار إليها بقوله:
وإن تكن تربع ذا ثان سَكَنْ فقلبها واوا وحذفها حَسَنْ
مثال ذلك حبلى، فتقول على الأول: حبلوي، وعلى الثاني: حبلي.
تنبيهات:
الأول: يجوز مع القلب أن يفصل بينها وبين اللام بألف زائدة تشبيها بالممدود.
الثاني: ليس في كلام الناظم ترجيح أحد الوجهين على الآخر، وليسا على حد سواء، بل الحذف هو المختار، وقد صرح به في غير هذا النظم.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ القبعثري: الجمل الضخم، والفصيل المهزول، ودابة تكون في البحر، والعظيم الشديد. ٣ الجمزى -بفتح الجيم والميم والزاي- السريع.
[ ٣ / ١٤٤٤ ]
الثالث: شذوا في بني الحبلى من الأنصار، فقالوا: الحبَلى -بفتح الباء.
لشبهها الملحق والأصلي ما لها
يعني: أن الألف الرابعة إذا كانت للإلحاق نحو علقى، أو منقلبة عن أصل نحو ملهى، فلها ما لألف التأنيث من نحو حبلى من القلب والحذف، فتقول: علقوى وملهوى وعلقى وملهى.
فأشار بقوله:
وللأصلى قلب يُعتمى
إلى ترجيح القلب في المنقلبة عن أصل، فملهوى أفصح من ملهى، يقال: اعتماده يعتميه، إذا اختاره، واعتامه يعتامه أيضا.
قال طرفة١:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
تنبيهات:
الأول: أراد بالأصلي المنقلب عن أصل واو أو ياء؛ لأن الألف لا تكون أصلا غير منقلبة إلا في حرف وشبهه.
الثاني: تخصيص الأصلي بترجيح القلب يوهم أن ألف الإلحاق ليست كذلك، بل تكون كألف التأنيث في ترجيح الحذف؛ لأنه مقتضى قوله: "ما لها"، وقد صرح في الكافية وشرحها بأن القلب في ألف الإلحاق الرابعة أجود من
_________________
(١) ١ قائله: هو طرفة بن العبد، وهو من الطويل. اللغة: "يعتام" يختار يقال: اعتامه واعتماه أي: اختاره "عقيلة" عقيلة كل شيء خياره وأنفسه "الفاحش" السيئ الخلق "المتشدد" البخيل الممسك. وإنما جعل الموت يختار كرام الناس ويصطفي خيار المال، وإن كان لا يخص شيئا دون شيء في الحقيقة؛ لأن فقد الكريم وفقد خيار المال أشهر وأعرف من غيره، فكأنه لشهرته لم يكن غيره، ولا حدث شيء سواه. الإعراب: "أرى" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "الموت" مفعول به "يعتام" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "الكرام" مفعول به "ويصطفي" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "عقيلة" مفعول به "مال" مضاف إليه "الفاحش" مضاف إليه "المتشدد" صفة. الشاهد: قوله: "يعتام" فإنه يقال فيه: يعتمى أيضا. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٢٧/ ٣.
[ ٣ / ١٤٤٥ ]
الحذف كالأصيلة، لكن ذكر أن الحذف في ألف الإلحاق أشبه من الحذف في الأصلية؛ لأن ألف الإلحاق شبيهة بألف حبلى في الزيادة.
الثالث: لم يذكر سيبويه في ألف الإلحاق والمنقلبة عن أصل غير الوجهين المذكورين، وزاد أبو زيد في ألف الإلحاق ثالثا وهو الفصل بالألف كما في حبلاوي، وحكي في أرطى أرطاوي، وأجازه السيرافي في الأصلية، فتقول: ملهاوي.
والألف الجائز أربعا أَزِلْ
إذا كانت ألف المقصور خامسة فصاعدا حذفت مطلقا سواء كانت أصلية أو كانت للتأنيث أو للتكثير نحو: مستدعى، وقرقرى، وقبعثرى، فتقول: مستدعيّ، وقرقريّ، وقبعثريّ.
تنبيهان:
الأول: إذا كانت الألف المنقلبة عن أصل خامسة بعد حرف مشدد نحو معلَّى. فمذهب سيبويه والجمهور الحذف، وهو مفهوم من إطلاق الناظم، ومذهب يونس جعله كملهى، فيجيز فيه القلب وهو ضعيف، وشبهته أن المضعف بإدغام في حكم حرف واحد فكأنها رابعة.
الثاني: قد ظهر مما تقدم أن قولهم: مصطفوي خطأ، والصواب: مصطفى "وتقرير"١ النسب إلى المقصور أن تقول: إن كانت ألفه خامسة فصاعدا حذفت مطلقا خلافا ليونس في نحو معلى، وإن كانت رابعة، وهي ثلاثة أقسام: ألف تأنيث، وألف إلحاق، وأصلية. فألف التأنيث إن كان ثاني ما هي فيه متحركا حذفت، وإن كان ساكنا "ففيه"٢ ثلاثة أوجه: الحذف. والقلب بلا فصل. والقلب مع الفصل، وأجودها الأول ثم الثاني ثم الثالث.
وألف الإلحاق فيها الأوجه الثلاثة، وأجودها على رأي القلب.
_________________
(١) ١ وفي النسخ "تقريب" وأغلب ظني أنها محرفة عن تقرير. ٢ ب، وفي أ، ج "ففيها".
[ ٣ / ١٤٤٦ ]
والأصلية: فيها وجهان، وعلى رأي السيرافي ثلاثة، أجودها القلب إلا أن الحذف في الملحقة أشبه منه في الأصلية.
وإن كانت ثالثة قلبت واوا مطلقا كقولك في فتى وعصا: فتوي وعصوي.
فإن قلت: لم يصرح في النظم بحكم الألف الثالثة فمن أين يؤخذ؟
قلت: لما بين ما يحذف، علم أن ما عداه لا يحذف، بل يقلب.
وقوله:
كذاك يا المنقوص خامسا عزل
يعني: أن المنقوص إذا نسب إليه حذفت ياؤه إن كانت خامسة فصاعدا، فتقول في معتد ومستعل: معتدي ومستعلي.
تنبيه:
إذا نسبت إلى محيي اسم فاعل حيا يحيى، حذفت الياء الأخيرة لأنها خامسة فتصير: محييي -بأربع ياءات- فيجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تعامله معاملة قصي فتقول فيه: محوي كما تقول: قصوي، وسيأتي بيانه.
والآخر: ألا تغيره ويغتفر الجمع بين أربع ياءات، فتقول: محييي.
وقول ابن الحاجب: "وباب محيي جاء على محوي ومحييي كأمييي"١. وفي التنظير نظر؛ لأن أمييا شاذ، وأما محييي فهو وجه قوي.
قال مبرمان: سألت أبا العباس: هل يجوز أن يحذف من محيي ياء لاجتماع الياءات؟ فقال: لا؛ لأن محييا جاء على فعله، واللام تعتل كما تعتل كما تعتل في الفعل. قال: والاختيار عندي محييي؛ لأني لا أجمع حذفا بعد حذف.
ومن قال: محوي، يجب عليه مهيمي، وهذا هو الذي ذكره سيبويه. انتهى.
_________________
(١) ١ هذا قول ابن الحاجب، وفي النسخة: " كأموي وأميي".
[ ٣ / ١٤٤٧ ]
والحذف في اليا رابعا أحق من قَلْب وحتم قلب ثالث يَعِنّ
يعني: إذا نسب إلى المنقوص فإن كانت ياؤه خامسة فصاعدا حذفت كما تقدم.
وإن كانت رابعة فالأجود حذفها أيضا، فتقول في النسب إلى قاض: قاضيّ. وقد تقلب واوا بعد فتح ما قبلها، فيقال: قاضويّ، وعليه أنشدوا١:
فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا دراهم عند الحانويّ ولا نقد
جعل اسم الموضع حانية، ونسب إليه. السيرافي: والمعروف في الموضع الذي يباع فيه الخمر حانة -بلا ياء.
فإن قلت: هل يطرد هذا الوجه؟
قلت: ظاهر كلام المصنف اطراده، وذكر غيره أن القلب عند سيبويه من شواذ تغيير النسب. قيل: ولم يسمع إلا في هذا البيت.
وإن كانت ثالثة قلبت واوا مطلقا، فتقول في فتى وعصا: فتوي وعصوي، وإنما قلبت واوا في فتى، وإن كان أصله الياء لئلا تجتمع الكسرة، والياءات.
_________________
(١) ١ قائله: هو الفرزدق، وقيل: هو لأعرابي، وقيل: لذي الرمة، وهو من الطويل. اللغة: "دراهم" ويروى: دنانير، ويروى: دنانيق. الإعراب: "كيف" للتعجب هاهنا، وإن كان فيه معنى الاستفهام "لنا" جار ومجرور خبر مبتدأ محذوف تقديره: وكيف لنا التلذذ بالشرب "بالشرب" متعلق بالمقدر "إن" للشرط "لم" حرف نفي وحزم وقلب "يكن" مجزوم بلم وهو من كان الناقصة "لنا" جار ومجرور خبر مقدم ليكن "دراهم" اسم كان مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل جزم فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق "عند" منصوب على الظرفية "الحانوي" مضاف إليه "ولا نقد" عطف على قوله دراهم. الشاهد: قوله: "الحانوي" فإنه نسبه إلى الحانية تقديرا، وقلبت الياء واوا كما في النسبة إلى القاضي قاضوي. وقال سيبويه: والوجه الحاني؛ لأنه منسوب إلى الحانة، وهي بيت الخمار. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٢٨/ ٣، وسيبويه ٧١/ ٢، وابن يعيش ١٥١/ ٥، والمحتسب لابن جني ١٣٤/ ١، وابن الناظم.
[ ٣ / ١٤٤٨ ]
وقوله:
وأَوْل ذا القلب انفتاحا
يعني: أن ياء المنقوص إذا قلبت واوا فتح ما قبلها كما تقدم تمثيله.
واعلم أن فتح ما قبل الياء سابق على ما قبلها، وذلك أنه إذا أريد النسب إلى شج١ ونحوه، فتحت عينه كما تفتح عين نمر، وسيأتي.
فإذا انفتحت قلبت الياء ألفا لتحريكها وانفتاح ما قبلها، فيصير شجى مثل فتى، تقلب ألفه واوا كما قلبت ألف فتى.
فقد ظهر بهذا أن الياء لم تبدل واوا إلا بواسطة.
فإن قلت: فما وجه فتح العين في قاض عند من قال: قاضوي، ونظيره من الصحيح لا تفتح عينه.
قلت: هو نظير فتح لام تغلب عند بعض العرب، قال ذلك بعض النحويين.
وقوله:
وفَعِل وفُعِل عينهما افتح وفِعْل
يعني: أن المنسوب إليه إذا كان ثلاثيا مكسور العين فتحت عينه في النسب، سواء كان مفتوح الأول كنمر، أو مكسور الأول كإبل، أو مضموم الأول كدُئل٢، فتقول في النسب إليها: نمري، وإبلي ودؤلي.
فإن قلت: هل الفتح في ذلك على سبيل الوجوب أو على سبيل الجواز؟
قلت: بل على سبيل الوجوب، وقد نص على ذلك في شرح الكافية.
وأما قوله في التسهيل: وتفتح غالبا عين الثلاثي المكسورة. فإنما أشار بقوله: غالبا إلى شذوذ قولهم في بنى الصعق: صعقي٣ -بكسر الفاء والعين- وذلك أنهم كسروا الفاء إتباعا للعين، ثم استصحبوا ذلك بعد النسب شذوذا.
_________________
(١) ١ شج: أي: حزين. ٢ الدئل: أما العلم فو الدئل بن بكر بن كنانة. وأما الجنس فهو دويبة كالثعلب. ٣ الصعق -بفتح الصاد وكسر العين، وبعضهم يقوله بكسرتين- وهو صفة مشبهة ومعناه المغشي عليه.
[ ٣ / ١٤٤٩ ]
قال الشيخ أبو حيان: فتح العين في ذلك واجب لا نعلم فيه خلافا إلا ما ذكره طاهر القزويني في مقدمة له من أن ذلك على سبيل الجواز.
تنبيهات:
الأول: لو سميت ببعد فالقياس في النسب إليه بعدي -بفتح العين.
الثاني: لو سميت بيزر مخفف يزأر، بالنقل فيه وجهان.
الثالث: فهم من اقتصاره على الثلاثي أن ما زاد على الثلاثة مما قبل آخره كسرة لا يغير، فاندرج في ذلك ثلاث صور:
الأولى: ما كان على خمسة أحرف نحو جحمرش١.
والثانية: ما كان أربعة أحرف متحركات نحو جنَدل٢.
والثالثة: ما كان أربعة وثانيه ساكن نحو تغلب.
فالأولان لا يغيران، وأما الثالث ففيه وجهان أعرفهما أنه لا يغير، والآخر أنه يفتح، وقد سمع الفتح مع الكسرة في: تغلبي ويحصبي ويثربي، وفي القياس عليه خلاف، وذهب المبرد وابن السراج والرماني ومن وافقهم إلى أنه جائز مطرد، وهو عند الخليل وسيبويه شاذ.
وفي شرح الصفار ما ملخصه: أن الجمهور قالوا: يجوز الوجهان، وأن أبا عمرو قال: الفتح شاذ، وظاهر كلام الخليل وسيبويه ما تقدم.
وقد ظهر بهذا أن قول الشارح: "وإن كانت الكسرة مسبوقة بأكثر من حرف جاز الوجهان" ليس بجيد؛ لشموله الصور الثلاث، وإنما الوجهان في نحو تغلب.
وقيل في المرميّ مرمويّ واخْتِير في استعمالهم مرميّ
_________________
(١) ١ الجحمرش -بفتح الجيم وسكون الحاء وفتح الميم وكسر الراء- هي العجوز الكبيرة والمرأة السمجة. ٢ الجندل -بضم الجيم وفتحها وفتح النون وكسر الدال- وهو الموضع الذي تجتمع فيه الحجارة.
[ ٣ / ١٤٥٠ ]
قد تقدم عند قوله: "ومثله مما حواه احذف" أنه لا فرق عند أكثر العرب بين ما ياءاه زائدتان، وبين ما إحدى ياءيه أصلية.
ونبه هنا على أن من العرب من يفرق بين النوعين فيوافق في الأول على الحذف فيقول في النسب إلى شافعي: شافعي، وأما النوع الثاني فلا يحذف ياءيه، بل يحذف الزائدة منهما ويقلب الأصلية واوا، فيقول في النسب إلى مرمي: مرموي.
فإن قلت: هل يقاس على مرمي وما أشبهه؟
قلت: صرح الشارح بأنه لغة، قال: وهذه قليلة، والمختار خلافها، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية. وفي الارتشاف: وشذ في مرمي مرموي.
فإن قلت: هذا البيت متعلق بقوله: ومثله مما حواه احذف. فهلا قدمه كما فعل في الكافية؟
قلت: لعل سبب تأخيره هذا ارتباط الأبيات السابقة، فكل منها أخذ بحجز تاليه، فلم يلق به غير التأخير، وليس كذلك في الكافية.
ونحو حَي فتح ثانيه يَجب واردده واوا إن يكن عنه قُلب
إذا نسب إلى ما آخره ياء مشددة، فإما أن تكون مسبوقة بحرف، أو بحرفين، أو بثلاثة فصاعدا، فإن كانت مسبوقة بحرف لم يحذف من الاسم شيء عند النسب، ولكن يفتح ثانيه ويعامل معاملة المقصور الثلاثي، فإن كان ثانيه ياء في الأصل لم تزد على ذلك، كقولك في حي: حيوي، فتحت ثانيه فقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم قلبتها واوا لأجل ياء النسب، وإن كان ثانيه في الأصل واوا رددته إلى أصله، فتقول في طي: طووي؛ لأنه من طويت. وإن كانت مسبوقة بحرفين فسيأتي حكمها، وإن كانت مسبوقة بثلاثة فأكثر فقد تقدم حكمها.
وعَلَمُ التثنية احذِفْ للنسَبْ ومثل ذا في جمع تصحيح وَجَبْ
[ ٣ / ١٤٥١ ]
يحذف من المنسوب إليه أيضا ما فيه من علامة تثنية وجمع تصحيح كقولك في من اسمه: مسلمان أو مسلمون أو مسلمات: مسلمي، واثنان وعشرون ونحوهما من الشبيه بالمثنى والمجموع كذلك، فتقول فيهما: اثني وثنوي وعشري، وتقول في أولات: أولي.
تنبيه:
هذا الحذف إنما هو على لغة من يعرب المثنى والمجموع الذي على حده بالحرفين.
وأما من أجرى المثنى مجرى حمدان، والجمع مجرى غسلين، فإنه لا يحذف، فتقول في اسمه: زيدان، على الأول: زيدي، وعلى الثاني: زيداني، وفي نصيبين، على الأول: نصيبي، وعلى الثاني: نصيبيني.
وثالث من نحو طيِّب حُذف وشذ طائي مقولا بالأَلِفْ
إذا وقع قبل الحرف المكسور لأجل ياء النسب ياء مكسورة مدغم فيها أخرى، حذفت المكسورة كقولك في طيب: طيبي، وفي ميت: ميتي.
فإن كانت الياء مفردة نحو مغيل، أو مشددة مفتوحة نحو هَبَيَّخ١، أو فصل بينها وبين المكسور نحو مهيم -تصغير مهيام مفعال من هام- لم تحذف، بل يقال في النسب إلى هذه: مغيلي، وهبيخي، ومهيمي، لنقص النقل بعدم الإدغام، وبالفتح والفصل.
وقوله: "وشذ طائي" يعني: أن قياسه طيئي٢ كطيي، ولكن تركوا فيه القياس فقالوا: طائي بإبدال الياء ألفا.
تنبيهات:
الأول: ذكروا أن المحذوف من طائي الياء الثانية، فإن الأولى قلبت ألفا.
_________________
(١) ١ الهبيخ: كسفرجل، الرجل الذي لا خير فيه، والأحمق المسترخي، والهبيخ في لغة حمير: الغلام الممتلئ. والهبيخة: الجارية التارة الممتلئة بلغتهم أيضا. ٢ بسكون الياء.
[ ٣ / ١٤٥٢ ]
وقال بعض المتأخرين: فيه نظر؛ لأن هذا الانقلاب لا يتعلق بهذا الباب، ومقتضى هذا الباب حذف الياء الثانية، وقد حذفت. قال: فوجه شذوذه أن يقال: حذفت الياء الأولى الساكنة وقلبت الثانية المتحركة ألفا، فطائي شاذ من حيث حذف الأولى، والقياس حذف الثانية.
واعترض بأنه لو كان كذلك لم يكن القلب شاذا، وقد ذكر شذوذه في الإعلال، فالوجه أنهم حذفوا الثانية كما ذكرنا أولا، ولكن لما كان "هذا"١ القلب مختصا بحال النسب ذكروا شذوذه فيه.
الثاني: قال أبو سعيد في كتابه المستوفي: وتقول في أيم: أيمي؛ لأنك لو حذفت الياء المتحركة لم يبقَ ما يدل عليها، قيل: وليس بتعليل واضح، ولو علل بالالتباس بالنسب إلى أيم لكان حسنا، وإطلاق سيبويه والنحاة يدل على أنه لا فرق بين نحو سيد وأيم.
الثالث: لا فرق بين سيد ونحوه، وبين غزيل ونحوه -تصغير غزال- في الحذف فتقول: غزيلي. نص على ذلك غير واحد، وإن كان سيبويه لم يمثل إلا بغير المصغر.
وفَعَلِي في فَعِيلَة التُزمْ وفُعَلِي في فُعِيلة حُتِمْ
مثال فعيلة حنيفة، فإذا نسبت إليها حذفت تاؤها وياؤها، وفتحت عينها، فيقال: حنفي، ومثال فُعيلة: جهينة، فإذا نسب إليها حذفت تاؤها وياؤها أيضا فتقول: جهني.
تنبيهات:
الأول: قوله: "التزم وحتم" ويعني: فيما لم يشذ، ويشذ من فعيلة سليقى في سليقة وسليمى في سليمة الأزد، وعميرى في عميرة كلب، والسليقى الذي يتكلم بأصل طبيعته معربا، قال الشاعر٢:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "بنحوي" أي: منسوب إلى النحو "يلوك" من لكت الشي في فمي إذا علكته =
[ ٣ / ١٤٥٣ ]
ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سُلَيْقِي أقول فأعرب
وأشذ من ذلك قولهم: عبدي وجذمي، في بني عبيدة وجذيمة.
لأن ما تقدم رجوع إلى أصل مرفوض، وأما الضم فلا وجه له.
وشذ من فعيلة رديني في ردينة وحزيني في حزينة -وهو من أسماء البصرة.
الثاني: لو سمي باسم شذت العرب في النسب إليه لم ينسب إليه إلا على ما يقتضيه القياس.
الثالث: ما ذكر من أنه يقال في فعيلة فعليّ، وفي فعيلة فعلي له شرطان:
الأول: عدم التضعيف، والثاني: ألا تعتل العين، واللام صحيحة. وسيأتي التنبيه على هذين الشرطين.
وألحقُوا معل لام عَرِيَا من المثالين بما التا أُولِيَا
يعني: بالمثالين فعيلة وفعيلة، فإذا عريا من التاء وصارا على فعيل وفعيل، وقصد النسب إليهما، فإما أن يكونا معتلي اللام أو صحيحي اللام.
فإن كانا معتلي اللام ألحقا بفَعيلة وفُعيلة في حذف الياء وفتح ما قبلها إن كان مكسورة فيقال في عدي وقصي: عدوي وقصوي. كما يقال في غنية وأمية: غنوي وأموي.
_________________
(١) = "سليقي" نسبة إلى السليقة: وهي الطبيعة. يقال: فلان يتكلم بالسليقة أي: بطبيعته لا عن تعلم. "فأعرب" فأبين. الإعراب: "لست" ليس فعل ماض ناقص والتاء اسمه "بنحوي" الباء حرف جر زائد ونحوي خبر ليس "يلوك" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "لسانه" مفعول به والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جر صفة "ولكن" للاستدراك "سليقي" خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن أنا سليقي "أقول" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "فأعرب" الفاء عاطفة وأعرب فعل مضارع والفاعل ضمير والجملة عطف على جملة أقول، والجملتان كاشفتان معنى سليقي. الشاهد: "سليقي" فإن القياس فيه سلقي -بدون ياء- لأنه نسبة إلى السليقة وهي الطبيعة، وفي النسبة إليه تحذف الياء والهاء كما في حنيفة حنفي. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٣٢/ ٣، وفي شرح الشافعية ٢٨/ ٢.
[ ٣ / ١٤٥٤ ]
فإن قلت: هل إلحاق عدي وقصي بما ختم بالتاء واجب أم جائز؟
قلت: صرح في الكافية بأن ذلك واجب، وصرح به الشارح أيضا، وذكر بعضهم فيهما وجهين: الحذف والإثبات، ولم يذكر سيبويه في عدي إلا الحذف. وذكر فيه الفارسي: وجهي عدي، ونقل عن يونس: الإثبات في عدي فتقول: عَدِيِّيّ.
تنبيه:
استثنى بعضهم من فعيل ما كان نحو كُسي تصغير كساء، فإن النسب إليه كُسَيِّيّ -بياءين مشددتين- قال: ولا يجوز غيره، وأجاز بعض النحويين كُسَوِي. وإن كانا صحيحي اللام فالمطرد فيهما عدم الحذف كقولهم في عَقيل وعُقيل: عَقيلي وعُقيلي، هذا مذهب سيبويه، وهو مفهوم قوله: "معل لام". وذهب المبرد إلى جواز الحذف فيهما، فالوجهان عنده مطردان قياسا على ما سمع من ذلك، وهو قولهم: قرشي وهذلي وصبري في بني صبير، وفقمي في بني فقيم كنانة، وأما فقيم دارم فلم يشذوا فيه، وملحي في مليح خزاعة، وأما مليح سعد فلم يشذوا فيه، وقومي في قويم، وسلمي في سليم، وقالوا في ثقيف: ثقفي.
ووافق السيرافي المبرد وقال: الحذف في هذا خارج عن الشذوذ، وهو كثير جدا في لغة أهل الحجاز، قيل: وتسوية المبرد بين فعيل وفعيل ليست بجيدة؛ إذ سمع الحذف في فعيل كثيرا، ولم يسمع في فعيل إلا في ثقيف، فلو فرق بينهما لكان أسعد بالنظر.
وتَمموا ما كان كالطويله وهكذا ما كان كالجليله
يعني: أن ما كان من فَعيلة وفُعيلة معتل العين صحيح اللام، نحو: طويلة١ ونويرة٢، أو مضاعفا نحو: جليلة وقُديدة، فإنه ينسب إليه على لفظه متمما، فتقول: طويلي ونويري، وجليلي وقديدي؛ فرارا من تحريك حرف العلة في المعتل، ومن اجتماع المثلين في المضاعف.
_________________
(١) ١ الطويلة: في القاموس: أن الطويلة اسم لروضة مخصوصة. ٢ والنويرة: في القاموس: أن نورة اسم لناحية في مصر.
[ ٣ / ١٤٥٥ ]
تنبيهات:
الأول: من هذا البيت يؤخذ الشرطان المشار إليهما فيما مضى.
الثاني: الشرطان معتبران في فُعيلة وفَعيلة كليهما، ولا أثر لخصوصية المثال.
الثالث: لم يذكر الشارح في فعيلة -بضم الفاء- إلا شرطا واحدا، وهو عدم التضعيف، وقال في فعيلة -بالفتح- إن لم يكن معتل العين، ولا مضاعفا، فأخل فعيلى بشرط. وأطلق في قوله: إن لم يكن معتل العين، وكان ينبغي أن يقول: صحيح اللام؛ لأن الشرط عدم مجموع الأمرين؛ ليحترز بذلك من نحو طوية وحيية، فإنه يقال فيهما: طووي وحيوي.
الرابع: لم يذكر الناظم هنا فعولة نحو شنوءة١ والنسب إليها فعلي كالنسب إلى حنيفة فيقال: شنئي -بالشرطين المذكورين- هذا مذهب سيبويه، وذهب المبرد والأخفش إلى أن النسب "إلى"٢ ذلك على لفظه، فيقال في حمولة: حمولي.
وذهب ابن الطراوة إلى أنك تحذف الواو وتترك ما قبلها مضموما، فتقول: حملي.
والصحيح مذهب سيبويه؛ لورود السماع في شئوءة، وفي الغرة: نسبة هذا المذهب إلى سيبويه والأخفش، وهو وهم.
فإن قلت: كيف جعل سيبويه ذلك قياسا، ولم يرد غير هذه اللفظة؟
قلت: لأنه لم يرد ما يخالفها، وهذا معنى قول بعضهم؛ لأنها جميع ما سمع، فإن اعتلت عين فعولة نحو قوولة، أو كان مضاعفا نحو ضرورة لم تحذف منه الواو، وفعولة المعتل اللام نحو عدوة كشنوءة في حذف الواو، فتقول: عدوي، خلافا للمبرد، أنه يقول عدوي على لفظه، وتقدم أن مذهبه في شنوءة كذلك.
_________________
(١) ١ شنوءة: حي من اليمن، سميت كذلك لشنآن بينهم. ٢ أ، ج، وفي ب "وفي".
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
وأما فعول -بغير تاء- فينسب إليه على لفظه باتفاق، فتقول في سلول وعدو: سلولي وعدوي.
وهمز ذي مد يُنال في النسب ما كان في تثنية له انتسب
حكم الهمزة الممدودة في النسب كحكمها في التثنية، فإن كانت للتأنيث قلبت واوا، كقولك في حمراء: حمراوي. وإن كانت أصيلة سلمت، كقولك في قراء: قراءان١، فتقول في النسب إليه: قرائي، وإن كانت بدلا من أصل أو للإلحاق فوجهان، كقولك في كساء وعلباء٢: كساءان وعلباءان، وإن شئت: كساوان وعلباوان. "فتقول في النسب إليهما: كسائي وعلبائي وكساوي وعلباوي"٣.
تنبيهات:
الأول: مقتضى كلامه هنا أن الأصلية تتعين سلامتها، وصرح بذلك الشارح، فقال: وإن كانت أصلا غير بدل وجب أن تسلم، وذكر في التسهيل فيها الوجهين، وقال: أجودهما التصحيح.
الثاني: قال في شرح الكافية: ما شذ في التثنية نحو كسايين، فلا يقاس عليه على النسب.
وانْسُب لصدر جملة وصدر ما رُكب مزجا
المركب أربعة أقسام: إسنادي، وشبيه به، ومزجي، وإضافي.
أما الإسنادي والشبيه به فينسب إلى صدره، مثال الإسنادي تأبط شرا فتقول فيه: تأبطي.
ومثال الشبيه به لولا وحيثما -مسمى بهما- فتقول فيهما: لوي بالتخفيف وحيي، وقياس النسب إلى كنت: كوني، برد الواو لزوال سبب حذفها، وقالوا:
_________________
(١) ١ القراء -بضم القاف وتشديد الراء مع المد- المتنسك. ٢ العلباء: عصب عنق البعير. ٣ أ.
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
كنتي، وكنتني -بزيادة نون- وكلاهما شاذ، وأجاز الجرمي النسب الثاني فتقول: شري، في تأبط شرا.
تنبيه:
قوله: "وانسب لصدر جملة" أجود من قوله في التسهيل: "ويحذف لها -يعني ياء النسب- عجز المركب" لأنه لا يقتصر في الحذف على العجز، بل يحذف ما زاد على الصدر، فلو سميت بخرج اليوم زبد، قلت: خرجي.
وأما المزجي ففي النسب إليه خمسة أوجه:
الأول: مقيس اتفاقا، وهو النسب إلى صدره، فتقول في بعلبك: بعلي، وكذا حكم خمسة عشر، فتقول: خمسي.
الثاني: أن ينسب إلى عجزه، فتقول: بكي، وهذا الوجه أجازه الجرمي ولا يجيزه غيره، ولم يسمع إلى العجز مقتصرا عليه.
الثالث: أن ينسب إليهما معا مزالا تركيبهما، فتقول: بعلي، بكي، وهذا أجازه قوم منهم أبو حاتم١ قياسا على قول الشاعر٢:
تزوجتها رامية هرمزية
_________________
(١) ١ هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السجستاني من ساكني البصرة، كان إماما في علوم القرآن واللغة والشعر. قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين وصنف إعراب القرآن، والمقصور والممدود، والإدغام، وغير ذلك. توفي سنة خمسين أو خمس وخمسين أو أربعة وخمسين أو ثمان وأربعين ومائتين. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وعجزه: بفضل الذي أعطى الأمير من الرزق الإعراب: "تزوجتها" فعل وفاعل ومفعول، والضمير في تزوجتها يرجع إلى امرأته "رامية هرمزية" نصب على الحال "بفضل" جار ومجرور متعلق بقوله تزوجتها "الذي" مضاف إليه "أعطى" فعل ماض "الأمير" فاعل والجملة لا محل لها صلة الموصوف "من الرزق" جار ومجرور متعلق بأعطى. الشاهد: قوله: "رامية هرمزية" فإنه نسبة إلى "رام هرمز" بلدة من نواحي خوزستان، فالشاعر نسب إلى المركب المزجي بإلحاق ياء النسب بكل جزء من جزأيه. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٣٦/ ٣، وشرح الشافية ٧٢/ ٢، والمقرب لابن عصفور ٨٣.
[ ٣ / ١٤٥٨ ]
وظاهركلام أبي الحسن في الأوسط موافقته.
الرابع: أن ينسب إلى مجموع المركب فقالوا: بعلبكي.
الخامس: أن يبنى من جزأي المركب اسم على فعلل وينسب إليه، قالوا في حضرموت: حضرمي. وهذان الوجهان شاذان يقتصر فيهما على ما سمع لا نعلم في ذلك خلافا.
وأما الإضافي فقد نبه عليه بقوله:
ولثمان تَمما
إضافة مبدوءة بابن أو ابْ أو ماله التعريف بالثاني وجب
فيما سوى هذا انسبن للأول ما لم يُخف لَبْسٌ كعبد الأشهل
وحاصله أن المركب تركيب إضافة ينسب إلى عجزه في أربعة مواضع:
الأول: ما كان مبدوءا بابن، نحو ابن الزبير، فتقول: زبيري.
الثاني: ما كان كنية وإليه الإشارة بقوله "أو اب" فتقول في أبي بكر: بكري.
الثالث: "ما تعرف"١ صدره بعجزه، ومثله الشارح بغلام زيد، فتقول: زيدي.
الرابع: ما يخاف اللبس من حذف عجزه كعبد الأشهل وعبد مناف، فتقول فيهما: أشهلي ومنافي.
وما سوى هذه المواضع ينسب فيه للصدر كقولك في امرئ القيس: امرئي ومرئي.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلامه في الكافية وشرحها أن المبدوء بابن من قبيل ما تعرف به الأول بالثاني. قال في شرحها: وإذا كان الذي ينسب إليه مضافا وكان معرفا صدره بعجزه، أو كان كنية حذف صدره ونسب إلى عجزه، كقولك في ابن
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، ج "ما كان تعرف".
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
الزبير: زبيري، وفي أبي بكر: بكري، انتهى. وكذا قال الشارح، إلا أنه زاد في المثل غلام زيد، وعلى هذا فقول الناظم: "أو ما له التعريف بالثاني" عن عطف العام على الخاص؛ لاندراج المصدر بابن فيه.
وفي تمثيل الشارح بغلام زيد نظر؛ لأنهم يعنون بالمضاف هنا ما كان علما غالبا لا مثل غلام زيد، فإنه ليس لمجموعه معنى مفرد ينسب إليه، بل يجوز أن ينسب إلى غلام وإلى زيد، ويكون ذلك من قبيل النسب إلى المفرد لا إلى المضاف، وإن أراد غلام زيد مجعولا علما فليس من قبيل ما تعرف فيه الأول بالثاني، بل هو من قبيل ما ينسب إلى صدره ما لم يخف لبس. والله أعلم.
والثاني: شذ بناء فعلل، من جزأي الإضافي منسوبا إليه، كما شذ ذلك في المركب المزجي، والمحفوظ من ذلك: تيملي، وعبدري، ومرقسي، وعبقسي، وعبشمي، في تيم اللات، وعبد الدار، وامرئ القيس بن حجر الكندي، وعبد القيس، وعبد شمس.
واجبُرْ برد اللام ما منه حُذف جوازا إن لم يك رده أُلف
في جمعي التصحيح أو في التثنيه وحق مجبور بهذي تَوْفِيَه
إذا نسب إلى الثلاثي المحذوف، لم يخل من أن يكون محذوف الفاء أو العين أو اللام.
فإن كان محذوف الفاء أو العين، فسيأتي.
وإن كان محذوف اللام فإما أن يجبر في التثنية كأب وأخ، أو في الجمع بالألف والتاء كعضة وسنة، أو لا، فإن جبر فيهما وجب جبره في النسب فتقول: أبوي وأخوي وعضوي وسنوي أو عضهي وسنهي على الخلاف في المحذوف، فهذا ونحوه يجب جبره؛ لأن جبر في التثنية والجمع بالألف والتاء كقولك: أبوان وأخوان، وعضوات وسنوات، أو عضهات وسنهات على الوجهين، وإن لم يجبر في التثنية ولا في الجمع بالألف والتاء لم يجب جبره في النسب بل يجوز فيه الأمران نحو: حر وغد وشفة وثبة، فيجوز في النسب إليها: حري وغدي وشفي وثبي -بالحذف- وحرحي، وعدوي، وشفهي، وثبوي -بالرد- والمحذوف من الحر الحاء، ومن غد الواو، ومن شفة الهاء، ومن ثبة الياء.
[ ٣ / ١٤٦٠ ]
تنبيهات:
الأول: ما ذكرته واضح فهمه من كلام الناظم، إلا أن ذكره لجمعي التصحيح فيه نظر؛ إذ لا تظهر فائدة لذكر جمع التصحيح المذكر، وقد اقتصر في التسهيل على الجمع بالألف والتاء.
والثاني: أطلق في قوله:
جوازا إن لم يك رده أُلف
وهو مقيد بألا تكون العين معتلة، فإن كانت عينه معتلة وجب جبره كما ذكره في الكافية والتسهيل، وإن لم يجبر في التثنية وجمع التصحيح، احترازا من نحو شاة، وذي بمعنى صاحب، فتقول في شاة: شاهي، وعلى أصل الأخفش: شوهي، وقد حكي أنه رجع عنه وسيأتي بيانه، وفي ذي: ذووي اتفاقا؛ لأن وزنه عند الأخفش فعل كمذهب سيبويه.
الثالث: إذا نسب إلى يد ودم جاز الوجهان عند من يقول: يدان ودمان، ووجب الرد عند من يقول: يديان ودميان.
الرابع: إذا نسب إلى ما حذفت لامه وعوض منها همزة الوصل جاز أن يجبر وتحذف الهمزة، وألا يجبر وتستصحب، فتقول في ابن واسم: بنوي وسموي، على الأول، وابني واسمي على الثاني.
الخامس: مذهب سيبويه وأكثر النحويين أن المجبور تفتح عينه وإن كان أصله السكون. وذهب الأخفش إلى تسكين ما أصله السكون، فتقول في يد ودم وغد وحر -على مذهب الجمهور: يدوي، ودموي، وغدوي، وحرحي بالفتح، وعلى مذهب الأخفش: يدي، ودميي، وغدوي، وحرحي -بالسكون- لأنه أصل العين في هذه الكلمات، والصحيح مذهب سيبويه، وبه ورد السماع قالوا في غد: غدوي، وحكي عن أبي الحسن أنه رجع في الأوسط إلى مذهب سيبويه، وذكره سماعا عن العرب.
وبأخ أختا وبابن بنتا ألحِقْ ويونس أَبَى حَذْف التا
[ ٣ / ١٤٦١ ]
اختلف في النسب إلى أخت وبنت. قال الخليل وسيبويه كالنسب إلى أخ وابن - بحذف التاء ويرد المحذوف، تقول: أخوى وبنوى، كما تقول في المذكر، وقال يونس: ينسب إليهما على لفظهما ولا تحذف التاء، فتقول: أختي وبنتي، لأن التاء فيهما للإلحاق.
والزمه الخليل أن ينسب إلى هنت ومنت - بإثبات التاء، وهو يقول به، وله أن يفرق بأن التاء فيهما لا تلزم، بخلاف بنت وأخت، لأن التاء في هنت في الوصل خاصة وفي منت في الوقف خاصة.
تنبيهات:
الأول: حكم نظائر أخت وبنت حكمهما وهي: ثنتان، وكلتا، وذيت، وكيت، فالنسب إليها عند سيبويه كالنسب إلى مذكراتها، فتقول: ثنوى، وكلوى، وذيوى، وكيوى، وعلى مذهب يونس تقول: ثنتى، وكلتى أو كلتوى، وذيتى، وكيتى.
وذكر بعضهم في النسب إلى كلتا على مذهب يونس: كلتى وكلتوى وكلتاوى كالنسب إلى حبلى بالوجه الثلاثة.
الثاني: ذهب الأخفش في أخت وبنت ونظائرهما إلى مذهب ثالث، وهو حذف التاء وإقرار ما قبلها على سكونه وما قبل الساكن على حركته، فتقول: أخوى وبنوى وكلوى وثنوى، وقياس مذهبه في كيت وذيت - إذا رد المحذوف - أن ينسب إليهما كما ينسب إلى حي، فتقول: كيوى وذيوى.
الثالث: قد اتضح مما سبق أن أختا وبنتًا حذفت لامهما، لأن النحويين ذكروهما فيما حذفت لامه، فالتاء إذن فيهما عوض من اللام المحذوفة، وإنما حذفت في النسب على مذهب سيبويه لما فيها من الإشعار بالتأنيث، وإن لم تكن متمحضة للتأنيث. وظاهر مذهب سيبويه أن تاء كلتا كتاء بنت وأخت، وأن الألف للتأنيث، وعلى هذا ينبني ما سبق، وذهب الجرمي إلى ان التاء زائدة، والألف لام الكلمة، ووزنه فِعْتَل، وهو ضعيف، لأن التاء لا تزاد وسطًا، فإذا نسب إليه على مذهبه قلت: كلتوى: وقيل: إن التاء بدل من الواو، والأصل كلوى. فإذا نسب إليه على هذا القول قلت: كلتى، هكذا ذكر بعضهم.
[ ٣ / ١٤٦٢ ]
والمشهور في النقل عن جمهور البصريين أن التاء في كلتا بدل من الواو التي هي لام الكلمة ووزنها فعلى، وصرح ابن الحاجب في شرح المفصل بأن اصل كلتا عند سيبويه كلوي، ووزنه فعلى أبدلت الواو إشعارا بالتأنث تاء، وإذا كان هذا مذهب سيبويه والجمهور فالذي ينبغي أن يقال في النسب إليه: كلتي، كما تقدم عن بعضهم، وأيضا فلا ينبغي على هذا القول أن يعد فيما حذفت لامه؛ لأن ما أبدلت لامه لا يقال فيه: محذوف اللام في الاصطلاح، والإلزام أن يقال في نحو "ماء" محذوف اللام، والذي يظهر من مذهب سيبويه ومَن وافقه أن لام كلتا محذوفة كلام أخت وبنت، والتاء في الثلاثة عوض من اللام المحذوفة كما قدمته أولا، ولا يمتنع أن يقال: هي بدل من الواو، إذا قصد هذا المعنى، كما قال بعض النحويين في تاء بنت وأخت: إنها بدل من لام الكلمة، وأما إن أريد البدل الاصطلاحي فلا؛ لأن بين الإبدال والتعويض فرقا يذكر في موضعه.
الرابع: النسب إلى ابنة ابنتي وبنوي كالنسب إلى ابن اتفاقا؛ إذ التاء فيها ليست عوضا كتاء بنت.
وضاعِفِ الثاني من ثنائي ثانيه ذو لين كلا ولائي
إذا نسب إلى الثنائي وضعا، فإن كان ثانيه حرفا صحيحا جاز فيه التضعيف وعدمه، فتقول في كم: كَمِيّ، وكَمِّىّ، وإن كان ثانيه حرف لين ضعف بمثله إن كان ياء أو واوا فتقول في كي ولو: كيوي ولووي؛ لأن كي لما ضعف صار مثل حي، ولو لما ضعف صار مثل الدو١، وإن كان ألفا ضوعفت وأبدل مضعفها همزة، فتقول فيمن اسمه لا: لائي، وإن شئت أبدلت الهمزة واوا، فقلت: لاوي.
تنبيه:
إذا نسب إلى اللات -اسم الصنم- قلت: لائي، ولاوي، كما ينسب إلى
_________________
(١) ١ الدو -بفتح الدال وتشديد الواو- وهو الفلاة الواسعة، وقيل: الأرض المستوية، وفي القاموس: أنه أيضا اسم بلد، وفي المعجم أنه اسم أرض بعينها.
[ ٣ / ١٤٦٣ ]
لا؛ لأن تاءه تحذف ولا يدرى ما لامه فعومل عاملة لا، هذا مذهب سيبويه. ومن زعم أن لامه هاء، وأن أصله ليه قال: لاهي، كما تقول: شاهي.
وإن يكن كشِيَة ما الفا عَدِمْ فجبره وفتح عينه التُزم
تقدم الكلام على محذوف اللام، وذكر في هذا البيت محذوف الفاء، ولا يخلو محذوف الفاء من أن تكون لامه صحيحة كعدة أو معتلة كشية١، فإن كانت صحيحة لم يجبر فتقول في النسب إلى عدة: عدي، وإن كان معتل اللام جبر برد فائه، فتقول في شية وشوي، على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرد العين إلى أصلها من السكون، بل يفتح العين مطلقا ويعامله معاملة المقصور، وتقول على مذهب أبي الحسن: وشيي -برد أصله- وجزم هنا بمذهب سيبويه.
فإن قلت: فمن أين يؤخذ من كلامه اشتراط اعتلال اللام؟
قلت: من قوله: "كشية".
تنبيه:
بقي من المحذوف قسم ثالث لم يبين حكمه، وهو محذوف العين، فتقول: المحذوف العين إن كانت لامه صحيحة لم يجبر، كقولك في: سه ومذ -مسمى بهما- سهي ومذي، كذا أطلق كثير من النحويين، وليس كذلك، وهو مقيد بألا يكون من المضاعف، نحو: رب -المخففة- بحذف الباء الأولى- إذا سمي بها ونسب إليها، فإنه يقال: ربي -برد المحذوف- نص عليه سيبويه، ولا يعرف فيه خلافا، وإن كانت لامه معتلة نحو المري ويري -مسمى بهما- جبر، فتقول فيهما: المرئي واليرئي -برد المحذوف.
والواحد اذكر ناسبا للجمع إن لم يشابه واحدا بالوضع
١ الشية: العلامة، وكل لون يخالف معظم اللون -من الفرس وغيره- وأصل شية: وشي، حذفت الواو ونقلت حركتها إلى الشين وزيدت تاء التأنيث عوضا عن الواو المحذوفة.
[ ٣ / ١٤٦٤ ]
الجمع ثلاثة أقسام: قسم أهمل واحده كعباديد١، وقسم له واحد شاذ كملامح فإن واحده لمحة، وقسم له واحد قياسي.
فالأول: ينسب إليه بلفظه فتقول: عباديدي.
"والثاني فيه خلاف؛ ذهب أبو زيد إلى أنه كالأول فنيسب إلى لفظه، فتقول: ملامحي"٢.
وحكي أن العرب قالت في المحاسن: محاسني، وغيره ينسب إلى واحده، وإن كان شاذا، فيقول في النسب إلى ملامح: لمحي.
والثالث: إذا غلب نسب إلى لفظه فتقول في الأنصار والأبناء، وهم قوم من أبناء فارس: أنصاري وأبنائي، وإن لم يغلب نسب إلى واحده، فتقول في فرائض وكتب وقلانس: فرضي وكتابي وقلنسي، وقول الناس: فرائضي وكتبي وقلانسي -خطأ، وقد أجاز ذلك قوم، وذهبوا في قمري إلى أنه منسوب إلى الجمع من قولهم: طيور قمر، وكذا دبسي منسوب عندهم إلى طيور دبس، وهو عند غيرهم منسوب إلى القمرة -وهي البياض- وإلى الدبسة، ويحتمل أن يكونا مما بني على ياء مشددة نحو كرسي.
هذا "التقسيم"٣ في الجمع الباقي على جمعيته، فإن سمي به نسب إلى لفظه؛ لأنه صار واحدا، كقولك في كتاب وأنمار ومدائن ومعافر: كلابي وأنماري ومعافري.
وقد يرد الجمع المسمى به إلى الواحد إن أمن اللبس، ومثال ذلك الفراهيد -علم على بطن من أسد- فقالوا: الفراهيدي على اللفظ، والفرهودي نسبا إلى واحده لأمن اللبس؛ إذ ليس لنا قبيلة تسمى بالفرهود.
فإن قلت: إن كلام الناظم هنا لا يفي بهذا التفصيل؟
قلت: قوله: "إن لم يشابه واحدا" يمكن أن يجعل شاملا لثلاثة أنواع:
_________________
(١) ١ العباديد: الفرق من الناس والخيل الذاهبون في كل وجه. ٢ أ. ٣ أ، ج، وفي ب "الحكم".
[ ٣ / ١٤٦٥ ]
أولها: نحو أنمار مما جعل علما.
والثاني: نحو أنصار مما غلب فصار كالعلم.
والثالث: نحو عباديد مما أهمل واحده؛ لأنه بسبب إهمال واحده شابه نحو قوم ورهط مما لا واحد له، وإذا كان كلامه شاملا لهذه الثلاثة فهو وافٍ بالمطلوب؛ لأن حاصله حينئذ أن الجمع لا ينسب إلى لفظه، بل إلى واحده إلا في ثلاثة مواضع، وهو صحيح.
تنبيه:
إذا نسب إلى نحو تمرات وأرضين وسنين باقية على جمعيتها قيل: تمري، وأرضي، وسنهي أو سنوي، على الخلاف في لامه، وإذا نسب إليها أعلاما التزم فتح العين في الأولين، وكسر الفاء في الثالث.
ومع فاعِل وفَعَّال فَعِل في نسب أغن عن اليا فقُبِلْ
يستغنى عن ياء النسب بصوغ فاعل إن قصد صاحب الشيء، كقولهم: لابن وتامر أي: صاحب لبن وتمر، وبفعّال إن قصد الاحتراف، كقولهم: بزّاز وعطّار، وقد يقوم أحدهما مقام الآخر، فمن قيام فاعل مقام فعال قولهم: حائك في معنى حواك؛ لأنه من الحرف؛ ومن عكسه قول امرئ القيس١:
_________________
(١) ١ قائله: هو امرؤ القيس الكندي يصف رجلا بلغة أنه توعده، وهو من الطويل. اللغة: "فيطعنني" بضم العين من باب نصر، وقيل: بفتحها "بنبال" بصاحب نبل، وهي السهام العربية ولا واحد لها من لفظها "النابل" الذي يبري السهام. المعنى: أن هذا الشخص الذي يتوعدني لا أبالي به؛ لأنه ليس من أهل السلاح والحرب. الإعراب: "ليس" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو "بذي" الباء حرف زائد وذي خبر ليس "رمح" مضاف إليه "فيطعنني" الفاء فاء السببية ويطعن فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به ليطعن "به" متعلق بيطعن "وليس" الواو عاطفة وليس فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه "بذي" الباء حرف جر زائد، وذي خبر ليس "سيف" مضاف إليه "وليس" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه "بنبال" الباء حرف جر زائد ونبال خبر ليس. الشاهد: قوله: "بنبال" حيث استعمل في الدلالة على النسبة إلى ما أخذ منه وهو النبل. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٤٥/ ٣، وابن هشام ١٧/ ٤، وابن الناظم، وسيبويه ٩٢/ ٢، وابن يعيش ١٤/ ٦، والمقتضب ١٦٢/ ٣.
[ ٣ / ١٤٦٦ ]
وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
أي: وليس بذي نبل.
قال المصنف: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
أي: بذي ظلم.
وقد يؤتى بياء النسب في بعض ذلك، قالوا لبياع العطر ولبياع البتوت -وهي الأكسية- عطار وعطري، وبتات وبتي.
وقد يستغنى عن ياء النسب بفَعِل بمعنى صاحب كذا، كقولهم: رجل طَعِم ولَبِس وعَمِل بمعنى ذي طعام وذي لباس وذي عمل، أنشد سيبويه٢:
لست بلَيْليّ ولكني نَهِر
أي: عامل بالنهار.
_________________
(١) ١ من الآية ٤٦ من سورة فصلت. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. وعجزه: لا أدلج الليل ولكن أبتكر اللغة: "بليلي" منسوب إلى الليل، أي: لا أعمل فيه "نهر" أي: أعمل بالنهار "أدلج الليل" أسير فيه والدلج: السير من آخر الليل "أبتكر" أدرك النهار من أوله. المعنى: أنه لا يستطيع العمل بالليل، ولكنه يزاول عمله بالنهار، ولا يسير بالليل، إنما يقوم مبكرا ليدرك النهار من أوله حيث النشاط، وقد يكون المراد: أنه ليس من اللصوص الذين يزاولون عملهم بالليل وفي الظلام -بعيدين عن أعين الرقباء- ولكنه ممن يكدحون بالنهار لجلب رزقهم. الإعراب: "لست" ليس واسمها "بليلي" الباء حرف جر زائد وليلي خبر ليس "ولكني" حرف استدراك والياء اسمه "نَهِر" خبر لكن "لا" نافية "أدلج" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه "الليل" منصوب على الظرفية "ولكن" حرف استدراك "أبتكر" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله: "نَهِر" حيث جاء على بناء فَعِل -بفتح فكسر- وهو يريد النسب. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٤٥/ ٣، وابن هشام ١٧٨/ ٤، وابن عقيل ٣٧٧/ ٢، وابن الناظم، وسيبويه ٩١/ ٢.
[ ٣ / ١٤٦٧ ]
تنبيهان:
الأول: قد يستغنى أيضا عن ياء النسب بمفعال، كقولهم: امرأة معطار -أي: ذات عطر- ومفعيل. كقولهم: ناقة محضير، أي: ذات حضر، وهو الجري.
الثاني: هذه الأبنية غير مقيسة، وإن كان بعضها كثيرا، هذا مذهب سيبويه. قال: لا يقال لصاحب الدقيق دقاق، ولا لصحاب الفاكهة فكاه، ولا لصاحب البر برار، ولا لصاحب الشعير شعار، والمبرد يقيس هذا.
وغير ما أسلفته مقررا على الذي يُنقل منه اقُتصرا
يعني: أن ما جاء من النسب مخالفا للأقيسة المتقدم ذكرها، فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وبعضه أشذ من بعض، فمن قولهم في النسب في البصرة: بِصري -بكسر الباء- وإلى الدهر: دُهري -بضم الدال- وإلى مرو: مروزي، وإلى الري: رازي.
ومن ذلك قولهم: عميري من عميرة كلب، وقد تقدمت أمثلة منه أثناء الباب.
[ ٣ / ١٤٦٨ ]
الوقف:
هو قطع النطق عند آخر الكلمة، والمراد هنا الاختياري، وهو غير الذي يكون استثباتا وإنكارا وتذكرا وترنما، وغالبه يلزمه تغييرات، وترجع إلى سبعة أشياء: السكون، والروم، والإشمام، والإبدال، والزيادة، والحذف، والنقل، وهذه الأوجه مختلفة في الحسن والمحل، وسيأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.
تنوينا إثر فتح اجعل ألفا وقفا وتلو غير فتح احذفا
في الوقف على المنون ثلاث لغات:
الأولى: وهي الفصحى، أن يوقف عليه بإبدال تنوينه ألفا إن كان بعد فتحة، وبحذفه إن كان بعد ضمة أو كسرة، كقولك: رأيت زيدَا، وهذا زيدْ، ومررت بزيدْ.
والثانية: أن يوقف عليه بحذف التنوين وسكون الآخر مطلقا، وذكر ذلك أبو الحسن وقطرب وأبو عبيد والكوفيون، ونسبها المصنف إلى ربيعة.
قال في الإفصاح: والجماعة يرون أن هذا مما جاء في الشعر، ولا يجوز في الكلام.
والثالثة: أن يوقف عليه بإبدال التنوين ألفا بعد الفتحة، وواوا بعد الضمة، وياء بعد الكسرة، ونسبها المصنف إلى الأزد، وقيده غيره بأزد السراة.
وزع أبو عثمان أنها لغة قوم من أهل اليمن ليسوا فصحاء واقتصر هنا على الفصحاء.
تنبيهات:
الأول: شمل قوله: "إثر فتح" فتحة الإعراب، نحو: رأيت زيدا، وفتحة البناء نحو: أيها وويها، فكلا النوعين يبدل تنوينه ألفا على المشهور.
الثاني: يستثنى من المنون المنصوب ما كان مؤنثا بالتاء "نحو قائمة"١؛ فإن تنوينه لا يبدل بل يحذف، وهذا لغة من يقف بالهاء وهي الشهيرة، وأما من وقف
_________________
(١) ١ ب.
[ ٣ / ١٤٦٩ ]
بالتاء فبعضهم يجريها مجرى سائر الحروف، فيبدل التنوين ألفا؛ فيقول: رأيت قائمتا، وأكثر أهل هذه اللغة يسكنها لا غير.
الثالث: المقصور المنون يوقف عليه بالألف، نحو: رأيت فتى، وفي هذه الألف ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها بدل من التنوين في الأحوال الثلاث، واستصحب حذف الألف المنقلبة وصلا ووقفا، وهو مذهب أبي الحسن والفراء والمازني، وهو المفهوم من كلام الناظم هنا؛ لأنه تنوين بعد فتحة.
والثاني: أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاث، وأن التنوين حذف؛ فلما حذف عاد الألف، وهو مروي عن أبي عمرو والكسائي والكوفيين، وإليه ذهب "ابن كيسان والسيرافي، ونقله ابن الباذش عن سيبويه والخليل، وإليه ذهب"١ المصنف في الكافية، قال في شرحها: ويقوي هذا المذهب ثبوت الرواية بإمالة الألف وقفا والاعتداد بها رويا وبدل التنوين غير صالح لذلك. انتهى.
ومثال الاعتداد بها رويا قول الشاعر٢:
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ قائله: هو الشماخ، واسمه معقل بن ضرار، وهو من الرجز. وتمامه: وخيره لطارق إذا أتى ورب صادف زادا وحديثا ما اشتهى اللغة: "إنك يابن جعفر" يخاطب به عبد الله بن جعفر محمد الصادق ﵁ "سرى" أي: ليلا؛ لأن السرى لا يكون إلا ليلا. الإعراب: "إنك" إن حرف توكيد ونصب والكاف اسمها "يا" حرف نداء "بن" منادى "جعفر" مضاف إليه ويابن جعفر جملة ندائية معترضة "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح "الفتى" فاعل مرفوع بالضمة المقدرة والجملة في محل رفع خبر إن "ورب" حرف جر شبيه بالزائد "ضيف" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد "طرق" فعل ماض والفاعل ضمير "الحي" مفعول به والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "سرى" موضع ظرف واسم الزمان محذوف معه وهو كقولك: جئتك قدم الحاج أي: وقت قدوم الحاج. الشاهد: قوله "سرى" فإنه منون وهو مقصور والمقصور والمنون يوقف عليه بالألف نحو: رأيت فتى. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٤٩/ ٣، وشرح الشافية ٢٣٨/ ٢، وابن يعيش ٧٦/ ٩.
[ ٣ / ١٤٧٠ ]
إنك يابن جعفر نعم الفتى
إلى قوله:
ورب ضيف طرق الحي سُرى
والثالث: اعتباره بالصحيح؛ فالألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر بدل من لام الكلمة، وهذا مذهب سيبويه فيما نقله أكثرهم.
قيل: وهو مذهب معظم النحويين، وإليه ذهب أبو علي في غير التذكرة، وذهب في التذكرة إلى موافقة المازني.
واحذف لوقف في سوى اضطرار صلة غير الفتح في الإضمار
إذا وقف على هاء الضمير الموصولة حذفت صلتها إن كانت مضمومة أو مكسورة نحو: لَهْ وبِهْ، تحذف الواو والياء وتقف على الهاء ساكنة، وإن كانت مفتوحة نحو رأيتها وقف على الألف ولم تحذف.
واحترز بقوله: "في سوى اضطرار" من وقوع ذلك في الشعر، وإنما يكون ذلك آخر الأبيات، وذكر في التسهيل: أنه قد يحذف ألف ضمير الغائبة منقولا فتحة إلى ما قبله، اختيارا، كقول بعض طيئ: "والكرامة ذات أكرمكم الله بهْ" يريد: بها١، واستشكل قوله: "اختيارا" فإنه يقتضي جواز القياس عليه، وهو قليل.
وأشْبَهَتْ إذًا منونا نُصب فألفا في الوقف نونها قُلب
اختلف في الوقف على إذًا، فذهب الجمهور "إلى"٢ أنه يوقف عليها بالألف لشبهها بالمنون المنصوب، وذهب بعضهم إلى أنه يوقف عليها بالنون لأنها بمنزلة أن، ونقل عن المازني والمبرد، واختلف النحويون أيضا في رسمها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنها تكتب بالألف؛ لأنها يوقف عليها بالألف، قيل: وهو الأكثر، وكذلك رسمت في المصحف، ونسب هذا القول إلى المازني، وهو مخالف لما نقل عنه أولا.
_________________
(١) ١ فحذف الألف ونقل حركة الهاء إلى الباء. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١٤٧١ ]
والثاني: أنها تكتب بالنون، قيل: وإليه ذهب المبرد والأكثرون، وعن المبرد: اشتهى أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف؛ لأنها مثل أن ولن، ولا يدخل التنوين في الحروف.
والثالث: التفصيل، فإن ألغيت كتب بالألف لضعفها، وإن أعملت كتبت بالنون لقوتها، قاله الفراء. وقال ابن عصفور: الصحيح كتبها بالنون "لأنها يوقف عليها عنده بالنون"١ وللفرق بينها وبين إذا الظرفية، ولا إشكال أن من وقف عليها بالنون يكتبها بالنون.
وينبغي أن يكون هذا الخلاف مفرعا على قول من يقف بالألف.
فإن قلت: إذا فرعت على الوقف بالألف فالقياس أن تكتب بالألف؛ لأن الأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقف عليها، فلا وجه لقول من يكتبها بالنون، ويقف "عليها"٢ بالألف.
قلت: بل له وجه ظاهر وهو التفرقة بينها وبين إذا الظرفية، ألا ترى أن نون التوكيد الخفيفة تبدل بعد الفتحة ألفا بغير خلاف.
وقد فصلوا في رسمها فقالوا: تكتب بالألف إن لم تلبس نحو "لنسفعا"٣ وبالنون إن التبست نحو: اضربن ولا تضربن؛ إذ لو كتبت بالألف في مثل هذا لالتبست بألف الاثنين.
وحذف يا المنقوص ذي التنوين ما لم يُنصب أولى من ثبوت فاعلما
إذا وقف على المنقوص المنون، فإن كان منصوبا أبدل من تنوينه ألف نحو رأيت قاضيا، وإن كان غير منصوب فالمختار الوقف عليه بالحذف، ويجوز الوقف برد الياء، وبه قرأ ابن كثير في بعض المواضع، كقوله تعالى: "وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادي"٤.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ ب. ٣ من الآية ١٥ من سورة العلق. ٤ من الآية ٧ من سورة الرعد.
[ ٣ / ١٤٧٢ ]
وكل هذا ظاهر من البيت، وأما غير المنون فسيأتي.
تنبيهات:
الأول: في هذا البيت إطلاق يقيده تاليه.
الثاني: فهم من قوله: "ما لم ينصب" أن المنصوب المنون لا حذف فيه؛ لأن ياءه تحصنت بألف التنوين، وحكى الأبدي: أن من العرب من يقف عليها بحذف التنوين، وعلى ذلك بنَى المتنبي قوله١:
ألا أذن فيما أذكرت ناسي
الثالث: لم يختلفوا في أن الحذف من المنون غير المنصوب أكثر ولكن اختلفوا في الأقيس.
فقال الفارسي: الحذف لأن فيه عدم الاعتداد بالعارض، وقال بعضهم: الإثبات قياسا على ألف المقصور.
وغير ذي التنوني بالعكس وفي نحو مُر لزوم رد اليا اقتُفِي
يعني: أن المنقوص غير المنون يجوز فيه الوجهان، ولكن المختار فيه الإثبات بعكس المنون، فالأجود أن يقال: هذا القاضي ومررت بالقاضي، وقد يقال: هذا القاض ومررت بالقاض، هذا مفهوم كلامه، وهو غير محرر، وتحرير ذلك أن يقال: المنقوص غير المنون أربعة أنواع:
الأول: ما سقط تنوينه لدخول أل، فهذا إن كان منصوبا فهو كالصحيح نحو: رأيت القاضي فيوقف عليه بإثبات الياء قولان واحدا، وينبغي لمن قدر فتحة
_________________
(١) ١ قائله: هو أحمد بن الحسين المتنبي، وكان سيف الدولة بن حمدان يشرب فأذن المؤذن فوضع سيف الدول القدح من يده، وقال المتنبي هذا البيت والذي بعده. وتمامه: ولا لينت قلبا وهو قاسي ولا شغل الأمير عن المعالي ولا عن حق خالقه بكاسي وهما من الوافر. الإعراب: "ألا" كلمة للتنبيه "أذن" جملة من الفعل والفاعل المستتر "فما" الفاء لربط الجواب وما نافية "أذكرت" فعل وفاعل "ناسي" مفعول به لأذكرت. الشاهد: قوله: "ناسي" لأن القياس فيه ناسيا، وهذا للتمثيل، وإلا فالمتنبي لا يحتج به.
[ ٣ / ١٤٧٣ ]
الياء بالنصب أن يقف بالوجهين، وإن كان مرفوعا نحو: هذا القاضي، أو مجرورا نحو: مررت بالقاضي، ففيه الوجهان، والمختار الإثبات، كما ذكر، وليس الحذف مخصوصا بالضرورة خلاف لبعضهم.
والثاني: ما سقط تنوينه للنداء نحو: "يا قاض" فالخيل يختار فيه الإثبات، ويونس يختار فيه الحذف، ورجح سيبويه مذهب يونس؛ لأن النداء محل حذف.
ورجح غيره مذهب الخليل؛ لأن الحذف مجاز، ولم يكثر فيرجح بالكثرة.
والثالث: ما سقط تنوينه لمنع الصرف نحو: "رأيت جواريَ" نصبا، فيوقف عليه بإثبات الياء، كما تقدم في المنصوب.
والرابع: ما سقط تنوينه للإضافة نحو: "قاضي مكة" فإذا وقف عليه جاز فيه الوجهان الجائزان في المنون، قالوا: لأنه لما زالت الإضافة بالوقف عليه عاد إليه ما ذهب بسببها وهو التنوين، فجاز فيه ما جاز في المنون.
وبنوا على ذلك فرعا، وهو أن ما سقط نونه للإضافة، إذا وقف عليه ردت نونه نحو: هؤلاء قاضو زيد، فإذا وقفت قلت: قاضون لزوال سبب حذفها.
فأما وقف القراء على قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ١ بحذف النون، فاتباع الرسم.
قلت: وفي هذا نظر.
وقد علم مما تقدم أن كلام الناظم معترض من وجهين:
أحدهما: أن عبارته شاملة لهذه الأنواع الأربعة، وليس حكمها واحدا.
والآخر: أنه لم يستثن المنصوب وهو متعين الإثبات، كما ذكر ذلك في الكافية.
وقوله:
وفي نحو مر لزوم رد اليا اقتُفِي
يشير به إلى أن ما كان من المنقوص محذوف العين نحو مر اسم فاعل من
_________________
(١) ١ من الآية ١ من سورة المائدة.
[ ٣ / ١٤٧٤ ]
أرأى١ يرأى أصله مرأى٢ فأعل إعلال قاض، وحذف عينه وهي الهمزة بعد نقل حركتها، فإذا وقف عليها لزم رد الياء "جبرا للكلمة"٣ لأنها لو حذفت لزم بقاء الاسم على أصل واحد في حالة الوصل أيضا.
قلت: لا يمكن إثباتها وصلا لما يلزم من الجمع بين ساكنين بخلاف الوقف، مع أن في بقاء التنوين وصلا جبرا للكلمة.
تنبيه:
الموقوف عليه إما ساكن وإما متحرك؛ فالساكن إن لم يكن له صورة في الخط حذف كصلة الضمير إلا تنوين المنصوب كما سبق، وإن كانت له صورة في الخط ترك على حاله، ولم يغير إلا نون إذن وياء المنقوص، وقد تقدم حكمهما.
وأما نون التوكيد الخفيفة فتقدمت في بابها.
وقد فهم من هذا أن المقصور غير المنون إذا وقف عليه لم تحذف ألفه ولم يغير.
وشذ حذفها للضرورة في قوله٤:
_________________
(١) ١ هذا هو الأصل غير المستعمل في هذا الفعل، والمستعمل هو أرى يُرى بضم ياء المضارعة. ٢ على وزن مفعل. ٣ ب. ٤ قائله: هو لبيد بن ربيعة يصف فيه مقاما فاخرت فيه قبائل ربيعة قبيلة من مضر، وهو من الرمل. وصدره: وقبيل من لكيز شاهد اللغة: "قبيل" أي: قبيلة "من لكيز" -بضم اللام وفتح الكاف- وهو لكيز بن أفصى بن عبد القيس "شاهد" ويروى حاضر "رهط مرجوم" قال أبو عبيد بذلك لأنه فاخر رجلا عند النعمان، فقال له النعمان: رجمك بالشرف، فسمي مرجوما، واسمه لبيد. الإعراب: "قبيل" مبتدأ "من لكيز" جار مجرور صفته، أي: قبيل كائن من لكيز "شاهد" خبر المبتدأ "رهط مرجوم" -بالرفع- بدل من قبيل أو عطف بيان "ورهط ابن المعل" عطف عليه. الشاهد: قوله: "ابن المعل" حيث حذف الألف المقصورة في الوقف ضرورة. مواضعه: ذكره سيبويه ٢٩١/ ٢، وشرح الشافية ٢٨٥/ ٢.
[ ٣ / ١٤٧٥ ]
رهط مرجوم ورهط ابن المعل
يريد: المعلى، وبعض العرب يقلبون الألف الموقوف عليها ياء فيقولون: أفعى وعصى وهي لغة فزارة وناس من قيس، وبعضهم يقلبها واوا فيقولون: هذا أفعو وعصو وهي لغة بعض طيئ، وبعضهم يقلبها همزة فيقولون: هذا أفعاء وعصاء، وليس من لغة هؤلاء التخفيف، قال سيبويه: وكذلك كل ألف في آخر الاسم، وزعم الخليل أن بعضهم قال: رأيت رجلا فيهمز، وكذلك هو يضربها، وقد توصل ألف هنا وأولى وكل مبني آخره بهاء السكت، وأما قلب الألف هاء في قوله١:
من هاهنا ومن هُنَهْ
فشاذ.
ولما ذكر الناظم حكم الوقف على ما ينبغي ذكره من الساكن أخذ بذكر المتحرك، فقال:
وغيرها التأنيث من مُحرك سَكِّنْه أو قِفْ رائم التحرك
في الوقف على المتحرك خمسة أوجه: الإسكان، والروم، والإشمام، والتضعيف، والنقل، ولكل منها علامة.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. وقبله: قد وردت من أمكنة وبعده: إن لم أروها فمه اللغة: "قد وردت" أي: الإبل، والورود: الوصول إلى الماء من غير دخول فيه وقد يكون دخولا "أمكنه" جمع مكان. الإعراب: "قد" حرف تحقيق "وردت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر تقديره هي "من" حرف جر "أمكنه" جار ومجرور متعلق بالفعل "من هاهنا ومن هنه" بدل من أمكنه. الشاهد: قوله: "هنه" وأصلها هنا، فقلب الألف هاء. مواضعه: ذكره في شرح الشافية ٤٧٩/ ٤، وابن يعيش في ١٣٨/ ٣، ٦/ ٤، ٨١/ ٩، ٤٣/ ١٠، وهمع الهوامع ٧٨/ ١، ١٥٧/ ٢.
[ ٣ / ١٤٧٦ ]
فعلامة السكون خ فوق الحرف، هكذا جعلها سيبويه، والمراد خف أو خفيف، وجعلها بعض الكُتاب دائرة؛ لأن الدائرة صفر، وهو الذي لا شيء فيه من العدد، وجعلها بعضهم دالا.
وعلامة الروم: خط بين يدي الحرف، وهذه صورته /.
وعلامة الإشمام: نقطة بين يدي الحرف، وهذه صورته *.
وعلامة التضعيف: شين فوق الحرف، وهذه صورته شـ.
فإن كان المتحرك هاء التأنيث لم يوقف عليها إلا بالإسكان، وليس لها نصيب في غيره، وإن كان غيرها جاز أن يوقف عليه بالإسكان، وهو الأصل، وبالروم مطلقا، أعني في الحركات الثلاث، ويحتاج في الفتحة إلى رياضة لخفة الفتحة؛ ولذلك لم يجزه أكثر القراء في المفتوح، ووافقهم أبو حاتم.
قال في شرح الكافية: وهي عبارة عن إخفاء الصوت بالحركة، ويجوز الإشمام والتضعيف والنقل، لكن بالشروط الآتية، وقد أشار إلى الإشمام بقوله: "أو أشمم الضمة" الإشمام هو الإشارة بالشفتين إلى الحركة دون صوت، ولا يكون إلا في الضمة؛ لأن إشمام الكسرة والفتحة تسوية لهيئة الشفة.
وقد روي الإشمام عن بعض القراء في الجر، وهو محمول على الروم؛ لأن بعض الكوفيين يسمى الروم إشماما، ولا مشاحة في الاصطلاح، ثم أشار إلى التضعيف بقوله:
أو قف مُضْعفا ما ليس همزا أو عليلا إن قَفَا
مُحركا
التضعيف تشديد الحرف الموقوف عليه، كقولك: هذا فرجّ -بالتشديد- وذكر له شروطا ثلاثة:
أولها: ألا يكون همزة، احترازا من نحو: بناء، فلا يجوز تضعيفه؛ لأن العرب اجتنبت إدغام الهمزة ما لم تكن عينا.
وثانيها: ألا يكون عليلا نحو: سرو وبقي، فلا يجوز تضعيفه.
وثالثها: أن يكون بعد متحرك، احترازا من نحو: بكر، فلا يجوز تضعيفه.
[ ٣ / ١٤٧٧ ]
وزيد شرط رابع، وهو ألا يكون منصوبا في أشهر اللغات. وأما قوله١:
لقد خشيتُ أن أرى جدبا
فضرورة.
قلت: وقد لا يحتاج إلى هذا الشرط؛ لأن المنصوب المنون إذا أبدل تنوينه ألفا، لم يكن الحرف الذي قبل الألف موقوفا عليه. بل الموقوف عليه إنما هو الألف، والكلام في أحكام الموقوف عليه.
تنبيه:
لم يؤثر الوقف بالتضعيف عن أحد من القراء إلا عن عاصم، فعنه أنه وقف على قوله تعالى: "مستطر"٢ في القمر -بالتشديد- والله أعلم.
ثم أشار إلى النقل بقوله:
وحركات انقلا لساكن تحريكه لن يُحظلا
النقل: تحويل حركة "الحرف"٣ إلى الساكن قبلها، وذكر له ثلاثة شروط:
_________________
(١) ١ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وقيل: لغيره، وهو من الرجز. وتمامه: مثل الحريق وافق القصبا اللغة: "جدبا" -بتشديد الباء- وهو نقيض الخصب، والجدب: هو القحط بانقطاع المطر "الحريق" أراد: النار المشتعلة "القصبا" كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبا. الإعراب: "لقد" اللام للتأكيد وقد حرف تحقيق "خشيت" فعل وفاعل "أن أرى" في محل النصب على المفعولية، وأرى هنا تنصب مفعولا واحدا؛ لأنها بصرية "جدبا" مفعول أرى وفاعلها ضمير مستتر فيه "مثل" على رواية الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو مثل "الحريق" مضاف إليه "وافق" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه "القصبا" مفعول به، وجملة الفعل الماضي وفاعله ومفعوله في محل جر صفة للحريق أو في محل نصب حال منه؛ وذلك لأنه اسم مقترن بأل الجنسية. الشاهد: قوله: "جدبّا" حيث ضعف آخرها للوقف ثم حركها ضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٦١/ ٣، وابن هشام ١٩٩/ ٤، وشرح الشافية ٣١٩/ ٢، وسيبويه ٢٨٢/ ٢. ٢ من الآية ٥٣ من سورة القمر. ٣ ب "الهمزة".
[ ٣ / ١٤٧٨ ]
الأول: أن يكون الساكن لا يمتنع تحريكه، احترازا من أن يكون ألفا نحو دار، فإن الألف لا تقبل الحركة.
واعترض بأن ذلك يقتضي جواز نقل الحركة إلى الواو والياء، وليس كذلك، بل لا يجوز النقل إليهما، وإن كانا حرفي لين؛ لاستثقال الحركة عليهما.
فالأول أن يقال: شرطه أن يكون حرف علة.
قلت: لا يرد هذا عليه؛ لأن قوله: "لن يحظلا" لا يختص بالمتعذر، بل المراد: الساكن لن يمتنع تحريكه إما لتعذره كالألف أو لغير ذلك، فيشمل الواو والياء ويشمل الحرف المدغم نحو الجد، فإنه يمتنع تحريكه؛ لأن تحريكه يلزم منه فكه، وهو ممتنع في غير الضرورة.
والثاني: ألا تكون الحركة فتحة على غير همزة عند البصريين، وإلى هذا أشار بقوله:
ونقل فتح من سوى المهموز لا يراه بصري وكوف نقلا
لا يجوز عند البصريين نقل الفتحة من غير همزة، فلا يقال: رأيت البكر؛ لأن المفتوح إن كان منونا لزم من النقل فيه حذف ألف التنوين، وحمل عليه غير المنون.
وقيل: لأنهم لو نقلوا في الوقف وسكنوا في الوصل، لكان ذلك كأنه إسكان فعل -المفتوح- وهو لا يجوز وليس بظاهر، وأجاز الكوفيون نقل الفتحة من غير همزة.
فيقولون: رأيت البكر، ونقل الجرمي أنه أجاز ذلك، وعن الأخفش أنه أجاز ذلك في المنون على لغة من قال: رأيت عمرو.
وأشار بقوله: "من سوى المهموز" إلى أن المهموز يجوز نقل حركته، وإن كانت فتحة.
فتقول: رأيت الخبأ والردأ والبطأ، في: رأيت الخبء والردء والبطء١. وإنما
_________________
(١) ١ الخبء -بفتح الخاء وسكون الباء- ما خبئ. والردء -بكسر الراء وسكون الدال- العون. والبطء: ضد السرعة.
[ ٣ / ١٤٧٩ ]
اغتفر ذلك في الهمزة لثقلها، وإذا سكن ما قبل الهمزة الساكنة كان النطق بها أصعب.
الثالث: ألا يوجب عدم النظير في غير المهموز، وإلى هذا أشار بقوله:
والنقل إن يُعدم نظير ممتنع وذاك في المهموز ليس يمتنع
فعلم بذلك أنه لا يجوز نقل ضمة مسبوقة بكسرة ولا كسرة مسبوقة بضمة، فلا يجوز النقل في نحو "هذا بشر" لما يلزم من بناء فعل، وهو مفقود، ولا في نحو: "انتفعت بقفل" لما يلزم من بناء فعل وهو مهمل في الأسماء أو نادر، هذا في غير المهموز.
أما المهموز فيجوز فيه النقل، وإن أدى إلى عدم النظير لما تقدم التنبيه عليه من استثقال الهمزة، فتقول: هذا ردء ومررت بكفء.
تنبيهات:
الأول: لجواز النقل شرط رابع، وهو أن يكون المنقول منه صحيحا، فلا ينقل من نحو غزو.
الثاني: إذا نقلت حركة الهمزة حذفها الحجازيون واقفين على حامل حركتها كما يوقف عليه مستبدا بها؛ فيقولون: "هذا الخب" بالإسكان والروم والإشمام، وغير ذلك بشروطه، وأما غير الحجازيين فلا يحذفها، بل منهم من يثبتها ساكنة، نحو: "هذا البُطؤ، ورأيت البُطَأ، ومررت بالبطئ"، ومنهم من يبدلها بمجانس الحركة المنقولة؛ فيقول: "هذا البطو، ورأيت البطا، ومررت بالبطي".
وبعض بني تميم يفرون من هذا النقل الموقع في عدم النظير إلى الإتباع١ فيقولون: هذا ردئ مع كفؤ، وبعضهم يتبع ويبدل الهمزة بعد الإتباع، فيقولون: هذا ردي مع كفو.
وقد تبدل الهمزة بمجانس حركتها بعد سكون باق فتقول: هذا البطو، ومررت بالبطي.
_________________
(١) ١ أي: إتباع العين للفاء.
[ ٣ / ١٤٨٠ ]
وأما في النصب فيلزم فتح ما قبلها، وقد يبدلونها كذلك بعد حركة، فيقولون: هذا الكلو مررت بالكلي، وأهل الحجاز يقولون: "الكلا" في الأحوال كلها.
الثالث: الذي يظهر في حركة النقل أنها الحركة التي في الحرف الأخير نقلت إلى الساكن، ونص على ذلك قوم من النحويين، وقال أبو البقاء العكبري: لا يريدون أنها حركة إعراب صيرت على ما قبل الحرف؛ إذ الإعراب لا يكون قبل الطرف، إنما يريدون أنها مثلها.
الرابع: نقل في الكافية وغيرها أن الوقف بالنقل إلى متحرك لغة لخمية، وأنشد١:
من يأتمر للخير فيما قصده تُحمد مساعيه ويعلم رشده
فنقل حركة الهاء إلى الدال، وهي متحركة، قيل: ويحتمل أن يكون أصله قصدوه، بواو الجمع حملا على معنى من، ثم حذف الواو اكتفاء بالضمة كقوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. اللغة: "يأتمر" يباشر "مساعيه" -جمع مسعى- بمعنى السعي "الرشد" -بفتحتين- التهدي إلى طريق الصواب. الإعراب: "من" شرطية "يأتمر" فعل مضارع فعل الشرط والفاعل ضمير مستتر فيه "للخبر" جار ومجرور متعلق بقوله يأتمر "فيما" في حرف جر وما موصولة "قصده" جملة لا محل لها صلة الموصول "تحمد" فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط "مساعيه" نائب فاعل والهاء مضاف إليه "ويعلم" الواو عاطفة على تحمد، ويعلم فعل مضارع مبني للمجهول "رشده" نائب فاعل والهاء مضاف إليه. الشاهد: قوله: "قصده" بضم الدال فإنه في الأصل بالفتح؛ لأنه ماض من القصد، ولكنه لما وقف عليه نقل حركة الهاء إلى الدال وهي متحركة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٥٣/ ٣، وهمع الهوامع ٢٠٨/ ٢. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الوافر. وعجزه: وكان مع الأطباء الأساة اللغة: "الأطباء" جمع طبيب "الأساة" -بضم الهمزة- جمع آس، وهو الجراح. قال الجوهري: الآسي: الطبيب، والجمع أساة مثل رام ورماة. =
[ ٣ / ١٤٨١ ]
فلو أن الأطبا كان حولي
فإن كان مستنده في إثبات هذه اللغة هذا البيت، فلا حجة فيه.
الخامس: لم يؤثر الوقف بالنقل عن أحد من القراء إلا ما روي عن أبي عمرو أنه وقف على قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١ -بكسر الباء.
وفي الوقف تا تأنيث الاسم ها جُعل إن لم يكن بساكن صح وُصل
واحترز بالتأنيث من تاء لغيره، فإنها لا تغير، وشذ قول بعضهم: قعدنا على الفراه، وبالاسم من تاء الفعل "نحو قامت"٢ فإنها لا تغير، وبعدم الاتصال بساكن صحيح من تاء بنت وأخت ونحوهما فإنها لا تغير.
وشمل كلامه ما قبله متحرك نحو رحمة، وما قبله ساكن غير صحيح، ولا يكون إلا ألفا نحو الحياة، والأعرف في هذين إبدال التاء هاء في الوقف.
وإنما جعل حكم الألف حكم المتحرك؛ لأنها منقلبة عن حرف متحرك.
وقل ذا في جمع تصحيح وما ضاهَى وغير ذين بالعكس انتمى
أي: وقل جعل التاء هاء في جمع تصحيح المؤنث نحو الهندات، وما ضاهاه، مما جمل عليه كالبنات والأخوات وأولات.
_________________
(١) = الإعراب: "فلو" الفاء عاطفة، ولو للشرط "أن" حرف توكيد ونصب "الأطبا" اسم أن "كان" بضم النون في موضع خبر أن، وأصله كانوا فحذفت الواو وبقيت الضمة دليلا عليها "حولي" ظرف ومضاف إليه في موضع خبر كان "وكان" فعل ماض ناقص "مع" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم لكان "الأطباء" مضاف إليه "الأساة" اسم كان، وجملة كان عطف على ما قبلها وأن في أول البيت وما دخلت عليه في محل رفع على الفاعلية؛ لأن التقدير: ولو ثبت أن الأطباء، وجواب لو في بيت بعده: إذا ما أذهبوا الشاهد: قوله: "كانُ" بضم النون فأصله كانوا حولي فحذفت الواو اكتفاء بضمة النون. مواضعه: ذكره ابن يعيش ٨٠/ ٩. ١ من الآية ٣ من سورة العصر. ٢ ب، ج.
[ ٣ / ١٤٨٢ ]
فالأعرف في ذلك سلامة التاء، وقد سمع إبدالها في قول بعضهم: "دفن البناه من المكرماه" ١ و"كيف بالإخوة والأخواه؟ ".
قال في شرح الكافية: وأشرت بقولي: وما ضاهاه -إلى هيهات، وأولات، فإنه يوقف عليهما بالتاء كثيرا وبالهاء قليلا.
تنبيهات:
الأول: نقل بعضهم أن الوقف على جمع التصحيح والملحق به بالهاء لغة طيئ، وقال في الإفصاح: شاذ لا يقاس عليه.
الثاني: إذا سمي بهيهات على لغة من أبدل فهي كطلحة تمنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وإذا سمي به على لغة من لم يبدل فهي كعرفات يجري فيها وجوه جمع المؤنث السالم إذا سمي به.
وقوله: "وغير ذين بالعكس" إشارة إلى جمع التصحيح ومضاهيه، يعني: أن غيرهما يقل فيه سلامة التاء بعكسهما سواء كان مفردا كمسلمة، أو جمع تكسير كغلمة، ومن إقرارها تاء قول بعضهم: يأهل سورة البقرتْ، فقال مجيب: ما أحفظ منها ولا آيتْ.
وأكثر من وقف بالتاء يسكنها ولو كانت منونة منصوبة، وتقدم هذا أول الباب، وعلى هذه اللغة رسمت مواضع من القرآن، وهي معروفة.
وقِفْ بها السكت على الفِعْل المعل بحذف آخر كأَعْطِ من سأل
من "خواص"٢ الوقف، زيادة هاء السكت، وأكثر ما تزاد بعد شيئين:
أحدهما: الفعل المعل المحذوف الآخر جزما نحو: "لم يعطه" أو وقفا نحو: "أعطه".
_________________
(١) ١ يريد: البنات من المكرمات، وهذا التعبير يوهم أنه ليس بحديث، وقد روى الطبراني عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- لما عزي بابنته رقية قال: "الحمد لله" وذكره. ٢ أ، ج، وفي ب "عوارض".
[ ٣ / ١٤٨٣ ]
والثاني: "ما" الاستفهامية إذا جرت بحرف نحو "على مه" أو باسم نحو "اقتضاء مه".
ولحاقها لكل من هذين النوعين واجب وجائز؛ أما الفعل المحذوف الآخر فقد نبه عليه بقوله:
وليس حتما في سوى ما كع أو كيع مجزوما فراعِ ما رَعَوْا
يعني: أن الوقف بها السكت على الفعل المعل بحذف الآخر ليس واجبا في غير ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد:
فالأول: نحو "عِهْ" أمر من وَعَى يَعِي، ونحو "رَهْ" أمر من رأى يرى.
والثاني: "لم يَعِهْ، ولم يَرَهْ"؛ لأن حرف المضارعة زائد، فزيادة هاء السكت في ذلك واجبة؛ لبقائه على أصل واحد.
فإن قلت: مقتضى تمثيله أن ذلك إنما يجب في المحذوف الفاء نحو: عِ ويع.
قلت: محذوف العين كمحذوف الفاء في ذلك؛ لأن العلة واحدة، وإنما أراد بالتمثيل التنبيه على ما بقي على حرف واحد أو حرفين أحدهما زائد كما سبق.
فإن قلت: فهل تجب زيادة الهاء في قولهم: تقي يتقى في معنى اتقى يتقي "لأن تقي"١ محذوف الفاء؛ لأن أصله أوتقى يوتقى؟
قلت: ظاهر التسهيل الوجوب؛ لأنه جعل الضابط أن تحذف فاؤه أو عينه، ويتقي محذوف الفاء، وظاهر قوله في شرح الكافية: ويجب إلحاق هذه الهاء في الوقف على ما كان من الأفعال على حرف واحد أو حرفين؛ أحدهما: زائد لأن زيادة الهاء لا تجب في نحو لا يتق؛ لأنه على ثلاثة أحرف، ولكن الأمر يندرج في كلامه؛ لأنه على حرفين؛ أحدهما زائد.
وقال الشيخ أبو حيان: لم نجد لأحد من النحويين نصا على الوقوف على هذه الكلمة، والذي يقتضيه النظر عندي أن يكون الوقف بالهاء اختيارا لا
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٤٨٤ ]
وجوبا؛ لأنه وإن حذفت فاؤه، فإن تاء الافتعال لازمة للفعل، وهذا الحذف عرض شاذ، وليس بمطرد فلا يلتفت إليه.
وما في الاستفهام إن جُرت حُذف ألفها
واحترز بالاستفهامية عن الموصولة والشرطية نحو: "مررت بما مررت به وبما تفرح أفرح" فإنهما "لا تحذف"١ ألفهما.
وزعم المبرد: أن حذف ألف ما الموصولة ليس لغة، ونقله أبو زيد أيضا، وقال أبو الحسن في الأوسط: وزعم أبو زيد أن كثيرا من العرب يقولون: "سلْ عمَّ شئت" كأنهم حذفوا لكثرة استعمالهم إياه.
وشمل قوله: "إن جرت" أن تجر بالحرف نحو: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٢ أو بالاسم نحو: "قراءة م تقرأ" وقوله: "حذف ألفها" يعني وجوبا، وسبب الحذف إرادة التفرقة بينها وبين الموصولة والشرطية، وكانت أولى بالحذف لاستقلالها بخلاف الشرطية، فإنه متعلقة بما بعدها، وبخلاف الموصولة فإنها والصلة اسم واحد.
وقوله:
وأولها الهاء إن تقف
يعني: جوازا، إن جرت بحرف نحو "عمه" ووجوبا إن جرت باسم نحو "اقتضاء مه"؛ ولهذا قال:
وليس حتما في سوى ما انحفضا باسم كقولك اقتضاء م اقتضى
أي: وليس إيلاؤها الهاء واجبا في سوى المجرورة بالاسم، وقد مثله، وعلة ذلك أن الجار الحرفي كالجزء؛ لاتصاله بها لفظا وخطا، بخلاف الاسم؛ فوجب إلحاق الهاء للمجرورة بالاسم لبقائها على حرف واحد.
فإن قلت: قد علم أن اتصال الهاء بالمجرورة بالحرف ليس بواجب، فهل هو راجح أو مرجوح؟
قلت: نقل النحويون أنه راجح، قالوا: وهو الأفصح والأكثر، وإنما وقف أكثر القراء بغير هاء إتباعا للرسم.
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "لا يحذفان". ٢ الآية ١ من سورة النبأ.
[ ٣ / ١٤٨٥ ]
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "إن جرت" أن المرفوعة والمنصوبة لا تحذف ألفها في غير ضرورة كقوله١:
ألام تقول الناعيات ألامه ألا فاندبا أهل الندى والكرامه
الثاني: أهمل المصنف من شروط حذف ألفها ألا تركب مع ذا، فإن ركبت معه لم تحذف الألف نحو: "على ماذا تلومونني"، وقد أشار إليه في التسهيل.
الثالث: قد ثبتت ألف ما الاستفهامية المجرورة غير المركبة في الضرورة، كقول الشاعر٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "الناعيات" الناعي: الذي يأتي بخبر الميت "الندى" أراد به الفضل والعطاء، وفي بعض النسخ "الناعيان" -بالمثنى- وهو الأنسب. الإعراب: "ألام" ألا للتنبيه "م" أصلها ما، وهو في محل الرفع على الابتداء، واعلم أنه لا ضرورة في حذف الألف هاهنا؛ لأن إبقاءها لا يضر بالوزن "تقول" فعل مضارع "الناعيات" فاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "ألامه" ألا للتنبيه وما استفهامية منصوبة بتقول "ألام" للتنبيه "فاندبا" فعل وفاعل "أهل" مفعول به "الندى" مضاف إليه "والكرامة" عطف عليه. الشاهد: قوله: "ألامه" فإن الألف قد حذفت في ما الاستفهامية مع أنها غير مجرورة للضرورة، إلا أنه أراد التصريع، فلم يمكن ذلك إلا بإدخال هاء السكت في آخرها. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٥٨/ ٤، وهمع الهوامع ٢١٧/ ٢. ٢ قائله: هو حسان بن ثابت، وهو من الوافر. اللغة: "كخنزير" تعريض بكفره أو بقبح منظره؛ فلذلك خص الخنزير لأنه مسيخ قبيح المنظر سمج الخلق أكال العذرات "تمرغ في رماد" تتميم لذمه لأنه يدلك حلقه بالشجر ثم يأتي بالطين فيتلطخ به وكلما تساقطت منه عاد إليه. الإعراب: "على ما قام" على للتعليل ما استفهامية، أي: لأجل أي شيء يشتمني. قال ابن جني: لفظة "قام" هاهنا زائدة، والتقدير: على ما يشتمني لئيم، وقال ابن يسعون: وليس كذلك عندي؛ لأنها تقتضي النهوض بالشتم "يشتمني" فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول "لئيم" فاعل "كخنزير" الكاف للتشبيه وخنزير مجرور به "تمرغ" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل الجر صفة لخنزير "في رماد" جار ومجرور متعلق بتمرغ. الشاهد: قوله: "على ما قام" حيث أثبت ألف ما الاستفهامية المجرورة للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٥٨/ ٣، وهمع الهوامع ٢١٧/ ٢، وأمالي ابن الشجري ٢٣٣/ ١، وابن يعيش ٩/ ٤، وفي الخزانة ٥٣٧/ ٢، وشرح الشافية ٢٩٧/ ٢.
[ ٣ / ١٤٨٦ ]
على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد
وحكاه الرزمخشري في كشافه لغة، وحمل عليه قوم من المفسرين قوله تعالى:
﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ ١.
قالوا: معناه: بأي شيء غفر لي ربي.
قال ابن هشام: وهذا قول مرغوب عنه؛ لأن النحويين على خلافه.
الرابع: قد ورد تسكين ميمها في الضرورة مجرورة بحرف كقوله٢:
يا أسديا لِمْ أكلتَه لِمَهْ؟
ووصل ذي الهاء أَجز بكل ما حُرك تحريك بناء لزما
اعلم أن هاء السكت لا تتصل بحركة إعراب ولا شبيهة بها؛ فلذلك لا تلحق اسم "لا" ولا المنادى المضموم، ولا ما بني لقطعه عن الإضافة كقبل وبعد،
_________________
(١) ١ من الآيتين ٢٦، ٢٧ من سورة يس. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. وبعده: لو خافك الله عليه حرمه توضيح: ذكر بعض الفضلاء أن الضمير المنصوب في قوله "لم أكلته" يرجع إلى الكلب يعني: كلبا أكله هذا الإنسان فقال: لو خافك الله، فأجاز على الله سبحانه الخوف تعالى الله عن ذلك، وهذا على عادة الجهلاء من العرب. ومنهم من خرجه تخريجا حسنا يسلم هذا الشاعر من الغلطة، وهو أنه يخاطب الفقعسي بقوله: يافقعسي لم أكلته لمه. ثم عدل عن خطابه إلى خطاب الله تعالى على عادة لهم في ذلك مشهورة فقال: لو خافك الله، وأراد: يا الله، فحذف حرف النداء، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ أي: يا يوسف، والمعنى: لو خافك يا الله على نفسه من أن تعاقبه على جرمه لحرم هذا المأكول الذي حرمته ولم يقربه، وضمير الهاء في عليه يرجع إلى الفقعسي كما يقال: أخاف فلانا على نفسي، وضمير الهاء في حرمه يرجع إلى المأكول، فالضميران مختلفان، وباختلافهما يتم المعنى الذي قصده. اهـ شرح الشواهد للعيني. و"أسديا" الأسدي: المنسوب إلى بني أسد، الفقعسي: منسوب إلى بني فقعس، والإعراب ظاهر. والشاهد: قوله: "لم أكلته" حيث جاءت ميم لم ساكنة، وأصلها لما، وهي الاستفهامية دخل عليها حرف الجر، فحذف الألف ثم سكنت الميم ضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٥٩/ ٣، والإنصاف ٢٩٩.
[ ٣ / ١٤٨٧ ]
ولا العدد المركب نحو خمسة عشر؛ لأن حركات هذه الأشياء مشابهة لحركة الإعراب في أنها عارضة.
ألا ترى أنها حدثت لوجود الأسباب وأنها تنتفي عند عدمها، فبذلك شابهت حركة الإعراب.
وأما الفعل الماضي فحركته لازمة ليست كحركات هذه الأشياء.
وفي اتصال هاء السكت به ثلاثة أقوال:
الأول: المنع مطلقا، وهو مذهب سيبويه والجمهور واختيار المصنف.
والثاني: الجواز مطلقا؛ لأنها لازمة.
والثالث: أنها تلحقه إذا لم يخف لبس نحو "قعده" إلا إذا خيف لبس نحو ضربة، والصحيح الأول؛ لأن حركته وإن كانت لازمة فهي شبيهة بحركة الإعراب؛ لأن الماضي إنما بني على حركة لشبهه بالمضارع المعرب في وجوه مذكورة في موضوعها.
وشذ اتصال الهاء بعل في قوله١:
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو ثروان، وهو من الرجز. اللغة: "لا أظلله" أي: لا أظلل فيه وقد حذف حرف الجر واتصل الفعل بالضمير بنفسه "أرمض" من رمضت قدمه: إذا احترقت بالرمضاء، وهي الأرض الشديدة الحرارة "أضحى" أتعرض. المعنى: رب يوم يمر علي لا أنعم فيه بشيء يظللني أعاني ألم الرمضاء في قدمي وحر الشمس وقت الضحى على رأسي. الإعراب: "يا" حرف تنبيه أو للنداء والمنادى محذوف "رب" حرف جر شبيه بالزائد "يوم" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة "لي" جار ومجرور صفة ليوم "لا" نافية "أظلله" مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل أنا والهاء مفعول ثان أو مجرور على نزع الخافض "من" جارة "تحت" ظرف مبني على الضم لقطعه عن الإضافة "عله" مبني على الضم وألحقت به هاء السكت شذوذا؛ لأنه غير مبني بناء دائما. الشاهد: قوله: "من عله" حيث لحقت هاء السكت لفظ "عل" وهي مبنية بناء عارضا، وذلك شاذ. مواضعه: ذكره الأشموني ٦٧/ ٣، وابن هشام ١٩٧/ ٤، وابن الناظم.
[ ٣ / ١٤٨٨ ]
يا رُب يوم لي لا أظلله أمرض من تحت واضحى من عَلُهْ
ووجه شذوذه أن حركته "حركة بناء"١ عارضة؛ لقطعه عن الإضافة، فهي كقبل وبعد، وإلى هذا أشار بقوله:
ووصلها بغر تحريك بنا أُديم شذ
فحركة عل غير حركة بناء مدام، بل حركة بناء غير مدام، وقوله: "في المدام استحسنا" يعني: أن وصل هاء السكت بحركة البناء المدام -أي الملتزم- جائز مستحسن، كفتحة هو وهي، فيقال في الوقف عليها: هوه وهيه، وقد قرئ بذلك.
فإن قلت: هذا البيت معترض من وجهين:
أحدهما: أن قوله:
وصلها بغير تحريك بنا أديم
يقتضي أن وصلها بحركة الإعراب قد شذ أيضا؛ لأن قوله:
بغير تحريك بنا أديم
يشمل نوعين:
أحدهما: تحريك البناء غير المدام.
والثاني: تحريك الإعراب.
والوجه الآخر: أن قوله: "في المداد استحسنا" يقتضي موافقة من أجاز اتصالها بحركة الماضي؛ لأنها من التحريك المدام.
قلت: أما الأول فليس بلازم، وأما الثاني فظاهر اللزوم، وقد استثناه في الكافية فقال:
ووصل ذي الهاء أجز بكل ما حُرك تحريك بناء لزما
ما لم يكن ذلك فعلا ماضيا
وربما أُعطي لفظ الوصل ما للوقف نثرا وفشا منتظما
مثال إعطاء الوصل حكم الوقف نثرا قراءة غير حمزة والكسائي: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ
_________________
(١) ١ ب.
[ ٣ / ١٤٨٩ ]
وَانْظُرْ﴾ ١ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ٢ ومنه قول بعض طيئ: "هذه حبلو يا فتى" لأنه يبدل هذه الألف واوا في الوقف، فأجرى الوصل مجراه، ومثال ذلك في النظم قول الراجز٣:
مثل الحريق وافق القصبّا
فشدد الباء مع وصلها بحرف الإطلاق، ومثله في الشعر كثير، ومنه٤:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟
وقد تقدم في الحكاية.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٥٩ من سورة البقرة. ٢ من الآية ٩٠ من سورة الأنعام. ٣ مضى شرحه في هذا الباب عند قوله: ولقد خشيت أن أرى جدبا. والشاهد: قوله: "القصبا" حيث شدد الباء مع وصلها بحرف الإطلاق. ٤ مضى هذا البيت في باب الحكاية. والشاهد هنا: "منون أنتم" حيث ألحق الواو والنون بهما في الوصل.
[ ٣ / ١٤٩٠ ]
الإمالة:
إما الألف أن تنحو بها نحو الياء، ومن لازم ذلك أن ينحى بالفتحة قبلها نحو الكسرة، والنظر في فائدتها، وحكمها، ومحلها، وأصحابها، وأسبابها.
أما فائدتها: فاعلم أن الغرض الأصلي من الإمالة هو التناسب، وقد ترد الإمالة للتنبيه على أصل أو غيره، مما سيأتي ذكره.
وأما حكمها: فإنها وجه جائز، ولغة لبعض العرب.
وسببها مجوز لها لا موجب، فلذلك يجوز فتح كل ممال.
وأما محلها: فالأسماء المتمكنة والأفعال، هذا هو الغالب، وسيأتي التنبيه على ما أميل من غير ذلك.
وأما أصحابها: فتميم وقيس وأسد وعامة أهل نجد، وأما الحجازيون فلغتهم الفتح إلا في مواضع قليلة.
وأما أسبابها فقسمان: لفظي ومعنوي، فاللفظى: الياء والكسرة، والمعنوي: الدلالة على ياء أو كسرة.
وجملة أسباب إمالة الألف -على ما ذكره المصنف- ستة:
الأول: انقلابها عن الياء، الثاني: مآلها إلى الياء، الثالث: كونها بدل عين ما يقال فيه فلت، الرابع: ياء قبلها أو بعدها، الخامس: كسرة قبلها أو بعدها، السادس: التناسب.
تنبيه:
هذه الأسباب كلها راجعة إلى الياء والكسرة، واختلف في أيهما أقوى، فذهب الأكثرون إلى أن الكسرة أقوى من الياء، وأدعى إلى الإمالة، وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال في الياء: لأنها بمنزلة الكسرة، فجعل الكسرة أصلا، وذهب ابن السراج إلى أن الياء أقوى من الكسرة، والأول أظهر لوجهين:
أحدهما: أن اللسان يتسفل بها أكثر من تسفله بالياء.
[ ٣ / ١٤٩١ ]
والثاني: أن سيبويه ذكر أن أهل الحجاز يميلون الألف للكسرة، وذكر في الياء أن أهل الحجاز وكثيرا من العرب لا يميلون للياء، فدل هذا من جهة النقل أن الكسرة أقوى.
واعلم أن عبارات المصنفين اختلفت في ذكر أسباب الإمالة، وليس بينهم في ذلك كبير اختلاف، والغرض هنا شرح كلام الناظم.
الألف المبدل من يا في طرف أَمِلْ
هذا هو السبب الأول، وهو أن يكون الألف بدلا من ياء، وهي على طرف كلمة، وسواء في ذلك الاسم مرمى والفعل نحو رمى وشمل قوله: "من ياء" المبدل من ياء أصلية كالمثالين والمبدل من ياء منقبلة عن واو نحو ملهى وأعطى، واحترز بقوله: "في طرف" من الكائنة عينا، وسيأتي حكمها.
كذا الواقع منه اليا خَلَفْ
دون مزيد أو شذوذ
هذا هو السبب الثاني، وهو أن تكون الألف صائرة إلى الياء دون زيادة ولا شذوذ، وذلك نحو حبلى ومعزى، وكل ما آخره ألف تأنيث مقصورة، فإنها تمال لأنها تئول إلى الياء في التثنية والجمع، فأشبهت الألف المنقبلة عن الياء.
واحترز بقوله: "أو شذوذ" من قلب الألف ياء في الإضافة إلى ياء المتكلم في لغة هذيل، فإنهم يقولون في عصا وقفا: عُصيّ وقُفيّ، ومن قلب الألف ياء في الوقف عند بعض طيئ نحو: عَصَيْ وقَفَيْ، فلا تسوغ الإمالة لأجل ذلك.
واحترز بقوله: "دون مزيد" من رجوع الألف إلى الياء بسبب زيادة كقولهم في تصغير قفا: قُفَى، وفي تكسيره: قُفِيّ، فلا يمال قفا لذلك.
تنبيهات:
الأول: هذا السبب الثاني هو أيضا في الألف الواقع طرفا كالأول.
الثاني: قد علم مما تقدم أن نحو قفا وعصا من الاسم الثلاثي لا يمال؛ لأن ألفه عن واو لا يئول إلى الياء إلا في شذوذ أو بزيادة، وقد سمعت إمالة العشا مصدر الأعشى -وهو الذي لا يبصر ليلا ويبصر نهارا- والمكا -بالفتح- وهو جحر
[ ٣ / ١٤٩٢ ]
الثعلب والأرنب، والكبا -بالكسر- الكناسة، وهذه من ذوات الواو، لقولهم: "ناقة عشواء" وقولهم: "المكو والمكوة" بمعنى المكا، وقولهم: "كبوت البيت" إذا كنسته. وهذه الألفاظ الثلاثة مقصورة.
فإن قلت: "فلعل إمالة "الكبا" لأجل الكسرة، فلا تكون شاذة"١.
قلت: الكسرة لا تؤثر في المنقبلة عن الواو.
والثالث: يجوز إمالة الألف في نحو: "دعا وغزا" من الفعل الثلاثي وإن كانت عن واو؛ لأنها تئول إلى الياء في نحو: "دعى وغزى" من المبني للمفعول. وبهذا ظهرالفرق بين الاسم الثلاثي والفعل الثلاثي إذا كانت ألفهما عن واو، وما ذكره نص عليه الفارسي وغيره من النحويين، وظاهر كلام سيبويه التسوية في الثلاثي بين بنات الواو وبنات الياء، فيجيز الإمالة في ذوات الواو في الأسماء والأفعال، والمشهور ما تقدم.
وقوله:
ولما تليه ها التأنيث ما الها عدما
يعني: أن للألف التي قبل هاء التأنيث في نحو "مرماة وفتاة" -من الإمالة، لكونها منقبلة عن الياء- ما للألف المتطرفة؛ لأن هاء التأنيث غير معتد بها، فالألف قبلها متطرفة تقديرا.
وهكذا بدل عين الفعل إن يؤل إلى فلت كماضي خف ودن
هذا هو السبب الثالث، وهو أن تكون الألف بدلا من عين فعل تكسر فاؤه حين يسند إلى تاء الضمير واويا كان كخاف أو يائيا كدان، فإنك تقول فيهما: خفت ودنت -بحذف عين الكلمة- فيصيران في اللفظ على وزن فِلت، والأصل فعلت، فحذفت العين وحركت الفاء بحركتها.
فإن قلت: أما خاف فعينه مكسورة؛ لأن أصله خوف، وأما دان وطاب ونحوهما، فأصل عينهما الفتح، فكيف يقال: حركت الفاء بحركتها؟
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٤٩٣ ]
قلت: يقدر تحويلهما إلى فعل -بكسر العين- ثم تنتقل الحركة، هذا مذهب كثير من النحويين، وبعضهم يقول لما حذفت العين حركت الفاء بكسرة مجتلبة للدلالة على أن العين ياء، ولبيان ذلك موضع غير هذا.
واحترز بقوله: "إن بؤل إلى فلت" من نحو: طال وقال، فإنه لا يئول إلى فلت -بالكسر- وإنما يئول إلى فلت -بالضم- في قولك: طلت وقلت. والحاصل أن الألف التي هي عين الفعل تمال إن كانت عن ياء نحو دان أو عن واو مكسورة نحو خاف، فإن كانت عن واو مضمومة نحو طال أو مفتوحة نحو قام لم تمل.
تنبيهات:
الأول: اختلف في سبب إمالة نحو طاب وخاف، قال السيرافي وغيره: إنها للكسرة العارضة في فاء الكلمة؛ ولذلك جعل السيرافي من أسباب الإمالة كسرة تعرض في بعض الأحوال، وهو ظاهر كلام الفارسي، قال: وأمالوا "خاف وطاب" مع المستعلى طلبا للكسر في خفت، وقال ابن هشام الخضراوي: الأولى إن الإمالة في "طاب" لأن الألف فيه منقلبة عن ياء، وفي "خاف" لأن العين مكسورة، أرادوا الدلالة على الياء والكسرة.
الثاني: نقل عن بعض الحجازيين إمالة نحو "خاف وطاب" وفقا لبني تميم، وعامتهم يفرقون بين ذوات الواو نحو "خاف" فلا يميلون، وبين ذوات الياء نحو "طاب" فيميلون.
الثالث: مفهوم قوله: "وهكذا بدل عين الفعل" أن بدل عين الاسم لا تمال؛ لكونها منقبلة عن الياء، وصرح بعضهم بشذوذ إمالة الألف المنقلبة عن ياء عينا في اسم ثلاثي، كقولهم: هذا عاب وناب -بالإمالة- وهو ظاهر كلام سيبويه، وقال صاحب المفصل: والمتوسطة إن كانت في فعل يقال فيه فعلت كطاب وخاف أميلت ولم ينظر إلى ما انقلبت عنه، وإن كانت في اسم نظر إلى ذلك فقيل ناب ولم يقل باب، وهذا يقتضي أن إمالة نحو ناب فيما عينه ياء جائزة إلا أنه ذكر بعد ذلك فيما شذ عن القياس إمالة عاب وألفه عن ياء، قال ابن يعيش: عاب بمعنى العيب، ويقع في بعض النسخ غاب -بالمعجمة- وألفه أيضا عن ياء.
[ ٣ / ١٤٩٤ ]
كذاك تالي الياء والفصل اغتُفر بحرف أو مع ها كجيبها أدر
هذا هو السبب الرابع، وهو وقوع الياء قبل الألف أو بعدها، فإن كان قبل الألف فشرطها أن تكون متصلة بها كقولك: "سيال" وهو شجر له شوك، أو منفصلة بحرف نحو: "شيبان" أو بحرفين ثانيهما هاء كقولك: "جيبها أدر" فلو كانت مفصولة بحرفين ليس أحدهما هاء أو بأكثر من حرفين امتنعت الإمالة.
تنبيهات:
الأول: إنما اغتفر الفصل بالهاء لخفائها.
الثاني: قال في التسهيل: "أو حرفين ثانيهما هاء" وقال هنا: "أو مع ها" فلم يقيد بكون الهاء ثانية، وكذلك فعل في الكافية.
الثالثة: أطلق قوله: "أو مع ها" وقيده غيره بألا يكون قبل الهاء ضمة نحو: "هذا جيبها" فإنه لا يجوز فيه الإمالة.
الرابع: الإمالة للياء المشددة في نحو "بيَّاع" أقوى منها في نحو "سيال" والإمالة للياء الساكنة في نحو "شيبان" أقوى منها في نحو "حيوان".
الخامس: قد سبق أن من أسباب الإمالة وقوع الياء قبل الألف أو بعدها، ولم يذكر هنا إمالة الألف لياء بعدها، وذكرها في الكافية والتسهيل وشرطها إذا وقعت بعد الألف أن تكون متصلة نحو "بايع" ولم يذكر سيبويه إمالة الألف للياء بعدها، وذكرها ابن الدهان وغيره.
كذاك ما يليه كسر أو يلي تالي كسر أو سكون قد وَلِي
كسرا وفصل الها كلا فصل يُعد فدر هماك من يمله لم يُصد
هذا هو السبب الخامس، وهو وقوع كسرة بعد ألف أو قبلها، فإن كانت بعدها فشرطها أن يليها نحو مساجد، وإن كانت قبلها فشرطها أن تكون منفصلة بحرف نحو عماد، أو بحرفين أولهما ساكن نحو "شملال"١، أو بحرفين
_________________
(١) ١ الشملال: الناقة الخفيفة.
[ ٣ / ١٤٩٥ ]
متحركين أحدهما هاء نحو "يريد أن يضربها" أو بحرف ساكن بعده متحركان أحدهما هاء نحو "درهماك".
فكل هذا تجوز إمالته، فلو فصل غير ذلك لم تجز الإمالة.
فإن قلت: من أين تؤخذ إمالة نحو "أن يضربها"؟
قلت: من قوله: "وفصل الها كلا فصل" بل إمالته أولى من إمالة درهماك.
تنبيهات:
الأول: قوله: "أو سكون" معطوف على قوله: "كسر" والمعنى: أو يلي تالي سكون قد ولي كسرا نحو "شملال".
الثاني: فلم يذكر في الكافية إمالة نحو "درهماك" وذكر إمالة نحو "أن يضربها" "وذكر سيبويه إمالة نحو أن يضربها"١ عن أناس كثير من العرب، وقال صاحب المفصل: وأما قولهم يريد أن ينزعها ويضربها، فشاذ، والذي سوغه أن الهاء خفية فلم يعتد بها.
الثالث: أطلق في قوله: "وفصل الها كلا فصل" وقيده غيره بألا ينضم ما قبلها احترازا من نحو "هو يضربها" فإنه لا يمال، وتقدم مثل هذا في الياء.
ولما فرغ من ذكر الغالب من أسباب الإمالة شرع في ذكر موانعها فقال:
وحرف الاستعلا يكف مظهرا من كسر أو يا وكذا تكف را
مواقع الإمالة ثمانية أحرف منها سبعة تسمى أحرف الاستعلاء، ويجمعها: قظ خص ضغط.
والثامن: الراء غير المكسورة، فهذه الثمانية تمنع إمالة الألف وتكف سببها إذا كان كسرة ظاهرة على تفصيل يأتي.
وعلة ذلك أن السبعة الأولى تستعلى إلى الحنك فلم تمل الألف معها طلبا للمجانسة.
_________________
(١) ١ أ، ب.
[ ٣ / ١٤٩٦ ]
وأما الراء فشبهت بالمستعلية؛ لأنها مكررة.
فإن قلت: أطلق في قوله: "وكذا تكف را" ولم يقيده بغير المكسورة.
قلت: قد علم التقييد بذلك من قوله بعد:
وكف مستعل ورا ينكف بكسر را
فإن قلت: ما إعراب قوله "مظهرا"؟
قلت: هو مفعول يكف، أي: وحرف الاستعلاء يكف السبب المظهر من الكسرة والياء لا المنوي، فلا يمنع حرف الاستعلاء إمالة الألف في نحو "هذا قاض" في الوقف ولا "هذا ماض"؛ لأن أصله ماضض، ولا إمالة باب خاف وطاب وطغى؛ لأن ما أميل للدلالة على شيء لا يمنعه حرف الاستعلاء.
تنبيه:
وقوله: "أو يا" تصريح بأن حرف الاستعلاء والراء غير المكسورة تمنع الإمالة إن كان سببها ياء ظاهرة، وقد صرح بذلك في الكافية والتسهيل ولم يمثله. وقول الزمخشري: إن حرف الاستعلاء في غير باب خاف وطاب وطغى مانع من الإمالة، ظاهر في موافقته، وقال ابن حيان: لم نجد ذلك في الياء؛ وإنما يمنع مع الكسرة فقط.
إن كان ما يكف بعد متصل أو بعد حرف أو بحرفين فصل
اعلم أن المانع المشار إليه، أعني حرف الاستعلاء والراء تمنع متأخرا عن الألف ومتقدما عليها، فإن تأخر فشرطه أن يكون متصلا نحو "فاقد وباخل وناصح" أو منفصلا بحرف نحو "منافق ونافخ وناشط" أو بحرفين نحو "مواثيق ومنافيخ ومواعيظ" فهذه ثلاثة أنواع تمنع إمالتها.
وأما المتصل أو المنفصل بحرف فقال سيبويه: لا يمليها أحد إلا من لا يؤخذ بلغته.
وأما المنفصل بحرفين فنقل سيبويه إمالته عن قوم من العرب لتراخي المانع. قال سيبويه: وهي لغة قليلة، وجزم المبرد بالمنع في ذلك، وهو محجوج بنقل سيبويه.
[ ٣ / ١٤٩٧ ]
وقد فهم مما سبق أن حرف الاستعلاء أو الراء، لو فصل بأكثر من حرفين لم يمنع الإمالة.
وفي بعض نسخ التسهيل الموثوق بها: "وربما غلب المتأخر رابعا" ومثال ذلك: "يريد أن يضربها بسوط" فبعض العرب يغلب في ذلك حرف الاستعلاء وإن بعد، وإن تقدم المانع على الألف فقد أشار إليه بقوله:
كذا إذا قُدم ما لم ينكسر أو يسكن إثر الكسر كالمطواع مر
يعني: أن حرف الاستعلاء والراء غير المكسورة إذا تقدما على الألف منعا الإمالة "بشرط أن يكون المانع غير مكسور أو ساكنا بعد كسر، فلا يجوز الإمالة"١ في نحو "طالب وصالح وغالب" بخلاف نحو "طلاب وغلاب" ونحو "إصلاح ومطواع" فإن ذلك تجوز إمالته؛ لأن حرف الاستعلاء إذا كان مكسورا أو ساكنا بعد كسر لا يمنع الإمالة.
تنبيهان:
الأول: من أصحاب الإمالة من يمنع الإمالة في نحو مطواع لأجل حرف الاستعلاء، ذكره سيبويه، ولم يذكر في المكسور خلافا.
الثاني: ظاهر قوله: "كذا إذا قدم" أنه يمنع، ولو فصل عن الألف، والذي ذكره سيبويه وغيره أن ذلك إذا كانت الألف تليه نحو قاعد وصالح.
وكف مستعل وار ينكف بكسر را كغراما لا أجفو
إذا وقعت الراء المكسورة بعد الألف كفت مانع الإمالة، سواء كان حرف استعلاء نحو: ﴿عَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ ٢ أو راء غير مكسورة نحو: ﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ ٣.
هذا ونحوه تجوز إمالته ولا أثر فيه لحرف الاستعلاء ولا للراء غير المكسورة؛ لأن الراء المكسورة غلبت المانع، فلم يبقَ لها أثر.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ من الآية ٧ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٣٩ من سورة غافر.
[ ٣ / ١٤٩٨ ]
تنبيه:
من هنا علم أن شرط كون الراء مانعة من الإمالة أن تكون غير مكسورة، فيؤخذ منه إمالة نحو ﴿إِلَى حِمَارِكَ﴾ بطريق الأولى؛ لأنه إذا أميل نحو: أبصارهم، وغارم، ودار القرار؛ مع وجود المقتضي لمنع الإمالة، فإمالة نحو حمارك مما لا مقتضى فيه للمنع أولى.
"ولا تمل لسبب لم يتصل" يعني: أن سبب الإمالة لا يؤثر إذا لم يتصل، يعني: إذا كان من كلمة أخرى فلا يمال ألف "سابور" للياء قبلها في قولك: "رأيت يدي سابور" لأنها منفصلة، وكذلك لو قلت١:
ها إن تا عذرة
لم تمل ألف "ها" لكسرة إن؛ لأنها من كلمة أخرى.
والحاصل أن شرط تأثير سبب الإمالة أن يكون من الكلمة التي فيها الألف.
_________________
(١) ١ قائله: هو النابغة الذبياني، وهو من البسيط. وتمامه: إن لم تكن نفعت فإن صاحبها قد تاه في البلد اللغة "العذرة" -بكسر العين- العذر، وبضمها البكارة، وروي: "فإن صاحبها مشارك النكد" "صاحبها" أي: صاحب العذرة ويعني بها نفسه "تاه" ضل عن الطريق "البلد" الأثر والأرض، وقيل هنا بمعنى المفازة، فإن تحير فيالمفازة يهلك، وروي: ها إن ذي عذرة. المعنى: إن لم تقبل عذري وترضى عليَّ فإني أختل حتى أني أضل في البلدة التي أنا فيها من عظيم الدهشة. الإعراب: "ها" للتنبيه "تاء" اسم إشارة بمعنى هذه مبتدأ "عذرة" خبر المبتدأ "إن" شرطية "لم" حرف نفي "تكن" فعل مضارع مجزوم من كان الناقصة وهي فعل الشرط واسمها ضمير مستتر فيه "نفعت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير والجملة في محل نصب خبر تكن "فإن" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن حرف توكيد ونصب "صاحبها" اسم إن وها مضاف إليه "قد" حرف تحقيق "تاه" فعل ماض والفاعل ضمير والجملة في محل رفع خبر إن "في البلد" جار ومجرور متعلق بتاه. الشاهد: قوله: "ها إن" على أن ألف ها في البيت لا تجوز إمالتها؛ لأنها من كلمة والكسر من كلمة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٧٢/ ٣، وابن يعيش ١١٣/ ٨، والخزانة ٤٧٨/ ٢، ٤٨٧/ ٣، وشرح الشافية ٨٠/ ٤.
[ ٣ / ١٤٩٩ ]
تنبيهان:
الأول: يستثنى من ذلك ألف "ها" التي هي ضمير المؤنثة في نحو "لم يضربها، وأدر جيبها"، فإنها قد أميلت، وسببا منفصل. أعني: من كلمة أخرى.
الثاني: ذكر غير المصنف أن الكسرة إذا كانت منفصلة عن الألف فإنها قد تمال الألف لها، وإن كانت أضعف من الكسرة التي معها في الكلمة، قال سيبويه: وسمعناهم يقولون: "لزيد مال" فأمالوا للكسرة، فشبهوه بالكلمة الواحدة، وليس كلام المصنف على عمومه.
والكف قد يوجبه ما ينفصل
يعني: أن سبب المنع قد يؤثر وهو منفصل، أي: ولو كان من كلمة أخرى نحو: "يريد أن يضربها قبل" فلا تمال الألف لأن القاف بعدها، وهي مانعة من الإمالة، ولو انفصلت.
فإن قلت: لم أثر المانع منفصلا، ولم يؤثر سبب الإمالة منفصلا؟
قلت: لأن الفتح -أعني ترك الإمالة- أصل، فيصار إليه لأدنى سبب، ولا يخرج عنه إلا لسبب محقق.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: "قد يوجبه" أن ذلك ليس عند كل العرب، فإن من العرب من لا يعتد بحرف الاستعلاء إذا ولي الألف من كلمة أخرى فيميل، إلا أن الإمالة في المنفصل نحو: "مررت بمال ملق" أقوى منها في المتصل نحو "بمال قاسم".
الثاني: قال في شرح الكافية: إن سبب الإمالة لا يؤثر إلا متصلا، وإن سبب المنع قد يؤثر منفصلا، فيقال: "أتى أحمد" بالإمالة، "أتى قاسم" بترك الإمالة، وتبعه الشارح في هذه العبارة، وفي التمثيل بأتى في قاسم نظر؛ فإن متقضاه أن حرف الاستعلاء يمنع إمالة الألف المنقلبة عن ياء، وليس كذلك.
وقد أمالوا لتناسب بلا داع سواه كعمادا وتلا
[ ٣ / ١٥٠٠ ]
هذا هو السبب السادس من أسباب الإمالة، وهو التناسب، وعبر بعضهم عنه بقوله: الإمالة للإمالة، وعبر عنه آخرون بقولهم: الإمالة لمجاورة الممال؛ وإنما آخره لضعفه بالنسبة إلى الأسباب المتقدمة.
ثم إن إمالة الألف للتناسب لها صورتان، إحداهما: أن تمال لمجاورة ألف ممالة كإمالة ثاني الألفين في نحو: رأيت عمادا.
والأخرى: أن تمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره، كإمالة ألف "تلا" من قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ١ فأميلت ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ بما بعدها.
وإلى هذا أشار بقوله "تلا" ومثل هذا شرح الكافية بإمالة ألفي ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ٢ ليشاكل التلفظ بهما بما بعدها.
فإن قلت: في تمثيله بتلا وضحى نظر، فإن ألفهما تجوز إمالتها لسبب غير التناسب؛ لأنها تئول إلى الياء إذا بني الفعل للمفعول، وقد تقدم بيانه، وإنما ينبغي تمثيل هذا النوع بما لا سبب لإمالته غير التناسب.
قلت: السبب المقتضي لإمالة نحو دعا مما ألفه عن واو لم تعتبره القراء؛ ولذلك لم يميلوا هذا النوع حيث وقع، وإنما أمالوا منه ما جاور الممال، فلما أمالوا "تلاها" ونحوه وليس عادتهم إمالة ذلك، علم أن الداعي إلى إمالته عندهم إنما هو التناسب.
تنبيه:
استفيد من تمثيله فائدتان:
إحداهما: التنبيه على صورتي الإمالة للتناسب كما سبق.
والآخرى: أن الألف قد تمال لمناسبة الألف قبلها نحو "عمادا" فإن الألف الثانية أميلت لمناسبة الأولى "وقد تمال لمناسبة ألف بعدها"٣ كإمالة ألف "تلالها" لمناسبة ما بعده مما ألفه عن ياء أعني "جلاها ويغشاها".
_________________
(١) ١ من الآية ٢ من سورة الشمس. ٢ الآيتان: ١، ٢ من سورة الضحى. ٣ ب، ج.
[ ٣ / ١٥٠١ ]
فإن قلت: فلا جعلت إمالة "ألف"١ تلاها لمناسبة ما قبله أعني: ضحاها؟
قلت: ألف ضحاها عن واو، وإنما أميل لمناسبة ما بعده أيضا.
فإن قلت: هي يقاس على إمالة الألف الثانية في "عمادا" لمناسبة الأولى؟
قلت: ظاهر كلام سيبويه أنه يقاس عليه، فإنه قال: وقالوا مغزانا في قول من قال: "عمادا" فأمالهما جميعا، وذا قياس. انتهى.
ولا تُمل ما لم ينل تمكنا دون سماع غير ها وغير نا
الإمالة من خواص الأفعال والأسماء المتمكنة؛ فلذلك لا تطرد إمالة غير المتمكن، نحو إذا وما، إلا ها ونا، نحو: "مر بها ونظر إليها، ومر بنا ونظر إلينا" فهذان تطرد إمالتهما؛ لكثرة استعمالهما.
وأشار بقوله: "دون سماع" إلى ما سمعت إمالته من الاسم غير المتمكن، وهو "ذا" الإشارية، و"متى" و"أنى" وقد أميل من الحروف: بلى، ويا في النداء، ولا في قولهم: "إما لا" لأن هذه الأحرف نابت عن الجمل، فصار لها بذلك مزية على غيرها، وحكى قطرب إمالة "لا" في الجواب؛ لكونها مستقلة، ومنع سيبويه ومن وافقه إمالة "حتى، وحكى ابن مقسم٢ الإمالة فيها عن بعض أهل نجد وأكثر أهل اليمن، وحكيت إمالتها عن حمزة والكسائي.
تنبيهات:
الأول: لا تمنع الإمالة فيما عرض بناؤه نحو "يا فتى" و"يا حبلى" لأن الأصل في ذلك الإعراب.
_________________
(١) ١ ب. ٢ هو محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم النحوي. قال ياقوت: ولد سنة ٢٦٥ وسمع أبا مسلم وثعلبا ويحيى بن محمد بن صاعد، وكان ثقة من أعرف الناس بالقراءات وأحفظهم لنحو الكوفيين، وله: كتاب في النحو كبير، المقصور والممدود، المذكر والمؤنث، الوقف والابتداء وغيرها ذلك، ومات لثمان خلون من ربيع الآخر سنة ٣٥٤، وقيل: سنة ٣٥٣هـ.
[ ٣ / ١٥٠٢ ]
الثاني: لا إشكال في جواز إمالة الفعل الماضي وإن كان مبنيا، قال المبرد: وإمالة عسى جيدة.
فإن قلت: قد يورد على كلام الناظم الفعل الماضي فإنه يطلق عليه غير متمكن كما قيل.
قلت: إن سلم أنه يطلق عليه غير متمكن، فلوضوحه لم يذكره، وأيضا فقد تقدم أول الباب ذكر الإمالة فيه.
فإن قلت: قول صاحب المفصل: والأسماء غير المتمكنة يمال منها المستقل بنفسه نحو: ذا ومتى وأنى، ولا يمال ما ليس بمستقل نحو: ما الاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة ونحو إذا، يقتضي أن إمالة ذات ومتى وأنى غير شاذ.
قلت: لا إشكال في أن الإمالة في ذلك شاذة؛ لأن الألف في غير المتمكن أصل غير منقلبة ولا سبب لإمالتها، وكأنه أراد الإشارة إلى المعنى الذي لحظه من أمالها من العرب وهو الاستقلال، وإن كان ذلك مما لا يجعل سببا يقاس عليه.
والفتح قبل كسر راء في طرف أمل كللأيسر مِلْ تُكْفَ الكُلَفْ
اعلم أن الفتحة قد تمال كما تمال الألف؛ لأن الغرض من الإمالة مشاكلة الأصوات وتقريب بعضها من بعض، وذلك موجود في الحركة كما أنه موجود في الحرف، ولإمالة الفتحة سببان:
الأول: أن تكون قبل راء مكسورة نحو قوله تعالى: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ ١ و﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٢ ومل للأيسر، فإمالة ذلك ونحوه مطرد.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله "والفتح" أن المال في ذلك الفتح، لا المفتوح. وقول سيبويه: "أمالوا المفتوح" فيه تجوز.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٢ من سورة المرسلات. ٢ من الآية ٩٥ من سورة النساء.
[ ٣ / ١٥٠٣ ]
الثاني: لا فرق بين أن تكون الفتحة في حرف استعلاء نحو من البقر، أو في راء نحو بشرر، أو في غيرهما نحو من الكبر.
الثالث: فهم من قوله: "قبل كسر راء" أن الفتحة لا تمال لكسرة راء قبلها نحو رمم، وقد نص غيره على ذلك.
الرابع: شرط أن شرط أن تكون الفتحة قبل راء، وظاهره أن مراده أن تكون متصلة كما مثل، فعلى هذا لو فصل بينهما لم تمل، وليس ذلك على إطلاقه، بل فيه تفصيل، وهو أن الفاصل بين الفتحة والراء إن كان مكسورا أو ساكنا غير ياء فهو مغتفر، وإن كان غير ذلك يمنع الإمالة؛ فتمال الفتحة في نحو "أشر" وفي نحو "عمرو" لا في نحو بجير، نص على ذلك سيبويه، ونبه عليه المصنف في بعض نسخ التسهيل.
الخامس: شرط أن تكون الراء في طرف، وفي بعض نسخ التسهيل: أن تكون لاما، وليس اشتراط ذلك بصحيح؛ لأن سيبويه قد ذكر إمالة فتحة الطاء في قولهم: "رأيت خبط١ رياح" وذكر غيره أنه يجوز إمالة فتحة العين في نحو "العرد"٢ والراء في ذلك ليست بلام، ولعله إنما خص الطرف لكثرة ذلك فيه.
السادس: أطلق في قوله: "أمل" فعلم أن الإمالة في ذلك جائزة وصلا ووقفا، بخلاف إمالة الفتحة للسبب الآتي، فإنها خاصة بالوقف.
السابع: أهمل من شروط إمالة الفتحة لكسرة الراء شرطين غير ما ذكر:
أحدهما: ألا تكون على ياء، فلا تمال فتحة الياء في نحو "من الغير" نص على ذلك سيبويه.
وذكره في بعض نسخ التسهيل.
والآخر: ألا يكون بعد الراء حرف استعلاء نحو "من الشرق" فإنه مانع من الإمالة، نص على ذلك سيبويه أيضا.
_________________
(١) ١ الخبط بفتحتين: ورق العضاة من الطلح ونحوه، يضرب بالعصا ليتناثر ثم تعلف به الإبل. ٢ العرد: الشديد من كل شيء.
[ ٣ / ١٥٠٤ ]
فإن قلت: فهل يشترط ألا يتقدم على الفتحة حرف استعلاء؟
قلت: لا؛ لأن الراء المكسورة تغلب المستعلى إذا وقع قبلها، فيمال نحو "من الضرر".
الثامن: قد ظهر بما ذكرناه أن كلام الناظم في إمالة الفتحة لكسرة الراء غير محرر، وتحريره أن يقال: تمال كل فتحة في غير ياء قبل راء مكسورة متصلة بها أو مفصولة بمكسور أو ساكن غير ياء، وليس بعد الراء حرف استعلاء.
التاسع: منع سيبويه إمالة الألف في نحو "من المحاذر" إذا أميلت فتحة الذال، قال: ولا تقوى على إمالة الألف، أي: ولا تقوى إمالة الفتحة على إمالة الألف قبلها. أمال هنا ألف "المحاذر" لأجل إمالة فتحة الذال، وضعف ما ذهب إليه ابن خروف بأن الإمالة للإمالة من الأسباب الضعيفة، فينبغي ألا ينقاس شيء منها إلا في المسموع، وهو إمالة الألف، لأجل إمالة الألف قبلها أو بعدها.
كذا الذي تليه ها التأنيث في وقف إذا ما كان غير ألف
هذا هو السبب الثاني من سببي إمالة الفتحة، فتمال كل فتحة تليها هاء التأنيث، إلا أن إمالتها مخصوصة بالوقف، وبذلك قرأ الكسائي في إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى أنه أمال إذا كان قبل الهاء أحد خمسة عشر حرفا، يجمعها قولك: فجئت زينب لذود شمس. وفصل في أربعة يجمعها قولك: أكهر١. فأمال فتحتها إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة على ما هو معروف في كتب القرءات.
تنبيهات:
الأول: قوله: "كذا الذي تليه ها التأنيث" يعني به أن فتحة الذي تليه هاء التأنيث تمال، لا الحرف الذي تليه هاء التأنيث، وقد تجوز من عبر عن ذلك بإمالة هاء التأنيث.
_________________
(١) ١ قال في القاموس: الكهر: القهر والانتهار والضحك واستقبالك إنسانا بوجه عابس تهاونا.
[ ٣ / ١٥٠٥ ]
الثاني: إنما قال: "ها التأنيث" ولم يقل: تا التأنيث؛ لتخرج التاء التي لم تقلب ها، فإن الفتحة لا تمال قبلها.
الثالث: لا فرق في هاء التأنيث بين أن تكون لمعنى التأنيث أو لغير ذلك، كالمبالغة نحو "علامة" فإن الإمالة جائزة في جميع ذلك؛ لأن هاء المبالغة هي هاء التأنيث.
الرابع: خرج بقوله: "ها التأنيث" ها السكت نحو ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ١ فلا تمال الفتحة قبلها، هذا هو الصحيح، وذهب ثعلب وابن الأنباري إلى جواز الإمالة فيما قبلها، وقرأ به أبو مزاحم الخاقاني في قراءة الكسائي.
الخامس: استثنى المصنف مما "كان"٢ قبل هاء التأنيث الألف، فإنها لا تصح إمالتها نحو: الصلاة والحياة.
فإن قلت: لم يكن لاسثنائه الألف حاجة؛ لأن كلامه في إمالة الفتحة لا في إمالة الحرف، فلم تندرج الألف في قوله: "كذا الذي تليه ها التأنيث" لأن مراده الفتحة فلم يشمل كلامه إلا كل مفتوح.
قلت: هو كذلك، ولكن نبه على منع إمالة الألف لئلا يتوهم أن بهاء التأنيث تسوغ إمالة الألف كما سوغت إمالة الفتحة.
فإن قلت: ما وجه إمالة الفتحة قبل هاء التأنيث؟
قلت: ذكر سيبويه أن سبب ذلك شبه الهاء بالألف، فأميل ما قبلها كما يمال ما قبل الألف، ولم يبين سيبويه بأي ألف شبهت، والظاهر أنها شبهت بألف التأنيث.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٥ من سورة الحاقة. ٢ أ.
[ ٣ / ١٥٠٦ ]
خاتمة لباب الإمالة:
ذكر بعضهم لإمالة الألف سببين غير ما سبق:
أحدهما: الفرق بين الاسم والحرف، وذلك في "را" وما أشبهها من فواتح السور. قال سبيويه:
وقالوا: را ويا وتا، يعني بالإمالة؛ لأنها أسماء ما يلفظ به، فليست كإلى وما ولا وغيرها من الحروف المبنية على السكون، وحروف التهجي التي في أوائل السور إن كان في آخرها ألف فمنهم من يفتح ومنهم من يميل، وإن كان في وسطها ألف نحو كاف وصاد، فلا خلاف في الفتح.
والآخر: كثرة الاستعمال، وذلك إمالتهم "الحجاج" علما في الرفع والنصب، وكذلك "العجاج" في الرفع والنصب، وذكره بعض النحويين، وإمالة "الناس" في الرفع والنصب.
قال ابن برهان في آخر شرح اللمع: روى عبد الله بن داود عن أبي عمرو بن العلاء إمالة "الناس" في جميع القرآن مرفوعا ومنصوبا ومجرورا.
واعلم أن الإمالة لهذين السببين شاذة لا يقاس عليها، بل يقتصر في ذلك على ما سمع. والله أعلم.
[ ٣ / ١٥٠٧ ]
التصريف:
اعلم أن علم النحو مشتمل على نوعين؛ أحدهما: علم الإعراب، والآخر: علم التصريف، وذلك أن علم النحو مشتمل على أحكام الكلم العربية، وتلك الأحكام نوعان: إفرادية وتركيبية، فالإفرادية هي علم التصريف، والتركيبية هي علم الإعراب؛ ولذلك يقال في حد علم النحو: علم يُعرف به أحكام الكلم العربية إفرادا وتركيبا.
فإن قلت: الأحكام التركيبية نوعان: إعرابي وغير إعرابي، فكيف أطلق على جميعها علم الإعراب؟
قلت: أطلق على النوعين علم الإعراب تغليبا، ثم إن المسمى بعلم التصريف وهي الأحكام الإفرادية تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: جعل الكلمة على صيغ مختلفة، لضروب من المعاني كالتصغير والتكسير واسم الفاعل واسم المفعول، وهذا القسم جرت عادة كثير من المصنفين بذكره قبل التصريف كما فعل الناظم وهي في الحقيقة من التصريف.
والآخر: تغيير الكلمة لغير طارئ عليها، ولكن لغرض آخر، وتنحصر في الزيادة والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام، وهذا القسم هو المقصود هنا بقولهم: التصريف.
وقد عرف التصريف في الكافية بقوله: تغيير بنية لمعنى قصدا.
فإن قلت: هذا التعريف لا يشمل قسمي التصريف، وإنما شمل الأول أعني: تغيير الكلمة لمعنى.
قلت: المراد بقوله لمعنى ما ذكره في شرحها؛ إذ قال: التصريف تحويل الكلمة من بنيتها إلى غيرها لغرض لفظى أو معنوي، فهو إذن شامل للنوعين، وقد حده في التسهيل بقوله: التصريف علم يتعلق ببنية الكلمة، وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال، وشبه ذلك.
وقال الشارح: تصريف الكلمة هو تغيير بنيتها بحسب ما يعرض لها من المعنى، كتغيير المفرد إلى التثنية والجمع، وتغيير المصدر إلى بناء الفعل واسمي
[ ٣ / ١٥٠٨ ]
الفاعل والمفعول، ولهذا التغيير أحكام كالصحة والإعلال، ومعرفة تلك الأحكام وما يتعلق بها تسمى علم التصريف، فالتصريف إذن: هو العلم بأحكام بنية الكلمة بما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال وشبه ذلك.
حرف وشبهه من الصرف بَرِي وما سواهما بتصريف حَرِي
لا حَظَّ في التصريف للحروف ولا للأسماء غير المتمكنة ولا للأفعال الجامدة، أعني: ليس وعسى ونحوهما، وإنما يكون التصريف في الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، وهو المراد بقوله: "وما سواهما بتصريف حري" أي: حقيق.
فإن قلت: مقتضى قوله: "وما سواهما" أن التصريف يدخل الأفعال مطلقا؛ إذ لم يستثن الجامدة.
قلت: قد يمكن إدراجها في شبه الحرف، فإن ليس وعسى ونحوهما شابها الحروف في الجمود.
فإن قلت: قد دخل التصريف في بعض الأسماء التي تشبه الحرف نحو ذا والذي، فإنهما قد صغرا، وقد جاء الحذف في سوف وإن، وجاء الحذف والإبدال في لعل.
قلت: هذا كله شاذ، يوقف على ما سمع منه.
فإن قلت: قد اتضح أن الذي يقبل التصريف من الكلم نوعان: الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، فأيهما له الأصالة فيه؟
قلت: الأفعال لكثرة تغيرها ولظهور الاشتقاق فيها.
وليس أدنى من ثلاثي يرى قابل تصريف سوى ما غُيرا
يعني: أن ما كان على حرف واحد أو حرفين فإنه لا يقبل التصريف، إلا أن يكون ثلاثيا في الأصل وقد غير بالحذف، فإن ذلك لا يخرجه عن قبول التصريف.
وقد فهم من ذلك أمران؛ أحدهما: أن الاسم المتمكن والفعل لا ينقصان في أصل الوضع عن ثلاثة أحرف؛ لأنهما يقبلان التصريف، وما يقبل التصريف لا يكون في أصل الوضع على حرف واحد، ولا على حرفين.
[ ٣ / ١٥٠٩ ]
والآخر: أن الاسم والفعل قد ينقصان عن الثلاثة بالحذف، أما الاسم فإنه قد يرد على حرفين، بحذف لامه نحو يد، أو عينه نحو سه أو فائه نحو عدة، وقد يرد على حرف واحد نحو "م الله" عند من يجعله محذوفا من "ايمن الله" وكقول بعض العرب: شربت ما، وهذا قليل، وأما الفعل فإنه قد يرد على حرفين نحو قل وبع وسل، وقد يرد على حرف واحد نحو "ع كلامي، وق نفسك" وذلك فيما أعلت فاؤه ولامه، فيحذفان في الأمر.
ومنتهى اسم خمسٌ ان تجردا وإن يُزد فيه فما سبعا عدا
الاسم ينقسم إلى مجرد من الزوائد، وإلى مزيد فيه.
فالمجرد ثلاثة أنواع: ثلاثي ورباعي وخماسي، فلا ينقص عن الثلاث؛ لأن الثلاثي أعدل الأبنية لتوسطه بين الخفة والثقل؛ لانقسامه على المراتب الثلاث: المبتدأ والمنتهى والوسط بالسوية، ولأن المبدوء به لا يكون إلا متحركا والموقوف عليه ساكن فلا بد من حرف يفصل بينهما لتنافيهما في الصفة.
فإن قلت: ذلك الفاصل إن كان متحركا نافَى الموقوف عليه، وإن كان ساكنا نافَى المبدوء به.
قلت: قد أجيب عن ذلك بأنه لما جاز عليه الأمران لم يتحقق التنافي ولا يزيد على الخمسة؛ لأمرين:
أحدهما: أنهم جعلوا زيادته على قدر نقصانه.
والآخر: أنه لو وضع على ستة لتوهم أنه كلمتان.
فإن قلت: قد تقدم أن الثلاثي أعدل الأبنية فلم عدلوا عنه إلى الرباعي والخماسي؟
قلت: للتوسع بكثرة الأبنية.
وأما المزيد: فيبلغ بالزيادة سبعة أحرف ولا يتجاوزها إلا بهاء التأنيث أو زيادتي التثنية أو التصحيح أو النسب.
فإن قلت: فكيف قال: "فما سبعا عدا" ولم يستثن هاء التأنيث وما ذكر معها؟
قلت: هذه زوائد، وقد علم أنها غير معتد بها؛ لكونها مقدرة الانفصال.
[ ٣ / ١٥١٠ ]
تنبيهات:
الأول: إنما يبلغ المزيد بالزيادة سبعة أحرف إذا كان ثلاثي الأصول نحو "أشهيباب" مصدر اشهابَّ١ أو رباعي الأصول نحو "احرنجام" مصدر احرنجمت الإبل؛ أي: اجتمعت. وأما الخماسي الأصول، فإنه لا يزاد فيه غير حرف مد قبل الآخر أو بعده مجردا أو مشفوعا بها التأنيث نحو "عضرفوط" وهو ذكر العظاءة٢ وقبعثرى وهو البعير٣.
ومثال المشفوع بهاء التأنيث قبعثراة وندر قرعبلانة٤؛ لأنه زيد فيه حرفان وأحدهما نون، وقيل: إنه لم يسمع إلا من كتاب العين فلا يلتفت إليه، والقرعبلانة دويبة عريضة عظيمة البطن.
الثاني: ذكر بعضهم أنه زيد في الخماسي حرفا مد قبل الآخر نحو "مغناطيس" قيل: فإن صح وكان عربيا كان ناقصا، لقولهم: إنه لا يزاد فيه إلا حرف مد قبل الآخر.
قلت: إن صح وكان عربيا جعل نادرا كما ندر زيادة حرفين بعد الآخر في "قرعبلانة".
وقد حكاه ابن القطاع، أعني: مغناطيس.
الثالث: اعلم أن حروف الهجاء تذكر وتؤنث، فباعتبار تذكيرها تثبت التاء في عددها، وباعتبار تأنيثها تسقط التاء من عددها، فلذلك قال: "فما سبعا عدا".
_________________
(١) ١ اشهاب -بتشديد الباء- إذا صار أشهب من الشهبة بضم الشين، وهو بياض يخالطه سواد. ٢ عبارة القاموس: العضرفوط العذفوط أو ذكر العظام أو هو دواب الجن وركائبهم، والجمع عضارف وعضرفوطات. اهـ. وقال في محل آخر: العذفوط -بالضم- دويبة بيضاء ناعمة تشبه بها أصابع الجواري. اهـ. وفي محل آخر: العظاية دويبة كسام أبرص والجمع عظاء. اهـ. ٣ أي: البعير الذي كثر شعره وعظم خلقه. ٤ القرعبلانة: دويبة عريضة عظيمة البطن.
[ ٣ / ١٥١١ ]
وغير آخر الثلاثي افتح وضم واكسر وزد تسكين ثانيه تَعم
تقدم أن المجرد ثلاثي ورباعي وخماسي، فالثلاثي تقتضي القسمة العقلية أن تكون أبنيته اثني عشر بناء؛ لأن أوله يقبل الحركات الثلاث ولا يقبل السكون؛ إذ لا يمكن الابتداء بساكن، وثانيه يقبل الحركات الثلاث والسكون أيضا. والحاصل من ضرب ثلاثة في أربعة اثنا عشر.
وأما الآخر فلا عبرة به في وزن الكلمة، فإنه حرف الإعراب؛ فلذلك قال: "وغير آخر الثلاثي" فعزى إلى غير آخره، وهو أوله وثانيه الحركات الثلاث، بلا تقييد. فعلم أن ذلك يكون فيهما بتوافق وتخالف، فللتوافق ثلاثة أوزان، والمخالف ستة أوزان، ثم قال: "وزد تسكين ثانيه تعم" أي: وزد على تلك الأبنية التسعة ما سكن ثانيه تعم، وأوله مفتوح أو مكسور أو مضموم، يعم القسمة الممكنة في الثلاثي، وهي اثنا عشر بناء، منها عشرة مستعملة وواحد مهمل، وواحد نادر، وقد أشار إليهما بقوله:
وفعل أُهمل والعكس يَقِل لقصدهم تخصيص فِعْل بفُعِلْ
أهمل من أبنية الثلاثي فِعُل -بكسر الفاء وضم العين- لاستثقالهم الانتقال من كسر إلى ضم، وأما قراءة بعضهم: "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحِبُكِ"١ بكسر الحاء وضم الباء، فوجهت على تقدير صحتها بوجهين:
أحدهما: أن ذلك من تداخل اللغتين في جزأي الكلمة؛ لأنه يقال: حُبُك -بضم الحاء والباء- وحِبِك -بكسرهما- فركب القارئ منهما هذه القراءة، قال ابن جني: أراد أن يقرأ بكسر الحاء والباء، فبعد نطقه بالحاء مكسورة مال إلى القراءة المشهورة، فنطق بالباء مضمومة، قال في شرح الكافية: وهذا التوجيه لو اعترف به من عزيت هذه القراءة له لدل على عدم الضبط ورداءة التلاوة، ومن هذا شأنه لا يعتمد على ما سمع منه، لإمكان عروض ذلك له.
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الذاريات.
[ ٣ / ١٥١٢ ]
والآخر: أن يكون كسر الحاء إتباعا لكسر تاء ذات، ولم يعتد باللام الساكنة؛ لأن الساكن حاجز غير حصين، قيل: وهو أحسن.
وقوله: "والعكس" يعني به بناء فَعِل -بضم الفاء وكسر العين- وهذا الوزن فيه خلاف، ذهب قوم إلى أنه مهمل؛ لاستثقال الانتقال من ضم إلى كسر وإن كان أخف من عكسه.
وذهب قوم إلى أنه مستعمل، لكنه قليل، وهو الظاهر، وقد جاء منه الدئل، وهو اسم دويبة سميت بها قبيلة من كنانة، وأنشد الأخفش لكعب بن مالك١:
جاءوا بجيش لو قيس معرسه ما كان إلا كمعرس الدئل
والرئم: اسم جنس للاست، والوعل: لغة في الوعل، حكاه الخليل، فثبت بهذه الألفاظ أنه ليس بمهمل.
وقوله: "لقصدهم تخصيص فعل بفعل" يعني: أن بناء فعل إنما قل في الأسماء؛ لأنهم قصدوا تخصيص الفعل به للدلالة على ما لم يسم فاعله، ولو أهمل لثقله لم يستعمل في الأفعال، وقال أبو الفتح نصر بن أبي الفنون٢: أما دئل
_________________
(١) ١ قائله: هو كعب بن مالك الأنصاري يصف جيش أبي سفيان حين غزا المدينة، بالقلة والحقارة، وهو من المنسرح. اللغة: "لو قيس" أي: لو قدر "معرسه" -بضم الميم وسكون العين وفتح الراء- وهو المنزل الذي ينزل به الجيش "الدئل" -بضم الدال وكسر الهمزة- دويبة صغيرة شبيهة بابن عرس. المعنى: لو قدر مكانهم عند تعريسهم كان كمكان الدئل عند تعريسها. الإعراب: "جاءوا" فعل ماض والواو فاعل "بجيش" جار ومجرور متعلق بالفعل "لو" شرط "قيس" فعل ماض والواو فاعل "معرسه" نائب فاعل، فالجملة فعل للشرط "ما كان" ما نافية كان فعل ماض واسمها ضمير "كمعرس" جار ومجرور خبر كان في محل نصب "الدئل" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "الدئل" فإنه بضم الدال وكسر الهمزة، فذهب جماعة إلى أن هذا الوزن مستعمل واحتجوا به وخالفهم الجمهور إلى أن هذا مهمل وهو نادر. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٨٢/ ٣، وابن يعيش ٣٠/ ١، وشرح شواهد الشافية ص١٢. ٢ هو نصر بن محمد بن المظفر بن عبد الله بن أبي الفنون الموصلي الأصل البغدادي النحوي اللغوي، ولد سنة خمسين وخمسمائة، وله رسالة في الضاد والظاء بديعة. روى عنه الزكي المنذري، ومات بمصر ليلة الأحد مستهل المحرم سنة ثلاثين وستمائة. اهـ.
[ ٣ / ١٥١٣ ]
ورئم، فقد عده قوم من النحويين قسما حادي عشر لأوزان الثلاثي، وإنما هي عند النحويين عشرة، انتهى.
وقد أجاب القائلون بإهمال هذا الوزن عن الدئل والرئم بجوابين:
أحدهما: أنهما من الشاذ، فلا يثبت بهما وزن، قلت: وفيه نظر؛ لأن سيبويه أثبت بناء فعل بلفظ واحد وهو إبل، وسيأتي ذكره.
والآخر: أنهما منقولان من الفعل، واعترض بأن ذلك ممكن في الدئل؛ لأنه علم قبيلة بخلاف الرئم فإنه اسم جنس، والنقل لا يكون إلا في الأعلام.
قلت: ذهب السيرافي إلى أن النقل يجيء في أسماء الأجناس كما جاء في الأعلام.
قال: ومنه تنوط اسم لطائر يعلق عشه ويلصقه ضربا من الإلصاق بديعا فسمي بالفعل، انتهى. ولا وجه للتفرقة بين الدئل والرئم؛ لأن الدئل في الأصل اسم جنس لدويبة ثم نقل إلى القبيلة.
تنبيه:
قد فهم من هذا البيت أن ما عدا هذين "الوزنين"١ مستعمل ليس بمهمل ولا نادر، وهي عشرة أوزان:
أولها: فَعْل، ويكون اسما نحو فلس، وصفة نحو سهل.
وثانيها: فَعَل، ويكون اسما نحو فرس، وصفة نحو بطل.
وثالثها: فَعِل، ويكون اسما نحو كبد، وصفة نحو حذر.
ورابعها: فَعُل، ويكون اسما نحو عضد، وصفة نحو يقظ.
وخامسها فِعْل: ويكون اسما نحو عدل، وصفة نحو نكس.
وسادسها: فِعَل، ويكون اسما نحو عنب، قال سيبويه: ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو قولهم: عدي، وقال غيره: لم يأتِ من الصفات على فعل إلا زيم -بمعنى متفرق- وعدى اسم جمع. وقال
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٥١٤ ]
السيرافي: استدرك على سيبويه قيما في قراءة من قرأ: "دِينًا قِيَمَا"١ ولعله يقول: إنه مصدر بمعنى القيام. انتهى. واستدرك بعض النحاة على سيبويه ألفاظا أخر؛ وهي سِوًى في قوله تعالى: "مَكَانًا سِوًى"٢. ورجل رِضًى، وماء رِوًى، وماء صِرًى، وسبي طِيَبَة٣، ومنهم من تأولها.
وسابعها: فِعِل، ويكون اسما نحو إبل، وصفة نحو أتان بلز -وهي السمينة- ولم يذكر سيبويه من هذا الوزن غير إبل، وأما بلز "فحكاه الأخفش مخفف الزاي، وحكاه سيبويه مشدد الزاي، قيل: فيحتمل أن يكون"٤ ما حكاه الأخفش مخففا من المشدد، فلا يكون بناء أصليا، قال بعضهم: ولا ثالث لهذين اللفظين.
قلت: وزاد بعضهم: حبرة٥ ولا أفعل ذلك أبد الأبد، وعيل -اسم بلد- ووتد وإطل ومشط ودبس وإثر، لغة في الوتد والإطل والمشط والدبس والأثر، وزاد غيره حِبِك لغة في الحُبُك، وقد تقدم.
وجاء في الصفات أيضا: أتان إِبد، وأمة إِبد أي: ولود.
قال ثعلب: لم يأتِ من الصفات على فِعِل إلا حرفان امرأة إِبِد أي: ولود، وأتان بِلِز أي: ضخمة، وأما قوله٦:
_________________
(١) ١ من الآية ١٦١ من سورة الأنعام. ٢ من الآية ٥٨ من سورة طه. ٣ رِوًى أي: كثير مرو، ويقال: رواء كسماء. صرى أي: طال مكثه. سبي طيبة: في المصباح سبيت العدو سبيا والاسم السباء مثل كتاب والقصر لغة. وفي القاموس: السبي ما يسبَى، وطيبة بوزن عنبة -نالوه بلا غدر ونقض عهد- وفيه الشاهد. ٤ ب، ج. ٥ حبرة أي: قلح -بقاف فلام فحاء- وهو الأسنان. ٦ قائله: لم أقف على اسم راجزه. اللغة: "اصطفاقا" الاصطفاق: الرقص "بنو عجل" قبيلة تنسب إلى عجل بن لجيم بن صعب. الإعراب: "علمها" فعل ماض والهاء مفعول أول "إخواننا" فاعل ونا مضاف إليه "بنو عجل" بدل أو عطف بيان وعجل مضاف إليه "شرب" منصوب على أنه مفعول ثان لعلم "النبيذ" مضاف إليه "واصطفاقا" عطف على شرب النبيذ "بالرجل" يتعلق به. الشاهد: قوله: "عجل" و"بالرجل" حيث حرك الجيم فيهما للضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٨٤/ ٣، ونوادر أبي زيد ص٣٠، والخصائص لابن جني ٣٣٥/ ٢، والإنصاف لابن الأنباري ص٤٣٤.
[ ٣ / ١٥١٥ ]
عَلَّمها إخواننا بنو عجل شرب النبيذ واصطفاقا بالرجل
ونحوه، فهو من النقل للوقف، أو من الإتباع، فليس بأصل، وقد قيل في إطل: إنه من الإتباع.
وثامنها: فُعْل، ويكون اسما نحو قفل، وصفة نحو حلو.
وتاسعها: فُعَل، ويكون اسما نحو صرد، وصفة نحو حطم.
وعاشرها: فُعُل، ويكون اسما نحو عنق، صفة وهو قليل، والمحفوظ منه نحو جنب وشُلُل، وناقة سُرُح، أي: سريعة.
وافتح وضم واكسر الثاني من
فعل ثلاثي وزد نحو ضُمن
الفعل ينقسم إلى مجرد ومزيد، فالمجرد ثلاثي ورباعي، ولا يكون خماسيا، فالثلاثي ثلاثة أبنية؛ لأنه لا يكون إلا مفتوح الأول، وثانيه يكون مفتوحا ومكسورا ومضموما، ولا يكون إلا ساكنا؛ لئلا يلزم التقاء الساكنين عند اتصال الضمير المرفوع.
الأول: فَعَل، ويكون متعديا نحو ضرب، ولازما نحو ذهب، ويرد لمعانٍ كثيرة، ويختص بباب المغالبة، وقد يجيء فَعَل مطاوعا لفعل، بالفتح فيهما، وقال١:
قد جبر الدينَ الإلهُ فجَبَر
والثاني: فَعِل، ويكون متعديا نحو شرب ولازما نحو فرح، ولزومه أكثر من تعديه؛ ولذلك غلب في النعوت اللازمة والأعراض، وقد يطاوع فَعَل -بالفتح- نحو خدعه فخدع.
_________________
(١) ١ قائله: هو العجاج، وهو من الرجز. الإعراب: "قد" حرف تحقيق "جبر" فعل ماض "الدين" مفعول به "الإله" فاعل "فجبر" الفاء عاطفة وجبر فعل ماض والفاعل ضمير مستتر. الشاهد: قوله: "جبر" على وزن فعل وهو مطاوع لفعل. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٨٤/ ٣، والخصائص لابن جني ٢٦٣/ ٢.
[ ٣ / ١٥١٦ ]
والثالث: فَعُل نحو ظرف، ولا يكون متعديا إلا بتضمين أو تحويل، فالتضمين نحو: "رحبتكم الدار" وقول علي: "إن بشرا قد طلع اليمن" بتضمين الأول معنى وسع، والثاني معنى بلغ، وقيل: الأصل رحبت بكم؛ فحذف الخافض توسعا، والتحويل نحو سدته، فإن أصله سودته -بفتح العين- ثم حول إلى فعُل -بضم العين- ونقلت الضمة إلى فائه عند حذف العين.
فإن قلت: فما فائدة التحويل؟
قلت: فائدته الإعلام بأنه واوي العين؛ إذ لو لم يحول إلى فعل وحذفت عينه لالتقاء الساكنين عند انقلابها ألفا لالتبس الواوى باليائي، هذا مذهب قوم منهم الكسائي، وإليه ذهب في التسهيل، وقال ابن الحاجب:
وأما باب سدته، فالصحيح أن الضم لبيان بنات الواو، لا للنقل.
ولا يرد فَعُل إلا لمعنى مطبوع عليه من هو قائم به، نحو كرم ولؤم، أو المطبوع نحو فقه وخطب، أو شبهه نحو خبث، شبه بنجس؛ ولذلك كان لازما لخصوص معناه بالفاعل.
وقوله: "وزد نحو ضمن" يعني: أن بناء ما لم يسم فاعله بناء أصلي من أبنية المجرد فحقه أن يذكر مع الأصول، فتكون أبنية الثلاثي المجرد أربعة.
وإلى كون صيغة ما لم يسم فاعله أصلا ذهب المبرد وابن الطراوة والكوفيون، ونقله في شرح الكافية عن سيبويه والمازني، وذهب البصريون إلى أنها فرع مغيرة عن صيغة الفاعل، ونقله غير المصنف عن سيبويه، وهو أظهر القولين، وقد ذهب إليه المصنف في باب الفاعل من الكافية وشرحها.
تنبيهات:
الأول: لما لم يتعرض لبيان حركة فاء الفعل فهم أنها غير مختلفة، وأنها فتحة؛ لأن الفتح أخف من الضم والكسر، فاعتباره أقرب.
الثاني: ما جاء "من الأفعال مكسور الأول أو ساكن الثاني"١ فليس بأصل، بل هو مغير عن الأصل، نحو: شَهِد وشِهِد وشِهْد.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٥١٧ ]
الثالث: قال في شرح الكافية: جرت عادة النحويين ألا يذكروا في أبنية الفعل المجرد فعل الأمر، ولا فعل ما لم يسم فاعله، مع أن فعل الأمر أصل في نفسه اشتق من المصدر ابتداء كاشتقاق الماضي والمضارع منه. ومذهب سيبويه والمازني أن فعل ما لم يسم فاعله أصل أيضا، فكان ينبغي على هذا إذا عدت صيغ الفعل المجرد من الزيادة أن يذكر للرباعي ثلاث صيغ: صيغة للماضي المصوغ للفاعل كدحرج، وصيغة له مصوغا للمفعول كدحرج، وصيغة للأمر كدحرج، إلا أنهم استغنوا بالماضي الرباعي المصوغ للفاعل عن الآخرين لجريانها على سنن مطرد، ولا يلزم من ذلك انتفاء أصالتهما كما يلزم من الاستدلال على المصادر المطردة بأفعالها انتفاء أصالتها. قلت: أما صيغة المفعول فتقدم ذكر الخلاف فيها، وأما "صيغة"١ فعل الأمر، فذهب البصريون أنها أصل، وأن قسمة الأفعال ثلاثية، ومذهب الكوفيين: أن الأمر مقتطع من المضارع، فإذن تكون القسمة عندهم ثنائية.
ومنتهاه أربع إن جُردا وإن يُزَدْ فيه فما ستا عَدَا
لما كان الفعل أكثر تصرفا من الاسم لم يحتمل من عدة الحروف ما احتمله الاسم، فلهذا لم يجاوز المجرد منه أربعة أحرف، ولا المزيد ستة أحرف.
وللرباعي المجرد بناء واحد، وهو فعلل، ويكون متعديا نحو دحرج ولازما نحو دربخ -بمعنى ذل- قال الشارح: له ثلاثة أبنية، واحد للماضي المبني للفاعل نحو دحرج، وواحد للماضي المبني للمفعول نحو دحرج، وواحد للأمر نحو دحرج.
قلت: قد تقدم أن عادة النحويين الاقتصار على بناء واحد، وهو الماضي المبني للفاعل لما سبق ذكره.
وأما المزيد: فإن كان ثلاثي الأصول، فإنه يبلغ بالزيادة أربعة نحو أكرم وخمسة نحو اقتدر وستة نحو استخرج، وإن كان رباعي الأصول، فإن يبلغ بالزيادة خمسة نحو تدحرج وستة نحو احرنجم.
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٥١٨ ]
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: وإن كان فعلا لم يتجاوز ستة إلا بحرف التنفيس أو تاء التأنيث أو نون التوكيد. ولو استغني عن هذا الاستثناء -كما فعل هنا- لكان أجود.
الثاني: لم يتعرض الناظم لذكر أوزان المزيد من الأسماء والأفعال؛ لكثرتها ولأنه سيذكر ما به يعرف الزائد.
أما الأسماء فقد بلغت بالزيادة -من قول سيبويه- ثلثمائة بناء وثمانية أبنية، وزاد الزبيدي عليه نيفا على الثمانين، إلا أن منها ما يصح، ومنها ما لا يصح.
وأما الأفعال فللمزيد فيه من ثلاثيها خمسة وعشرون بناء مشهورة، وأبنية أخر غير مشهورة، وفي بعضها خلاف.
وللمزيد من رباعيها ثلاثة أبنية: تَفَعْلَل نحو تدحرج، وافعنْلَل نحو احرنجم، وافعلَلَّ نحو اقشعر، وهي لازمة. واختلف في هذا الثالث، فقيل: هو بناء مقتضب، وقيل: هو ملحق باحرنجم، زادوا فيه الهمزة، وأدغموا الأخير فوزنه الآن افعلل، ويدل على إلحاقه باحرنجم مجيء مصدره كمصدره.
وزاد بعضهم في مزيد الرباعي بناء رابعا.
وما جاء على افعلل نحو اجرَمَّز١ قال في الارتشاف: ويظهر لي أنه مزيد من الثلاثي غير الملحق والمماثل لاسم مجرد.
لاسم مجرد رباع فَعْلَل وفِعْلِل وفِعْلَل وفُعْلُل
ذكروا للرباعي المجرد ستة أبنية:
الأول: فَعْلَل -بفتح الأول والثالث- ويكون اسما نحو جعفر -وهو النهر الصغير- وصفة نحو سهلب وشجعم، والسهلب: الطويل، والشجعم: الجريء، وقد قيل: إن الهاء في سهلب والميم في شجعم زائدتان، وجاء بالتاء عجوز شهربة، وشهبرة -للكبيرة- وبهنكة -للضخمة الحسنة.
_________________
(١) ١ في القاموس: اجرمز: انقبض واجتمع بعضه إلى بعض.
[ ٣ / ١٥١٩ ]
الثاني: فِعْلِل -بكسر الأول والثالث- ويكون اسما نحو زبرج، وهو السحاب الرقيق، وقيل: السحاب الأحمر، وهو من أسماء الذهب أيضا، وصفة نحو خرمل، قال الجرمي: الخرمل -بالكسر- المرأة الحمقاء مثل الخذعل.
الثالث: فِعْلَل -بكسر الأول وفتح الثالث- ويكون اسما نحو درهم، وصفة نحو هبلع -للأكول.
الرابع: فُعْلُل -بضم الأول والثالث- ويكون اسما نحو برثن وهو واحد براثن السباع، وهو كالمخلب من الطير، وصفة نحو جرشع -للعظيم من الجمال، ويقال للطويل.
الخامس: فِعَل -بكسر الأول وفتح الثاني- ويكون اسما نحو قمطر -وهو وعاء الكتب- وفِطَحْل -قيل: وهو اسم لزمن خروج نوح ﵇ من السفينة، قال الجوهري: الفطحل على وزن الهزبر من لم يخلق بعد١، قال الجرمي: سألت أبا عبيدة عنه قال: الأعراب تقول: هو زمن كانت الحجارة فيه رطبة- وأنشد العجاج٢:
وقد أتاه زمن الفطحل والصخر مُبتل كطين الوحل
وصفة نحو سبطر -للطويل.
السادس: فُعْلَل -بضم الأول وفتح الثالث- ويكون اسما نحو جخدب -لذكر الجراد- وصفة نحو جرشع بمعنى جُرْشُع بالضم٣.
_________________
(١) ١ نص كلام الجوهري: الفطحل على وزن الهزبر زمن لم يخلق الناس فيه بعد. ٢ قائله: قال المرادي: العجاج، قال العيني: وهو غير صحيح، وإنما قاله رؤبة، وهو من الرجز. اللغة: "الفطحل" مثال هزبر -زمن لم يخلق فيه الناس. الإعراب: "قد" حرف تحقيق "أتاه" فعل ماض وفاعله والهاء مفعوله "زمن" ظرف "الفطحل" مضاف إليه "والصخر" الواو للحال والصخر مبتدأ "مبتل" خبر المبتدأ "كطين" متعلق به "الوحل" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "الفطحل" فإن وزنه فِعَلّ -بكسر الفاء وفتح العين وتشديد اللام. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٨٩/ ٣، والكامل للمبرد ٢٤٨. ٣ الجرشع: العظيم من الجمال، ويقال: الطويل.
[ ٣ / ١٥٢٠ ]
تنبيهات:
الأول: مذهب البصريين غير الأخفش أن هذا البناء السادس ليس ببناء أصلي، بل هو فرع على فُعْلُل -بالضم- فتح تخفيفا؛ لأن جميع ما سمع فيه الفتح سمع فيه الضم نحو جخدب وطحلب وبرقع١ في الأسماء، وجرشع في الصفات، ويقال للمخلب: برثن، ولشجر في البادية عرفط؛ ولكساء مخطط برجد، ولم يسمع فيها فُعْلَل -بالفتح- وذهب الكوفيون والأخفش إلى أنه بناء أصلي؛ واستدلوا لذلك بأمرين:
أحدهما: أن الأخفش قال: جؤذر٢، ولم يحك فيه ضم الذال، فدل على أنه غير مخفف، وهذا مردود، فإن الضم منقول في جؤذر أيضا، وزعم الفراء أن الفتح في جؤذر أكثر، وقال الزبيدي: إن الضم في جميع ما ورد منه أفصح.
والآخر: أنهم قد ألحقوا به، فقالوا: عُنْدَد، يقال: ما لي عن ذلك عندد، أي: بد، وقالوا: عاطت الناقة عُوطَطا إذا اشتهت الفحل، وقالوا: سودد فجاءوا بهذه الأمثلة مفكوكة، وليست من الأمثلة التي استثنى فيها فك المثلين لغير الإلحاق، فوجب أن يكون للإلحاق، وأجاب الشارح: بأنا لا نسلم أن فك الإدغام للإلحاق بنحو: جخدب، وإنما هو لأن فعللا من الأبنية المختصة بالأسماء، فقياسه الفك كما في جدد وظلل. وإن سلمنا أنه للإلحاق فلا نسلم أنه لا يلحق إلا بالأصول، فإنه قد ألحق بالمزيد فيه فقالوا: اقعنسس٣ فألحقوه باحرنجم، فكما ألحق بالفرع بالزيادة، فكذا يلحق بالفرع بالتخفيف.
الثاني: ظاهر كلام الناظم هنا موافقة الأخفش والكوفيين على إثبات أصالة فعلل، وقال في التسهيل: وتفريغ فعلل على فعلل أظهر من أصالته.
الثالث: قال بعضهم في ثبوت فِعْلَل -بكسر الأول وفتح الثالث- بحث؛ لأن دِرْهَما معربا وهِبْلَع يحتمل زيادة الهاء.
_________________
(١) ١ الطحلب: خضرة تعلو الماء إذا طال مكثه، والبرقع: نقاب المرأة وما يستر به وجه الدابة. ٢ الجؤذر -بفتح الذال- ولد البقرة الوحشية. ٣ اقعنسس: فهو مقعنسس، والمقعنسس: الشديد، والمتأخر أيضا.
[ ٣ / ١٥٢١ ]
قلت: إنما يتم هذا إذا لم يكن لهذا الوزن مثال يثبت به غير هذين المثالين، وليس كذلك، بل قد ذكروا له أمثلة غيرهما منها هجرع؛ ويحتمل أيضا زيادة الهاء، وزئبر١ وقلعم -لجبل بعينه- وقال الجرمي: هو من أسماء الرجال. وقال الزبيدي: القلعم -الشيخ المسن، ويقال: القعلم الطويل- فجعله صفة، وذكر الجوهري قلحم -بالقاف والحاء المهملة وقال: القلحم المسن، قال: وقد ذكرناه في باب الحاء؛ لأن الميم زائدة.
فإن قلت: قد قال الأصمعي: ليس في الكلام فعلل إلا درهم وهجرع فحصر.
قلت: قد زاد غيره ما تقدم ذكره.
فإن قلت: وعلى تقدير ثبوت هذا الوزن فتمثيله بدرهم ليس بجيد؛ إذ الوزن لا يثبت بالمعرب.
قلت: ذكر بعضهم أن الأسماء الأعجمية على ثلاثة أقسام:
قسم "غيرته"٢ العرب وألحقته بكلامها، فحكم أبنيته في اعتبار الأصلي والزائد والوزن حكم أبنية الأسماء العربية "الوضع"٣ كدرهم.
وقسم "غيرته"٤ ولم تلحقه بأبنية كلامها، فلا تعتبر فيه ما اعتبر فيما قبله نحو آخر، وقسم تركوه غير مغير فما ألحقوه بأبنية كلامهم عد منها نحو خُرَّم٥ ألحقوه بسُلَّم، وما لم يلحقوه "بأبنية كلامهم"٦ لم يعد منها نحو خراسان لا يثبت فيه فعالان.
_________________
(١) ١ الزئبر: هو ما يعلو الثوب الجديد. ٢ أ، ج، وفي ب "عربته". ٣ أ، ج. ٤ أ، ب. ٥ خرم: اقتطع واستأصل، وخرم الخرزة فتخرمت فصمها. ٦ أ، ج.
[ ٣ / ١٥٢٢ ]
الرابع: زاد بعضهم في أبنية الرباعي ثلاثة أوزان: وهي فِعْلُل -بكسر الأول وضم الثالث- وحكى ابن جني أنه يقال لجوز القطن الفاسد: خرفع، ويقال أيضا لزئبر الثوب: زئبر، وللضئبل وهو من أسماء الداهية: ضئبل، وفُعَلّ -بضم الأول وفتح الثاني- نحو: خبعث ودلمز، وفَعلِل -بفتح الأول وكسر الثالث- نحو طحربة١.
ولم يثبت الجمهور هذه الأوزان، وما صح نقله منها فهو عندهم شاذ، وقد ذكر الأول من هذه الثلاثة في الكافية فقال: وربما استعمل أيضا فِعلُل، والمشهور في الزئبر والضئبل كسر الأول والثالث.
قال في الصحاح: وربما جاء بضم الباء فيهما، قال ثعلب: لا نعلم في الكلام فعلل، فإن كان هذان الحرفان مسموعين -بضم الباء- فهما من النوادر.
وقال ابن كيسان: هذا إذا جاء على هذا المثال شهد للهمزة بأنها زائدة. وإذا وقعت حروف الزيادة في الكلمة جاز أن تخرج على بناء الأصول.
الخامس: قد علم بالاستقراء أن الرباعي لا بد من إسكان ثانيه أو ثالثه، ولا يتوالى أربع حركات في كلمة، فمن ثم لم يثبت فُعْلُل بقولهم عرتن -وهو نبت يصبغ به، بل جعل فرعا على فعنلل لقولهم فيه: عرنتن، فحذفت نونه وترك على حاله، ولافُعَلِل بقولهم عُلَبِط٢؛ بل جعل فرعا على فعالل؛ لأن ما جاء على فُعَلِل يجوز فيه فعالل، ولا فَعَلِل بقولهم جندل، بل جعله البصريون فرعا على فعالل، وأصله جنادل، وجعله الفراء وأبو علي فعليل، واصله جنديل.
واختاره المصنف؛ لأن جَنَدِلا مفرد، فتفريعه على المفرد أولى، وقد أورد بعضهم هذه الأوزان على أنها من الأبنية الأصول، وليست محذوفة، وليس بصحيح لما سبق.
_________________
(١) ١ الخبعث: اسم للضخم، وقيل: الشديد العظيم الخلق. والدلمز: اسم للصلب الشديد. والطحربة: القطعة من الغيم. ٢ الضخم من الرجال، وناقة علبطة أي: عظيمة.
[ ٣ / ١٥٢٣ ]
وإن علا فمع فَعَلَّل حوى فَعْلَلِلا
كذا فعلِّل وفعلَل
يعني: أن الاسم الخماسي المجرد، وهو المراد بقوله: "إن علا" أي: جاوز الأربعة، له أربعة أبنية:
الأول: فَعَلَّل -بفتح الأول والثاني والرابع- ويكون اسما نحو سفرجل، وصفة نحو شمردل -للطويل.
الثاني: فَعْلَلِل -بفتح الأول والثالث وكسر الرابع- قالوا: لم يجيء إلا صفة نحو جحمرش -للعظيمة من الأفاعي- وقال السيرافي: هي العجوز المسنة، وقَهْبَلِس -للمرأة العظيمة- وقيل: لحشفة الذكر، فيكون اسما.
الثالث: فُعَلِّل -بضم الأول وفتح الثاني وكسر الرابع- ويكون اسما نحو خُبَعْثِن -للأسد- وخُزَعْبِل -للباطل، وللأحاديث المستطرفة- وصفة نحو قذعمل -للبعير الضخم.
الرابع: فِعْلَلّ -بكسر الأول وفتح الثالث- ويكون اسما نحو قرطعب -وهو الشيء الحقير- وصفة نحو جِرْدَحْل -وهو الضخم من الإبل.
تنبيه:
زاد ابن السراج في أوزان الخماسي فُعْلَلِل نحو هندلع -اسم بقلة- ولم يثبته سيبويه، والصحيح أن نونه زائدة لأوجه:
أحدها: أنه يلزم من تقدير أصالتها عدم النظير.
الثاني: أن كُرَاعا١ حكي في الهندلع -كسر الهاء- فلو كان أصلية لزم كون الخماسي على ستة أمثلة، فكان يفوت تفضيل الرباعي عليه، وهو مطلوب.
_________________
(١) ١ هو علي بن حسن الهنائي المعروف بكراع النمل -بضم الكاف- أبو الحسن النحوي اللغوي. من أهل مصر أخذ عن البصريين وكان نحويا كوفيا صنف: المنضد في اللغة، المجرد مختصره، أمثلة غريب اللغة، وغير ذلك.
[ ٣ / ١٥٢٤ ]
الثالث: أنه يلزم على قوله أصالة نون كنهبل١؛ لأن زيادتها لم تثبت، إلا لأن الحكم بأصالتها موقع في وزن لا نظير له مع أن نون هندلع ساكنة ثانية، فأشبهت نون عنبر وحنظل ونحوهما ولا يكاد يوجد نظير كنهبل في زيادة نون ثانية متحركة، فالحكم على نون هندلع بالزيادة أولى.
وزاد غيره للخماسي أوزانا أخر لم يثبتها الأكثرون لندورها، واحتمال بعضها الزيادة فلا نطول.
وقوله:
وما غاير للزيد أو النقص انتمى
يعني: أن ما جاء من الأسماء المتمكنة على غير الأمثلة المذكورة فهو منسوب إلى الزيادة فيه نحو خزعبيل، وجميع أبنية المزيد، أو إلى النقص منه وهو ضربان: ضرب نقص منه أصل نحو يد ودم، وضرب نقص منه زائد نحو جندل وعلبط، وأصلهما: جنادل وعلابط، وقد سبق بيان ذلك.
تنبيه:
كان ينبغي أن يقول: "وما غاير للزيد أو النقص أو الندور" لأن مثل طحربة مغاير للأوزان المذكورة، ولم ينتمِ إلى الزيادة ولا النقص، ولكنه نادر، قال في التسهيل: وما خرج عن هذه المثل فشاذ، أو مزيد فيه، أو محذوفة منه، أو شبه الحرف، أو مركب، أو أعجمي.
والحرف إن يلزم فأصل والذي لا يلزم الزائد مثل تا احتُذِي
لما ذكر أن أبنية الأسماء والأفعال ضربان: مجرد ومزيد فيه، أشار هنا إلى ما يتميز به الأصل عن الزائد، فذكر أن علامة الأصل أن يلزم تصاريف الكلمة، ولا يحذف شيء منها. وأن علامة الزائدة، ألا يلزم تصاريف الكلمة، بل يحذف من بعض التصاريف.
ومثل الزائد بتاء احتذي؛ لأنها تحذف من بعض التصاريف، ولا تلزم، تقول: حذا حذوه، فيعلم بسقوط التاء من حذا، أن التاء في
_________________
(١) ١ الكنهبل -بفتح الباء وضمها- شجر عظام وهو من العضاة.
[ ٣ / ١٥٢٥ ]
احتذى زائدة ويقال: احتذى به، أي: اقتدى به، ويقال أيضا: احتذى أي: انتعل، قال١:
كل الحذاء يَحْتَذِي الحافي الوَقِعْ
والحذاء: النعل.
فإن قلت: تعريف الأصلي بأنه ما يلزم تصاريف الكلمة، غير جامع لخروج ما يسقط من بعض التصاريف، وهو أصل كواو يعد، وغير مانع لدخول ما يلزم، وهو زائد، فلا يصح حذا، ولا يصح علامة أيضا؛ لأن شرط العلامة الاطراد، وذلك يعرف أيضا أن تعريف الزائد بما لا يلزم لا يصح.
قلت: الأصل إذا سقط لعلة فهو مقدر الوجود بخلاف الزائد، والزائد إذا لزم فهو مقدر السقوط؛ ولذلك يقال: الزائد ما هو ساقط في أصل الوضع تحقيقا أو تقديرا، وقد دعت الحاجة هنا إلى ثلاث مسائل:
الأولى: في ذكر حروف الزيادة.
اعلم أن الزائد نوعان:
أحدهما: أن يكون تكرير أصل لإلحاق أو غيره، فلا يختص بأحرف الزيادة وهو إما تكرير عين نحو قطَّع، أو لام نحو جَلْبَبَ أو فاء وعين مع مباينة اللام نحو مَرْمَرِيس٢ وهو قليل، أو عين ولام مع مباينة الفاء نحو صَمَحْمَح٣.
_________________
(١) ١ قائله: هو المقدام واسمه جساس بن قطيب، وهو من الرجز. اللغة: "الحذاء" بمعنى بمعنى الاحتذاء، وبمعنى النعل "الوقع" وقع اشتكى لحم قدمه من غلظ الأرض والحجارة. الإعراب: "كل" مفعول مطلق إن جعل الحذاء مصدرا من الاحتذاء، ومفعول به إن جعل بمعنى النعل، وهو الأقرب "الحذاء" مضاف إليه "يحتذي" فعل مضارع "الحافي" فاعل "الوقع" صفة. الشاهد: قوله: "يحتذي" بمعنى ينتعل. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٩٣/ ٣. ٢ المرمريس: يقال: رجل مرمريس إذا كان داهيا عاقلا معالجا للأمور. ٣ الصمحمح: كسفرجل الشديد القوي، والأنثى صمحمحة.
[ ٣ / ١٥٢٦ ]
والآخر: ألا يكون تكرير أصل، فهذا لا يكون إلا أحد الأحرف العشرة المجموعة في "أمان وتسهيل" وقد جمعت في تراكيب أخر لا فائدة في التطويل بذكرها، ومعنى تسميتها حروف الزيادة أنه لا يزاد لغير تكرير إلا منها، وليس المراد أنها تكون زائدة أبدا؛ لأنها قد تكون أصلا، وذلك واضح، وأسقط المبرد من حروف الزيادة الهاء، وسيأتي الرد عليه.
الثانية: في ذكر فوائد الزيادة، وهي ستة:
أولها: الإلحاق نحو شَمْلَل١.
وثانيها: بيان معنى كحروف المضارعة.
وثالثها: المد نحو كتاب.
ورابعها: الإمكان نحو همزة الوصل.
وخامسها: التعويض كتاء زنادقة؛ لأنها عوض من الياء في زناديق.
وسادسها: التكثير نحو ألف قَبَعْثَرى.
الثالثة: في ذكر أدلة الزيادة، وهي تسعة:
أولها: سقوط الحرف من أصل، كسقوط ألف من ضارب في أصله أعني المصدر، وهذا الدليل هو الذي يسميه أهل التصريف الاشتقاق، والاشتقاق ضربان أكبر وأصغر.
فالأكبر: هو عقد تراكيب الكلمة كيفما قلبتها على معنى واحد، كعقد تراكيب "ق ول" على معنى الخفة والسرعة، وعقد تراكيب "ك ل م" على معنى الشدة والقوة، ولم يقل به إلا أبو الفتح، وكان أبو علي يأنس به في بعض المواضع.
والأصغر: هو إنشاء مركب من مادة عليها وعلى معناه كأحمر والحمرة، وهذا هو المعتبر في التصريف، ولا يقبل قول من أنكره.
_________________
(١) ١ شملل: أي أسرع، وأيضا بمعنى أخذ من النخل بعد لقاطه ما يبقى من ثمره.
[ ٣ / ١٥٢٧ ]
ثانيها: سقوط من فرع، كسقوط ألف كتاب في جمعه على كتب، وهذا يسمى بالتصريف، وهو شبيه بالاشتقاق، والفرق أن الاشتقاق استدلال بالفرع والتصريف استدلال بالأصل١.
وثالثها: سقوطه من نظيره كسقوط ياء أيطل في إطل، والأيطل: الخاصرة.
وشرط الاستدلال بسقوط الحرف في أصل أو فرع أو نظير على زيادته أن يكون سقوطه لغير علة، فإن كان سقوطه لعلة، كسقوط واو وعد في يعد أو في عدة، لم يكن دليلا على الزيادة.
ورابعها: كون الحرف مع عدم الاشتقاق في موضع يلزم فيه زيادته مع الاشتقاق، وذلك كالنون إذا وقعت ثالثة ساكنة غير مدغمة وبعدها حرفان نحو عصنصر٢، فإن النون فيه محكوم بزيادتها مع أنه لا يعرف له اشتقاق؛ لأن نونه في موضع لا تكون فيه مع الاشتقاق إلا زائدة نحو جَحَنْفَل من الجَحْفَلة، وهي لذي الحافر كالشَّفَة للإنسان، والجحنفل: العظيم الشفة.
وخامسها: كونه مع عدم الاشتقاق في موضع يكثر فيه زيادته مع الاشتقاق، كالهمزة إذا وقعت أولا وبعدها ثلاثة أحرف، فإنها يحكم عليها بالزيادة وإن لم يعلم الاشتقاق، فإنها قد كثرت زيادتها إذا وقعت كذلك فيما علم اشتقاقه، وذلك نحو إِفْكِل، يحكم بزيادة همزته حملا على ما عرف اشتقاقه نحو أحمر، والإِفْكِل: الرعدة.
وسادسها: اختصاصه بموضع لا يقع فيه إلا حرف من حروف الزيادة، كالنون من كنتأو٣ ونحوه "فإنها زائدة إذ لا يقع موضعها ما لا يصلح للزيادة"٤، فلا يوجد مثل سِرْدَأَوْ.
وسابعها: لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة في تلك الكلمة نحو تَتْفُل -بفتح التاء وضم الفاء- ولد الثعلب، فإن تاءه زائدة؛ لأنها لو جعلت أصلا، لكان وزنه فعلل، وهو مفقود.
_________________
(١) ١ وفي "استدلال بالأصل والتصريف استدلال بالفرع". ٢ عصنصر: اسم جبل. ٣ الكنتأو: الجمل الشديد والعظيم اللحية. ٤ أ، ب.
[ ٣ / ١٥٢٨ ]
وثامنها: لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة في نظير الكلمة التي ذلك الحرف منها نحو تتفل على لغة من ضم التاء والفاء، فإن تاءه أيضا زائدة على هذه اللغة وإن لم يلزم من تقدير أصالتها عدم النظير، فإنها لو جعلت أصلا كان وزنه فعلل نحو برثن وهو موجود، ولكن يلزم عدم النظير في نظيرها أعني: لغة الفتح، فلما ثبتت زيادة التاء في لغة الفتح حكم بزيادتها في لغة الضم أيضا؛ إذ الأصل اتحاد المادة.
وتاسعها: دلالة الحرف على معنى كحروف المضارعة وألف اسم الفاعل ونحو ذلك.
وزاد بعضهم في الدلائل عاشرا، وهو: الدخول في أوسع البابين نحو كنَهْبُل -بضم الباء- فإن وزنه على تقدير أصالة نون فَعلُّل١ وهو مفقود، وعلى تقدير زيادتها فَعَنْلُل، وهو مفقود أيضا، ولكن حكم بزيادتها دخولا في أوسع البابين؛ لأن باب المزيد أوسع.
قلت: وهذا مندرج في السابع؛ لأنه إذا عدم النظير على تقدير الأصالة حكم بالزيادة سواء وجد النظير على تقدير الزيادة أو لم يوجد.
بضمن فِعْل قابل الأصول في وزن وزائد بلفظه اكتُفِي
اصطلح أهل التصريف على أن يزنوا بالفاء والعين واللام، فيقابل أول الأصول بالفاء، وثانيها بالعين، وثالثها باللام، فيقال في وزن فلس فعل وفي ضرب فعل، ويسوى بين الوزن والموزون في الحركة والسكون.
وأما الزائد فيعبر عنه بلفظه كقولك في وزن أحمر أفعل فيعبر عن الهمزة بلفظها؛ لأنها زائدة، ويستثنى من الزوائد نوعان لا يعبر عنهما بلفظهما:
أحدهما: المبدل من تاء الافتعال، فإنه يعبر عنه بالتاء التي هي أصله، كقولك في وزن اصطبر: افتعل؛ وذلك لأن المقتضي للإبدال في الموزون غير موجود في الوزن فرجع إلى أصله، وما قيل من أن ذلك لدفع الثقل، ليس بشيء.
والآخر: المكرر لإلحاق أو لغيره، فإنه يقابل به الأصل، وسيأتي بيانه.
_________________
(١) ١ كسفرجل بضم الجيم.
[ ٣ / ١٥٢٩ ]
وضاعف اللام إذا أصل بَقِي كراء جعفر وقاف فُسْتُقِ
إذا كان الموزون رباعيا أو خماسيا، قوبل الرابع بلام ثانية، والخامس بلام ثالثة، كقولك في وزن جعفر فعلل، وفي وزن فستق فُعلُل، وكقولك في وزن سفرجل فَعلَّل، وفي وزن قُدَعْمِل فعلل.
وإن يك الزائد ضعف أصل فاجعل له في الوزن ما للأصل
إذا كان الزائد ضعف أصل قوبل بما يقابل به ذلك الأصل، فإن كان ضعف الفاء قوبل بالفاء، وإن كان ضعف العين قوبل بالعين، وإن كان ضعف اللام قوبل باللام، فتقول في وزن اغدودن١ افعوعل، وفي وزن جلبب فَعْلَل، وهذا يقيد قوله: وزائد بلفظه اكتفي. وحاصل ما ذكر في الوزن أنه يعبر عن أول الأصول بالفاء وعن ثانيها بالعين وعن ثالثها ورابعها وخامسها باللام، وعن الزائد بلفظه إلا المبدل من تاء الافتعال، فإنه يقابل بأصله وإلا المكرر فإنه يقابل بمثل ما يقابل به الأصل.
ثم اعلم أن الزائد إن لم يكن من حروف "أمان وتسهيل" فهو تكرير، ولا إشكال كالباء من جلبب. وإن كان منها فقد يكون تكريرا، وقد يكون غير تكرير، بل تكون صورته صورة المكرر، ولكن دل دليل على أنه لم يقصد به تكرير، فيقابل في الوزن بلفظه نحو "سَمْنَان" -هو ماء لبني ربيعة- فوزنه فعلال لا فعلان؛ لأن فعلالا بناء نادر.
تنبيهات:
الأول: فائدة هذا الوزن التوصل إلى الإعلام بالأصلي والزائد باختصار.
ألا ترى أنك إذا سئلت عن وزن أحمر فقلت: أفعل، علم من ذلك زيادة الهمزة، وأصالة ما عداها.
الثاني: المعتبر في الوزن ما استحقه الموزون من الشكل قبل التغيير؛ فلذلك يقال في وزن رد ومرد فَعَل ومَفْعَل؛ لأن أصلهما رَدَد ومَرْدَد.
_________________
(١) ١ اغدودن: يقال: اغدودن الشعر إذا طال، واغدودن النبت إذا اخضرَّ.
[ ٣ / ١٥٣٠ ]
الثالث: لما كان الغرض من الوزن التنبيه على الأصول والزوائد، وعلى ترتيبها قلبت الزنة إذا وقع في الموزون قلب، كقولك في وزن آدُر: أعفُل؛ لأنه أصل أدور ثم قدمت العين على الفاء؛ ولذلك لو كان في الموزون حذف وزن باعتبار ما صار إليه بعد الحذف، في قاض: فاع؛ وفي عدة: علة، إذا أريد بيان الأصل في المقلوب والمحذوف١.
فيقال: أصله كذا ثم أعل.
الرابع: حكى بعضهم في تمثيل البدل في نحو كساء قولين قال: منهم من يقابله بلفظه، ومنهم من يقابله بأصله، فمثال كساء فعاء أو فعال.
الخامس: ما ذكر من التعبير عن الرابع والخامس باللام هو مذهب البصريين، وهو المعتمد، وللكوفيين في ذلك خلاف، واضطراب لا حاجة إلى التطويل به.
السادس: ما ذكره من أن الزائد إذا كان تكريرا يقابل بما يقابل به الأصل هو الصحيح، وبه قال الأكثرون، وذهب بعضهم إلى أن الزائد يقابل بلفظه مطلقا، ولو كان مكررا، فيقال في وزن جلبب: فعلب.
واحكم بتأصيل حروف سِمْسم ونحوه والخلف في كَلَمْلَم
إذا تكرر حرفان ولا أصل للكلمة غيرهما، فإن لم يفهم المعنى بسقوط الثالث عمتهما الأصالة نحو سمسم فوزنه فِعْلِل؛ لأن أصالة اثنين متيقنة ولا بد من ثالث مكمل لأصوله، وليس أحد الباقين أولى من الآخر، فحكم بأصالتهما، وظاهر كلام المصنف أن هذا القسم لا خلاف فيه، وفي كلام بعضهم ما يوهمه، وقد حكي عن الخليل وعن بعض الكوفيين أن وزنه فعفل تكررت فاؤه، وهو بعيد.
وإن فهم المعنى بسقوط ثالثة نحو لَمْلَم -وهو أمر من لملمت- بمعنى لممت، ففيه ثلاثة مذاهب:
_________________
(١) ١ ب، ج. وفي أ "الموزون".
[ ٣ / ١٥٣١ ]
الأول: مذهب البصريين إلا الزجاج أن حروفه كلها محكوم بأصالتها كالنوع الأول فوزن لملم فعلل، ولا فرق عندهم بين ما يفهم المعنى عند سقوط ثالثه وما لا يفهم.
الثاني: مذهب الزجاج أن الصالح للسقوط زائد فتكون اللام الثانية من لملم زائدة.
والثالث: مذهب الكوفيين أن الصالح للسقوط أبدل من تضعيف العين، فأصل لملم على قوله لمم، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال، فأبدل من إحداهما حرف يماثل الفاء، ورد مذهب الكوفيين، بأنهم قالوا في مصدره: فعللة، ولو كان مضاعفا في الأصل لجاء على التفعيل، واختار الشارح مذهب الكوفيين.
فإن تكرر حرفان وللكلمة أصل غيرهما، حكم فيه بزيادة الضعفين نحو: صمحمح ومرمريس.
وفي تعيين الزائد في نحو ذلك خلاف. وذكر في التسهيل: أنه حكم بزيادة ثاني المتماثلات.
وثالثها: في نحو صمحمح -يعني: الحاء الأولى والميم الثانية- وبزيادة ثالثها ورابعها في نحو مرمريس يعني "الميم والراء التي تليها"١. واستدل بعضهم على زيادة الحاء الأولى في صمحمح والميم الثانية في مرمريس بحذفهما في التصغير حيث قال: صميمح ومريريس، ونقل عن الكوفيين في صمحمح أن وزنه فعلل، وأصله صمحح، أبدلوا الوسطى ميما.
فألف أكثر من أصلين صاحب زائدة بغير مَيْنِ
شرح الناظم في بيان ما تطرد زيادته من الحروف العشرة، فذكر أن الألف إذا صحب أكثر من "أصلين"٢ فهو زائد كألف كتاب وسرداح٣، وعلة ذلك أن أكثر ما وقع فيه الألف كذلك دل الاشتقاق على زيادته، فحمل عليه ما سواه.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، ج "الميم الثالثة والراء الرابعة". ٢ ب، ج. وفي أ "حرفين". ٣ سرداح -بكسر أوله- الناقة الطويلة.
[ ٣ / ١٥٣٢ ]
وقد فهم من قوله: "أكثر من أصلين" أنه إذا صحب أصلين فقط لم يكن زائدا، بل إن كان في فعل أو في اسم متمكن، فهو بدل من أصل، إما ياء نحو رحا، أو واو نحو عصا.
ولا تكون الألف أصلا إلا في حرف أو شبهه.
ونزيد هذا الموضع بيانا فنقول: للألف ثلاثة أحوال:
أولها: أن تكون مصاحبة لأصلين فقط، فيتعين الحكم بعدم زيادتها كما ذكر.
وثانيها: أن تكون مصاحبة لأكثر من أصلين، فيتعين الحكم بزيادتها، لما تقدم، إلا في نحو عاعى وضوضى١ من مضاعف الرباعي، فإنها فيه بدل من أصل لا زائدة.
وثالثها: أن تكون مصاحبة لأصلين والثالث يحتمل الأصالة والزيادة، فإن قدرت أصالته فالألف زائدة، وإن قدرت زيادته فالألف غير زائدة.
فإن قلت: فما المحكوم به عند الاحتمال؟
قلت: إن كان ذلك المحتمل همزة مصدرة أو ميما مصدرة أو نونا ثالثة ساكنة في الخماسي حكم عليه بالزيادة، وعلى الألف بأنها منقلبة عن أصل نحو: أفعى وموسى وعقنقى٢، إن وجد في كلامهم ما لم يدل دليل على أصالة هذه الأحرف، وزيادة الألف نحو أرطى فيمن قال: أديم مأروط٣.
وإن كان المحتمل غير هذه الثلاثة حكمنا بأصالته وزيادة الألف، كما ذكروا.
وقال في التسهيل: وتترجح زيادة ما صدر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف لين، فسوى بين الياء والهمزة والميم في ذلك.
_________________
(١) ١ عاعى -بعينين مهملتين- أي: زجر الضأن، وضوضى: بضاضين، قال في القاموس في باب الهمزة: الضاضاء، والضوضاء: أصوات الناس في الحرب، ورجل مضوِّض مصوت. ٢ عقنقى: لم أجده في القاموس؛ لأنه قال إن وجد في كلامهم. ٣ أي: مدبوغ بالأرطى، والأرطى: شجر ينبت في الرمل.
[ ٣ / ١٥٣٣ ]
ثم اعلم أن الألف لا تزاد أولا؛ لامتناع الابتداء بها، وتزاد في الاسم ثانية نحو ضارب، وثالثة نحو كتاب، ورابعة نحو حبلى، وخامسة نحو انطلاق، وسادسة نحو قبعثرى، وسابعة نحو أربعاوى.
وتزاد في الفعل ثانية نحو قاتل، وثالثة نحو تغافل، ورابعة نحو سلقى، وخامسة نحو اجأوى، وسادسة نحو اغرندى١.
والياء كذا والواو إن لم يقعا كما هما في يُؤْيُؤ ووَعْوَعَا
يعني: أن الياء والواو مثل الألف في أن كلا منهما إذا صحب أكثر من أصلين، حكم بزيادته إلا الثنائي المكرر نحو يؤيؤ -لطائر ذي مخلب- قال الجوهري: شبه الباشق، والجمع البآبئ، ووعوع: إذا صوت.
فهذا النوع يحكم فيه بأصالة حروفه كلها كما حكم بأصالة حروف سمسم.
والتقسيم السابق في الألف يأتي هنا أيضا، فنقول الياء والواو لهما ثلاثة أحوال:
فإن صحبا أصلين فقط فهما أصلان، وإن صحبا ثلاثة فصاعدا مقطوعا بأصالتها فهما زائدان، إلا في الثنائي المكرر كما تقدم، وإن صحبا أصلين وثالثا محتملا، فإن كان همزة أو ميما مصدرتين حكم بزيادتهما وأصالة الياء والواو، نحو أيدع ومزود٢ إلا أن يدل دليل على أصالة "الميم والهمزة"٣ وإن كان غيرهما حكم بأصالته وزيادة الياء والواو ما لم يدل دليل على خلاف ذلك.
ثم إن الياء تزاد في الاسم أولى نحو يَلْمَع، وثانية نحو ضَيْغَم، وثالثة نحو
_________________
(١) ١ سلقى: في القاموس: سلق فلانا طعنه كسلقاه. أجأوى: في الصحاح: الجؤوة حمرة تضرب إلى سواد، وفي القاموس: أنه يقال: جؤوة كحمرة وجؤة كثبة وجأى كجوى والفعل جيء الفرس وجأى واجأوى والنعت أجوى وجأواه. اغرندي: أي علا. ٢ أيدع -بفتح الهمزة وسكون الياء وفتح الدال- له معانٍ منها الزعفران، ومزود: المزود كمنبر، وعاء الزاد وهو طعام المسافر. ٣ أ، وفي ب، ج "الياء والواو".
[ ٣ / ١٥٣٤ ]
قضيب، ورابعة نحو حذرية، وخامسة نحو سُلَحْفية، قيل: وسادسة نحو مغناطيس، وسابعة نحو خُنْزُوانية١.
وتزاد في الفعل أولى نحو يضرب، وثانية نحو بيطر، وثالثة عند من أثبت فَعْيَل في أبنية الأفعال نحو رَهْيَأ، ورابعة نحو قلسيت، وخامسة نحو تَقَلْسَيْتُ، وسادسة نحو اسْلَنْقَيْتُ٢.
والواو تزاد ثانية نحو كوثر، وثالثة نحو عجوز، ورابعة نحو عَرْقُوة، وخامسة نحو قلنسوة، وسادسة نحو أَرْبَعَاوِي، وتزاد في الفعل ثانية نحو حوقل، وثالثة نحو جَهْوَر، ورابعة نحو اغْدَوْدَنَ٣.
ومذهب الجمهور أن الواو لا تزاد أولا، قيل: لثقلها، وقيل: لأنها إن زيدت مضمومة اطرد همزها، أو مكسورة فكذلك، وإن كان همز المكسورة أقل، أو مفتوحة فيتطرق إليها الهمز؛ لأن الاسم يضم أوله في التصغير، والفعل يضم أوله عند بنائه للمفعول؛ فلما كانت زيادتها أولا تؤدي إلى قلبها همزة رفضوه؛ لأن قلبها همزة قد يوقع في اللبس، وزعم قوم أن واو "وَرَنْتَل" -وهو الشر- زائدة على الندور، وهو ضعيف؛ إذ لا نظير لذلك، ولأنه يؤدي إلى بناء وَفَنْعَل، وهومفقود، والصحيح أن الواو أصلية.
_________________
(١) ١ يلمع: هو السراب. حذرية -بكسر الحاء وسكون الذال وكسر الراء- القطعة الغليظة من الأرض، سلحفية -بضم السين وفتح اللام وسكون الحاء وكسر الفاء- حيوان معروف، خنزوانية -بضم الخاء وسكون النون وضم الزاي- التكبر. ٢ رهيأ: في القاموس: الرهيأة بمعان منها الضعف والتواني وفساد الرأي. قلسيت: يقال: قلسيته فتقلس أي: ألبسته القلنسوة فلبسها. اسلنقيت: أي: نمت على ظهري. ٣ عرقوة -بفتح العين وسكون الراء وضم القاف- إحدى خشبتي الدلو اللتين على فمه كالصليب. أربعاوي -بضم الهمزة- في القاموس: قعدة المتربع. جهور: أي رفع صوته.
[ ٣ / ١٥٣٥ ]
واختلف في لامه؛ فقال الفارسي: زائدة، وإليه ذهب المصنف، وقال غيره: أصلية، ووزنه على هذين القولين فعنلل؛ لأن اللام الأخيرة على الأول منهما زائدة، وعلى الثاني أصلية.
تنبيهان:
الأول: قد اتضح أن الواو والياء بينهما فرق، وهو أن الواو لا تزاد أولا بخلاف الياء.
الثاني: إذا تصدرت "الياء"١ وبعدها ثلاثة أصول، فهي زائدة كما سبق نحو يلمع، وإذا تصدرت وبعدها أربعة أصول فهي أصل كالياء في يستعور -وهو شجر يتسوك بعيدانه- ووزنه فعللول كعضرفوط، هذا هو الصحيح؛ لأن الاشتقاق لم يدل على الزيادة في مثله إلا في المضارع نحو يدحرج، فإن زيادته فيه معلومة.
وهكذا همز وميم سَبقا ثلاثة تأصيلها تحققا
الهمزة والميم متساويتان في أن كلا منهما إذا تصدر وبعده ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها فهو زائد نحو أحمد وإفكل ومكرم؛ لدلالة الاشتقاق في أكثر الصور على الزيادة، فحمل عليه ما سواه.
فإن قلت: فقد حكم سيبويه وأكثر النحويين على ميم "مَرْجَل" بأنها أصل مع أن بعدها ثلاثة أصول، وهكذا ميم مُغْفُور -وهو ضرب من الكمأة- وقد ذهب كثير إلى أن ميم "مِرْعزّى"٢ أصل فلم يطرد هذا القانون.
قلت: هو مطرد ما لم يعارضه دليل على الأصالة من اشتقاق أو نحوه، فيحكم بمقتضى الدليل.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ المرجل -بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم- المشط والقدر من الحجارة والنحاس. والمرعزى -بكسر الميم وسكون الراء وكسر العين وتشديد الزاي- فإن خففتها مددت، وقد تفتح الميم: الزغب الذي تحت شعر العنز.
[ ٣ / ١٥٣٦ ]
كما عارض في مرجل ثبوت ميمه في التصريف، كقولهم: "مَرْجَل الحائك الثوب" إذا نسجه مُوَشًّى بوَشْيٍ يقال له: المراجل، قال ابن خروف: المرجل ثوب يعمل بدارات كالمراجل وهي: قدور النحاس.
وقد ذهب أبو العلاء المعري إلى زيادة ميم مِرْجل اعتمادا على ذلك الأصل، وجعل ثبوتها في التصريف كثبوت ميم تَمَسْكَنَ من المسكنة، وتَمَنْدَلَ من المنديل، وتَمَدْرَعَ إذا لبس المدرعة، والميم فيها زائدة، ولا حجة له في ذلك؛ لأن الأكثر في هذا تَسَكَّنَ وتندَّل وتدرع، قال أبو عثمان: هو كلام أكثر العرب.
وأما مُغْفُور، فعن سيبويه فيه قولان: أحدهما: أن الميم زائدة، والآخر: أنها أصل؛ لقولهم: "ذهبوا يَتَمَغْفَرُون" أي: يجمعون المغفور، وهو ضرب من الكمأة.
وأما مِرْعِزَّى، فذهب سيبويه إلى أن ميمه زائدة، وذهب قوم منهم الناظم إلى أنها أصل؛ لقولهم: "كساء مُمَرْعَز" دون مُرَعَّز.
وألزم المصنف سيبويه أن يوافق على الأصالة في مِرْعِزِيٍّ أو يخالف في الجميع.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله "سبقا" أنهما لا يحكم بزيادتهما متوسطتين ولا متأخرتين إلا بدليل، ويستثنى من ذلك الهمزة المتأخرة بعد الألف وقبلها أكثر من أصلين، فإنها تطرد زيادتها، وسيأتي.
ومثال ما حكم فيه بزيادة الهمزة، وهي غير مصدرة شَمْأَل واحْبَنْطَأ١.
ومثال ما حكم فيه بزيادة الميم، وهي غير مصدرة دلامص وزرقم٢.
أما شمأل، فالدليل على زيادة همزتها سقوطها في بعض لغاتها، وفيها عشر لغات:
شَمْأل، وشَأْمل -بتقديم الهمزة على الميم- وشَمَال -على وزن قَذَال- وشَمُول -بفتح الشين- وشَمَل -بفتح الشين والميم- وشَمْل -بإسكان الميم-
_________________
(١) ١ احبنطأ: انتفخ بطنه. ٢ الزرقم -بضم الزاي وسكون الراء وضم القاف- الشديدة الزرقة.
[ ٣ / ١٥٣٧ ]
وشَمْيَل -على وزن فَيْعَل- وشِمَال -على وزن كتاب- وشَمِيل -بفتح الشين وكسر الميم- وشَمْأَلّ -بتشديد اللام- واستدل ابن عصفور وغيره على زيادة همزة شمأل بقولهم: "شملت الريح" إذا هبت شمالا، واعترض بأنه يحتمل أن يكون أصله شمألت فنقل، فلا يصح الاستدلال به.
وأما احبنطأ، فالدليل على زيادة ميمها سقوطها في الْحَبَط١، والظاهر أن وزن احبنطأ افعنلأ، وزعم بعضهم أنه افعنلى كاسرندى، والهمزة فيه بدل من الألف.
قال: لأن افعنلأ بناء مفقود.
وأما دلامص، فالدليل على زيادة ميمها سقوطها في قولهم: "دِرْع دلامص".
يقال: دلامص ودُمالص ودُلمص ودُمْلص ودُلاص -وهو الشيء البراق- وذهب أبو عثمان إلى أن الميم في دلامص وأخواته أصل، وإن وافقت دلاصا في المعنى، فهي عنده من باب سبط وسِبَطر٢.
وأما زُرْقُم، فالدليل على زيادة ميمه واضح؛ لأن من الزرقة، والزرقم هو الأزرق.
والثاني: فهم من قوله: "ثلاثة" أنهما إذا سبقا أصلين فقط نحو أمر ومنع، أو أربعة أصولا نحو اصطبل ومرزجوش٣، فلا يحكم بزيادتهما بل يحكم بأصالتهما.
أما إذا سبقا أصلين فقط فتكميلا لأقل الأبنية، وأما إذا سبقا أربعة، فإن الاشتقاق لم يدل على الزيادة في نحو ذلك إلا في فعل أو محمول عليه نحو ادحرج ومدحرج، فوزن اسطبل فعلَلّ، وزن مرزجوش فعللول.
_________________
(١) ١ الحبط -بفتحتين- وهو أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها ولا يخرج عنها ما فيها. ٢ السبطرة -كهزبر- الشهم الماضي، وهو الطويل أيضا، والسبط: الطويل، وهما من المرادفات المتفقة في معظم الحروف. ٣ المرزجوش: نبت.
[ ٣ / ١٥٣٨ ]
وقياس إبراهيم وإسماعيل أن تكون همزتهما أصلية لو كانا عربيين؛ ولذلك رد أبو العباس على سيبويه قوله على تصغيرهما: بريهيم وسميعيل، وتقدم ذلك في باب التصغير.
الثالث: فهم من قوله: "تأصيلها تحققا" أنهما إذا سبقا ثلاثة لم يتحقق تأصيل جميعها، بل كان في أحدها احتمال، لا يقدم على الحكم بزيادتهما إلا بدليل.
وهذا فيه نظر؛ لأن الهمزة والميم إذا سبقا ثلاثة أحرف أحدها يحتمل الأصالة والزيادة، حكم بزيادة الهمزة والميم وبأصالة ذلك المحتمل إلا بدليل؛ ولذلك حكم بزيادة همزة أفعى وأبين وإجاص، وميم موسى ومِزْود ومِجَن١. وفي مجن عن سيبويه قولان: والأصح أن ميمه زائدة، فإذا دل دليل على أصالة الهمزة والميم، وزيادة ذلك المحتمل حكم بمقتضاه، كما حكم بأصالة أرطى فيمن قال: أديم مأروط، وهمزة أولق -وهو الجنون- فيمن قال: ألق فهو مألوق، وبأصالة ميم مهدد٢ وزيادة أحد المثلين؛ إذ لو كانت ميمه زائدة لكان مَفْعَلا، فكان يجب إدغامه، وكذلك ميم مأجج٣ أصل لما ذكر، وأجاز السيرافي في مأجج ومهدد أن تكون الميم زائدة ويكون فكهما شاذا، وما ذكره الشارح من أن في قوله: "تأصيلها تحققا" تنبيها على أصالة همزة أولق وميم مَهْدَد، مبني على ذلك المفهوم.
الرابع: تزاد الهمزة في الاسم أولى كأحمر، وثانية كأشمل، وثالثة كشمأل، ورابعة كحطائط وهو القصير، وخامسة كحمراء، وسادسة كحروراء، وسابعة كعاشوراء، وثامنة كبربيطياء٤.
والميم تزاد أولى كمرحب، وثانية كدُملص، وثالثة كدُلَمص، ورابعة كزُرْقُم، وخامسة كضُبَارِم؛ لأنه من الضبر وهو في شدة الخلق، وذهب ابن عصفور إلى أنها في ضبارم أصلية، قال في الصحاح: الضبارم -بالضم- الشديد الخلق من الأسد.
_________________
(١) ١ مجن -بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون- الترس. ٢ مهدد: اسم امرأة. ٣ مأجج: اسم موضع. ٤ حروراء: موضع بالعراق. بربيطياء: في القاموس: البربيطياء -بالكسر- النبات.
[ ٣ / ١٥٣٩ ]
كذاك همز آخِر بعد أَلِفْ أكثر من حرفين لفظُها رَدِفْ
أي: كذلك يحكم باطراد زيادة الهمزة إذا وقعت آخرا بعد ألف، قبل تلك الألف أكثر من حرفين، نحو: حمراء وعلباء وقُرْفُصاء١، فلو كان قبل الألف حرفان فقط نحو كساء ورداء، أو حرف واحد نحو ماء وداء، فالهمزة بدل أصل، أو أصل لا زائدة.
ولو وقعت الهمزة آخرا وليست بعد ألف حكم بأصالتها إلا بدليل كما تقدم في احبنطأ.
تنبيه:
مقتضى قوله: "أكثر من حرفين" أن الهمزة يحكم بزيادتها في ذلك، سواء قطع بأصالة الحروف التي قبل الألف كلها أم قطع بأصالة الحرفين، واحتمل الثالث، وليس كذلك؛ لأن ما آخره همزة بعد ألف بينها وبين الفاء حرف مشدد نحو سُلّاء وحوَّاء، أو حرفان أحدهما لين نحو زِيزَاء وقُوباء٢، فإنه محتمل لأصالة الهمزة وزيادة أحد المثلين، أو اللين، وللعكس، فإن جعلت الهمزة أصلية كان سُلاء فُعّالاء وحواء فَعّالا من الحواية، وإن جعلت زائدة كان سلاء فُعلاء، وحواء فَعلاء من الحوة؛ فإن تأيد أحد الاحتمالين بدليل حكم به وألغي الآخر؛ ولذلك حكم على حواء بأن همزته زائدة إذا لم يصرف، وبأنها أصل إذا صرف نحو حواء للذي يعاني الحيات.
والأولى في سلاء أن تكون همزته أصلا؛ لأن فُعَّالا في النبات أكثر من فعلاء، فلو قال الناظم: "أكثر من أصلين" لكان أجود.
والنون في الآخر كالهمز وفي نحو غضنفر أصالة كُفِي
_________________
(١) ١ القرفصاء -بضم القاف والفاء- ضرب من القعود يمد ويقصر. ٢ سلاء -بضم السين وتشديد اللام- شوك النخل. زيزاء: الأرض الغليظة. قوباء -بضم القاف- الذي يظهر في الجسد ويخرج عليه وهو داء معروف يتقشر ويتسع يعالج ويداوي بالريق.
[ ٣ / ١٥٤٠ ]
اعلم أن النون يُحكم بزيادتها في خمسة مواضع:
الأول: أن تقع آخرا بعد ألف زائدة قبلها أكثر من أصلين، كما تقدم في الهمزة؛ فلذلك شبهها بالهمزة نحو: ندمان وزعفران، فإن كان قبلها حرفان نحو: زمان ومكان، فهي أصلية.
فإن قلت: الناظم قد جعل النون في الآخر كالهمز، وتقدم أن كلامه في الهمزة ليس على إطلاقه، بل يستثنى منه نحو سلاء وقوباء، فإن فيه احتمالا، فهل يجري ذلك في النون؟
قلت: أما على قول أكثر النحويين فلا؛ لأنهم يحكمون بزيادة النون في أمثال حسَّان وعقيان١، إلا أن يدل دليل على أصالتها، بدلالة منع صرف حسان على زيادة نونه في قول الشاعر٢:
ألا مَن مُبلغٌ حسانَ عني مغلغلة تدب إلى عكاظ
أما على ما ذهب إليه في التسهيل والكافية من أن النون في ذلك كالهمزة في تساوي الاحتمالين، فلا يلغي أحدهما إلا بدليل، فينبغي أن يقيد إطلاقه هنا بذلك، وهذا مذهب لبعض المتقدمين، وذهب الجمهور إلى أن النون لا يشترط في الحكم بزيادتها في ذلك إلا شرطان:
_________________
(١) ١ العقيان: الذهب الخالص، قيل: هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة. اهـ الجوهري. ٢ قائله: هو أمية بن خلف الخزاعي يهجو حسان بن ثابت الأنصاري، وهو من الوافر. اللغة: "مغلغلة" -بضم الميم- يقال: رسالة مغلغلة إذا كانت محمولة من بلد إلى بلد "تدب" من دب على الأرض يدب دبيبا "عكاظ" -بضم العين- سوق من أسواق الجاهلية. الإعراب: "ألا" للتنبيه "من" استفهامية في محل رفع مبتدأ "مبلغ" خبره "حسان" منصوب على المفعولية "عني" جار ومجرور متعلق بمبلغ "مغلغلة" مفعول مبلغ أيضا "تدب" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه "إلى عكاظ" جار ومجرور متعلق بالفعل، والجملة في محل نصب صفة لقوله مغلغلة. الشاهد: قوله: "حسان" حيث منعه من الصرف الدال على زيادة نونه. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٠٧/ ٣، وابن يعيش ٥٦٣/ ٤.
[ ٣ / ١٥٤١ ]
أحدهما: أن يكون قبل الألف أكثر من حرفين، والآخر: ألا يكون من باب جنجاب١.
فإن قلت: قد أخل الناظم بهذا الشرط الثاني.
قلت: قد ذكر قبل هذا ما يرشد إليه وهو قوله: "واحكم بتأصيل حروف سمسم" وزاد بعضهم لزيادة النون شرطا آخر، وهو ألا تكون في اسم مضموم الأول مضعف الثاني اسما لنبات نحو رمان، فإنها في ذلك أصل؛ لأن فعالا في أسماء النبات أكثر من فعلان، وإلى هذا ذهب في الكافية حيث قال:
فعل عن الفعلان والفعلاء في النبت للفعال كالسلاء
ورد بأن زيادة الألف والنون آخرا أكثر من مجيء النبات على فعال، ومذهب سيبويه والخليل: أن نون رمان زائدة، قال سيبويه: وسألته -أي الخليل- عن الرمان إذا سمي به، فقال: لا أصرفه في المعرفة، وأحمله على الأكثر، إذا لم يكن له معنى يعرف به.
وقال الأخفش: نونه أصلية مثل قراص وحماض؛ لأن فعالا أكثر من فعلان، يعني النبات، والصحيح أنها أصلية، لا لكونه اسم نبات، بل لثبوتها في الاشتقاق.
قالوا: مرمنة -للبقعة الكثيرة الرمان- ولو كانت النون زائدة لقالوا: مرمة.
والموضع الثاني: أن تقع ساكنة غير مدغمة وبعدها حرفان نحو غضنفر وهو الأسد.
فالنون في هذا ونحوه مطرد زيادتها لثلاثة أوجه:
أحدها: أن كل ما عرف له اشتقاق أو تصريف وجدت فيه زائدة فحمل غيره عليه.
_________________
(١) ١ جنجان -بكسر الجيم الأولى وأصله جنجن كسمسم- قال في القاموس الجناجن: عظام الصدر، الواحد جنجن وجنجنة -بكسرهما ويفتحان.
[ ٣ / ١٥٤٢ ]
وثانيها: أن النون في ذلك واقعة موقع ما تيقنت زيادته كياء سَمَيْدَع وواو فدوكس١.
وثالثها: أنها تعاقب حرف اللين غالبا، كقولهم للغليظ الكفين: شَرَنْبَث وشَرَابِث، وللضخم جَرَنْفَش، ولضرب من النبت عرنقصان وعريقصان.
وقد اشتمل هذا الضابط على قيود ننبه عليها، فقولنا: "ثالثة" احترازا من أن تقع ثانية فإنه لا يحكم بزيادتها متحركة كانت أو ساكنة في غير ما سيأتي، إلا بدليل، ما حكم بزيادة نون كنهبل للزوم عدم النظير، وبزيادة نون حَنْظَل كقولهم: "حظلت الإبل".
وقولنا: "ساكنة" احترازا من المتحركة، فإنها لا يحكم بزيادتها إلا بدليل، وقد زيدت ثالثة متحركة، في ألفاظ قليلة منها: غرنيق وقعنب وخرنوب٢ على احتمال في بعضها.
وقولنا: "غير مدغمة" احترازا من نحو عجنس٣ تعارضت فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف، فغلب التضعيف لأنه الأكثر، وجعل وزنه فعلل كعدبس٤.
قال الشيخ أبو حيان: والذي أذهب إليه أن النونين زائدتان ووزنه فعنل، والدليل على ذلك أنا وجدنا النونين مزيدتين فيما عرف له اشتقاق نحو ضفنط وزونك٥.
_________________
(١) ١ السميدع: السيد الكريم الموطأ الأكناف والشجاع والذئب والخفيف في حوائجه. والفدوكس -بفتح الفاء والدال- الأسد والرجل الشديد. ٢ الغرنيق -بضم الغين وسكون الراء- طير من طيور الماء، ويطلق على غير ذلك، والقعنب: اسم رجل. والخرنوب -بضم الخاء، لغة في الخروب- وهو نبت معروف. اهـ صحاح. ٣ العجنس -بفتح العين والجيم وتشديد النون- الجمل الضخم الشديد. ٤ العدبس -بفتح العين والدال وتشديد الباء- الشديد من الإبل وغيرها. ٥ ضفنط -بفتح الضاد والفاء وتشديد النون- من الضفاطة: وهي الجهل وضعف الرأي وضخامة البطن. زونك -بفتح الزاي والواو وتشديد النون- من الزوك: مشي الغراب وتحريك المنكبين في المشي والتبختر.
[ ٣ / ١٥٤٣ ]
ألا ترى أنه من الضفاطة والزوك، فيحمل ما لا يعرف له اشتقاق على ذلك.
وقولنا: "وبعدها حرفان" احترازا من أن يكون بعدها حرف واحد أو أكثر من حرفين فلا يحكم عليها بالزيادة إلا بدليل، كما حكم بزيادة نون عرند١ للزوم وعدم النظير.
وزاد ابن جني مع هذه الشروط شرطا آخر، وهو أن يكون مما لا يمكن فيه التضعيف.
احترازا من أن يكون بعدها حرف واحد نحو حزنزق٢ فإن نونه عنده محتملة، فلا يقضى عليها بالأصالة ولا بالزيادة إلا بدليل.
ورده ابن عصفور وقال: الصحيح أنها في ذلك زائدة، ولبسط الكلام على ذلك موضع غير هذا.
الموضع الثالث: الانفعال وفروعه كالانطلاق.
الموضع الرابع: الافعنلال وفروعه كالاحرنجام.
الموضع الخامس: المضارع نحو نضرب.
تنبيهات:
الأول: إنما لم يذكر الناظم هذه المواضع الثلاثة هنا مع أن زيادة النون فيا مطردة؛ لوضوح أمرها.
الثاني: اعلم أن النون تزاد على وجهين:
أحدهما: أن تزاد في بنية الكلم بحيث لو حذفت اختل معناها كما تقدم.
والآخر: أن تزاد بعد تمام الكلمة كالتنوين ونون التثنية والجمع وعلامة الرفع في الأمثلة الخمسة ونون الوقاية ونون التوكيد.
والذي ينبغي أن يذكر في حروف الزيادة هو النوع الأول، وقد يذكر الثاني تنبيها على أن النون تزاد على الوجهين.
_________________
(١) ١ العرند -بفتح العين وسكون الراء وفتح النون- لأنه من قولهم: شيء عرد أي: صلب. ٢ كذا بالأصل، وفي نسخة ب "حزنزن".
[ ٣ / ١٥٤٤ ]
الثالث: اعلم أن النون تزاد أولى نحو نضرب، وثانية نحو حنظل، وثالثة نحو غضنفر، ورابعة نحو رعشن، وخامسة نحو عثمان، وسادسة نحو زعفران، وسابعة نحو عبوثران١.
والتاء في التأنيث والمضارعهْ ونحو الاستفعال والمطاوعهْ
ذكر أن التاء تطرد زيادتها في التأنيث نحو قائمة، وكذا في الفعل نحو قامت، وفي المضارعة نحو تقوم، وفي الاستفعال وفروعه نحو الاستخراج واستخرج فهو مستخرج، وفي المطاوعة لثلاثي نحو تعلم تعلما، أو الرباعي نحو تدحرج تدحرجا.
فإن قلت: قد اطردت زيادة التاء في التفاعل نحو التغافل، وفي الافتعال نحو الاقتدار وفروعهما، وفي التفعيل والتفعال نحو الترديد والترداد، دون فروعهما؛ لأن فروعهما لا تاء فيها.
ولم يذكر الناظم هذه الأربعة.
قلت: قد يمكن إدراكها في قوله: "ونحو الاستفعال" أي: ونحوه من المصادر التي زيدت فيها ولا يختص بهذا الوزن.
وزيدت التاء أيضا في أنت وفروعه على المشهور٢، ولا يقضى بزيادتها في غير ما ذكر إلا بدليل.
واعلم أن التاء تزاد أولا وحشوا وآخرا، فأما زيادتها أولا فمنه مطرد وقد تقدم، ومنه مقصور على السماع كزيادتها في تنضب وتتفل٣.
_________________
(١) ١ عبوثران -بفتح العين وسكون الواو وفتح المثلثة وضمها- بنات طيب الرائحة. ورعشن: يقال: رجل رعشن للذي يرتعش، وجمل رعشن لاهتزازه في السير. ٢ هذا المشهور، هو أن الضمير من "أنت" هو أن التاء حرف دال على تأنيث المخاطب المفرد أو المثنى أو الجمع، ويقابله قولان آخران؛ أولهما: أن الضمير هو التاء، وأن حرف عماد كما قيل في "إياك" ونحوه، وثانيهما: أن الضمير هو مجموع أن والتاء. ٣ التنضب: شجر له شوك قصار وليس من شجر الشواهق. والتتفل -بفتح التاء الأولى وسكون الثانية وضم الفاء، أو بضمتين بينهما سكون، أو بكسر أوله وفتح ثالثه، أو بفتح الأول والثالث أو بكسرهما- الثعلب، وقيل: ولده.
[ ٣ / ١٥٤٥ ]
وأما زيادتها آخرا فكذلك منه مطرد وقد تقدم، ومنه مقصور على السماع كالتاء في رغبوت ورحموت وملكوت وعنكبوت. ومذهب سيبويه أن نون عنكبوت أصل وهو رباعي، وذهب بعض النحويين إلى أنه ثلاثي ونونه زائدة.
وأما زيادتها حشوا فلا تطرد إلا في الاستفعال والافتعال وفروعهما، وقد زيدت حشوا في ألفاظ قليلة، ولقلة زيادتها حشوا ذهب الأكثر إلى أصالتها في يستعور، وإلى كونها بدلا من الواو في كلتا.
والهاء وقفا كلمه ولم تره واللام في الإشارة المشتهره
لم تطرد زيادة الهاء إلا في الوقف على ما الاستفهامية مجرورة نحو "لِمَهْ" وعلى الفعل المحذوف اللام جزما أو وقفا، وعلى كل مبني على حركة لازمة إلا ما تقدم اسثناؤه في باب الوقف.
وهي واجبة في بعض ذلك، وجائزة في بعضه، وقد تقدم في بابه، فلا حاجة لإعادته.
تنبيهات:
الأول: أنكر المبرد زيادة الهاء ولم يعدها من حروف الزيادة، وأورد عليه زيادتها في الوقف، وأجيب بأنها حرف معنى كالتنوين وباء الجر، فلا وجه لعدها في حروف الزيادة؛ لأنها إنما تلحق لبيان الحركة، ولو عدت لزم عد الشين التي تلحق في الوقف لبيان الضمير عند العرب نحو "أكرمتكِش". والصحيح أنها من حروف الزيادة، وإن كانت زيادتها قليلة، والدليل على ذلك قولهم: أمَّهات، وقول بعضهم: أمهة، قال الراجز١:
_________________
(١) ١ قائله: هو قصي بن كلاب بن مرة أحد أجداد النبي -ﷺ- وهو من الرجز. اللغة: "أمهتي" أي: أمي "خندف" -بكسر الخاء والدال وسكون النون- وهي أم مدركة زوجة إلياس واسمها ليلى بنت حلوان، واشتقاق خندف من الخندفة وهو مشي فيه سرعة وتقارب خطا. وعن الخليل أن الخندفة مشية كالهرولة للنساء خاصة دون الرجال "وإلياس" هو ابن مضر بن نزار. الإعراب: "أمهتي" مبتدأ "خندف" خبره "وإلياس" الواو عاطفة وإلياس مبتدأ "أبي" خبره. الشاهد: قوله: "أمهتي" حيث ظهر فيه الهاء وهو على أصل؛ وذلك لأن أصل أم أمهة؛ ولذلك يجمع على أمهات. مواضعه: ذكر في المحتسب لابن جني ٢٢٣/ ٢، وابن يعيش ٣، ٤/ ١٠، وشرح الشافية ص٣٠١، وهمع الهوامع ٢٣/ ١.
[ ٣ / ١٥٤٦ ]
أمهتي خندف وإلياس أبي
فالهاء في أمهات وأمهة زائدة؛ لسقوطها في قولهم: أم بينة الأمومة.
وأجيب بجواز أصالتها، ويكون أمهة فُعَّلَة نحو أبهة، وقد أجاز ذلك ابن السراج، ويقويه حكاية صاحب العين: تأمهت أما، بمعنى اتخذت أما، ثم حذفت الهاء فبقي أم، ووزنه فُع، أو تكون أمْهة وأم من باب سَبِط وسِبْطَر، وضعف هذا الجواب بأنه على خلاف الظاهر، وأن حكاية صابح العين تأمهت لا يحتج بها؛ لأن في كتاب العين اضطرابا لا يخفى، وكان الفارسي يعرض عنه، ويرد على المبرد أيضا قولهم: "أهراق" فالهاء فيه زائدة لسقوطها في أراق إراقة، قالوا: ولا جواب عنه إلا دعوى الغلط ممن قاله؛ لأنه لما أبدل الهمزة في هراق توهم أنها فاء١، فأدخل الهمزة عليها فأسكنت.
وقال الخليل: هي زائدة في هِرْكَوْلة، وهي العظيمة الوركين، لأنها تَرْكُل في مشيتها.
وقال أبو الحسن: إنها زائدة في هِبْلَع -وهو الأكوع- وهِجْرَع -وهو الطويل٢- لأن الأول من البلع، والثاني من الجرع -وهو المكان السهل- وما قاله في هبلع أقرب.
وذهب بعضهم إلى أنها زائدة في سَهْلَب٣، وذكروا ألفاظا أخر لا نطول بها لعدم شهرتها.
الثاني: تبين مما تقدم أن ذكر هاء السكت في حروف الزيادة -كما فعل المصنف- ليس بجيد.
_________________
(١) ١ أي: فاء الكلمة. ٢ وهما عنده هفلع. ٣ السهلب: الطويل.
[ ٣ / ١٥٤٧ ]
واللام في الإشارة المشتهرهْ
لم تطرد زيادة اللام إلا في أسماء الإشارة نحو ذلك وتلك، وزيادة هذه اللام، قيل: لتوكيد الإشارة، وقيل: للدلالة على البعد.
تنبيه:
زيادة اللام على ضربين:
أحدهما: أن تزاد في الكلمة مبنية عليها كزيادتها في فَيْشَلَة -وهي رأس الذكر- وفَحْجَل -وهو المتباعد الفخذين- وهَيْقَل -وهو ذكر النعام- وعَبْدَل -بمعنى عبد- لسقوطها في قولهم: فَيْشَة وأفحج وهيق وعبد، وأجاز ابن جني في فيشلة وهيقل أصالة اللام، ويكون مادتين، ونقل عن أبي الحسن أن لام عبدل أصل. وهو مركب من عبد الله كما قالوا: عبشمي، وقال في الأوسط: واللام تزاد في عبدل وحده وجمعه عبادلة.
قيل: فيكون للأخفش قولان.
والضرب الثاني لزيادة اللام: أن تزاد لمعنى لم تُبنَ الكلمة عليها، وهي لام الإشارة، وهذا لا يعني أن يذكر هنا. كما تقدم في هاء السكت.
تنبيه:
ذكر في النظم تسعة من حروف الزيادة ولم يذكر السين، وهي تزاد باطراد مع التاء في الاستفعال وفروعه.
قيل: وبعد كاف المؤنثة نحو أكرمتكس -وهي الكسكسة- وليس بجيد؛ لأنها لم تزد في بنية الكلمة، ويلزم من عد سين الكسكسة أن يعد شين الكشكشة، ولا تطرد زيادتها فيما سوى ذلك بل يحفظ كسين قدموس -بمعنى قديم- وسين أسطاع -بقطع الهمزة، وضم أول المضارع- فإن أصله أطاع يطيع، والسين زائدة، هذا مذهب البصريين، والعذر للمصنف أن السين لا تطرد زيادتها إلا في موضع واحد، وقد مثل به في زيادة التاء؛ إذ قال: "ونحو الاستفعال" فكأنه اكتفى بذلك.
وامنع زيادة بلا قد ثبت إن لم تُبيِّن حجة كحَظِلَتْ
[ ٣ / ١٥٤٨ ]
أي: متى وقع شيء من هذه الحروف العشرة خاليا عما قيدت به زيادته، فهو أصل ولا يقبل دعوى زيادته إلا بدليل، كسقوط نون حنظل في قولهم: "حظلت الإبل" إذا تأذت من أكل الحنظل؛ فلذلك حكم بزيادتها مع أنها قد خلت من قيد الزيادة، أعني: كونها "زائدة"١ ثالثة، وقد تقدمت أمثلة كثيرة مما حكم فيه بالزيادة لدليل مع خلوه من قيد الزيادة، فلتراجع. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أ.
[ ٣ / ١٥٤٩ ]
فصل في زيادة همزة الوصل:
مناسبة هذا الفصل لما قبله: أنه من تتمة الكلام على زيادة الهمزة، وهو مشتمل على مقصدين:
الأول: تعريف همزة الوصل لتمتاز عن همزة القطع.
والثاني: بيان أحكامها.
أما تعريفها، فله طريقان: أحدهما بالرسم، والآخر بالحصر، وقد أشار إلى رسمها بقوله:
للوصل همزة سابق لا يَثْبُتْ إلا إذا ابتُدِي به كاسْتَثْبِتُوا
وحاصله: أن همزة الوصل هي كل همزة تسقط وصلا وتثبت ابتداء، وهمزة القطع هي كل همزة تثبت وصلا وابتداء، وقد اشتمل كلامه على فوائد:
الأولى: أن همزة الوصل وضعت أولا همزة؛ لقوله: "للوصل همز" هذا هو الصحيح، وقيل: يحتمل أن يكون أصلها الألف، ألا ترى "إلى"١ ثبوتها ألفا في نحو: "آلرجل؟ " في الاستفهام لما لم يضطر إلى الحركة.
الثانية: أن همزة الوصل لا تكون إلا سابقة؛ لأنه إنما جيء بها وصلة إلى الابتداء بالساكن؛ إذ الابتداء به متعذر.
الثالثة: أن إثبات همزة الوصل في الدرج لا يجوز إلا في ضرورة شعر، كقوله٢:
_________________
(١) ١ ب. ٢ قائله: هو قيس بن الخطيم، وهو من الطويل. وتمامه: بنث وتكثير الوشاة قمين اللغة: "بنث" -بالباء الجارة وفتح النون وتشديد الثاء- من نث الحديث ينثُّه بالضم نثًّا إذا أفشاه "قمين" أي: خليق بذلك وحري. ويُروى: بنت وإفشاء الحديث قمين. الإعراب: "إذا" للشرط "جاوز" فعل ماض "الاثنين" مفعول به "سر" فاعل جاوز، والجملة وقعت فعل الشرط "فإنه" الفاء واقعة في جواب الشرط وإن واسمها وهو الضمير الراجع إلى السر "قمين" خبر إن "بنث" يتعلق به "وتكثير" عطف عليه "الوشاة" مضاف إليه. الشاهد: قوله: "الإثنين" حيث أثبت همزة الوصل في الدرج للضرورة. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ١١/ ٢، وابن يعيش ١٩، ١٣٧/ ٩، وشرح شواهد الشافية ص١٨٣.
[ ٣ / ١٥٥٠ ]
إذا جاوك الإثنين سر فإنه
وكثر ذلك في أوائل أنصاف الأبيات كقوله١:
لا نَسَبَ اليوم ولا خُلة اتسع الخرق على الراقع
تنبيه:
اختلف في تسميتها همزة الوصل مع أنها تسقط في الوصل، فقيل: أضيفت إلى الوصل اتساعا، وقيل: لأنها تسقط في الدرج فتصل ما بعدها إلى ما قبلها، بخلاف همزة القطع، وقيل: لأنها يتوصل بها إلى النطق بالساكن.
ثم أشار إلى حصر مواضعها، وهي ستة أنواع:
الأول: الفعل الخماسي والسداسي، وإليهما أشار بقوله:
_________________
(١) ١ قائله: هو أنس بن العباس بن مرداس، وقيل: لأبي عامر جد العباس بن مرداس، وهو من السريع. اللغة: "الراقع" الذي يصلح موضع الفساد من الثوب "ولا خلة" -بضم الخاء- أي ولا صداقة. المعنى: يقول الشاعر: لا نسب ولا قرابة اليوم بيننا وقد تفاقم الأمر بحيث لا يُرجى خلاصه فهو كالخرق الواسع في الثوب لا يقبل رقع الراقع. وروى أبو علي القالي: استع الخرق على الراتق. الإعراب: "لا" نافية للجنس "نسب" اسمها مبني على الفتح في محل نصب "اليوم" ظرف متعلق بمحذوف خبرها "ولا" الواو عاطفة، ولا زائدة لتأكيد النفي "خلة" معطوف على نسب بالنظر إلى محل اسم "لا" الذي هو النصب "اتسع" فعل ماض "الخرق" فاعل "على الراقع" جار ومجرور متعلق بقوله اتسع. الشاهد: قوله: "اتسع" حيث أثبت فيه همزة الوصل في الدرج للضرورة. مواضعه: ذكره ابن عقيل ٢٢٩/ ٢، وابن الناظم وابن هشام في "لا" النافية للجنس، والأشموني، والسيوطي في شرح الألفية ص٤٠، وفي الهمع ١٤٤، ٢٢١/ ٢، وسيبويه ٣٤٩/ ١، وابن يعيش ١٠١، ١١٣/ ٢، ١٣٨/ ٩.
[ ٣ / ١٥٥١ ]
وهو لفعل ماضٍ احتوى على أكثر من أربعة نحو انْجَلَى
فكل همزة افتتح بها فعل ماض زائد على أربعة أحرف، فهي همزة وصل نحو: انجلى وانطلق واستخرج.
الثاني: فعل الأمر من كل فعل زائد على ثلاث نحو: انجلى وانطلق واستخرج١.
وإليه الإشارة: بقوله: "والأمر".
الثالث: مصدر الفعل الزائد على أربعة أحرف نحو: الانطلاق والاستخراج، وإليه الإشارة بقوله: "والمصدر" وقوله: "منه" قيد للأمر والمصدر كليهما.
الرابع: الأمر من كل فعل ثلاثي يسكن ثاني مضارعه لفظا، وإليه الإشارة بقوله:
وكذا أمر الثلاثي كاخشَ وامضِ وانفذا
فإن تحرك ثاني مضارعه لفظا لم يحتج إلى همزة الوصل ولو سكن تقديرا، كقولك في الأمر من يقوم: قُم، ومن يعد: عِد، ومن يرد: رد، ويستثنى من ذلك: خذ وكل مر، فإنها يسكن ثاني مضارعها لفظا، والأكثر في الأمر منها حذف الفاء والاستغناء عن همزة الوصل.
فإن قلت: أطلق في قوله: "أمر الثلاثي".
قلت: كأنه اكتفى بتقييد الأمثلة، وقد مثل بما سكن ثاني مضارعه، وإنما مثل بثلاثة أفعال؛ ليمثل بمفتوح العين ومكسورها ومضمومها.
الخامس: عشرة أسماء غير "مصادر"٢ وقد ذكرها في قوله:
وفي اسم است ابن ابنم سُمع
واثنين وامرئ وتأنيث تَبِعْ
فهذه تسعة لأن قوله "وتأنيث" يعني به ابنة واثنتين وامرأة، والعاشر "ايمن" المذكور أول البيت الآتي، ونبه بقوله: "سمع" على أن افتتاح هذه الأسماء العشرة
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، ج.
[ ٣ / ١٥٥٢ ]
بهمزة الوصل غير مقيس، وإنما طريقه السماع؛ وذلك أن الفعل لأصالته في التصريف استأثر بأمور منها:
بناء بعض أمثلته على السكون١، فإذا اتفق الابتداء بها زادوا همزة الوصل للإمكان ثم حملت مصادر تلك الأفعال على أفعالها في إسكان أولها، واجتلاب الهمزة.
وهذه الأسماء العشرة ليست جارية على أفعال، فكان مقتضى القياس أن تُبنَى أوائلها على الحركة، ويستغنى فيها عن همزة الوصل.
فإن قلت: فما وجه إسكان أوائلها حتى احتيج إلى همزة الوصل؟
قلت: قال بعض النحويين: لأنها أسماء معتلة سقطت أواخرها للاعتلال، وكثر استعمالها فسكن أوائلها لتكون همزة الوصل عوضا مما أسقط منها. انتهى.
وقد دعت الحاجة هنا إلى الكلام على هذه الأسماء.
أما "اسم": فأصله سمو كقنو كذا قال سيبويه، وقيل: أصله سمو كقفل، فحذفت لامه تخفيفا، وسكن أوله لما مر، وقيل: نقل سكون الميم إلى السين، وهو عند البصريين مشتق من السمو، وعند الكوفيين من الوسم، ولكنه قُلب، فأخرت فاؤه فجعلت بعد اللام، وجاءت تصاريفه على ذلك، والخلاف في هذه المسألة شهير، فلا نطول به.
وأما "است": فأصله سَتَه -بفتح الفاء والعين- ودليل تحريك العين جمعه على أفعال، ودليل فتحها أن المفتوح العين أكثر، فلا يعدل عنه لغير دليل، ودليل فتح فائه قولهم: سَه -بفتح الفاء- حين حذفوا العين، وفيه ثلاث لغات: است وسه وست.
وأما "ابن": فأصله بنو، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بنون، وفي النسب بنوي -بفتحها- ودليل فتح عينه جمعه على أفعال.
فإن قلت: ما الدليل على أن لامه واو؟
_________________
(١) ١ أي: بناء أوائل بعض أمثلته.
[ ٣ / ١٥٥٣ ]
قلت: ذكروا لذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الغالب على ما حذفت لامه الواو دون الياء.
الثاني: أنهم قالوا: البنوة، واعترض بأن البنوة لا دليل فيها؛ لأنهم قالوا: الفتوة، ولام فتى ياء.
الثالث: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت، فأبدلوا التاء من لامها، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.
وذهب بعضهم إلى أن لام ابن ياء، واشتقه من بنى يبني.
وأما "ابنم": فهو ابن زيدت فيه الميم للمبالغة، كما زيدت في زرقم، قال الشاعر١:
وهل لي أم غيرها إن ذكرتُها؟ أبَى الله إلا أن أكون لها ابنما
وأما "اثنان": فأصله ثنيان؛ لأنه من ثنيت، فحذفت لامه، وسكن أوله، وجيء بهمزة الوصل.
وأما "امرؤ": فهو اسم تام لم يحذف منه شيء، إلا أنه لما كان يجوز تخفيف همزته بنقل حركتها إلى الساكن قبلها مع الألف واللام نحو المرء أعلوه لذلك، ولكثرة استعماله.
_________________
(١) ١ قائله: هو المتلمس واسمه جرير بن عبد المسيح، وهو من الطويل. اللغة: "أبي الله" أي: منع ألا أكون إلا ابنا لها. الإعراب: "وهل" الواو للعطف وهل للاستفهام "لي" جار ومجرور خبر مقدم "أم" مبتدأ مؤخر "غيرها" صفة لأم "إن" شرطية "ذكرتها" فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه الكلام السابق "أبَى" فعل ماض "الله" فاعل "أن" مصدرية "أكون" فعل مضارع ناقص منصوب بأن واسمها ضمير، والتقدير: إلا كوني ابنا لها، لأمي "ابنما" منصوب لأنه خبر أكون. الشاهد: قوله: "ابنما" فإن أصله ابن زيدت فيه الميم للمبالغة كما زيدت في زرقم وشجعم. مواضعه: ذكره الأشموني ٨١٦/ ٢، وابن يعيش ١٣٣/ ٩، والمقتضب للمبرد ٩٣/ ٢، والخصائص لابن جني ٥٨/ ١، ١٨٢/ ٢.
[ ٣ / ١٥٥٤ ]
وأما تأنيث ابن واثنين وامرئ، فالكلام عليها كالكلام على مذكراتها، والتاء في ابنة واثنتين للتأنيث كالتاء في امرأة، بخلاف التاء في بنت وثنتين، فالتاء فيهما بدل من لام الكلمة؛ إذ لو كانت للتأنيث لم يسكن ما قبلها، ويؤيد ذلك قول سيبويه: لو سميت بهما رجلا لصرفتهما، يعني: بنتا وأختا.
فإن قيل: فإذن نفهم من الكلمة التأنيث؟
قلت: أجاب ابن يعيش في شرح المفصل بأن التأنيث مستفاد من نفس الصيغة، ونقلها من بناء إلى آخر.
وذلك أن أصل بنت بنو فنقلوه إلى فعل ألحقوه بجذع بالتاء، كما ألحقوا أختا بالتاء بقفل فصارت الصيغة علما للتأنيث؛ إذ كان هذا علما اختص بالتأنيث.
وأما "ايمن": فهو اسم مشتق من اليُمْن، وهو مخصوص بالقسم وهمزته قطع وصل، هذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها همزة قطع، وهو عندهم جمع يمين، ورد مذهبهم بثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لو كان جمعا لم تصح كسرة همزته، وقد سمع كسرها.
الثاني: أنه قد سمع حذف همزته نثرا في قول عروة بن الزبير: ليمنُك لئن ابتليت لقد عافيت.
والثالث: أنه لو كان جمعا لم يتصرف فيه بحذف بعضه؛ لأن ذلك في الجموع غير معروف، وفيه اثنتا عشرة لغة، جمعها ابن مالك ﵀ في بيتين، وهما:
همز ايمُ وايمُن فافتح واكسر أو إم قُل أو قل مُ أو مُنُ بالتثليث قد شُكلا
وايمُن اختم به، والله كلا أضِف إليه في قسَم تستوف ما نُقِلا
السادس: همزة حرف التعريف وهي امشار إليها بقوله: "همزة أل كذا" وشمل قوله: "همز أل" حرف التعريف والموصولة والزائدة، ومذهب الخليل أن همزة أل همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال، وهو اختيار المصنف في غير هذا الموضع، وهمزة أم التي هي بدل من أل في لغة أهل اليمن همزة وصل أيضا. فهذا تمام المقصد الأول، وأما المقصد الثاني فيشتمل على مسائل:
[ ٣ / ١٥٥٥ ]
الأولى: اختلف في همزة الوصل هل أصلها السكوت أو الحركة؟ فقيل: اجتلبت ساكنة ثم حركت بالكسر الذي يجب لالتقاء الساكنين، وإليه ذهب الفارسي واختاره الشلوبين، وقيل: اجتلبت متحركة، وهو قول سيبويه، وهو الظاهر.
الثانية: اعلم أن همزة الوصل تفتح في موضعين في حرف التعريف وايمن، وقد ذكر كسرها في ايمن، وتضم في غيرهما، قيل: ضمة أصلية موجودة أو مقدرة بالموجودة نحو "اسكن" والمقدرة نحو: اغزي يا هند، فإن أصله اغزوي، وذكر الشارح في نحو اغزي مما عرض إبدال ضمة ثالثه كسرة وجهين: الضم والكسر، قال: والضم هو المختار، وحكى ابن جني كسر الهمزة في نحو اخرج مما ضمته لازمة وهي لغة رديئة، ويشم الضم قبل الضمة المشمة في نحو اختير وانقيد على لغة الإشمام، وتكسر فيما سوى ذلك.
الثالثة: مذهب البصريين أن أصل حركة همزة الوصل أن تكون كسرة، وإنما فتحت في بعض المواضع تخفيفا، وضمن إتباعا، وذهب الكوفيون إلى أنها كسرت في نحو اضرب تبعا لثالث الفعل، وضمت في نحو "اسكن" تبعا لثالث الفعل أيضا، ورد عليهم أنه ينبغي أن تفتح في نحو اعلم، وأجيب بأنها لو فتحت فيما ثالثه مفتوح لالتبس الأمر بالخبر.
الرابعة: قد علم أن همزة الوصل إنما جيء بها للتوصل إلى الابتداء بالساكن، فإذا تحرك ذلك الساكن استغني عنها، نحو استتر، إذا قصد إدغام تاء الافتعال فيما بعدها نقلت حركتها إلى الفاء فقيل: ستر١، إلا أن لام التعريف إذا
_________________
(١) ١ يلتبس هذا الماضي بعد النقل وحذف همزة الوصل بقولك: "ستر" مضعف العين، والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: الأول: أن هذا الماضي المحذوف همزة وصله وزنه افتعل، والآخر: وزنه فعل -بتشديد العين. والثاني: أن مضارع هذا الماضي يَستر -بفتح ياء المضارعة كيستتر الذي هو أصله- ومضارع الآخر يُستر -بضم ياء المضارعة كيقتل، بتشديد التاء مكسورة. والثالث: أن مصدر هذا الماضي المحذوف همزة الوصل ستارا ومصدر المضعف العين تستير مثل تقتيل.
[ ٣ / ١٥٥٦ ]
نقلت حركة الهمزة إليها في نحو الأحمر، فالأرجح إثبات الهمزة، فتقول: "ألحمر".
فإن قلت: فما الفرق بينه وبين ستر؟
قلت: النقل للإدغام، أكثر من النقل لغير الإدغام.
الخامسة: إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل، حذفت همزة الوصل للاستغناء عنها إن كانت مكسورة أو مضمومة، المكسورة نحو: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ١ أصله اصطفى بهمزة وصل مكسورة، فلما دخلت همزة الاستفهام حذفت همزة الوصل، والمضمومة نحو قولك: "أضطر الرجل؟ " أصله اضطر بهمزة مضمومة، فلما دخلت همزة الاستفهام حذفت أيضا، وإن كانت مفتوحة لم تحذف بل تبدل ألفا، أو تسهل بين الهمزة والألف، وقد قرئ بالوجهين في مواضع من القرآن نحو: ﴿الذَّاكِرِينَ﴾ ٢، ومن التسهيل قول الشاعر٣:
أألحق إن دار الرباب تباعدت أو انبتَّ حبل أن قلبك طائرُ
_________________
(١) ١ الآية ١٥٣ من سورة الصافات. ٢ من الآية ١٤٣ من سورة الأنعام. ٣ قائله: هو حسان بن يسار التغلبي، وقيل: لعمرو بن أبي ربيعة، وهو من الطويل. اللغة: "الرباب" اسم امرأة "تباعدت" صارت بعيدة عنك "انبت" انقطع "حبل" معروف ويراد به هنا: العهد وأسباب المودة والصلة. المعنى: أخبرني وأصدقني إذا تباعدت عنك دار الرباب أو انقطع ما بينكما من أواصر الألفة والمحبة وعهد الإخاء، هل الحق أن قلبك يطير معها، ويذهب عقلك حزنا عليها؟ وكنى بذلك عن شدة اضطرابه وخفقانه. الإعراب: "أألحق" الهمزة الأولى للاستفهام، والثانية أداة التعريف، والحق منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر مقدم "إن" شرطية "دار" فاعل لفعل محذوف هو فعل الشرط يفسره تباعدت "الرباب" مضاف إليه وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام "تباعدت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير والجملة لا محل لها من الإعراب مفسرة "أو" حرف عطف "انبت" فعل ماض "حبل" فاعل "أن" حرف توكيد ونصب "قلبك" اسمها وضمير المخاطب مضاف إليه "طائر" خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، والتقدير: أفي الحق طيران قلبك. الشاهد: قوله: "أألحق" حيث نطق الشاعر بهمزة أل في هذه الكلمة بين الألف والهمزة مع القصر، وهذا هو التسهيل وهو القليل. مواضعه: ذكره الأشموني ٨١٨/ ٣، وابن هشام في شرح الألفية ٢٤٤/ ٤، وابن عقيل ٤٠٦/ ٢، وابن الناظم، وسيبويه ٤٦٨/ ١.
[ ٣ / ١٥٥٧ ]
والإبدال هو أرجح الوجهين.
فإن قلت: لم أبدلت أو سهلت، وكان القياس أن تحذف كما حذفت المضمومة والمكسورة؟
قلت: إنما ترك مقتضى القياس في المفتوحة؛ لأن حذفها يوقع في التباس الاستفهام بالخبر لاتحاد حركتها وحركة همزة الاستفهام، وإلى ذلك أشار بقوله:
ويُبدل مدا في الاستفهام أو يُسهل
فإن قلت: فهل يجري الوجهان في همزة ايمن كقولك: آيمن الله يمينك؟
قلت: نعم؛ لأن العلة واحدة، وقد نصوا على ذلك، إلا أن قوله: "ويبدل" قد يوهم اختصاصه بهمزة أل؛ لأن الظاهر أن الضمير في "يبدل" يعود عليه، وكذلك يوهمه كلام الكافية، بل هو كالتصريح بذلك.
واعلم أن الكلام على هذه المسائل يستدعي بسطا، ولكنني أضربت عنه خشية الإطالة. والله أعلم.
[ ٣ / ١٥٥٨ ]
الجزء السادس:
الإبدال:
الغرض من هذا الباب بيان الحروف التي تُبدل من غيرها إبدالا شائعا لغير إدغام، فإن الإبدال للإدغام لا ينظر فيه في هذا الباب.
ويُحتاج هنا إلى ثلاث مسائل:
الأول: في الفرق بين الإبدال والتعويض: والفرق بينهما أن البدل لا يكون إلا في موضع المبدل منه، كهاء هرقت ونحوه، والعوض يكون في غير "موضع"١ المعوض منه كتاء عِدَة، وهمزة ابن، وياء سُفَيْرج، ولا يقال في هذا بدل إلا تجوزا مع قلته.
والثانية: في الفرق بين الإبدال والقلب: والفرق بينهما أن القلب يختص بحروف العلة والإبدال يكون فيها وفي الحروف الصحيحة، فالإبدال أعم، والقلب أخص، قال بعضهم: البدل على ضربين: بدل هو إقامة حرف مقام "حرف"٢ غيره نحو تاء تُخمة وتكأة٣، وبدل هو قلب الحرف نفسه إلى لفظ غيره على معنى إحالته إليه، وهذا إنما يكون في حروف العلة وفي الهمزة أيضا؛ لمقارنتها إياها وكثرة تغييرها، وذلك نحو قام، أصله قوَم، فالألف واو في الأصل، وموسر أصله ياء وراس أصل الألف الهمزة، وإنما لينت لنبرتها فاستحالت ألفا، فكل قلب بدل، وليس كل بدل قلبا.
وقال بعضهم: الفرق بين الإبدال والقلب أن البدل وضع شيء مكان غيره على تقدير إزالة الأول، والقلب هو تصيير الشيء على غير الصورة التي كان عليها من غير إزالة؛ ولذلك جعل مثل قال وباع قلبا؛ لأن حروف العلة تقارب بعضها بعضا؛ إذ هي من جنس واحد فسهل انقلاب بعضها إلى بعض، وجعل مثل اتعد ونحوه إبدالا؛ لتباين حروف الصحة من حروف العلة، فتقول على هذا
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ، ب. ٣ التخمة -بضم ففتح- الثقل الذي يصيبك من الطعام، وتاؤه مبدلة من الواو. والتكأة: العصا، وما يتكأ عليه، والرجل الكثير الاتكاء، وأصله وكأة -بدليل توكأت.
[ ٣ / ١٥٦١ ]
في اتَّعد وأمثاله أنه كان في الأصل اوتعد، فحذفت الواو وأبدل منها التاء، إلا أن الواو انقلبت تاء.
وأما قام وأمثاله فيقدر أنه كان في الأصل قوَم، ثم استحالت الواو ألفا، لا أنها حذفت وجعل مكانها الألف.
قلت: وعلى هذا فليس بينهما عموم ولا خصوص.
والثالثة: في حصر حروف البدل: اعلم أن الإبدال للإدغام، يكون في جميع حروف المعجم إلا الألف، وأما الإبدال لغير الإدغام فيكون في اثنين وعشرين حرفا، وقد جمعها في التسهيل قال: يجمع حروف البدل الشائع لغير إدغام قولك: "لجد صُرف شَكِس آمن طيّ ثوب عزَّته".
وباقي حروف المعجم لا تبدل وهي: الحاء والخاء والذال والظاء والضاد والغين والقاف، إلا أن قوله: "الشائع" يفهم أن البدل قد يكون في غيرها على سبيل الشذوذ، ومن ذلك قراءة الأعمش: "فَشَرِّذْ بِهِمْ"١ بالذال المعجمة. وخرجها ابن جني على أن تكون الذال بدلا من الدال كما قالوا: لحم خَرَاذِل وخَرَادِل٢، والمعنى الجامع لهما أنهما مَجْهُوَران ومتقاربان، وخرجها الزمخشري على القلب بتقديم اللام على العين، كقولهم: "شَذَرَ مَذَرَ"، وقد عد كثير من أهل التصريف حروف الإبدال اثني عشر حرفا وجمعوها في تراكيب كثيرة منها: "طال يوم أنجدته" وأسقط بعضهم اللام، وعدها أحد عشر، وجمعها في قوله: "أجد طويت منها" وزاد بعضهم الصاد والزاي، وعدها أربعة عشر، وجمعها في قوله: "أنصت يوم زل طاه جد" وعدها الزمخشري ثلاثة عشر، وجمعها في قوله: "استنجده يوم طال" وقال ابن الحاجب: وهو وهم؛ لأنه أسقط الصاد والزاي وهما من حروف الإبدال، كقولهم: زِرَاط وزَقْر، في صراط وصقر، وزاد السين وليست من حروف الإبدال، فإن أورد "اسمع" ورد "اذّكر واظّلم"؛ لأنه من باب الإدغام، لا من باب الإبدال المجرد.
_________________
(١) ١ من الآية ٥٧ من سورة الأنفال. ٢ في القاموس: خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، أو قطعه وفرقه، وخرذل اللحم: لغة في خردل.
[ ٣ / ١٥٦٢ ]
قال ابن الخباز: وتتبعتها في كتبهم فلم تجاوز خمسة عشرة، وجمعها في قوله: استنجده يوم صال زط.
قلت: لا طريق إلى حصرها إلى الاستقراء، وقد تقدم أنها اثنان وعشرون "حرفا"١.
وإنما يذكر في هذا الباب ما هو ضروري، وقال في التسهيل: والضروري في التصريف هجاء "طويت دائما" وهي ثمانية حروف.
وقال هنا: "أحرف الإبدال هدأت موطيا" فزاد الهاء كما في الكافية، وهدأت بمعنى سكنت، وموطيا اسم فاعل من أوطأت الرحل إذا جعلته وطيئا، إلا أنه خفف همزته بإبدالها ياء؛ لانفتاحها وانكسار ما قبلها، وإنما اقتصر على هذه التسعة؛ لأنها التي لا يستغنى عن ذكرها في التصريف، وما عدا هذه التسعة فإبداله إما شاذ كقولهم في: "أصيلان" أصيلال٢، وإما لغة قليلة كإبدال الجيم من الياء المشددة في الوقف. قال في شرح الكافية: وهذا النوع من الإبدال جدير بأن يذكر في كتب اللغة، لا في كتب التصريف، وإنما ينبغي أن يُعد في الإبدال التصريفي ما لو لم يُبدل أوقع في الخطأ أو مخالفة الأكثر؛ فالموقع في الخطأ كقولك في مال: مَوَل، والموقع في مخالفة الأكثر، كقولك في سقَّاءة: سقَّايَة.
تنبيه:
يعرف الإبدال بالرجوع في بعض التصاريف إلى المبدل منه لزوما أو غلبة.
الأول: نحو جَدَف، فإن فاءه بدل من ثاء جَدَث؛ لأنهم قالوا في الجمع أجداث، بالثاء فقط٣.
والثاني: نحو "أفْلَط" أي: أفلت، فإن طاءه بدل من التاء؛ لأن التاء أغلب فيه في الاستعمال، فإن لم يثبت ذلك في ذي استعمالين فهو من أصلين، نحو:
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أصيلان: تصغير أصلان جميع أصيل، وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب. ٣ الجدث: القبر، وجمعه: أَجْدُث وأجداث.
[ ٣ / ١٥٦٣ ]
أرَّخَ وورَّخَ، لا تقول: إن الهمزة بدل من الواو؛ لأن جميع تصاريف الكلمة جاءت بالوجهين. وقال ابن الحاجب: يعرف البدل بكثرة اشتقاقه كتُراث، فإن أمثلة اشتقاقه: وَرِث ووَارِث ومَوْرُوث١.
وبقلة استعماله كقولهم: "الثَّعالِي" في الثعالب، و"الأراني" في الأرانب، وأنشد سيبويه٢:
لها أشاريرُ من لحم تُتَمِّرُه من الثعالي ووخزٌ من أرانيها
قال ابن جني: ويحتمل أن يكون الثعالي جمع ثُعالة ثم قلب؛ فيكون كقولهم: "شَرَاعي" في "شرائع"، والذي قاله سيبويه أولى؛ ليكون كأرانيها، وأيضا فإن ثُعالة اسم جنس وجمع أسماء الأجناس ضعيف.
يعني بقوله اسم جنس: علم جنس.
وبكونه فرعا والحرف زائد كضويرب تصغير ضارب؛ لأنه لما علم الأصل علم أن هذه الواو مبدلة من الألف.
_________________
(١) ١ التراث: كغراب المال الموروث، أصله وراث، استثقلوا الواو المضمومة في أول الكلمة فأبدلوها تاء إبدالا غير قياسي. ٢ قائله: هو أبو كاهل النمر بن تولب اليشكري، يصف فرخة عقاب تسمى غبة كانت لبني يشكر -وهي بالغين المعجمة وفتح الباء المشددة- وهو من البسيط. اللغة: "لها" الضمير يرجع إلى الفرخة "أشارير" قطع قديد من اللحم "تتمره" من تمرت اللحم، والتمر -بالتاء- إذا جففتهما "وخز" شيء قليل. الإعراب: "لها" جار ومجرور خبر مقدم "أشارير" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة "من لحم" جار ومجرور ومن بيانية "تتمره" فعل والفاعل ضمير مستتر فيه والهاء مفعول به، والضمير يرجع إلى اللحم، والجملة في محل جر صفة لحم "من الثعالي" جار ومجرور في محل رفع صفة لقوله أشارير "ووخز" عطف على أشارير "من أرانيها" جار ومجرور في محل رفع صفة لقوله ووخز. الشاهد: قوله: "الثعالي وأرانيها" فإن أصلهما من الثعالب، ومن أرانبها جمع أرنب، فأبدلت الباء الموحدة فيهما ياء. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٢٤/ ٣، وابن يعيش ٢٤/ ١٠، والهمع ١٨١/ ١، وسيبويه ٣٤٤/ ١.
[ ٣ / ١٥٦٤ ]
وبكونه فرعا وهو أصل كُمَويْه، فإنه تصغير ماء، فلما صغر على مُوَيْه علم أن الهمزة مبدلة من هاء.
وبلزوم بناء مجهول نحو "هَرَاق" يحكم بأن أصله أراق؛ لأنه لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون وزنه هَفَعل، وهو بناء مجهول.
فإن قلت: قد علم أن حروف البدل هي التي تبدل من غيرها، فما الحروف التي تبدل هذه منها؟
قلت: ستعرف بالتفصيل الذي يذكره الناظم بقوله:
فأبدل الهمزة من واو ويا
آخرا إثر ألف زيد
شروع في ذلك التفصيل:
فالهمزة تبدل كثيرا من الواو والياء والألف، وقليلا من الهاء والعين، ولم يذكرهما في النظم لقلتهما. فمثال إبدالها من الهاء ماء، أصله ماه لقولهم في الجمع: أمواه، وفي التصغير: مويه، ومثال إبدالها من العين قولهم: "أُباب بحر" في "عُباب بحر"، وذهب بعضهم إلى أن الهمزة في هذا أصل من أب بمعنى تهيأ؛ لأن البحر يتهيأ لما يزجر به، وإلى هذا ذهب ابن جني.
وأما إبدالها من حروف اللين فمنه جائز ومنه واجب ومنه شاذ.
فمن الواجب إبدال الهمزة من كل واو أياء تطرفت بعد ألف زائدة نحو كساء ورداء أصلهما كساو ورداي، فأبدلت الواو في الأول والياء في الثاني لما ذكر.
وقد فهم من اشتراط التطرف أنهما إذا لم يتطرفا لا يبدلان همزة نحو: تعاون وتبايَن.
ومن اشتراط زيادة الألف، أنهما لو تطرفا بعد ألف غير زائدة لم يبدلا؛ لئلا يتوالَى إعلالان نحو: "واو، وآي".
[ ٣ / ١٥٦٥ ]
تنبيهات:
الأول: هذا الإبدال مستصحب مع هاء التأنيث العارضة نحو: "بَنَّاء وبناءة" فإن كانت هاء التأنيث غير عارضة امتنع الإبدال نحو: "هداية، وسقاية، وعلاوة، وعداوة"؛ لأن الكلمة بُنيت على التاء، أي: أنها لم تُبْنَ على مذكر، قال في التسهيل: وربما صح مع العارضة وأبدل مع اللازمة، فالأول كقولهم في المثل: "اسْقِ رَقَاشِ فإنها سقَّاية"١ لأنه لما كان مثلا -والأمثال لا تغير- أشبه ما بُني على هاء التأنيث، ومنهم من يقول: "فإنها سَقّاءة" -بالهمز- كحاله في غير المثل، والثاني كقولهم: "صَلاءَة" في صلاية٢.
الثاني: حكم علامة التثنية حكم هاء التأنيث في استصحاب هذا الإبدال ما لم تبن الكلمة على التثنية، وذلك قولهم: "عَقَلْتُه بِثَنَايَيْن" وهما طرفا العقال.
الثالث: قد اعترض ضابط الإبدال المذكور بأنه يرد عليه مثل "غَاوِي" في النسب٣ إذا رخمته على لغة من لا ينوي، فإنك تقول: "يا غَاوُ" -بضم الواو- من غير إبدال، مع اندراجه في الضابط المذكور، وإنما لم يبدل لوجهين:
أحدهما: أنه قد أعل بحذف لامه، ولم يجمع فيه بين إعلالين.
والثاني: أنه لما رخم على هذه اللغة شابه ما لا يعل نحو واو، وإصلاح الضابط أن يقال: من واو أو ياء هي لام الكلمة، أو ملحق بها.
الرابع: اختلف في كيفية هذا الإبدال، فقيل: أبدلت الياء والواو همزة، وهو ظاهر كلام المصنف، وقال حُذَّاق أهل التصريف: أبدل من الواو والياء ألف ثم أبدلت الألف همزة، وذلك أنه لما قيل: كساو ورِدَاي، تحركت الواو والياء بعد
_________________
(١) ١ هذا مثل يضرب للمحسن أي: أحسن إليه لإحسانه. وسقاية بفتح السين وتشديد القاف، ويروى: سقا بلا ياء وهاء، وعليه فلا شاهد فيه. ٢ الصلاية -بفتح الصاد وتخفيف اللام- قال في القاموس: الصلاية ويهمز الجبهة. ٣ ظاهره أن قوله: "في النسب" قيد في الكلام، وليس الأمر على هذا الظاهر، فإن "غاويا" إذا نودي بعد صيرورته علما ورخم، قيل فيه ذلك على لغة من ينتظر على أن الواو في "يا غاو" ليست متطرفة، بل هي حشو، وذلك لأن الحذف عارض، والمحذوف مراعى.
[ ٣ / ١٥٦٦ ]
فتحة، ولا حاجز بينهما إلا الألف الزائدة وليست بحاجز حصين لسكونها وزيادتها، وانضم إلى ذلك أنهما في محل التغيير وهو الطرف، فقلبا ألفا -حملا على باب عصا ورحا- فالتقى ساكنان، فقلبت الألف الثانية همزة؛ لأنها من مخرج الألف.
الخامس: ليس هذا الإبدال مخصوصا بالواو والياء، فإن الألف تشاركهما فيه، فإذا تطرفت الألف بعد ألف زائدة وجب قلبها همزة نحو: "صحراء" مما ألفه للتأنيث، فإن الهمزة في هذا النوع بدل من ألف مجتلبة للتأنيث كاجتلاب ألف "سكرى" لكن ألف سكرى غير مسبوقة بالألف فسلمت، وألف صحراء مسبوقة بألف فحركت فرارا من التقاء الساكنين، فانقلبت همزة لأنها من مخرجها، وقوله في الكافية:
من حرف لين آخر بعد ألف
مزيدٍ ابدل همزة وذا ألف
أعم لشموله الأحرف الثلاثة:
وقوله:
وفي فاعل ما أعل عينا ذا اقتُفي
ذا إشارة إلى إبدال الواو والياء همزة، واقتفي: أي اتبع.
هذا موضع ثانٍ يجب فيه إبدال الياء والواو همزة، وهو كل واو وياء وقعت عينا لاسم فاعل أعلت في فعله نحو: "قائل، وبائع" أصلهما: قاول وبايع؛ ولكنهم أعلوه حملا على فعله.
قال في شرح الكافية: فأبدلت الهمزة من الواو والياء في اسم الفاعل، كما أبدلت الألف منهما في الفعل حيث قالوا: قال وباع، واحترز بقوله: "أُعل عينا" من نحو: عور وصيد، فاسم الفاعل منهما: عاور وصايد، بالواو والياء، ولا يبدلان لصحتهما في الفعل جريا في الصحة مجرى واحدا كما جريا في الإعلال مجرى واحدا.
[ ٣ / ١٥٦٧ ]
تنبيهات:
الأول: هذا الإبدال جار فيما كان على فاعل وفاعلة، ولم يكن اسم فاعل، كقولهم: "جائز" وهو البستان، قال ١:
صَعْدَةٌ نَابِتَةُ في جائزٍ.. أَيْنَمَا الريحُ تُميِّلها تَملْ
وكقولهم: "جائزة" - وهي خشبة تجعل في وسط السقف، وكلام الناظم هنا وفي الكافية لا يشمل ذلك، وقد نبه عليه في التسهيل.
الثاني: اختلف في هذا الإبدال، فقيل: أبدلت الواو والياء همزة، كما قال المصنف، وقيل: بل قلبتا الفا، ثم أبدلت الألف همزة، كما تقدم في نحو كساء ورداء وكسرت الهمزة على أصل التقاء الساكنين، وبهذا قال أكثرهم. وقال المبرد: أدخلت ألف فاعل فبل الألف المنقلبة في قال وباع وأشباههما، فالتقى ألفان وهما ساكنان، فحركت العين لأن أصلها الحركة، والألف إذا تحركت صارت همزة.
الثالث: يكتب نحو: "قائل، وبائع" بالياء على حكم التخفيف، لأن قياس الهمزة في ذلك ان تُسَهَّل بين الهمزة والياء. فلذلك كتبت ياء، وأما إبدال الهمزة في ذلك ياء محضة فنصوا على انه لحن وكذلك تصحيح الياء في "بائع" ولو جاز تصحيح الياء في بائع لجاز تصحيح الواو في "قائل".
_________________
(١) ١ قائله هو كعب بن جعيل - يصف امرأة شبه قدمها بالقناة - وهو من الرمل-. اللغة: "صعدة" بفتح الصاد - هي القناة التي تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تقويم ولا تثقيف. ويقولون امرأة صعدة اي مستقيمة القامة مستوية على التشبيه بالقناة كما يشبهونها بغصن البان وبالخيزران. المعنى: شبه امراة - ذكرها في بيت سابق - بقناة مستوية لدنة قد نبتت في مكان مطمئن الوسط مرتفع الجوانب والريح تعبث بها وتميلها وهي تميل مع الريح. الإعراب: "صعدة" خبر مبتدأ محذوف، أي هي صعدة، "نابتة" صفة لصعدة، "في جائز" جار ومجرور متعلق بنابتة "أينما" اسم شرط جازم يجزم فعلين، وهو مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية، وما زائدة، "الريح" فاعل لفعل محذوف يقع فعلًا للشرط يفسره ما بعده، "تميلها" جملته لا محل لها مفسرة للفعل المحذوف، "تمل" فعل مضارع جواب الشرط، مجزوم بالسكون، وفيه ضمير مستتر فاعل. الشاهد: قوله "جائز" فإنه على وزن فاعل - اسم للبستان - وليس باسم فاعل فيجوز فيه إبدال الياء همزة كما يجوز في فاعل الذي هو اسم فاعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٨٢٧/٣، وابن عقيل ٢٧٣/٢ وابن الناظم.
[ ٣ / ١٥٦٨ ]
قال ابن الخباز: وقد أولعت بذلك العامة واللحان من القراء، وكذلك قالوا في همزة الجمع نحو رسائل وكتائب وحلائب جمع رسالة وكتيبة وحلوبة إلا أن في الترشيح ما نصه عجائز وقبائل، بالهمزة ولا تحرك الياء؛ لأنه لا أصل لها في الحركة. وقد يجوز تخفيف الهمزة في هذا كله، وقلبها ياء أجازه أبو إسحاق الزجاج. وتخفيف الهمزة قياس مطرد في هذا وشبهه، انتهى.
فإن قلت: إنه نقل عن حمزة أنه يقف في مثل ذلك بالياء.
قلت: لأن حمزة يأخذ باتباع رسم المصحف الكريم في تخفيف الهمز، على أن المختار أن يؤخذ لحمزة في ذلك بالتسهيل بين بين، فإن الرسم لا يخالفه.
فإن قلت: فهل يجوز نقط الياء التي هي صورة الهمزة في بائع وقائل؟
قلت: لا وجه لنقطها؛ لأن صورة الهمزة لا تنقط إلا حيث يكون قياس تخفيفها البدل كما إذا انفتحت وانكسر ما قبلها نحو "منير"، فإنها إذا كتبت على نبة الإبدال نقطت.
وقال المطرزي١: نقط الياء من قائل وبائع عامي. قل: ومر بي في بعض تصانيف أبي الفتح بن جني أن أبا علي الفارسي دخل على واحد من المتَّسمين بالعلم، فإذا بين يديه جزء مكتوب فيه "قائل" منقوط بنقطتين من تحت، فقال أبو علي لذلك الشيخ: هذا خط مَن؟ فقال: خطي، فالتفت إلى صاحبه، وقال: قد أضعنا خطواتنا في زيارة مثله، وخرج من ساعته.
والمد زِيدَ ثالثا في الواحد همزا يُرى في مثل كالقلائد
هذا موضع ثالث يجب إبدال حرف المد همزة، وهو كل مدة ثالثة زائدة فإنها تبدل همزة، إذا جمع ما هي فيه على مثال مَفاعل نحو "قلائد"، وصحائف، وعجائز" فالهمزة فيهن بدل من ألف قلادة وياء صحيفة وواو عجوز، وشمل
_________________
(١) ١ هو ناصر بن عبد السيد بن علي بن المطرز أبو الفتح النحوي المشهور بالمطرزي. من أهل خوارزم. قرأ على الزمخشري والموفق أخطب خوارزم، وبرع في النحو واللغة والفقه على مذهب الحنفية، ولد في رجب سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وصنف شرح المقامات، ومختصر المصباح في النحو، والمغرب في شرح المعرب، وغير ذلك، ومات بخوارزم في يوم الثلاثاء حادي عشرين جُمادى الأولى سنة عشر وستمائة.
[ ٣ / ١٥٦٩ ]
قوله: "المد" الألف والواو والياء، واحترز به "من"١ نحو: "قسورة وقساور"٢ لأن الواو فيه ليست حرف مد، واحترز بقوله: "زِيدَ" من أن تكون المدة غير زائدة فإن الإبدال لا يجوز نحو: "مفازة ومفاوز، ومسيرة ومساير، ومثوبة ومثاوب" فإن سمع في شيء منه الإبدال لم يقس عليه كمصائب ومنائر، والأصل فيهما مصاوب ومناور، وقد نطق بهذا الأصل فيهما، وشذ الهمز أيضا في "معائش" وروي عن نافع، والمشهور عنه الياء، وقوله في نحو: "كالقلائد" أي: في كل جمع على مثال قلائد في الحركات والسكنات وعدد الحروف.
كذا ثاني ليِّنين اكْتَنَفَا مدَّ مفاعل كجمع نَيِّفَا
هذا موضع رابع يجب فيه إبدال الياء والواو همزة إذا وقعت ألف التكسير بين حرفي علة وجب إبدال ثانيهما همزة بشرط ألا يفصل من الطرف، فاندرج في هذا الضابط ثلاث صور:
أحدها: أن يكونا واوين نحو: "أوَّل" فتقول في جمعه: أوائل، بإبدال الواو الثانية همزة، وهذا باتفاق.
والثانية: أن يكونا ياءين نحو: نيف٣ فتقول في جمعه: نيائف بالهمز.
والثالثة: أن يكون أحدهما ياء والآخر واوا نحو: سيِّد وصائد، فتقول في جمعهما: سيائد وصوائد -بالهمز- والأصل: سياود وصوايد، هذا مذهب سيبويه والخليل ومن وافقهما، وذهب الأخفش إلى أن الهمزة في الواوين "فقط، ولا يهمز في الياءين، ولا في الواو مع الياء فيقول: نيايف وصوائد وسياود -على الأصل- وشبهته أن الإبدال في الواوين"٤ إنما كان لثقلهما؛ ولأن لذلك نظيرا، وهو اجتماع الواوين أول كلمة، وأما إذا اجتمعت الياءان أو الياء والواو فلا إبدال،
_________________
(١) ١ ب، ج وفي أ "عن". ٢ القسورة: الأسد، ويقال فيه: قسور -بلا تاء. ٣ النيف: هو الزيادة على العقد من ناف ينيف. ٤ ب، ج.
[ ٣ / ١٥٧٠ ]
لأنه إذا التقت الياءان أو الياء والواو أول كلمة فلا همزة نحو: "يَيَنٍ، ويَوِمٍ -اسم موضع"١.
واحتج أيضا بقول العرب في جمع "ضَيْوَن -وهو ذكر السنانير- ضيَاوِن من غير همزة، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه للقياس والسماع، أما القياس فلأن الإبدال في نحو: "أوائل" إنما هو بالحمل على كساء ورداء، لشبهه به من جهة قربه من الطرف "وفي رداء وكساء لا فرق بين الياء والواو فكذلك هنا"٢. وأما السماع فحكى أبو زيد في سيِّقة سيائق بالهمز -وهي فيعلة من ساق يسوق- وحكى الجوهري في تاج اللغة جيِّد وجيائد، وحكى أبو عثمان عن الأصمعي في جمع عيل عيائل -بالهمز.
وأما ضياون فشاذ مع أنه لما صح في واحده صح في الجمع فقالوا: ضياون كما قالوا ضَيْون، وكان قياسه ضَيِّن.
فإن قلت: فهل يقاس على ضياون ما شابهه في صحة واحده إذا وجد؟
قلت: قد ذهب إلى ذلك ناس، والصحيح أنه لا يقاس عليه.
تنبيهات:
الأول: شمل قوله: "لينين" الواوين والياءين والواو والياء، فعلم أنه موافق لسيبويه.
الثاني: فهم من قوله: "مد مفاعل" اشتراط اتصال المد بالطرف، فلو فصل بمدة ظاهرة نحو طواويس أو مقدرة كقول الراجز٣:
_________________
(١) ١ اسم موضع، هذا راجع إلى "يين" -بفتح كل من الياءين- وهو اسم قرية باليمن، واسم وادٍ بين ضاحك وضويحك، وأما "يوم" فهو -بفتح الياء وكسر الواو- وصف من لفظ اليوم، يقولون: يوم أيوم، ويوم -بزنة فرح- كما يقولون: ليل أليل وشعر شاعر، وما أشبه ذلك. ٢ ب، ج. ٣ قائله: هو جندل بن المثنى -يصف الدهر وما لقيه منه حيث كَبِرَتْ سنه وانحنت عظامه، وأصابت الأقذاء عينه- وهو من الرجز. وصدره: حنى عظامي وأراه ثائري =
[ ٣ / ١٥٧١ ]
وكَحَّل العنين بالعوَاوِرِ
يريد: العواوير؛ لأنه جمع عُوَّار -وهو الرمد- فحذف الياء ضرورة، فهذا مفصول عن الطرف تقديرا ولو اضطر شاعر ففصل بمدة زائدة في مثال مفاعل لم يتعد بها ووجبت الهمزة كقوله١:
فيها عيائيلُ أُسودٌ ونَمُرْ
وهو عكس عواور.
الثالث: لا يختص هذا الإبدال بتالي ألف الجمع، بل لو بنيت من القول مثل عُوَارض قلت: "قُوائل" بالهمز، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالف الأخفش والزجاج فذهبا إلى منع الإبدال في المفرد لخفته بخلاف الجمع.
فإن قلت: فكان ينبغي للناظم أن ينبه على هذا.
قلت: قوله: "مد مفاعل" شامل له فإنه لم يقيده بالجمعية.
_________________
(١) = اللغة: "حنى" قوس "ثاثري" قاتلي، والثأر: الدم والطلب به والجمع: أثآر وآثار، وثأر به: طلب دمه وقتل قاتله "كحل العينين" وضع فيها الكحل تزيينا لها "العواور" جمع عوار -وهو اللحم ينزع من العين- وسائل يؤخذ من شجر ويجفف ويوضع في العين، ويروى: ثاغري بدل ثاثري. وقد جعل الشاعر ما فعله الدهر بعينه من الأذى والوجع -كحلا على طريق المجاز. الإعراب: "حنى" فعل ماض وفاعله الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الدهر "عظامي" مفعول به والياء مضاف إليه "وأراه" أرى تنصب مفعولين والفاعل ضمير مستتر والأول الهاء والثاني ثاثري "وكحل" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على الدهر "العينين" مفعول به "بالعواور" جار ومجرور متعلق بكحل. الشاهد: قوله: "العواور" فإن أصله العواوير. مواضعه: ذكره الأشموني في شرح الألفية ٨٢٩/ ٣، وابن هشام ٢٥٢/ ٤ وابن الناظم، وسيبويه ٣٧٤/ ٢. ١ مضى شرحه في جمع التكسير. والشاهد فيه قوله: "عيائيل" حيث وجبت الهمزة وفصل بمدة زائدة.
[ ٣ / ١٥٧٢ ]
الرابع: زاد في التسهيل لإبدال ثاني اللينين في ذلك شطرا آخر، وهو ألا يكون بدلا من همزة، احترز من نحو زوايا، وذلك أن ثاني اللينين فيه كان همزة ثم أبدل ياء، وقد بين ذلك بقوله:
وافتح ورُدَّ الهمز يا فيما أُعِلْ لاما وفي مثل هَرَاوة جُعِلْ
الألف واللام في الهمز للعهد، والمراد الهمز المبدل مما بعد ألف الجمع المشاكل مفاعل في النوعين، أعني ما استحق الهمز لكونه مدا مزيدا في الواحد، وما استحق الهمز لكونه ثاني لينين اكتنفا مد مفاعل، فيجب في هذين النوعين إذا اعتلت لامهما أن يخففا بإبدال كسرة الهمزة فتحة، ثم بإبدالها ياء فيما لامه ياء أو واو أو همزة لم تسلم في الواحد، مثل ما لامه ياء نحو هدية وهدايا، ومثال ما لامه واو لم تسلم في الواحد مطية ومطايا، ومثال ما لامه همزة نحو خطيئة وخطايا، والأصل في جميع ذلك أن تجمع على فعائل بالهمز نحو صحيفة وصحائف، والأصل في هدايا هدايي بإبدال مدة الواحد همزة مكسورة فاستثقل ذلك فخفف بإبدال الكسرة فتحة فصار هدائي، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار هداءا، فاستثقل وقوع همزة عارضة في جمع بين ألفين وهي من مخرج الألف، فكان ذلك كتوالي ثلاث ألفات فأبدلت الهمزة ياء فصار هدايا، والعمل في مطايا كالعمل في هدايا.
وأما خطايا ونحوه مما لامه همزة فأصله خطائئ -بهمزتين- الأولى مبدلة من مدة الواحد والثانية لام الكلمة فوجب إبدال الثانية ياء لاجتماع همزتين، ثم فتحت الأولى ثم قلبت الثانية ألفا ثم أبدلت الأولى ياء كما سبق في هدايا، هذا مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الخليل إلى أن مدة الواحد لا تبدل في هذا همزة لئلا يلزم اجتماع همزتين، بل يقلب بتقديم الهمزة على الياء فيصير خطائي، ثم يعل كما تقدم، واعترض بأن القياس قلب الياء همزة.
وإذا اجتمع همزتان عمل فيهما على ما يقتضيه الأصول، ويدل على صحة مذهب سيبويه قول بعض العرب: "اللهم اغفر لي خطائئي" -بهمزتين- على الأصل، وهو شاذ، وهذه الأمثلة من النوع الأول، أعني: باب قلائد.
[ ٣ / ١٥٧٣ ]
والنوع الثاني مثاله زاوية وزوايا، أصله زوائي، بإبدال الواو همزة؛ لكونها ثاني لينين اكتنفا مد مفاعل، ثم خفف بالفتح فصار زواءي، ثم قلبت الياء ألفا فصار زواءا، ثم قلبت الهمزة ياء على نحو ما تقدم في هدايا.
فإن قلت: لم يشمل كلام الناظم نحو خطيئة مما لامه همزة، فإنه خص ذلك بما أعل.
قلت: قال الشارح: حروف العلة الواو والياء والألف والهمزة، فأدرجها في كلامه، وحكى النحويون في الهمزة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها حرف صحيح، والثاني: أنها حرف علة، وإليه ذهب الفارسي، والثالث: أنها شبيهة بحرف العلة.
وقوله في نحو: "هراوة جعل واوا" يعني: أن المجموع على مثال مفاعل إذا كانت لامه واوا لم تعل في الواحد بل سلمت فيه كواو هراوة، جعل موضع الهمزة المذكورة في جمعه واو، فيقال: هَرَاوَى، والأصل هَرَائِؤ، بقلب ألف هراوة همزة، ثم خفف بالفتح فصار هراءو، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار هراءا، فكرهوا ألفين بينهما همزة لما سبق، فأبدلوا الهمزة واوا طلبا للتشاكل؛ لأن الواو ظهرت في واحده رابعة بعد ألف، فقصد مشاكلة الجمع لواحده.
تنبيهات:
الأول: شذ إقرار الهمزة فيما لامه ياء إجراء للمعتل مجرى الصحيح في قوله:
فما زالت أقدامنا في مقامنا ثلاثتنا حتى أُزيروا المنائيا١
_________________
(١) ١ قائله: هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي -ﷺ- وكان أمير المسلمين يوم بدر فقطعت رجله ومات بالصفراء، وهو من الطويل. اللغة: "ثلاثتنا" أراد بها نفسه وعليا وحمزة ﵃ "أزيروا" -بضم الهمزة وكسر الزاي- من مجهول أزار من زار زيارة "المنائيا" -جمع منية- وهي الموت. =
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
وشذ إقرارها فيما لامه همزة، وقد تقدم.
الثاني: شذ إبدال الهمزة واوا في قولهم: "هداوَى"؛ لأن لامه ياء، وفي مطاوَى؛ لأن لامه واو أعلت في الواحد، وأجاز الأخفش القياس على هداوَى، وهو ضعيف؛ إذ لم ينقل منه إلا هذه اللفظة.
الثالث: مذهب الكوفيين أن هذه الجموع كلها على وزن فَعالَى صحت الواو في هداوَى كما صحت في المفرد، وأعلت في مطايا كما أعلت في المفرد، وهدايا على وزن الأصل، وأما خطايا فجاء على خطية بالإبدال والإدغام، وإنما ذهب البصريون إلى أنها فعائل حملا للمعتل على الصحيح، ويدل على صحة مذهب البصريين قوله: حتى أزيروا المنائيا. ونقل بعضم عن الخليل أن وزنها فعالى كقول الكوفيين، قلت: وليس موافقا لهم من كل وجه؛ لأن الألف عندهم للتأنيث، وعنده بدل من المدة المؤخرة، وتقدم بيان مذهبه.
واوا وهمزا أول الواوين رُد في بدء غير شبه ووُفِي الأشُد
يعني: أن كل كلمة اجتمع في أولها واوان، فإن أولاهما يجب إبدالها همزة بشرطين:
الأول: ألا تكون الثانية بدلا من ألف فاعل نحو: ووفي وووري.
والثاني: ألا تكون بدلا من همزة كالووُلَى مخفف الوُؤْلى أنثى الأوأْل١ أي: الإلجاء، فمثال ما يجب إبدالها لوجود الشرطين قولك: في جمع واصلة أواصل
_________________
(١) = الإعراب: "فما زالت" من أخوات كان، وروي: فما برحت "أقدامنا" اسمها ونا مضاف إليه "في مقامنا" جار ومجرور في محل نصب خبر زال "ثلاثتنا" بدل من "نا" في مقامنا "حتى" للغاية بمعنى إلى يعني "إلى أن أزيروا المنائيا" "أزيروا" مبني للمجهول والضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل "المنائيا" مفعول ثانٍ. الشاهد: قوله: "المنائيا" حيث أثبت فيه حرف العلة في الموضع الذي يجب حذفه فيه في سعة الكلام، إجراء للمعتل مجرى الصحيح، والوجه أن يقول المنايا. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٣١/ ٣، وابن الناظم. ١ قال الأشموني: هو أفعل تفضيل من وأل إذا لجأ.
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
والأصل: وواصل، بواوين أولاهما فاء الكلمة والثانية بدل من ألف واصلة؛ لأنها كألف ضاربة فلا بد من إبدالها، فاجتمع واوان في الأول، فأبدلت الأولى همزة وكذلك أُوَيصل تصغر واصل، وأصله وويصل، والأول جمع الأولى أصله وُوَل ولو بنيت من الوعد على مثال كوكب قلت: أوعد، فإن كانت الثانية بدلا من ألف فاعل أو من همزة لم يجب الإبدال، ولكنه جائز.
تنبيهان:
الأول: لم يذكر هنا الشرط الثاني، وذكرهما في الكافية، إلا أن عبارته في الشرط الأول غير وافية بالمراد؛ لأنه شرط ألا تكون الثانية بدلا من ألف فاعل، وذلك يوهم أنها لو كانت مدة زائدة وليست بدلا من ألف فاعل وجب الإبدال، وليس كذلك، فتحرير العبارة أن يقال: ألا تكون الثانية مدة غير أصلية كما في التسهيل، ليندرج في ذلك ثلاث صور:
الأولى: ووري فإنها مبدلة من زائد.
والثانية: أن تبنى من الوعد مثال فوعل ثم ترده إلى ما لم يسلم فاعله.
والثالثة: أن تبنى من الوعد مثال طُومار١، فيقال: ووُعاد.
فهذه الصور الثلاث لا يجب فيها الإبدال بل يجوز، وخالف قوم في الثالثة فأوجبوا الإبدال لاجتماع الواوين، وكون الثانية غير مبدلة من زائد؛ فإن الضمة التي قبلها غير عارضة، وإلى هذا ذهب ابن عصفور، واختار المصنف -﵀- القول بجواز الوجهين؛ لأن الثانية وإن كان مدها غير متجدد، لكنها مدة زائدة، فلم تخلُ عن الشبه بالألف المنقلبة.
الثانية: زاد في التسهيل لوجوب الإبدال شرطا آخر، وهو أن يكون اتصال الواوين عارضا يحذف همزة فاصلة، مثال ذلك أن تبني افعوعل من الوأي، فتقول: إيأوأي، وأصله: اوْأوْأيَ، فقلبت الواو الأولى ياء لسكونها بعد كسرة، وقلبت الياء الآخرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فإذا نقلت حركة الهمزة الأولى إلى الياء
_________________
(١) ١ الطومار: الصحيفة.
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
الساكنة حذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، ورجعت الياء إلى أصلها وهو الواو، لزوال موجب قلبها، فتصير الكلمة إلى وَوْأَي، فقد اجتمع واوان أول الكلمة، ولا يجب الإبدال، ولكن يجوز الوجهان، وكذلك لو نقلت حركة الهمزة الثانية إلى الواو فصارت "وَوَا" جاز الوجهان وفاقا للفارسي، قيل: وذهب غيره إلى وجوب الإبدال في ذلك سواء نقلت الثانية أو لم تنقل.
ومدًّا ابدل ثاني الهمزين من كملة أن يسكن كآثر وائتمن
الهمزة حرف مستقل في النطق بها عسر فإذا اجتمعت أخرى في كلمة كان النطق بها أعسر فيجب إذ ذاك التخفيف في غير ندور.
فإذا اجتمع الهمزتان في كلمة فلها ثلاثة أحوال:
الأولى: أن تتحرك الأولى وتسكن الثانية، والثاني: عكسه، والثالث: أن تتحركا معا، وأما الرابع: وهو أن يسكنا معا فمتعذر، فإذا تحركت الأولى وسكنت الثانية، وجب في غير ندور إبدال الثانية حرف مد يجانس حركة ما قبلها، فتبدل بعد الفتحة ألفا نحو آثر، وواوا بعد الضمة نحو أُوثر، وياء بعد الكسرة نحو إيثار، وأما قراءة من قرأ: "إئلافهم "١ -بتحقيق الهمزتين ابتداء- فنادر، وأما نحو: "أُأْتمن زيد" فلا يجب فيه الإبدال؛ لأن الأولى للاستفهام والثانية فاء الفعل، فليستا من كلمة واحدة.
وإذا سكنت الأولى وتحركت الثانية أبدلت الثانية ياء إن كانت موضع اللام، وصححت إن كانت موضع العين، فالأولى كبناء قمطر من قرأ، فإنك تقول: قِرَأْي، والأصل: قِرأْأ، فالتقى همزتان فوجب إبدال الثانية ياء؛ لأنها موضع اللام، والثاني نحو سأآل ولأآل، صحت الهمزة لأنها في موضع العين، وأدغمت الأولى فلا إبدال في مثل هذا ألبتة؛ لأن الهمزتين في موضع العين المضاعف.
فإن قلت: قد أهمل الناظم بيان هذا القسم.
_________________
(١) ١ من الآية ٢ سورة قريش.
[ ٣ / ١٥٧٧ ]
قلت: أما نحو سأآل مما الهمزتان منه في موضع العين فترك ذكره؛ لأنه لا إبدال فيه، وأما نحو قمطر مما همزتاه في موضع لام الكلمة فقد يؤخذ من قوله:
ما لم يكن لفظا أتم
فذاك ياء مطلقا
وسيأتي، وقد أشار الشارح إلى ذلك.
فإن قلت: فإن وقعت الهمزتان في موضع لام الكلمة ولم تكن الثانية طرفا، أتصحح ثانيتهما أم تبدل ياء.
قلت: بل تبدل ياء لأنها لو صححت لزم الإدغام، وقد أجمعت العرب على ترك إدغام الهمزتين في كلمة إذا كانتا عينين نحو سآال، فإذا بنيت من قرأ سفرجل قلت قرأيا، وأصله قرأأأ -بثلاث همزات- فأبدلت الثانية ياء لأنها موضع اللام وصحت الأولى والثانية.
وإن كانت الهمزتان متحركتين فإما أن تكون ثانيتهما موضع اللام أو لا، فهذان ضربان؛ فأما الأول منهما فسيأتي بيانه، وأما الثاني فله تسعة أنواع؛ لأن الثانية إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وعلى كل من هذه الأحوال الثلاث فالأولى إما مفتوحة أو مكسورة أومضمومة، فهذه تسعة؛ منها أربعة تبدل ياء، وهي المفتوحة بعد كسرة والمكسورة بعد فتحة أو كسرة أو ضمة، وخمسة تبدل واوا، وهي المفتوحة بعد فتحة أو ضمة، والمضمومة بعد فتحة أو كسرة أو ضمة، وستعرف ذلك بالتفصيل، ويتضح بالتمثيل، وقد بين حكم المفتوحة بقوله:
إن يُفتح إثر ضم أو فتح قُلب واوا وياء إثر كسر ينقلب
فعلم من هذا البيت حكم ثلاثة أنواع:
الأول: المفتوحة بعد ضم نحو: "أُوَيدِم" تصغير آدم، أصله أأيدم -بهمزتين- فأبدلت الثانية واوا لانضمام ما قبلها.
[ ٣ / ١٥٧٨ ]
فإن قلت: فلعل الواو في أويدم بدل من الألف في آدم لا من الهمزة، فتكون كالواو في خويتم تصغير خاتم، فلا يصح التمثيل به.
قلت: هذا وجه وقع في كلام بعضهم، قال صاحب اللباب: إذا صغرت آدم أو جمعته أبدلت الألف واوا فقلت: أويدم وأوادم كما تقول في ضارب: ضويرب وضوارب، انتهى. والراجح ما تقدم من أن الواو بدل من الهمزة؛ لأن المقتضي لإبدالها ألفا في آدم زال في التصغير وفي الجمع.
والثاني: المفتوحة بعد فتح نحو: "أوادم" جمع آدم، وأصله أآدم -بهمزتين- فأبدلت الثانية واوا لكونها مفتوحة بعد فتح.
فإن قلت: لمساواتها لها في الخفة والخفاء، بخلاف الياء.
تنبيه:
ذهب المازني إلى إبدال الهمزة في هذا النوع ياء، فتقول في أفعل التفضيل من أنَّ زيد: أيَنُّ من عمرو، وعلى مذهب الجمهور تقول: هو أوَنّ من عمرو.
فإن قلت: كيف يصنع بأوادم جمع آدم؟
قلت: جعل الواو فيه بدلا من الألف المبدلة من الهمزة في آدم؛ لأنه صار بمنزلة خاتم.
والثالث: المفتوحة بعد كسر نحو إيَمّ وهو مثال إصبع -بكسر الهمزة وفتح الياء- من أم، أصله أأمم، فنقلت فتحة الميم إلى الهمزة توصلا إلى الإدغام فصار أأم، فأبدلت الهمزة الثانية ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم بين حكم المكسورة بقوله: "ذو الكسر مطلقا" يعني: أن المكسورة تبدل ياء مطلقا، فشمل ثلاثة أنواع:
الأول: المكسورة بعد فتح نحو أئمة جمع إمام، أصله أأممة على وزن أفعلة، فنقلت كسرة الميم إلى الهمزة توصلا إلى الإدغام فصار أأئمة ثم أبدلت الثانية ياء لانكسارها.
والثاني: المكسورة بعد كسر نحو إيم، وهو مثال إثمد من أم أصله أأمم، فنقل وأدغم أأمّ، فأبدلت الثانية ياء لانكسارها وانكسار ما قبلها.
[ ٣ / ١٥٧٩ ]
والثالث: المكسورة بعد ضمة نحو أين مضارع أأننته إذا جعلته يئن، أصله أأنن، فنقلت كسرة النون إلى الهمزة وأدغم ثم أبدلت الثانية ياء لأنها تجانس حركتها.
ثم بيَّن حكم المضمومة بقوله:
كذا وما يضم واوا أصر
يعني: أن المضمومة تبدل واوا مطلقا، فشمل ثلاثة أنواع أيضا:
الأول: المضمومة بعد فتح نحو أَوُبّ جمع أبّ -وهو المرعى- أصله أَأْبُب على وزن أفعل، فنقلت حركة عينه إلى فائه توصلا إلى الإدغام فصار أأب، ثم خفف بإبدال الثانية واوا؛ لأنها تجانس حركتها.
والثانية: المضمومة بعد كسر نحو إِومّ -وهو مثال إصبع- بكسر الهمزة وضم الباء، من أم أصله أأمم، فنقلت الميم إلى الهمزة وأدغم ثم أبدل الثانية واوا لانضمامها.
والثالث: المضمومة بعد ضم نحو "أُوُمّ" -وهو مثال أصبع- بضم الهمزة والياء، من أم أصله أأمم، فنقلت ضمة الميم وأدغم كما تقدم، ثم أبدلت الثانية واوا، لانضمامها وانضمام ما قبلها.
تنبيه:
خالف الأخفش في نوعين من هذه التسعة؛ أحدهما: المكسورة بعد ضم فأبدلها واوا. والآخر: المضمومة بعد كسرة، فأبدلها ياء فيقول في مضارع أننته: أون، وفي مثال إصبع من أم إيم، فيدير الهمزة في هذين النوعين بحركة ما قبلهما، وغيره يديرهما بحركتهما، وهو الصحيح.
وأما الضرب الأول من ضربي اجتماع الهمزتين "المتحركتين"١وهو أن يكون ثانيهما موضع اللام، فقد أشار المصنف إليه بقوله:
ما لم يكمن لفظا أَتَمّ
فذاك ياء مطلقا جَا
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٥٨٠ ]
يعني: أن ثاني الهمزتين إذا كان متطرفا وجب إبداله ياء سواء كان قبله فتح أو كسر أو ضم، ولا يجوز إبداله واوا؛ لأن الواو الأخيرة لو كانت أصلية ووليت كسرة أو ضمة لقلبت ياء ثالثة فصاعدا، وكذا تقلب رابعة فصاعدا بعد الفتحة، فلو أبدلت الهمزة الأخيرة واوا فيما نحن بصدده لأبدلت بعد ذلك ياء فتعينت الياء.
وقوله:
وأَؤُمْ ونحوه وجهين في ثانيه أُمّ
يشير إلى أنه لا يجب إبدال الهمزة الثانية فيما أول همزتيه للمضارعة نحو أؤم، مضارع أم، بل يجوز فيه وجهان: الإبدال والتحقيق، فإن شئت قلت: أوم، وإن شئت قلت أؤم -بالتحقيق- وكذلك تقول في مضارع أنّ: أيِنّ بإبدالها ياء لانكسارها، وإن شئت قلت: أئِن -بالتحقيق- "لكون"١ الأولى للمضارعة وعلة ذلك شبه همزة المضارعة بهمزة الاستفهام لمعاقبتها النون والتاء والياء.
تنبيه:
قد فهم من هذا أن الإبدال فيما أولى همزتيه لغير المضارعة واجب في غير ندور كما سبق. قال في الكافية:
وما أتى على خلاف ما مضى فاحفظ وكُن عن القياس مُعرِضا
قال في شرحها: أشار بقوله: وما أتى على خلاف ما مضى، إلى "أئمة" بالتحقيق، وهي قراءة ابن عامر والكوفيين، وإلى قول بعض العرب: "اللهم اغفر ليس خطائئي" بهمزتين محققتين، ونحو ذلك، وقال في التسهيل: وتحقيق غير الساكنة مع الاتصال لغة، وهو مخالف لما في الكافية، وقال في إيجاز التعريف: ما لم يشذ التحقيق، وظاهره موافقة الكافية، وقوله:
وياء اقلب ألفا كسرا تلا أو ياء تصغير
يعني: أن الألف يجب قلبها ياء في موضعين:
_________________
(١) ١ ب، ج.
[ ٣ / ١٥٨١ ]
أحدهما: أن يعرض كسر ما قبلها، كقوله في جمع مصباح: مصابيح، وفي تصغيره: مُصَيْبيح؛ لأنه لما كسر ما قبلها للجمع والتصغير، لم يمكن سلامتها لتعذر النطق بالألف بعد غير فتحة فردت إلى حرف يجانس حركة ما قبلها فصارت ياء.
والثاني: أن يقع قبلها ياء التصغير كقولك في تصغير غزال: غُزَيِّل؛ لأن ياء التصغير لا تكون إلا ساكنة، فلم يمكن النطق بالألف بعدها، فقلبت ياء مكسورة، ثم أدغمت ياء التصغير فيها. وقوله "بواو ذا افعلا" يعني: أنه يفعل "بالواو"١ الواقعة آخرا ما يفعل بالألف من إبدالها ياء؛ لكسر ما قبلها، أو لوقوعها بعد ياء التصغير.
فالأول: نحو رَضِيَ وغُزِيَ، أصلهما رَضِوَ وغُزِوَ، ولأنهما من الرضوان والغزو فقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وكونها آخرا؛ لأنها بالتأخير تتعرض لسكون الوقف، وإذا سكنت تعذرت سلامتها، فعوملت بما يقتضيه السكون من وجوب إبدالها ياء توصلا إلى الخفة وتناسب اللفظ، ومن ثم لم تتأثر الواو بالكسرة وهي غير متطرفة كعِوَض وعِوَج، إلا إذا كان مع الكسرة ما يعضدها كحِيَاض وسِيَاط.
والثاني: كقولك في تصغير جَرْوٍ: جُرَيٌّ، وأصله جُرَيْوٌ، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، وفقد المانع من الإعلال، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار جُرَيّ.
قال الشارح: وليس هذا النوع بمقصود له في قوله: "بواو ذا افعلا في آخر" إنما مقصوده التنبيه على النوع الأول؛ لأن قلب الواو ياء، لاجتماعها مع الياء، وسبق إحداهما بالسكون لا يختص بالواو المتطرفة ولا بما سبقها ياء التصغير على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
قلت: هذا صحيح؛ ولذلك قال في التسهيل: تُبدل الألف ياء لوقوعها إثر كسرة أو ياء التصغير، وكذا الواو الواقعة إثر كسرة متطرفة، انتهى، فاقتصر في الواو على ذكر الكسرة. "وقوله: "أو قبل تا التأنيث" مثاله "شَجِيَة" أصله شَجِوَة؛
_________________
(١) ١ أ، ج.
[ ٣ / ١٥٨٢ ]
لأنه من الشجو، ففعل بالواو قبل تاء التأنيث ما فعل بها متطرفة؛ لأن تاء التأنيث في حكم الانفصال"١. وقوله: "أو زيادتَيْ فَعْلان" مثاله "شَجِيان" وهو مثال ظربان، من الشجو، أصله شجوان، فقلبت الواو ياء؛ لأن الألف والنون في حكم الانفصال أيضا مثل تاء التأنيث. وقوله:
ذا أيضا رأوا
في مصدر المعتل عينا والفعل منه صحيح غالبا
يعني: أن الإعلال المذكور يجب للواو الواقعة عينا لمصدر فعل معتل العين بشرط أن يكون بعدها ألف نحو صام صياما، أصله صوَام، لكنه لما أعلت عينه في الفعل استثقل بقاؤها في المصدر بعد كسرة، وقبل حرف يشبه الياء، فاعتل بقلبها ياء -حملا للمصدر على فعله- واحترز "بالمعتل عينا" من المصحح نحو لاوَذَ لواذا٢؛ لأن مصدره لا يعل. والأولى أن يقال في مصدر المعل عينا؛ لأن نحو لاوذ يطلق عليه معتل؛ إذ كل ما عينه حرف علة، فهو معتل وإن لم يعل.
فإن قلت: فمن أين يؤخذ اشتراط الألف؟
قلت: من قوله: "والفعل منه صحيح غالبا نحو الحِوَل" يعني: أن ما جاء على فِعَل من مصدر الفعل المعل العين، فالغالب فيه التصحيح نحو حال حِوَلا وعاد المريض عِوَاد، قال في شرح الكافية: ونبه بتصحيح ما وزنه فِعَل على أن إعلال المصدر المذكور مشروط بوجود الألف فيه حتى يكون على فِعَال.
قلت: وفي تخصيصه بفِعَال نظر؛ فإن الإعلال المذكور لا يختص به، وقد مثل الشارح بانقاد انقيادا، والأصل انقوادا، فأعل لما سبق ذكره.
تنبيهان:
الأول: ندر التصحيح في فِعَال مصدرا قالوا: "نار نِوَارا" أي: نفر "وكان حقه الإعلال"٣.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ لاوذ القوم لواذا وملاوذة -لاذ بعضهم ببعض، ولاذ به- لجأ إليه وعاذ به. ٣ أ، ج، وفي ب "وإن كان حقه الإعلال".
[ ٣ / ١٥٨٣ ]
قال في شرح الكافية: ولا نظير له.
الثاني: قال في التسهيل: وقد يصحح ما حقه الإعلال من فِعَل مصدرا أو جمعا وفِعَال مصدرا.
فسوى بين فعل وفعال في أن حقهما الإعلال، وهو يخالف ما تقدم من أن الغالب في فِعَل التصحيح.
وجَمْعُ ذي عين أُعل أو سكن فاحكم بذا الإعلال فيه حيثُ عَن
إذا وقعت الواو مكسورا ما قبلها وهي عين جمع أعلت في واحد أو سكنت وجب قلبها ياء بشرط وقوع الألف بعد الواو.
فالأول: نحو ديار أصله دِوَار، لكن لما انكسر ما قبل الواو في الجمع، وكانت في الإفراد معلة بقلبها ألفا، ضعفت فسلطت الكسرة عليها، وقوَّى تسلطها وجود الألف.
والثاني: نحو ثياب أصله ثواب، ولكن لما انكسر ما قبل الواو في الجمع، وكانت في الإفراد ساكنة ضعفت أيضا، فتسلطت الكسرة عليها وقوَّى تسلطها وجود الألف.
فإن قلت: من أين يؤخذ اشتراط الألف؟
قلت: من قوله:
وصححوا فِعَلَة وفي فِعَلْ وجهان والإعلالُ أَوْلَى كالحِيَل
بيان ذلك أن كل واو مكسور ما قبلها هي عين لجمع أعلت في واحده أو سكنت، لا تخلو من أن يكون بعدها ألف أو لا، فإن لم يكن بعدها ألف لم تقع إلا في وزنين:
أحدهما: فِعَلة، والآخر: فِعَل، وقد بين حكمهما في هذا البيت، فعلم أن وجوب الإعلال إنما هو في غيرهما وهو فعال.
والحاصل أن الجمع المذكور ثلاثة أقسام: قسم يجب إعلاله وهو فِعَال نحو: ديار وثياب.
[ ٣ / ١٥٨٤ ]
وقسم يتعين تصحيحه، وهو فِعَلة نحو عَوْد وعِوَدة، وكُوز وكِوَزة، وقسم يجوز فيه وجهان، والإعلال أولى وهو فِعَل نحو: حاجة وحِوَج وحيلة وحيل، وإنما وجب التصحيح في فِعَلة؛ لأنها لما عدمت الألف قل عمل اللسان فخفف النطق بالواو بعد الكسرة، وصحت، ولم يجز إعلالها؛ لأنه انضم إلى عدم الألف تحصن الواو ببعدها عن الطرف بسبب هاء التأنيث. وأما فِعَل فجاز فيه التصحيح نظرا إلى عدم الألف والإعلال نظرا إلى أنها لقربها من الطرف قد ضعفت وثقل فيها التصحيح فأعلت.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله: "وجمع ذي عين" أن المفرد لا يعل نحو خِوَان١ إلا المصدر فقد تقدم ذكره، وشذ قولهم في "الصَّوان، والصَّوار"٢: صِيان وصِيار.
الثاني: احترز بقوله: "أُعل أو سكن" من طويل وطِوَال، فإن الواو لم تعل فيه ولم تسكن، وندر قوله٣:
وأن أعزَّاء الرجال طِيَالُها
_________________
(١) ١ الخوان: ككتاب وغراب، قال في القاموس: ما يؤكل عليه الطعام. ٢ الصوان: صوان الثوب وصيانة مثلثين: ما يصان فيه. اهـ قاموس. والصوار: ككتاب وغراب: قطيع من البقر. اهـ قاموس. ٣ قائله: هو أنيف بن زبان النبهائي الطائي، وهو من الطويل. وصدره: تبين لي أن القماءة ذلة اللغة: "القماءة" قصر القامة من قمؤ الرجل إذا ذل وصغر "ذلة" ضعة وهوان "أعزاء" من العزة، وهي القوة والمنعة، ضد الذلة "طيالها" جمع طويل وأصله طوال. المعنى: ظهر لي بعد التجربة والممارسة أن قصر القامة في الإنسان دليل الضعة والمذلة، وأن الرجال الأعزاء المهابون هم الفارعون طوال القامة. الإعراب: "تبين" فعل ماض "لي" جر ومجرور متعلق به "أن" حرف توكيد ونصب "القماءة" اسم أن "ذلة" خبر أن، وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع فاعل تبين "وأن" الواو حرف عطف، وأن حرف توكيد ونصب "أعزاء" اسم أن وهو مضاف و"الرجال" مضاف إليه "طيالها" خبر أن ومضاف إليه. الشاهد: قوله: "طيالها" فإن الأصل: طوالها؛ لأنه جمع طويل فقلبت لواو ياء لانكسار ما قبلها، وكان القياس ألا تقلب ياء في الجمع؛ لأن الواو فيها متحركة في المفرد فهي قوية بالحركة ولم تقلب فيه، فقلبها شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٨٤٤/ ٣، وابن هشام ٢٦٩/ ٤، وابن يعيش ٨٨/ ١٠.
[ ٣ / ١٥٨٥ ]
وأما جواد وجياد، فيحتمل أن يكون من الاستغناء بجمع جيِّد.
الثالث: زاد في التسهيل لوجود الإعلال شرطا آخر وهو: صحة اللام احترازا من نحو جِوَاء في جمع جو، ورِوَاء في جمع ريَّان١، فإنه يصحح لئلا يجتمع إعلالان، إبدال العين ياء واللام همزة.
الرابع: جعل في التسهيل اشتراط الألف في وجوب الإعلال مخصوصا بما سكنت الواو في واحده.
فقال ما نصه: أو عين جمع لواحد معتل العين مطلقا أو ساكنها إن وليها في الجمع ألف وصحت اللام. انتهى. ومقتضاه أن الإعلال يجب في فعلة وفعل إذا أعلت عين واحدهما نحو تارة وتير، وقيمة وقيم، ويكون قوله: "وصححوا فِعَلة وفي فِعَل وجهان" مخصوصان بما سكنت عين واحده نحو زوج وزِوَجة، ويكون نحو حاجة وحِوَج نادرا، ويدل على ذلك أيضا قوله: فيه، وقد يصحح ما حقه الإعلال من فعل مصدرا أو جمعا.
الخامس: شذ إعلال فِعَلة في قولهم: "ثور وثِيَرة" والقياس: ثِورَة، كما قالوا: عود وعِوَدة، وعن المبرد قالوا ذلك للفرق بين ثور الحيوان، وثور قطعة من الأقط فقالوا في ذلك: ثِيَرة، وفي هذا: ثِوَرة، وقيل: جمعوه على فِعْلة -بسكون العين- فقلبت الواو ياء لسكونها، ثم حركت وبقيت الياء، وقيل: قالت العرب: ثورة
_________________
(١) ١ الجو: هو الفضاء بين السماء والأرض، واسم لمواضع كثيرة. وريان: أي مرتو بالماء، ضد عطشان، وريان: أصله رويان، اجتع فيه الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
[ ٣ / ١٥٨٦ ]
وثيران، فقلبوا الواو فيهما وأجروا الجمع مجرى واحدا، وذهب ابن السراج والمبرد فيما حكى عنهما المصنف أن ثِيَرة مقصورة من فِعَالة وأصله ثِيَارة كحجارة، فقلبت الواو ياء لأجل الألف، فلما قصروه بقيت الياء منبهة على الأصل.
الواو لاما بعد فتح يا انقَلَب كالْمُعْطيان يُرْضَيَان
يجب إبدال الواو ياء إذا تطرفت بعد فتحة رابعة فصاعدا؛ لأن ما هي فيه إذ ذاك لا يعدم نظيرا يستحق الإعلال، سواء كانت في اسم كقولك: "المعطيان" فإن أصله المعطوان، فقلبت الواو ياء حملا لاسم المفعول على اسم الفاعل، أم فعل كقولك: "يُرضيان" أصله يرْضَوَان؛ لأنه من الرِّضوان، فقلبت الواو ياء حملا لبناء المفعول على بناء الفاعل، وكذلك حملوا الماضي على المضارع فقالوا: "أعطيت" وأصله أعطوْت، حملا على يعطي.
تنبيه:
هذا الإعلال مستصحب مع هاء التأنيث نحو: "الْمُعْطَاة" وقوله: "والواو لاما" يشمله.
وقوله:
ووَجَبْ
إبدال واو بعد ضم من ألِفْ
يعني: أنه يجب إبدال الألف واوا إذا انضم ما قبلها، مثاله ضويرب تصغير ضارب، وبويع تصغير بائع مبنيا للمفعول.
وقوله: "ويا كموقن بذا لها اعتُرف" يعني: أنه يجب إبدال الياء الساكنة المفردة في غير جمع واوا إذا انضم ما قبلها نحو مُوقِن أصله مُيْقن؛ لأنه من أيقن، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها، واحترز بالساكنة من المتحرك نحو: "هُيام"١ فإنها تحصنت بحركتها، فلا تقلب إلا فيما سيأتي بيانه.
_________________
(١) ١ الهيام -بضم الهاء وتخفيف الياء- يطلق على العطش الشديد، وعلى اختلال العقل من العشق، وعلى ما يأخذ الإبل فتهيم في الأرض ولا ترعى.
[ ٣ / ١٥٨٧ ]
واحترز بالمفردة من المدغمة نحو: "حُيَّض"١ فإنها لا تقلب لتحصنها بالإدغام.
واحترز بغير الجمع من أن تكون في جمع؛ فإنها لا تقلب واوا، بل تبدل الضمة قبلها كسرة فتصح الياء، وإلى هذا أشار بقوله:
ويُكسر المضموم في جمع كما يقال هيم عند جمع أهيما
أصل هيم: هُيْم -بضم الهاء- لأنه جمع أهيم، فهو نظير حمر جمع أحمر، فخفف بإبدال ضمة فائه كسرة لتصح الياء، وإنما لم تبدل ياؤه واوا كما فعل في المفرد؛ لأن الجمع أثقل من المفرد، فكان أحق بمزيد التخفيف، فعدل عن إبدال عينه واوا؛ لأنها أثقل من الياء.
تنبيهات:
الأول: سمع في جمع عائِط عيط على القياس٢ وعُوط بقلب الياء واوا -وهو شاذ- حكاه أو عبيدة.
الثاني: كان ينبغي أن يستثنى أيضا فُعْلَى صفة نحو الكُوسَى أنثى الأكيس، فإنها ذات وجهين عنده، وقد ذكرها آخر الفصل.
الثالث: حاصل ما ذكر المصنف أن الياء الساكنة المفردة إذا انضم ما قبلها، فإما أن تكون في جمع أو في فعلى صفة أو في مفرد غير فُعْلَى الصفة، فإن كانت في جمع أبدلت الضمة كسرة وصحت الياء، وإن كانت في فعلى جاز الوجهان، وسيأتي الكلام عليها، وإن كانت في مفرد غير فعلى الصفة قلبت الياء واوا، وهذا يشمل نوعين:
أحدهما: ما الياء فيه فاء الكلمة نحن موقن، فلا إشكال في إبدال يائه واوا.
والآخر: ما الياء فيه عين الكلمة، وهذا فيه خلاف، مذهب سيبويه والخليل إبدال الضمة فيه كسرة كما فُعل في الجمع، ومذهب الأخفش إقرار الضمة وقلب الياء واوا، وكلام المصنف يوافقه، فإذا بنيت من البياض نحو بُرْد قلت على
_________________
(١) ١ الحيض -بتشديد الياء- جمع حائض. ٢ العائط: الناقة التي لا تحمل.
[ ٣ / ١٥٨٨ ]
مذهبهما بُيْض، وعلى مذهب الأخفش بُوض؛ ولذلك كان "ديك" عندها محتملا لأن يكون فُعْلا وأن يكون فِعْلا، ويتعين عنده أن يكون فِعْلا بالكسر، وإذا بنيت مَفْعُلة من العيش قلت على مذهبهما: معيشة، وعلى مذهبه: مَعُوشة؛ ولذلك كانت معيشة عندهما محتملة أن تكون مَفعُلة ومَفعِلة، ويتعين عنده أن تكون مَفْعِلة.
واستدل لسيبويه بأوجه:
أحدهما: قول العرب: "أَعْيسُ بَيِّنُ العِيسة" فالعيسة١ مصدر كالحُمْرة.
والثاني: قولهم: مبيع، أصله مبيوع، فنقلت الضمة إلى الباء ثم كسرت لتصح الياء، وسيأتي بيان ذلك.
والثالث: أن العين حكم لها بحكم اللام فأبدلت الضمة لأجلها كما أبدلت لأجل اللام. واستدل الأخفش بأوجه:
أحدها: قول العرب مضوفة لما يحذر منه، وهي من ضاف يضيف، إذا أشفق عليه وحذر، قال الشاعر٢:
كنت إذا جارِي دعا لِمَضُوفَة أشمِّرُ حتى يبلغ الساقَ مئزرِي
_________________
(١) ١ العيسة: بياض يخالطه شقرة. اهـ قاموس. ٢ قائله: هو أبو جندب الهذلي، وهو من الطويل. اللغة: "لمضوفة" ما ينزل به من حوادث الدهر ونوائب الزمان "حتى يبلغ الساق" روي: حتى ينصف الساق "مئزري" كناية عن شدة قيامه واهتمامه في نصرة جاره عند حلول النوائب. المعنى: إذا دعاني جاري لهذا الأمر شمرت عن ساقي وقمت في نصرته. الإعراب: "وكنت" الواو للعطف وكان فعل ماض ناقص والتاء اسمها، وجملة "أشمر" خبر كان، وجعل الجوهري كان زائدة هاهنا، قال: لأنه يخبر عن حاله وليس يخبر بكنت عما مضى من فعله، وليس كذلك لأنه لا تقع زائدة أولا إذا رفعت الاسم ونصبت الخبر "إذا" ظرف "جاري" فاعل بفعل محذوف والياء مضاف إليه يفسر الفعل بالظاهر، والتقدير: إذا دعا جاري، ومفعول دعا محذوف تقديره: دعاني "لمضوفة" جار ومجرور متعلق بدعا "حتى" للغاية وأن بعدها مضمرة "يبلغ" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى "الساق" مفعول به "مئزري" فاعل يبلغ والياء مضاف إليه. الشاهد: قوله: "مضوفة" فإن القياس فيه مضيفة. مواضعه: ذكره الأشموني ٤٨٤/ ٣، وابن يعيش ٨١/ ١٠.
[ ٣ / ١٥٨٩ ]
والثاني: أن المفرد لا يقاس على الجمع؛ لأنا وجدنا الجمع يقلب فيه ما لا يقلب في المفرد، ألا ترى أن الواوين المتطرفتين يقلبان ياءين في الجمع نحو: "جُثيّ" جمع جاثٍ، ولا يقلبان في المفرد نحو "عتو" مصدر عَتَا.
والثالث: أن الجمع أثقل من المفرد فهو أدعى إلى التخفيف.
وصحح أكثرهم مذهب سيبويه وأجابوا عن الأول من أدلة الأخفش بوجهين:
أحدهما: أن مضوفة شاذ، فلا تُبنى عليه القواعد.
والآخر: أن أبا بكر الزبيدي ذكره في مختصر العين من ذوات الواو، وذكر أضاف إذا أشفق رباعيا، ومن روى ضاف يضيف فهو قليل. وعن الثاني والثالث بأنهما قياس معارض للنص، لا يلتفت إليه.
وواوا إثر الضم رد اليا متى أُلفي لام فِعْل أو من قبل تا
كتاء بان من رَمَى كمَقْدُرَه كذا إذا كسَبُعَان صيَّره
تبدل الياء المتحركة بعد الضمة واوا إذا كانت لام فعل نحو: "قَضُوَ الرجل ورَمُوَ" وهذا مختص بفعل التعجب، ولم يجئ مثل ذلك في فعل متصرف إلا ما ندر من قولهم: "نَهُوَ الرجل فهو نهيّ" إذا كان كامل النُّهْيَة، وهو العقل.
أو كانت لام اسم مبني على التأنيث بالتاء كمرْمُوَة مثال مَقْدُرة من رمى، فلو كانت التاء عارضة بأن يقدر بناء الكلمة على التذكير ثم يعرض لحاق التاء وجب إبدال الضمة كسرة، وتصحيح الياء كما يجب ذلك مع التجريد، وذلك نحو توان الأصل فيه تَوَاني، فأبدلت الضمة كسرة فصار توانيا، لكنه خفف بإبدال ضمته كسرة لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها ضمة لازمة، فإذا لحقته التاء قلت: تَوَانِية؛ لأنها عارضة فلا اعتداد بها.
[ ٣ / ١٥٩٠ ]
فإن قلت: من أين يعلم أن مراده غير العارضة؟
قلت: من تقييده بنحو مقدرة وقوله: "كذا إذا كسبعان صيره" يعني: أنه يجب إبدال الياء بعد الضمة واوا قبل زيادتي فعلان كبناء مثل سُبعان من الرمي، وهو اسم موضع فتقول فيه: رَمُوَان، وأصله رَمُيَان، قلبت الياء واوا وسلمت الضمة؛ لأن الألف والنون لا يكونان أضعف حالا من التاء اللازمة في التحصن من الطرف.
وإن تكن عينا لفُعْلَى وصفا فذاك بالوجهين عنهم يُلْفَى
أي: وإن تكن الياء المضموم ما قبلها عينا لفُعْلَى وصفا جاز فيها وجهان:
أحدهما: إبدال الضمة كسرة فتصح الياء، والآخر: إبقاء الضمة فتقلب الياء واوا، فتقول في أنثى الأكيس والأضيق: الكيسى والضيقى، على الأول، والكوسى والضوقى على الثاني، قال الشارح: ترديدا بين حمله على مذكره تارة وبين رعاية الزنة أخرى.
تنبيهان:
الأول: فهم من قوله: وصفا، أن فعلى إذا كانت اسما تقلب ياؤها واوا نحو: طوبى، وهو اسم مصدر من الطيب، وقد قرئ: "طيبى لهم "١ وهو قليل.
الثاني: كلام الناظم هنا مخالف لكلام سيبويه ومن تبعه من أهل التصريف من وجهين؛ أحدهما: أنه جاز في فعلى وصفا وجهين وهم جزموا بأحدهما، فقالوا: تقلب ياء فعلى اسما واوا كطوبى والكوسى وهما من الطيب والكيس ولا تقلب في الصفة، ولكن يكسر ما قبلها فتسلم الياء نحو: "مشية حيكى" يقال: حاك في مشيته يحيك حيكانا إذا حرك منكبيه، و"قِسْمَةٌ ضِيَزَى"٢ أي: جائزة، من قولهم: ضازه حقه يضيزه إذا بخسه وجار عليه فيه، والأصل ضيزى وحيكى بالضم؛ لأن ليس في الصفات فعلى -بالكسر- وفي فعلى -بالضم- فأبدلوا من
_________________
(١) ١ من الآية ٢٩ من سورة الرعد. ٢ من الآية ٢٢ من سورة النجم.
[ ٣ / ١٥٩١ ]
الضمة كسرة لتصح الياء على حد فعلهم في بُيْض فرقا بين الاسم والصفة، قال بعضهم: ولم يأتِ من الصفات غير هذين يعني: حيكى وضيزى، والآخر: أنهم ذكروا أنثى الأفعل في باب الأسماء فحكموا لها بحكم الأسماء أعني: إقرار الضمة وقلب الياء واوا، وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز فيها غير ذلك، وذكرها المصنف في باب الصفات، وأجاز فيها الوجهين، ونص على أن الوجهين في ذلك مسموعان من العرب، وقال الشلوبين: لم يجئ من هذا مقلوبا إلا فعلى أنثى أفعل، ولم يجئ اسما ولا صفة دونها، وهذا كله قياس من النحويين جعلوه نظير فعلى وهو عكسه. انتهى. وكأنه لم يعتد بطوبى أو رآه تأنيث الأطيب.
[ ٣ / ١٥٩٢ ]
فصل "إذا اعتلت لام فَعْلَى":
من لام فَعْلَى اسما أتى الواو بَدَلْ ياء كتقْوَى غالبا جَا ذَا البَدَلْ
إذا اعتلت لام فعلى -بفتح الفاء- فتارة تكون لامها واوا، وتارة تكون ياء. فإن كانت واوا سلمت في الاسم كالدعوى وفي الصفة نحو نشوى١، فلم يفرقوا في ذوات الواو بين الاسم والصفة، وإن كانت ياء سلمت في الصفة نحو خَزْيا وصَدْيا، وقلبت واوا في الاسم كالتقوى والفتوى والبقوى٢ فرقا بين الاسم والصفة، وأوثر بهذا الإعلال "لأنه أخف"٣، فكان أحمل، وأكثر النحويين يجعلون هذا مطردا، وقال بعضهم: شذ من ذلك لفظة واحدة وهي قولهم: "طَغْيا" لولد البقر فجاءت بالياء، وكان القياس طغوا -بالواو- وزاد في شرح الكافية لفظتين، قال فيه: وإنما قال "غالبا" احترازا من الرَّيَّا بمعنى الرائحة والطغيا وهو ولد البقرة الوحشية، وسعيا اسم موضع، انتهى. والذي ذكره سيبويه وغيره من النحويين أن الريا صفة وليس بشاذ والأصل رائحة ريا أي: مملوءة طيبا.
تنبيه:
ما ذكره الناظم هنا وفي شرح الكافية موافق لمذهب سيبويه وأكثر النحويين، أعني في كون إبدال الياء واوا في فَعْلى الاسم مطردا، وإقرار الياء فيها شاذ، وعكس في التسهيل فقال: وشذ إبدال الواو من الياء لاما لفعلى اسما، وقال أيضا في بعض تصانيفه: من شواذ الإعلال إبدال الواو من الياء في فعلى اسما كالنشوى والتقوى والعنوى٤ والفتوى، والأصل فيهن الياء.
_________________
(١) ١ نشوى: بلد بأذربيجان. ٢ البقوى: من الإبقاء وهي الرحمة والرعاية. ٣ أ، ج. ٤ العنوى: في النسخ رسم هذا المثال ولم أجد له ذكرا في القاموس، ولا في المصباح ولا في غيرهما، والذي في كتب اللغة: والعنوة بتاء التأنيث، وفسرت بالقهر والمودة.
[ ٣ / ١٥٩٣ ]
ثم قال:
وأكثر النحويين يجعلون هذا مطردا، وألحقوا بالأربعة المذكورة: الشَّرْوَى والطغوى واللقوى والدعوى١ زاعمين أن أصلها الياء، والأولى عندي جعل هذه الأواخر من الواو سدا لباب التكثير من الشذوذ، ثم قال: ومما يبين أن إبدال يائها واوا شاذ تصحيح الريا وهي الرائحة، والطغيا وهي ولد البقرة الوحشية تفتح طاؤها وتضم، وسعيا اسم موضع.
فهذه الثلاثة الجائية على الأصل والتجنب للشذوذ أولى بالقياس عليها، انتهى.
وتعقب احتجاجه بهذه الثلاثة، أما "ريا" فقد جعلها سيبويه صفة قال: ولو كانت اسما لقلت رَوَّى، وأما "طغيا" فلا دليل فيه؛ لأنه قد نقل فيه ضم الطاء، فمن فتح أقر الياء استصحابا للغة الضم، وأما "سعيا" فهو علم ويحتمل أن يكون منقولا من صفة كخزيا وصديا.
بالعكس جاء لام فُعْلَى وصفا وكون قُصْوَى نادرا لا يَخْفَى
إذا اعتلت لام فُعْلَى -بضم الفاء- فتارة تكون لامها ياء، وتارة تكون واوا؛ فإن كانت ياء سلمت في الاسم نحو الفتيا، وفي الصفة نحو القصيا تأنيث الأقصى، فلم يفرقوا من ذوات الياء بين الاسم والصفة، كما لم يفرقوا في فعلى -بالفتح- من ذوات الواو كما سبق، وإن كان واوا سلمت في الاسم نحو حُزْوَى -اسم موضع- وقلبت ياء في الصفة نحو الدنيا والعليا، فهذا معنى قوله: "بالعكس".
وشذ من ذلك كالقُصْوَى في لغة غير تميم، وأما تميم فيقولون: "القُصْيَا" على القياس، وشذ أيضا "الْحَلْوَى" عند الجميع.
_________________
(١) ١ الشروى: بمعنى مثل يقال لك شرواه أي: مثله. والطغوى: بمعنى الطغيان. واللقوى: كذا في النسخ -بالقاف- ولم أجد له ذكرا في القاموس وغيره، والذي فيه اللغوى -بالغين- بمعنى اللغو، وهو ما لا يعتد به من كلام أو غيره.
[ ٣ / ١٥٩٤ ]
تنبيه:
ما ذكره المصنف من أن لام فُعْلَى إذاكانت واوا تبدل ياء في الصفة وتسلم في الاسم مخالف لقول أهل التصريف، فإنهم يقولون: إن فُعْلَى إذا كانت لامها واوا تقلب في الاسم دون الصفة ويجعلون "حُزْوَى" شاذا، وقال المصنف في بعض كتبه: النحويون يقولون: هذا الإعلال مخصوص بالاسم ثم لا يمثلون إلا بصفة محضة أو بالدنيا، والاسمية فيها عارضة، ويزعمون أن تصحيح حزوى شاذ كتصحيح "حَيْوَة"، وهذا قول لا دليل على صحته، وما قلته مؤيد بالدليل وموافق لقول أئمة اللغة.
حكى الأزهري عن الفراء وابن السكيت أنهما قالا: ما كان من النعوت مثل الدنيا والعليا فإنه بالياء، فإنهم يستثقلون الواو مع ضمة أوله، وليس فيه اختلاف، إلا أن أهل الحجاز أظهروا الواو في القصوى، وبنو تميم قالوا: القصيا. انتهى.
وأما قول ابن الحاجب بخلاف الصفة كالغُزْوى يعني تأنيث الأغزَى، قال ابن المصنف: هو تمثيل من عنده، وليس معه نقل، والقياس أن يقال: الغزيا كما يقال العليا.
[ ٣ / ١٥٩٥ ]
فصل "إذا اجتمعت الواو والياء وسكن ما قبلها":
إن يَسْكُنِ السابقُ من واو وَيَا واتصلا ومن عُرُوض عَريَا
فياءً الواوَ اقلبنَّ مُدْغِما وشذَّ معطى غير ما قد رُسِمَا
حاصل هذا الفصل أن الواو والياء إذا اجتمعا وسكن سابقهما وجب إبدال الواو ياء ثم الإدغام، وذلك مشروط بشروط:
الأول: أن يتصلا، أعني: أن يكون في كلمة واحدة، فلو كانا في كلمتين نحو: "فويوسفُ" وهذا "فويزيد" لم يجز الإبدال والإدغام.
الثاني: أن يكون سكون السابق أصليا، فلو كان عارضا نحو قَوْى مخفف قوى لم تبدل ولم تدغم.
الثالث: ألا يكون الساكن بدلا غير لازم نحو رُويَة مخفف رُؤْية، فلا يبدل لعروضه، وحكى الكسائي الإدغام في رويا إذا خففت، وسمع من يقرأ: "إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّيَّا تَعْبُرُونَ"١.
فإن كانت بدلا لازما نحو ايّم وهومثال أُبْلُم من الأيمة أصله أؤيم، فأبدلت الهمزة الثانية واوا؛ لانضمام التي قبلها فصار أويم، وهذا بدل لازم فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار أيم، وهذان الشرطان مأخوذان من قوله: "ومن عروض عريا" أي: من عروض ذات أو من عروض سكون.
فمثال ما اجتمعت فيه الشروط سيّد وأصله سَيْوِد؛ لأنه فيعل من ساد يسود، ومرمي أصله مرموي؛ لأنه مفعول من رمى يرمي، فأبدلت الواو فيهما ياء ثم أدغمت أولى الياءين في الأخرى.
تنبيهات:
الأول: لوجوب الإبدال في هذا النوع شرط رابع لم ينبه عليه هنا، وهو ألا يكون الثاني واوا تحركت لفظا في إفراد وتكسير غير لازم بعد ياء التصغير نحو جدول، فلك في تصغيره وجهان:
_________________
(١) ١ من الآية ٤٣ من سورة يوسف.
[ ٣ / ١٥٩٦ ]
أحدهما: جُدَيِّل بالإبدال والإدغام على القياس، وهو الأرجح.
والآخر: جُدَيْول -بالتصحيح.
وقوله: "وشذ معطى غير ما قد رسما" يشمل ثلاثة أضرب:
أحدها: ما أبدل وأدغم ولم يستوفِ الشروط كقولهم في الرؤيا: ريّا، وقد قرأ بعضهم: "إن كنتم للريَّا تعبرون"، وحكى الفراء في روية مخفف رؤية ريّة -بالإدغام- وقال في شرح الكافية: وحكى بعضهم اطرادهم على لغة، وقاس بعضهم عارض السكون على عارض البدلية فقال: في قوى مخفف قوى في -بالإدغام- وهو ضعيف.
الثاني: ما صحح مع استيفاء الشروط كقولهم للسِّنَّور ضَيْوَن، وعوى الكلب عَوْية، ويوم أَيْوَم١.
والثالث: ما أبدل فيه الياء واوا وأدغمت الواو في الواو كقولهم: عوى الكلب عَوَّة، وهو نَهو عن المنكر.
من واو أو ياء بتحريك أصل ألفًا ابدل بعد فتح متصل
يجب إبدال كل ياء أو واو تحركت بعد فتح ألفا بشروط:
الأول: أن يكون التحريك أصليا، احترازا من أن يكون عارضا نحو جَيَل وتَوَم مخففي جَيْئَل وتَوْءَم.
والثاني: أن يكون الفتح متصلا احترازا من أن يكون منفصلا بحرف نحو زاي وواو، فإن الألف فاصلة، أو يكون من كلمة أخرى نحو إن يزيد ومق، فإنه لا يؤثر.
والثالث: أن يكون اتصاله أصليا احترازا من نحو بناء مثل عُلَبِط٢ من الرمي أو الغزو فتقول فيه: رُمِيٍ وغُزَوٍ -منقوصا- ولا تقلب الواو والياء ألفا؛ لأن اتصال
_________________
(١) ١ أيوم: أي: كثير الشدة. ٢ العلبط -بضم العين وفتح اللام وكسر الموحدة- الضخم.
[ ٣ / ١٥٩٧ ]
الفتحة بها عارض بسبب حذف الألف؛ إذ الأصل رُمَايِي وغُزَاوِي؛ لأن علبطا أصله علابط.
فإن قلت: لا يؤخذ هذا الشرط من النظم.
قلت: بل من قوله: "متصل" فإن هذا منفصل تقديرا واتصاله عارض، فيكون المعنى بعد فتح متصل لفظا وتقديرا، فهذه الشروط لا بد من اعتبارها في الإعلال المذكور، ولا يشترط معها في إعلال اللام إلا شرط واحد وهو ألا يتصل بها ألف ولا ياء مشددة، وأما العين فيشترط في إعلالها مع هذه الشروط الثلاثة شروط آخر.
أولها: ألا يسكن ما بعدها، وثانيها: ألا يكون ما هي فيه فعلا على فعل ذا أفعل أو متصرفا منه، وثالثها: ألا يكون ما هي فيه فعلا واويا على افتعل بمعنى تفاعل أو مصرفا منه، ورابعها: ألا يعل ما وليها، وخامسها: ألا يكون ما هي فيها اسما مختوما بزيادة تختص بالأسماء، وسادسها: ألا تكون هي بدلا من حرف لا يعل، وسيأتي الكلام على هذه الشروط مفصلا إن شاء الله تعالى.
فمثال ما يعل لاستيفاء الشروط وهي لام رمى ودعا أصلهما رمي ودعو، فقلبت الياء والواو ألفا لما تقدم.
ومثال ذلك وهو عين باع وقال: أصلهما بيع وقول، فقلبت الياء والواو ألفا لذلك، وقد أشار إلى أول هذه الشروط الستة بقوله:
إن حُرك التالي وإن سُكن كف إعلال غير اللام
يعني: أن إعلال الياء والواو بالإعلال المذكور إذا كانا غير مشروط بأن يتحرك تاليهما كما مثلنا به، فإن سكن تاليهما منع الإعلال وكفه مطلقا نحو بيان وغيور وطويل وخَوَرْنَق، وأما اللام فقد بين حكمها بقوله:
وهي لا يكف
إعلالها بساكن غير ألف أو ياء التشديد فيها فيها قد أُلف
[ ٣ / ١٥٩٨ ]
لما كانت اللام محل التغيير لم يكف إعلالها الساكن كما كف إعلال العين ما لم تكن ألفا أو ياء مشددة فإنهما يكفان إعلالها دون غيرهما من السواكن، فالألف نحو رَمَيَا وغَزَوَا، والياء المشددة نحو عَلويّ؛ لأنهم لو أعلوا قبل الألف لاجتمع ساكنان، فيحذف أحدهما فيصير اللفظ رمى وغزا، فلا يُدرى للمثنى هو أم للمفرد.
وأما: رحيان وعصوان، فمحمول عليه لأنه من باب، وأما نحو علويّ، فلا تبدل واوه ألفا لأنها في موضع تبدل فيه الألف واوا، فإن ولي اللام غير الألف والياء المشددة من السواكن أعلت نحو يَخْشَوْن أصله يخشيون، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وكذلك تقول في جمع عصا -مسمى به- قام عَصَوْن، والأصل عَصَوُون، ففعل به ما ذكر في يخشون، وعلى هذا لو بنيت من الرمي مثل عنكبوت قلت رَمْيَوْت والأصل رَمْيَيُوت ثم قلب وحذف لملاقاة الساكن وسهل ذلك أمن اللبس إذ ليس في الكلام فَعْلَوْت، وذهب بعضهم إلى تصحيح هذا؛ لكون ما هي فيه واحدا، ثم أشار إلى ثانيها بقوله:
وصحَّ عينُ فَعَل وفَعِلا ذا أفْعَل كأَغْيَد وأَحْوَلا
ما كان من الأفعال على فَعَل وعينه ياء أو واو واسم فاعله على أفعل لزم تصحيحه حملا على افعلّ لموافقته له في المعنى؛ لأن فعل من هذا النوع مختص بالألوان والخلق نحو غيد فهو أغيد١ وحول فهو أحول، ومصدر فعل هذا محمول عليه في التصحيح أيضا نحو غيد غيدا وحول حولا.
واحترز بقوله: "ذا أفعل" من نحو خاف ونحوه فإن وزنه فَعِل، ولكن فاعله متزن بفاعل، ثم أشار إلى ثالثها بقوله:
وإن يَبِنْ تَفَاعُلٌ من افْتَعَلْ والعينُ واو سَلِمَتْ ولم تُعَل
_________________
(١) ١ الأغيد: الناعم البدن، ويقال في الأنثى: غيداء وغادة.
[ ٣ / ١٥٩٩ ]
إذا كان افتعل واوي العين بمعنى تفاعل صح حملا على تفاعل؛ لكونه بمعناه نحو اجْتَوَرُوا وازدرجوا بمعنى تجاوروا وتزاوجوا، واحترز بقوله: "وإن يَبِن تفاعل من افتعل" من أن يكون افتعل لا يدل على التفاعل، وهو الاشتراك في الفاعلية والمفعولية، فإنه يجب إعلاله مطلقا نحو اختان بمعنى خان واجتاز بمعنى جاز، واحترز بقوله: "والعين واو" من أن تكون عينه ياء فإنه يجب إعلاله.
ولو كان دالا على التفاعل، نحو: امتازوا وابتاعوا واستافوا١ أي: تضاربوا بالسيوف؛ لأن الياء أشبه بالألف من الواو، فكانت أحق بالإعلال منها، ثم أشار إلى رابعها بقوله:
وإِنْ لحرفين ذا الإعلال اسْتُحق صُحِّح أول وعكس قد يَحِق
إذا اجتمع في الكلمة حرفا علة واوان أو ياءان أو ياء وواو، وكل منهما مستحق لأن يقلب ألفا لتحركه وانفتاح ما قبله، فلا بد من تصحيح أحدهما لئلا يجتمع إعلالان والآخر أحق بالإعلال، فاجتماع الواوين كالحوى مصدر حَوِيَ إذا اسودّ، ويدل على أن ألف الحوى منقلبة عن واو قولهم في مثناه: حووان، وفي جمع أحوى: حُوّ، وفي مؤنثه: حواء، فأصل الحوى حوو، فكل واحدة من الواوين تستحق الانقلاب، فإن قلبناهما لالتقى ألفان فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين، ثم حذف الآخر لملاقاة التنوين فيبقى اسم متمكن على حرف واحد، وذلك ممتنع، وما أفضى إلى الممتنع ممتنع، فلما امتنع إعلالهما معا وجب إعلال أحدهما، وكان الثاني أحق بذلك لأن الطرف محل التغيير والعين متحضنة بوقوعها حشوا واجتماع الياءين كالحيا للغيث، وأصله حيي، فأعلت الياء الثانية لما تقدم، واجتماع الواو والياء كالهوى، أصله هَوَي، فأعلت الياء على ما ذكر في الحوى.
_________________
(١) ١ بمعنى: تمايزوا وتبايعوا وتسايفوا.
[ ٣ / ١٦٠٠ ]
وهكذا يفعل في كل ما جاء من هذا النوع إلا ما شذ من نحو غاية وأصله غَيَيَة، فأعلت الياء الأولى وصحت الثانية، وسهل ذلك كون الثانية لم تقع طرفا، ومثل غاية في ذلك ثَاية، وهي حجارة صغار يضعها الراعي عند متاعه فيثوى عندها، وطاية وهي السطح والدكان أيضا، وكذلك آية عند الخليل أصلها أيية، فأعلت العين شذوذا، وفي آية خمسة مذاهب غير مذهب الخليل ذكرتها في غير هذا الموضع، وإلى غاية وأخواتها أشار بقوله: "وعكس قد يحق"، ثم أشار إلى خامسها بقوله:
وعينُ ما آخره قد زِيدَ ما يخص الاسم واجبٌ أن يَسْلَما
لما كان الإعلال فرعا والفعل فرع كان أحق به من الاسم؛ ولهذا إذا كان آخر الاسم زيادة تختص بالأسماء وجب سلامة عينه إذاكانت واوا أو ياء تحركتا وانفتح ما قبلهما؛ لأنه بتلك الزيادة بعد شبهه بما هو الأصل في الإعلال، وذلك نحو: جَوَلان وسَيَلان، فإنهما قد ختما بزيادة تختص بالأسماء، وهي الألف والنون فصحت عينهما لذلك، وما جاء من هذا النوع معلا عد شاذا نحو: داران وماهان١ وقياسهما دَوَران ومَوَهان، وخالف المبرد في هذا فزعم أن الإعلال هو القياس، وعليه جاء داران وماهان، والصحيح الأول، وهو مذهب سيبويه.
تنبيهات:
الأول: زيادة تاء التأنيث غير معتبرة في التصحيح؛ لأنها لا تخرجه عن صورة فعل؛ لأن تاء التأنيث تلحق الماضي، فلا يثبت بلحاقها مباينة في نحو: قَالَة وبَاعَة، وأما الْحَوَكَة فتصحيحه شاذ باتفاق.
_________________
(١) ١ قيل: إن داران وماهان أعجميان؛ فلا يحسن عدهما فيما شذ.
[ ٣ / ١٦٠١ ]
الثاني: اختلف في ألف التأنيث المقصورة في نحو صَوَرَى -وهو اسم ماء- فذهب المازني إلى أنها مانعة من الإعلال؛ لاختصاصها بالاسم.
وذهب الأخفش إلى أنها لا تمنع الإعلال؛ لأنها لا تخرجه عن شبه الفعل؛ لأنها في اللفظ بمنزلة ألف فَعَلا، فتصحيح صَوَرَى عند المازني مقيس، وعند الأخفش شاذ لا يقاس عليه؛ فلو بني مثلها من القول لقيل على رأي المازني: قَوَلَى، وعلى رأي الأخفش: قَالَا، وقد اضطرب اختيار الناظم في هذه المسألة، فاختار في التسهيل مذهب الأخفش، وفي بعض كتبه مذهب المازني، وبه جزم الشارح، واعلم أن ما ذهب إليه المازني هو مذهب سيبويه.
الثالث: لم ينبه الناظم هنا على الشرط السادس، وهو ألا تكون العين بدلا من حرف لا يُعل وقد ذكره في التسهيل، واحترز به عن قولهم في شجرة: شَيَرة، فلم يعلوا لأن الياء بدل من الجيم، قال الشاعر١:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى فأبعدكن الله من شَيَرات
الرابع: قال في الكافية:
وقد يكف سبب الإعلال أن يُناب عن حرف بتصحيح قَمِن
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "ولا جنى" -بفتح الجيم- وهو ما يجتنى من الشجر "فأبعدكن الله" أي: لعنكن الله، يقال: أبعده الله أي: لعنه. والخطاب للأشجار التي ليس لها ظل ولا ثمر. والإعراب: "إذا" للشرط "لم" حرف نفي وجزم وقلب، وجملة "لم يكن فيكن ظل" وقعت فعل الشرط وظل مرفوع لأنه اسم كان وفيكن مقدما خبره "ولا جنى" عطف على "ظل" "فأبعدكن الله" الفاء واقعة في جواب الشرط، وأبعدكن الله جملة من الفعل والفاعل والمفعول جوابا للشرط. الشاهد: قوله: "شيرات" فإن الياء فيه بدل من الجيم؛ لأن أصله شجرات. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٥٩/ ٣.
[ ٣ / ١٦٠٢ ]
فهذا شامل لنوعين:
أحدهما: ما هو بدل من حرف لا يعل نحو: شيرة في شجرة، وقد تقدم.
والثاني: ما هو حال محل حرف لا يعل، وإن لم يكن بدلا نحو: أيس بمعنى يئس، فيضعون الهمزة موضع الياء، والياء موضع الهمزة، ويصححون الياء، وإن تحركت وانفتح ما قبلها؛ لأنها وقعت موقع الهمزة، والهمزة لو كانت في موضعها لم تبدل، فعوملت الياء معاملتها لوقوعها موقعها، هكذا قال في شرح الكافية.
وهذا النوع الثاني لم يخرج بشيء من الشروط الستة المتقدمة، فيكون هذا شرطا سابعا.
وذكر بعضهم: أن أيس إنما لم يعل لعروض اتصال الفتحة به؛ لأن الياء فاء الكلمة، فهي في نية التقديم والهمزة قبلها في نية التأخير، وعلى هذا فيستغنى عن هذا الشرط بما سبق من اشتراط أصالة اتصال الفتحة.
الخامس: ذكر ابن بابشاذ لهذا الإعلال شرطا آخر، وهو ألا يكون التصحيح للتنبيه على الأصل المرفوض، قال: واحترز من مثل الخونة والحوكة. انتهى، وهو غير محتاج إليه؛ لأن هذا مما شذ مع استيفائه الشروط، ومثل ذلك في الشذوذ قولهم: رَوَح وغَيَب جمع رائح وغائب، وعِفَوة جمع عِفُوْ -وهو الجحش- قال الشارح: لأن تاء التأنيث غير مختصة بالأسماء، يعني: في عفوة.
وقبل با اقلب ميما النون إذا كان مسكنا كمن بت انبذا
في النطق بالنون الساكنة قبل الباء عسر؛ لاختلاف مخرجيهما مع مباينة لين النون وغنتها لشدة الباء، فذلك وجب إبدالها قبل الباء ميما؛ لأنها من مخرج الباء ومثل النون في الغنة، ولا فرق في ذلك بين المنفصلة والمتصلة، وقد جمعها في قوله:
"كمن بت انبذا" أي: من قطعك فألقه عن بالك واطرحه. وألف "انبذا" بدل من نون التوكيد الخفيفة.
[ ٣ / ١٦٠٣ ]
تنبيهات:
الأول: عبر بعضهم عن إبدال النون ميما بالقلب كما فعل الناظم، والأولى أن يعبر بالإبدال؛ لأن القلب في الاصطلاح إنما يكون في حروف العلة غالبا، وتقدم بيان ذلك.
الثاني: نقل أبو علي بن أبي الأحوص أحد تلاميذ الشلوبين عن الفراء أن النون الساكنة تخفى عند الباء، ولا يحمل على ظاهره، فإن ذلك شيء لم ينقله أحد من النحويين عن العرب، وإنما يحمل على أنه تجوز، فسمي الإبدال هنا إخفاء.
الثالث: قد تبدل النون ميما ساكنة ومتحركة دون باء، وذلك شاذ، فالساكنة كقولهم في حنظل: حَمظل، وأمْغَرَت الشاة أنغرت١، والمتحركة كقولهم في بنان: بنام، قال رؤبة٢:
يا هَاَل ذات المنطق التمتام وكفك المخضب البنام
_________________
(١) ١ إذا خرج لبنها كالمغرة. ٢ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. اللغة: "هال" اسم امرأة، منادى مرخم "هالة" منقول من هالة القمر، وهي الدائرة المحيطة به "التمتام" من التمتمة، وهي تكرير التاء والميم "المخضب" الذي جعل في الخضاب "البنام" المراد: البنان، وهي أطراف الأصابع، والواحدة بنانة ويقال: بنان مخضب؛ لأن كل جمع يفرق بينه وبين واحده بالهاء -يوحد ويذكر. المعنى: ينادي المسماة "هالة" ويصفها بأن في نطقها تمتمة وأطراف أصابعها مخضبة. الإعراب: "يا" حرف نداء "هال" منادى مبني على ضم الحرف المحذوف لأجل الترخيم في محل نصب "ذات" نعت لهال باعتبار محله منصوب بالفتحة الظاهرة، وذات مضاف "والمنطق" مضاف إليه "التمتام" نعت للمنطق مجرور بالكسرة الظاهرة "وكفك" الواو حرف عطف، كف: معطوف على المنطق، وهو مضاف وكاف المخاطبة مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر "المخضب" نعت للكف "البنام" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد: قوله: "البنام" حيث أبدل الميم من النون شذوذا؛ لتحركها وعدم وجود الباء بعدها. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٦٠/ ٢، وابن هشام ٢٩٦/ ٤، وابن يعيش ٣٣/ ١٠.
[ ٣ / ١٦٠٤ ]
فصل "إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح":
لساكن صح انقل التحريك من ذي لين آت عين فِعْل كأَبِنْ
إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح وجب نقل حركة العين إليه، لاستثقالها على حرف العلة، نحو: "يقوم ويبين" والأصل: يَقْوُم ويَبْيِن -بضم الواو وكسر الياء- فنقلت حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما؛ أعني: القاف في يقوم والباء في يبين فسكنت الواو والياء.
ثم اعلم أنه إذا نقلت حركة العين إلى الساكن قبلها؛ فتارة تكون العين مجانسة "للحركة المنقولة، وتارة تكون غير متجانسة"١.
"فإن كانت مجانسة"٢ لها لم تغير بأكثر من تسكينها بعد النقل، وذلك بأن تكون الحركة ضمة والعين واوا، أو كسرة والعين ياء، وقد تقدم تمثيلها بيقوم ويبين.
وإن كانت غير متجانسة لها أبدلت حرفا يجانس الحركة، فإن كانت الحركة فتحة والعين واوا أو ياء أبدلت العين ألفا نحو أقام وأبان، أصلهما أقوَم وأبيَن، فلما نقلت الفتحة إلى الساكن بقيت العين غير مجانسة لها، فقلبت ألفا.
وإذا كانت الحركة كسرة والعين واوا نقلت الكسرة، ثم قلبت الواو ياء لتجانس الكسرة نحو يُقِيم أصله يُقْوِمُ، ففعل به ما ذكر، ولهذا النقل شروط:
الأول: أن يكون الساكن المنقول إليه صحيحا، فإن كان حرف علة لم ينقل إليه نحو: قَاوَل وبَايَع وعَوَّق وبَيَّن، وكذا الهمزة لا ينقل إليها نحو: يَأْيَس مضارع أيس؛ لأنها معرضة للإعلال بقلبها ألفا، نص على ذلك في التسهيل.
فإن قلت: لم يستثن الهمزة هنا؟
قلت: الهمزة قد عدها المصنف من حروف العلة؛ فقد خرجت بقوله: "صح".
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب.
[ ٣ / ١٦٠٥ ]
الثاني: ألا يكون الفعل فعل تعجب، نحو: ما أبْيَن الشيء وأقومه، وأبين به وأقوم به، حملوه على نظيره من الأسماء في الوزن والدلالة على المزية، وهو أفعل التفضيل.
الثالث: ألا يكون من المضاعف اللام، نحو: ابيضَّ واسودَّ، وإنما لم يعُلوا هذا النوع لئلا يلتبس مثال بمثال، وذلك أن ابيض لو أعلت عينه بالإعلال المذكور، لقيل فيه: بَاضَّ، وكان يظن أنه فاعل من البضاضة، وهي نعومة البَشَرة، وذلك خلاف المراد فوجب صون اللفظ مما يؤدي إليه.
الرابع: ألا يكون في المعتل اللام، نحو أهْوَى، فلا يدخله النقل لئلا يتوالى إعلالان، وإلى هذه الشروط الثلاثة أشار بقوله:
ما لم يكن فِعْل تعجب ولا كابيض أو أهوى بلام عُلِّلا
وزاد في التسهيل شرطا آخر، وهو ألا يكون موافقا لفعل الذي بمعنى افعَلّ نحو: يعْوَر ويَصيد مضارعا عَوِرَ وصيد، وكذا ما تصرف منه نحو: أعوره الله، وكأنه استغنى عن ذكره هنا بذكره في الفصل السابق في قوله: "وصح عين فَعَل وفَعِلا ذا أَفعَل" فإن العلة واحدة.
ومثل فِعْل في ذا الإعلال اسم ضَاهى مضارعا وفيه وَسْم
يعني: أن الاسم المضاهي للمضارع -وهو الموافق له في عدد الحروف والحركات- يشارك الفعل في وجوب الإعلال بالنقل المذكور، وبشرط أن يكون فيه وسم يمتاز به عن الفعل، فاندرج في ذلك نوعان:
أحدهما: ما وافق المضارع في وزنه دون زيادته كمقام، فإنه موافق للفعل في وزنه وفيه زيادة تنبئ عن أنه ليس من قبيل الأفعال وهي الميم؛ فأعل، وكذلك نحو مُقيم ومُبين ولو بنيت من البيع مَفْعَلة -بالفتح- قلت: مباعة، أو مَفْعِلة -بالكسر- قلت: مَبِيعة، أو مَفْعُلة -بالضم- فعلى مذهب سيبويه تقول: مَبِيعة أيضا، وعلى مذهب الأخفش تقول: مَبُوعة. وسبق ذكر مذهبهما.
[ ٣ / ١٦٠٦ ]
والآخر: ما وافق المضارع في زيادته دون وزنه، كبناء مثل تحلئ من البيع فتقول فيه تبيع بالإعلال المذكور لكونه موافقا للفعل في عد حروفه وحركاته وزيادته إلا في وزنه؛ لأن تفعلا -بكسر التاء- ليس من الأبنية المخصوصة بالأسماء، وإذا بنيت من البيع مثل تُرْتُب١ قلت: تُبِيع على مذهب سيبويه، وتُبوع على مذهب الأخفش؛ لأن تفعلا -بضم التاء- ليس من أوزان الأفعال، بل هو من الأوزان المخصوصة بالأسماء كتفعل -بكسر التاء.
وأما ما شابه المضارع في وزنه وزيادته معا، فيجب تصحيحه نحو ابيض واسود وأطول منه وأبين، ولو بنيت من البيع مثل تضرب أو تقتل قلت: تَبِيع بالتصحيح لموافقته للفعل في الأمرين معا.
والحاصل أنه لا يعل الاسم المشابه للفعل حركة وسكونا إلا إذا خالفه في حركة نحو تبيع مثال تحلئ من البيع أو زيادة في أوله نحو مقام.
فإن قلت: ولِمَ كان ذلك؟
قلت: لأنه إذا شابه الفعل من كل وجه وأعل توهم كونه فعلا فوجب تصحيحه لئلا يلتبس بالفعل.
فإن قلت: ينتقض هذا بنحو: يزيد وتزيد -علمين- فإنهما أُعلا مع موافقة الفعل في الأمرين.
قلت: هذان ونحوهما مما نقل من الفعل بعد الإعلال، لا أنه أعل بعد تقديره اسما.
ومن ذلك: أبان عند من لم يصرفه، فإنه وزنه أفعل أعل في حال الفعلية ثم سمي به، وأما من صرفه فهو عنده فعال، وليس من هذا الباب.
وبهذا تعلم أن استدلال بعضهم على أنه فعال بأنه لو كان أفعل لم يعل؛ لأنه من قبيل الأسماء ضعيف؛ لأنه كيزيد ونحوه مما نقل بعد الإعلال.
_________________
(١) ١ الترتب -بتاءين مضمومتين وتفتح الثانية- الشيء المقيم الثابت.
[ ٣ / ١٦٠٧ ]
تنبيه:
ما تقدم من إعلال نحو تبيع مثال تحلئ؛ لكونه خالف المضارع بكسر أوله هو مذهب النحويين كافة إلا المبرد فإنه يصحح ذلك ونحوه؛ لأنه ليس مبنيا على فعل، فتقول تبيع -بالتصحيح- وتقول في مثل ترتب من القول تقول -بالتصحيح أيضا- وكذلك يشترط في إعلال نحو مقام مناسبة الفعل، وتقول: إن مقاما ومباعا ونحوهما مما خالف الفعل بزيادته، وإنما اعتلت لأنها مصار لفعل أو اسم مكان، لا لأنها على وزن الفعل، ومدين ومريم ومَكْوَرة، عنده وارد على القياس؛ إذ لا فعل لها فتحمل عليه وهي عند غيره مما شذ من الإعلال، والصحيح مذهب الجمهور، ويدل على فساد ما ذهب إليه إعلال عين معيشة ومثوبة وليسا بمصدرين ولا اسمي مكان، إنما هما اسمان لما يعاش به من خير أو شر:
ومِفْعَلٌ صُحِّحَ كالمِفْعَالِ
كان حق مفعل أن يعل لأنه على وزن تعلم، وزيادته خاصة بالأسماء أعني الميم، فكان فيه موافقة الفعل من وجه ومخالفته من وجه، وذلك يقتضي إعلاله، لكنه صحح لشبهه لفظا ومعنى بما يستحق التصحيح وهو مفعال؛ لأنه غير موازن للفعل لأجل الألف التي قبل لامه، أما شبهه به لفظا فواضح، وأما شبهه به معنى فلأن كلا منهما يكون آلة كمِخْيط ومكيال، وصفة مقصودا بها المبالغة كمهمز ومحضار، فسوى بينهما في التصحيح، وإلى سبب تصحيح مفعل أشار بقوله: "كالمفعال" فعلة تصحيحه عنده شبهه بمفعال، وقد صرح بذلك في غير هذا النظم، وقد ذكر كثير من أهل التصريف أن علة تصحيحه كونه مقصورا من مفعال، فهو هو غير أنه قصد.
وألف الإِفْعَال واسْتِفْعَال
أَزِلْ لذا الإعلال والتاء االزم عِوَضْ وحذفها بالنقل ربما عَرَضْ
إذا كان المصدر على إفعال أو استفعال، مما أعلت عينه، حمل على فعله في الإعلال فتنقل حركة عينه إلى فائه، ثم تقلب ألفا لتجانس الفتحة، فيلتقي ألفان، فتحذف إحداهما لالتقاء الساكنين، ثم تعوض عنها تاء التأنيث، وذلك نحو: إقامة
[ ٣ / ١٦٠٨ ]
واستقامة، أصلهما: إِقْوَام واستقوام، فنقلت فتحة الواو إلى القاف، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، فالتقى ألفان الأولى بدل العين والثانية ألف إفعال واستفعال فوجب حذف إحداهما.
واختلف النحويون أيتهما المحذوفة؟ فذهب الخليل وسيبويه إلى أن المحذوفة ألف إفعال واستفعال؛ لأنها الزائدة، ولقربها من الطرف، ولأن الاستثقال بها حصل، وإلى هذا ذهب الناظم؛ ولذلك قال: "وألف الإفعال واستفعال أزل ".
وذهب الأخفش والفراء إلى أن المحذوفة بدل عين الكلمة، والأول أظهر، ولما حذفت الألف عوض عنها تاء التأنيث فقيل: إقامة واستقامة.
وأشار بقوله: "وحذفها بالنقل ربما عرض" إلى أن هذه التاء التي جعلت عوضا قد تحذف، فيقتصر في ذلك على ما سمع، ولا يقاس عليه، كقولهم: أراء إراء واستقام استقاما، قال الشارح: ويكثر ذلك مع الإضافة كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ فهذا على حد قوله١:
وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو أمية الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، وهو من البيسط. وصدره: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا اللغة: "الخليط" المخالط الذي يخالط المرء في جميع أموره "البين" الفراق "أجدوا البين" أحدثوا الفراق وجعلوه أمرا جديدا "انجردوا" بعدوا واندفعوا، ويروى: انصرموا؛ أي: انقطعوا ببعدهم عنا. المعنى: يجرد الشاعر من نفسه شخصا يخاطبه ويقول له: إن أصحابك وأصدقاءك الذين عاشروك، قد أحدثوا بينك وبينهم فرقة، وبعدوا عنك وأخلفوا ما كانوا قد وعدوك به وعاهدوك عليه، من دوام الألفة وطول عهد القرب والمودة. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب "الخليط" اسم إن "أجدوا" فعل ماض، وواو الجماعة فاعله "البين" مفعول به لأجدوا، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل رفع خبر إن "فانجردوا" الفاء عاطفة. انجرد: فعل ماض وواو الجماعة فاعله "وأخلفوك" الواو عاطفة أخلف فعل ماض وواو الجماعة فاعله وكاف الخطاب مفعول أول مبني على الفتح في محل نصب "عد" مفعول ثانٍ "الأمر" مضاف إليه "الذي" اسم موصول نعت للأمر "وعدوا" فعل ماض وفاعله، والجملة لا محل لها صلة الموصول، والعائد محذوف: الأمر الذي وعدوه. الشاهد: قوله: "عد الأمر" حيث حذفوا التاء عند الإضافة شذوذا؛ لأن أصله "عدة". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٣٠٩/ ٤، وابن الناظم.
[ ٣ / ١٦٠٩ ]
وقال في شرح الكافية: وامتنع حذفها إلا بسماع كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ ١ قلت: وتقدم مذهب الفراء في باب الإضافة، قيل: وحَسَّن حذف التاء في الآية مقارنته لقوله تعالى بعد: ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ ٢.
تنبيه:
قد ورد تصحيح إفعال واستفعال وفروعهما في ألفاظ: منها أَعْوَل إعوالا، وأغيمت السماء إغياما، واستحوذ استحواذا، واستغيل الصبي استغيالا٣، وهذا عند جمهور النحويين شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وذهب أبو زيد إلى أن ذلك لغة يقاس عليها، وحكى الجوهري عنه أنه حكي عن العرب تصحيح أفعل واستفعل تصحيحا مطردا في الباب كله، وقال الجوهري في موضع آخر: تصحيح هذه الأشياء لغة فصيحة صحيحة، وذهب في التسهيل إلى مذهب ثالث، وهو أن التصحيح مطرد فيما أهمل ثلاثيه، كاستنوق استنواقا، لا فيما له ثلاثي نحو استقام.
وما لإفعال من الحذف ومن نقل فمفعول به أيضا قمن
نحو مبيع ومصون وندر تصحيح ذي الواو وفي ذي الياء اشتهر
إذا بني مفعول من ثلاثي معتل العين فعل به ما فعل بإفعال واستفعال من نقل حركة عينه وحذف مدته، فإذا بني مفعول من قال وباع فقيل: مقول ومبيع، والأصل: مقوول ومبيوع، فنقلت حركة الواو والياء إلى الساكن قبلهما، فالتقى ساكنان الأول عين الكلمة والثاني واو مفعول الزائدة فوجب حذف إحداهما، واختلف في أيهما حذف، فذهب الخليل وسيبويه إلى أن المحذوف واو مفعول؛ لزيادتها ولقربها من الطرف، وذهب الأخفش إلى أن المحذوف عين الكلمة؛ لأن واو مفعول لمعنى، ولأن الساكنين إذا التقيا في كلمة حذف الأول.
_________________
(١) ١ من الآية ٧٣ من سورة الأنبياء، ومن الآية ٣٧ من سورة النور. ٢ من الآية ٣٧ من سورة النور. ٣ أعول إعوالا: يطلق بمعنى رفع صوته بالبكاء، وبمعنى كثر عياله، وأغيمت السماء: أي: صارت ذات غيم أي سحاب، واستحوذ: أي غلب، واستغيل الصبي: أي: شرب الغيل -بفتح الغين وسكون الياء- وهو اللبن الذي ترضعه المرأة ولدها وهي تؤتى أو وهي حامل.
[ ٣ / ١٦١٠ ]
فأما ذوات الواو نحو مقول، فليس فيها عمل غير ذلك؛ لأنه لما حذفت منه إحدى الواوين بقي مقول على لفظه.
وأما ذوات الياء نحو مبيع فإنه لما حذفت واوه على رأي سيبويه بقي مبيع بياء ساكنة بعد ضمة، فجعلت الضمة المنقولة كسرة لتصح الياء، وأما على رأي الأخفش فإنه لما حذفت ياؤه كسرت الفاء وقلبت الواو ياء، فرقا بين ذوات الواو وذوات الياء.
قيل: وقد خالف الأخفش أصله في هذا، فإن أصله أن الفاء إذا ضُمت وبعدها ياء أصلية باقية قلبها واوا لانضمام ما قبلها إلا في الجمع نحو بيض، وقد قلب هاهنا الضمة كسرة مراعاة للعين التي هي ياء مع حذفها، ومراعاتها موجودة أجدر.
فإن قلت: هل يظهر لخلاف الشيخين في المحذوف ثمرة لفظية؟
قلت: نعم. قال أبو الفتح: سألني أبو علي عن تخفيف مَسُوء فقلت: أما على قول أبي الحسن فأقول: رأيت مَسُوًّا، كما تقول في مقروء: مَقْرُو؛ لأنها عنده واو مفعول، وأما على مذهب سبيويه فيقال: رأيت مَسوًا كما تقول في خَبْء: خَبٌ، فنحرك الواو لأنها في مذهبه العين، فقال لي أبو علي: كذلك هو.
وقوله: "وندر تصحيح ذي الواو" أشار به إلى قول بعض العرب: ثوب مصوون، ومسك مدووف١، وفي القياس على ذلك خلاف منعه الجمهور وأجازه المبرد في أحد قوليه، وذكر الجوهري: أن بعض النحويين يقيس الإتمام في الواو، وأنه لغة لبعض العرب، وقال الأستاذ أبو علي: حكي ذلك عن الكتاب وقاس عليه.
وقوله: "وفي ذي الياء اشتهر" يعني: أن التصحيح في ذوات الياء كثير مشتهر
_________________
(١) ١ ثوب مصوون: أي: محفوظ، من صان يصون، مسك مدووف: أي: مبلول أو مسحوق.
[ ٣ / ١٦١١ ]
بخلاف الواو، وذلك لثقل الواو وخفة الياء، ومثال ذلك في الياء كقولهم: "خُذه مَطيُوبة به نفسًا"١.
وقال شاعر٢:
كأنها تفاحة مطيوبة
وتصحح ذوات الياء لغة تميمة حكاها المازني وغيره، وقال علقمة وهو تميمي٣:
يوم الرَّذاذ عليه الدجن مغيوم
قال سيبويه: وبعض العرب يخرجه عن الأصل فيقول: مخيوط ومبيوع، ولا نعلمهم أتموا في الواو لأنها أثقل، وخالف أبو العباس في تصريفه فقال: إنا أجازوا رد مبيع إلى أصله في الضرورة ولم يجعله لغة.
وصحح المفعول من نحو عدا وأعلل إن لم تتحرَّ الأجودا
_________________
(١) ١ مطيوبة: اسم مفعول طابه يقال: طابه أي طيبه، والصواب مطيوبة به نفس، برفع نفس على النيابة عن الفاعل، أو مطيوبا به نفسا بالتذكير وإنابة الضمير في مطيوبا العائد على فاعل خذ عن الفاعل. اهـ صبان. ٢ قائله: لم أعثر على قائله، ولم أقف على تمامه، وهو شاعر من بني تميم يصف الخمر، والضمير في كأنها يعود إلى الخمر التي يصفها الشاعر. الإعراب: "كأنها" كأن حرف تشبيه ونصب وضمير الغائبة اسمها "تفاحة" خبر كأن مرفوع بالضمة الظاهرة "مطيوبة" نعت لتفاحة مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: قوله: "مطيوبة" فقد جاء على الأصل والقياس أن يقال: مطيبة كمبيعة. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٦٦/ ٣، وابن هشام ٣٠٥/ ٤، وابن الناظم. ٣ قائله: هو علقمة بن عبدة، وهو من البسيط. وصدره: حتى تذكر بيضات وهيجه اللغة: "البيضات" جمع بيضة "هيجه" من التهيج، هاج إذا ثار "الرذاذ" المطر الخفيف "الدجن" إلباس الغيم السماء "مغيوم" من الغيم وهو السحاب. الإعراب: "حتى" للغاية "تذكر" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى الظليم وهو ذكر النعامة "بيضات" مفعوله "وهيجه" فعل ماض والهاء مفعوله وهي الضمير المنصوب الراجع إلى الظليم "يوم" فاعل "الرذاذ" مضاف إليه "عليه" جار ومجرور خبر مقدم "الدجن" مبتدأ مؤخر، والجملة صفة ليوم "مغيوم" صفة أخرى ليوم. الشاهد: قوله: "مغيوم" فإنه جاء على أصله بدون الإعلال، والقياس فيه مغيم. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٦٦/ ٣، وابن الناظم، والمكودي ص٢٠١.
[ ٣ / ١٦١٢ ]
إذا بني المفعول من فعل معتل اللام لم يخل من أن تكون لامه ياء أو واوا. فإن كانت ياء وجب إعلاله بالإبدال والإدغام وتحويل الضمة كسرة نحو مرمي والأصل مرموي، فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون وأدغمت في لام الكلمة، وكسرت الميم لتصح الياء.
وإن كانت واوا فهي على ثلاثة أقسام: قسم يجب إعلاله، وقسم يختار إعلاله، وقسم يختار تصحيحه.
فالذي يجب إعلاله هو ما عينه واو، فإذا بنيت اسم المفعول من نحو قَويَ قلت: مَقْوِي، والأصل: مَقْوُووٌ، فاستثقل اجتماع ثلاث واوات في الطرف مع الضمة، فقلبت الأخيرة ياء ثم قلبت المتوسطة ياء؛ لأنه قد اجتمع ياء وواو، وسبقت إحداهما بالسكون، ثم قلبت الضمة كسرة لأجل الياء، وأدغمت الياء في الياء فقيل: مَقْويّ.
والذي يختار إعلاله هو ما كان فعله على فعل -بكسر العين- كمرضي، فهذا فيه الإعلال والتصحيح، والإعلال أولى؛ لأن فعله قد قلبت فيه الواو ياء في حالة بنائه للفاعل وفي حالة بنائه للمفعول، فكان إجراء اسم المفعول على الفعل في الإعلال أولى من مخالفته له؛ ولهذا جاء الإعلال في القرآن دون التصحيح، قال تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ١ ولم يقل: مَرْضُوَّة مع كونه من الرضوان. وقال بعضهم: "مَرْضُوّة" وهو قليل، هذا ما ذكره المصنف؛ أعني: ترجيح الإعلال على التصحيح في نحو مَرْضِيّ، وذكر غيره أن التصحيح في ذلك هو القياس وأن الإعلال فيه شاذ، وصرح بعض المغاربة بعد اطراد الإعلال فيه "وظاهر كلام سيبويه اطراده قال: والوجه في هذا النحو الواو، والأخرى عربية كثيرة"٢.
والذي يختار تصحيحه هو ما كان من فعل وليست عينه واوا، ولا هو على فعل -بكسر العين- كالمفعول من نحو عدا، فيجوز فيه التصحيح حملا على فعل
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة الفجر. ٢ أ.
[ ٣ / ١٦١٣ ]
الفاعل فتقول: مَعْدُوٌّ، فتصححه كما صح فعل الفاعل، ويجوز فيه الإعلال حملا على فعل المفعول فتقول: مَعْدِيّ، فتعله كما أعل فعل المفعول، والتصحيح أولى؛ لأن الحمل على فعل الفاعل أولى.
ويُروى بالوجهين قول الشاعر١:
وقجد عَلِمَتْ عِرْسِي مُليكة أنني أنا الليث مَعْديًّا عليه وعاديا
وأنشده المازني: "مَعْدُوًّا" بالتصحيح، وأنشده غيره بالإعلال.
تنبيهات:
الأول: لم يذكر الناظم في هذا البيت إلا هذا القسم الأخير؛ أعني: ما يترجح فيه التصحيح، وأحال على المثال فخرج بقوله: "من نحو عدا" ما عينه واو نحو قوي، فإن المفعول منه يجب إعلاله، وما هو على فعل نحو رضي، فإن المفعول منه يترجح إعلاله عند المصنف.
فإن قلت: لم ترك هنا ذكر المفعول مما لامه ياء نحو رمى؟
قلت: لأن حكمه قد تقدم بيانه.
الثاني: ظاهر كلامه أن الإعلال مطرد في نحو معدي، وإن كان التصحيح أجود، وقال بعض النحويين: إن الإعلال فيه شاذ لا يطرد.
_________________
(١) ١ قائله: هو عبد يغوث الحارثي، وهو من الكامل. اللغة: "عرسي" عرس الرجل: امرأته، ووقع في رواية الزمخشري: مغريا عليه وغاريا. المعنى: قد علمت زوجتي أني بمنزلة الأسد، فمن ظلمني فإنما ظلم الأسد، فلا بد أني أهلكه. الإعراب: "وقد" الواو للعطف وقد حرف تحقيق "علمت" فعل ماض والتاء للتأنيث "عرسي" فاعل والياء مضاف إليه "مليكة" -بضم الميم- عطف بيان أو بدل من عرسي "أنني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها "الليث" خبرها و"أنا" ضمير منفصل فلا موضع له، وأن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي علمت "معديا" حال من الليث "وعاديا" عطف عليه، والعامل في معديا ما في أن من معنى ثبت وتحقق. الشاهد: قوله: "معديا" حيث جاء على الإعلال فإن أصله معدو. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٦٧/ ٣، وابن يعيش ١١٠/ ١٠، وسيبويه ٣٨٢/ ٢.
[ ٣ / ١٦١٤ ]
الثالث: اختلف في تعليل إعلال الواو في هذا النوع، فقيل: إنه أعل حملا على فعل المفعول، وهو قول الفراء وتبعه المصنف، وقيل: أعل تشبيها بباب أدل؛ وذلك لأن الواو الأولى ساكنة زائدة خفيفة بالإدغام فلم يعتد بها حاجزا، فصارت الواو التي هي لام الكلمة كأنها وليت الضمة، وقلبت ياء على حد قلبها في أدل، قال الزمخشري: كما فعلوا في الكساء نحو فعلهم في العصا، واعترض تعليل الفراء بوجوب القلب في المصدر، نحو عَتَا عَتِيًّا، والمصدر ليس بمبني على فعل المفعول.
كذاك ذا وجهين جا الفعُول من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن
إذا كان الفُعُول مما لامه واو ولم يخل من أن يكون جمعا أو مفردا، فإن كان جمعا فقد جاء فيه الإعلال والتصحيح، إلا أن الإعلال أكثر نحو عصِي ودلِي جمع عصى ودلو، وأصلهما: عُصُووٌ ودُلُووٌ، فأبدلت الواو الأخيرة ياء حملا على باب أدل وأعطيت الواو التي قبلها ما استقر لمثلها من إبدال وإدغام.
وقد ورد بالتصحيح ألفاظ، وهي أُبوٌّ جمع أب وأُخو جمع أخ، ونُحو جمع نحو، وحكي عن بعضهم: إنكم لتنظرون في نُحُوٍّ كثيرة، ونُجُوٌّ جمع نجو -بالجيم- وهوالسحاب الذي هراق ماءه، وقال ابن سيده: ولم يسمع فيه إلا الإعلال، ونُهُو جمع نهو، وذكر من ذلك بنو جمع ابن، وقنو جمع قنا على خلاف في لامهما، ومذهب سيبويه أنها ياء، وقول ابن عصفور: شذ من هذا الجمع لفظان وهما نجو في جمع نجو، وقنو في جمع قنا، يوهم أنه لم يشذ غيرهما، وليس كذلك.
فإن كان مفردا فقد جاء فيه أيضا الإعلال والتصحيح إلا أن التصحيح أكثر نحو: علا علوًّا ونما نموًّا، وقد جاء بالتصحيح قولهم: عتا الشيخ عتيا، أي: كَبِرَ، وقسا قسيا، أي: قسوة.
فإن قلت: ظاهر كلام الناظم التسوية بين فعول المفرد وفعول الجمع في الوجهين وليسا بسواء؛ لأن الإعلال في الجمع أكثر، والتصحيح في المفرد أكثر.
قلت: سوى بينهما في مجيء الوجهين في كل منهما، ولم يسو بين الوجهين في الكثرة، وقد صرح بتفاوتهما في غير هذا الكتاب، قال في الكافية:
[ ٣ / ١٦١٥ ]
ورُجِّح الإعلال في الجمع وفي
مفرد التصحيحٌ أولى ما قُفِي
فإن قلت: لِمَ كان الإعلال في الجمع أرجح والتصحيح في المفرد أرجح؟
قلت: لثقل الجمع وخفة المفرد.
تنبيهان:
الأول: لا إشكال في اطراد الإعلال في الجمع والتصحيح في المفرد، وأما تصحيح الجمع فمذهب الجمهور أنه لا يقاس عليه، وإلى هذا ذهب في التسهيل قال: ولا يقاس عليه خلافا للفراء، انتهى. وضعف مذهب الفراء بقلة ما ورد من ذلك، وأما إعلال المفرد فظاهر التسهيل اطراده، والذي ذكره غير أنه شاذ لا يطرد.
الثاني: ما تقدم في فُعول من التصحيح مشروط بألا يكون من باب قَوِيَ، فلو بني من القوة فعول لزم أن يفعل به ما فعل بمفعول من القوة، وقد تقدم.
وشاع نحو نُيَّم في نُوَّم ونحو نُيَّام شذوذه نُمِي
يعني: أنه قد كثر في فعَّل جمع فاعل الذي عينه واو الإعلال، فيقال في نُوَّم جمع نائم: نُيَّم، وفي صُوَّم جمع صائم: صُيَّم، وفي جُوَّع جمع جائع: جُيَّع قال١:
عَجَّلْتُ طبختَه لقوم جُيَّع
_________________
(١) ١ قائله: هو الحاردة واسمه قطبة، وهو من الكامل. وصدره: ومُعرص تغلي المراجل تحته اللغة: "معرص" -بضم الميم وفتح العين والراء مشددة، بزنة اسم المفعول من مضعف العين- وهو اللحم الذي وضع في العرصة، وهي الفناء بين الدور ليجف "المراجل" القدور، واحده مرجل بزنة منبر. الإعراب: "ومعرص" الواو واو رب معرص مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبية بالزائد وهو مبتدأ "تغلي" فعل مضارع "المراجل" فاعله والجملة صفة لمعرص "تحته" ظرف والهاء مضاف إليه "عجلت" فعل وفاعل "طبخته" مفعول به والهاء مضاف إليه والجملة خبر معرص "لقوم" جار ومجرور متعلق بعجل "جيع" صفة. الشاهد: قوله: "جيع" فإن أصله جُوع؛ لأنه من الأجوف الواوي فأبدلت الياء من الواو وهو جمع جائع. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٧٠/ ٣.
[ ٣ / ١٦١٦ ]
ووجه ذلك أن العين شُبهت باللام لقربها من الطرف، فأعلت كما تعل اللام فقلبت الواو الأخيرة ياء "ثم قلبت الواو الأولى ياء"١، وأدغمت الياء في الياء، والتصحيح في ذلك هو الأصل، وأما فُعَّال -بالمد- نحو: صوام وقوام، فالتصحيح فيه متعين لبعد عينه عن الطرف بسبب زيادة الألف.
وقد شذ الإعلال في لفظ واحد لا يقاس عليه وهو نُيام جمع نائم. قال الشاعر٢:
ألا طرقتنا مية بنة منذر فما أرق النُّيَّام إلا كلامها
تنبيهان:
الأول: قوله: "وشاع" يفيد الكثرة وليس بنص على اطراده، وقد نص غيره من النحويين على أنه مطرد، ولاطراده شرط لم يذكره المصنف، وهو ألا يكون معتل اللام نحو شاو وشُوَّى، فهذا لا يجوز إعلاله كراهة لتوالي الإعلال.
والثاني: يجوز في فاء فُعَّل المعل العين الضم والكسر، والضم هو الوجه الأَوْلَى.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ قائله: هو أبو الغمر الكلابي، ويقال له: أبو النجم، وهو من الطويل. اللغة: "طرقتنا" زارتنا ليلا "مية" اسم امرأة "أرق" أسهر وأذهب النوم من الأعين "النيام" جمع نائم -اسم فاعل من نام ينام نوما. المعنا: أن هذه المرأة زراتهم بالليل، وقد نام القوم، فأرقهم حديثها وأطار النوم من أعينهم كلامها العذب، حتى قضوا ليلهم أيقاظا ساهرين. الإعراب: "ألا" أداة تنبيه "طرقتنا" فعل ماض والتاء علامة التأنيث وضمير المتكلم مفعول به "مية" فاعل "ابنة" نعت "منذر" مضاف إليه "فما" الفاء عاطفة وما نافية "أرق" فعل ماض "النيام" مفعول به لأرق "إلا" أداة حصر "كلامها" فاعل أرق، والضمير مضاف إليه. الشاهد: قوله: "النيام" فإن أصله النوام، ونيام جمع نائم والهمزة في المنفرد منقلبة عن واو. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٧٨٠/ ٣، وابن هشام ٢٧٨/ ٤، وابن عقيل ٤٢٩/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص٢٠٢، وابن يعيش ٩٣/ ١٠.
[ ٣ / ١٦١٧ ]
فصل: "إذا كان فاء الافتعال حرف لين":
ذو اللين فا تا في افتعال أبدلا وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا
إذا كان فاء الافتعال حرف لين -أعني واوًا أو ياءً- وجب في اللغة الفصحى إبدالها تاء في الافتعال وفروعه، أعني الفعل واسمى الفاعل والمفعول.
مثال ذلك في الواو: اتّعد يتّعدا اتّعادًا فهو متعد، ومثاله في الياء: اتّسر يتّسر اتّسارًا فهو متّسر.
وإنما أبدلوا الفاء في ذلك تاء؛ لأنهم لو أقروها لتلاعبت بها حركات ما قبلها فكانت تكون بعد الكسرة ياء، وبعد الفتحة ألفًا، وبعد الضمة واوًا، فلما رأوا مصيرها إلى تغيرها لتغير أحوال ما قبلها أبدلوا منها حرفا جلدًا لا يتغير لما قبله، وهو التاء، وهو أقرب الزوائد من الفم إلى الواو، وليوافق ما بعده فيدغم فيه.
تنبيهات:
الأول: قال بعض النحويين البدل في اتّعد، إنما هو من الياء؛ لأن الواو لا تثبت مع الكسرة في اتّعاد وفي اتّعد وحمل المضارع واسم الفاعل واسم المفعول منه على الماضي والمصدر.
الثاني: قوله "ذو اللين" يشمل الواو والياء كما تقدم، وأما الألف فلا مدخل لها في ذلك؛ لأنها لا تكون فاء ولا عينًا ولا لامًا.
الثالث: من هل الحجاز قوم يتركوا هذا الإبدال، ويجعلون فاء الكلمة على حسب الحركات قبلها، فيقولون: ايتَعَد ياتَعِد فهو مُوتَعِد، وايتَسَر ياتَسِر فهو مُوتَسِر.
الرابع: حكى الجرمي أن من العرب من يقول ائتسر وائتعد -بالهمز- وهو غريب. وقوله: "وشذ في ذي الهمز" أي: وشذ إبدال فاء الافتعال تاء فيما أصله الهمزة والقياس فيه ألا يبدل، وذلك نحو ايتكل ياتكل ايتكالًا؛ لأنه افتعل من الأكل، ففاء الكلمة همزة ولكنها خففت بإبدالها حرف لين لاجتماعها مع الهمزة
[ ٣ / ١٦١٨ ]
التي قبلها فأقرت على ما يقتضيه التصريف، ولم تبدل لأنها ليست بأصل، وإنما هي بدل من همزة، والهمزة لا تدغم، فينبغي أن يكون بدلها كذلك، وأيضًا فلأن إبدالها وهي بدل من الفاء يؤدي إلى توالي إعلالين وشذ إبدال الياء والواو في هذا تاء، كقول بعضهم اتزر، أي: لبس الإزار، فالتاء في هذا بدل من الياء المبدلة من الهمزة "وقال بعضهم: اؤتُمِن اتَّمِن، فالتاء في هذا بدل من الواو المبدلة من الهمزة" واللغة الفصيحة في ذلك عدم الإبدال.
تنبيهات:
الأول: قوله "وشذ" يقتضي أن الإبدال في ذي الهمز ليس بلغة فلا يصح القياس عليه، وهذا هو المعروف، وحكى عن البغداديين أنهم أجازوا الإبدال في ذي الهمزة، وحكوا من ذلك ألفاظًا وهي: اتَّزر واتَّمن، من الإزار والأمانة، واتَّهل من الأهل، ومنه عندهم اتَّخذ من الأخذ، وقال بعضهم: هي لغة رديئة متنازع في صحة نقلها، قال أبو علي: هذا خطأ في الرواية، فإن صحت فإنما سمعت من قوم غير فصحاء لا ينبغي أن يؤخذ بلغتهم، ولم يحك هذا سيبويه، ولا الأئمة المتقدمون العارفون بالصيغة وتحري النقل.
قلت: وفي الحديث "وإن كان قصيرًا فليتزر به" كذا الجميع رواه الموطأ بالإبدال والإدغام، وفي حديث عائشة ﵂ "كان رسول الله -ﷺ- يأمرني إذا حضت أن أتزر" -بالإدغام.
فإن قلت: فما يصنع أبو علي بقولهم: اتخذ وهو من الأخذ؟.
قلت: خرجه على أن تاءه الأولى أصلية؛ لأن العرب قالت: تخذ بمعنى اتخذ، قال الله تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ١ وأنشد٢:د
وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها نسيفًا كأُفْحُوصِ القطاةِ الْمُطَرِّق
_________________
(١) ١ من الآية ٧٧ من سورة الكهف. ٢ قائله: هو الممزق العبدي -واسمه شاس بن نهار العبد -وهو من الطويل. اللغة: "تخذت" بمعنى اتخذت "لدى جنب" ويروى إلى جنب "غرزها" الغرز -بفتح الغين وسكون الراء- ركاب الرجل من جلد، وإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب =
[ ٣ / ١٦١٩ ]
ونازع الزجاجي في وجود مادة تَخِذَ، وزعم أن أصله اتخذ، وحذف، وصحح ما ذهب إليه الفارسي بما حكاه أبو زيد من قولهم: تَخِذَ يتخذ تَخَذًا، وذهب بعض المتأخرين إلى أن اتّخذ مما أبدلت فاؤه تاء على اللغة الفصحى؛ لأن فيه لغة وهي وخذ بالواو، وهذه اللغة وإن كانت قليلة إلا أن بناءه عليها أحسن؛ لأنهم نصوا على أن اتّمن لغة رديئة.
الثاني: ظاهر تمثيله بائتكل -أنه مما سمع فيه الإبدال شذوذًا، ويحتمل أن يريد أن الإبدال سمع فيما هو من جنسه، وإن كان لم يسمع فيه، ونص الشارح على هذا قال: ولا يريد أنه يقال في افتعل من الأكل ايتكل.
قلت: وفي كلام بعضهم ما يدل على أنه مسموع.
طا تا افتعال رد إثر مطبق
يعني أنه إذا بنى الافتعال وفروعه مما فاؤه أحد الحروف المطبقة -وهي الصاد والضاد والطاء والظاء- وجب إبدال تائه طاء، كقولك في بناء افتعل من طعن وظلم وصبر وضرب، اطعنوا واظلموا واصطبروا، واضطرب، والأصل في ذلك اطتعنوا واظتلموا واصتبروا واضترب، ولكن استثقل اجتماع التاء مع الحرف المطبق لما بينهما من تقارب المخرج وتباين الصفة إذا التاء مهموسة مستقلة، والمطبق مجهور مستعل، فأبدل من التاء حرف استعلاء من مخرجها وهو الطاء.
_________________
(١) ="نسيفًا" بفتح النون وكسر السين -أثر ركض الرجل بجنبي البعير إذا انحسر عنه الوبر "كأفحوص" -بضم الهمزة وسكون الفاء وضم الحاء، مجثم القطاة، أي: مبيتها؛ سمي بذلك لأنها تفحصه، "القطاة" طائر مشهور "المطرق" -بضم الميم وفتح الطاء وتشديد الراء المكسورة، من طرقت القطاة إذا حَانَ خروج بيضها. الإعراب: "وقد" للتحقيق "تخذت" فعل ماضٍ "رجلي" فاعل والياء مضاف إليه "لدى" منصوب على الظرف "جنب" مضاف إليه وأيضًا جنب مضاف إلى غرزها "نسيفًا" مفعول تخذت "كأفحوص" الكاف للتشبيه والأفحوص مجرور بها "القطاة" مضاف إليه "المطرق" صفة للقطاة. وإنما ذكره مع أن القطاة مؤنث؛ لأنه لا يقال ذلك في غير القطاة على رأي أبي عبيد، وأما على رأي غيره فيكون على إرادة النسبة، والتقدير: ذات التطريق، وأما على رواية من رواه بفتح الراء فيكون صفة للأفحوص بمعنى المعدل. الشاهد: قوله: "تخذت" فإن أصله أتخذت.
[ ٣ / ١٦٢٠ ]
تنبيه:
إذا أبدلت الياء طاء بعد الطاء وجب الإدغام لاجتماع المثلين، وإذا أبدلت بعد الظاء في نحو اظَّلم ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: البيان فيقال اضطلم، والثاني: إدغام الظاء في الطاء فتقول اطلَّم بطاد مشددة، والثالث: أن تجعل موضع الطاء ظاء معجمة ثم تدغم فيقال اظّلم.
وينشد بالأوجه الثلاثة قول زهير١:
هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوًا ويظلم أحيانًا فيظطَلِم
وإذا أبدلت بعد الصاد ففيه وجهان: البيان فيقال اصطبروا، والإدغام بقلب الثاني إلى الأول فيقال: اصبروا -بصاد مشددة. قال سيبويه: وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ: "أَنْ يُصَّلحَا"٢ يريد أن يصطلحَا.
_________________
(١) ١ قائله: هو زهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان -وهو من البسيط. اللغة: "نائله" النائل: العطاء "فيظلم" يقبل الظلم ويحتمله لكن لا ضعفًا ولا استكانة. المعنى: أن هرمًا هو الجواد الذي يجزل لك العطاء بسهولة من غير منٍّ ولا إبطاء ويحمله الناس مغارمهم فيتحملها ويقبل القيام بها تفضلًا منه -لا ضعفًا ولا خوفًا. الإعراب: "هو" ضمير منفصل مبتدأ "الجواد" خبره "الذي" صفة للجواد "يعطيك" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل وفاعله ضمير مستتر وكاف الخطاب مفعول أول "نائله" مفعول ثانٍ ليعطي وضمير الغائب مضاف إليه، وجملة يعطي وفاعله ومفعوليه لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "عفوا" مفعول مطلق عامله يعطي وأصله صفة لمصدر محذوف وتقدير الكلام: إعطاء عفوًا "ويظلم" الواو حرف عطف "يظلم" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه "أحيانًا" ظرف زمان منصوب بيظلم "فيظطلم" الفاء حرف عطف ويظطلم معطوف بالفاء على يظلم المبني للمجهول. الشاهد: قوله "فيظطلم" أصله فيظتلم ثم قلبت تاء الافتعال طاء فصار يظطلم ويجوز قلب المعجمة طاء وإدغامهما فيصير يطلم وروي الأوجه الثلاثة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٨٧٣/ ٣، وابن هشام ٢٩٤/ ٤، وسيبويه ٤٢١/ ٢. ٢ من الآية ١٢٨ من سورة النساء.
[ ٣ / ١٦٢١ ]
وإذا أبدلت بعد الضاد فتلاثة أوجه: البيان والإدغام بوجهيه، فيقال اضطجع واضجع واطجع، وهذا الثالث، قال ابن هشام الخضراوي: هو نادر شاذ، وقد استثقل بعضهم اجتماع الضاد والطاء لما بينهما من التقارب، فقلب الضاد لامًا فقال: الطجع، وبالأوجه الأربعة ينشد قوله١:
مال إلى أرطاة حقق فالطجع
في ادَّان وازدد وادَّكر دالًا بقي
يعني أنه إذا بنى الافتعال مما فاؤه دال نحو دَانَ، أو زاي نحو زاد، أو ذال نحو ذكر، وجب إبدال تائه دالًا فيقال: ادّان وازداد، وادَّكر، والأصل: ادتان، وازتاد، واذتكر، فاستثقل مجيء التاء بعد هذه الأحرف، فأبدلت دالًا.
تنبيهات:
الأول: إذا أبدلت تاء الافتعال دالًا بعد الدال وجب الإدغام، لاجتماع المثلين، فليس في ادَّان إلا وجه واحد.
وإذا أبدلت دالًا بعد الزاي فوجهان: الإظهار والإدغام بقلب الثاني إلى الأول فيقال: ازّجَّر، ولا يجوز العكس؛ لأن الزاي لا تدغم فيما ليس من
_________________
(١) ١ قائله: هو منظور بن حية الأسدي -يصف ذئبًا- وهو من الرجز. وصدره: لما رأى أن لادعه ولا شبع اللغة: "دعه" الدعة: الراحة وسعة العيش "مال" انحاز وركز "أرطأة" واحدة الأرطي، وهو شجر من شجر الرمل له ثمر كالعناب "حقف" هو ما اعوج وانحنى من الرمل والجمع أحقاف "الطجع" اتكأ على الأرض. المعنى: أن هذا الذئب لما رأى أنه لم يجد راحة من التعب، ولم يشع بأكل ركن إلى شجر من الأرطي في منحنى، واتكأ على جنبه ليستريح. الإعراب: "لما" شرطية "رأى" فعل الشرط وفاعله يعود على الذئب "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن "دعه" اسم لا وخبرها محذوف "مال" فعل ماضٍ جواب الشرط والفاعل ضمير يعود إلى الذئب "إلى أرطاة" متعلق بمال "حقف" مضاف إليه "فالطجع" الفاء عاطفة والطجع فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر. الشاهد: قوله "فالطجع" وأصله اضتجع قلبت التاء طاء ثم الضاد لامًا. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٧٣/ ٣، وابن هشام ٢٤٧/ ٤، وابن يعيش ٤٦/ ١٠.
[ ٣ / ١٦٢٢ ]
مخرجها وإذا أبدلت دالًا بعد الذال فثلاثة أوجه: الإظهار، والإدغام بوجهيه فيقال: ازدكر، وادكر، واذكر، بذال معجمة.
الثاني: مقتضى اقتصار النظم على إبدال تاء الافتعال طاء بعد الأحرف الأربعة المذكورة، ودالًا بعد الثلاثة أنها تقر بعد سائر الحروف ولا تبدل، وقد ذكر في التسهيل أنها تبدل ثاء بعد الثاء فيقال: أثرد -بثاء مثلثة- وهو افتعل من ثرد أو تدغم فيها الثاء فيقال: اترد -بتاء مثناة، وقال سيبويه: والبيان عندي جيد -يعني الإظهار، فيقال اثترد، ولم يذكر المصنف هذا الوجه، وذكر في التسهيل أيضًا أنها قد تبدل دالًَا بعد الجيم كقولهم في: اجتمعوا: اجدمعوا، وفي احتز: اجدز، قال الشاعر١:
فقلت لصاحبي: لا تحبسانا بنزع أصوله واجدزّ شِيحًا
وهذا لا يقاس عليه، وظاهر كلام المصنف في بعض كتبه أنه لغة لبعض العرب، فإن صح أنه لغة جاز القياس عليه.
وهذا آخر ما ذكره الناظم من باب الإبدال وما يتعلق به من أوجه الإعلال.
وقد علم مما ذكره أن الهمزة تبدل من ثلاثة أحرف وهي: الألف والواو والياء.
_________________
(١) ١ قائله: قال الجوهري يزيد بن الطثرية، وقال ابن بري: قاله: مضرس بن ربعي. وهو من الوافر. اللغة: "لا تحبسنا" من الحبس، ورواية الجوهري: لا تحبسانا ثم قال: وربما خاطبت العرب الواحد بلفظ الاثنين يعني: لا تحبسنا عن شي اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه، وأسرع لنا في الشي. والضمير في أصوله يجرع إلى الكلأ "اجدز" أصله اجتز من جزرت الصوف "شِيحًا" -بكسر الشين- نبت مشهور. الإعراب: "فقلت" قال فعل وفاعل "لصاحبي" جار ومجرور متعلق بالفعل "لا تحبسنا" مفعول القول "بنزع" جار ومجرور متعلق به "أصوله" مضاف إليه "اجدز" أمر من جز يجز وفاعله ضمير مستتر فيه "شِيحًا" مفعوله. الشاهد: قوله: "اجدز" فإن أصله اجتز فقلبت التاء دالًا. مواضعه: ذكره الأشموني ٧٨٤/ ٣، وابن يعيش ٤٩/ ١٠.
[ ٣ / ١٦٢٣ ]
والياء تبدل من ثلاثة أحرف، هي: الهمزة والألف والواو.
والواو تبدل من ثلاثة أحرف، وهي: الهمزة والألف والياء.
والألف تبدل من ثلاثة أحرف، وهي الهمزة والواو والياء.
والميم تبدل من النون، والتاء تبدل من حرفين وهما: الواو والياء.
والطاء تبدل من التاء، والدال تبدل من الباء، على ما سبق ذكره من التفصيل.
وقد تبدل بعض هذه الحروف من غير ما ذكر، وإنما قصد هنا ذكر الضروري، ولذلك لم يتكلم على إبدال الهاء مع أنه ذكرها في حروف البدل؛ لأن ذكر الهاء ليس بضروري؛ ولهذا قال في التسهيل: والضروري في التصريف هجاء "طويت دائمًا" وأسقط الهاء، وقد تقدم أول الباب الإعلام بأن حروف الإبدال الشائع اثنان وعشرون حرفًا، وهي المجموعة في قوله: "لجدٍّ صَرْفُ شَكس آمن طيَّ ثوب عزَّتِه" وأن الإبدال قد وقع في غيرها أيضًا، ولكنه ليس بشائع، وقد رأيت أن أذيل ما سبق ذكره باستيفاء الكلام على إبدال جميع الحروف على سبيل الإيجاز مرتبًا للحروف على ترتيبها في المخارج، فأقول وبالله التوفيق:
الهمزة، أبدلت من سبعة أحرف، وهي الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين، والغين، والخاء، أما إبدالها من أحرف اللين فمنه مطرد كإبدال الهمزة من الألف في حمراء ومن الواو في كساء ومن الياء في رداء، وقد تقدم بيانه مستوفًى.
ومنه غير مطرد كإبدال الهمزة من الألف في الخاتم والعالم، وفي الواو في إشاح واحد، خلافًا للمازني في إشاح فإن إبدال الهمزة من الواو فيه مطرد عنده ومن الياء في قولهم: قطع الله أديه، في أسنانه ألل -أي: يلل وهي قصر الأسنان العليا، وقيل: انعطافها إلى داخل الفم.
وأما إبدالها من الهاء وما بعدها فمقصور على السماع، فمثال إبدالها من الهاء قوله: ماء وأصله ماه، ومن العين قولهم: أباب بحر والأصل عباب بحر، ومن الخاء قولهم: صَرَأ. أي صرخ، حكاه الأخفش عن الخليل، ومن الغين
[ ٣ / ١٦٢٤ ]
قولهم: رَأْنَة بمعنى رَغْنَة حكاه النضر بن شميل١ عن الخليل، وإبدالها من هذين الحرفين غريب جدًّا.
الألف: أبدلت من أربعة أحرف، وهي الياء نحو باع، والواو نحو قال، والهمزة نحو كاس في كأس، والنون الخفيفة نحو ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ٢.
والهاء أبدلت من خمسة أحرف، وهي: الهمزة نحو هياك في إياك وهو كثير، والألف كقوله من ها هنا ومن هُنْة أي من هنا، والواو في حرفين محتملين: أحدهما هنية تصغير هنة أصله هنيوة، ويحتمل أن تكون الهاء مبدلة من الياء المبدلة من الواو، والآخر: قولهم: يا هناء عند أبي الفتح، وفيه أقوال مشهورة، والياء في هذه وهنية على أحد الوجهين، والتاء في طلحة في الوقف على مذهب البصريين، وإبدال الهاء في جميع ذلك غير مطرد إلا في نحو طلحة.
العين: أبدلت من حرفين: الحاء في قولهم: ضَبَعَ بمعنى ضبح والهمزة في نحو "عَنَّ زيدًا قائم" أعني أن زيدًا قائم، وهي عنعنة تميم.
والغين: أبدلت من حرفين لخاء كقولهم: "غَطَر بيديه يغطر" بمعنى خطر يخطر حكاه ابن جني، والعين كقولهم: لَغَنَّ في لَعَنَّ.
الحاء: أبدلت من العين قالوا: "ربح" في ربع، وذلك قليل.
الخاء: أبدلت من حرف واحد، وهو الغين في قولهم: "الأخنّ" يريدون الأغنّ٣ فقد وقع التكافؤ بينهما، وذلك في غاية القلة.
القاف -أبدلت من حرف واحد وهو الكاف كقولهم: وقنة في وكنة الطائر- وهي مأواه من الجبل، حكاه الخليل.
_________________
(١) ١ هو النضر بن شميل بن حرشة بن كلثوم. أخذ عن الخليل والعرب، وأقام بالبادية أربعين سنة، وكان أحد الأعلام وله من رواية الأثر والسنن والأخبار منزلة، وصف غريب الحديث، والشمس والقمر، وخلق العرش، والمدخل في كتاب العين. مات سنة ثلاثة وقيل: أربع ومائتين. ٢ من الآية ١٥ من سورة العلق. ٣ الأغن: الذي يخرج صوته من خيشومه.
[ ٣ / ١٦٢٥ ]
والكاف -أبدلت من حرفين: القاف في قولهم "عربي كحّ" أي: قحّ، وفسر الأصمعي القح فقال: وهو الخالص من اللؤم، وإبدال الكاف من القاف أكثر من عكسه والتاء في قول الراجز١:
يا ابن الزبير طالما عَصَيْكَا
أي: عصيت. أنشده أبو علي.
الجيم -أبدلت من الياء مخففة ومشددة، والأكثر كون الياء المبدل منها الجيم مشددة أو مسبوقة بعين، وهي عجعجة قضاعة.
الشين: أبدلت من ثلاثة أحرف: كاف المؤنث في نحو أكرمتك قالوا:
اكرمتش، والجيم، قالوا مدمش في مدمج قال٢:
إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش
أي: مدمج، والسين قالوا: جعشوش في جعسوس، وهو القميء الذليل، يجمع بالمهملة دون المعجمة، وبذلك علم الإبدال.
_________________
(١) ١ قائله: هو راجز من حمير -وهو من الرجز. وتمامه: وطالما عنيتنا إليكا. لنضربن بسيفنا قفيكا. وأراد بابن الزبير -عبد الله بن الزبير ﵄. الإعراب: "يا" حرف نداء "ابن" منادى منصوب "الزبير" مضاف إليه "طالما" فعل ماضٍ وما كافة عن طلب الفعل أو مصدرية وهي وما دخلت عليه فاعل أي: طال عصيانك "عصيكا" عصى فعل ماض والكاف المنقلبة عن التاء فاعل. الشاهد: قوله "عصيكا" فإن أصله عصيت، فأبدلت الكاف من التاء؛ لأنها أختها في الهمس. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٢٣/ ٣، وشواهد المغني ص١٥٣. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله -وهو من الرجز. اللغة: "حبل الوصال" رابطته "مدمش" مثل مدمج وزنًا ومعنى، أي: موثق متين. الإعراب: "إذا" ظرف "ذاك" مبتدأ والخبر محذوف تقديره حاصل والجملة من المبتدأ والخبر أضيف إليها إذ "إذ" ظرف "حبل" مبتدأ "الوصال" مضاف إليه "مدمش" خبره، والجملة مضاف إليها إذ. الشاهد: قوله: "مدمش" حيث أبدل الشين فيه من الجيم؛ لأن أصله مدمج. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٧٨/ ٣.
[ ٣ / ١٦٢٦ ]
الياء: وهي أوسع حروف الإبدال، ذكروا أنها أبدلت من ثمانية عشر حرفًا: وهي: الألف نحو دنينير في تصغير دينار، والواو نحو أعزيت وما يتصرف منه، والهمزة نحو بير في بئر، والهاء نحو دهديت في دهدهت، والسين في سادي وخامي ودساها وأصلها سادس وخامس ودسسها، والباء في الأراني والثعالي، والأصل الأرانب والثعالب، والراء في قيراط وشيراز عند بعضهم، والنون في أناسي وظرابي جمع إنسان وظربان وفي تظنيت وهو من الظن، والصاد في قصَّيت أظفاري والضاد في قولهم"١:
تقضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرْ
واللام في أمليت وأصله أمللت، والميم في ائتميت وأصله ائتممت، والعين في ضفادي أي ضفادع، والدال في تصدية٢، والتاء في ايتصلت، والثاء في الثالي أي: الثالث، والجيم في دياجي، وشيرة في شجرة، والكاف في مكاكي٣.
_________________
(١) ١ قائله: هو العجاج يمدح به عمر بن عبد الله بن معمر -وهو من الرجز. وصدره: إذا الكرام ابتدروا البالغ بدر اللغة: "الباغ" المراد به هنا الشرف والكرام "بدر" أسرع والضمير في بدر يرجع إلى الممدوح "تقضي البازي" في القاموس: انقض الطائر هوى ليقع. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان "الكرام" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده "ابتدروا" فعل وفاعل "الباغ" مفعول به "بدر" فعل ماضٍ جواب الشرط والفاعل ضمير مستتر "تقضي" مفعول مطلق "البازي" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده "كسر" فعل ماضٍ والفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد: قوله: "تقضي البازي" إذ أصله تقضّض البازي. فاجتمع ثلاث ضادات فأبدلوا من إحداهن ياء. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٧٩/ ٣، والهمع ١٥٧/ ٢. ٢ التصدية: التصفيق والصوت. ٣ مكاكي، والأصل مكاكيك، وهو مكيال.
[ ٣ / ١٦٢٧ ]
والصاد: أبدلت من اللام في قولهم: رجل جصد -أي: جلد.
اللام -أبدلت من حرفين- وهما النون في أصيلان والضاد في الطجع بمعنى اضطجع.
والراء -أبدلت من اللام في قولهم: نثرة- بمعنى نثلة، ورعل بمعنى لعل.
النون: أبدلت من ثلاثة أحرف: وهي اللام كقولهم لعن في لعل "ونابن فعلت كذا" في لا بل فعلت كذا، والميم كقولهم للحية: أيم وأين -بالنون والميم- حكاه الأصمعي، وقالوا: أسود قاتم وقاتن، والهمزة كقوله في النسبة إلى صنعاء وبهراء صنعاني وبهراني، وحكى الفراء: حنان في حناء، وهو الذي يخضب به.
الطاء: أبدلت من حرفين: التاء في الافتعال بعد حروف الإطباق، وقد تقدم ذكره، والدال حكى يعقوب عن الأصمعي "قط الحرف" ومده والإبعاط في الإبعاد.
والدال: أبدلت من أربعة أحرف: وهي التاء في الافتعال بعد الدال والذال والزاى والجيم في نحو اجدمعوا. والطاء كقولهم: المردى في المرطى وهو حيث يمرط الشعر حول السرة، والذال في قولهم: ذكر في جمع ذكرة.
التاء: أبدلت من ستة أحرف وهي: الطاء في فستاط والأصل فسطاط كقولهم في الجمع: فساطيط دون فساتيط، والدال في قولهم: "ناقة تربوط" والأصل دربوط، أي: مذللة؛ لأنه من الدربة، والواو في "تراث وتُجاه" ونحوهما، والياء في ثنتين وكيت وذيت، والصاد في لصت والسين في ست١.
_________________
(١) ١ ست: والأصل سدس لقولهم سديسة ثم أبدلت الدال تاء وأدغمت.
[ ٣ / ١٦٢٨ ]
قال في التسهيل: وربما أبدلت من هاء السكت، ومثاله ما تأوله بعضهم في قوله١:
العَاطِفُونَةَ حين ما من عَاطِفٍ
أنه أراد العاطفونه -بهاء السكت، ثم أبدلها تاء وحركها للضرورة، ومثله بعضه بنحو "جنت ونعمت" لأنه جعل الهاء أصلًا.
الصاد: أبدلت من السين في نحو "صراط".
والزاى: أبدلت من السين نحو يزدل في يسدل، والصاد نحو يزدق في يصدق.
والسين: أبدلت من ثلاثة أحرف: التاء في استخذ على أحد الوجهين وأصله اتخذ، والشين في نحو مشدود قالوا: مسدود، واللام في "استقطه" أي: التقطه، وهو في غاية الشذوذ.
الظاء -لم أجد في إبدالها شيئًا.
_________________
(١) ١ قائله: أبو وجزة السعدي، مدح بها آل الزبير بن العوام. وهو من الكامل. وتمامه: نعم الذَّرَا في النائبات لنا هم اللغة: "الذَّرَا" بالفتح، كل ما استتر به. يقال: أنا في ظل فلان وفي ذراه أي: في كنفه وستره "النائبات" شدائد الدهر وحوادثه. الإعراب: "تحين" ظرف للعاطفون والتاء زائدة أو أنها متصلة بما قبلها على أنها هاء السكت، وعلى هذين القولين ما نافية وحين مضافة إلى الجملة المنفية فإن من زائدة "عاطف" مبتدأ خبره محذوف. أي: يوجد ونحوه، أو أنها بقية لات وحين خبرها واسمها محذوف، وفيه غرابة حيث يحذف العامل ويبقى منه حرف واحد. وهو مع ذلك عامل، وهذا لا نظير له "نعم" فعل ماضٍ لإنشاء المدح "الذَّرَا" فاعل "في النائبات" جار ومجرور "لنا" جار ومجرور "هم" مخصوص بالمدح. الشاهد: قوله: "العطفون تحين" حيث أبدل هاء السكت تاء. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ١٢٦/ ١، والشاهد ٢٨١ في الخزانة.
[ ٣ / ١٦٢٩ ]
الذال: أبدلت من الدال في قراءة من قرأ "فَشَرِّذْ بِهِمْ"١ بالمعجمة، وفيه احتمال، ومن الثاء في قولهم: "تلعذم الرجل" أي: تلعثم، إذا أبطأ في الجواب.
الثاء: أبدلت من الفاء في مغثور وأصله مغفور، ومن الذال في قولهم في الجذوة من النار: جثوة.
الفاء: أبدلت من الثاء في قولهم: "قام زيد فُمَّ عمرو" أي: ثم عمرو، حكاه يعقوب. وقولهم: "فوم" بمعنى ثوب، ومن الباء في قولهم "خذه بإفانه" أي بإبانه.
الباء: أبدلت من الميم في قولهم: "با اسمك؟ " يريدون: ما اسمك؟ وهي لغة بني مازن، ومن الفاء قولهم: "البسكل" في الفسكل٢.
الميم: أبدلت من أربعة أحرف وهي: الواو في فم عند أكثرهم، والنون في نحو عمبر، والبنام في البنان، ومن الباء في قولهم: "ما زلت راتِمًا على هذا" أي: راتبًا، أي: مقيمًا، ويدل على البدل أنهم قالوا: رتب ولم يقولوا رتم، واللام التي للتعريف في لغة حمير.
الواو: أبدلت من ثلاثة أحرف: الألف نحو ضويرب تصغير ضارب والياء نحو موقن، والهمزة نحو مومن. والله أعلم.
_________________
(١) ١ من الآية ٥٧ من سورة الأنفال. ٢ الفسكل: -بزنة قنفد أو زبرج- الفرس الذي يجيء في السباق آخر الخيل.
[ ٣ / ١٦٣٠ ]
فصل: في الإعلال بالحذف
فا أمرٍ أو مُضَارِعٍ منْ كَوَعَدْ احذف وفي كعدة ذاك اطرد
اعلم أن الحذف وجه من وجوه الإعلال، وهو ضربان: مقيس، وشاذ.
فالمقيس هو الذي تعرض لذكره في هذا الفصل، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: حذف الواو من مضارع ثلاثي فاؤه واو استثقالًا، لوقوعها ساكنة بين ياء مفتوحة وكسرة لازمه، كقولك في مضارع وعَد يَعد والأل يَوْعِد، وحذفت الواو لما ذكر، وحمل على ذي الياء أخواته، نحو أعد ونعد وتعد، والأمر نحو عد، المصدر الكائن على فعل -بكسر الفاء وسكون العين- نحو عدة فإن أصله وعد على وزن فعل، فحذفت فاؤه حملًا على المضارع، وحركت عينه بحركة الفاء وهي الكسرة؛ ليكون بقاء كسرة الفاء دليلًا عليها، وعوضوا منها تاء التأنيث؛ ولذلك لا يجتمعان. وتعويض التاء هنا لازم، وقد أجاز بعض النحوين حذفها للإضافة مستدلًا بقول الشاعر١:
وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
يعني عدة الأمر، وهو مذهب الفراء، وخرجه بعضهم على أن عدا جمع عدوة أي: ناحية، وأخلفوك نواحي الأمر الذي وعدوا.
تنبيهات:
الأول: فهم من قوله "من كوعد" أن حذف الواو المذكورة مشروط بشروط:
أولها: أن تكون الياء مفتوحة؛ فلا تحذف من يوعد مضارع أوعد، ولا من يوعد -مبنيًّا للمفعول، إلا ما شذ من قولهم: "يدع، ويذر"٢ في لغة.
_________________
(١) ١ قد مر هذا البيت موضحًا. ٢ هما مضارعان مبنيان للمجهول، وشذوذهما من جهتين؛ لأن ياء المضارعة مضمومة وما بعد الواو المحذوفة مفتوحة، والواو لا تحذف في القياس إلا أن تقع بين ياء مفتوحة وكسرة.
[ ٣ / ١٦٣١ ]
وثانيها: أن تكون عين الفعل مكسورة، فلو كانت مفتوحة نحو يوجل أو مضمومة نحو يوضُؤُ لم تحذف الواو، إلا ما شذ من قول بعضهم يجد. قال الشاعر١:
لو شئتِ قد نقَعَ الفؤاد بشَرْبَةٍ تَدَعُ الصوادي لا يجدن غَلِيلًا
وهي لغة عامرية.
فإن قلت: قد جاء الحذف فيما عينه مفتوحة كيقع ويسع.
قلت: ما يقع فإن ماضيه وقع -بالفتح- فقياس مضارعه يفعل -بالكسر- فعدل عن القياس، ففتحت عينه لأجل حرف الحلق فكان الكسر فيه مقدرًا، فحذفت الواو منه لذلك، وأما يسع فماضيه وسع -بالكسر- فقياس مضارعه الفتح فيقال: يوسع لكنه لما حذفت الواو منه دلّ ذلك على أنه كان مما يجيء على يفعل -بالكسر- نحو ومق يمق. وإلى هذا أشار في التسهيل بقوله: بين ياء مفتوحة وكسرة ظاهرة كيعد أو مقدرة كيقع ويسع، إلا أن في جعلها مقدرة تجوزًا.
وثالثها: أن يكون ذلك في فعل، فلو كان في اسم لم تحذف الواو؛ لأن الحذف في الفعل إنما كان لاستثقال ذلك في ثقيل بخلاف الاسم، فعلى هذا تقول في مثال يقطين من وعد: يوعيد.
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير بن عطية الخطفي -وهو من الكامل. اللغة: "شئت" خطاب لأمامة المذكورة في البيت الثاني "تقع" -بالنون والقاف والعين المهملة -من نقعت بالماء إذا رويت "الصوادي" جمع صادية- وهي العطشى "غليلا" -بمعنى الغلة- وهي حرارة العطش. الإعراب: "لو" للشرط "شئت" فعل وفاعل، جملة وقعت فعل الشرط "قد" حرف تحقيق "نقع" فعل ماض "الفؤاد" فاعل والجملة وقعت جواب الشرط، ووقوع جواب لو بكلمة قد -نادر- "بشرية" جار ومجرور متعلق بقوله: نقع "تدع" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه يعود إلى الشربة "الصوادي" مفعول به، والجملة في محل جر صفة لشربة "لا يجدن" بمعنى لا يصبن، ولهذا اقتصر على مفعول واحد وهو "غليلًا" والجملة في محل نصب حال من الصوادي. الشاهد: قوله: "لا يجدن" -بضم الجيم- فإنه لغة بني عامر. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٨٥/ ٣، وابن يعيش ٦٠/ ١٠.
[ ٣ / ١٦٣٢ ]
الثاني: فهم من قوله: "كعدة" أن حذف الواو من فعلة المشار إليها مشروط بشرطين:
أحدهما: أن تكون مصدرًا كعدة، فلو كانت غير مصدرية لم تحذف واوها، إلا ما شذ، وذلك قولهم: رقة -للفضة- وحشة للأرض الموحشة، ولدة١، وفيها احتمال وهو أن تكون مصدرًا وصف به، ذكره الشلوبين.
وقوله: في التسهيل: وربما أعل بذا الإعلال أسماء كرقة وصفات كلدة، فيه نظر؛ لأن مقتضاه وجود أقل الجمع من النوعين، أما الأسماء فقد وجد رقة، وحشة، وجهة، عند من جعلها أسماء، وأما الصفات فلا يحفظ فيها غير لدة، وقد أنكر سيبويه مجيء صفة على حرفين.
وثانيهما: ألا تكون لبيان الهيئة، نحو الوعدة والوقفة، المقصود بهما الهيئة، فإنه لا يحذف منهما، وقد احترز عن هذا في الكافية بقوله: والفعلة الأصل احذف.
الثالث: قد ورد إتمام فعلة -المصدر المذكور- وهو شاذّ، قالوا: وتره وترًا ووترة٢ -بكسر الواو- وحكاه أبو علي في أماليه، وقال الجرمي: ومن العرب من يخرجه على الأصل، فيقول: وعدة، ووثبة ووجهة.
قلت: أما وجهة فذهب المازني والمبرد والفارسي إلى أنه اسم للمكان المتوجه إليه، فعلى هذا لا شذوذ في إثبات واوه؛ لأنه ليس بمصدر، وذهب قوم إلى أنه مصدر، وهو الذي يظهر من كلام سيبويه، ونسب إلى المازني أيضًا، وعلى هذا فإثبات الواو فيه شاذ، قال بعضهم: والمسوغ لإثباتها فيه دون غيره من المصادر أنه مصدر غير جار على فعله، إذ لا يحفظ وَجَهَ يَجِهُ، فلما فقد مضارعه لم يحذف منه، إذ لا موجب لحذفها إلا حمله على مضارعه، ولا مضارع والفعل المستعمل
_________________
(١) ١ لدة: بمعنى: ترب. ٢ وتره: يقال: وترت العدو أفردته، والصلاة جعلتها وترًا وزيدًا حقه نقصته إياه، والكل من باب وعد. كذا في المصباح.
[ ٣ / ١٦٣٣ ]
منه تَوَجَّه واتَّجه، والمصدر عليه التَّوَجُّهُ، فحذفت زوائده: وقيل: وجهة، ورجح الشلوبين القول بأنه مصدر، وقال: لأن وِجْهَة وَجِهَة -بمعنى واحد، ولا يمكن أن يقال في جهة أنها اسم للمكان، إذ لا يبقى للحذف وجه.
الرابع: فهم من تخصيص هذا الحذف بما فاؤه واو، أن ما فاؤه ياء لاحظ له في هذا الحذف، إلا ما شذ من قول بعضهم يئس وهو مضارع يئس، وأصله ييئس، فحذف الياء، وشذ أيضًا يئس مضارع ييس، ثم انتقل إلى النوع الثاني فقال:
وَحَذْفُ هَمْزِ أَفْعَلَ استمرَّ فِي مُضارِعٍ وَبِنْيَتَي مُتَّصِفِ
مما اطرد حذفه أفعَلَ من مضارعه، واسمي فاعله ومفعوله، وإليهما الإشارة بقوله: "وبنيتي متصف" فتقول: أكرَم يُكرِم فهو مُكرِم ومُكرَم، وكان حق أفعل أن يجيء مضارعه على يؤفعل بزيادة حرف المضارعة على أول الماضي كما فعل في غيره من الأمثلة نحو: ضارب يضارب، وتعلم يتعلم، إلا أنه لما كان من حروف المضارعة همزة المتكلم حذفت همزة أفعل معها، لئلا يجتمع همزتان في كلمة واحدة، حمل على ذي الهمزة أخواته واسما الفاعل والمفعول.
تنبيهان:
فإنه أهل لأن يؤكرما
الأول: لا يجوز إثبات هذه الهمزة على الأصل إلا في ضرورة أو كلمة مستندرة، فمن إثباتها في الضرورة قوله١:
_________________
(١) ١ قائله: أبو حيان الفقعسي -ولم نقف له على تكملة. وهو نصف بيت من الرجز أو بيت من مشطوره. اللغة: "أهل" مستحق وذو أهلة "يؤكرم" أراد يكرم، وهو بالبناء للمجهول. الإعراب: "إنه" إن حرف توكيد ونصب والضمير اسمها في محل نصب "أهل" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة "لأن" اللام للتعليل وأن حرف مصدري ونصب "يؤكرما" فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن المصدرية، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل والجار والمجرور متعلق بأهل. الشاهد: قوله "يؤكرم" حيث أثبتت الهمزة، ولم تحذف تخفيفًا لضرورة الشعر والقياس حذفها. مواضعها: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٨٨٧/ ٣، وابن هشام ٣٠٧/ ٤، الهمع ٢١٨/ ٢.
[ ٣ / ١٦٣٤ ]
وأنشد سيبويه١:
وصاليات ككما يؤثفين
قال: وإنما هي أثفيت، ووزن أثفيت على هذا أفعلت، والهمزة زائدة، وقال السيرافي: لا حجة فيه لاحتمال أصالة الهمزة فتكون أثفيت فعليت كسلقيت، وقد أجاز سيبويه في همزة أثفيت الأصالة والزيادة.
والكلمة المستندرة قولهم "أرض مؤرنية" -بكسر النون- أي: كثرة الأرانب. وقولهم "كساء مؤنب" إذا خلط صوفه بوبر الأرانب، هذا على القول بزيادة همزة أرنب، وهو الأظهر.
الثاني: لو أبدلت همزة أفعل هاء، كقولهم في أرق: هراق أو عينًا كقولهم في أنهل الإبل -عَنْهَل، لم تحذف لعدم مقتضى الحذف، فتقول: هراق يهريق فهو
_________________
(١) ١ قائله: هو خطام المجاشعي -وهو من الرجز المسدس. اللغة: "وصاليات" جمع صالية من صلى النار -بالكسر- يصلي صليا، إذا احترق بها، قال تعالى: "هم أولى بها صليّا"، أراد أثافي صاليات يعني مسودات من أثار النار. "يؤثفين" من أثفيت القدر جعلت لها أثافي، ويقال: ثفيت القدر تثفيه أي: وضعتها على الأثافي وأثفيتها، والأثافي جمع أثفية القدر وزنها أفعولة. الأعراب: "وصاليات" عطف على قوله "غير حطام ورماد" قبله. أي: وغير صاليات وهي صفة موصوفها محذوف أي: وأثافي صاليات "ككما" الكاف الأولى حرف جر والثانية اسم لدخول حرف الجر عليها وما مصدرية والتقدير: كإثفائها. قال ابن يسعون: هذا التقدير عند من جعل الهمزة زائدة يعني: في يؤثفين، وأما من جعل الهمزة أصلًا فالتقدير: كإثفائها؛ لأنها كالسلقاة في مصدر سلقيت؛ لأنه كالدحرجة، ومن قال دحراجًا قال: إثفاء فوزنه الآن فعلال وفي الوجه الأول إفعال كالإحرام. الشاهد: قوله: "يؤثفين" فإن الهمزة فيه يجوز أن تكون زائدة جاءت على القياس المرفوض. مواضعه: ذكره سيبويه ٣٣١/ ٢، وشواهد المغني ص١٧٢، والشاهد ١٣٥ الخزانة.
[ ٣ / ١٦٣٥ ]
مهريق ومهراق، وعنهل الإبل يعنهلها، فهو معنهل وهي معنهلة أي مهملة، ثم انتقل إلى النوع الثالث.
ظلت وظلت في ظللت استعملا وقرن في اقررن وقرن نقلا
قال في شرح الكافية: كل فاعل مضاعف على وزن فعل فإنه في إسناده إلى تاء الضمير ونونه يستعمل على ثلاثة أوجه؛ تامًّا نحو ظللت، ومحذوف اللام مفتوح الفاء ظلت، ومحذوف اللام مكسورة الفاء نحو ظلت. انتهى.
وقد فهم من قوله فوائد:
الأولى: أن هذا الحذف مطرد في كل فعل مضاعف على فعل. وإلى هذا ذهب الشلوبين وصرح سيبويه بأنه شاذّ، وأنه لم يرد إلا في لفظين من الثلاثي وهما: ظلت ومست، في ظللت ومسست، وفي لفظ ثالث من الزوائد على الثلاثة، وهو: أحست في أحسست، وممن ذهب إلى عدم اطراده ابن عصفور، وحكى في التسهيل: أن الحذف لغة سليم، وبذلك يُردّ على ابن عصفور.
الثانية: مقتضى قوله على فعل، اختصاص هذا الحذف بمكسور العين، وقد عمم في التسهيل فشمل المفتوح والمكسور، وقد حكى ابن الأنباري: الحذف في لفظه من المفتوح، وهو: همت في هممت.
الثالثة: مقتضى قوله: على فعل أيضًا اختصاص ذلك بالثلاثي، وكلامه في التسهيل يشمل الزائد على ثلاثة، وتقدم تمثيله بأحست.
الرابع صرح بأن المحذوف في ظَلْت وظِلت لام الكلمة، وصرح في التسهيل بأن المحذوف العين، وهو ظاهر كلام سيبويه.
فإن قلت: ما وجه فتح الفاء وكسرها؟
قلت: وجه فتحها إبقاء حركتها؛ لأنها مفتوحة في الأصل، ووجه كسرها نقل حركة العين إليها، وذكر أبو الفتوح: أن كسر الظاء من ظلت لغة أهل الحجاز، وفتحها لغة بني تميم، وقوله: "وقِرْنَ في اقْرِرنَ".
[ ٣ / ١٦٣٦ ]
يعني: أن هذا الحذف قد جاء في الأمر أيضًا بشرط أن تكون عينه مكسورة، وقرأ أكثر القراء: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ١ وهو من قررت بالمكان أقر به، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، فلما أمر منه اجتمع مثلان أولهما مكسور، فحسن الحذف كما فعل بالماضي.
فإن قلت: فهل يطرد الأمر؟
قلت: قال في الكافية: وقرن في اقررن وقس معتضدا.
وذكر غيره أن ذلك لا يطرد، وهو ظاهر التسهيل فإنه قال: وربما أفعل ذلك بالأمر والمضارع، وزاد فيه المضارع ومثاله يقرن في يقررن، وذكر ذلك في شرح الكافية قال: وكذا يستعمل في نحو يقررن واقررن فيقال فيهما: يقرن وقرن، لكن فتح الفاء في هذين وشبههما غير جائز، انتهى.
وقال الشارح: الضابط في هذا النحو أن المضارع على يفعل إذا كان مضاعفًا سكن الآخر، ولاتصاله بنون الإناث فجاز تخفيفه بحذف عينه ونقل حركتها إلى الفاء، وكذلك الأمر منه تقول في يقررن يقرن وفي اقررن قرن، وقوله: "وقرن نقلا" يعني: بفتح القاف، وهو قراءة نافع وعاصم، وهو أمر من قررن بالمكان أقر به -بكسر الماضي وفتح المضارع، وهي لغة فصيحة ثابتة لا يقبل قول من أنكرها، فلما أمر منه اجتمع مثلان أولهما مفتوح، ففعل به من حذف عينه ما فعل بأحست وهو نادر لا يقاس عليه؛ لأن هذا الحذف إنما هو للمكسور.
تنبيهات:
الأول: ذهب بعضهم إلى أن قرن -على قراءة الكسر- مر من الوقار، يقال: وقر يقر، فيكون قرن محذوف الفاء مثل عدن، ورجح الأول لتتوافق القراءتان، وذهب بعضهم إلى أن قرن، على قراءة الفتح، أمر من قار يقار.
الثاني: أجاز في الكافية وشرحها إلحاق المضموم العين بالمكسور، فأجاز في اغضضن أن يقال: غُضْنَ، واحتج بأن فك المضموم أثقل من فك المكسورة، وإذا كان فك المفتوح قد فر منه إلى الحذف في قرن -المفتوح القاف- ففعل ذلك بالمضموم أحق بالجواز، قال: ولم أره منقولًا.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٣ من سورة الأحزاب.
[ ٣ / ١٦٣٧ ]
فصل: في الإدغام
يعني: الإدغام اللائق بالتصريف كما قيده في الكافية.
والإدغام. لغة: الإدخال، والإدغام -بالتشديد- افتعال منه، وهي عبارة سيبويه.
وقال ابن يعيش: الإدغام -بالتشديد- من ألفاظ البصريين، والإدغام -بالتخفيف- من ألفاظ الكوفيين.
وحده اصطلاحًا: أن تأتي بحرفين ساكن ومتحرك من خرج واحد بلا فصل، ويكون في المثلين وفي المتقاربين، وفي كلمة وفي كلمتين، وهو باب مُتَّسع.
واقتصر الناظم في هذا الفصل على ذكر إدغام المثلين المحركين في كلمة.
ولا بد من تتميم الفائدة باستيفاء الكلام على إدغام المثلين.
فأقول: إذا التقى المثلان، فالتقاؤهما على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: أن يسكن أولهما ويتحرك ثانيهما نحو "اضرب بكرًا" فهذا يجب إدغامه بثلاثة شروط:
أولها: ألا يكون أول المثلين هاء سكت، فإنه لا يدغم لأن الوقف على الهاء منوي، وقد روي عن ورش إدغام ﴿مَالِيَهْ، هَلَكَ﴾ ١ وهو ضعيف من جهة القياس.
وثانيها: ألا يكون همزة منفصلة عن الفاء نحو "إكلأ أحمد" فإن الإدغام في ذلك رديء، بل يلزم تحفيف إحداهما، فلو كانت الهمزة متصلة بالفاء وجب الإدغام نحو سآل.
_________________
(١) ١ من الآيتين ٢٨، ٢٩، من سورة الحاقة.
[ ٣ / ١٦٣٨ ]
وثالثها: ألا يكون مدة في آخر أو مبدلة من غيرها دون لزوم، فإن كان مدة في آخر لم تدغم نحو: يعطي ياسر، ويغزو واقد، لئلا يذهب المد بالإدغام، فإن لم يكن في آخر وجب الإدغام نحو مغزو أصله مغزوو على وزن مفعول، واغتفر ذهاب المد في هذه لقوة الإدغام فيه، وإن كانت مبدلة من غيرها دون لزوم لم يجب الإدغام، بل يجوز إن لم يلبس نحو ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ ١ في وقف حمزة، وممتنع إن ألبس نحو قوول بناء ما لم يسم فاعله من قاول؛ لأنه لو أدغم لالتبس بفعل فإن كانت المدة مبدلة من غيرها إبدالًا لازمًا وجب الإدغام نحو أوب وهو مثال أبلم من الأوب أصله أأوب، فقلب ثاني الهمزتين واوًا لسكونها بعد ضمة، ثم أدغم وجوبًا للزوم الإبدال.
الضرب الثاني: أن يتحرك أولهما ويسكن ثانيهما فهذا لا يجوز فيه إدغام؛ لأن من شرط الإدغام تحرك المدغم فيه، ومثال ذلك في كلمة ضللت، وفي كلمتين: رسول الحسن.
الضرب الثالث: أن يتحركا، فإن كان من كلمتين جاز الإدغام بشرطين:
أحدهما: ألا يكونا همزتين نحو: "قرأ آية" فإن الإدغام في الهمزتين رديء.
والآخر: ألا يكون الحرف الذي قبلها ساكنًا غير لين نحو: "شهر رمضان" فإن هذا لا يجوز إدغامه عند جمهور البصريين، وقد روي عن أبي عمر إدغام ذلك، وتأولوه على إخفاء الحركة، وأجاز الفراء إدغامه.
وإن كانا من كلمة واحدة فهو الذي تعرض الناظم لبيانه في قوله:
أول مثلين محركين في كلمةٍ ادغم
"فأمر بإدغام أول المثلين المحركين"٢ فشمل ذلك الأفعال نحو رد وظن ولب، أصلها ردد وظنن ولبب، والأسماء نحو صب وضب، أصلهما فعل، بالكسر، فالإدغام في ذلك واجب بستة شروط:
_________________
(١) ١ من الآية ٧٤ من سورة مريم. ٢ أ، جـ.
[ ٣ / ١٦٣٩ ]
الأول: ألا يتصدرا نحو "ددن"١ فمثل ذلك لا يجوز إدغامه، لتعذر الابتداء بالساكن، قال المصنف في بعض كتبه: إلا أن يكون أولهما تاء المضارعة فقد تدغم بعد مدة أو حركة نحو ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ ٢ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ ٣ انتهى.
ويجوز أيضًا الإدغام في الفعل الماضي إذا اجتمع فيه تاءان، والثانية أصلية نحو تتابع، ويؤتى بهمزة الوصل فيقال: اتّابَع، ولم يذكر هنا هذا الشرط وقد ذكر في الكافية وغيرها.
الثاني: ألا يكون ماهما فيه اسما على فعل نحو صفف٤ أو فعل نحو ذُلُل -جمع ذلول- أو فعل نحو كلل -جمع كلة، أو فعل نحو لبب، فكل ذلك لا يجوز إدغامه. وإلى هذا أشار بقوله: "لا كَمِثْلِ صُفف. وذلل وكلل ولبب".
فإن قلت: ما علة منع إدغام هذه الأمثلة؟.
قلت: أما الثلاثة الأولى فلأنها مخالفة للأفعال في الوزن، والإدغام فرع في الإظهار، فخص بالفعل لفرعيته، وتبع الفعل ما وازنه من الأسماء دون ما لم يوازن. وأما الرابع: فإنه موازن للفعل، ولكنه لم يدغم لخفته، وليكون منبّهًا على فرعية الإدغام في الأسماء، حيث أدغم موازنه في الأفعال نحو رَدَّ فيعلم بذلك ضعف سبب الإدغام فيه وقوته في الفعل.
واعلم أنه يمتنع الإدغام أيضًا فيما وازن أحد هذه الأمثلة بصدره لا بجملته نحو: خُشَشَاء -لعظم خلف الأذن- فإنه موازن بصدره لفعل نحو صفف، ونحو: رددان، وهو مثال سلطان من الرد، فإنه موازن بصدره لفعل نحو ذلك، ونحو: حببة جمع حب فإنه موازن بصدره لفعل نحو: كلل، ونحو: الدَّجَجَان مصدر دَجَّ
_________________
(١) ١ الددن: بدالين مهملتين، وهو اللعب، ويقال فيه ددى كفتى ودد كدم. ٢ من الآية ٢٦٧ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٨ من سورة الملك. ٤ صفف -جمع صفة- والصفة: الظلة كالسقيفة.
[ ٣ / ١٦٤٠ ]
بمعنى دَبّ، فإنه موازن بصدره لفعل نحو: لبب، ولو بنيت من الرد مصل غطفان قلت: رددان -بالفك- هذا مذهب الخليل وسيبويه، وخالف الأخفش فقال: ردان -بالإدغام- ووجه أن الألف والنون بزيادتهما التزم تحريم الدال التي تليهما، فثقل توالي الفتحتين، فأدغم تخفيفًا وصار في ذلك نظير الفعل في الثقل نحو رد، بل هو أولى بالإدغام من الفعل؛ لأن حركة الدال الأخيرة في الفعل ليست بلازمة والصحيح ما ذهب إليه الخليل وسيبويه لأنه هو الذي ورد به السماع.
فإن قلت: كان ينبغي أن يستثنى مثالًا خامسًا يمتنع فيه الإدغام وهو فعل نحو إبل؛ لكونه مخالفًا لأوزان الأفعال.
فلو بنيت من الرد مثل إبل قلت: رِدِد، بالفك، قلت: العذر له في عدم استثنائه أنه بناء لم يكثر في الكلام، ولم يسمع في المضاعف، وقد استثناه في بعض نسخ التسهيل.
واعمل أن أوزان الثلاثي التي مكن فيها اجتماع مثلين متحركين لا تزيد على تسعة، وقد سبق ذكر خمسة منها، وبقيت أربعة، منها واحد مهمل فلا كلام فيه، وهو فعل -بكسر الفاء وضم العين- وثلاثة مستعملة وهي: فعل نحو كتف، وفعل نحو عضد، وفعل نحو دئل.
فإذا بنيت من الرد مثل كتف أو عضد قلت: رد -بالإدغام- لأنهما موافقان لوزن الفعل، وليسا في خفة فعل نحو لبب، هذا مذهب الجمهور، وخالف ابن كيسان فقال: رَدِدٌ ورَدُدٌ بالفك.
وإذا بنيت من الرد مثل دئُِل قلت: ردُِد -بالفك- ومن رأى أن فعل أصل في الفعل ينبغي أن يدغم، وقياس مذهب ابن كيسان الفك، بل هو في هذا أولى.
والثالث: ألا يتصل بأول المثلين مدغم فيه، وإليه أشار بقوله: "ولا كَجُسَّس" وهو جمع جاس، فإن فيه مثلين متحركين ولم يدغم أولهما في الثاني؛ لأن قبلهما مثل آخر مدغمًا في أول المتحركين، فلو أدغم المدغم فيه التقى الساكنان وبطل الإدغام السابق.
[ ٣ / ١٦٤١ ]
الرابع: ألا يعرض تحريك ثانيهما، وإليه الإشارة بقوله: "ولا كأخصص أبي" فهذا فيه مثلان متحركان ولم يدغم؛ لأن حركة الثاني عارضة، إذ هي حركة النقل والأصل اخصص -بالإسكان- فنقلت حركة الهمزة إلى الساكن فلم يعتد بها، لعروضها.
والخامس: ألا يكون ما هما فيه ملحقًا بغيره، وإليه الإشارة بقوله: "ولا كهيلل" وذلك نوعان؛ أحدهما: ما حصل فيه الإلحاق بزائد قبل المثلين نحو "هيلل" إذا قال لا إله إلا الله؛ لأن لامي هيلل متحركان في كلمة ولا سبيل إلى إدغام أولهما في الثاني، لأن قبلهما مزيدًا للإلحاق بدحرجة وهو الياء فامتنع الإدغام لئلا تفوت "المماثلة"١.
والآخر: ما حصل فيه الإلحاق بأحد المثلين نحو جلبب؛ لأن إحدى باءيه مزيدة للإلحاق بدحرجة فامتنع الإدغام، لاستلزامه فوات ما قصد من الإلحاق.
والسادس: ألا يكون مما شذت العرب في فكه اخيارًا، وهي ألفاظ محفوظة لا يقاس عليها، وإلى هذا أشار بقوله:
وَشَذَّ في أَلِلْ وَنَحْوِهِ فَكُّ بِنقْلِ فَقُبِلْ
وهذه الألفاظ "ألل السقاء" إذا تغيرت رائحته، والأسنان إذا فسدت، والأذن إذا رقت، و"دبب الإنسان" إذا نبت الشعر في جبينه، و"صكك الفرس" إذا اصطكت عرقوباه، و"صببت الأرض" "إذا كثر ضبابها"، و"قطط الشعر" إذا اشتدت جعودته و"لَحِحَتِ العين أو لخِخَت" إذا التصقت بالرمص و"مِشَشَت الدابة" إذا شخص في وظيفها حجم دون صلابة العظم، و"عززت الناقة" إذا ضاق إحليلها وهي مجرى لبنها، فشذوذ ترك الإدغام في هذه كشذوذ ترك الإعلال في نحو القَودَ ونحوه.
_________________
(١) ١ وفي أ، ج "المقابلة".
[ ٣ / ١٦٤٢ ]
وقد شذ الإظهار أيضًا في كلمات من الأسماء منها قولهم: "رجلٌ ضَفِفُ الحال"١ و"مُحَبَب" وحكى أبو زيد "طعام قضض" إذا كان فيه يُبس، ولا يجوز القياس على شيء من هذه المفكوكات، وما ورد من ذلك في الشعر عد من الضرورات كقول أبي النجم٢:
الحمد لله العلي الأجلل
وَحَييِ افكُك وادَّغِم دُونَ حذر كذاك نحو تتجلى واستتر
يعني أن الفك والإدغام جائزان في هذه المواضع الثلاثة:
الأول: ما عينه ولامه ياءان لازم تحريكهما نحو "حي" و"عي"، فمن أدغم نظر إلى أنهما مثلان في كلمة وحركة ثانيهما لازمة، وحق ذلك الإدغام لاندراجه في الضابط المتقدم، ومن أظهر نظر إلى أن اجتماع المثلين في باب حَيَى كالعارض لكونه مختصا بالماضي دون المضارع والأمر، والعارض لا يعتد به غالبًا.
_________________
(١) ١ ضفف: بوزن كنف من الضفف فتحتين، وهو الضيق والشدة والحاجة. ٢ قائله: هو أبو النجم العلي -واسمه الفضل بن قدامة -وهو من الرجز. وعجزه: الواسع الفضل الوهوب المجزل اللغة: "العلي" صفة من العلو -بمعنى علو الشأن وسموه "الأجلل" الأجل الأعظم "الواسع الفضل" الكثير العطاء والإحسان. "الوهوب" صيغة مبالغة من الهبة، أي العظيم الهبات "المجزل" اسم فاعل من أجزل العطاء إذا أكثر منه. المعنى: يحمد الله ﷾ وهو الرفيع الشأن الأعظم من كل شيء الذي عم فضله وعطاؤه الجم جميع المخلوقات. الإعراب: "الحمد" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة "لله" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "العلي"، "الأجلل" نعتان لاسم الجلالة "الواسع" نعت ثالث "الفضل" مضاف إليه "الوهوب" نعت رابع لاسم الجلالة "المجزل" نعت خامس له. الشاهد: قوله: "الأجلل" حيث لم يدغم، والقياس فيه الأجل، بالإدغام ولكن الضرورة الشعرية ألجأته لذلك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٨٩٣/ ٣، وابن هشام ٣٢٠/ ٤، والسيوطي ص٥٢.
[ ٣ / ١٦٤٣ ]
فإن قلت: أي الوجهين أكثر في كلامهم؟.
قلت: الفك، نص على ذلك النحويون وكلاهما "فصيح"١.
وقرأ بهما في التواتر، ولعل الناظم قدم الفك لكثرته.
تنبيه:
لو كانت حركة الياء الثانية عارضة نحو "لن يَحييَ، ورأيت مُحْيِيًا".
لم يجز الإدغام، وأما قوله٢:
وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسدة بيتها فَتُعِيُّ
فشاذ لا يقاس عليه، وأجازه الفراء.
الثاني: نحو تتجلى، قال الشارح: كل ما فيه تاءان مثل تتأنى تتجلى فهذا قياسه الفك لتصدر المثلين، ومنهم من يدغم فيسكن أوله ويدخل همزة الوصل فيقول: تجلى، وقال في شرح الكافية: إذا أدغمت فيما اجتمع في أوله تاءان زدت همزة وصل تتوصل بها إلى النطق بالتاء المسكنة للإدغام فقلت في تتجلى اتّجلى، انتهى.
وفي هذا نظر؛ لأن تتجلى فعل مضارع، واجتلاب همزة الوصل لا يكون في المضارع، والذي ذكره غيره من النحويين أن الفعل المفتتح بتاءين إن كان ماضيًا نحو تتبع وتتابع، جاز فيه الإدغام واجتلاب همزة الوصل.
_________________
(١) ١ أ، ج وفي ب "صحيح". ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله -وهو من الكامل. اللغة: "سبيكة" قطعة مستطيلة من فضة "سدة البيت" -بضم السين- بابه. المعنى: شبه محبوبته بالسبيكة وهي القطعة من الفضة وغيرها. إذا استطالت. الإعراب: "وكأنها" كأن للتشبيه تنصب الاسم وترفع الخبر، وها اسمها "بين" ظرف "النساء" مضاف إليه "سبيكة" خبر كأن مرفوع بالضمة الظاهرة "تمشي" فعل مضارع فاعله ضمير مستتر فيه "بسدة" جار ومجرور متعلق بتمشي "بيتها" مضاف إليه وبيت مضاف وها مضاف إليه "فتعي" الفاء عاطفة وتعي فعل مضارع والفاعل ضمير. الشاهد: قوله: "فتعي" حيث أدغم اعتدادًا بالحركة العارضة لأجل الروي. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٩٣/ ٣، والهمع ١٥٣/ ١.
[ ٣ / ١٦٤٤ ]
فيقال: اتَّبَّعَ واتّابَعَ، وإن كان مضارعًا نحو تتذكر لم يجز فيه الإدغام إن ابتدئ به، لما يلزم من اجتلاب الهمزة وهي لا تكون في المضارع، بل يجوز تخفيفه بحذف إحدى التاءين، وسيأتي، وإن وصل بما قبله جاز إدغامه بعد متحرك أو لين نحو: "تكاد تميز" "ولا تيمموا" لعدم الاحتياج في ذلك إلا اجتلاب همزة الوصل، والله أعلم.
الثالث: نحو استتر، وهو كل فعل على افتعل اجتمع فيه تاءان، فهو أيضًا يجوز فيه الفك، وهو قياسه، لبناء ما قبل المثلين على السكون، ويجوز فيه الإدغام بعد نقل حركة أول المثلين إلى الساكن، فتقول: ستر يستر ستار.
تنبيهات:
الأول اعلم أن الإدغام في استتر ونحوه يوجب طرح همزة الوصل من أوله لتحرك الساكن بحركة النقل، فلذلك قيل فيه ستر.
الثاني: إذا أوثر الإدغام صار اللفظ به كلفظ ستر الذي وزنه فعل -بتضعيف العين- ولكن يمتازان بالمضارع والمصدر؛ لأنك تقول في مضارع الذي أصله افتعل يستر -بفتح أوله- وأصله يستتر، فنقل وأدغم. وتقول في مضارع الذي وزنه فعّل يسَتّر -بضم أوله، وتقول في مصدر الذي أصله افتعل: ستارًا، وأصله استتارًا، فلما أريد الإدغام نقلت الحركة فطرحت الهمزة، وتقول في مصدر الذي وزنه فعل تستيرًا على وزن تفعيل.
الثالث: يجوز في استتر ونَحوه إذا أدغم وجه آخر، وهو أن يقال: ستر -بكسر فائه- على أصل الساكنين، وذلك أن الفاء ساكنة وحين "قصد"١ الإدغام سكنت التاء الأولى، فالتقى ساكنان فكسر أولهما على أصل التقاء الساكنين، ويجوز على هذه اللغة كسرة التاء إتباعًا لفاء الكلمة فتقول: ستر وقتل والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول مبنية على ذلك إلا أن اسم الفاعل يشبته بلفظ اسم المفعول على لغة من كسر التاء إتباعًا، فيصير مشتركًا كمختار، ويتوقف على قرينة.
_________________
(١) ١ ب.
[ ٣ / ١٦٤٥ ]
الرابع: ما ذكر في هذا البيت كالمستثنى من الضابط المتقدم، فإن حي مندرج فيه فكان حقه الإدغام على سبيل اللزوم فاستثناه ليعلم أنه ذو وجهين، وكذلك استتر، وأما نحو تتجلى فلم يندرج في الضابط المتقدم لتصدر المثلين فيه. والله أعلم.
وما بتاءين ابْتُدِي قد يُقتصر فيه عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ العِبر
إذا اجتمع في أول الفعل المضارع تاءان جاز حذف أحدهما نحو "تبين العبر" وأصله تتبين الأولى تاء المضارع والثانية تاء تفعل، وعلة الحذف أنه لما ثقل عليهم اجتماع المثلين، ولم يكن سبيل إلى الإدغام لما يؤدي إليه من اجتلاب همزة الوصل، وهي لا تكون في المضارع، عدلوا إلى التخفيف بحذف إحدى التاءين.
تنبيهات:
الأول: هذا الحذف كثير جدًّا، ومنه في القرآن مواضع كثيرة نحو: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ٢.
الثاني: أبهم في قوله: أحدهما فمذهب سيبويه والبصريين أن المحذوف التاء الثانية؛ لأن الاستثقال بها حصل، ولأن الأولى دالة على المضارعة، وقد صرح بذلك في التسهيل فقال: والمحذوفة هي الثانية لا الأولى خلافًا لهشام يعني: أن مذهب هشام أن المحذوفة هي الأولى، ونقله غيره عن الكوفيين.
الثالث: أطل في قوله: "وما بتاءين ابتدي" وهذا إنما هو في المضارع؛ لأنه الذي يتعذر فيه الإدغام، وأما الماضي فيه تتابع، فلا يتعذر فيه الإدغام.
الرابع: ما ذكر من تعذر الإدغام في المضارع، إنما هو في الابتداء لا في الوصل كما سبق بيانه في الكلام على نحو تتجلى.
الخامس: قوله في شرح الكافية: قد يقال في مثل تتعلم استثقالًا لتوالي المثلين متحركين وللإدغام المحوج إلى زيادة همزة الوصل، قد يوهم أن الإدغام في
_________________
(١) ١ من الآية ١٠٥ من سورة هود. ٢ من الآية ٤ من سورة القدر.
[ ٣ / ١٦٤٦ ]
ذلك جائز، وإن كان مستثقلًا كما يجوز إبقاء المثلين متحركين في ذلك، وكذلك قول الشارح هربًا، إما من توالي مثلين متحركين وإما من إدغام محوج إلى زيادة "همزة"١ الوصل، وقد صرح في التسهيل بما يدفع هذا التوهم فقال: وقد يحذف تخفيفًا المتعذر إدغامه لسكونه الثاني "كاستخذ" في الأظهر أو لاستثقاله بتصدر المدغم كتنزل.
السادس: قد يفعل هذا التخفيف بالحذف فيما تصر فيه نونان، ومن ذلك ما حكاه أبو الفتح من قراءة بعضهم: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ٢ قال في شرح الكافية: في هذه القراءة دليل على أن المحذوفة من تاءي تتنزل حين قال: "تنزل" إنما هي الثانية؛ لأن المحذوفة من نوني "نزل" في القراءة المذكورة إنما هي الثانية.
قال الشارح: ومنه على الأظهر قوله تعالى: "وكذلك نُجِّي المؤمنين"٣ في قراءاة ابن عامر وعاصم، أصله نُنَجِّي، ولذلك سكن آخره.
وَفُكّ حيثُ مُدْغَمٌ فِيهِ سَكَنْ لِكَونِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفْعِ اقْتَرَنْ
إذا سكن آخر الفعل المدغم فيه لاتصاله بضمير الرفع وجب الفك؛ لأن ثاني المثلين قد سكن فتعذر الإدغام، والمراد بضمير الرفع تاء الضمير ونا ونون الإناث نحو رددت، ورددنا، ورددن، وقد مثل بقوله: "نحو حللت ما حللته".
تنبيه:
فك الإدغام في ذلك واجب عند جمهور العرب، قال في التسهيل: والإدغام قبل الضمير لُغيّة، قال سيبويه: وزعم الخليل أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون ردَّنَا ومَرَّنَا ورَدَّت، وهذه لغة ضعيفة، كأنهم قدروا الإدغام قبل دخول النون والتاء، وأبقوا اللفظ على حاله، وحكى بعض الكوفيين في ردّن ردن -يزيد نونًا ساكنة قبل نون الإناث ويدغمها فيها؛ لأن نون الإناث لا يكون ما قبلها إلا ساكنًا، وحكى بعضهم في ردّت ردّات، وهي في غاية الشذوذ، ووجهه أن هذه التاء لا يكون ما قبلها إلا ساكنًا، وحافظ على بقاء الإدغام فزاد ألفًا قبلها.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "ألف". ٢ من الآية ٢٥ من سورة الفرقان. ٣ من الآية ٨٨ من سورة الأنبياء.
[ ٣ / ١٦٤٧ ]
وفي جَزْمٍ وشِبْهِ الْجَزْمِ تَخْييرٌ قُفِي
يعني: أن المدغم فيه إذا سكن جزمًا أو وقفًا، وهو المراد بشبه الجزم، جاز فيه الفك والإدغام نحو لم يحلل ولم يحل، واحلل وحل، والفك لغة أهل الحجاز، والإدغام لغة بني تميم، وقيل: لغة غير أهل الحجاز، وإنما أدغم بنو تيم اعتدادًا بتحرك الساكن في بعض الأحوال نحو: اردد القوم ولم يردد القوم.
تنبيهات:
الأول: إنما جعل سكون الأمر في نحو احلل يشبه الجزم؛ لأن الأمر يعامل آخره معاملة المضارع المجزوم.
الثاني: يعني بالتخيير استواء الوجهين في الجواز، فالمتكلم متخير في اتباع أيهما شاء، وليس المراد استواؤهما في الفصاحة؛ لأن الفك لغة أهل الحجاز وبها جاء القرآن غالبا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ ١ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ ٢ ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾ ٣ ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ ٤ وجاء على لغة تميم قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكوفيين ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ ٥ في المائدة وقراءة السبعة ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ﴾ ٦.
الثالث: إذا أدغم في الأمر على لغة تميم وجب طرح همزة الوصل، لعدم الاحتياج إليها، وحكى الكسائي أنه سمع في الأمر من عبد القيس أرد وأغض وأمر، بهمزة الوصل، ولم يحك ذلك أحد من البصريين.
الرابع: إذا اتصل بالمدغم فيه واو جمع، نحو ردوا، أو ياء مخاطبة نحو ردي، أو نون تأكيد نحو ردن، أدغم الحجازيون وغيرهم من العرب، كذا قالواه، وعللوه أن الفعل حينئذ مبني على هذه العلامة فليس تحريكه بعارض.
_________________
(١) ١ من الآية ١٢٠ من سورة آل عمران. ٢ من الآية ٨١ من سورة طه. ٣ من الآية ٦ من سورة المدثر. ٤ من الآية ١٩ من سورة لقمان. ٥ من الآية ٥٤ من سورة المائدة. ٦ من الآية ٤ من سورة الحشر.
[ ٣ / ١٦٤٨ ]
الخامس: التزم المدغمون فتح المدغم فيه قبل هاء غائبة نحو: "رُدّها ولم يَرُدّها" والتزموا ضمة قبل هاء غائب نحو "رده ولم يرده" قالوا: لأن الهاء خفية، فلم يعتد بوجودها، فكأن الدال قد وليها الألف والواو نحو "ردا وردوا" وحكى الكوفيون "ردها" -بالضم والكسر، ورده -بالكسر والفتح- وذلك في المضموم الفاء، وذكر ثعلب الأوجه الثلاثة قبل هاء الغائب، وغلط في تجويزه الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لغة، سمع الأخفش من ناس بني عقيل: مدة وعضة، والتزم أكثرهم بالكسر قبل ساكن فقالوا: "رد القوم" بالكسر؛ لأنها حركة التقاء الساكنين في الأصل، ومنهم من فتح وهم بنو أسد قال١:
فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ فَلا كَعبًا بَلَغتَ وَلا كِلابا
وأما الضم فقال في التسهيل: ولا يضم قبل ساكن بل يكسر وقد يفتح انتهى.
وحكى ابن جني الضم أيضًا، وهو قليل.
فإن لم يتصل بالفعل هاء الغائبة أو هاء الغائب أو الساكن، ففيه ثلاث لغات: الفتح مطلقًا نحو رد وفر وعض، وهي لغة أسد وناس غيرهم، والكسر
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير الشاعر الأموي من قصيدة يهجو فيها عبيد بن حصين المعروف بالراعي النميري -وهو من الوافر. اللغة: "غض الطرف" أي: أغمضه وانظر إلى الأرض: والطرف: البصر "نمير" قبيلة -فرع من قيس عيلان، أبوهم نمير بن عامر، ومنهم الراعي النميري. المعنى: طأطئ بصرك واعرف قدرك، وابتعد عن مباراة الكرام ومجاراتهم، فإن من قبيلة نمير التي لم ترق إلى مصاف القبائل العظيمة. الإعراب: "غض" فعل أمر وفعله ضمير مستتر فيه "الطرف" مفعول به لغض "إنك" إن حرف توكيد ونصب وضمير المخاطب في محل نصب اسمها "من" حرف جر "نمير" مجرور بمن والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر إن "فلا" الفاء عاطفة لا: نافية "كعبًا" مفعول به لبلغت مقدم عليه "بلغت" فعل ماضٍ وتاء المخاطب فاعله "ولا" الواو حرف عطف ولا زائدة لتأكيد النفي "كلابًا" معطوف على قوله "كعبًا" منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد: قوله: "غُضّ" حيث جاء بالإدغام، ويروى بضم الضاد وفتحها وكسرها فالضم على الإتباع لضم الغين -والفتح للتخفيف- والكسر على الأصل في التخلص من الساكنين. مواضعه: ذكره الأشموني ٨٩٧/ ٣، وابن هشام ٣١٧/ ٤، والهمع ٢٢٧/ ٢، وسيبويه ١٦٠/ ٢.
[ ٣ / ١٦٤٩ ]
مطلقًا نحو رُدِّ وفِرّ وعَضِّ، وهي لغة كعب ونمير، والإتباع لحركة الفاء نحو رُدُّ وفِرِّ وعضِّ، وهذا أكثر "في كلامهم"١.
لما ذكر جواز الفك والإدغام في المجزوم وشبهه وهو الأمر استدرك بيان حكم أفعل في التعجب فقال:
وَفُّك أفعِل في التَّعَجُّب التُزِمْ والتُزِمَ الإدْغَامُ أيضًا فِي هَلُمّ
فإنه قد التزم الجميع فكه. قال في شرح الكافية: مفكوك بإجماع.
قلت: كأنه يعني إجماع لعرب، فإن إدغامه غير مسموع في كلامهم وإنما المسموع الفك كقوله٢:
وَقالَ نَبِيُّ المُسْلِمِينَ تَقَدَّموا وَأحْبِبْ إِلَينا أَن نَكونَ المُقَدَّما
وإن أراد إجماع النحويين فليس كذلك؛ لأن بعض النحويين حكى عن الكسائي إجازة إدغامه، وأما هلم فإدغامه لازم بإجماع.
تنبيهات:
الأول: اختلف العرب في "هلُمّ" فهي عند الحجازيين اسم فعل بمعنى أحضر أو أقبل، وهي عند بني تميم فعل أمر لا يتصرف ملتزم إدغامه، وإنما ذكر هنا باعتبار فعليتها، وقد استعمل لها مضارعًا من قيل له هلم فقال: لا أهلم.
الثاني: التزموا أيضًا فتح "ميم هلم"٣ وحكى الجرمي فيه الفتح والكسر عند بعض بني تميم، "وإذا اتصل بهاء غائب نحو: هلمه لم يضم بل يفتح وكذا يفتح أيضا إذا اتصل به ساكن نحو هلم الرجل"٤.
_________________
(١) ١ ب، ج. ٢ تقدم هذا البيت في باب التعجب. الشاهد: قوله: "أحبب" حيث لم يدغم مع الموجب. ٣ ب، ج وفي "هلم" -بإسقاط- ميم. ٤ أ، ج.
[ ٣ / ١٦٥٠ ]
"الثالث: تكون هلّم عند بني تميم"١ فعلا اتصلت بها الضمائر المرفوعة البارزة، وأكدت بنون التوكيد فيقال: هلما وهلموا وهلمي -بضم الميم قبل الواو وتكسر قبل الياء، فإذا اتصل بها نون الإناث فالقياس هَلْمُمْنَ، وزعم الفراء: أن الصواب هلمَّنّ -بفتح الميم، وزيادة نون ساكنة بعدها وقاية لتفح الميم، ثم تدغم النون الساكنة في نون الضمير، وحكي عن أبي عمرو أنه سمع من العرب هلمين يا نسوة -بكسر الميم مشددة وزيادة ساكنة بعدها قبل نون الإناث، وحكى عن بعضهم هلمن -بضم الميم- وهو شاذ، وعلى لغة بني تميم بني أبو الطيب قوله٢:
قَصَدْنَا لَه قَصْدَ الْحَبِيبِ لِقَاؤُهُ إِلَيْنَا وَقُلْنَا للسيوفِ هَلُمَّنَا
فأكدها بالنون الشديدة.
الرابع: ذهب بعض النحويين إلى أن "هلم" في لغة تميم اسم غلب فيه جانب الفعلية واستدل بالتزامهم فتح ميمها والإدغام، ولو كانت فعلًا لجرت مجرى رد في جواز الضم والكسر والإظهار، وأجيب بأن التزام أحد الجائزين لا يخرجها عن الفعلية، والتزام أحد الجائزين في كلامهم كثير.
الخامس: نقل بعض النحويين الإجماع على أن "هلم" مركبة، قلت: وفي البسيط: ومنهم من يقول ليست مركبة.
وفي كيفية التركيب خلاف، قال البصريون: مركبة من "ها" التنبيه ومن "لم" التي هي فعل أمر من قولهم: "لم الله شعثه" أي: جمعه، كأنه قيل: اجمع نفسك إلينا فحذفت ألفها تخفيفًا، ونظرًا إلى أن أصل لام "لم" السكون.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ وهو من الطويل. الإعراب: "قصدنا" فعل وفاعل "له" جار ومجرور متعلق بالفعل "قصد" مفعول مطلق "الحبيب" مضاف إليه "لقاءه" مفعول لأجله ومضاف إليه "إلينا" جار ومجرور. "وقلنا" فعل وفاعل "للسيوف" جار ومجرور. "هلمنا" فعل أمر على لغة تميم والفاعل ضمير مستتر فيه والنون للتوكيد. الشاهد: قوله: "هلمنا": حيث اتصلت به نون التوكيد.
[ ٣ / ١٦٥١ ]
وقال الخليل: ركبا قبل الإدغام، فحذفت الهمزة للدرج، إذا كانت همزة وصل وحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم نقلت حركة الميم الأول إلى اللام، وأدغمت، وقال الفراء: مركبة من "هل" التي للزجر، و"أم" بمعنى اقصد، فخففت الهمزة بإلقاء حركتها إلى الساكن قبلها فصار "هلم" ونسب بعضهم هذا القول إلى الكوفيين، وقول البصريين أقرب إلى الصواب. والله سبحانه أعلم.
ولما أنهى الكلام على ما قصد في فصل الإدغام وهو آخر ما يذكر فيه التصريف قال على سبيل التعريف:
وَمَا بِجَمْعِهِ عُنِيتُ قَد كَمَلْ نَظْمًا عَلَى جُلِّ الْمُهِمّات اشْتَمَلْ
أَحْصَى مِن الكَافِية الخُلَاصَهْ كَمَا اقْتَضَى غِنىً لا خَصَاصَهْ
فأخبر بانتهاء ما قصد جمعه في هذا النظم، واشتماله على أعظم المهمات من هذا العلم، يقال: "عُنِيَ بكذا" أي اهتم به، والأفصح بناؤه للمفعول وبناؤه للفاعل لُغيّة حكاها في اليواقيت، وأنشد عليها:
عانِ بَأخْراهَا طويلُ الشُّغْلِ
ثم ختم الكلام بحمد الله والصلاة على نبيه -ﷺ- فقال:
فَأَحْمَدُ الله مُصَلِيًا عَلَى مُحَمّد خَيْر نَبِي أُرْسِلَا
وآله الغُرِّ الكِرَامِ البرَرَه وَصَحْبِهِ الْمنْتَخَبِينَ الْخِيَرَهْ
تم الكتاب بعناية الملك الوهاب، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام، المرسلين وعلى آهل والصحابة أجمعين.
[ ٣ / ١٦٥٢ ]
الفهارس
محتويات المجلد الثالث:
الصفحة الموضوع
١١٠١ الجزء الرابع
١١٠٣ أسماء لازمت النداء
١١١٠ الاستغاثة
١١٢٠ الندبة
١١٢٦ الترخيم
١١٥٠ الاختصاص
١١٥٣ التحذير والإغراء
١١٥٩ أسماء الأفعال والأصوات
١١٧٠ نونا التوكيد
١١٨٩ ما لا ينصرف
١٢٢٨ إعراب الفعل
١٢٦٥ عوامل الجزم
١٢٩٥ فصل "لو"
١٣٠٥ فصل "أما، ولولا، ولوما"
١٣١١ الإخبار بالذي والألف واللام
١٣١٨ العدد
[ ٣ / ١٦٥٣ ]
الصفحة الموضوع
١٣٢٧ تمييز المركب
١٣٣٥ كم، وكأين، وكذا
١٣٤٦ الحكاية
١٣٥١ الجزء الخامس
١٣٥٣ التأنيث
١٣٦٢ المقصور والممدود
١٣٦٦ كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا
١٣٧٧ جمع التكسير
١٤١٩ التصغير
١٤٤٣ النسب
١٤٦٩ الوقف
١٤٩١ الإمالة
١٥٠٨ التصريف
١٥٥٠ فصل في زيادة همزة الوصل
١٥٥٩ الجزء السادس
١٥٦١ الإبدال
١٥٩٣ فصل "إذا اعتلت لام فَعْلى"
١٥٩٦ فصل "إذا اجتمعت الواو والياء وسكن ما قبلهما"
[ ٣ / ١٦٥٤ ]
الصفحة الموضوع
١٦٠٥ فصل "إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح"
١٦١٨ فصل "إذا كان فاء الافتعال حرف لين"
١٦٣١ فصل في الإعلال بالحذف
١٦٣٨ فصل في الإدغام
١٦٥٣ محتويات المجلد الثالث
[ ٣ / ١٦٥٥ ]
فهرست الأبيات والشواهد:
الصفحة الشاهد
"حرف الهمزة":
٥٠٣ من له شولا فإلى إئلائها
٥٣١ وأعلم أن تسليما وتركا للا متشابهان ولا سواء
٦٥٥ لا أقعد الجبن عن الهيجاء ولو توالت زمر الأعداء
٦٩٠ حشى رهط النبي فإن منهم بحورا لا يكدرها الدلاء
٧٧٣ ربما ضربة بسيف صقيل بين بصرى وطعنه نجلاء
٧٧٨ بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
٩١٦ نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت رد التحية نطقا أو إيماء
٩٨٣ فلا والله ولا يلفي لما بي ولا للما بهم أبدا دواء
١١٢٠ فواكبدا من حب من لا يحبني ومن عبرات ما لهن فناء
١٣٦٤ يا لك من تمر ومن شيشاء ينشب في المسعل واللهاء
١٤٠٢ له ما رأت عين البصير فوقه سماء الإله فوق سبع سمائيا
"حرف الباء":
٢٧٧ أقلي اللوم عاذل والعتابن وقولي أن أصبت لقد أصابن
٣٣٢ منا الذي هو ما إن طر شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب
٣٤٢ ما أنت باليقظان ناظره إذا نسيت بما تهواه ذكر العواقب
[ ٣ / ١٦٥٧ ]
٣٥٣ فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
٣٩١ أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلغها عني حديثا وبعض القول تكذيب
٣٩١ بأن ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا ببطن شريان يعوي حوله الذيب
٤٧٥ فأما القتال لا قتال لديكم ولكن سيرا في عراض المواكب
٥٠٨ فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغني فتيلا عن سواد بن قارب
٥١٦ عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
٥٤٦ إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه ناذ ولا لذات للشيب
٥٦١ كذا أدبت حتى صار من خلقي أني رأيت ملاك الشيمة الأدب
٥٦٦ بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارا علي وتحسب
٦٣١ أتاني فلم أسرر به حين جاءني كتاب بأعلى القنتين عجيب
٦٥٠ على حين ألهي الناس جل أمورهم فندلا زريق المال ندل الثعالب
٧٣٤ طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنة من قوام ما ومنتقبا
٧٤٤ خلى الذنابات شمالا كثبا وأم أو عال كها أو أقربا
٧٧١ فلئن صرت لا تحير جوابا لبما قد ترى وأنت خطيب
٨١٢ فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أبى وأيك فارس الأحزاب
٨١٤ صريع غوان راقهن ورقنه لدن شب حتى شاب شود الذوائب
٨٣١ نجوت وقد بل المرادي سيفه من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
٨٤٢ يحايى به الجلد الذي هو حازم بضربة كفيه الملا نفس راكب
٨٨١ سبتني الفتاة البضة المتجرد الـ لطيفة كشحه وما خلت أن أسبى
[ ٣ / ١٦٥٨ ]
٩٤١ كأن صغرى وكبرى من فقاقعها حصباء در على أض من الذهب
٩٤٢ فقالت لنا: أهلا وسهلا وزودت جنى النحل بل ما زودت منه أطيب
٩٥٨ فوافيناهم منا بجمع كأسد الغاب مردان وشيب
٩٧١ يمت بقربى الزينيين كليهما إليك وقربى خالد وحبيب
٩٩٨ كهز الردينى تحت العجاج جرى في الأنانيب ثم اضطرب
١٠٢٦ فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
١٠٤٠ لمياء في شفتها حوة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب
١٠٩٣ تقول ابنتي لا رأتني شاحبا كأنك فينا يا أبات غريب
١١١٠ ألا يا قوم للعجب العجيب وللغافلات تعرض للأريب
١١١٥ يبكيك ناء بعيد الدار مغترب يا للكهول وللشبان العجب
١١٣٠ كليني لِهمٍّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
١١٥٥ فإياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء وللشر جالب
١١٧٢ تالله لا يحمدن المرء مجتنبا فعل الكرام ولو فاق الورى حسبا
١٢٧٠ فلا تستطل مني بقائي ومدتي ولكن يكن للخير منك نصيب
١٢٧٢ ظننت فقيرا ذا غنى ثم نلته فلم ذا رجاء ألقه غير واهب
١٤٠٧ ولست لأنسى ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب
١٤٥٤ ولست بنحويّ يلوك لسانه ولكن سليقى أقول فأعرب
١٦٤٩ فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
[ ٣ / ١٦٥٩ ]
"حرف التاء":
٢٦٤ يحدو بها كل فتى هيات وهن نحو البيت عامدات
٤١٥ حنت نوار ولات هنا حنت وبدا الذي كانت نوار أجنت
٤٣٦ فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
٥٢٢ ألا عمر ولى مستطاع رجوعه فيرأب ما أثأت يد الغفلات
٦٠٢ ليت وهل ينفع شيئا ليت ليت شباب بوع فاشتريت
٧٧٨ ألا رجل جزاه الله خيرا يدل على محصلة تبيت
١٠٤٣ وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت
١٠٥٤ يا أبجر بن أبجر يا أنتا أنت الذي طلقت عاما جعتا
١١٧٥ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات
١١٨٠ ليت شعري واشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت
١٦٠٢ إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى فأبعدكن الله من شيرات
"حرف الجيم":
٢٨٧ يا صاح ما هاج العيون الذرفن من طلل كالأتحمى أنهجن
٧٥٨ شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج
٨٩٦ ولم أرَ شيئا بعد ليلى ألذه ولا منظرا أروى به فأعيج
١٠٣٥ يا رب بيضاء من العواهج أم صبي قد حبا أو دارج
١٠٤٨ متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا ونارا تأججا
١٠٦٩ لا هُم كنت قبلت حجتج فلا يزال شامج يأتيك بج
[ ٣ / ١٦٦٠ ]
١٢٠٢ يحدو ثماني مولعا بلقاحها حتى هممن بزيفة الإرتاج
"حرف الحاء":
٢٩٠، ١١٧٠ دامن سعدك إن رحمت متيما لولاك لم يك للصبابة جائحا
٣٨٨ وما أدري وظني كل ظن أمسلمني إلى قومي شراحي
٤٤٢ وإن من النسوان من هي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح
٥١٧ رسم عفا من بعدما قد امحى قد كان من طول البلى أن يمصحا
٥٩٠ إن السماحة والمروءة ضمنا قبرا بمرو على الطريق الواضح
٧٨٤ يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا
٧٩٠ أقام ببغداد العراق وشوقه لأهل دمشق الشام شوق مبرح
٨٧٦ وأما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
٩٥٣ أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
١١١٥ يا لعطافنا والرياح وأبي الحشرج الفتى النفَّاح
١١٥٨ أخاك أخاك إن من لا أخا له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
١١٥٨ لجديرون بالوفاء إذا قا ل أخو النجدة السلاح السلاح
١٣١٦ فكأنما نظروا إلى قمر أو حيث علق قوسه قزح
١٣٧٦ أخو بيضات رائح متأدب رفيق بمسح المنكبين سيوح
١٦٢٣ فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع أصوله واجدر شيحا
[ ٣ / ١٦٦١ ]
"حرف الخاء":
٥١١ وحلت سواد القلب لا أنا باغيا سواها ولا في حبها متراخيا
"حرف الدال":
٢٧٩ أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قدن
٢٩٠ أريت إن جاءت به أملودا أقائلن أحضروا الشهودا
٣٢٧ في كلت رجليها سلامى واحده كلتاهما مقرونة بزائده
٣٣٥ دعاني من نجد فإن سنينه لعبن بنا وشيبتنا مردا
٣٤٨ وعرق الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كأبي الأزند
٣٥١ ألم تأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بني زياد
٣٥٤ إذا قلت على القلب يسلو قبضت هواجس لا تنفك تغريه بالوجد
٣٧٠ فآليت لا أنفك أحذو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي
٣٧٦ لوجهك في الإحسان بسط ومهجة أنالهماه قفو أكرم والد
٣٨١ فقلت أعيراني القدوم لعلني أخط بها قبرا لأبيض ماجد
٣٨٥ قدني من نصر الخبيبين قدى ليس الإمام بالشحيح الملحد
٣٩٥ نبئت أخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد
٤١٢ رأيت بني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد
٤٢٥ وإن الذي حانت بلفج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
٤٤٦ من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد
٤٩٩ فنافذ هداجون حول بيوتهم بما كان إياهم عطية عودا
[ ٣ / ١٦٦٢ ]
٥٣٨ شك يمينك إن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد
٦٤٠ إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب جهارا فكن للغيب أحفظ للود
٦٤٨ ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا؟
٧٤٨ فلا والله لا يلقى أناس فتى حتاك يابن أبا يزيد
٨٢١ يا من رأى عارضا أسر به بين ذارعي وجبهة الأسد
٨٥٨ أتاني أنهم مزقون عرضي جحاش الكرملين لها فديد
٩١١ نعم الفتى المرى أنت إذا هم حضروا لدى الحجرات نار الموقد
٩١٥ تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
٩٩٩ إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
١٠٦٦ فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك يا عمر الجوادا
يابن أمي ويا شقيق نفسي أنت خلفتني لدهر شديد
١١١٤ يا لقومي ويا لأمثال قومي لا ناس عتوهم في ازدياد
١١٣٧ تمناني ليقتلى لقيط أعام لك بن صعصعة بن سعد
١٢٢٢ وذكرت لبن المحلق شربة والخيل تعدوني الصعيد بزاد
١٢٣٧ أن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعر أحدا
١٢٨٧ متى تؤخذوا قسرا بظنة عامر ولا ينج إلا في الصفاد يزيد
١٢٩٦ سرينا إليهم في جموع كأنها جبال شرورى لو تعان فتنهدا
١٣٠٣ لو يسمعون كما سمعت حديثها خروا لعزة ركعا وسجودا
١٣٣٨ كم دون مية موماة يهال لها إذا تيممها الخريت ذو الجلد
[ ٣ / ١٦٦٣ ]
١٣٤٤ عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا كذا وكذا لطفا به نُسي الجهد
١٣٩٢ أبصارهن إلى الشبان مائلة وقد أراهن عني غير صداد
١٤٤٥ أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
١٤٤٨ فكيف لنا بالشرب إن لم يكن لنا دراهم عند الحانوي ولا نقد
١٦٠٩ إن الخليط أجدو البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
"حرف الراء":
٢٨٠ أحار بن عمرو كأنى خمرن ويعدو على المرء ما يأتمرن
٣٥٩ وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ألا يجاورنا إلاك ديار
٣٦٠ أعوذ برب العرش من فئة بغت علي فمالي عوض إلاه ناصر
٣٦٧ بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
٣٧٣ تغربت عنها كارها فتركتها كان فواقيها أمرّ من الصبر
٤٠٣ أنا اقتسمنا خطئينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
٤١٣ ياما أمليح غزلانا شدن لنا من هؤليائكن الضال والسمر
٤١٧ أليس أميري في الأمور بأنتما بما لستما أهل الخيانة والغدر
٤٢٧ فما آباؤنا بأمن منه علينا اللاء قد مهدوا الحجورا
٤٥٣ ما الله موليك فضل فاحمدنه به فما لدى غيره نفع ولا ضرر
٤٥٤ ما المستفز الهوى محمود عواقبه ولو أتيح له صفو بلا كدر
٤٦٥ ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
٤٦٦ رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صدت وطبت يا قيس عن عمرو
[ ٣ / ١٦٦٤ ]
٤٩٣ ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ولا زال منهلا بحرعائك القطر
٤٩٨ ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير
٥١٦ فأبت إلى فهم وما كدت آئبا وكم مثلها فارقت وهي تصفر
٥٤٩ فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
٥٥٠ ألا طعان ألا فرسان عادية إلا نجشؤكم حول التنانير
٧١٣ رهط ابن كرز محقبي أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حذار
٧١٦ أنا ابن دارة معروفا بهما نسبي وهل بدارة يا للناس من عار؟
٧٣٦ أنفسا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا
٧٤١ ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهارا
٧٤٦ فأجمل وأحسن في أسيرك إنه ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
٧٦٥ هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
٧٦٧ ما زال مذ عقدت يداه إزاره فيما فأدرك خمسة الأشبار
٧٨٠ ما لمحب جلد أن يهجرا ولا حبيب رأفة فيجبرا
٧٩٠ إلى الحوال ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
٨٠١ دعوت لما نابني سورا فلبى فلبى يدي مسور
٨١١ كلا الضيفن المشنوء والضيف نائل لدى المنى والأمن في اليسر والعسر
٨١٤ وتذكر نعماه لدن أنت يافع إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر
٧١٩ أكل امرئ تحسبين امرأ ونارا توقد بالليل نارا
٨٢٦ هما خطتا إما أسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر
[ ٣ / ١٦٦٥ ]
٨٣١ وفاق كعب يجبر منقذ لك من تعجيل تهلكة والخلد في سقرا
٨٣٢ بأي تراهم الأرضين حلوا أألدبران أم عسفوا الكفارا
٨٥٥ ضروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر
٨٥٦ فتاتان أما منهما فشبيهة هلالا وأخرى منهما تشبه البدرا
٨٥٧ حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار
٨٧٧ من صديق أو أخي ثقة أو عدو شاحط دارا
٨٧٨ حسن الوجه طلقه أنت في السلـ ـم وفي الحرب كالح مكفهر
٨٨٢ فعجتها قبل الأخيار منزلة والطيبي كل ما التاثت به الأزر
٨٨٢ أسيلات أبدان دقاق خصورها وثيرات ما التفت عليه المآزر
٨٨٣ أزور امرأ جما نوال أعده لمن أمه مستكفيا أزمة الدهر
٨٩١ فذلك إن يلق المنية يلقها حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
٩٠٧ بئس قوم الله قوم طرقوا فقروا جارهم لحما وحر
٩٢٤ إن ابن عبد الله نعـ ـم أخو الندى وابن العشيرة
٩٣٥ ولفوك أصيب لو بذلت لنا من ماء موهبة على خمر
٩٣٧ ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
٩٦٦ لكم مسجدا الله المزوران والحصى لكم قبصه من بين أثري وأقترا
٩٧٠ كم قد ذكرتك لو أجرى بذكركم يا أشبه الناس كل الناس بالقمر
٩٨١ وقلن على الفردوس أول مشرب أجل جيران إن كانت أبيحت دعاثره
١٠٠٦ سواء عليك النفر أم بت ليلة بأهل القباب من عمير بن عامر
[ ٣ / ١٦٦٦ ]
١٠١٠ جاء الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر
١٠١٤ يا ليتنا أمنا شالت نعامتها إيما إلى جنة إيما إلى نار
١٠١٦ وقد كذبتك نفسك فأكذبنها فإن جزعا وإن إجمال صبر
١٠٣١ أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر
١٠٦٧ فيا الغلامان اللذان فرا إيا كما أن تعقبانا شرا
١٠٧٠ كحلفة من أبي رياح يسمعها لا هم الكبار
١٠٨١ يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوأة عمر
١١٠٣ وقد رابني قولها يا هناه ويحك ألحقت شرا بشر
١١٢٠ حملت أمرا عظيما فاصطبرت له وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
١١٢٨ جاري لا تستنكري عذيري سيرى واشفافي على بعيري
١١٣٦ خذو حظكم يا آل عكرم واذكروا أواصرنا والرحم بالغيب تذكر
١١٤٦ لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
١١٨٧ خلافا لقولي من فيالة رأيه كما قيل قبل اليوم خالف تذكرا
١٢٢٠ ومر دهر على وبار فهلكت جهرة وبار
١٢٢٦ وأتها أحيمر كأخي السهم بعضب فقال كوني عقيرا
١٢٣٣ وطرفك إما جئتنا فاحبسنه كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
١٢٣٩ لا تتركني فهيم شطيرا إني إذن أهلك أو أطيرا
١٢٧٣ لولا فوارس من ذهب وأسرتهم يوم الصليفاء لم يوفون بالجار
١٢٧٤ في أي يوم من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر
[ ٣ / ١٦٦٧ ]
١٢٩٦ فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أي زير
١٢٩٦ بيوم الشعثمين لقر عينا وكيف لقاء من تحت القبور؟
١٣٦٥ وأنت لو باكرت مشمولة صفرا كلون الفرس الأشقر
١٤٦٧ لست بليلى ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر
١٥٥٨ أألحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن قلبك طائر
١٥٧٢ حي عظامي وأراه ثاثري وكحل العينين بالعواور
١٥٧٢ حفت بأطوار جبال وسمر فيها عيائيل أسود ونمر
١٥٨٩ وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى مبلغ السائق مئزري
١٦٢٧ إذا الكرام ابتدروا الباغ بدر تقضي البازي إذ البازي كسر
"حرف الزاي":
١٠٤ يأيها الجاهل ذوي التنزي لا توعدني حية بالنكز
١٢٩٦ فلو نبش المقابر عن كليب فيخبر بالذنائب أي زير
١٢٩٦ بيوم الشعثمين لقر عينا وكيف لقاء من تحت القبور؟
١٣٦٥ وأنت لو باكرت مشمولة صفرا كلون الفرس الأشقر
١٤٦٧ لست بليلى ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر
١٥٥٨ أألحق إن دار الرباب تباعدت أو انبت حبل أن قلبك طائر
١٥٧٢ حي عظامي وأراه ثاثري وكحل العينين بالعواور
١٥٧٢ حفت بأطوار جبال وسمر فيها عيائيل أسود ونمر
١٥٨٩ وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى مبلغ السائق مئزري
١٦٢٧ إذا الكرام ابتدروا الباغ بدر تقضي البازي إذ البازي كسر
"حرف الزاي":
١٠٤ يأيها الجاهل ذوي التنزي لا توعدني حية بالنكز
"حرف السين":
٣٧٨ عندي قومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي
٦٣٢، ٩٧٩ فأين إلى أين النجاة ببغلتي أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
٧٥٢ عينت ليلة فما زلت حتى نصفها راجيا فعدت يئوسا
٨٣٢ معاود جرأة وقت الهوادي أشم كأنه رجل عبوس
٩٢٤ إذا أرسلوني عند تقدير حاجة أمارس فيها كنت نعم الممارس
١٠٥٥ هذي برزت لنا فهجت رسيسا ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
٣٧٨ عندي قومي كعديد الطيس
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
٦٣٢، ٩٧٩ فأين إلى أين النجاة ببغلتي
أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
٧٥٢ عينت ليلة فما زلت حتى
نصفها راجيا فعدت يئوسا
٨٣٢ معاود جرأة وقت الهوادي
أشم كأنه رجل عبوس
٩٢٤ إذا أرسلوني عند تقدير حاجة
أمارس فيها كنت نعم الممارس
١٠٥٥ هذي برزت لنا فهجت رسيسا
ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
[ ٣ / ١٦٦٨ ]
١٢١٩ لقد رأيت عجبا مذ أمسا عجائزا مثل السعالي خمسا
"حرف الشين":
١٠٩٢ يا أبت لا زلت فينا فإنما لنا أمل في العيش ما دمت عائشا
١٦٢٦ إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش
"حرف الصاد":
١١٣٦ يا عبد هل تذكرني ساعة في موكب أو رائدا للقنيص
"حرف الضاد":
٦٨٧ داينت أروى والديون تقضي فمطلت بعضا وأدت بعضا
"حرف الطاء":
٧٧٥ فحورت قد لهوت بهن عين نواعم في المروط وفي الرباط
٩٥٦ حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
"حرف الظاء":
١٥٤١ ألا من مبلغ حسان عني مغلغلة تدب على عكاظ
"حرف العين":
٣٥١ هجوت زيان ثم جئت معتذرا من هجو زيان لم تهجو ولم تدع
٣٧١ إن وجدت الصديق حقا لإيا ك فمرني فلن أكون مطيعا
٣٧٣ فلا تطمع أبيت اللعن فيها ومنعكها بشيء يستطاع
٤١٤ وإذا الأمور تشابهت وتعاظمت فهناك تعترفون أين المفزع
٤٤٣ فيا رب أنت الله في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع
[ ٣ / ١٦٦٩ ]
٤٤٧ من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشه ذات سعه
٥١٩ سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما وقد كربت أعناقها أن تقطعا
٥٦٠ فغيرت بعدهم بعيش ناصب وإخال أني لاحق مستتبع
٦٢٣، ٧٨١ إذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ أشارت كليب بالأكف الأصابع
٦٣٠ لقد علمت أولى المغيرة أنني لقيت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
٧٣٨ إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يراد الفتى كيما يضر وينفع
٧٦٣ على عن يميني مرت الطير سنحا وكيف سنوح واليمين تطيع
٧٦٨ وما زلت محمولا على ضغينة ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
٧٧٩ ألا يا قوم كل ماحم واقع وللطير مجرى والجنون مصارع
٨٠٣ أما ترى حيث صهيل طالعا نجما يضيء كالشهاب لامعا
٨٠٧ على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت: ألما أصح والشيب وازع
٨٤٣ قد جربوه فما زالت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنعا
٩٤٩ أبيت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع
٩٦٤ وقد كنت في الحرب ذا تدرأ فلم أعط شيئا ولم أمنع
٩٧٤ يا ليتني كنت صبيا مرضعا تحملني الذلفاء حولا أكتعا
٩٩١ أنا ابن التارك البكري بشر عليه الطير ترقبه وقوعا
١٠٤٥ ذريني إن أمرك لن يطاعا وما ألفيتني حلمي مضاعا
١٠٨٤ أطوف ما أطوف ثم آوي إلى أما ويرويني النقيع
[ ٣ / ١٦٧٠ ]
١٠٨٩ يابنة عما لا تلومي واهجعي لا يخرق اللوم حجاب مسمعي
١١٠٩ أطوي ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع
١٢٢٦ إني مقسم ما ملكت فجاعل جرما لآخرتي ودنيا تنفع
١٢٢٧ وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
١١٣٣ قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا
١١٧٩ نبتم نبات الخيرزاني في الونى متى يأتك الخير ينفعا
١١٨٢ لا تتبعن لوعة إثري ولا هلعا ولا تقاسن بعدي الهم والجزعا
١٢٣٢ أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع
١٦١٦ ومعرض تغلي المراجل تحته عجلت طبخته لقوم جيع
١٦٢٢ لما رأى أن لا دعه ولا شبع مال إلى أرطأ حقف فألطجع
"حرف الفاء":
٢٩١ يا ليت شعري عنكم حنيفا أشاهرن بعدنا السيوفا
٨٢٢ ومن قبل نادى كل مولى قرابة فما عطفت مولى عليه العواطف
٨٢٧ تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها كما تضمن ماء المزنة الرصف
٩٣٦ نحن بغرس الودى أعلمنا منا بركض الجياد في السدف
٩٥٤ كأن حفيف النبل من فوق عجسها عوازب نحل أخطأ الغار مطنف
١١٧٩ من نثقفن منهم فليس بآيب أبدا وقتل بني قتيبة شافي
١٢٠٢ عليه من اللؤم سروالة فليس يرق لمستعطف
١٢٥٤ وما قام منا قائم من ندينا فينطق إلا بالتي هي أعرف
[ ٣ / ١٦٧١ ]
"حرف القاف":
٢٨٠ وقائم الأعماق خاوي المخترقن مشتبه الأعلام لماع الخفقن
٣٤٣ أأن شممت من نجد بريقا تألقا تبيت بليل أم أرمد اعتاد أو لقا
٣٥٢ إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق
٤٧٦ وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق
٥١٠ تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر مما قضى الله واقيا
٥١٨ يوشك من فر من منيته في بعض غراته يوافقها
٥٣٤ وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
٥٣٩ فلو أنك يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق
٩١٥ والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا وأمهم زلاء منطيق
١٠٥٩ أدارا بجزوى هجت للعين عبرة فماء الهوى يرفض أو يترقرق
١١٣٤ أحار من يدر قد وليت ولاية فكن جردا فيها تخون وتسرق
١١٣٤ يا أرط إنك فاعل ما قلته والمرء يستحي إذا لم يصدق
١١٦٧ تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكت كأنها لم تخلق
١٤٣٣ حمى لا يحل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام عقد المياثق
١٤٥٨ تزوجتها رامية هرمزية بفضل الذي أعطى الأمير من الرزق
١٦١٩ وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها نسيفا كأفحوص القطاة المطرق
"حرف الكاف":
٥٥٧ فقلت أجرني أبا خالد وإلا فهيني أمرا هالكا
[ ٣ / ١٦٧٢ ]
١٠٩٢ تقول بنتي قد أنى أناكا يا أبت علك أو عساكا
١٤٢٤ صبية على الدخان رمكا ما إن عدا أصغرهم أن زكا
١٦٢٦ يابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتتا إليكا
"حرف اللام":
٢٨٤، ٤٤٥ ما أنت بالحكم الترضى حكومته ولا الأصل ولا ذي الرأي والجدل
٣٤٣ رأيت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا بأعباء الخلافة كاهله
٣٤٨ فيوما يوافين الهوى غير ماض ويوما ترى منهن غولا تغول
٣٥٣ ما أقدر الله أن يدني على شحط من داره الحزن ممن داره صول
٣٦٨ أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
٣٦٨ بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا
٣٦٩ فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
٣٨٠ كمنية جابر إذا قال ليتي أصادفه وأتلف جل مالي
٣٨٧ ألا إنني سقيت أسود حالكا ألا بجلى من الشراب ألا بجل
٣٨٨ وليس الموافيني ليرفد خائبا فإن له أضعاف ما كان أملا
٤٢٠ أبني كليب إن عمى اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
٤٢٣ وتبلى الألى يستلئمون على الألى تراهن يوم الروع كالحدأ القبل
٤٢٤ أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها
٤٣١ ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال
٤٤٩ إذا ما لقيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل
[ ٣ / ١٦٧٣ ]
٤٦١ عجل لنا هذا وألحقنا بذا الـ ـشحم إنا قد مللناه بجل
٤٦٢ يا خليلي اربعا واستخبرا الـ ـمنزل الدارس عن حي حلال
٤٦٢ مثل سحق البرد عفى بعدك القطر مغناه وتأويب الشمال
٤٨٣ فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول؟
٤٨٣ خالي لأنت ومن جرير خاله نيل العلا ويكرم الأخوالا
٤٨٦ يذيب الرعب منه كل عضب فلولا الغمد يمسكه لسالا
٤٩٤ سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم فليس سواء عالم وجهول
٥٠١ أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل
٥٠٢ لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السهل والجبل
٥٠٩ وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أشجع القوم أعجل
٥١٣ إن المرء ميتا بانقضاء حياته ولكن بأن يُبغى عليه فيخذلا
٥٣٩ في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يخفى وينتعل
٥٤٠ علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
٥٥١ ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد إذ لاقى الذي لاقاه أمثالي
٥٦٥ أراهم رفقتي حتى إذا ما تجافى الليل انخزل انخزالا
٦٢٩ عهدت مغيثا مغنيا من أجرته فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
٦٣٢ ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
٦٣٩ جفوني ولم أجف الأخلاء إنني لغير جميل من خليلي مهمل
٦٦٣ لا يحسبنك أثوابي فقد جمعت هذا ردائي مطويا وسربالا
[ ٣ / ١٦٧٤ ]
٦٨٩ رأيت ما حاشا قريشا فإنا نحن أفضلهم فعالا
٦٩٢ كائن دعيت إلى بأساء داهمة فما انبعثت بمزءود ولا وكل
٦٩٩ فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال
٧٠٣ يا صاح هل حم عيش باقيا فترى لنفسك العذر في إبعادها الأملا
٧١٥ خرجت بها أمشي تجر وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحل
٧٢٢ كن للخيل نصيرا جاد أو عدلا ولا تشح عليه جاد أو بخلا
٧٢٣ فجئت وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسة المتفضل
٧٢٦ أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل
٧٤٥ وإذا الحرب شمرت لم تكن كي حين تدعو الكماة فيها نزال
٧٤٧ لئن كان من لأبرح طارقا وإن يك إنسا ما كها الإنس تفعل
٧٤٧ ولا ترى بعلا ولا حلائلا كه ولا كهن إلا حاظلا
٧٦٣ فقلت للركب لما أن علا بهم من عين يمين الحبيا نظرة قبل
٧٦٤ دع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل
٧٦٥ غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تصل وعن فيض بزيزاء مجهل
٧٨٧ إن وجدي بك الشديد أراني عاذر فيك من عهدت عذولا
٧٩٣ الود أنت المستحقة صفوه مني وإن لم أرج منك نوالا
٨٠٤ إذا ربدة من حيث ما نفحت له أتاه برياها خليل يواصله
٨٠٨ ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل
٨١٠ إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل
[ ٣ / ١٦٧٥ ]
٨٢٤ فرشني بخير لا أكونن ومدحتي كناحت يوما صخرة بعسيل
٨٢٨ كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل
٨٢٩ أنجب أيام والداه به إذ نجلاه فنعم ما نجلا
٨٤٠ ضعيف التكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل
٨٥٠ أنا ورجالك قتل امرئ من العز في حبك اعتاض ذلا
٨٥٤ أخا الحرب لباسا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا
٩٠٠ أقيم بدار الحزم ما دام حزمها وأحر إذا حالت بأن أتحولا
٩٠٤ فنعم ابن أخت القوم غير مكذب زهير حساما مفردا من حمائل
٩٣٢ فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وحب بها مقتولة حين تقتل
٩٧٩ فتلك ولاة السوء قد طال ملكهم وحتام حتام العناء المطول
١٠٢٤ قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كعناج الفلا تعسفن رملا
١٠٣٣ فهل لك أو من والد لك قبلنا يوشج أولاد العشار ويفصل
١٠٣٩ كأني غداة البين يوم تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل
١٠٤٦ بكم قريش كفينا كل معضلة وأم نهج الهدى من كان ضليلا
١٠٧٦ أيهذان كلا زادكما ودعاني واغلا فيمن وغل
١٠٨٦ ذريني إنما خطئي وصوبي علي وإنما أهلكت مال
١١٠٨ تضل منه إبلي في بالهوجل من لجة أمك فلافا عن فل
١١١٦ فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل
١١٢٧ أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
[ ٣ / ١٦٧٦ ]
١١٣٨ كلما نادى مناد منهم يا لتيم الله قلنا يا لمال
١١٧٨ فلا الجارة الدنيا لها تلحينها ولا الضيف فيها إن أناخ محمول
١٢٥٠ ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
١٣٦٤ والمرء يبليه بلاء السربال تعاقب الإهلال بعد الإهلال
١٣٦٥ لها كبد ملساء ذات أسرة وكشحان لم ينقص طواءهما الحبل
١٣٨٣ طوى الجديان ما قد كنت أنشره وأنكرتني ذوات الأعين النجل
١٣٨٦ أغر الثنايا أحم اللثاث يحسنها سلوك الإسحل
١٤١٤ عليها أسود ضاريات لبوسهم سوابيغ بيض لا يخرقها النبل
١٤١٩ وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهبة تصفر منها الأنامل
١٤٦٧ ولس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال
١٥٦٨ صعدة نابتة في جائز أينما الريح تميل تمل
١٦٣٢ لو شئت قد تقع الفؤاد بشرية تدع الصوادي لا يجدي غليلا
١٦٤٣ الحمد لله العلي الأجلل الواسع الفضل الوهوب المجزل
"حرف الميم":
٢٨٢ سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
٣١٧ بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبَه فما ظلم
٣٢٢ كالحوت لا يلهيه في شيء يلهمه يصبح ظمآن وفي البحر فمه
٣٥٤ فعوضني عنها غناي ولم تكن تساوى عنزي غير خمس دراهم
٣٩٨ وبايعت أقواما وفيت بعهدهم وببه قد بايعته غير نادم
[ ٣ / ١٦٧٧ ]
٤٢١ هما اللتا لو ولدت تميم لقيل فخر لهم صميم
٤٥٥ في المعقب البغي أهل البغي ما ينهي أمرا حازما أن يسأما
٤٩٤ لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
٥٠٤ فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
٥١٥ أكثرت في العذل ملحا دائما لا تكثرن إني عسيت صائما
٥٢٥ أتقول إنك بالحياة ممتع وقد استبحت دم امرئ مستسلم
٥٣٧ وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا إذا أنه عبد القفا واللهازم
٥٤٢ ويوما توافينا بوجهه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
٥٥٦ فلا تعدد المولى شريكك في الغني ولكنما المولى شريكك في العدم
٥٦٢ ولقد علمت لتأتيني منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها
٥٦٧ ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
٦٠٥ يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
٧٠٢ لا يركن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفا لحمام
٧٣٢ تخيره فلم يعدل سواه فنعم المرء من رجل تهام
٧٧٢ لعمرك أنني وأبا حميد كما النشوان والرجل الحليم
٧٧٤ وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارم
٧٩٤ إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
٧٩٤ وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
٧٩٥ مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
[ ٣ / ١٦٧٨ ]
٧٩٥ جادت عليه كل عين ثرة فتركن كل حديقة كالدرهم
٨٠٧ لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم
٨١٧ فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالمال الحميم
٨٢٩ هما أخوا في الحرب من لا أخاله إذا خاف يوما نبوءة فدعاهما
٨٣٠ نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي ولا ترعوى من نقص أهواؤنا العزم
٨٥٥ شم مهاوين أبدان الجزور مخا ميص العشيات لا خور ولا قزم
٨٧٤ ما الراحم القلب ظلاما وإن ظلما ولا الكريم بمناع وإن حرما
٨٨٩، ٩٠٠ وقال نبي المسلمين تقدموا وأحبب إلينا أن تكون المقدما
٨٨٩ جزى الله عنا والجزاء بفضله ربيعة خيرا ما أعف وأكرما
٩٠٦ نياف القرط غراء الثنايا وريد للنساء ونعم نيم
٩١٠ لعمري وما عمري على بهين لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم
٩١٧ تخيره فلم يعدل سواه فنعم المرء من رجل تهامي
٩٤٠ إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كراما وأنتم ما أقام ألائم
٩٦٠ قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الشجعما
٩٦٥ لو قلت ما في قومها تيثم يفضلها حسب وميسم
٩٨٠ فرت يهود وأسلمت جيرانها صمى لما فعلت يهود صمام
٩٨٣ إن إن الكريم يحلم ما لم يرين من أجاره أضيما
٩٨٤ لي شعري هل ثم هل آتينهم أم يحولن دون ذاك الحمام
٩٨٦ لا ينسك الأسى تأسيا فما ما من حمام أحد مستعصما
[ ٣ / ١٦٧٩ ]
١٠١٧ سقته الرواعد من صيف وإن من خريف فلن يعدما
١٠٤٤ أوعدني بالسجن والأداهم رجلي فرجلي سثنة المناسم
١٠٤٩ أقول له ارحل لا تقيمن عندنا وإلا فكن في السر والجهر مسلما
١٠٥٥ إذا هملت عيني لها قال صاحبي بمثلك هذا لوعة وغرام
١٠٦٩ إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما
١٠٩٠ كن لي لا على يابن عما نعيش عزيزين ونكف الهما
١١٤٧ ألا أضحت حبالكم رماما وأضحت منك شاسعة أمام
١١٤٨ وما عهدي كعهدك يا أماما
١١٦٢ ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قبل الفوارس ويك عنترة أقدم
١١٧٤ قليلا به ما يحمدنك وارث إذا نال مما كنت تجمع مغنما
١١٧٦ يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما
١٢٣٠ كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم
١٢٤٨ ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوءك علقما
١٢٧١ احفظ وديعتك التي استودعتها يوم الأعازب إن وصلت وإن لم
١٢٧٩ وإن أتاه خليل يوم سغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
١٢٨٦ فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرفك الحسام
١٣٢٨ فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغاربة الأسحم
١٣٧٩ لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
١٥٥٤ وهل لي أم غيرها إذ ذكرتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنما
[ ٣ / ١٦٨٠ ]
١٦٠٤ يا هال ذات المنطق التمتام وكفك المخضب البنام
١٦١٢ حتى تذكرت بيضاء وهيجه يوم الرذاذ عليه الدجن مغيوم
١٦٢١ هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم
١٦٢٩ العاطفونه حين ما من عاطف نعم الذرا في النائبات لناهم
١٦٣٤ فإنه أهل لأن يؤكرما
"حرف النون":
٢٨١ قال بنات العم يا سلمى وإنن كان فقيرا معدما قالت وإنن
٣٣٧ عرفنا جعفرا وبني أبيه وأنكرنا زعانف آخرين
٣٣٧ وماذا يدري الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين
٣٣٨ أعرف منها الجيد والعينانا ومنخرين أشبها طبيانا
٣٧٠ بك أو بي استعان فليل أما أنا وأنت ما ابتغى المستعين
٣٧٤ لا ترج أو تخش غير الله إن أذى واقيكه الله لا ينفك مأمونا
٣٧٩ تراه كالثغام يعل مسكا يسوء الفاليات إذا فليني
٣٨٣ أيها السائل عنهم وعني لست من قيس ولا قيس مني
٤٣٠ ألا رب من تغتشه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين
٤٣١ فكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمدا إيانا
٤٣٢ ونعم مزكا من ضاقت مذاهبه ونعم من هو في سر وإعلان
٤٣٧ فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
٤٣٩ دعي ماذا علمت سأتقيه ولكن بالمغيب نبئيني
[ ٣ / ١٦٨١ ]
٤٤٠ نحن الألى فاجمع جمو عك ثم وجههم إينا
٤٥٩ ومن حسد يجور على قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني
٤٧١ غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن
٤٨٩ خير اقترابي من المولى حليف رضا وشر بعدي عنه وهو غضبان
٤٩٢ صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ت فنسيانه ضلال مبين
٥١٢ إن هو مستوليا على أحد إلا على أضعف المجانين
٥٣٧ أنا ابن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن
٥٤١ ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان
٥٦٩ أجهالا تقول بني لؤي لعمري أبيك أم متجاهلنا
٧٥٤ وليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنو الإغارة فرسانا وركبانا
٧٦٠ لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتحزوني
٧٦٩ قفا نبك من ذكري حبيب وعرفان ورسم عفت آياته منذ أزمان
٧٨٨ إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
٧٩١ أبا لموت الذي لا بد أني ملاق لا أباك تخوفيني
٨٠٢ لقلت لبيه لمن يدعوني
٨٢٥ لأنت معتاد في الهيجا مصايرة يصلي بهما كل من عاداك نيرانا
٩٠٦ فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم وصاحب الركب عثمان بن عفانا
٩١٤ ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
[ ٣ / ١٦٨٢ ]
٩٤٨ ولقد أمر على اللئيم يسبني فأعف ثم أقول لا يعنيني
٩٨٤ حتى تراها وكأن كأن أعناقها مشددات بقرن
١٠١٥ فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
١٠١٥ وإلا فاطرحني واتخذني عدوا أتقيك وتتقيني
١٠٥٠ إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان؟
١٠٨٥ ولست براجع ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو أني
١١١٧ لا للرجال ذوي الألباب من نفر لا يبرح السفه المردي لهم دينا
١١١٧ يا لا أناس أبوا إلا مثابرة على التوغل في بغي وعدوان
١١١٨ يا يزيدا الأمل نيل عز وغنى بعد فاقة وهون
١١٦٤ يقلن وقد تلاحقت المطايا كذاك القول إن عليم عينا
١١٦٥ رويد بني شيبان بعد وعيدكم تلاقوا غدا خيلي على تفوان
١١٧١ وأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
١٢١٣ أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
١٢٨٣ من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
١٤٠٧ أهلا بأهل وبيتا مثل بيتكم وبالأناسين إبدال الأناسين
١٤٣٢ واردد لأصل ثانيا أبدل من ذي اللين عينا فهو بالرد قمن
١٦٣٥ وصاليا ككما يؤثقين
١٦٥١ قصدنا له قصد الحبيب لقاره إلينا وقلنا للسيوف هلمنا
[ ٣ / ١٦٨٣ ]
"حرف الهاء":
٣١٨ إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
٣٥٦ باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبواب على قصورها
٣٩٧ لأنكحن ببه جارية خدبة مكرمة محبة تحب أهل الكعبة
٥٩٠ فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها
٥٩١ فإنما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها
٦٢٠ ويوما شهدناه سليما وعامرا قليلا سوى الطعن النهال نوافله
٦٣٤ قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنى غريمها
٦٣٦ بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه
٦٦٧، ١٠٣٠ علفتها تبنا وماء باردا حتى شتتت همالة عيناها
٦٧٢ ما لك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله
٦٨٢ لذ بقيس حين يأبى غيره تلفه بحرا مضيضا خيره
٧١٠ باتت لتحزننا عفاره يا جارتا ما أنت جاره
٧٢٢ متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
٧٣٥ ونارنا لم ير نارا مثلها قد علمت ذاك معد كلها
٧٤٣ واه رأيت وشيكا صدع أعظمه وربه عطبا أنقذت من عطبه
٧٥٩ إذا رضيت على بنو قشر لعمر الله أعجبني رضاها
٧٧٤ بل بلد ملء الفجاج قتمه لا يشترى كتانه وجهرمه
٧٧٦ رسم دار وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جلله
[ ٣ / ١٦٨٤ ]
٧٨٩ فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه سيرضيكما منها سنام وغاربه
٨٥١ فما طعم راح في الزجاج مدامة ترقرق في الأيدي كميت عصيرها
٩٠٥ فنعم أخو الهيجا ونعم شهابها
٩١٨ وقائله نعم الفتى أنت من فتى إذا المرضع العوجاء جال بريمها
٩٨٠ لك الله على ذاك والله الله لك الله
١٠٠٢ ألى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها
١٠١٦ تهاض بدار قد تقادم عهدها وإما بأموا ألم خيالها
١٠٢٩ دعائي إليها القلب إني لآمره سميع فما أدري أرشد طلابها
١١٢١ تبكيهم أسماء معيولة وتقول سلمى وارزيتيه
١١٧٤ إذا مات منهم سيد سرق ابنه ومن عضة ما ينبتن شكيرها
١١٨٥ لا تهين الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه
١٢٣١ فأرقدت ناري كي ليبصر ضوؤها وأخرجت كلبي وهي في البيت داخله
١٢٦٩ قلت لبواب لديه دارها تيذن فإني حموها وجارها
١٤٨١ من يأتمر للخير فيما قصده تحمد مساعيه ويعلم رشده
١٥٦٤ لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها
١٦١٧ ألا طرقتنا مية بنة منذر فما أرق النوم إلا كلامها
كأنها تفاحة مطيوبه
[ ٣ / ١٦٨٥ ]
"حرف الواو":
٣٢٥ كلاهما حين جد الجرى بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
٣٩٤ على أطرقا باليات الخيام إلا الثمام وإلا العصى
٥٢٨ أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبى
٥٤٤ لا هيثم الليلة للمطى ولا فتى مثل ابن خيبرى
٦١٣، ٧٧٥ وليل كموج البحر أرخى سدوله عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
٧٦٢ ورحنا بكا ابن الماء يجنب وسطنا تصوب فيه العين طورا ويرتقي
٧٨٨ علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماض الشفرتين يماني
٧٩٦ رؤية الفكر ما يئول به الأمر معين على اجتناب التواني
٨٦٨ وهي تنزى دلوها تنزيا كما تنزى شهلة صبيا
٩٤٥ ولست مقرا للرجال ظلامة أبى ذا عمى الأكرمان وخاليا
١٠٦١ أيا راكبا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران ألا تلاقيا
١٢٢٥ قد عجبت مني ومن يعيليا لما رأتني خلفا مقلوليا
١٥٧٤ فما زالت أقدمنا في مقامنا ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
١٦١٤ وقد علمت عرسي ملكيه أنني أنا الليث معديا عليه وعاديا
١٦٤٤ وكأنها بين النساء سبيكة تمشي بسد بيتها فتعي
"حرف الياء":
١١١٢ فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى
١١٤٧ إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
[ ٣ / ١٦٨٦ ]
مراجع الكتاب:
أولا: مراجع المخطوطات:
الرقم اسم المرجع اسم المؤلف
١ ارتشاف الضرب من لسان العرب مودع تحت رقم ٢٨ بدار الكتب المصرية/ أبو حيان
٢ بلوغ الأرب بشرح شذور الذهب لابن هشام مودع بدار الكتب المصرية تحت رقم ٨٨٩/ أبو يحيى زكريا الأنصاري
٣ تعليق الوفائد على تسهيل الفوائد مودع بمكتبة الأزهر برقم ١٠٥٧/ بدر الدين الدماميني
٤ تحفة الغريب في الكلام على مغني اللبيب مودع بمكتبة الأزهر برقم ٩٧١/ بدر الدين الدماميني
٥ حاشية على التصريح بمضون التوضيح مودع بمكتبة الأزهر برقم ٨٥١/ عبد الله الدنوشري
٦ شرح ألفية ابن مالك مودع بالمكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية برقم ٢٠٥/ أحمد الاصطهناوي
٧ شرح ألفية بن مالك مودع بمكتبة الأزهر برقم ٢٧٧٩/ داود بن داود أبو يحيى
[ ٣ / ١٦٨٧ ]
٨ شرح ألفية ابن مالك مودع بمكتبة الأزهر برقم ١٤٧٨ ودار الكتب/ أبو إسحق الشاطبي
رقم ٤ ش/ شمس الدين الهواري
٩ شرح ألفية ابن مالك مودع بدار الكتب المصرية رقم ١١١١/ المختار بن بون
١٠ شرح ألفية بن مالك مودع بدار الكتب المصرية رقم ٣٣ ش
١١ شرح وتسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك مودع بدار الكتب المصرية برقم ١٣٦٢٠٦٥٣٠٦٣/ ابن أم قاسم
١٢ شرح الكافية الشافية مودع بمكتبة الأزهر رقم ٧٦٨-٥٥٩١/ ابن مالك
١٣ فتح الرب المالك بشرح ألفية ابن مالك مودع بمكتبة الأزهر برقم ٢٣٢٢/ محمد بن قاسم الغزي
١٤ فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك مودع بمكتبة الأزهر برقم ٩١/ محمد الشربيني المعروف بالخطيب
[ ٣ / ١٦٨٨ ]
١٥ الكواكب السنية مودع بدار الكتب المصرية برقم ٨٨٥/ عبد الله بن حسين الأدكاوي
١٦ المنح الوفية بشرح الخلاصة الألفية مودع بمكتبة الأزهر برقم ٨٢٧/ أحمد السندوبي
ثانيا: مراجع المطبوعات:
١٧ أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، تعليق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد/ ابن هشام
١٨ الأشباه والنظائر/ جلال الدين السيوطي
١٩ الإنصاف/ ابن الأنباري
٢٠ الأعلام/ خير الدين الزركلي
٢١ بغية الوعاة "طبقات اللغويين والنحاة"/ جلال الدين السيوطي
٢٢ البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع/ محمد الشوكاني
٢٣ البهجة المرضية في شرح الألفية/ جلال الدين السيوطي
٢٤ تراجم رجال القرنين السادس والسابع المعروف بالذيل على الروضتين/ أبو شامة المقدسي
٢٥ تاريخ آداب اللغة العربية/ جورج زيدان
٢٦ تاريخ مصر المعروف "ببدائع الزهور في وقائع الدهور" طبع بمطبعة بولاق/ ابن إياس
[ ٣ / ١٦٨٩ ]
٢٧ تمرين الطلاب في صناعة الإعراب/ خالد الأزهري
٢٨ تاريخ مصر في عهد المماليك إلى نهاية حكم إسماعيل - تعريب أحمد شكري/ المستر جورج بانج
٢٩ تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد - تحقيق محمد كامل بركات/ ابن مالك
٣٠ التصريح بمضمون التوضيح/ خالد الأزهري
٣١ حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة/ جلال الدين السيوطي
٣٢ حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق/ عبد الرازق البيطار
٣٣ حاشية الصبان على الأشموني/ الصبان
٣٤ حاشية على الأشموني/ أبو عبد الله بن سعيد
٣٥ حاشية على الأشموني/ محمد الأمير
٣٦ حاشية على مغني اللبيب/ محمد بن عرفة الدسوقي
٣٧ حاشية على مغني اللبيب/ محمد بن أبي بكر الدسوقي
٣٨ حاشية على مغني اللبيب/ تقي الدين الشمني
٣٩ حاشية على شرح ابن عقيل/ محمد الخضري
٤٠ حاشية على شرح التصريح بمضمون التوضيح/ يس العليمي
[ ٣ / ١٦٩٠ ]
٤١ حاشية على مجيب الندا للفاكهي/ يس العليمي
٤٢ حاشية على قطر الندى وبل الصدى لابن هشام/ أحمد السجاعي
٤٣ حاشية على شرح الأزهرية للشيخ خالد/ حسن العطار
٤٤ حاشية على شرح الشيخ خالد على متن الآجرومية/ محمد أبو النجا
٤٥ الحماسة/ أبو تمام
٤٦ خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب بهامشه/ عبد القادر البغدادي
٤٧ شرح الشواهد الكبرى للعيني الطبعة الأولى بمطبعة بولاق
٤٨ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر/ المحبي
٤٩ الخصائص/ ابن جني
٥٠ الخطط التوفيقية/ علي مبارك
٥١ الخطط المقريزية/ المقريزي
٥٢ دائرة المعارف الإسلامية/ بروكلمان
٥٣ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - تحقيق محمد سيد جاد الحق/ ابن حجر العسقلاني
٥٤ الدرر اللوامع/ أحمد الشنقيطي
٥٥ روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات/ محمد الخوانساري
[ ٣ / ١٦٩١ ]
٥٦ شرح ألفية ابن مالك المسمى "منهج السالك إلى ألفية ابن مالك"
٥٧ شذور الذهب/ ابن هشام
٥٨ شذور الذهب في أخبار من ذهب/ ابن العماد الحنبلي
٥٩ شرح ألفية ابن مالك/ ابن الناظم بدر الدين
٦٠ شرح ألفية ابن مالك/ ابن عقيل
٦١ شرح ألفية ابن مالك/ عبد الرحمن المكودي
٦٢ شرح ألفية ابن مالك/ ابن هشام
٦٣ شرح المفصل/ موفق الدين ابن يعيش
٦٤ شرح شواهد مغني اللبيب/ جلال الدين السيوطي
٦٥ الصحاح -طبع بمطبعة بولاق/ الجوهري
٦٦ طبقات الحنابلة/ ابن أبي يعلى
٦٧ طبقات الشافعية/ تقي الدين السبكي
٦٨ عصر سلاطين المماليك/ محمود رزق سليم
٦٩ غاية النهاية في طبقات القراء/ شمس الدين بن الجزري
٧٠ فتح الجليل على شرح ابن عقيل - على ألفية ابن مالك/ أحمد السجاعي
٧١ فوات الوفيات/ محمد بن شاكر الكتبي
٧٢ الفوائد البهية في طبقات الحنفية/ الكلينوي
[ ٣ / ١٦٩٢ ]
٧٣ الفواكه الجنية/ أحمد الفاكهي
٧٤ قطر الندى وبل الصدى/ ابن هشام
٧٥ كشف الظنون/ حاجي خليفة
٧٦ الكافية/ ابن الحاجب
٧٧ الكتاب/ سيبويه
٧٨ الكشاف/ الزمخشري
٧٩ الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة - تحقيق جبرائيل جبور - طبع بيروت سنة ١٩٤٥م/ نجم الدين الغزي
٨٠ لسان العرب - طبع بولاق/ ابن منظور
٨١ مغني اللبيب/ ابن هشام
٨٢ معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة
٨٣ معجم البلدان/ ياقوت الحموي
٨٤ معجم الألفاظ والأعلام القرآنية أحمد الفاكهي/ محمد إسماعيل إبراهيم
٨٥ ملحق البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن التاسع/ محمد بن علي الشوكاني
٨٦ منار السالك إلى أوضح المسالك - تعليق الشيخ النجار وغيره/ ابن هشام
٨٧ المقتضب/ المبرِّد
[ ٣ / ١٦٩٣ ]
٨٨ مجمع الأمثال/ أبو الفضل الميداني
٨٩ نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة/ الشيخ محمد الطنطاوي
٩٠ النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة/ أبو المحاسن تغري
٩١ همع الهوامع على شرح الجوامع/ جلال الدين السيوطي
٩٢ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان/ شمس الدين بن خلكان
[ ٣ / ١٦٩٤ ]
المحتويات:
الصفحة الموضوع
٣ المقدمة
٩ القسم الأول "الدراسة": التعريف بالمرادي المعروف بابن أم قاسم
الباب الأول
الفصل الأول
٩ العصر المملوكي
١١ مصر في عهد المماليك
١٢ انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك
١٢ دولتا المماليك
١٣ حضارة مصر في عهد المماليك
١٥ الحركة العلمية "انتقال النشاط إلى مصر والقاهرة"
١٦ عوام نشاط الحركة العلمية
٢٠ نتائج نشاط الحركة العلمية
٢١ المؤلفات
٢٣ مؤلفات عربية
[ ٣ / ١٦٩٥ ]
الفصل الثاني
٢٧ نُبْذَة عن مصر
٢٩ مصر
٣٠ النحو والنحاة في عصر المماليك
٣٢ المعاصرون للمرادي المعروف بابن أم قاسم
الباب الثاني
٤٣ الفصل الأول
٤٥ صاحب الألفية
٤٨ ألفية ابن مالك
الفصل الثاني
٦١ التعريف بالمرادي
٦٣ المرادي المعروف بابن أم قاسم
٧١ الفصل الثالث
٧٣ شيوخ ابن أم قاسم
٨٥ تلاميذ المرادي المعروف بابن أم قاسم
٩٠ مؤلفاته
١١٧ الفصل الرابع
١١٩ الناقلون عن المرادي
[ ٣ / ١٦٩٦ ]
الباب الثالث
١٨١ الفصل الأول
١٨٣ أضواء على الشرح
١٩٦ الاعتراضات الواردة على الناظم
٢٠١ نقله عن شيخه أبي حيان
٢٠٤ نقله عن سيبويه
٢٠٧ مدى اعتماده على ابن الناظم في شرحه للألفية
الفصل الثاني
٢١٣ اعتماد المرادي على السماع
٢١٦ ميوله للبصريين
٢١٨ مخالفته لآراء النحاة
٢٢١ الفصل الثالث
٢٢٣ شواهده
٢٢٩ اعتماده على القرآن الكريم
٢٣٠ شرح اللغويات
٢٣٣ الفصل الرابع
٢٣٥ موقفه من ألفية ابن مالك وألفية ابن معط
٢٣٩ رغبته في توضيح المسائل النحوية
٢٤٢ مسائل: الظاهر من تعبير المرادي وتعبير النحاة أنه انفرد بها
٢٤٧ مذهبه النحوي
[ ٣ / ١٦٩٧ ]
٢٤٩ القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك للمرادي
٢٥١ مقدمة المحقق
٢٥١ وصف المخطوط
٢٥٦ منهج التحقيق
٢٥٩ الجزء الأول
٢٦١ مقدمة الألفية
٢٦٧ الكلام وما يتألف منه
٢٩٦ المعرب والمبني
٣٥٦ النكرة والمعرفة
٣٥٨ الضمير
٣٩٠ العلم
٤٠٥ اسم الإشارة
٤١٦ الموصول
٤٦٠ المعرفة بأداة التعريف
٤٧٠ المبتدأ والخبر
٤٩٢ كان وأخواتها
[ ٣ / ١٦٩٨ ]
٥٠٦ ما، لا، لات، إن، المشبهات بليس
٥١٥ أفعال المقاربة
٥٢٣ إنوأخواتها
٥٤٤ لاالتي لنفي الجنس
٥٥٥ ظن وأخواتها
٥٧١ أعلم وأرى
٥٧٥ محتويات المجلد الأول
٥٨١ الجزء الثاني
٥٨٣ الفاعل
٥٩٨ النائب عن الفاعل
٦١١ اشتغال العامل عن المعمول
٦٢٠ تعدي الفعل ولزومه
٦٢٩ التنازع في العمل
٦٤٤ المفعول المطلق
٦٥٤ المفعول له
٦٥٧ المفعول فيه وهو المسمى ظرفا
٦٦٣ المفعول معه
٦٦٩ الاستثناء
[ ٣ / ١٦٩٩ ]
٦٩٢ الحال
٧٢٦ التمييز
٧٣٨ حروف الجر
٧٨٢ الإضافة
٨٣٤ المضاف إلى ياء المتكلم
٨٣٧ الجزء الثالث
٨٣٩ إعمال المصدر
٨٤٩ إعمال اسم الفاعل
٨٦٢ أبنية المصادر
٨٦٩ أبنية اسما الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات
٨٧٣ الصفة المشبهة اسم الفاعل
٨٨٥ التعجب
٩٠٢ نعم وبئس وما جرى مجراهما
٣٣ أفعل التفضيل
٩٤٥ النعت
٩٦٧ التوكيد
٩٨٨ العطف
[ ٣ / ١٧٠٠ ]
٩٩٣ عطف للنسق
١٠٣٦ البدل
١٠٥١ النداء
١٠٧٢ "فصل" في تابع المنادى
١٠٨٣ المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
١١٠١ الجزء الرابع
١١٠٣ أسماء لازمت النداء
١١١٠ الاستغاثة
١١٢٠ الندبة
١١٢٦ الترخيم
١١٥٠ الاختصاص
١١٥٣ التحذير والإغراء
١١٥٩ أسماء الأفعال والأصوات
١١٧٠ نونا التوكيد
١١٨٩ ما لا ينصرف
١٢٢٨ إعراب الفعل
١٢٦٥ عوامل الجزم
[ ٣ / ١٧٠١ ]
١٣٠٥ فصل "أما، ولولا، ولوما"
١٣١١ الإخبار بالذي والألف واللام
١٣١٨ العدد
١٣٢٧ تمييز المركب
١٣٢٥ كم، وكأين، وكذا
١٣٤٦ الحكاية
١٣٥١ الجزء الخامس
١٣٥٣ التأنيث
١٣٦٢ المقصور والممدود
١٣٦٦ كيفية تثنية المقصور والممدود وجمعهما تصحيحا
١٣٧٧ جمع التكسير
١٤١٩ التصغير
١٤٤٣ النسب
١٤٦٩ الوقف
١٤٩١ الإمالة
١٥٠٨ التصريف
١٥٥٠ فصل في زيادة همزة الوصل
[ ٣ / ١٧٠٢ ]
١٥٥٩ الجزء السادس
١٥٦١ الإبدال
١٥٩٣ فصل "إذا اعتلت لام فَعْلى"
١٥٩٦ فصل "إذا اجتمعت الواو والياء وسكن ما قبلهما"
١٦٠٥ فصل "إذا كانت عين الفعل واوا أو ياء وقبلهما ساكن صحيح"
١٦١٨ فصل "إذا كان فاء الافتعال حرف لين"
١٦٣١ فصل في الإعلال بالحذف
١٦٣٨ فصل في الإدغام
١٦٥٣ محتويات المجلد الثالث
١٦٥٧ فهرست الأبيات والشواهد
١٦٨٧ مراجع الكتاب
١٦٨٧ أولا: مراجع المخطوطات
١٦٨٩ ثانيا: مراجع المطبوعات
[ ٣ / ١٧٠٣ ]