تابع القسم الثاني: تحقيق شرح ألفية ابن مالك:
الجزء الثاني:
الفاعل:
هو الاسم المسند إليه فعل تام مقدم غير مصوغ للمفعول، أو جارٍ مجراه.
"فالاسم": جنس يشمل الصريح والمؤول، و"المسند إليه" فعل مخرج لما لم يسند إليه كالمفعول، والمسند إليه غير الفعل نحو: "زيد أخوك".
"وتام": مخرج للفعل الناقص نحو: "كان" وأخواتها، فلا يسمى مرفوعها فاعلا حقيقة.
وقد سماه سيبويه١ فاعلا والخبر مفعولا على سبيل التوسع، "مقدم" يخرج نحو: "زيد قام".
قيل: "وهذا"٢ حكم مختلف فيه، فلا ينبغي أن يذكر في الحد، "وغير مصوغ للمفعول" يخرج نحو: "ضُرب زيدٌ ويُضرَب" مما هو طريقة فُعِل ويُفعَل، فإن مرفوعهما نائب عن الفاعل وليس بفاعل.
قال المصنف: وقد اضطر الزمخشري إلى تسميته مفعولا بعد أن جعله فاعلا.
"والجاري مجرى الفعل" هو "اسم الفعل"٣ والصفات والمصادر والظروف والمجرورات "بشرطها"٤. وقد أشار إلى تعريف الفاعل بمثالين تضمنهما قوله:
الفاعل الذي كمرفوعَيْ أتى زيد" منيرا وجهُهُ نعم الفتى
فكأنه قال: الفاعل ما كان كزيد من قولك: "أتى زيد" في كونه اسما أسند إليه فعل تام مقدم غير مصوغ للمفعول، أو كان كوجهه من قولك "منيرا وجهه" في كونه اسما أسند إليه اسم مقدم جارٍ مجرى الفعل المذكور.
_________________
(١) ١ راجع الكتاب ١/ ٢١ سيبويه. ٢ أ، ب. وفي جـ "وهو". ٣ جـ. ٤ ب، جـ.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وأما قوله: "نعم الفتى" فهو مثال "ثانٍ"١ كمل به البيت، والأول يغني عنه٢. ثم قال:
وبعد فعلٍ فاعلٌ فإن ظهر فهو وإلا فضمير استتر
مرتبة الفاعل أن يكون بعد فعله لكونه كالجزء منه، فإن ظهر المسند إليه بعد الفعل فهو الفاعل نحو: "قام زيد" و"قمتُ"، وإن لم يظهر بعده بل قبله نحو: "زيد قام" أو لم يظهر قبله ولا بعده نحو: "قم" فهو ضمير مستتر؛ لأن الفعل لا يخلو "من"٣ "الفاعل"٤، ولا يتأخر عنه٥.
فإن قلت: ليس قوله: "وبعد فعل فاعل" على إطلاقه، فإن بعض الأفعال لا يرفع فاعلا فليس بعده فاعل، وذلك الفعل الزائد نحو: "كان" الزائدة، خلافا لمن قال فيها ضمير المصدر.
والمستعمل استعمال الحرف نحو: "قلما" المراد بها النفي في الأشهر، والمؤكد في نحو: "قام قام زيد" في أحد الأوجه، وللمبني للمفعول نحو: "ضرب زيد".
قلت: المراد بقوله: "وبعد فعل فاعل" أن الفاعل يكون بعد الفعل لا قبله، وليس المراد أن كل فعل يكون بعده فاعل "فيلزمه"٦ ما ذكرت.
فإن قلت: لا بد في الشرط والجزاء من مغايرة ولم يفد الجزاء في البيت إلا ما أفاد الشرط؛ لأن التقدير: فإن ظهر الفاعل فهو الفاعل.
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي جـ "ثالث". ٢ قال ابن عقيل ١/ ٢٦٦: "ومثل للمرفوع بالفعل مثالين: أحدهما: ما رفع بفعل متصرف نحو: "أتى زيد"، والثاني: ما رفع بفعل غير متصرف نحو: "نعم الفتى"". ٣ ب، جـ. وفي أ "عن". ٤ أ، ب. وفي جـ "فاعل". ٥ هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فأجازوا التقديم، متمسكين بقوله: ما للجمال مشيها وئيدا، وتأوله البصريون على الابتداء وإضمار الخبر الناصب، والصحيح مذهب البصريين لقوته. ٦ أ، وفي ب، جـ "فيلزم".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
قلت: الضمير في قوله: "ظهر" للفاعل في المعنى، وخبر "هو" الفاعل في الاصطلاح "فتغايرا"١.
والمعنى: فإن ظهر بعد الفعل ما هو له في المعنى، فهو الفاعل في الاصطلاح. فإن قلت: قوله: "وإلا فضمير استتر" ليس بجيد؛ لأن الفاعل قد يكون ضميرا "بارزا"٢، نحو: "فعلت".
قلت: الضمير البارز شمله قوله: "فإن ظهر"، فإن المراد بالظاهر "هنا"٣ الملفوظ به، لا مقابل الضمير.
فإن قلت: مقتضى قوله: "وإلا فضمير استتر" أن الفاعل إما ظاهر وإما "مضمر"٤ مستتر، وبقيت حالة أخرى، وهو أن يكون "ضميرا"٥ محذوفا في باب النيابة وباب المصدر وباب التعجب.
قلت: قد ذكر ذلك في باب النيابة، وباب التعجب، وأما المصدر فلا يرد هنا٦؛ لأنه إنما تكلم على فاعل الفعل على أن في التعجب والمصدر خلافا، وقد ذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل مطلقا.
ثم قال:
وجَرِّدِ الفعل إذا ما أُسندا لاثنين أو جَمْع "كفاز الشهدا
أي: إذا أسند الفعل إلى فاعل ظاهر مثنى أو مجموع، جرد في اللغة المشهورة من علامة التثنية والجمع فتقول: "فاز الشهيدان، وفاز الشهداء".
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي جـ "مغايرا". ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ. وفي ب "هو". ٤ أ، ب. وفي جـ "ضمير". ٥ جـ. ٦ في النائب عن الفاعل: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، والتعجب إذا دل عليه متقدم مثل: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾، والمصدر نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ا. هـ. تصريح الشيخ خالد بتصرف. وقال الشيخ يس في المصدر: "قال الزرقاني: فإن الفاعل فيه محذوف وليس بمضمر؛ لأن المصدر لا يتحمل الضمير، وقال السيوطي: يتحمله؛ لأن الجامد: إطعام أُوِّل بمشتق: يطعم" ا. هـ. بتصرف.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فإن قلت: أطلق في قوله: "لاثنين أو جَمْع"، وإنما يعني منه الظاهر.
قلت: قيد ذلك بمثاله، وأيضا بقوله في البيت الذي يليه "والفعل للظاهر بعد مسند"؛ لأن المسألة واحدة.
فإن قلت: لا فائدة في تخصيصه ذلك بالاثنين والجمع؛ لأن المسند إلى المفرد مجرد أيضا.
قلت: لم تختلف العرب في فعل المفرد، وإنما اختلفوا في فعل الاثنين والجمع، فنبه على مواضع الخلاف.
ثم أشار إلى اللغة الأخرى:
وقد يُقال: سَعِدا وسَعِدوا والفعل للظاهر -بعدُ- مُسنَد
هذه اللغة ينسبها النحويون إلى: "أكلوني البراغيث"، وحمل المصنف عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم١: "يتعاقبونَ فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار" ٢ وقد نُوزع في ذلك.
وقال السهيلي: ألفيتُ في كتب الحديث المروية الصحاح ما يدل على كثرة هذه اللغة. وجردها، وذكر آثارا، منها قوله ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل، وملائكةٌ بالنهار" أخرجه مالك في الموطأ.
ثم قال: لكني أقول في حديث مالك: "إن"٣ الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولا مجردا٤. فقال فيه: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم" ا. هـ.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ "يتعاقبون" أي: تأتي طائفة عقب أخرى، وهو حديث صحيح، رواه البزار في صحيح البخاري وأخرجه مالك في موطئه، وذكره ابن مالك في التسهيل صـ٤٤، ٢٢٦. ٣ ب، جـ. وفي أ "إذ". ٤ وفي جـ "مجودا" ومجردا، أي: من علامة الجمع الموجودة مع الاسم الظاهر لعدم إسناده إلى الظاهر، بل إلى الضمير. ا. هـ. صبان ٢/ ٣٣.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وحكى بعض النحويين أنها لغة طيئ، وحكى بعضهم أزد شَنوءَةَ ولا يقبل قول من أنكرها١.
ثم قال:
ويرفع الفاعلَ فعلٌ أُضمرا كمثل "زيدٌ" في جواب "من قرا
يعني: أن الفاعل قد يحذف رافعه.
وحذفه، على قسمين: جائز نحو: "زيد" في جواب "من قال"٢: من قرأ؟ أي: قرأ زيد. وهذا المثال يحتمل أن يكون "زيد" فيه مبتدأ محذوف الخبر، أي: زيد القارئ، وهو الأظهر؛ لأن الأولى مطابقة الجواب للسؤال. والأحسن أن يقال: كمثل زيدٌ في جواب: هل قرأ أحد؟
وواجب نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٣ أي: وإن استجارك أحد. وتجوَّز المصنف فعبر عن الحذف بالإضمار.
وفهم من كلامه أن الرافع للفاعل هو "المسند"٤، أعني الفعل وما جرى مجراه، وهذا أصح الأقوال٥.
ثم قال:
وتاء تأنيث تلي الماضي إذا كان لأنثى كأبت هندُ الأذى
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ١٧٠. ٢ جـ. ٣ من الآية ٦ من سورة التوبة. ٤ أ، جـ. وفي ب "المسند إليه". ٥ والأقوال هي: أحدها أن العامل المسند إليه مَن فَعل أو ما ضمن معناه. الثاني: أن رافعه الإسناد، أي: النسبة، فيكون العامل معنويا، ورُد بأنه لا يعدل إلى المعنوي إلا عند تعذر اللفظي وهو موجود الثالث: شبهه بالمبتدأ حيث يخبر عنه بفعله، ورد بأن الشبه المعنوي لا يستقر الرابع: كونه فاعلا في المعنى ورد بقولهم: "مات زيد" ا. هـ. همع ١/ ١٥٩ بتصرف. وأميل إلى الأول وعليه الجمهور؛ لقوته وضعف الباقي.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث، ولو بتأويل لحقته "تاء" ساكنة تدل على تأنيث فاعله.
ولحاقها على ضربين: جائز وواجب، وقد بين ذلك بقوله:
وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات حِرِ
يعني: أن هذه التاء لا تلزم الفعل إلا في حالين:
الأول: أن يسند إلى "ضمير"١ متصل سواء كان حقيقي التأنيث نحو: "هند قامت"، أو مجازيه نحو: "الشمس طلعت".
فإن كان منفصلا نحو: ما "قام"٢ إلا أنتِ، ضعف إثبات التاء.
الثاني: أن يسند إلى ظاهر حقيقي التأنيث متصل، غير جمع ولا جنس، نحو: "قامت هند"، و"قامت الهندانِ".
فإن كان مجازي التأنيث نحو: "طلعت الشمس"، أو منفصلا نحو: ""قامت"٣ اليوم هند"، أو جنسا نحو: "نعمت المرأة"، أو جمعا نحو: "قامت الهنود" لم تلزم التاء على "سببين"٤.
وقد فهم القيد الأول وهو: أن يكون حقيقي التأنيث، من قوله: "أو مفهم ذات حر": والحر: فرج المرأة٥.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي ج "مضمر". ٢ أ، ب، وفي ج "قال". ٣ ب، ج، وفي أ "قام". ٤ أ، ج. ٥ وأصل حر: حرح؛ فحذفت لام الكلمة بدليل تصغيره على حريح، وجمعه على أحراح، فحذفت لامه وهي الحاء اعتباطا، فبقي مثل: "يد ودم"، وقد يعوض منها راء تدغم فيها الراء، وهو بكسر الحاء: فرج المرأة كما في المصباح، لكن المراد هنا مطلق فرج معد للوطء ولو دبرا كالطير. ا. هـ. خضري ١/ ١٦٣.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ونبه على القيد الثاني؛ أعني الاتصال بقوله:
وقد يبيح الفصل ترك التاء في نحو: "أتى القاضيَ بنت الواقف
ولكن يختار إثبات التاء في "غير الحقيقي المتصل، وفي الحقيقي"١ المفصول بغير "إلا".
فقولك: "أتت القاضيَ بنتُ الواقف" أحسن من "أتى".
فإن كان الفصل "بإلا" فبالعكس، وقد نبه عليه بقوله:
والحذف مع فصل بإلا فُضِّلا كما زكا إلا فتاةُ ابن العلا
فما زكا إلا فتاة، أجود مما زكت.
وبعضهم لا يجيز ثبوتها مع الفصل "بإلا" إلا في الضرورة، والصحيح جوازه في النثر على قلة، ومنه قراءة مالك بن دينار٢ وأبي رجاء الجحدري٣: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٤ ذكرها أبو الفتح.
ثم نبه على أنه قد ورد الحذف مع الحقيقي المتصل، ومع ضمير المجازي بقوله:
والحذف قد يأتي بلا فصل، ومَعْ ضمير ذي المجاز في شعر وقعْ
أما الحذف مع الحقيقي المتصل فذكره سيبويه٥، وحكى: قال فلانة.
_________________
(١) ١ أ، ج. ٢ هو: أبو يحيى البصري، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، سمع أنس بن مالك. قال القتبي: كان يكتب المصاحف بالأجرة، وكان من أحفظ الناس للقرآن، وكان يقرأ كل يوم جزءا من القرآن حتى يختم، فإن أسقط حرفا، قال: بذنب مني، وما الله بظلام للعبيد. مات سنة سبع وعشرين ومائة. ٣ أبو رجاء الجحدري: هو عاصم بن أبي الصباح، العجاج الجحدري البصري. أخذ القراءة عرضا عن عيسى بن عمر الثقفي ونصر بن عاصم وغيرهما، وقال خليفة بن خياط: مات قبل الثلاثين ومائة. وقال المدائني: سنة ثمانٍ وعشرين ومائة. ٤ من الآية ٢٥ من سورة الأحقاف. ٥ قال سيبويه ج ص٢٣٥: "وقال بعض العرب: قال فلان" ا. هـ.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وذكر المصنف أنه لغة بعضهم، وقال بعضهم: هو شاذّ، لا يجوز إلا حيث سمع.
وأما الحذف مع ضمير المجازي، فقد ورد في الشعر كقوله:
ولا أرضَ أبقلَ إبقالها١
وقوله:
إن السماحة والمروءة ضمنا قبرا بمرو على الطريق الواضح٢
_________________
(١) ١ عجز بيت، قائله: عامر بن جوين الطائي، أحد الخلعاء الفتاك. يصف سحابة وأرضا مخصبة لكثرة ما بها من الغيث، وهو من المتقارب. وصدره: فلا مزنة وَدَقَتْ ودقها الشرح: "المزنة" بضم الميم وسكون الزاي وفتح النون: السحابة المثقلة بالماء، و"ودقت": الودق: المطر. وفي القرآن الكريم: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾، "أبقل": من الإبقال. يقال: أبقلت الأرض، إذا خرج بقلها، أي: أنبتت البقل، وهو النبات. المعنى: ليس هناك من السحاب ما أمطر مطرا نافعا كهذه السحابة، ولا توجد أرض تنبت البقل كما تخرجه هذه الأرض. الإعراب: "فلا" نافية تعمل عمل ليس، "مزنة" اسمها، وجملة "ودقت" وفاعله المستتر في محل نصب خبرها، "ودقها" منصوب على أنه مفعول مطلق، "ولا" الواو عاطفة لجملة على جملة، ولا نافية للجنس تعمل عمل "إن"، أرض اسمها، "أبقل" فعل ماضٍ والفاعل ضمير، والجملة في محل رفع خبرها، "إبقالها" مفعول مطلق. الشاهد: في "ولا أرض أبقل" حيث حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث، ويروى: أبقلت أبقالها؛ بنقل حركة الهمزة من "إبقالها" إلى التاء في "أبقلت" وحينئذ فلا شاهد فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم صـ٩١، وابن هشام ١/ ٢٤٥، وابن عقيل ١/ ٢٤٧، والأشموني ١/ ١٧٤، وداود، السندوبي، والمكودي ص٥١، والسيوطي ص٤٨. وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ١٧١، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٤/ ٩٥، والشاهد رقم ٢ في خزانة الأدب، وسيبويه في كتابه ج١ ص٢٤٠. ٢ قائله: هو زياد بن سليمان، مولى عبد القيس، أحد بني عامر بن الحارث وهو الذي يقال له: زياد الأعجم. وهو من قصيدة حائية يرثي بها زياد بن المغيرة بن المهلب. وقيل: للصلتان العبدي وليس بصحيح. والصحيح أنها لزياد بن الأعجم. وهو من قصيدة طويلة من الكامل. =
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وقوله:
فإن الحوادث أودى بها١
_________________
(١) = الشرح: "بمرو" في محل النصب على أنها صفة لقبر، أي: قبرًا كائنًا بمدينة مرو، وهي قصبة خراسان وبها كان سرير الملك، وهي مدينة عظيمة بينها وبين نيسابور اثنا عشر يوما. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "السماحة" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة، "والمروءة" معطوف عليه، "ضمنا" ضمن فعل ماضٍ مبني للمجهول، وألف الاثنين فاعل مبني على السكون في محل رفع، وهو المفعول الأول، "قبرا" مفعول ثانٍ لضمن، "بمرو" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقبر، "على الطريق" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية لقبر، "الواضح" صفة للطريق. الشاهد: في "ضمنا"؛ فإن ضمن فعل ماضٍ مسند إلى ضمير المؤنث وهو الألف العائدة إلى السماحة والمروءة، والقياس فيه أن يقول: "ضمنتا" بتاء التأنيث؛ لأنها خبر عن السماحة والمروءة، وهما مؤنثتان، وهو محمول على الضرورة خلافا لابن كيسان. مواضعه: ذكره داود في شرحه للألفية، وابن هشام في شذور الذهب ص١٥٣. ١ هذا عجز بيت للأعشى بن قيس، وهو من قصيدة له يمدح فيها رهط قيس بن معد يكرب الكندى ويزيد بن عبد الدار الحارثي، وهو من المتقارب. وصدره: فإما تريني ولي لمة رواية سيبويه: فإما ترى لمتي بدلت الشرح: لمة بكسر اللام وتشديد الميم: ما ألم وأحاط بالمنكبين من شعر الرأس، فإن زاد عن ذلك فهو الجمة -بضم الجيم وتشديد الميم- "الحوادث": جمع حادثة، وأراد بها نوازل الدهر وكوارثه التي تحدث واحدة بعد واحدة. "أودى بها": ذهب بها وأبادها وأهلكها. المعنى: إن رأيتني فيما مضى وأنا شاب لي لمة، فلا تعجبي من ذهابها اليوم أو من ذهاب بهجتها، فإن المصائب وكرّ الغداة والعشي أذهبتها. الإعراب: "إما" مركبة من: إن ما، إن حرف شرط جازم وما زائد، "تريني" فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون، وياء المؤنثة المخاطبة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، "ولي" الواو للحال، لي جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "لمة" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب حال، "فإن" الفاء واقعة في جواب الشرط. إن: حرف توكيد ونصب، "الحوادث" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة، "أودى" فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا يعود إلى الحوادث تقديره هو، "بها" جار ومجرور متعلق بأودى، وجملة أودى وفاعله في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط =
[ ٢ / ٥٩١ ]
وهو من ضرائر الشعر، خلافا لابن كيسان في القياس عليه.
ثم أشار إلى القيد الثالث -أعني: كونه غير جمع- بقوله:
والتاء مع جمع سوى السالم من مذكر، كالتاء مع إحدى اللَّبِن
يعني: أن حكم التاء مع المسند إلى غير المذكر السالم حكمها مع المجازي التأنيث "كإحدى اللبن" وهي لبنة، فيجوز إثباتها وحذفها.
فعلى هذا تقول: قام الرجال وقامت الرجال وقام الهندات وقامت الهندات؛ لأن قوله: "سوى السالم من مذكر" يشمل الجمع المكسر والسالم من المؤنث.
فالتذكير على تأولهم بجمع والتأنيث على تأولهم بجماعة، وما ذكره في جمع التكسير متفق عليه.
وأما المؤنث السالم؛ فإما أن يكون واحده مذكرا "كالطلحات"، أو مغيرا وهو "بنات" فحكمه أيضا في جواز الأمرين حكم التكسير.
وإما أن يكون غير ذلك "كالهندات" فحكمه حكم واحده. فلا يقول: "قام الهندات" إلا من يقول: "قام فلانة"، هذا هو الصحيح وإليه ذهب في التسهيل١.
وأجاز الكوفيون: "قام الهندات" كجمع التكسير، واختاره أبو علي، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ٢.
وأجيب بأن حذفها في الآية للفصل، وكلامه هنا موافق مذاهب الكوفيين، ومن وافقهم من البصريين.
_________________
(١) = الشاهد: في "أودى" حيث لم يلحق تاء التأنيث بالفعل الذي هو قوله: "أودى"، مع كونه مسندا إلى ضمير مستتر، عائدا إلى مؤنث وهو "الحوادث" الذي هو جمع حادثة. فإن قلت: فإني لم أجد لهذا الشاعر ضرورة ألجأته إلى حذف التاء؛ لأنه لو قال: "أودت بها" لم يتغير الوزن، قلت: الجواب عن ذلك أن ننبهك إلى هذه الألف المنطوق بها قبل الباء في "أودى بها" فالقافية مؤسسة، والتأسيس هو الألف الواقع قبل حرف الرويّ بحرف متحرك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، وابن هشام ١/ ٣٥٥، السندوبي، الأشموني ١/ ١٧٤، ابن يعيش في شرح المفصل ٤/ ٩٥، والشاهد رقم ٩٥٢ من خزانة الأدب، وسيبويه في كتابه ج١ ص٣٣٩. ١ التسهيل ص٧٥. ٢ من الآية ١٢ من سورة الممتحنة.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وأما جمع المذكر السالم فلا يجوز إلحاق التاء معه، إذا لم يسمع؛ ولذلك استثناه خلافا للكوفيين، فأجازوا الوجهين في الجموع الثلاثة.
ويستثنى من ذلك البنون، فحكمه حكم التكسير١ لتغير واحده.
واعلم أن اسم الجمع كالجمع المكسر.
ثم نبه على القيد الرابع، أعني: كونه غير مقصود به الجنس، بقوله:
والحذف في نعم الفتاةُ استحسنوا لأن قصد الجنس فيه بين
يعني: أنهم استحسنوا الحذف في "نعم وبئس"، فيقول: "نعم الفتاة" من لا يقول: "قال فلانة"؛ لأن المقصود به جنس الفتاة، و"أل" فيه جنسية، خلافا لمن زعم أنها عهدية.
ولا يعني أن الحذف أحسن "من"٢ الإثبات بل هو حسن، والإثبات أحسن منه.
والأصل في الفاعل أن يتصلا والأصل في المفعول أن ينفصلا
يعني: أن الأصل في الفاعل أن يتصل بفعله؛ لأنه كالجزء منه، والأصل في المفعول أن ينفصل عنه بالفاعل نحو: "ضرب زيدٌ عمرًا".
ثم قال:
وقد يُجاء بخلاف الأصل
أي: يقدم المفعول على الفاعل نحو: ضرب عمرًا زيدٌ.
وتقديمه على الفاعل، على ثلاثة أقسام: جائز كما مثل، وواجب، وممتنع، وقد نبه عليها، فقال:
وقد يجي المفعول قبل الفعل
وهو على ثلاثة أقسام: جائز نحو قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ ٣، وواجب
_________________
(١) ١ أ، ج. وفي ب "المكسر". ٢ ب، ج. ٣ من الآية ٣٠ من سورة الأعراف.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
نحو: "من أكرمت؟ "؛ لأن اسم الاستفهام له الصدر، وممتنع ويمنعه ما أوجب تأخره أو توسطه.
ثم قال:
وأخِّر المفعول إن لبس حُذر أو أُضمر الفاعل غير منحصر
يجب تأخير المفعول في ثلاث مسائل:
الأولى: إذا خِيف التباسه بالفاعل؛ لخفاء الإعراب فيهما ولا قرينة، نحو:
"ضرب موسى عيسى" فيتعين كون الأول فاعلا "كذا"١ قال ابن السراج. وتظافرت٢ على ذلك نصوص المتأخرين، ونازعهم في ذلك ابن الحاج٣ في نقده على ابن عصفور، وقال: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية، ولا يبعد أن يقصد قاصد "ضرب أحدهما" من غير تعيين٤، فيأتي باللفظ المحتمل، ولا يمنع أن يتكلم به لغة ويتأخر البيان إلى وقت الحاجة٥.
نعم، يمكن أن يقال: إذا أجملا٦.
فينبغي أن يبقى مع الظاهر من تقديم الفاعل، لكن ليس هذا قطعا على منعه.
قال الزجاج في معانيه٧ في قوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ٨﴾ ٩:
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ قال الصبان ٣/ ٣٩: "هكذا اشتهر بالظاء، والصواب: تضافر بالضاد المعجمة، يقال: "تضافر القوم أي: تعاونوا"". ٣ هو ابن العباس أحمد بن محمد الأزدي الإشبيلي المعروف بابن الحاج. كان عالما بالعربية محققا حافظا للغات، وله مختصر خصائص ابن جني، ونقود على الصحاح وإيرادات على المقرب لابن عصفور، وأمالي على كتاب سيبويه، وكان يقول: إذا مت يفعل ابن عصفور في كتاب سيبويه ما يشاء. ومات سنة ٦٤٧هـ. ٤ قال الأشموني: "ضرب أحدهما الآخر"، وهناك دليل خامس لم يذكره وذكره الأشموني والسيوطي في الهمع "فأجاز تقديم المفعول والحالة هذه، محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمر وعمرو على عمير". ٥ لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عقلا وشرعا. ٦ لأن الإجمال من مقاصد العقلاء. ٧ هو كتاب في معاني القرآن له. ٨ من الآية ١٥ من سورة الأنبياء. ٩ راجع الأشموني ١/ ١٧٦.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
يجوز أن تكون "تلك" في موضع رفع على "أنها"١ اسم "زالت" وفي موضع نصب على خبر "زالت"، ولا خلاف بين النحويين في جواز الوجهين ا. هـ. مختصرا وبعضه بالمعنى.
ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية الكريمة، جواز مثل ذلك في: "ضرب موسى عيسى"؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها، وذلك واضح٢ فلو زال "الالتباس"٣ بقرينة معنوية نحو: "ولدت هذه هذه" تشير بالأولى إلى الصغرى، أو بقرينة لفظية نحو: "ضربتْ"٤ موسى سعدى، جاز التقديم.
الثانية: أن يكون "الفاعل"٥ ضميرا "متصلا"٦ غير محصور، نحو: "أكرمت زيدا"، فلو كان محصورا وجب تأخيره "نحو"٧: "وما ضرب زيدا إلا أنا".
الثالثة: أن يحصر "المفعول"٨ بإلا أو بإنما نحو: "ما ضرب زيد إلا عمرا"، و"إنما ضرب زيد عمرا".
ويجب تقديم المفعول على الفاعل لثلاثة أسباب:
الأول: أن يحصر "الفاعل"٩ بإلا أو بإنما نحو: "ما ضرب زيدا إلا عمرو" و"إنما ضرب زيدا عمرو".
والثاني: أن يكون "المفعول"١٠ ضميرا متصلا وفاعله ظاهر نحو: "أكرمك زيد".
الثالث: أن يعود عليه ضمير متصل بالفاعل نحو: "ضرب زيدا غلامه" عند الأكثرين.
وقد نبه المصنف على وجوب تأخير ما حصر، فاعلا كان أو مفعولا، بقوله:
_________________
(١) ١ أ. ٢ ولا أميل لرأي ابن الحاج لضعفه. قال الأشموني: "وما قال ابن الحاج ضعيف" ١/ ١٧٦؛ لأن ما ذكره في الآية من باب الإلباس، وفي غيرها من باب الإجمال. ٣ أ، ج. وفي ب "اللبس". ٤ أ، ب. وفي جـ "ضرب". ٥ ب. ٦ أ. ٧ ب، جـ. ٨ ب، جـ. ٩ ب، جـ. ١٠ ب.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وما بإلا أو بإنما انحصر أُخر
فأما المحصور "بإنما" فلا خلاف في وجوب تأخيره.
وأما المحصور "بإلا" فنقل المصنف أنه يجب تأخيره خلافا للكسائي، فإنه أجاز تقديمه، فاعلا كان أو مفعولا، ووافقه ابن الأنباري على جواز تقديم المفعول "بخلاف"١ الفاعل.
والحاصل ثلاثة مذاهب: الجواز مطلقا وهو مذهب الكسائي، والمنع مطلقا وهو مذهب الجمهور٢، والتفصيل وهو مذهب ابن الأنباري. ونقل غيره أن مذهب البصريين والفراء والكسائي إجازة تقديم المفعول إذا حصر "بإلا" "٣" ٤.
وكلام المصنف هنا يقتضي موافقة الكسائي٥.
وقد يسبق إن قصد ظهر
واحترز بقوله: "إن قصد ظهر" من المحصور "بإنما"٦، فإنه لا يظهر قصد الحصر معها إلا بالتأخير.
ولم ينبه على باقي أسباب تقديم المفعول، وهو مستفاد من قوله: "أو أُضمر الفاعل غير منحصر"؛ لأن العلة واحدة، وهي أن الاتصال لا يجوز مع إمكان الانفصال في غير المواضع المستثناة.
ثم قال:
وشاع نحو: "خاف ربَّه عمر
أي: كثر تقديم المفعول الملتبس بضمير الفاعل عليه؛ لأن الفاعل في نية التقديم نحو: "خاف ربَّه عمرُ".
ثم قال:
_________________
(١) ١ أ، جـ. وفي ب "دون". ٢ واختاره الجزولي والشلوبين؛ حملا لإلا على إنما. ٣ لأنه في نية التأخير. ٤ راجع الأشموني ١/ ١٧٧. ٥ وقد ارتضيتُ مذهب الكسائي لوروده. ٦ أ، ب، وفي ج "بإلا".
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وشذ نحو: زانَ نورُه الشجر
أي: شذ تقديم الفاعل الملتبس بضمير المفعول عليه؛ لما يلزم من عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة١.
قال المصنف: والنحويون -إلا أبا الفتح- يحكمون بمنع "مثل"٢، هذا والصحيح جوازه٣.
واستدل على ذلك بالسماع، وأنشد ستة أبيات٤، وأنشد غيره أبياتا أخر.
وذكر لجوازه وجها من القياس٥، وقد أجازه قبله وقبل أبي الفتح، الأخفش من البصريين، والطوال من الكوفيين٦.
وتأول المانعون بعض الأبيات بما هو خلاف الظاهر، وقد أجازه بعضهم في الشعر دون النثر، وهو الإنصاف؛ لأن ذلك إنما ورد في الشعر٧، والله أعلم.
_________________
(١) ١ لأن الشجر مفعول وهو متأخر لفظا، والأصل فيه أن ينفصل عن الفعل فهو متأخر رتبة ا. هـ. ابن عقيل ١/ ٢٨٠. ٢ أ، ب. ٣ أي: نظما ونثرا. ٤ منها قوله: ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما وقوله: وما نفعت أعماله المرء راجيا جزاء عليها من سوى من له الأمر وقوله: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار وقوله: كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورقى نداه ذا الندى في ذرا المجد وقوله: جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وقوله: لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا وكاد لو ساعد المقدور ينتصر ٥ قاسه على المواضع التي يجوز فيها عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ا. هـ. صبان ٢/ ٤. ٦ هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة وأحد أصحاب الكسائي والفراء. كان حاذقا بإلقاء المسائل العربية، قدم بغداد وأقرأ فيها، وحذق عن الأصمعي، ولم يشتهر له تصنيف، ومات سنة ٢٤٣هـ. ٧ راجع الأشموني ١/ ١٧٨.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
النائب عن الفاعل:
قال:
ينوب مفعول به عن فاعل فيما له كنِيلَ خيرُ نائل
قد يحذف الفاعل لغرض لفظي كالإيجاز "والتصحيح"١ والتوافق والتقارب٢، أو معنوي: كالعلم به والجهل والإبهام والتعظيم والتحقير والخوف منه أو عليه٣، وينوب عنه بعد حذفه "أحد"٤ خمسة أشياء: مفعول به، ومصدر، وظرف زمان أو مكان، ومجرور، خلافا لمن منع إقامة المجرور.
ولا ينوب عن الفاعل خبر كان، "ولا حال"٥، ولا تمييز، ولا مشبه بالمفعول خلافا لمن أجاز ذلك.
وما أقيم مقام الفاعل نائب عنه في جميع أحكامه، كالرفع ووجوب التأخير وامتناع الحذف "وتنزيله"٦ منزلة الجزء والإغناء عن الخبر في نحو: "أمضروب العبدان؟ ".
واتصال تاء التأنيث بفعله، إذا كان مؤنثا.
إلا أن نيابة ما ذكر عن الفاعل مشروطة "بتغير"٧ الفعل عن صيغته الأصلية إلى صيغة تنبيه على ذلك.
_________________
(١) ١ أ، جـ "التفصيل"، وفي ب "التعليل"، وأصوب التصحيح كما في الخضري والأشموني. ٢ الأمثلة: الإيجاز، قال تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ . وتصحيح النظم كقوله: علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق أخرى ذلك الرجل إذ لو قال: علقني الله إياها وعلقها الله رجلا غيري وعلق الله أخرى ذلك الرجل لاختل النظم، والتعليق هنا المحبة. والتوافق والتقارب: "من طابت سريرته حمدت سيرته". ٣ الأمثلة: العلم به: قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، الجهل: "سُرق المتاع"، الإبهام: "تصدق على مسكين"، التعظيم بصون اسمه عن لسانك: "خلق الخنزير"، التحقير: "طُعن عمر". ٤ ب، جـ. ٥ أ. ٦ ب، جـ، وفي أ "وتنزيله". ٧ أ، جـ، وفي ب "بتغيير".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وقد أشار إلى كيفية التغيير فقال:
فأول الفعل اضْمُمَنْ
يعني: ماضيا كان أو مضارعا.
فإن قلت: منه ما يكسر أوله نحو: "قيل" في الفصحى، و"رِد" في لغة.
قلت: لم يكسر إلا بعد تقدير ضمة كما سيأتي، والأصل: "قُول" و"رُدِدَ".
ثم قال:
والمتصل بالآخر اكسِر في مُضِيّ كوُصل
المتصل بالآخر هو الحرف الذي قبله، كالصاد من "وصل".
فإن قلت: فنحو: "قيل" و"رد" لا يكسر ما قبل آخره.
قلت: بل كسر تقديرا، كما سبق في ضم أوله.
ثم قال:
واجعله من مضارع منفتحا
أي: واجعل المتصل بالآخر منفتحا لفظا أو تقديرا كما سبق، ثم مثّله فقال:
كينتحي المقولِ فيه يُنتحَى
المقول بالجر صفة للفظ "ينتحي"١ الذي يقال فيه إذا بني للمفعول: "يُنتحَى" فيضم "أوله"٢ ويفتح ما قبل آخره.
فهذان العملان -أعني: ضم أول الفعل وكسر ما قبل آخره في الماضي أو فتحه في المضارع- مطردان في كل فعل "مبني"٣ لما لم يسم فاعله.
وقد يضاف إليهما في بعض الأفعال عمل آخر، وقد نبه على ذلك فقال:
والثاني التالي تا المطاوعَهْ كالأول اجعله بلا منازعَهْ
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، ج "ينتحى أي: ينتحي". ٢ ب، ج، وفي أ "آخره". ٣ أ، ج، وفي ب "بني".
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أي: اجعل الحرف الثاني الذي يتلو "تاء" المطاوعة كالأول فتضمه كما تضم الأول نحو: "تَعَلّم" فتقول: "تُعُلِّم" بضم أوله وثانيه، وكذلك كل فعل أوله "تاء" مزيدة معتادة، وإن كانت لغير المطاوعة نحو: ""تبختر"١ وتكبر وتوانى وتحكم".
فإن قلت: فتقييد المصنف: التاء بالمطاوعة، ليس بجيد.
قلت: هو كذلك، والعذر له، أن التاء فيما ذكرناه من الأفعال شبيهة بتاء المطاوعة، فاكتفى بذكرها.
فإن قلت: قوله في التسهيل: ومع ثانيه إن كان ماضيا مزيدا أوله "تاء"٢ عبارة صحيحة لشمولها.
قلت: لكنها شملت غير المقصود أيضا "كالتاء"٣ في قولهم: "تُرمِّس الشيء" بمعنى رمَّسه٤، فإنها مزيدة وهو لا يضم ثانيه٥ لكونها "تاء" زيادتها غير معتادة.
"فالأولى أن يقال: مزيدا أوله "تاء" معتادة"٦، ثم قال:
وثالث الذي بهمز الوصل كالأول اجعلنّه كاستُحلي
إذا كان أول الماضي همزة وصل، ضم أوله وثالثه فتقول: في "استحلى"، "استُحلي" وذلك واضح.
فإن قلت: ليس ذلك على إطلاقه؛ لأن الأفصح في "اختار وانقاد" أن يقال: "اختِير وانقِيد" وسيذكره٧.
قلت: الجواب عنه كالجواب عن كسر "قيل"، وقد تقدم.
_________________
(١) ١ ج، وفي أ "تتحيز" وفي ب "تجبر". ٢ أ، ب، وفي ج "بتاء" وراجع التسهيل ص٧٧. ٣ أ، ب. ٤ رمّسه أي: دفنه. ٥ أي: إذا بني للمجهول، بل يسكن ثانيه. راجع صبان ٢/ ٤٣. ٦ أ، ب. ٧ في قول ابن مالك: وما لفا باع وما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي
[ ٢ / ٦٠٠ ]
ثم قال:
واكسر أو اشمِمْ فا ثلاثي أُعِلْ عينا وضم جا كبُوع فاحتُمِلْ
إذا كان الماضي ثلاثيا معتل العين معلها نحو: "قال وباع" وقُصد بناؤه للمفعول فُعل فيه تقديرا ما يقتضيه القياس، فيضم أوله ويكسر ما قبل آخره، فيقال: "قُوِل وبُيِع".
إلا أن العرب قصدوا تخفيفه؛ لثقل الكسرة على حرف العلة، فمنهم من حذف ضمة الفاء ونقل كسرة العين إلى مكانها، فسلمت الياء من "بيع" وقُلبت الواو من "قول"، "ياء" لسكونها"١ بعد كسرة فصار اللفظ: "قيل وبيع".
ففي ذوات الياء عملان، وفي ذوات الواو ثلاثة، وهذه أفصح اللغات.
ومنهم من فعل ما تقدم من حذف الضمة ونقل الكسرة، إلا أنه يشم الفاء "للضم"٢ ومعنى الإشمام هنا: شوب الكسرة شيئا من صوت الضمة؛ ولهذا قيل: ينبغي أن يسمى رَوْمًا.
قلت: وقد عبر عنه بعض القراء بالروم.
فإن قلت: ما كيفية اللفظ بهذا الإشمام؟
قلت: ظاهر كلام كثير من النحويين والقراء أنه يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة ممتزجة من حركتين: ضمة وكسرة على سبيل الشيوع.
والأقرب ما حرره بعض المتأخرين. فقال: كيفية اللفظ أن يلفظ على فاء الكلمة بحركة تامة مركبة من حركتين، إفرازا لا شيوعا.
جزء الضمة مقدم، وهو الأقل يليه جزء الكسرة، وهو الأكثر.
ومن ثم تمحضت الياء. وهذه اللغة -أعني لغة الإشمام- فصيحة تلي لغة الكسر في الفصلة.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "لكونها". ٢ ب، وفي أ، جـ "الضم".
[ ٢ / ٦٠١ ]
ومنهم من يحذف كسرة العين، إذ منها ينشأ الثقل وتبقى الفاء على ضمها، فتسلم "الواو"١ في "قول" وتقلب الياء واوا في "بيع" لانضمام ما قبلها٢.
وهذه اللغة أضعف اللغات٣، وعليها قول الراجز:
ليت شباب بوعَ فاشتريت٤
تنبيه: وإنما قال: "أُعل" دون "اعتل"؛ ليخرج ما عينه حرف علة ولم يعل، نحو: "عور في المكان" وصِيد فيه، فإن حكمها حكم الصحيح.
ثم قال:
وإن بشكل خِيفَ لَبْس يجتنب
_________________
(١) ١ ب. ٢ وفي أ "تقلب الواو ياء في بِيع". ٣ قال الأشموني: ١/ ١٨١ أشار بقوله: ""فاحتمل" إلى ضعف هذه اللغة بالنسبة للغتين الأوليين، وتعزى لبني فقعس وبني دبير، وهما من فصحاء بني أسد" ا. هـ. ٤ عجز بيت، قائله: رؤبة بن العجاج؛ وهو من الرجز المسدس، وصدره: ليت وهل ينفع شيئا ليت وروى: "وما ينفع" مكان "وهل ينفع" ابن يعيش. المعنى: أتمنى أن يباع الشباب فأشتريه، ولكن التمني لا ينفع ولا يفيد، فإن الشباب إذا ولّى لا يرجع. الإعراب: "ليت" حرف تمنٍّ ونصب، "وهل" حرف استفهام معناه النفي، "ينفع" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، "شيئا" مفعول "ليت" قصد لفظه فاعل، والجملة لا محل لها معترضة، "ليت" حرف تمن مؤكد للأول، "شبابا" اسمه، "بوع" فعل مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه والجملة في محل رفع خبر ليت، "فاشتريت" اشترى فعل ماضٍ والتاء فاعل. الشاهد: في "بوع"، فإنه فعل ثلاثي معتل العين، فلما بناه للمجهول أخلص ضم فائه، وإخلاص ضم الفاء لغة جماعة من العرب، منهم من حكى المؤلف، ومنهم بعض بني تميم، ومنهم ضبة، وحكيت عن هذيل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٩٤، وابن عقيل ١/ ٢٦٨، والأشموني ١/ ١٨١، والسندوبي، وداود، والمكودي ص٥٤، وابن هشام ١/ ٣٨٠، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ٢/ ٥٣، والسيوطي ٥٠، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٢٤٨، وابن يعيش في شرح المفصل ٧/ ٧٠.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
إذا خِيف التباس فعل المفعول بفعل الفاعل بسبب شكل، وهو ضم الفاء "أ"١ وكسرها وجب حينئذ ذلك الشكل الذي بسببه وقع اللبس، فتقول في "بيع": "بعت يا عبد" بإخلاص الضم أو بالإشمام، وفي "عوق"٢: "عقت يا زيد" بإخلاص الكسر أو بالإشمام، إذ لو أخلصت الكسر في "بعت" والضم في "عقت" لالتبس فعل المفعول بفعل الفاعل.
وما ذكره من اجتناب الشكل الملتبس لم يتعرض له سيبويه، بل ظاهر كلامه جواز الأوجه الثلاثة مطلقا٣.
ويؤيده ما حكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: غُثنا ما شئنا "وهو فُعلنا"٤؛ لأنه يقال: غيث القوم.
ثم قال:
وما لباع قد يُرَى لنحو حب
يعني: أن الثلاثي المضاعف المدغم يجوز في فائه ما جاز في فاء "باع" من إخلاص الكسر والضم والإشمام نحو: "حِبّ ورُدَّ" وقرئ: "هذه بضاعتنا رِدَّتْ إلينا"٥ ولكن الأفصح في المضاعف الضم. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والصحيح الجواز٦.
فإن قلت: هل يعرض في المدغم "من الإلباس"٧ ما عرض في نحو: "قيل وبيع"؟
قلت: لا؛ لأن المضاعف إذا بني للفاعل فتحت فاؤه إلا فيما كان على "فعل" إذا نقلت ضمة عينه إلى الفاء نحو: "حب"٨ فيعرض اللبس بإخلاص الضم. فقياس من راعى إزالة اللبس أن يقول: "حِبّ" بالكسر أو بالإشمام.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "عيق". ٣ راجع الأشموني ١/ ١٨٢. ٤ أ. ٥ من الآية ٦٥ من سورة يوسف، قراءة علقمة. ٦ لقراءة الضم "رُدت إلينا". ٧ أ، ب، وفي جـ "الالتباس". ٨ أ، جـ، وفي ب "حبب".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ثم قال:
وما لفا باع وما العين تلي في اختار وانقاد وشبه ينجلي
يعني أن "ما اعتلت"١ عينه من الفعل الماضي الموزون بافتعل نحو: "اختار" أو بالفعل نحو: "انقاد" يُفعل بثالثه. وهو الذي تليه العين ما فعل بفاء باع من الكسر والضم والإشمام، فيقال: "اختِير واختُور" وبالإشمام، ومن كسر الثالث كسر الهمزة، ومن ضم الثالث ضم الهمزة، ومن أشمه أشمها.
واعلم أن ما لم تعل عينه من هذا النوع، فحكمه حكم الصحيح كما سبق في الثلاثي، نحو: "اعتور".
ولما فرغ من "بيان"٢ الكيفية، شرع في ذكر بقية الأشياء التي تنوب عن الفاعل، فقال:
وقابل من ظرف أو من مصدر أو حرف جر بنيابة حري
أشار بقوله: "وقابل" إلى أن من الظرف والمصدر "وحرف الجر"٣ ما لا يقبل النيابة.
أما الظرف، فلا يقبلها إلا بشروط:
الأول: أن يكون مختصا، فلا يجوز: "سِيرَ وقت، ولا جُلِس مكان".
والثاني: أن يكون متصرفا، فلا يجوز: "جلس عندك" خلافا للأخفش٤.
والثالث: أن يكون ملفوظا به، خلافا لابن السراج في إجازته نيابة الظرف المنوي.
وأما المصدر فلا يقبلها "أيضا"٥، إلا بشروط:
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي جـ "ما أعلت". ٢ أ، جـ. وفي ب "ذكر". ٣ أ. وفي ب "المجرور". ٤ فالأخفش يجوز نيابة الظرف غير المتصرف مع بقائه على النصب، دم، صبان ٢/ ٤٥. ٥ ب.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الأول: أن يكون متصرفا، فلا يجوز نيابة "سبحان" ونحوه.
والثاني: أن يكون لغير مجرد التوكيد، فلا يجوز: "ضُرب ضُرب" لعدم الفائدة.
والثالث: أن يكون ملفوظا به، أو مدلولا عليه بغير العامل نحو: "بلى سِير" لمن قال: ما سير سير شديد، فلو دل عليه "العامل"١ لم ينب، خلافا لبعضهم.
وأما المجرور، فلا يقبلها إلا بشرطين:
الأول: "ألا يلزم"٢ الحرف الجار له وجها واحدا في الاستعمال، كمذ "ومنذ"٣ ورب والكاف وما خص بقسم واستثناء، فلا ينوب شيء من ذلك كما لا ينوب الظرف غير المتصرف.
والثاني: ألا يكون للتعليل "كاللام والباء ومن" إذا دلت على التعليل.
ذكر ذلك بعض النحويين، وقد أجاز "بعضهم"٤ ذلك في قوله:
يُغضِي حياء ويُغضَى من مهابته٥
_________________
(١) ١ أ، جـ. وفي ب "بالعامل". ٢ ب، جـ. وفي أ "يكون لا يقبل". ٣ ب. ٤ أ. ٥ صدر بيت، قائله الفرزدق همام بن غالب، من قصيدة طويلة من البسيط يمدح بها الفرزدق زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁. وعجزه: فما يكلم إلا حين يبتسم الشرح: "يغضي" على صيغة المعلوم: يغمض جفونه، من الإغضاء وهو إدناء الجفون بعضها من بعض، "مهابته": المهابة: الهيبة، والمهابة: التعظيم والإجلال، "يبتسم" الابتسام: أوائل الضحك، "يكلم" على صيغة المجهول، "يغضى" الثانية على صيغة المجهول. المعنى: أن زين العابدين محتشم ذو حياء وجلال. فهو يغمض جفونه من الحياء ويغمض الناس جفونهم من هيبته، فإذا ابتسم هدأ روع الناس، فما يكلم إلا وقت ابتسامه. الإعراب: "يغضي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود إلى الممدوح، "حياء" مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة، "ويغضى" الواو حرف عطف، يغضى فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو، "من" حرف جر، "مهابته" مجرور بمن وهو مضاف وضمير الغائب العائد إلى الممدوح مضاف إليه. =
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وذكر ابن إياز أن الباء الحالية في نحو: "خرج زيد بثيابه" لا تقوم مقام الفاعل، كما أن الأصل الذي ينوب عنه كذلك. وكذلك المميز إذا كان معه "مِن" كقولك: "طبت من نفس"، فإنه لا يقوم مقام الفاعل أيضا١.
قلت: دخول "من" في هذا المثال غير جائز، وسيأتي في بابه٢.
فإن قلت: قوله: "أو حرف جر" يقتضي أن النائب إنما هو حرف جر، فيكون في محل رفع كما نقل عن الفراء.
قلت: مذهب البصريين، أن النائب إنما هو المجرور لا الحرف ولا المجموع، ولما كان الحرف "ملازما"٣ للمجرور اكتفى بذكره.
وظاهر كلامه في الكافية٤ والتسهيل أن النائب هو الجار والمجرور معا.
ثم قال:
ولا ينوب بعض هذي إن وجد في اللفظ مفعول به وقد يرد
الإشارة "بهذي" إلى الظرف والمصدر "وحرف الجر"٥.
_________________
(١) = "فما" الفاء للتفريع، ما حرف نفي، "يكلم" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، "إلا" حرف استثناء لا عمل له، "حين" ظرف زمان متعلق بيتكلم، "يبتسم" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو. الشاهد: في "ويغضى من مهابته"؛ لأن النائب عن الفاعل فيه هو ضمير المصدر أي: هو الإغضاء. وكلمة "من" للتعليل أي: لأجل مهابته وهو مفعول له؛ فلذلك لم ينب عن الفاعل. وذهب الأخفش إلى أن قوله: "من مهابته" نائب فاعل يغضى مع اعترافه بأن "من" حرف جر للتعليل، وعنده أنه لا تمنع نيابة المفعول لأجله عن الفاعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ١/ ٢٧٧، ٢/ ١٣١، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ١٨٣، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ٥٣. ١ راجع الأشموني ١/ ١٨٣. ٢ عند قول ابن مالك: واجرر بمن إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسا تفد ٣ أ، جـ، وفي ب "مقارنا". ٤ الكافية لابن مالك، ورقة ٣٥. ٥ أ، جـ. وفي ب "الجار".
[ ٢ / ٦٠٦ ]
مذهب جمهور البصريين: أنه لا يجوز نيابة شيء منها مع وجود المفعول به.
ومذهب الكوفيين: جواز ذلك مطلقا، ونقله المصنف عن الأخفش، ونقل بعضهم عنه أنه "إنما"١ يجيز نيابة غير المفعول به إذا تقدم على المفعول به. فالمذاهب على ثلاثة.
قال المصنف: وبقول الكوفيين أقول؛ إذ لا مانع من ذلك مع أنه وارد عن العرب، ومنه قراءة أبي جعفر٢: "ليُجْزَى قوما بما كانوا يكسبون"٣، وفي هذا ونحوه أشار بقوله: "وقد يرد".
وإذا فقد المفعول به جازت نيابة كل واحد من هذه الأشياء، قيل: ولا أولوية لشيء منها، وقيل: المصدر أولى٤ وقيل: المجرور٥، وقال الشيخ أبو حيان٦: ظرف المكان أولى"٧" ٨.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ هو: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد أصحاب القراءات العشر، انتهت إليه رياسة الإقراء بالمدينة، وكان إمام أهلها في القراءة، ولم يكن أحد أقرأ للسنة منه، وتوفي سنة ١٣٠هـ. ٣ من الآية ١٤ من سورة الجاثية؛ فيجزى مبني للمفعول، "بما" نائب فاعل مع تقدم المفعول به وهو قوما، وارتضيت رأي الكوفيين للدليل. ٤ لأنه أشرف جزأي مدلول العامل. ا. هـ. صبان ٢/ ٤٧. ٥ لأنه مفعول به بواسطة الجار. ا. هـ. صبان ٢/ ٤٧. ٦ هو محمد أثير الدين بن يوسف الغرناطي. ولد بمطخارش من ضواحي غرناطة، وتلقى عن كثيرين، منهم ابن الضائع، ثم هاجر وضرب في مغارب الأرض ومشارقها، ثم انتهى به المطاف إلى القاهرة، فأخذ عن ابن النحاس وصنّف كثيرا، فمن مؤلفاته في النحو: التذييل والتكميل، وملخصه ارتشاف الضرب من لسان العرب، وكان على مذهب ابن الضائع في منع الاستشهاد بالحديث؛ ولذا رد على ابن مالك في شرحه على التسهيل بكلام مسهب، وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٥هـ. ٧ ب- قال أبو حيان في الارتشاف: "واخترت إقامة ظرف المكان". ٨ "لأن في إنابة المجرور خلافا ودلالة الفعل على المكان لا بالوضع، بل بالالتزام كدلالته على المفعول به، فهو أشبه المفعول به من المصدر وظرف الزمان؛ لدلالة الفعل وضعا على الحدث والزمان" ا. هـ. صبان جـ٢ ص٤٧، نقلا عن الهمع. وارتضيت رأي الشيخ أبي حيان. قال الشيخ الصبان جـ٢ ص٤٧: " لكن هذا البحث لا يمنع أولوية ظرف المكان؛ لأن غايته عدم دلالة الفعل أصلا على الحدث والزمان المختصين، ودلالته التزاما على المكان، فلم يخرج من كونه أشبه بالمفعول به منهما" ا. هـ. وراجع الأشموني ١/ ١٨٤.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ثم قال:
وباتفاق قد ينوب الثانِ من باب كسا فيما التباسه أُمِن
المتعدي إلى مفعولين، ثلاثة أنواع: باب كسا، وباب ظن، وباب اختار.
فباب كسا: كل "فعل"١ متعدٍّ بنفسه إلى مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب ظن: كل "فعل"٢ متعد بنفسه إلى مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر.
وباب اختار: كل "فعل"٣ متعد إلى واحد بنفسه وآخر بإسقاط حرف الجر.
ولا خلاف في "جواز"٤ نيابة المفعول الأول في الأبواب الثلاثة.
وأما الثاني فنقل المصنف الاتفاق على جواز نيابته في باب كسا بشرط أمن اللبس؛ فتقول: "أُعطِي زيدا درهم" ولا يجوز نحو: "أعطي زيد عمرا" إلا بنيابة الأول لأنه يلبس.
وحكي "عن"٥ الفارسي: منع إقامة الثاني إذا كان نكرة والأول معرفة، وهو نقل غريب وسيأتي الخلاف في باب ظن.
وأما باب اختار، فلم يتعرض له هنا.
وقال في التسهيل: ولا يمنع نيابة المنصوب بسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل. ا. هـ.٦، وهذا مذهب الفراء، ومذهب الجمهور تعيين رفع المنصوب بنفس الفعل.
ثم قال:
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب. ٣ ب. ٤ أ، ب. ٥ ب، جـ. ٦ التسهيل ص ٧٧.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
في باب ظن وأرى المنع اشتهر ولا أرى منعا إذا القصد ظهر
تقدم بيان باب ظن، وأما باب "أعلم" فكل متعدٍّ إلى ثلاثة.
قال المصنف: منع الأكثرون نيابة ثاني المفعولين من باب "ظن وأعلم"١، والصحيح عندي جواز ذلك إن أمن اللبس٢، ولم يكن ثاني المفعولين جملة ولا ظرفا ولا "مجرورا"٣ ا. هـ.
وأما الثالث من باب "أعلم" فلم يتعرض له، إلا أن قوله في التسهيل: ولا يمنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقا٤ ا. هـ يقتضي جوازه.
وقد نقل جوازه عن بعضهم، فأجاز: "أعلم زيدا فرسك مسرج".
ونقل ابن هشام الخضراوي٥ وابن أبي الربيع وابن المصنف، منع نيابته باتفاق"٦" ٧.
ثم قال:
وما سوى النائب مما عُلَّقا بالرافع النصب له محقَّقَا
_________________
(١) ١ فلا يجوز عندهم: "ظن زيدا قائم"، ولا: "أعلم فرسك مسرجا". ٢ كما في الأمثلة السابقة، وإن لم يأمن تعين الأول اتفاقا، فتقول في: "ظننت زيدا عمرا" و"أعلمت بكرا خالدا منطلقا" و"ظن زيد عمرا" و"أعلم بكر خالدا منطلقا" ا. هـ. أشموني ١/ ١٨٥. ٣ أ، ج. وفي ب "جار ومجرور". ٤ التسهيل ص٧٧. ٥ هو: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي، الأنصاري الأندلسي، من أهل الجزيرة الخضراء. كان إماما في العربية، عاكفا على التعليم. أخذ عن ابن خروف والرندي، وأخذ عنه الشلوبين، وكان شاعرا ناثرا متصرفا في الأدب. وله مصنفات منها: المقال في أبنية الأفعال، والإفصاح بفوائد الإيضاح. وتوفي بتونس سنة ٦٤٦هـ. ٦ وحجتهم في ذلك بأن المفعول الأول صريح والآخرين مبتدأ وخبرا شبها بمفعولي أعطى، وبأن السماع إنما جاء بإنابة كقوله: ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كراما مواليها لئيما صميمها ا. هـ. أشموني ١/ ١٨٦. ٧ قال ابن المصنف وهو الشارح ص٩٥: "ولم يجز نيابة الثالث باتفاق".
[ ٢ / ٦٠٩ ]
يعني: أن ما تعلق بالفعل ولم يكن نائبا عن الفاعل فهو منصوب لفظا، كالمصدر والظرف والمفعول به أو فيه أو له أو معه والحال والتمييز والمستثنى بشرطه، أو محلا كالمجرور بحرف نحو: "مررت بزيد".
فإن قلت: ينبغي أن يقول: وما سوى الفاعل والمشبه به والنائب عنه كما ذكر في التسهيل١، فإن هذه الثلاثة مرفوعة.
قلت: عنى بالرافع رافع النائب لا الفعل مطلقا، فلم يحتج إلى ذكر الفاعل ولا "المشبه"٢ به، والله أعلم.
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص٧٧: "وما تعلق بالفعل غير فاعل أو مشبه به أو نائب عنه، منصوبا لفظا أو محلا". ٢ أ، ب، وفي جـ "الشبيه".
[ ٢ / ٦١٠ ]
اشتغال العامل عن المعمول:
المراد بالعامل هنا ما يجوز عمله فيما قبله "فيشمل"١ الفعل المتصرف واسم الفاعل واسم المفعول دون الصفة المشبهة والمصدر واسم الفعل والحرف؛ لأنه لا يفسر في هذا الباب إلا ما يصلح للعمل فيما قبله.
ثم قال:
إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل
تقدير البيت: إن شغل "مضمر اسم"٢ سابق فعلا.
فقوله: "مضمر اسم" فاعل بفعل مقدر يفسره الظاهر، وقوله: "سابق" صفة لاسم، و"فعلا" مفعول شغل، وقوله: "عنه" أي: عن الاسم السابق، وقوله: "بنصب لفظه أو المحل" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد بنصب لفظه الضمير، أو محله، فنصب لفظه نحو: "زيدا ضربتُهُ" ونصب "محله"٣: "زيدًا مررتُ به".
والثاني: أن يكون المراد بنصب لفظ، الاسم السابق أو محله.
وعلى هذا، فالباء بمعنى "عن" وهو بدل اشتمال من الهاء في عنه بإعادة العامل، والتقدير: إن شغل مضمر اسم سابق فعلا عن نصب لفظ ذلك الاسم نحو: "زيدا ضربته" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب "زيدا" أو نصب محله نحو: "زيدا مررتُ به" فإن الفعل لو لم يشتغل بالضمير لنصب محل "زيد" فنقول: "بزيد مررت"، فيكون محل المجرور نصبا.
فإن قلت: أي الاحتمالين أرجح؟
قلت: الأول هو ظاهر لفظه، ويؤيده قوله في التسهيل: إذا انتصب لفظا أو محلا ضمير اسم سابق ا. هـ٤. إلا أنه يلزم منه تجوز في موضعين:
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "فشمل". ٢ ب، جـ. ٣ ب، جـ. ٤ التسهيل ص٨٠.
[ ٢ / ٦١١ ]
أحدهما: قوله: "عنه"، فإنك إذا قلت: "زيدا مررتُ به" لم يشغله الضمير عن نصب "زيد"؛ لأنه فعل لازم، لو سلط عليه لم ينصبه، ولكن قد يقال: شغله الضمير عن "زيد" بتجوز بمعنى: شغله عن العمل في محله.
والآخر: قوله: "بنصب لفظه" والضمير لا ينصب لفظه؛ لأنه مبني، ويلزم منه أيضا تكرار، فإنه يقال بعد:
وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري
فذكر حرف الجر على هذا التقدير تكرار؛ لأنه قد علم من قوله: "أو المحل".
وأما الاحتمال الثاني، فلا يلزم منه شيء من ذلك، فتأمله١.
ويؤيده قوله في شرح الكافية: إذا "قدم"٢ اسم على فعل صالح لنصبه لفظا أو محلا، فلم يجعل التقسيم في الضمير بل في الاسم السابق. ا. هـ٣.
وهذا وجه ظاهر، لولا ما فيه من استعمال البناء بمعنى "عن" في قوله: "بنصب"، على أن استعمال الباء بمعنى "عن" كثير.
فإن قلت: يرد على كلامه كما قيل نحو: "زيد ما أحسنه"، فإنه فعل اشتغل بضمير اسم سابق وليس من الباب بإجماع.
قلت: لا يرد؛ لأن الضمير "لا"٤ يشغله عن الاسم السابق؛ لأن فعل التعجب لا يعمل فيما قبله فخرج بقوله: "عنه".
ثم قال:
فالسابقَ انصبْهُ بفعل أُضمرا حتما
_________________
(١) ١ فالأول بصري والثاني كوفي، والثاني مردود. قال ابن عقيل ١/ ٢٩٣: "ورد هذا المذهب بأنه لا يعمل عامل واحد في ضمير اسم ومظهره. وقال قوم: هو عامل في الظاهر والضمير ملغى. ورد: بأن الأسماء لا تلغى بعد اتصالها بالعوامل" ا. هـ. ٢ أ، ب، وفي جـ "تقدم". ٣ قال في شرح الكافية، ورقة ٣٦: "إنه إذا تقدم اسم على فعل صالح لنصبه لفظا أو محلا وشغل الفعل عن عمله فيه بعمله في ضميره فلذلك الاسم السابق" نص كلامه. ٤ أ، وفي ب، جـ "لم".
[ ٢ / ٦١٢ ]
يعني: أن الاسم السابق إذا نصب، فالناصب له عند الجمهور فعل مضمر، لا يجوز إظهاره.
ولهذا قال "حتما" أي: إضمارا حتما؛ لأن الظاهر كالعوض منه، فلا يجمع بينهما.
فإن قلت: مقتضى عبارته إيجاب نصبه، وليس نصبه يوجب في كل صورة كما سيذكر.
قلت: المراد: انصبْهُ بالمضمر "حتما" حيث يصح النصب، وليس المراد: "نصبه"١ حتما، وذلك واضح.
وقوله:
مُوَافِق لما قد أُظهرا
يعني: موافقا له في المعنى واللفظ إن أمكن، نحو: "زيدا ضربته"، فالتقدير: ضربت زيدا ضربته، أو في المعنى دون اللفظ إن تعذر، نحو: "زيدا مررت به" "أي: جاوزت زيدا"٢.
واعلم أن الاسم الواقع بعده فعل ناصب لضميره، على خمسة أقسام:
واجب النصب، وواجب الرفع، وراجح النصب، ومستوٍ فيه الأمران، وراجح الرفع.
فأشار إلى الأول بقوله:
والنصب حَتْم إن تلا السابق ما يختص بالفعل كإن وحيثما
يعني: أن النصب واجب إذا ولي الاسم السابق شيئا يختص بالفعل كأدوات الشرط وأدوات التحضيض وأدوات الاستفهام إلا الهمزة، فإن النصب بعدها راجح لا واجب.
وقد "مثل"٣ بإن نحو: "إن زيدا ضربته" "وحيثما" نحو: حيثما زيدا لقيته "فأكرمه"٤.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، جـ "نصبا". ٢ ب. ٣ ب، جـ، وفي أ "مثله". ٤ أ، ب.
[ ٢ / ٦١٣ ]
ثم أشار إلى الثاني بقوله:
وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا
كذا إذا الفعل تلا ما لم يرد ما قبل معمولا لما بعد وجد
يعني أن الرفع يجب لسببين١:
أحدهما: أن يتقدم على الاسم ما يختص بالابتداء٢، ومثّل المصنف ذلك "بإذا" الفجائية، و"ليتما" نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، و"ليتما بشر كلمتُه".
أما "إذا" ففي اسم "الاشتغال"٣ بعدها مذاهب:
جواز نصبه وهو ظاهر كلام سيبويه، ووجوب رفعه؛ "لأنها"٤ لا يليها فعل ولا معمول فعل، وإنما يليها مبتدأ أو خبر.
و"إن" المفتوحة: مؤولة بمبتدأ أو المكسورة؛ لأن الكلام معها بمنزلة مبتدأ أو خبر. فمن "أولاها"٥ غير ذلك فقد خالف كلام العرب.
قال في شرح التسهيل: ولا يلتفت إليه، وإن كان سيبويه، رحمة الله عليه.
والتفصيل: فإن كان الفعل مقرونا بقد جاز النصب "بعدها"٦، وإن لم يكن مقرونا بها وجب الرفع؛ لأن الأخفش قد حكى عن العرب إيلاءها الفعل المقرون بقد. قيل: وهو الصحيح وأما "ليتما" فمذهب الجمهور أنها لا يليها فعل ولا معمول فعل. وقد أجاز بعضهم وقوع الجملة الفعلية بعدها، وعلى هذا "لا"٧ يمتنع النصب.
وذكر بعضهم مما يختص بالابتداء واو الحال، نحو: "خرجت وزيد يضربه عمرو" ولا يجوز: "زيدا يضربه عمرو".
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي جـ "لشيئين". ٢ في الأصل "بإلا". ٣ أ، جـ. وفي ب "الاشتغال عنه". ٤ أ، جـ. وفي ب "لأنه". ٥ ب، جـ. وفي أ "والاها". ٦ أ، جـ. ٧ ب، جـ.
[ ٢ / ٦١٤ ]
والثاني: أن يكون بين الاسم والفعل شيء لا يعمل ما بعده فيما قبله؛ كأدوات الاستفهام والشرط والتحضيض والموصول والموصوف و"إلا" في الاستثناء والحروف الناسخة وكم الخبرية ولام الابتداء و"ما" النافية.
وأما "لا"، فعلى المذاهب في تقديم معمول ما نفي بها١.
مثال ذلك: "زيد هل لقيته؟ " فالرفع في هذا المثال ونحوه واجب؛ لأن "هل" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لكونها من أدوات الصدر، وتمثيل سائرها سهل٢ فلا نطول "به"٣.
وتقدير البيت: كذا إذا "تلا الفعل شيئا لن"٤ يرد ما قبله مفعولا لما وجد بعده.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
واختير نصب قبل فعل ذي طلب وبعد ما إيلاؤه الفعل غلب
يعني: أن النصب يترجح على الفعل بثلاثة أسباب:
الأول: أن يقع اسم الاشتغال قبل فعل ذي طلب، وهو الأمر والنهي والدعاء نحو: "زيدًا اضربه، وعمرًا لا تهنه"، و"اللهم عبدَك ارحمه".
والثاني: أن يكون الاسم بعد شيء غلب إيلاؤه الفعل "كالاستفهام بالهمزة، وحيث، وما، ولا، وأن" نحو: "أزيدًا ضربته" و"حيث زيدًا تلقاه أكرمه"، و"ما زيدًا لقيته".
والثالث: أن يكون الاسم بعد عاطف على جملة فعلية، وهو المراد بقوله:
وبعد عاطف بلا فصل على معمول فعل مستقر أولا
_________________
(١) ١ فمن أجاز تقديم معمولها جوز الاشتغال والنصب في الاسم السابق، ومن منعه فيها منعه وأوجب الرفع، والأصح التفصيل، وهو المنع في جواب القسم دون غيره "زيد لا أضربه"، "زيد، والله لا أضربه". ٢ من الأمثلة: زيد إن زرته يكرمك، وهل رأيته؟ وهلا كلمته، زيد كم لقيته! زيد ليتني أكرمه، ما زيد إلا يضربه عمرو، زيد ما ضربته، زيد الذي ضربته، زيد رجل ضربته. ٣ أ، ب. وفي جـ "فيه". ٤ أ، وفي ب، جـ "كان الفعل تلا شيئا لم".
[ ٢ / ٦١٥ ]
واحترز بقوله: "مستقر أولا" من ذات الوجهين وستأتي. مثال ذلك: "لقيت زيدا وعمرا كلمته"، إنما رجح النصب للمشاكلة بعطف فعلية على مثلها.
واحترز بقوله: "بلا فصل" "من"١ نحو: "قام زيد وأما عمرو فأكرمته" فلا أثر للعطف مع الفصل بأما؛ لأنها من أدوات الصدر، "فالكلام"٢ بعدها منقطع عما قبلها.
فالرفع بعدها أرجح ما لم يوجد مرجح النصب نحو: "وأما زيد فأكرمه".
تنبيهان:
الأول: تجوز المصنف في قوله: "على معمول فعل" وليس كذلك، وإنما "العطف"٣ على الجملة الفعلية.
الثاني: لترجيح النصب أسباب أخر، لم يذكرها هنا:
أحدها: أن "يكون"٤ اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على جملة فعلية نحو: "أتيتُ القومَ حتى زيدُا مررتُ به" فحتى هنا حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها شابهت العاطفة.
فلو قلت: "ضربت زيدا حتى عمرو ضربته" "تعين"٥ رفع عمرو لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة. إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض، ذكره في شرح التسهيل.
والثاني: أن يجاب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه.
مثال الأول: قولك في جواب: "أيهم ضربتَ؟ ": "زيدًا ضربتُهُ".
ومثال الثاني: قولك في جواب: "غلامَ أيهم ضربت؟ ": "غلام زيد ضربتُهُ".
_________________
(١) ١ أ، ب. وفي جـ "في". ٢ ب، جـ. وفي أ "رافعا الكلام". ٣ أ، جـ. وفي ب "يعطف". ٤ أ، جـ. وفي ب "يقع". ٥ أ، جـ. وفي ب "رجح".
[ ٢ / ٦١٦ ]
والثالث: أن يكون رفعه يوهم وصفا مُخلا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١، فالنصب فيه راجح؛ لأن الرفع يوهم أن يكون "خلقناه" صفة مخصصة، والنصب يرفع ذلك التوهم، إذ الصفة لا تفسر ناصبا لما قبلها.
وإذا لم تكن صفة فهو خبر، فيلزم عموم خلق الأشياء بقدر، فهو مذهب أهل السنة. وقد قرئ بالرفع٢ ثم أشار إلى الرابع بقوله:
وإن تلا المعطوفُ فعلا مُخْبَرا به عن اسم فاعطفَنْ مخيَّرا
يعني: أنه إذا وقع اسم الاشتغال بعد عاطف على جملة ذات وجهين، وهي الابتدائية التي خبرها فعل نحو: "زيد قام" و"عمرًا أكرمته"، فيجوز الرفع مراعاة لصدرها، والنصب مراعاة لعجزها، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ لأن في كل منهما مشاكلة.
فإن قلت: ينبغي ترجيح النصب؛ لترتبه على أقرب "المشاكلتين"٣.
قلت: قد رجّحه بعضهم على الرفع لذلك، ولا ينهض؛ لأن الرفع "مترجح"٤ بعدم الإضمار، ولكل منهما مرجح فتساويا، وقد حكي عن الفارسي ترجيح الرفع.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: "بلا فصل" كما قال في البيت السابق؛ احترازا من نحو: "زيد قام وأما عمرا فأكرمته"، فالرفع فيه راجح، ولا أثر للعطف.
قلت: استغني بتقديم الاحتراز عنه.
فإن قلت: ما المراد بقوله: المعطوف؟
قلت: إن أراد اسم الاشتغال "فقد"٥ تسامح في العبارة، وإن أراد جملة الاشتغال فهو صحيح.
_________________
(١) ١ الآية ٤٩ من سورة القمر. ٢ لكن على أن "خلقناه" في موضع الخبر للمبتدأ، والجملة خبر إن، و"بقدر" حال. ٣ أ، جـ. وفي ب "المشاكلين". ٤ أ، جـ. وفي ب "مرجح". ٥ أ، جـ.
[ ٢ / ٦١٧ ]
تنبيه:
حكم شبه العاطف في هذه المسألة، حكم العاطف نحو: "زيد أتى القومَ حتى عمرًا مر به" وقد سبق بيان ذلك.
وحكم شبه الفعل إذا وقع خبرا١ في هذه المسألة، حكم الفعل "نحو"٢: "هذا ضارب عبد الله وعمرو يكرمه".
ثم أشار إلى الخامس بقوله:
والرفع في غير الذي مر رجح فما أُبيح افعل ودع ما لم يُبَح
مثال: "زيد ضربته"؛ لأنه خلا من موجب النصب، وموجب الرفع، ومرجح النصب، ومستوي الأمرين، وإنما رجح رفعه؛ لأنه لا إضمار فيه.
ثم قال:
وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة كوصل يجري
يعني: أن الأقسام الخمسة المتقدمة مع الفعل المباشر للضمير جارية مع ما منع من مباشرته حرف جر أو إضافة، فمثل "إن زيدًا رأيته" في وجوب النصب: "إن زيدا مررت به"، أو "رأيت أخاه" وقس على ذلك بقية المسائل.
فإن قلت: كيف يصح ذلك في جميع المسائل؟ وقد ذكروا أن النصب في نحو: "زيدًا ضربته" أحسن منه في: "زيدًا ضربت أخاه" والنصب في: "زيدا ضربت أخاه" أحسن منه في: "زيدا مررت به" لوصول ضربت بنفسه، وعكس ابن كيسان، والنصب في: "زيدا مررت به" أحسن منه في: "زيدا مررت بأخيه".
قلت: "كل"٣ هذه المسائل "متساوية"٤ في ترجيح الرفع على النصب، وتفاوت مراتب النصب فيها لا ينافي ذلك.
ثم قال:
وسَوِّ في ذا الباب وصفا ذا عمل بالفعل إن لم يَكُ مانع حصل
يعني: "أن"٥ حكم الوصف "العامل"٦ في تفسير ناصب الاسم السابق، حكم الفعل.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، ب. ٣ ب. ٤ ب، جـ. وفي أ "متفاوتة". ٥ أ، ب. ٦ أ، ب.
[ ٢ / ٦١٨ ]
والذي يستوي بالفعل في هذا الباب من الأوصاف، اسم الفاعل واسم المفعول١. واحترز بالوصف مما يعمل عمل الوصف، وليس بوصف كالمصدر المقدر، وحرف مصدري، واسم الفعل.
وأما المصدر النائب في فعله، فعلى الخلاف في جواز تقديم معموله.
وبقوله: "ذا عمل" من اسم الفاعل بمعنى الماضي، فإنه لا عمل٢، وبقوله: "إن لم يك مانع حصل"٣ من اسم الفاعل الواقع صلة لأل، فإنه لا يعمل فيما قبل "أل"؛ لأنها موصولة، وما لا يعمل لا يفسر عاملا في هذا الباب.
فإن قلت: يرد عليه الصفة المشبهة، فإنها لا تقع في باب الاشتغال.
قلت: هي "كاسم"٤ الفاعل الواقع صلة "لأل"؛ لأنها لا يتقدم معمولها عليها فالعلة واحدة. ثم قال:
وعُلْقَة حاصلة بتابع كعلقة بنفس الاسم الواقع
يعني: أن الشاغل إذا كان أجنبيا وله تابع سببي، فالحكم معه كالحكم مع السببي المحض، فأطلق في التابع وهو مقيد بالنعت نحو: "هند ضربت رجلا "يحبها"٥" وعطف البيان نحو: "زيدا ضربت عمرا أخاه" "فلو"٦ جعلت أخاه بدلا امتنع٧، وعطف "النسق"٨ بالواو خاصة نحو: "زيد ضربت عمرا أخاه"؛ لإفادتها معنى الجمع، فلو كان العطف بغيرها امتنع٩.
_________________
(١) ١ مثال الوصف العامل من اسم فاعل واسم مفعول بمعنى الحال والاستقبال: "أزيدا أنت ضاربه، أو مكرم أخاه، أو مارّ به، أو محبوس عليه" ا. هـ. أشموني ١/ ١٩٣. ٢ أي: لا يعمل نحو: "زيد أنا ضاربه أمس". ٣ أ. ٤ ب، جـ. وفي أ "اسم". ٥ أ. وفي ب، جـ "يضربها". ٦ أ، جـ. وفي ب "فإن". ٧ لأن البدل في نية تكرير العامل. نعم، يجوز إن قلنا: إن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه ا. هـ. أشموني ١/ ١٩٤. ٨ أ، ب. ٩ لإفادة الواو معنى الجمع، بخلاف غيرها من حروف العطف. ا. هـ. أشموني ١/ ١٩٤.
[ ٢ / ٦١٩ ]
تعدي الفعل ولزومه:
قال:
علامة الفعل المُعَدَّى أن تصل "ها" غير مصدر به نحو: "عمل"
الفعل قسمانِ: متعدٍّ ولازم.
فعلامة المتعدي صلاحيته لأن يتصل به ضمير يعود على غير المصدر نحو: "عمل" فتقول: "الخيرُ عمله زيد".
وإنما احتُرز عن "هاء" المصدر؛ لأنها تتصل بالمتعدي واللازم، فليست عاملة لواحد منهما.
فإن قلت: كان ينبغي أن يستثنى "ضمير"١ ظرفي الزمان والمكان، فإنه يتصل بالفعل اللازم كضمير المصدر نحو:
ويوما شهدناه٢
و"الميل سرته".
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ جزء بيت من الطويل، لرجل من بني عامر، وهو من شواهد سيبويه جـ١ ص٩٠، وتمامه: سليما وعامرا قليلا سوى الطعنِ النهالِ نوافِلُهْ وروي: "يوم شهدناه"، وروي: "قليل". الشرح: "شهدناه" شهدنا فيه، "سليما وعامرا" قبيلتان من قيس عيلان، "النوافل" هنا الغنائم، "النهال" أصل النهل: أول الشرب، "والعلل": الشرب بعد الشرب، "الطعن" هنا جمع طعنة. المعنى: يقول: يوم لم يغنم فيه إلا النفوس؛ لما أوليناهم من كثرة الطعن والنهال المرتوية بالدم. الإعراب: "يوما" منصوب بفعل محذوف، "شهدناه" فعل وفاعل، وأصله شهدنا فيه فحذف الجار وانتصب الضمير واتصل بالفعل، فقد نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيها بالمفعول به اتساعا ومجازا. "سوى" أداة استثناء، "الطعن" مضاف إليه، "النهال" صفة للرماح ثم مضاف محذوف هو بدل من الطعن. أي: قليل به النوافل سوى الطعن طعن الرماح النهال للدم، "نوافله" فاعل لقليل والهاء مضاف إليه. الشاهد: "ويوما شهدناه" حيث نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيها بالمفعول به اتساعا ومجازا. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٢١٣، وابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ٤٦، وسيبويه جـ١ ص٩٠، والمقتضب ٣/ ١٠٥.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
قلت: لا يتصل باللازم ضمير الزمان ولا المكان حتى يتوسع فيه، وينصب ذلك الضمير نصب المفعول به.
فإن قلت: يرد عليه نحو: "كنته"، فإن الضمير خبر "كان" وهو ضمير غير المصدر، ولا يطلق على "كان" وأخواتها أنها أفعال متعدية.
قلت: إنما لم ينبه على هذا لوضوحه، وأيضا فكان وأخواتها مشبّهة بالمتعدي وربما أطق على خبرها المفعول.
ثم قال:
فانصِبْ به مفعوله إن لم ينُب عن فاعل نحو: تدبرت الكتب
قوله: "فانصب به" تصريح بأن ناصب المفعول به هو الفعل، وهذا هو الصحيح. وشرط في نصبه ألا ينوب عن فاعل نحو: "تدبرت الكتب"، فلو ناب عن الفاعل رفع كما تقدم في نائبه١.
ثم قال:
ولازم غير المعدَّى
يعني: أن ما سوى المتعدي هو اللازم، ولا ثالث لهما.
فإن قلت: ثم قسم "ثالث٢" صالح للتعدي واللزوم كما ذكر في التسهيل٣.
قلت: هو غير خارج عن القسمين.
ثم أشار إلى أن من اللازم ما يستدل على لزومه بمعناه، ومنه ما يستدل على لزومه بزنته، فقال:
وحُتِمْ لزوم أفعال السجايا كنهم
أفعال السجايا: ما دل على معنى قائم بالفعل "لازم له"٤ "كشجُع٥" وجبُن وحسُن وقبُح، ونَهِم إذا كثر أكله.
_________________
(١) ١ الرفع، نحو: "تدبرت الكتب". ٢ أ، جـ. وفي ب "آخر". ٣ قال في التسهيل ص٨٣: "ويسمى متعديا وواقعا ومجازا، وإلا فلازما. وقد يشهر بالاستعمالين فيصلح للاسمين" ا. هـ. أي: القسمين. ٤ ب، جـ. وفي أ "لا له". ٥ أ، جـ.
[ ٢ / ٦٢١ ]
ثم قال:
كذا افعللَّ
نحو "اقشعرّ" و"اشمأزّ"١ و"اطمأنّ".
والمضاهي اقْعَنْسَسَا
يعني: ما كان على وزن "افعنْلَل" "كاحرنْجمت الإبل" أي: اجتمعت، وكذا ما ألحق بافعنلل، كاقعنسس البعير: امتنع من أن يقاد، واحْرَنْبَى الديك، أي: انتفش.
والمضاهي: يعني المشابه، وينبغي أن يكون "اقعنسس" فاعلا بالمضاهي والمفعول محذوف، أي: وكذلك الفعل الذي ضاهاه "اقعنسس" كاحرنجم؛ لأن اقعنسس ملحق باحرنجم.
ثم قال:
وما اقتضى: نظافة أو دَنَسا
نحو: "نظُف" و"وضُأ" و"طهُر" ونحو: "نجُس" و"رجُس" و"قذُر".
أو عرضا
وهو ما ليس حركة جسم من معنى قائم بالفاعل، غير ثابت فيه "كمرِض وكسِل" و"نشِط" و"حزِن" و"فرِح".
أو طاوع المعدَّى لواحد
المراد بالمطاوع: ما دل على قبول الأثر نحو: "مددت الثوب فامتد، ودحرجت الشيء فتدحرج".
واحترز بقوله: "لواحد" من مطاوع المتعدي إلى اثنين، فإنه متعدٍّ إلى واحد.
ثم قال:
وعَدِّ لازما بحرف جر
يعني: أنه إذا علق اللازم بمفعول به معنى، عدي بحرف الجر نحو: "ذهبتُ بزيد" بمعنى: أذهبته، ونحو: "رغبت في الخير" و"أعرضت عن الشر".
وقد جاء "تعدية"٢ المتعدي إلى واحد بالباء إلى ثانٍ، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قالوا: اشمأز الشيء: كرهه. ٢ أ، جـ. وفي ب "تعدي". ٣ من الآية ٤٠ من سورة الحج.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
ثم قال:
وإن حُذف فالنصب للمنجَرّ
يعني: أن حرف الجر إذا حذف١ نصب المجرور، وقد يحذف ويبقى عمله، وهو ضربان: شاذ كقوله:
أشارت كُلَيْب بالأكف الأصابع٢
ومطرد نحو:
وليلٍ كموج البحر٣
_________________
(١) ١ ب، جـ. وفي أ "نصب". ٢ عجز بيت، قائله الفرزدق همام بن غالب من قصيدة من الطويل، يهجو فيها جرير بن عطية الخطفي. وصدره: إذا قيل أي الناس شر قبيلة الشرح: "أشارت" ويروى: "أشرت"، يريد أشارت إليها بأنها شر الناس، "كليب" بضم الكاف وفتح اللام هو كليب بن يربوع، أبو قبيلة جرير، والباء في قوله: بالأكف بمعنى: مع، أي: مع الأكف، "الأصابع" فاعل أشارت. المعنى: أن قبيلة كليب لا قيمة لها ولا خير فيها، فإذا سأل سائل عن أقبح القبائل وأحقرها، أجابه المسئول بأصابعه مع أكفه مشيرا إليها، وتحاشى النطق بكلمة "كليب" لقبحها. الإعراب: "إذا" ظرف للمستقبل من الزمان تضمّن معنى الشرط، "قيل" فعل ماضٍ مبني للمجهول، "أي" اسم استفهام مبتدأ، "الناس" مضاف إليه، "شر" أفعل تفضيل حذفت همزته تخفيفا لكثرة الاستعمال، وهو خبر المبتدأ، "قبيلة" مضاف إليه، والجملة من المبتدأ وخبره نائب فاعل قيل، "أشارت" فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، "كليب" بحرف جر محذوف، والتقدير: إلى كليب والجار والمجرور متعلق بأشارت، "بالأكف" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الأصابع تقدم عليه، "الأصابع" فاعل أشارت مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: في "كليب" بالجر، حيث حذف حرف الجر وهو "إلى" المقدر وأبقي عمله. وأصل الكلام: أشارت الأصابع مع الأكف إلى كليب، وهو شاذ. ويروى: "كليب" بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي: هي كليب، فيكون قد جمع بين الإشارة والعبارة، ولا شاهد فيه. مواضعه: ذكره من شرّاح الألفية: ابن الناظم ص١٠١، وابن عقيل ٢/ ٣٠، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ١٩٦، والسيوطي ص٥٥، وابن هشام ٢/ ١٥، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ١/ ٦، والمكودي ص٨٤، وابن مالك في التسهيل ص٦٣. ٣ جزء من بيت، قائله: امرؤ القيس بن حجر الكندي من قصيدته المشهورة من الطويل. وتمامه: أرخى سدوله عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي الشرح: "كموج البحر" في كثافة ظلمته، شبه الليل بموج البحر في شدة هوله، وعظيم ما ينالك من المخافة، "سدوله" السدول: الأستار، واحدها: سدل مثل: ستر وستور، "ليبتلي": ليختبر ويمتحن، "أنواع الهموم" ضروب الهموم. المعنى: رب ليل شديد الهول أرخى علي ستور ظلامه مع أنواع الهموم والأحزان؛ ليختبرني أأصبر أم أجزع؟ قطعته ولم أبالِ بشيء. =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
أي: ورب ليل. وسيأتي بيانه في باب حروف الجر.
وأما حذفه ونصب المجرور، فهو نوعان: مقصور على السماع، ومطرد.
والمقصور على السماع "مخصوص"١ بالضرورة، ووارد في السعة.
فالمخصوص بالضرورة كقوله:
وأخفي الذي لولا الأُسَا لقضاني٢
_________________
(١) = الإعراب: "وليل" الواو واو رب، ليل: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، "كموج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لليل، وموج مضاف، و"البحر" مضاف إليه، "أرخى" فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الليل، "سدوله" مفعول به لأرخى وهو مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، "عليَّ" جار ومجرور متعلق بأرخى، "بأنواع" جار ومجرور متعلق بأرخى، "الهموم" مضاف إليه، "ليبتلي" اللام لام التعليل ويبتلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد اللام. الشاهد: في "وليل" حيث حذفت رب بعد الواو، وبقي عملها وهو مطرد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٣ في حروف الجر، وابن هشام ٢/ ١٠٣، وداود، والإصطهناوي، والأشموني ٢/ ٣٠٠، والمكودي ص٨٤، والسيوطي ص٧٣، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ٣٥. ١ ب، جـ. ٢ عجز بيت، قائله: عروة بن حزام، من قصيدة من الطويل. وصدره: تحنّ فتبدي ما بها من صَبَابَة الشرح: "تحن" من الحنان، وهي الرحمة والحنوّ، "من صبابة": من شوق، "الأسا" بضم الهمزة: جمع أسوة -فعلة- من التأسي وهو الاقتداء. وقال ابن هشام: "الأسا" يظنون بفتح الهمزة، وعندي أنه خطأ، وصوابه بضم الهمزة؛ لأن الأسى -بفتح الهمزة- الحزن، ولا مدخل له هنا من حيث المعنى بل هو مفسد. الإعراب: "تحن" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، "فتبدي" الفاء عاطفة وتبدي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير مستتر عطفت على ما قبلها، "ما" اسم موصول مفعول لتبدي، "بها" صلة الموصول ما وقد حذف صدر الصلة، تقديره: الذي هو بها، "من" بيانية، "صبابة" مجرور بها وعلامة جره الكسرة الظاهرة، "وأخفي" الواو للعطف، و"أخفي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، "الذي" مع صلته في محل نصب مفعول أخفي، "لولا" لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، "الأسا" مبتدأ والخبر محذوف وجوبا، "لقضاني" جواب لولا، أي: لولا الأسا موجودة لقضى علي الموت، وفاعل قضى محذوف. الشاهد: في "لقضاني" حيث حذف منه حرف الجر وجعل مجروره مفعولا، أي: لقضى علي. وقد حمل الأخفش على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: على سر، أي: نكاح. مواضعه: ذكره ابن الناظم في شرحه للألفية، وابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ١٤٢.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
أي: لقضي عليَّ.
والوارد في السعة كقوله: "شكرتُه ونصحتُه" في أحد الأقوال، وكقولهم: "ذهبتُ الشامَ" أي: إلى الشام.
والمطرد حذفه مع "أنّ وأنْ"١ بشرط أمن اللبس نحو: "عجبت أنك فاضل" أي: من أنك فاضل، و"عجبت أن يَدُوا" أي: يغرموا الدية، وهذا معنى قوله:
نقلا وفي أَنَّ وأَنْ يطرد مع أمن لبس، كعجبت أن يدوا
واحترز "بأمن اللبس" من نحو: "رغبتُ في أن تفعل" فلا يجوز حذفه؛ لئلا "يتوهم"٢ أن المراد: عن أن "تفعل"٣.
فإن قلت: فقد حذف في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٤ قلت: عنه جوابان:
أحدهما: أن يكون حذف اعتمادا على القرينة "الرافعة"٥ للبس، وقد أشار إلى هذا في "منهج"٦ السالك٧.
والآخر: أن يكون حذف لقصد الإبهام؛ ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
_________________
(١) ١ وإنما اطرد حذف حرف الجر مع أنّ وأنْ لطولهما بالصلة، ومحلهما بعد الحذف: جر عند الخليل والكسائي، متمسكين بقوله: وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي ولا دينٍ بها أنا طالبه بجر "دين". وذهب سيبويه والفراء إلى أنهما في موضع نصب، وهو الأقيس. ا. هـ أشموني ١/ ١٩٧. ٢ أ، وفي ب، جـ "يوهم". ٣ ب. ٤ من الآية ١٢٧ من سورة النساء. ٥ ب، جـ. وفي أ "الواقعة". ٦ أ، ب. ٧ كتاب لأبي حيان، اسمه: منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، كما في كشف الظنون.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين، والله أعلم١.
ثم قال:
والأصل سَبْق فاعل معنى "كمن" من ألبسَنْ من زاركم نَسْجَ اليَمَن
الكلام هنا على المتعدي من غير بابي ظن وأعلم، وهو ضربان:
متعدّ إلى واحد نحو: "ضربت زيدًا"، ومتعدّ إلى اثنين نحو: "أعطيت زيدًا درهمًا".
فأشار إلى أن الأصل في باب أعطى تقديم ما هو فاعل في المعنى من مفعوليه "كزيد" من: "أعطيت زيدا درهما" و"من" من قوله:
ألبسن من زاركم نسج اليمن
ثم قال:
ويلزم الأصل لموجب عرا
يعني: أن الأصل المذكور وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى، قد يكون واجبا؛ وذلك لأسباب:
منها خوف اللبس نحو: "أعطيت زيدا عمرا" أو حصر الثاني نحو: "ما أعطيت زيدا إلا درهما" وكون الأول ضميرا متصلا والثاني ظاهرا نحو: "أعطيتك درهما".
وقوله: "عرا" أي: وجد.
ثم قال:
وتَرْك ذاك الأصل حتما قد يُرَى
يعني: أنه قد يجب تأخير ما هو فاعل في المعنى على خلاف الأصل؛ وذلك لأسباب:
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ١/ ١٩٧.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
منها حصر الأول نحو: "ما أعطيت درهما إلا زيدا"، وكون الثاني ضميرا متصلا والأول ظاهرا نحو: "الدرهم أعطيته زيدا"، واتصال ضمير بالأول يعود على الثاني نحو: "أعطيت الدابة راكبها"، وما خلا "من"١ الموجب والمانع جاز بقاؤه على الأصل، وجاز خروجه عن الأصل كما ذكر في الفاعل. ثم قال:
وحذف فَضْلة أَجِزْ إن لم يَضِرْ كحذف ما سِيقَ جوابا أو حُصِر
المفعول من غير باب "ظن" فضلة، فيجوز حذفه اختصارا كما جاز ذلك في مفعولي "ظن".
ويجوز حذفه اقتصارا، بخلاف باب "ظن" فتقول: "ضربت".
ويحذف المفعول لغير دليل. وكذلك "أعطيت" يجوز حذف مفعوليه معا اقتصارا، وحذف أحدهما اقتصارا، وإن كان ذلك ممتنعا في باب "ظن".
ثم نبه على أن حذف الفضلة مشروط بألا يضر٢، فإن كان حذفه يضر امتنع، ومثله بالمجاب به كقولك: "زيدا" في جواب "من ضربت؟ "، وبالمحصور كقولك: "ما ضربت إلا زيدا". وما يمتنع حذفه ما حذف عامله نحو: "إياك والأسدَ"٣.
ثم قال:
ويُحذَف الناصبها إن عُلما
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "عن". ٢ قوله: "يضر" هو بكسر الضاد، مضارع ضار يضير ضيرا، بمعنى: ضر يضر ضرا. قال تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لم يضركم. ا. هـ أشموني ١/ ١٩٩. ٣ فإياك مفعول لفعل محذوف وجوبا يقدر متأخرا، و"الأسد" مفعول لفعل محذوف وجوبا يقدر متقدما، أي: إياك باعد، واحذر الأسد. وإنما وجب الحذف ليتنبه السامع بسرعة ويبتعد عن الهلاك، وكان العامل مع إياك متأخرا لئلا يتصل الضمير المنفصل.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
يعني: أنه يجوز حذف الفعل الناصب للفضلة بشرط أن يعلم جوازا في نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ ١، ووجوبا في باب الاشتغال، والنداء، والتحذير، والإغراء بشرطه، وما كان مثلا، أو كالمثل٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
وقد يكون حذفه مُلْتَزَما
واحترز بقوله: "إن عُلما" مما لا دليل عليه، فلا يجوز حذفه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٠ من سورة النحل. ٢ أمثلة الوجوب: الاشتغال نحو: "زيدًا ضربته"، إذ لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، والنداء نحو: "يا عبد الله"؛ لأن "يا" عوض عن الفعل، ولا يجمع بين العوض والمعوض. والتحذير نحو: "إياك والأسد". والإغراء نحو: "المروءة والنجدة"، ونحو: "السلاح السلاح" بتقدير الزم. والمثل نحو: "الكلاب على البقر" أي: أرسل، والمراد بالبقر بقر الوحش. والمعنى: خَلِّ الناس جميعا خيرهم وشرهم، واسلك أنت طريق السلامة. أو كالمثل نحو قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: وأتوا.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
التنازع في العمل:
إِنْ عاملانِ اقتضيا في اسمٍ عَمَل قبلُ فللواحد منهما العمل
قوله: "إن عاملان" يعني: من الفعل وشبهه؛ كاسم الفاعل والمفعول واسم الفعل، ولا مدخل للحرف في هذا الباب.
وشمل قوله: "عاملان" الفعلين نحو: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ١، والاسمين نحو:
عُهدْتَ مغيثا مغنيا من أجرته٢
_________________
(١) ١ من الآية ٩٦ من سورة الكهف. ٢ قال العيني: لم أقف على اسم قائله -وهو من الطويل- وبالبحث لم أعثر على قائله. وعجزه: فلم أتخذ إلا فناءك موئلا الشرح: "عهدت" بالبناء للمجهول، أي: عهدك الناس على هذه الصفة، أي: علموك، "مغيثا" اسم فاعل من الإغاثة، "مغنيا" اسم فاعل من الإغناء، "أجرته" من أجاره يجيره من فلان، إذا استجاره وأنقذه منه، "فناءك" الفناء -بكسر الفاء بزنة كتاب- ساحة الدار، "موئلا" اسم مكان -بفتح الميم وكسر الهمزة- من وأل إليه يئل مثل وعد يعد، إذا لجأ إليه. المعنى: عرفت بنصرة المظلوم وبنجدة من يستغيث بك وبإغنائه؛ فلذا لم أجاوز غيرك ولم ألجأ إلى سواك. الإعراب: "عهدت" فعل ماضٍ مبني للمجهول والتاء للمخاطب نائب فاعل. "مغيثا" حال من نائب الفاعل منصوب بالفتحة الظاهرة، "مغنيا" حال ثانٍ من نائب الفاعل وفي كل واحد منهما ضمير مستتر هو فاعله تقديره هو، "من" اسم موصول تنازع فيه مغيث ومغنٍ، وقد أعمل فيه الثاني منهما، فهو مفعول به لقوله: مغنيا، "أجرته" فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "فلم" الفاء حرف عطف، لم حرف نفي وجزم وقلب، "أتخذ" فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، "إلا" أداة استثناء ملغاة، "فناءك" مفعول أول لأتخذ والكاف مضاف إليه، "موئلا" مفعول ثان لأتخذ منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد في: "مغيثا مغنيا من أجرته". فإن مغيثا ومغنيا اسمان، وقد تنازعا في قوله: "من أجرته"؛ لأن كلا منهما يستدعي أن يعمل فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٠٤، ابن هشام ٢/ ٢١، والسندوبي، والأشموني ١/ ٢٠٢، والمكودي ٦١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
والاسم والفعل نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ١.
وعكسه نحو:
لقيت فلم أنكُلْ عن الضرب مِسْمَعا٢
_________________
(١) ١ من الآية ١٩ من سورة الحاقة، وفي هامش نسخة جـ: "ها اسم فعل بمعنى خذ، والميم حرف يدل على الجمع. شرح وتوضيح" ا. هـ. ٢ عجز بيت، قائله المرار الأسدي، كذا نسب في الكتاب. ونسبه الجرمي في المدخل المسمى بالفرخ لمالك بن زغبة الجاهلي، وهو من الطويل. وصدره: لقد علمت أُولَى المغيرة أنني الشرح: "أولى المغيرة" أي: أولها، والمغيرة -بضم الميم وكسر الغين- وهو من الخيل التي تغير، "أنني لقيت" وروي: "أنني لحقت"، وروي: "أنني كررت"، وروي: "أنني ضربت"، و"لم أنكل" ولم أعجز،"مسمعا" -بكسر الميم الأولى وسكون السين- وهو اسم رجل. المعنى: يقول: قد علم أول من لقيت من المغيرين أني صرفتهم عن وجههم هازما لهم، ولحقت عميدهم فلم أرجع عن ضربه بسيفي. الإعراب: "لقد" اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق، "علمت" فعل ماض مبني على الفتح والتاء علامة التأنيث، "أولى" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف، "المغيرة" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "أنني" أن حرف توكيد ونصب، والنون للوقاية، والياء اسمها، "لقيت" فعل ماض والتاء ضمير المتكلم فاعل، والجملة في محل رفع خبر أن، وأن مع ما دخلت عليه سدت مسد مفعولي علم، وجملة الفعل وفاعله ومفعوليه لا محل لها من الإعراب جواب القسم، "فلم" الفاء عاطفة، لم حرف نفي وجزم وقلب، "أنكل" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، "عن الضرب" جار ومجرور متعلق بأنكل، "مسمعا" تنازعه من جهة المعنى كل من: لقيت والضرب، وقد أعمل فيه الثاني منهما، فهو مفعول به للضرب. الشاهد: في "لقيت الضرب مسمعا" فالأول فعل والثاني اسم، وقد تنازعا في "مسمعا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: المكودي ص٦١، والأشموني ١/ ٢٠٢، والسيوطي في همع الهوامع ٢/ ٩٣، وابن يعيش في شرح المفصل ٦/ ٦٤، والشاهد رقم ٥٩٨ من خزانة الأدب، وكتاب سيبويه جـ١ ص٩٩.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وقال في التسهيل: فصاعدا؛ ليشمل تنازع أكثر من اثنين.
قيل: ولم يوجد أكثر من ثلاثة، كقوله:
أتاني فلم أُسرِر به حين جاءني كتاب بأعلى القُنَّتَيْن عجيب١
فإن قلت: هل يُشترط هنا كون الفعل متصرفا؟
قلت: شرطه ابن عصفور، ولم يشترطه المصنف.
وأجاز في التسهيل٢: تنازع فعلي التعجب، لكن "بشرط"٣ إعمال الثاني "حتى"٤ لا يفصل بين الأول ومعموله، وأجازه المبرد على إعمال كل منهما٥.
وقوله: "اقتضيا" يخرج عن قول امرئ القيس:
_________________
(١) ١ قائله جزء بن ضرار أخو الشماخ من قصيدة من الطويل، وأولها هذا البيت. الشرح: "القنتين" -بالقاف والنون- والقنتان: جبل مشرف بعض الإشراف، وليس فيه شواهق ولا صخور. وروي: "حديث" مكان "كتاب". الإعراب: "أتاني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقد تنازع هو وقوله: "فلم أسرر به"، وقوله: "جاءني" في قوله: "كتاب"، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "أسرر" مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وهو على صيغة المفعول، "به" الضمير في "به" يرجع إلى الكتاب الذي هو فاعل أتاني؛ لأن الفاعل فيه مضمر على تقدير إعمال جاءني، وإن أعملت الثاني يكون الفاعل ظاهرا ويكون فاعل جاءني مضمرا، "حين" نصب على الظرفية والعامل فيه أتاني، "بأعلى" الباء بمعنى في وأعلى مجرور بها "القنتين" مضاف إليه، "عجيب" صفة لكتاب مرفوعة بالضمة الظاهرة. الشاهد: في "أتاني فلم أسرر جاءني كتاب"، فقد تنازع الثلاثة: "أتاني. أسرر. جاءني" في قوله: "كتاب"، وأنه لا يوجد في أكثر من ذلك. مواضعه: ذكر في حماسة أبي تمام ص١٣٣. ٢ قال في التسهيل ص٨٦: "ولا يمنع التنازع تعدّ إلى أكثر من واحد، ولا كون المتنازعين فعلي تعجب، خلافا لمن منع". ٣ أ، ب، وفي جـ "يشترط". ٤ ب، جـ، وفي أ "حين". ٥ أجازه المبرد في فعلي التعجب نحو: "ما أحسنَ وأجملَ زيدًا، وأحسِنْ به وأجمِلْ بعمرو" ولا تنازع بين الحرفين؛ لضعف الحرف، ولفقد شرط صحة الإضمار في المتنازعين. ا. هـ أشموني وصبان ٢/ ٧٤.
[ ٢ / ٦٣١ ]
كفاني ولم أطلب قليل من المال١
على جعل الواو عاطفة، فإن الثاني لم يقتضِ قليلا، والمراد: كفاني قليل ولم أطلب الملك، فليس من "باب"٢ التنازع.
ويخرج به -أيضا- العاملان، المؤكد أحدهما بالآخر نحو:
أتاك أتاك اللاحقون٣
_________________
(١) ١ عجز بيت، قائله امرؤ القيس بن حجر الكندي، من قصيدة طويلة من الطويل. وصدره: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة المعني: يقول: لو كان سعيي في الدنيا لأدنى حظ منها، كفتني البلغة من العيش، ولم أتجشم ما أتجشم. الإعراب: "ولو" حرف امتناع لامتناع، "أن" حرف توكيد ونصب، "ما" مصدرية، "أسعى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، وما مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب اسم أن، "لأدنى" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أن، "معيشة" مضاف إليه، "كفاني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به، "ولم" حرف نفي وجزم وقلب، "أطلب" فعل مضارع مجزوم بلم وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، "قليل" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "من المال" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقليل. الشاهد: في "كفاني أطلب قليل"؛ حيث إن كفاني ولم أطلب وجها على قليل وأعمل الأول مع إمكان إعمال الثاني. وهذا ليس من باب التنازع؛ لأن الواو عاطفة، ويجوز أن يكون من باب التنازع إن جعلنا الواو للحال، ولو كان سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له، وإليه ذهب أبو علي. ا. هـ العيني ٣/ ٣٥. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١/ ٢٠١، وداود، والمكودي ص٦١. وذكره السيوطي في همع الهوامع ٢/ ١١٠، وابن يعيش في شرح المفصل ١/ ٧٩، والشاهد رقم ٤٩ من خزانة الأدب، وسيبويه جـ١ ص٤١، وابن هشام في مغني اللبيب ١/ ٢٠٥. ٢ ب. ٣ عجز بيت لم ينسب إلى قائل ولم يتعرض العيني لقائله، وهو من الطويل. وصدره: فأين إلى أين النجاة ببغلتي احبس احبس المعنى: الظاهر أن الشاعر قائل هذا البيت كان فارًّا من قوم فنظر خلفه فوجدهم في أثره، أو أنه قد أدركه لصوص وهو سائر في طريق مخوف، فخاطب دابته لتجدّ في السير أو ليحملها على ذلك. هذا إن قرأته بكسر الكاف في "أتاك"، أو خاطب نفسه إن قرأته بفتح الكاف. ويروى: "أتاك أتاك اللاحقون" على إضافة الوصف لضمير الخطاب. =
[ ٢ / ٦٣٢ ]
فإن الثاني "منهما"١ "لا اقتضاء"٢ له إلا التوكيد، فلا عمل له، وإنما العمل للأول.
وأجاز المصنف مع هذا الوجه أن ينسب العمل "لأحدهما"٣؛ لكونهما شيئا واحدا، وعلى التقديرين ليس من التنازع، إذ لو كان منه لقِيل: أتاك أتوك، أو أتوك أتاك٤.
وأجاز بعضهم أن يكون منه، ويكون قد أضمر في أحد الفعلين مفردا كما حكى سيبويه٥: "ضربني وضربتُ قومَك".
وقوله: "في اسم عمل" يخرج به: "ضربت زيدا، وأكرمت عمرا"، فإن كلا منهما متوجه إلى غير ما توجه إليه الآخر، فلم يقتضيا "العمل"٦ في اسم واحد.
فإن قلت: ينبغي أن يقول: "في اسم فأكثر"؛ ليشمل تنازع المتعدي إلى اثنين، وإلى ثلاثة.
_________________
(١) = الإعراب: "فأين" اسم استفهام مبني على الفتح في محل جر بإلى محذوفة، يدل عليها ما بعدها والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "إلى أين" توكيد لفظي، "النجاة" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، "ببغلتي" جار ومجرور متعلق بالنجاة، "أتاك" فعل ماض والكاف مفعول، "أتاك" توكيد لفظي، "اللاحقون" فاعل، "احبس" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، "احبس" توكيد لفظي. الشاهد: في "أتاك أتاك اللاحقون"، أن ذلك ليس من التنازع؛ لأن أتاك الثانية لم يؤت بها إلا للتوكيد، فلم تطلب المعمول. مواضعه: ذكره من شرَّاح الألفية: ابن الناظم ص١٠٤، وابن هشام ٢/ ٢٤، والمكودي ص٦١، والأشموني ١/ ٢٠١، والسيوطي في همع الهوامع ٢/ ١١١، والخصائص ٣/ ١٠٣، ١٠٩. ١ ب، جـ، وفي أ "لهما". ٢ ب، جـ، وفي أ "لاقتضا". ٣ أ، ب، وفي جـ "لهما". ٤ النوع الأول إذا عمل الأول، والثاني إذا عمل الثاني. وفي الأصل: "أتوك أتوك أو: أتاك أتوك" ما قلته كما في الأشموني. ٥ قال سيبويه، جـ١ ص١١٤: "فإن قلت: ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد". ٦ ب.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
قلت: قد منع بعض النحويين التنازع "في"١ المتعدي إلى اثنين، وإلى ثلاثة، والمختار الجواز؛ لسماعه في المتعدي إلى اثنين٢.
والقياس في المتعدي إلى ثلاثة.
وعبارة المصنف لا تأبى ذلك؛ لأن المراد بقوله: "اقتضيا في اسم" أن يتوجه كل من العاملين إلى الاسم الذي توجه إليه الآخر، ولا يمتنع أن يتوجها بعده إلى اسم آخر، فيتنازعا في الاسمين معا.
فإن قلت: قد شرط في التسهيل في الاسم المتنازع فيه أن يكون غير سببي مرفوع٣، نحو قول الشاعر:
وعزة ممطولٌ مُعَنّى غريمها٤
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ. ٣ التسهيل ص٨٦. ٤ عجز بيت، قائله كثير عزة، وهو كثير بن عبد الرحمن، وهو من الطويل. وصدره: قضى كل ذي دَيْن فوفّى غريمه الشرح: "غريمه" الغريم: من عليه الدين، "ممطول" اسم مفعول من المطل وهو التسويف في قضاء الدَّيْن، "معنى" اسم مفعول بتضعيف النون، إذا شق عليه وسبّب له العناء. المعنى: كل مدين وفّى ما عليه من الدين إلا عزة، فإنها تماطل غريمها ولا ترضى بتوفيته حقه، فلم تعطف على محبها ولم تصله. الإعراب: "قضى" فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، "كل" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "ذي" مضاف إليه مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الستة، "دين" مضاف إليه مجرور بالكسرة، "فوفى" الفاء عاطفة وفّى فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، "غريمه" مفعول به وضمير الغائب مضاف إليه، "وعزة" الواو للحال، عزة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "ممطول" خبر مقدم مرفوع بالضمة الظاهرة، "معنى" خبر ثانٍ مقدم مرفوع بضمة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، "غريمها" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة والضمير مضاف إليه، وجملة المبتدأ المؤخر وخبريه المقدمين في محل رفع خبر المبتدأ الأول الذي هو "عزة". الشاهد: في "وعزة ممطول معنى غريمها" أنه ليس من باب التنازع؛ لأن المعمول إذًا وهو "غريمها" يكون سببيا مرفوعا وهو لا يجوز. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢/ ٢٥، والأشموني ١/ ٣٠٣.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
لأنك لو قصدت فيه التنازع لأسندت أحدهما إلى السببي والآخر إلى ضميره، فيلزم عدم ارتباط رافع الضمير بالمبتدأ، وإنما يحمل ذلك على أن المتأخر مبتدأ مخبر عنه بالعاملين قبله.
قلت: لم يذكر أكثرهم هذا الشرط، فلذلك لم يذكره هنا.
وأجاز بعض النحويين في البيت التنازع١.
وقوله: "عمل" يشمل الرفع والنصب، فقد يطلبان رفعا نحو: "قام وقعد زيد"، وقد يطلبان نصبا نحو: "رأيت وأكرمت زيدا"، وقد يطلب الأول رفعا والثاني نصبا نحو: "قام وأكرمت زيدا"، وقد يكون بالعكس نحو: "أكرمت وأكرمني زيد"، فالصور أربع.
وقوله: "قبلُ" تنبيه على أن مطلوب المتنازعين لا يكون إلا متأخرا عنهما، "فلو"٢ تقدم عليهما نحو: "زيد قام وقعد" "فلا"٣ تنازع؛ لأن كلا "أخذ"٤ مطلوبه، أعني: ضمير الاسم السابق، هذا معنى ما علل به المصنف وغيره، وهي علة قاصرة.
ومقتضى ذلك ألا "يمتنع"٥ تقديم مطلوبهما، إذا طلبا نصبا.
وقد أجاز الفارسي التنازع مع توسط المعمول٦، وأجازه بعضهم مع التقديم٧.
وقوله: فللواحد منهما العمل، يعني: في لفظ المتنازع فيه؛ لأن الآخر له عمل، ولكن في ضميره. وذهب الفراء في نحو: "قام وقعد زيد" إلى أن العمل لكليهما، "فزيد" مرفوع بالفعلين معا والصحيح أنه لأحدهما.
_________________
(١) ١ وهم البصريون "الغريم" فيه للعامل الثاني وهو "معنّى"، إذ لو كان للأول لقال: "معنى هو"؛ لأنه حينئذ صفة جارية على غير من هي له وهو الغريم، وهو مردود. ا. هـ. العيني ٣/ ٥. ٢ أ، ب، وفي جـ "لو". ٣ أ، جـ، وفي ب "بلا". ٤ أ، جـ، وفي ب "منهما". ٥ أ، ب، وفي جـ "يمنع". ٦ مثل: "ضربت زيدًا وأكرمت". ٧ نحو: "أيّهم ضربت وأكرمت أو شتمته"، مستدلين بقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
ثم قال:
والثانِ أولى عند أهل البَصْرَه واختار عكسا غيرهم ذا أَسْرَه
عمل كل "واحد"١ منها مسموع، والخلاف في الترجيح.
فقال البصريون: إعمال الثاني أرجح لقربه، وقال الكوفيون: إعمال الأول أرجح "لسبقه"٢، وقال بعض النحويين: يتساويان.
وفصل أبو ذر الخشني٣ فقال: إن كان إعمال الثاني يؤدي إلى الإضمار في الأول فيختار إعمال الأول، وإلا فيختار إعمال الثاني.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن إعمال الثاني هو الأكثر وإعمال الأول قليل، نقل ذلك سيبويه عن العرب٤.
ثم قال:
وأَعْمِلِ المُهْمَل في ضمير ما تنازعاه والتزِمْ ما التُزِما
المهمل: هو الذي لم يسلط على الاسم الظاهر، فيعمل في ضميره مطابقا له.
ثم إن كان الثاني أضمر فيه المرفوع وجوبا والمنصوب على المختار، ومن حذفه قول الشاعر:
بعكاظ يُعْشَى الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه٥
أي: لمحوه.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، جـ، وفي أ "لقربه". ٣ هو: مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، أبو ذر بن أبي الركب النحوي ابن النحوي، وقال ابن الزبير: كان أحد الأئمة المتقدمين، إماما في العربية، ذا سمت ووقار وفضل ودين ومروءة، واتفق الشيوخ على أنه لم يكن في وقته أضبط منه. ومن تصانيفه: الإملاء على سيرة ابن هشام. ٤ قال سيبويه جـ١ ص٣٩: " ولو أعملت الأول لقلت: مررت ومر بي بزيد، وإنما قبح هذا، أنهم قد جعلوا الأقرب أولى إذا لم ينقض معنى". ا. هـ. ٥ البيت: لعاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ- وهو من الكامل. الشرح: "عكاظ" -بضم أوله، بزنة غراب- موضع بمكة كانت تقام فيه سوق مشهورة يجتمع فيها العرب، "يعشى" من الإعشاء وهو ضعف البصر ليلا، والمراد هنا ضعف البصر مطلقا، "شعاعه" -بضم الشين- خيوط الضوء أو بريقه ولمعانه. المعنى: تريد أن أشعة سلاح قومها مما تضعف أبصار الناظر إليها، تكني بذلك عن كثرة السلاح وقوة بريقه ولمعانه. =
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وقيل: إن حذفه مخصوص بالضرورة، والصحيح جوازه في الاختيار، وإن كان الأول ففيه تفصيل سيأتي.
فإن قلت: ما معنى قوله: "والتزم ما التزما"؟
قلت: "يحتمل"١ ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد: "والتزم ما التزما" من مطابقة الضمير للظاهر، وهو رأي الشارح٢.
والثاني: أن يكون المراد: "والتزِم ما التزِم" مما سيذكره من وجوب حذفه من الأول في بعض الأحوال، وتأخيره في بعضها.
والثالث: أن يكون المراد: "والتزم ما التزم" وهو العمدة، فلا تحذفه، بخلاف الفضلة. فيؤخذ منه جواز حذف ضمير المفعول معمولا للثاني، وهو حسن فليس هذا الكلام كما قيل حشوا.
ثم قال:
كيُحسنان ويسيء ابناكا
هذا مثال لإعمال الثاني، "ولذا"٣ أضمر في الأول فقال: "يحسنان".
_________________
(١) = الإعراب: "بعكاظ" مجرور بالباء وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث "يعشى" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، "الناظرين" مفعول به منصوب بالياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، "إذا" ظرفية تضمنت معنى الشرط، "لمحوا" فعل ماض وواو الجماعة فاعل، "شعاعه" فاعل يعشى مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد: في "يعشى لمحوا شعاعه" حيث تنازع كل من الفعلين شعاعه، فالفعل الأول "يعشى" يطلب فاعلا له، والفعل الثاني "لمحوا" يطلب مفعولا، وقد أعمل فيه الأول، وأعمل الثاني في ضميره ثم حذف ذلك الضمير ضرورة، وأصل الكلام قبل تقديم العاملين: "يعشى الناظرين شعاعه إذا لمحوه" ثم صار بعد تقديمهما: "يعشى الناظرين إذا لمحوا شعاعه". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢/ ٢٧، وابن عقيل ١/ ٣١١، والسندوبي، والأشموني ١/ ٢٦، والسيوطي ص٥٧. ١ أ، ب، وفي جـ "محتمل". ٢ قال الشارح ص١٠٤: " المهمل هو الذي لم يسلط على الاسم الظاهر وهو يطلبه في المعنى، فيعمل في ضميره مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، وإلى ذلك أشار بقوله: "والتزم ما التزما"". ٣ أ، وفي ب، جـ "ولذلك".
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ثم قال:
وقد بغى واعتديا عبداكا
هذا مثال لإعمال الأول؛ ولذلك أضمر في الثاني فقال: "واعتديا"، وهذا المثال متفق على جوازه، ومنع الكوفيون المثال الأول؛ لأن مذهبهم منع الإضمار قبل الذكر في هذا الباب. وحاصل مذهبهم أن الأول إذا طلب مرفوعا لم يجُز إعمال الثاني والإضمار في الأول سواء طلب الثاني مرفوعا نحو: "يحسنان ويسيء ابناكا"، أو منصوبا نحو: "ضرباني وضربت الزيدين".
فإن قلت: قد تقدم أن كلا من الفريقين أجاز إعمال الأول وإعمال الثاني، وإنما اختلفوا في الترجيح.
وقد ذكرت أن الكوفيين منعوا إعمال الثاني إذا طلب الأول مرفوعا، فلا يكون الاختلاف في الترجيح إلا مع طلب الأول منصوبا١.
قلت: إنما منعوه إذا أُضمر المرفوع في الأول، وقد أجاز الكسائي إعمال الثاني بشرط حذف فاعل الأول، وأجاز الفراء إعماله بشرط "تأخر"٢ فاعل الأول.
فنقول على مذهب الكسائي: "يُحسن ويُسيء ابناك"، و"ضربني وضربتُ الزيدين".
وعلى مذهب الفراء: "يحسن ويسيء ابناك هما" و"ضربني وضربت الزيدين هما". وقد أجاز الفراء "أيضا"٣ أن يرتفع الاسم بهما في نحو: "يحسن ويسيء ابناك"، وقد تقدم "ذكر"٤ مذهبه أول الباب ٥.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من جواز الإضمار قبل الذكر في هذا الباب؛ لسماعه.
_________________
(١) ١ أ: "إلا مع طلب الأول مرفوعا، فلا يكون الاختلاف في الترجيح إلا مع طلب الأول منصوبا" وما ذكرته في ب، جـ. ٢ أ، وفي ب، جـ "تأخير". ٣ أ، ب. ٤ أ، جـ. ٥ تقدم عند قول ابن مالك: فللواحد منهما العمل
[ ٢ / ٦٣٨ ]
حكى سيبويه١: "ضربوني وضربت قومك".
فإن قلت: قد قيل: إنه لم ينقله عن العرب، بل هو مثال "مخرج"٢ على مذهبه.
قلت: هو خلاف الظاهر، وأيضا فقد سمع نظيره في الكلام الفصيح كقوله:
جَفَوني ولم أَجْفُ الأخلّاء إنني لغير جميل من خليليَّ مُهْمِل٣
_________________
(١) ١ قال سيبويه جـ١ ص٤٠: " وكذلك تقول: ضربوني وضربت قومك، إذا أعملت الآخر فلا بد في الأول من ضمير الفاعل؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل". ٢ أ، جـ، وفي ب "خرج". ٣ قال العيني: أنشده الفراء ولم يعزه إلى أحد، وبالبحث لم أعثر على قائله، وهو من الطويل. الشرح: "جفوني" فعل ماض من الجفاء مسند لواو الجماعة، والجفاء: أن تفعل بغيرك ما يسوءه أن تترك مودته، وتقول: جفاه يجفوه جفاء وجفوة، "الأخلاء" جمع خليل وهو كالصديق وزنا ومعنى، "جميل" الشيء الحسن من الجمال وهو الحسن، "مهمل" اسم فاعل من الإهمال وفعله أهمل، يقال: أهملت الشيء، إذا خليت بينه وبين نفسه. المعنى: أن الأصدقاء لم يلتزموا واجب الصداقة من البر والوفاء وعدم تتبع هفوات الصديق، أما أنا فقد التزمت برهم، ولم أنظر إلا للحسن من أفعالهم. الإعراب: "جفوني" فعل ماضٍ وواو الجماعة فاعله والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "ولم" الواو عاطفة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، "أجف" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الواو وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، "الأخلاء" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. "إنني" إن حرف توكيد ونصب والنون للوقاية وياء المتكلم اسمها، "لغير" جار ومجرور متعلق بقوله: مهمل، "جميل" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "من" حرف جر، "خليلي" مجرور بمن وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم والياء مضاف إليه، "مهمل" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: في "جفوني ولم أجف الأخلاء". حيث أعمل الثاني وهو "لم أجف" في "الأخلاء" فنصبه على أنه مفعول به، وأعمل الأول وهو "جفوني" في ضمير وهو واو الجماعة. فلزم على ذلك أن يعود الضمير على متأخر. ودل الشاهد على أن عود الضمير المرفوع على متأخر جائز في هذا الباب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية ابن الناظم ص ١٠٥، ابن هشام ٢/ ٢٨، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وليس هذا بضرورة؛ لتمكنه من أن يقول: "جفاني ولم أجف الأخلاء" فيعمل الأول ويحذف "مفعول"١ الثاني لأنه فضلة.
ثم قال:
ولا تَجِئْ مع أول قد أُهملا بمضمر لغير رفع أُوهِلا
بل حذفه الزمْ إن يكن غير خبر وأَخِّرَنْه إن يكن هو الخبر
إذا أهمل الأول، فإما أن يطلب مرفوعا أو منصوبا.
إن طلب مرفوعا أضمر فيه خلافا للكوفيين كما سبق٢، وإن طلب منصوبا فإما أن يكون فضلة أو غير فضلة.
فإن كان فضلة وجب حذفه عند الجمهور؛ لأنه مستغنى عنه فلا حاجة لإضماره قبل الذكر، ولم يوجب في التسهيل حذفه، بل جعله أولى٣.
ومن إثباته قول الشاعر:
إذا كنت تُرضيه ويُرضيك صاحب جِهَارا فكن في الغيب أحفظ للود٤
_________________
(١) ١ أ، ب، في جـ "معمول". ٢ عند قول ابن مالك: وقد بغى واعتديا عبداكا ٣ قال في التسهيل ص٨٦: "ويجوز حذف المضمر غير المرفوع ما لم يمنع مانع، ولا يلزم حذفه أو تأخيره معمولا للأول خلافا لأكثرهم، بل حذفه إن لم يمنع مانع أولى من إبقائه متقدما". ٤ البيت من الشواهد التي لم تنسب لقائل. ولم يتعرض العيني لقائله وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. الشرح: "جهارا" -بكسر الجيم، بزنة كتاب- أي: عيانا ومشاهدة، "الغيب": كل ما غاب واستتر عنك فهو غيب، "الود" -بضم الواو- المودة والمحبة. المعنى: يحض الشاعر على ألا تكتفي في مودة صديقك بأن ترضيه في حال حضوره وعيانه ومشاهدته، وأن تقوم على حفظ وداده في حال غيبته بأكثر مما يكون منك ومنه في حال العيان، وأمام الناس. الإعراب: "إذا" ظرفية تضمنت معنى الشرط، "كنت" كان واسمها، "ترضيه" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت وضمير =
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ووافق هنا مذهب الجمهور، وإن كان غير فضلة، كالمفعول من باب ظن جيء به مؤخرا؛ ليؤمَن من الإضمار قبل الذكر، أو حذف ما هو عمدة.
أما تقديمه، فقال الشارح: لا يجوز عند الجميع. ا. هـ١.
قلت: وظاهر التسهيل جوازه٢، وقد حكى ابن عصفور عنه ثلاثة مذاهب:
أحدها: إضماره مقدما كالمرفوع نحو: "ظننته أو إياه وظننت زيدا قائما".
والثاني: الإضمار مؤخرا، كما جزم به المصنف هنا.
والثالث: حذفه؛ لدلالة المفسر عليه. قال: وهذا أسدّ المذاهب؛ لسلامته من الإضمار قبل الذكر والفصل٣.
تنبيهان:
الأول: قد ظهر مما ذكر أن كلامه هنا "مخالف"٤ التسهيل من وجهين:
أحدهما: أنه جزم هنا بحذف الفضلة، وهو المراد بقوله: "غير خبر".
_________________
(١) = الغيبة مفعول به، "ويرضيك" الواو حرف عطف، يرضي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء وكاف الخطاب مفعول به، "صاحب" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "فكن" الفاء واقعة في جواب إذا، "كن" فعل أمر ناقص واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، "في الغيب" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اسم كن، "أحفظ" خبر كن منصوب بالفتحة الظاهرة، "للود" جار ومجرور متعلق بأحفظ، والجملة من كن واسمها وخبرها لا محل لها من الإعراب جواب إذا. الشاهد: في "ترضيه ويرضيك صاحب" حيث تنازع كل من "ترضي" و"يرضي" الاسم الذي بعدهما وهو "صاحب"، فإن الأول يطلبه مفعولا والثاني يطلبه فاعلا، وقد أعمل فيه الثاني وأعمل الأول في ضميره الذي هو الهاء. مواضعه: ذكره من شرّاح الألفية: ابن الناظم ص١٠٥، وابن عقيل ١/ ١٣٠، وابن هشام ٢/ ٣١، والسندوبي، والأشموني ١/ ٢٠٥، والسيوطي ص٥٧. ١ الشارح ص١٠٦. ٢ قال في التسهيل ص٨٦: "ولا يحتاج غالبا إلى تأخيره، إلا في باب ظن". ٣ وأما الحذف فمنعه البصريون، وأجازه الكوفيون. ا. هـ. أشموني ٢/ ٢٠٥. ٤ ب، جـ، وفي أ "بخلاف".
[ ٢ / ٦٤١ ]
والثاني: أنه جزم بتأخير الخبر ولم يجزم بهما في التسهيل، بل أجاز التقديم.
"والتنبيه"١ الثاني: أن قوله: "غير خبر" قد يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان مفعولا أولا في باب ظن، يجب حذفه.
وليس كذلك، بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزوم التأخير؛ ولذلك قال الشارح: لو قال بدله:
واحذفْهُ إن لم يَكُ مفعول حسب وإن يكن ذاك فأخِّرْه تصب
لسلم. ا. هـ٢.
قلت: قوله: "مفعول حسب" يوهم أن غير مفعول "حسب" يجب حذفه، "وإن"٣ كان خبرا وليس كذلك.
لأن خبر كان لا يحذف أيضا، بل يؤخر كمفعول حَسِب نحو: "زيد كان، وكنتُ قائما إياه" وهذا مندرج تحت قول المصنف: "غير خبر"، ولو قال:
بل حذفه إن كان فضلة حتم وغيرها تأخيره قد التُزم
لأجاد"٤" ٥.
ثم قال:
وأَظْهر إن يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسِّرا
يعني: أن الإضمار "ممتنع"٦ إذا تخالف صاحب الضمير ومفسره "كأن"٧ يكون الضمير خبرا لمثنى ومفسره مفرد، وقد مثّل ذلك بقوله:
نحو أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخويْنِ في الرَّخا
_________________
(١) ١ أ. ٢ الشارح ص١٠٦، وقال بدلا من لسلم: "لخلص من ذلك التوهم". ٣ ب، وفي أ، جـ "ولو". ٤ قال الأشموني ١/ ٢٠٧: "قلت: وعلى هذا أيضا من المؤاخذة ما على بيت الأصل من عدم اشتراطه أمن اللبس، فكان الأحسن أن يقول: واحذفه لا إن خِيفَ لبس أو يُرَى لعمدة فجئْ به مؤخرا ا. هـ. ٥ راجع الأشموني ١/ ٢٠٦. ٦ ب، جـ، وفي أ "يمتنع". ٧ ب، جـ، وفي أ "كما أن".
[ ٢ / ٦٤٢ ]
"فزيدا وعمرا" مفعول أول لأظن، "وأخوين" مفعوله "الثاني، والياء من "يظنان" مفعول أول له، و"أخا" مفعوله الثاني"١، وهو خبر "له"٢ في الأصل.
فلو أضمر، فإما أن يجعل مطابقا للمفسر وهو ثاني مفعولي "يظنان"، أو لصاحبه وهو أول مفعولي "أظن".
فإن جعل مطابقا للمفسر فقيل: "إياه"، فيلزم الإخبار بمفرد عن مثنى، وإن جعل مطابقا لصاحبه قيل: "إياهما" فيلزم عود ضمير مثنى على مفرد، وكلاهما غير جائز.
فتعين الإظهار خلافا للكوفيين في إجازة إضماره مطابقًا لصاحبه، وإن خالف المفسر٣. وفي إجازة حذفه نحو: "أظنُّ ويظناني أخا زيدا وعمرا"، وعلى الإظهار تخرج هذه المسألة من التنازع.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ. ٣ نحو: "أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
المفعول المطلق:
المفاعيل خمسة: مفعول به وقد تقدم١، ومفعول مطلق، ومفعول له، وفيه، "ومفعول"٢ معه، وهذا أول الكلام على هذه الأربعة.
وبدأ بالمطلق، وسمي مطلقا؛ لأنه لم يقيد بأداة بخلاف غيره، فقال:
المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولَي الفعل كأمْنٍ مِنْ أَمِن
مدلولا الفعل: هما الحدث والزمان، والمصدر هو اسم الحدث، وهو معنى قوله: "اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل".
فإن ما سوى الزمان من مدلوليه هو الحدث "كأمن من أمن".
قال: "أمن" فعل يدل على حدث وزمان، والأمن اسم لذلك الحدث، فهو مصدر.
فإن قلت: هل المفعول المطلق والمصدر مترادفان؟
قلت: لا، بل بينهما عموم من وجه وخصوص من وجه. فقد يكون المفعول "المطلق"٣ غير مصدر، بل "جاريا"٤ مجراه كاسم المصدر والآلة، وغير ذلك مما سيذكر.
وقد يكون المصدر غير مفعول مطلق نحو: "يعجبني ذهابك".
ثم قال:
بمثله أو فعل أو وصف نُصب
مثال نصبه، أي: بمصدر، قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ٥.
ومثال نصبه بفعل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ تقدم في المتعدي واللازم. ٢ أ. ٣ أ، ب. ٤ أ، جـ، وفي ب "جاري". ٥ من الآية ٦٣ من سورة الإسراء. ٦ من الآية ١٦٤ من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
ومثال نصبه بوصف: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ١.
وينبغي أن يحمل قوله: "بمثله" على المماثل٢ في المعنى؛ ليشمل نحو: "يعجبني إيمانُك تصديقًا".
ثم قال:
وكونه أصلا لهذين انتُخب
أي: وكون المصدر أصلا للفعل والوصف، هو المختار، فالفعل والوصف مشتقّانِ منه، وهو مذهب البصريين، وخالف بعضهم في الوصف فجعله مشتقا من الفعل، فهو فرع الفرع.
ومذهب الكوفيين أن الفعل هو الأصل، والمصدر مشتق منه.
وزعم ابن طلحة أن الفعل والمصدر أصلان، وليس أحدهما مشتقا من الآخر.
والصحيح مذهب البصريين؛ لأن الفرع لا بد فيه من معنى الأصل وزيادة، والفعل يدل على الحدث والزمان"٣" ٤.
ثم قال:
توكيدا أو نوعا يُبين أو عدد كُسرتُ سَيْرتين سَيْر ذي رَشَد
المصدر: يؤتى به مع ناصبه "لثلاث"٥ فوائد:
الأولى: توكيده نحو: "سِرْتُ سيرا" ويسمى المبهم.
والثانية: بيان عدده نحو: "سرت سيرتين" ويسمى المعدود.
والثالثة: بيان نوعه، ويسمى المختص.
_________________
(١) ١ الآية ١ من سورة الذاريات. ٢ أ، جـ، وفي ب "المثل". ٣ وإلى المذهب البصري أميل وأوضح الدليل كما في ابن عقيل ١/ ٣١٥؛ "لأن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة، والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك؛ لأن كلا منهما يدل على المصدر وزيادة، فالفعل يدل على المصدر والزمان، والوصف يدل على المصدر والفاعل" ا. هـ. ٤ راجع الأشموني ١/ ٢٠٩. ٥ أ، وفي ب "لثلاثة".
[ ٢ / ٦٤٥ ]
واختصاصه إما بإضافة نحو: "سرت١ سير ذي رَشَد"، وإما بنعت نحو: "سيرًا شديدًا"، وإما "بأل" نحو: "سرت السير" أي: السير الذي تعرفه، كذا قسم بعضهم.
والظاهر أن المعدود مندرج تحت المختص، كما فَعَلَ في التسهيل.
فالمصدر "على هذا قسمان"٢: مبهم ومختص.
والمختص قسمان: معدود وغير معدود.
ثم قال:
وقد ينوب عنه ما عليه دل كجِدَّ كل الجد وافرح الجذَل
المصدر ضربان: مؤكد ومبين كما سبق.
أما المؤكد، فينوب عنه أحد ثلاثة أشياء:
الأول: "مرادفه"٣ نحو: "قعدت جلوسًا".
وظاهر كلام المصنف أن نصبه بالفعل المذكور وهو مذهب المازني، ونقل عن الجمهور أن ناصبه فعل من لفظه مقدر.
الثاني: "ملاق"٤ في الاشتقاق نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٥.
ذكره الشارح٦، فعلى هذا ناصبه "الفعل"٧ المذكور وهو مذهب المازني أيضا، ومذهب الجمهور أن ناصبه مقدر كما سبق.
وزعم ابن خروف أنه مذهب سيبويه، وفصل بعضهم بين المرادف نحو:
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "على قسمين". ٣ ب، وفي أ، جـ "مرادف". ٤ ب، وفي أ، جـ "ملاقي". ٥ الآية ١٧ من سورة نوح، "نباتا" اسم عين للنبات، وهو نائب عن المصدر وهو الإنبات. ٦ الشارح ص١٠٨. ٧ أ، ب.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
"قعدت جلوسًا" فنصبه بالظاهر، وبين "الملاقي"١ نحو: "أنبتكم من الأرض نباتًا" فنصبه بالمقدر وهو قول حسن٢.
والثالث: اسم مصدر غير علم نحو: "اغتسلت غُسلا".
وأما المبين، فينوب عنه أحد ثلاثة عشر شيئا:
الأول: نوع، نحو: ""رجع"٣ القهقرى".
والثاني: وصف، نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ ٤.
ومذهب سيبويه في هذا ونحوه أنه حال٥.
والثالث: "هيئة"٦ نحو: "يموت الكافر ميتةَ سوء".
والرابع: آلة، نحو: "ضربته سوطا"، وهو مطرد في "آلة"٧ الفعل دون غيرها، فلا يجوز: "ضربته خشبة".
والخامس: كل، نحو: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ٨.
والسادس: بعض، نحو: "ضربته بعض الضرب".
والسابع: ضمير، نحو: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ٩.
والثامن: اسم الإشارة، نحو: "ضربته ذلك الضرب".
قال في شرح التسهيل: ولا بد من جعل المصدر تابعا "له"١٠، وظاهر كلام سيبويه أن ذلك لا يشترط.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "المغاير". ٢ وارتضيت هذا المذهب لتوفيقه بين المذاهب. ففي المرادف "القعود" و"الجلوس" بمعنى واحد، والثاني تقديره: فنبتم نباتا؛ لأن النبات ليس بمعنى الإنبات، فلا يصح توكيده به. ٣ أ، جـ، وفي ب "رجعت". ٤ من الآية ٤١ من سورة آل عمران. ٥ راجع الكتاب جـ١ ص١٩٣. ٦ أ، جـ، وفي ب "الهيئة". ٧ ب، وفي أ، جـ "آلات". ٨ من الآية ١٢٩ من سورة النساء. ٩ من الآية ١١٥ من سورة المائدة. ١٠ ب.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
والتاسع: وقت، كقوله:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا١
أي: اغتماض ليلة أرمد، وهو عكس: "فعلته طلوعَ الشمس"، إلا أنه قليل.
والعاشر: "ما" الاستفهامية، نحو: "ما تضربُ زيدا".
والحادي عشر: "ما" الشرطية، نحو "ما شئتَ فقم".
ذكر هذه الأحد عشر في التسهيل٢.
والثاني عشر: المرادف، نحو: "افرحِ الجذل" والخلاف في ناصبه كما تقدم.
والثالث عشر: العدد، نحو: "ضربته ثلاثين ضربة".
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله الأعشى -أعشى بن قيس- واسمه ميمون بن قيس، وهو من الطويل، من قصيدة قالها في رسول الله -ﷺ- في صلح الحديبية يريد الإسلام. وعجزه: وبت كما بات السليم مُسَهَّدا الشرح: "ألم تغتمض": ألم تنم. قال محمد بن حبيب: ويروى: "ألم تغتمض عيناك ليلك أرمدا"، الأرمد هو نفسه، "السليم" -بفتح السين- وهو اللديغ، والمسهد" -بضم الميم وفتح السين وتشديد الهاء- وهو المسهر الذي لا ينام لئلا يدب السم فيه. الإعراب: "ألم" الهمزة للاستفهام، ولم: حرف نفي وجزم وقلب، "تغتمض" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، "عيناك" فاعل مرفوع بالألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى وضمير المخاطب مضاف إليه. "ليلة" ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، "أرمدا" فعل ماض مبني على الفتح وألف الاثنين فاعل، "وبت" الواو حرف عطف، وبت: فعل ماض مبني على الفتح المقدر وهو فعل تام وتاء المخاطب فاعله، ويجوز أن يكون ناقصا فيكون الضمير اسمه، "كما" الكاف حرف جر وما مصدرية ويجوز أن تكون كافة، "بات" فعل ماض، "السليم" فاعله مرفوع بالضمة الظاهرة، "مسهدا" خبر بات الأولى على النقصان وحال من فاعله على التمام، وبات الثانية تامة أو ناقصة فمنصوبها محذوف يدل عليه منصوب الأولى. الشاهد: في "ليلة أرمدا"، حيث نصبت ليلة بالنيابة عن المصدر، والتقدير: اغتماضا مثل اغتماض ليلة الأرمد، وليس انتصابها على الظرفية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: السندوبي، الأشموني ١/ ٢١١. ٢ في الأصل: "ذكره هذه الأحد عشر" والكلام يستقيم بما قلته، وراجع التسهيل ص٨٧.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
وزاد بعض المتأخرين اسم المصدر العلم، نحو: "بَرّ بَرَّه وفَجَر فجَارِ"١، وفي شرح التسهيل: أن اسم المصدر "العلم"٢ لا يستعمل مؤكدا ولا مبنيا٣.
ثم قال:
وما لتوكيد فَوَحِّدْ أبدا
لأنه بمنزلة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع.
ثم قال:
وثَنِّ واجمعْ غيره وأَفْرِدا
هو المختص معدودا كان، أو غير معدود.
أما المعدود، فلا خلاف في جواز تثنيته "وجمعه"٤ قياسا٥.
وأما غيره من المختص، ففي تثنيته وجمعه خلاف؛ منهم من قاسه لاختلاف أنواعه، ومنهم من لم يقسه وهو مذهب سيبويه٦.
ثم قال:
وحذف عامل المؤكد امتنع
قال في شرح الكافية: لأن المصدر "المؤكد"٧ يقصد بتقوية عامله وتقرير معناه، وحذفه منافٍ لذلك وقد نُوزع في هذا٨.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "بررته بره، وفجرته فجار". ٢ ب، جـ. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢١٢. ٤ ب، جـ. ٥ نحو: "ضربته ضربة وضربتين وضربات". ٦ قال الأشموني جـ١ ص٢١١: "فالمشهور الجواز؛ نظرا لأنواعه نحو: "سرت سيري زيد الحسن والقبيح". ودليله قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ والألف زائدة تشبيهًا للفواصل. وظاهر مذهب سيبويه المنع واختاره الشلوبين" ا. هـ. أشموني وصبان. وإلى الأول أميل لقوة دليله. ٧ ب. ٨ المنازع: هو الشارح -ابن المصنف- حاصل النزاع: "أن المؤكّد قد لا يكون للتقوية والتقرير معا، بل قد يكون للتقرير فقط، فلا ينافي الحذف. وأن السماع ورد بحذف عامل المؤكد نحو: "أتيتُ سيرا"، ووجوبا نحو: "سقيًا ورعيًا". ورد بأن الحذف منافٍ للتوكيد مطلقا" صبان ج٢ ص٨٦. ورأي ابن مالك هو الصواب؛ لموافقته للحقيقة والواقع.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ثم قال:
وفي سواهُ لدليل متسع
لا خلاف في جواز حذف عامل المصدر المختص، معدودا كان أو غير معدود، إذا دل عليه دليل، نحو: "بلى ضربتين، أو ضربا شديدا" في جواب: "ما ضربت"؟
وقد يجب الحذف، وذلك إذا كان المصدر بدلا من اللفظ بفعله، وقد نبه على ذلك بقوله:
والحذف حتم مع آتٍ بَدَلا من فِعْله كنَدْلا اللَّذْ كانْدُلا
أي: وحذف العامل واجب مع المصدر "آت" بدلا من فعله، كقول الشاعر:
على حين ألهى الناس جُلُّ أمورهم فندلًا زريق المال ندل الثعالب١
فندلًا نائب عن أندل.
_________________
(١) ١ البيت للأحوص، وهو محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، وفي الحماسة لأعشى همدان، وقال الجوهري: لجرير، والأظهر كما في الحماسة، وهو من الطويل. الشرح: "ألهى الناس": شغلهم وأورثهم الغفلة، "جل أمورهم" -بضم الجيم- معظمها وأكثرها، "ندلا" مصدر: ندل المال، إذا خطفه بسرعة، "زريق" اسم رجل أو قبيلة. المعنى: أن هؤلاء اللصوص يخرجون للسرقة والاختطاف وقت اشتغال الناس بمهامهم، يوصي بعضهم بعضا بسرعة الخطف والاحتيال كخطف الثعالب، وقد ضرب المثل بالثعلب في هذا فقيل: "أخطف من ثعلب". الإعراب: "على" حرف جر، "حين" ظرف زمان مبني على الفتح في محل جر أو مجرور بالكسرة الظاهرة، "ألهى" فعل ماض، "الناس" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، "جل" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "أمورهم" مضاف إليه، "فندلا" منصوب بفعل محذوف، "زريق" منادى بحرف نداء محذوف، "المال" مفعول لقوله: ندلا السابق، منصوب بالفتحة الظاهرة، "ندل" مفعول مطلق مبين للنوع منصوب بالفتحة الظاهرة، "الثعالب" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد: في "فندلا"، حيث ناب مناب فعله وهو مصدر، وعامله محذوف وجوبا والتقدير: اندل ندلًا. وقبله: يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١١٠، وابن هشام ٢/ ٣٨، وابن عقيل ١/ ٣١٩، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ٢١٢، والمكودي ص٦٤، والسيوطي ص٥٩، وسيبويه في كتابه جـ١ ص٥٩.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وإنما وجب حذف عامله١؛ لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه، يقال: ندل الشيء، إذا اختطفه بسرعة. ثم قال:
وما لتفصيل كإما مَنَّا عامله يحذف حيث عَنَّا
إذا قصد بالمصدر تفصيل عاقبة ما قبله، وجب حذف عامله كقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٢ أي: فإما تمنون منا، وإما تفادون فداء.
ثم قال:
كذا مكرَّر وذو حصر ورد نائب فعل لاسم عين استُند
إذا ناب المصدر عن خبر اسم عين بتكرير نحو: "زيد سيرًا سيرًا"٣، أو حصر نحو: "إنما أنت سيرًا" وجب حذف عامله، وجعل التكرير عوضا من إظهاره وأقيم الحصر مقام التكرير. فلو لم يكن مكررا ولا محصورا جاز الإضمار والإظهار، نحو: "زيد سيرًا وزيد يسير سيرًا" احترز باسم العين، من اسم المعنى نحو: "أمرُك سير سير"، فإن المصدر يرفع ويجعل خبره.
ثم قال:
ومنه ما يدعونه مؤكِّدا لنفسه أو غيره
أي: ومن الواجب حذف عامله، قسم يسميه النحويون مؤكدا، وهو نوعان:
مؤكد لنفسه، وهو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، وسمي بذلك لأنه بمنزلة "إعادة"٤ الجملة، فكأنه نفسها.
ومؤكد لغيره: وهو الواقع بعد جملة صائرة به نصا، وسمي بذلك لأنه أثر في الجملة فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير "المؤثَّر"٥.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "حذفه". ٢ من الآية ٤ من سورة محمد. ٣ ب، جـ، وفي أ "شبرًا شبرًا". ٤ ب. ٥ أ، ب، وفي جـ "المتأثر".
[ ٢ / ٦٥١ ]
"فمثل"١ "المبتدأ" به، وهو المؤكد لنفسه بقوله:
نحو له عليَّ ألفٌ عُرْفًا
أي: اعترافًا.
ومثل "والثان" بقوله:
كابني أنت حقا صِرْفا
ثم قال:
كذاك ذو التشبيه بعد جمله كلي بكًا بكاءَ ذات عُضْلَه
من الملتزم إضمار ناصبه المصدر المشبه به، بخمسة شروط:
الأول: أن يكون بعد جملة.
والثاني: أن تكون حاوية معناه.
الثالث: أن تكون "حاوية فاعله"٢.
الرابع: أن يكون ما اشتملت عليه الجملة غير صالح للعمل.
الخامس: أن يكون المصدر مشعرا بالحدوث.
مثال ذلك قولهم: "له صوتٌ صوتَ حمار" فهذا قد استوفى الشروط؛ لأن له صوت جملة، وقد اشتملت على معنى المصدر، وهو "صوت" وعلى فاعله، وهو "الهاء" في "له"، ولا صلاحية في المصدر الذي اشتملت عليه للعمل؛ لأن "شرط"٣ إعمال "المصدر"٤ غير الواقع بدلا من أن يقدر بالفعل وحرف مصدري.
وقوله: "صوت حمار" مشعر بالحدوث، فالناصب فعل واجب الإضمار، ومثله بقوله: "لي بكا بكاء ذت عضله".
فلو "كان"٥ بعد مفرد، لم يجُز النصب نحو: "صوته صوت حمار" ولو لم
_________________
(١) ١ ب "ثم مثل". ٢ أ، جـ، وفي ب "مشتملة على فاعله". ٣ أ، جـ، وفي ب "شروط". ٤ أ، جـ، وفي ب "المصدر غير المصدر، غير الواقع". ٥ ب، جـ.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
"يشتمل"١ على معنى المصدر لم يصحّ، ولو لم يشتمل على فاعله ضعف النصب نحو: "في الدار صوتٌ "صوتُ"٢ حمار" و"صراخ "صراخ"٣ "ثكلى"٤، ولم يمتنع لأنك إذا قلت: "فيهما"٥ صوت علم أن فيها مصوتا "صوت حمار"٦.
ولو كان ما اشتملت عليه صالحا للعمل نحو: "هو مصوت صوتَ حمار"، فإنه ينتصب بمصوت لا بمحذوف، ولو لم يكن المصدر مشعرا بالحدوث لم ينصب نحو: "له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء".
لأن صوتا ونحوه، إنما انتُصب لكون ما قبله بمنزلة يفعل، مسندا إلى فاعل. فقولك: "له صوت" بمنزلة "يصوت"، وليس قولك: "له ذكاء" بمنزلة "هو يفعل"، وإنما "أخبرت"٧ بأنه ذو ذكاء، "فتنزل"٨ ذلك منزلة قولك: "له يدٌ يدُ أسد" والله أعلم.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "تشتمل الجملة على معنى". ٢ أ، ب. ٣ أ. ٤ أ، جـ. ٥ أ، وفي ب، جـ "فيها". ٦ ب. ٧ أ، جـ، وفي ب "أخبر". ٨ أ، جـ، وفي ب "فصار".
[ ٢ / ٦٥٣ ]
المفعول له:
يُنصب مفعولا له المصدر إن أبان تعليلا "كجُدْ شُكرًا وَدِن
"المفعول"١ له: هو علة الفعل، ولجواز نصبه شروط:
الأول: أن يكون مصدرا.
والثاني: أن يتحد وقته ووقت عامله، وهو المعلل به.
والثالث: أن يتحد فاعلهما، ولو تقديرا.
فمثال ما استوفى الشروط: "ضربته تأديبًا" و"جُدْ شكرًا".
ومثال اتحاد فاعلهما تقديرا: قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٢؛ لأن معنى يريكم: يجعلكم ترون.
وفي بعض هذه الشروط خلاف. ثم قال:
وإن شرطٌ فُقد فاجررْه باللام
أي: إذا فقد شرط من الشروط الثلاثة، وجب جر ما علل به الحرف الدال على التعليل، وهو اللام أو ما يقوم مقامها وهو "من و"في"٣ والباء"، فتقول: "جئت للمال"؛ لأنه ليس بمصدر، و"جئت أمس لإكرامك غدًا" لاختلاف الزمان، و"أحسنت إليك لإحسانك إليَّ"؛ لاختلاف الفاعل.
وقوله:
وليس يَمتنع مع الشروط
يعني: أنه لا يمتنع جره بالحرف مع استيفائه للشروط نحو: "قنع هذا للزهد"، "فإن هذه الشروط"٤ ليس اجتماعها موجبا للنصب، بل مسوغ له.
ثم هو بعد ذلك على ثلاث مراتب: راجح النصب، وراجح الجر، ومستوٍ فيه الأمران.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "المفعو". ٢ من الآية ٢٤ من سورة الروم، ١٢ من سورة الرعد. ٣ أ، جـ، وفي ب "إلى". ٤ أ، جـ.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فأشار إلى الأول بقوله:
وقلّ أن يصحبها المجرد
يعني: أن المجرد من أل والإضافة يترجح نصبه، وقل أن يصحب الحرف، فقوله: "ضربته تأديبًا" أرجح من قولك: ""ضربته"١ "لتأديب"٢" ومنع الجزولي٣ جر المجرد. قيل: ولم يقل به غيره.
وأشار إلى الثاني بقوله:
والعكس في مصحوب أل
يعني: أن الأرجح في مصحوب "أل" جره بالحرف، فقولك: "ضربته للتأديب" أرجح من قولك: ""ضربته"٤ التأديب".
ثم ذكر شاهد نصب مصحوب "أل" من كلام العرب، فقال:
لا أقعدُ الجبنَ عن الهَيْجَاء ولو توالت زُمَر الأعداء٥
وسكت عن المضاف فلم يعزُه إلى راجح النصب، ولا إلى راجح الجر.
فعلم أنه يستوي فيه الأمران نحو: "جئتُكَ ابتغاءَ الخيرِ، ولابتغاءِ الخيرِ".
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، جـ، وفي أ "للتأديب". ٣ هو أبو موسى عيسى بن عبد العزيز الجزولي، صاحب الجزولية، وقد تقدم. ٤ ب. ٥ البيت من الرجز، ولم ينسب إلى قائل معين وهو كما ورد في كلام الناظم. وقال العيني: رجز راجز لم أقف على اسمه. الشرح: "لا أقعد" أراد: لا أنكل ولا أتوانى عن اقتحام المعارك، "الجبن" -بضم فسكون- الخوف والفزع، "الهيجاء": الحرب، "توالت": تتابعت وتكاثرت، "زمر" جمع زمرة وهي الجماعة، "الأعداء": جمع عدو. المعنى: إني لا أبتعد عن الحرب والنزال خوفا وفزعا، ولو تكاثرت جماعة الأعداء. الإعراب: "لا" نافية، "أقعد" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر فيه، "الجبن" مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة، "عن" حرف جر، "الهيجاء" مجرور بعن وعلامة جره الكسرة الظاهرة والجار والمجرور متعلق بأقعد، "ولو" شرطية غير جازمة، "توالت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "زمر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "الأعداء" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد: في "الجبن"؛ حيث وقع مفعولا لأجله، ونصبه مع كونه محلى "بأل". مواضعه: ذكره شراح الألفية، حيث إنه من كلام الناظم.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
تنبيه:
إذا دخلت "أل" على المفعول له، أو أُضيف إلى معرفة تَعَرَّفَ "بأل" "أ"١، وبالإضافة خلافا للرياشي٢ والجرمي والمبرد في قولهم: إنه لا يكون إلا نكرة وإن "أل" فيه زائدة، وإضافته غير محضة٣.
فإن قلت: هل يجوز تقديم المفعول له على عامله؟
قلت: هو جائز سواء كان منصوبا، أو مجرورا٤.
وهو مستفاد من قوله: كلزهد ذا قنع، فمثل به "مقدما"٥، والله أعلم.
_________________
(١) ١ ب. ٢ هو أبو الفضل العباسي بن الفرج مولى محمد الهاشمي، ولقب بالرياشي لأن أباه كان عبدا لرجل من جذام اسمه رياش، فانتقل اللقب من أبيه بعد الشهرة إليه. نشأ بالبصرة وأخذ النحو عن المازني، وسمع منه كتاب سيبويه، ثم صار من كبار النحاة واللغويين، له تصانيف منها: كتاب نحو. قتل وهو يصلي الصبح قائما بالبصرة سنة ٢٥٧هـ، في شهر شوال. ٣ وأرجح الأول؛ لعدم التكلف فيه. راجع الأشموني ١/ ٢١٧. ٤ "زاهدا ذا قنع" و"لزهد ذا قنع". ٥ أ، جـ، وفي ب "متقدما".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
المفعول فيه، وهو المسمى ظرفًا:
قال:
الظرف: وقت أو مكان ضُمِّنا في باطِّراد: كهُنا امكثْ أزمُنا
"وقت أو مكان" جنس "ضمن" مخرج لوقت أو مكان لم يضمن معناه نحو: "يومنا يوم مبارك"، و"نحن في مكان حسن".
"ثم قال"١: "باطراد"؛ احترازا مما نصب بدخل من المكان المختص نحو: "دخلت الدار" فهو منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا، لا نصب الظرف، إذ لو كان ظرفا لم يختص بدخل؛ لأن "الظرف"٢ لا يختص بعامل دون عامل.
بل الظرف غير المشتق من اسم الحدث، يتعدى إليه كل فعل.
قال الشارح: وإذا كان كذلك، فلا حاجة إلى الاحتراز "عنه"٣ بقيد الاطراد؛ لأنه يخرج بقولنا: "مضمن معنى في" ا. هـ٤.
قلت: وفي نصب المختص من المكان بعد دَخَلَ ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه منصوب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض توسعا كما سبق، وهو مذهب الفارسي والمصنف، ونسبه إلى سيبويه.
والثاني: أنه منصوب على الظرفية تشبيها له بالمبهم، ونسبه الشلوبين إلى "سيبويه٥ ونسب"٦ إلى الجمهور.
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، جـ، وفي ب "المطرد". ٣ أ، ب. ٤ الشارح ص١١٣. ٥ قال سيبويه جـ١ ص١٥: "وقد قال بعضهم: ذهبت الشام؛ شبهه بالمبهم إذا كان مكانا يقع عليه المكان والمذهب". ٦ أ، جـ.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
والثالث: أنه مفعول به ودخل، تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف الجر، وهو مذهب الأخفش"١" ٢.
وقوله: "كهنا" مثال لظرف المكان، "وأزمنا" مثال لظرف الزمان.
ثم قال:
فانصبه بالواقع فيه مُظْهَرا كان وإلا فانْوِهِ مقدَّرا
يعني: أن حكم الظرف النصب، وأن الناصب له هو الواقع فيه من فعل أو ما "في"٣ معناه، وأن الناصب له يكون ظاهرا نحو: "جلست أمام المسجد" و"سرت يومَ الخميس"، وقد يكون مقدرا إما جوازا نحو: "يوم الجمعة" لمن قال: "متى قدمتَ؟ ".
وإما وجوبا كالواقع خبرا أو صفة أو حالا أو صلة٤.
ثم قال:
وكلّ وقت قابل ذاك
يعني: أن جميع أسماء الزمان قابلة للظرفية؛ مبهمها ومختصها.
وأما المعدود فهو من المختص، خلافا لمن جعله قسما ثالثا.
فالمبهم: ما دل على قدر من الزمان غير معين كحين، والمختص بالمحدود: ما له مقدار من الزمان معلوم نحو: "يومين".
والمختص غير المعدود: كأعلام الأيام، وما اختص "بأل"٥ أو بالصفة أو بالإضافة، ثم قال:
_________________
(١) ١ وقد ارتضيت المذهب أول؛ لأنه يحتاج إلى قيد "اطراد"، ولا عبرة بمخالفة ابن الناظم حيث قال: لا يحتاج إلى هذا القيد. قال الصبان ج٢ ص٩٥: "وجعل الحق مع ابن الناظم ناشئ عن عدم التدبر". وقال الأشموني: "وعلى هذين لا يحتاج إلى قيد "باطراد"، وعلى الأول يحتاج إليه خلافا للشارح" ا. هـ. ٢ راجع الأشموني ١/ ٢١٨. ٣ ب، جـ، وفي أ "فيه". ٤ الخبر "زيد عندك"، والصفة نحو: "مررت بطائر فوق غصن" -فوق صفة لطائر- والحال نحو: "رأيت الهلال بين السحاب"، والصلة نحو: "رأيت الذي عندك"، فعندك صلة للذي. والناصب محذوف وجوبا في الأحوال الأربعة، ويقدر: مستقرا أو استقر، إلا في الصلة فيقدر: استقر؛ لأن الصلة جملة. ا. هـ. أشموني ١/ ٢١٩. ٥ ب، جـ، وفي أ "بإلا".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وما يقبله المكان إلا مبهما
يعني: أن أسماء المكان لا تقبل الظرفية إلا إذا كانت مبهمة، فإن كانت مختصة لم تقبل الظرفية نحو: "الدار" و"المسجد".
ثم قال:
نحوُ الجهات والمقادير، وما صِيغَ من الفعل كمرمَى مِن رَمَى
فمثّل المبهم بثلاثة أنواع:
الجهات: نحو: خلف "وقُدَّام"١ وأمام.
والمقادير: نحو: "ميل" و"فرسخ"٢.
وما صيغ من اسم الحدث نحو: "مرمى ومذهب".
فظاهره أن هذه الثلاثة أنواع للمبهم، أما الجهات فلا إشكال في أنها مبهمة.
وأما المقادير فظاهر كلام الفارسي أنها داخلة تحت المبهم، وصححه بعض النحويين.
وقال الشلوبين: ليست داخلة تحته، وصحح بعضهم "أنها شبيهة"٣ بالمبهم، لا مبهم.
وأما ما صيغ من "اسم"٤ الحدث، فالظاهر أنه من المختص، لا من المبهم كما نص عليه غيره، وهو ظاهر كلامه في شرح الكافية.
قال فيه: وأما المكان فلا يكون من أسمائه "ظرفا"٥ صناعيا إلا ما كان مبهما أو مشتقا من اسم الحدث٦ ا. هـ. فجعله قسيمه.
قلت: وقد قسم المصنف المصدر إلى مبهم ومختص، وصرح بأن المعدود من المختص، وقياسه أن يجعل المعدود في الظرف من المختص أيضا.
_________________
(١) ١ ب. ٢ الميل: ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أميال. ٣ أ، وفي جـ "أنه مشبه"، وفي ب "أيضا شبّهه". ٤ أ، حـ. ٥ أ، ب، وفي جـ "مختصا". ٦ شرح الكافية، ورقة ٤٢.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
فإن قلت: ما يعنى بالفعل في قوله: "وما صيغ من الفعل"؟
قلت: ظاهر كلامه أنه الفعل الصناعي؛ لقوله: "كمرمى من رمى" وليس ذلك بجيد؛ لأنه لم يصغ من الفعل وإنما صيغ من المصدر، "وإن"١ حمل على الفعل اللغوي وهو المصدر "فهو صحيح"٢، "لولا"٣ "أن"٤ قوله: "من رمى" يبعده.
ثم قال:
وشرط كون ذا مَقِيسا أن يقع ظرفا لما في أصله معه اجتمع
الإشارة إلى ما اشتق من اسم الحدث، يعني: أن هذا النوع لا يكون ظرفا مقيسا إلا إذا كان العامل فيه موافقا له في الاشتقاق نحو: "رميت مرمى زيد"، "وقعدت مقعده"، "فلذا"٥ عد من الشواذ قولهم: "هو مني مقعد القابلة"٦ ونحوه٧.
وتقدير قوله: "لما في أصله معه اجتمع" مع الظرف في أصله، وهو اسم الحدث.
فإن قلت: يخرج من كلامه نحو: "سرني "جلوسي"٨ مجلسك"؛ لأن العامل فيه أصله لا شيء اجتمع معه في أصله.
قلت: هذا، وإن لم تشمله عبارته فقد "تقرر"٩ أن المصدر يعمل عمل فعله.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "وإنما". ٢ أ، ب، وفي جـ "فصحيح". ٣ أ، جـ، وفي ب "إلا". ٤ أ، ب. ٥ أ، جـ، وفي ب "ولذلك". ٦ القابلة: المولّدة، والمعنى: أنه قريب كقرب مكان قعود القابلة عند ولادة المرأة. ٧ ونحوه: "هو مني مزجر الكلب، ومناط الثريا، ومعقد الإزار" ووجه الشذوذ، إذ التقدير: هو مني مستقر في مزجر الكلب، فعامله الاستقرار، وليس ما اجتمع في أصله. ولو أعمل في المزجر زجر، وفي المناط ناط، وفي المقعد قعد لم يكن شاذا. ا. هـ. أشموني جـ١ ص٢٢. ٨ ب، جـ، وفي أ "جلوسك". ٩ أ، جـ، وفي ب "تقدم".
[ ٢ / ٦٦٠ ]
ثم قال:
وما يرى ظرفا وغير ظرف فذاك ذو تصرف في العرف
كلٌّ من ظرف الزمان وظرف المكان "قسمان"١: متصرف وغير متصرف:
فالمتصرف: ما لا يلزم، بل يستعمل ظرفا تارة وغير ظرف أخرى نحو: "يوم وليلة" من الزمان، و"يمين وشمال" من المكان.
وغير المتصرف: ما لا يخرج عن الظرفية أصلا "كقَطّ" و"عَوْض"٢، أو لا يخرج عنها إلا "إلى"٣ "شبهها"٤.
والمراد بشبه الظرفية الجر "بمن".
وإنما يثبت تصرف الظرف بالإخبار عنه والجر بغير "من" "في الاختيار"٥؛ لأن "من" كثرت زيادتها فلم يعتد بها.
فلذلك حكم على "قبلُ وبعدُ وعندَ ولدُن" بعدم التصرف مع "أنها تجر"٦ بمن. وإلى هذا أشار بقوله:
وغير ذي التصرف
البيت
ثم قال:
وقد ينوب عن مكان مصدر وذاك في ظرف الزمان يكثر
نيابة المصدر عن الظرف من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وشرط "ذلك"٧ إفهام تعيين "وقت"٨ أو مقدار، وذلك قليل في المكان كقولهم: "جلست قرب زيد، وقصده" أي: مكان قربه، ومكان قصده.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ قط وعوض لا يستعملان إلا بعد نفي، وقط لاستغراق الماضي من الزمان، وعوض لاستغراق المستقبل مثل أبدا، وقط: مشتقة من: قططت الشيء إذا قطعته، وعوض: مشتقة من العوض، قط: مبنية على الضم، وعوض: تبنى على الحركات الثلاث إذا لم تضف. ٣ في النسخ لم تذكر "إلى"، والسياق يقتضي زيادتها. ٤ أ، جـ، وفي ب "يشبهها". ٥ أ، جـ. ٦ أ، جـ، وفي ب "الجر". ٧ ب، جـ، وفي أ "ذلك". ٨ أ، وفي ب "مكان".
[ ٢ / ٦٦١ ]
وكثير في الزمان نحو: "كان"١ ذلك "خفوق"٢ النجم، و"طلوع الثريا" أي: وقت خفوق النجم، ووقت طلوع الثريا.
وكثرته تقتضي القياس عليه.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "فعلت". ٢ ب، جـ، وفي أ "حقوق".
[ ٢ / ٦٦٢ ]
المفعول معه:
قال:
يُنصَب تالي الواو مفعولا معه في نحو سيري والطريق مسرعه
المفعول معه: هو الاسم المنصوب بعد "واو بمعنى"١ مع، نحو: "سيري والطريقَ" أي: مع الطريق.
وهذا الباب مقيس على الأصح٢، وقد فهم ذلك من قوله: "نحو".
ثم قال:
بما من الفعل وشَبَهه سبق ذا النصب لا بالواو في القول الأحقّ
ناصب المفعول معه: إما فعل نحو: "استوى الماءُ والخشبةَ"، وإما اسم يشبهه نحو: "زيد سائرٌ والطريقَ".
ومذهب سيبويه٣ أنه لا يعمل فيه العامل المعنوي كاسم الإشارة وحرف التشبيه٤ والظرف المخبر به.
وأجاز أبو علي في قول الشاعر:
هذا ردائي مطويا وسربالا٥
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "الواو التي بمعنى". ٢ قال الأخفش: هذا الباب سماعي، وذهب غيره إلى أنه مقيس في كل اسم استكمل الشروط، وهو الصحيح، أشموني ١/ ٢٧٧. ٣ جـ١ ص١٥٠ الكتاب. ٤ ب، جـ، وفي أ "التنبيه". ٥ هذا عجز بيت من البسيط. قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر على اسم قائله. وصدره: لا تحسبنك أثوابي فقد جمعت وذكر البيت كله في نسخة ب. الشرح: "سربالا" -بكسر السين- وهو القميص. قاله الجوهري. الإعراب: "لا" حرف نهي، "تحسبنك" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، ونون التوكيد حرف، والكاف ضمير المخاطب =
[ ٢ / ٦٦٣ ]
أن يكون العامل فيه هذا.
وذهب الجرجاني إلى أن ناصبه الواو نفسها؛ لاختصاصها بالاسم، ورُد بأنها لو كانت ناصبة، لاتصل الضمير بها١.
ولم يشترط "تقديم"٢ فعل أو شبهه، وإليه أشار بقوله: "بالواو"، وفهم من قوله: "سَبَق" أن المفعول معه لا يتقدم على عامله، "وهذا"٣ متفق عليه.
وأما تقديمه على مصاحبه نحو: "استوى والخشبةَ الماءُ" فمذهب الجمهور، والصحيح منعه، وأجازه ابن جني٤.
_________________
(١) = مفعول مبني على الفتح في محل نصب، "أثوابي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه، "فقد" الفاء للتعليل، وقد حرف تحقيق، "جمعت" فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي، "هذا" ها حرف تنبيه، وذا اسم إشارة مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، "ردائي" خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وهي مضاف إليه، "مطويا" حال من رداء منصوب بالفتحة الظاهرة، "وسربالا" الواو للمعيّة، وسربالا مفعول معه منصوب بفتحة ظاهرة. الشاهد: في "هذا سربالا"، "حيث إن سربالا مفعول معه ولم يتقدمه الفعل، بل قد تقدمه ما يتضمن معنى الفعل وحروفه وهو هذا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١١٦، والأشموني ١/ ٢٤٤. ١ كما في سائر الحروف الناصبة، فكان يقال: جلست وك، وذلك ممتنع، والصحيح الأول، قال السيوطي في الهمع ١/ ٢١٩: "أحدها وهو الأصح أن ما تقدمه من فعل أو شبهه". ٢ أ، وفي ب، جـ "تقدم". ٣ أ، جـ، وفي ب "وهو". ٤ تمسك ابن جني بقوله: جمعت وفحشا غيبة ونميمة ثلاث خصال لست عنها بمرعوي وقوله: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبا على رواية من نصب السوءة واللقب. يعني أن المراد في الأول جمعت غيبة ونميمة مع فحش. وفي الثاني ولا ألقبه اللقب مع السوءة؛ لأن من اللقب ما يكون لغير سوءة، ولا حجة له فيهما؛ لإمكان جعل الواو فيهما عاطفة قدمت هي ومعطوفها، وذلك في البيت الأول ظاهر، وأما الثاني فعلى أن يكون أصله: ولا ألقبه اللقب ولا أسوءه السوءة ثم حذف ناصب السوءة ا. هـ. أشموني جـ١ ص٢٢٤، وراجع الخصائص ٢/ ٣٨٣ لذلك أقول: والمنع أولى.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
ثم قال:
وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب بفعل كون مضمر بعض العرب
من كلامهم: "كيف أنت، وقصعة من ثريد" و"ما أنت وزيدٌ" برفع ما بعد الواو على أنها العاطفة، وبعضهم ينصب على أنها التي للمعية وما قبلها مرفوع بفعل مضمر هو الناصب لما بعدها، تقديره: كيف يكون؟ وما يكون؟ والصحيح أن "كان" المقدرة ناقصة، وكيف خبر مقدم، وكذلك "ما". واعلم أن الصالح؛ لكونه مفعولا معه على ثلاثة أقسام:
قسم: يجوز فيه العطف والنصب على المعية، والعطف أرجح.
وقسم: يجوز فيه الأمران، والنصب على المعية أرجح.
وقسم: يمنع فيه العطف.
فالأول: "هو"١ ما أمكن فيه العطف بلا ضعف من جهة اللفظ، ولا من جهة المعنى نحو: "قمت أنا وزيد" وإن شئت نصبت.
والثاني: ما لا يمكن فيه العطف إلا بضعف من جهة اللفظ نحو: "قمت وزيد"؛ لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل بغير توكيد أو فصل ضعيف، أو من جهة المعنى كقولهم: "لو تركتَ الناقةَ وفصيلَها لرضعَها"، فإن العطف فيه ممكن على تقدير: لو تركت الناقة ترأَمُ فصيلها وترك فصيلها لرضاعها لرضعه٢.
هذا تكلف وتكثير عبارة٣، فهو "ضعيف"٤، والوجه النصب على معنى: لو تركت الناقة مع فصيلها.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ جـ، وفي أ "لو تركت الناقة ترأم فصيلها وترك فصيلها لرضاعها فأرضعها"، وفي ب "لو تركت الناقة وفصيلها لرضاعها لرضعها"، والتقدير مع العطف لو تركت الناقة ترأم فصيلها لرضاعها لرضعها. ٣ أي: تكثير للعبارة المقدرة، والعطف من عطف السبب على المسبّب. ا. هـ. صبان ١/ ١٠٥. ٤ أ، جـ، وفي ب "مضعف".
[ ٢ / ٦٦٥ ]
والثالث: "هو"١ ما لا يمكن فيه العطف لمانع لفظي نحو: "ما لك وزيدًا؟ " فإن العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور، أو معنوي نحو: "سرت والجبل" مما لا يصلح للمشاركة.
فهذا ونحوه يجب فيه النصب على المعية، ويمتنع "فيه"٢ العطف.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق
وإلى الثاني بقوله:
والنصب مختار لدى ضعف النَّسَق
وإلى الثالث بقوله:
والنصب إن لم يجُز العطف يجب
وأما قوله:
أو اعتقد إضمار عامل تُصِب
فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون "تخييرا"٣ فيما امتنع عطفه بين نصبه على المعية وبين إضمار عامل، حيث يصح إضماره، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٤.
فإنه لا يصح جعله معطوفا؛ لأن أجمع بمعنى عزم، "فلا"٥ ينصب "إلا"٦ الأمر والكيد ونحوهما.
ولك أن تجعل "شركاءكم" مفعولا معه، و"لك"٧ أن تجعله مفعولا به بفعل مقدر.
تقديره: وأجمعوا من جمع؛ لأن جمع بمعنى ضم المتفرق، فينصب الشركاء ونحوه.
وقد حكي أن أجمع بمعنى جمع، فعلى هذا يصح العطف.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "مخيرا". ٤ من الآية ٧١ من سورة يونس. ٥ أ، جـ، وفي ب "لا". ٦ أ، ب. ٧ ب.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
والثاني: أن يكون تنويعا.
والمعنى: أن ما امتنع فيه العطف نوعان: نوع يجب فيه النصب على المعية، ونوع يضمر له عامل؛ لأن المعية فيه أيضا ممتنعة كقوله:
علفتُهَا تبنا وماء باردا١
فماء منصوب بفعل مضمر تقديره: "سقيتها ماء"، ولا يجوز عطفه لعدم المشاركة ولا نصبه على المعية لعدم المصاحبة.
ويجوز أن يجعل "قوله"٢: "أو اعتقد إضمار عامل" شاملا للناصب كما مثلنا به.
_________________
(١) ١ هذا صدر بيت. قال العيني: أقول: هذا رجز مشهور بين القوم لم أر أحدا عزاه إلى راجزه. وبحثت فلم أعثر على قائله. وعجزه: حتى شتت همالة عيناها الشرح: "علفتها": أطعمتها وقدمت لها ما تأكله، "تبنا" -بكسر التاء وسكون الباء- قصب الزرع بعد أن يدرس، "شتت" يروى في مكانه "بدت" وهما بمعنى واحد، "همالة" صيغة مبالغة، من هملت العين، إذا همرت بالدموع. المعنى: قد أشبعت الدابة تبنا، وأرويتها ماء حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع على عادة الدواب. الإعراب: "علفتها" فعل وفاعل ومفعول أول، "تبنا" مفعول ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، "وماء" الواو عاطفة، ماء مفعول به لفعل محذوف تقديره: وسقيتها ماء، "باردا" صفة لماء منصوبة بالفتحة الظاهرة، "حتى" حرف غاية وجر، "شتت" فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، "همالة" حال من فاعل غدت منصوب بالفتحة الظاهرة، "عيناها" فاعل غدت مرفوع بالألف نيابة عن الضمة؛ لأن مثنى وضمير الغائبة مضاف إليه. الشاهد: في "وماء"، فإنه لا يمكن عطفه على ما قبله؛ لكون العامل في المعطوف عليه لا يتسلط على المعطوف، إذ لا يقال: علفتها ماء. ومن أجل ذلك كان نصبه على أحد أقوال ثلاثة: إما على تقدير فعل يعطف على "علفتها"، وإما على أن "علفتها" بمعنى أنلتها، وإما النصب على المعية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١١٩، وابن عقيل ١/ ٣٣٤، والأشموني ١/ ٢٢٦، وابن هشام ٢/ ٥٦. وأيضا في شذور الذهب ص٢١٤، والمكودي ص٦٩، والسيوطي ص٦٢، وابن هشام في مغني اللبيب ٢/ ١٦٩. ٢ ب، جـ.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وللجار كقولك: "ما لك وزيد؟ " فيجوز جره لا بالعطف بل بإضمار الجار، كما نص عليه في شرح الكافية١، وكلامه فيه يؤيد هذا الاحتمال "والله أعلم"٢.
_________________
(١) ١ راجع شرح الكافية، ورقة ٤٣. ٢ أ، ب. - فائدة ذكرها الشيخ الصبان عقب المفعول معه: "قال الفارضي: إذا اجتمعت المفاعيل قدم المفعول المطلق ثم المفعول به الذي تعدى إليه العامل بنفسه، ثم الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، ثم المفعول فيه الزماني، ثم المكاني، ثم المفعول له، ثم المفعول معه "كضربت ضربا زيدا بسوط نهارا هنا تأديبا وطلوع الشمس" ا. هـ باختصار. والظاهر أن هذا الترتيب أولى، لا واجب" ا. هـ ٢/ ١٠٦.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الاستثناء:
الاستثناء: إخراج بإلا أو إحدى أخواتها، تحقيقا أو تقديرا.
"فالإخراج" جنس و"بإلا أو إحدى أخواتها" مخرج للتخصيص ونحوه، والمراد بالمخرج "تحقيقا" المتصل، وبالمخرج "تقديرا" المنقطع، نحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ١، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو "في"٢ تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع.
قال ابن السراج: إذا كان الاستثناء منقطعا، فلا بد أن يكون الكلام الذي قبل "إلا" قد دل على ما يستثنى "بها"٣ فتأمل، فإنه يدق. ا. هـ.
وقوله: "ما استثنت "إلا" مع تمام ينتصب".
يجوز أن تكون "ما" موصولة وينتصب خبرها فهو مرفوع، وأن تكون شرطية وينتصب جوابها فهو مجزوم.
والمراد بالتمام أن يكون المخرج منه مذكورا، ويقابله التفريغ.
يعني: أن المستثنى "بإلا" في غير التفريغ ينتصب متصلا كان، أو منقطعا بعد موجب أو غيره. إلا أن نصبه على ثلاثة أقسام: واجب وجائز، وراجح "وجائز مرجوح"٤.
فالواجب النصب هو المستثنى بعد إيجاب متصلا أو منقطعا، مؤخرا "كان"٥ أو مقدما نحو: "قام القوم إلا زيدا" و"خرج القوم إلا بعيرا" و"قام إلا زيدا القوم".
والمرجوح النصب هو المتصل بعد نفي أو شبه نفي، والمراد به النهي والاستفهام المؤول بالنفي.
_________________
(١) ١ من الآية ١٥٧ من سورة النساء، قراءة السبعة. ٢ ب، جـ، وفي أ "من". ٣ أ، جـ. ٤ أ، ب. ٥ أ، ب.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
فمثال النفي: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١، ومثال النهي: "لا يقوم إلا زيد"، ومثال الاستفهام: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢.
وأكثر ما يكون ذلك في "هل" و"من".
فجميع ذلك يترجح فيه اتباعه للمستثنى منه في رفعه ونصبه وجره بدلا عند البصريين٣، وعطفا عند الكوفيين٤، وإلى هذا أشار بقوله:
وبعد نفي أو كنفي انتُخب إِتْباع ما اتصل
والراجح النصب: هو المنقطع بعد نفي أو كنفي إن صح إغناؤه عن المستثنى منه. فإن بني تميم يجيزون فيه النصب "والإتباع"٥ ويقرءون: "إلا اتباعُ الظن"، وذكر بعض النحويين أن نصبه "عندهم أرجح"٦.
وأما الحجازيون فالنصب عندهم واجب٧، فإن لم يصح إغناؤه عن المستثنى منه تعين نصبه عند الجميع، وهو كل استثناء منقطع لا يجوز فيه تفريغ ما قبل "إلا" للاسم الواقع بعدها نحو: "ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر".
وجعل المصنف منه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ٨، وإلى هذا القسم الثالث أشار بقوله:
_________________
(١) ١ من الآية ٦٦ من سورة النساء. ٢ من الآية ١٣٥ من سورة آل عمران. ٣ بدل بعض المستثنى منه، قال أبو العباس ثعلب: كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفي؟ وأجاب السيرافي بأنه بدل منه في عمل العامل فيه، وتخالفهما في النفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن سبيل البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه، وقد يتخالف الموصوف والصفة نفيا وإثباتا نحو: "مررت برجل لا كريم، ولا لبيب" ا. هـ. أشموني ١/ ٢٨٨. ٤ عطف نسق عند الكوفيين؛ لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة، وهي بمنزلة "لا" العاطفة، في أن ما بعد ما يخالف ما قبلها. ا. هـ. صبان ٣/ ١١٠. ٥ ب. ٦ أ، جـ، وفي ب "عنده راجح". ٧ لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فيمتنع البدل ا. هـ. شرح أوضح المسالك للنجار ١/ ٣٣٧. ٨ من الآية ٤٣ من سورة هود.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
.. وانصب ما انقطع وعن تميم فيه إبدال وقع
ولكنه أطلق فلم يفصل بين ما يصح إغناؤه، وما لا يصح. ثم قال:
وغير نصب سابق في النفي قد يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
يعني: أن المستثنى "المتقدم"١ على المستثنى منه بعد نفي، فيه وجهان:
أحدهما وهو المختار: نصبه على الاستثناء.
والثاني: أن يفرغ العامل له، ويجعل المستثنى منه بدلا.
قال سيبويه٢: حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون: ما لي إلا أبوك ناصر، فيجعلون ناصرا بدلا. ا. هـ.
وهذا قليل؛ ولذلك قال: "قد يأتي".
واحترز بقوله: "في النفي"٣ من أن يكون المقدم في الإيجاب، فإنه واجب النصب كما سبق.
ولما فرغ من بيان التام، شرع في المفرد فقال:
وإن يُفَرَّغ سابق "إلا" لِمَا بعدُ يكن كما لو "الا" عُدِما
أي: وإن يفرغ ما سبق "إلا" لما بعدها، فحكمه حكم ما لم توجد إلا معه نحو: "ما قام إلا زيد"، فقام مفرغ لما بعد "إلا"، أعني زيدا فهو فاعل به كما لو عدمت "إلا"، وقيل: "ما قام زيد".
وقوله: "سابق" أولى من قوله في التسهيل العامل٤؛ لأن السابق قد يكون عاملا كما مثّلنا به، وقد يكون غير عامل نحو: "ما في الدار إلا زيد".
فإن قلت: على ماذا يعود الضمير في يكن؟
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "المقدم". ٢ نص ما في كتاب سيبويه: "حدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحد، فيجعلون أحدا بدلا" ا. هـ. جـ١ ص٣٧٢. ٣ أ، ب، وفي جـ "المنفي". ٤ قال في التسهيل ص١٠١: "وله بعد إلا من الإعراب إن ترك المستثنى منه وفرغ العامل له ما له مع عدمها".
[ ٢ / ٦٧١ ]
قلت: يحتمل أن "يعود"١ على السابق، أي: يكن السابق في طلبه لما بعد "إلا" كما لو عدم "إلا"، وأن يعود على "ما" من قوله: "ما بعدُ" أي: يكن ما بعد "إلا" في تسلط ما قبل "إلا" عليه، كما لو عدم "إلا".
تنبيهان:
الأول: لا يكون التفريغ إلا بعد نفي، أو شَبَهه.
الثاني: يصح التفريغ "لجميع"٢ المعمولات إلا المصدر المؤكد.
فأما قوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ ٣ فمتأول.
ولما كانت "إلا" قد تكرر لتوكيد ولغير توكيد، نبه على ذلك فقال:
وأَلْغِ إلا ذات توكيد
وهي التي يصح طرحها، والاستغناء عنها؛ لكون ما بعدها تابعا لما بعد الأولى.
فإن صح إغناء الثاني عنه جعل بدلا، وإن لم يصح عطف بالواو.
فالأول نحو: لا تمرُر بهم إلا الفتى إلا العلا
فإن العلا هو الفتي.
والثاني نحو: "لا تمرر بهم إلا زيدا، وإلا عمرا" وقد اجتمعا في قوله:
ما لَكَ من شيخك إلا عملُه إلا رسيمُهُ وإلا رملُه٤
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "يكون". ٢ أ، جـ، وفي ب "في جميع". ٣ من الآية ٣٢ من سورة الجاثية. ٤ قال العيني: قائله راجز من الرّجّاز لم أقف على اسمه، وهو من شواهد سيبويه. وبحثت فلم أعثر على قائله. الشرح: "شيخك" هكذا يقرؤه الناس قديما وحديثا بالياء المثناة بعدها خاء معجمة، ويشتهر على الألسنة أنه الجمل، ويترجح أنها "شنجك" بالنون والجيم، وهو الجمل، وأصل نونه متحركة فسكنها لإقامة الوزن، "رسيمه ورمله" ضربان من السير؛ فالرسيم: سير الجمل بدون سرعة، والرمل: السير بسرعة. =
[ ٢ / ٦٧٢ ]
فإن قلت: ما المراد بإلغائها؟
قلت: جعلها "كأنها"١ لم تذكر، فلا تؤثر في لفظ ولا معنى غير التوكيد.
ثم قال:
وإن تُكَرَّر لا لتوكيد
يعني: لقصد استثناء، وحينئذ لا يخلو ذلك من أن يكون مع تفريغ ما قبل "إلا" من العوامل، أو مع تمامه.
فهاتان حالتان، أشار إلى الأولى بقوله:
فمع تفريغ التأثيرَ بالعامل دع
في واحد مما بإلا استُثني وليس عن نصب سواه مغني
المراد بالعامل "إلا"، وبالتأثير النصب على الاستثناء.
فكأنه قال: دع النصب على الاستثناء "بإلا" في واحد من المستثنيين أو المستثنيات.
"وليس عن نصب سواه مغني" أي: سوى ذلك الواحد.
_________________
(١) = المعنى: لا منفعة لك من جملك إلا في نوعين من سيره، وهما: الرسيم والرمل. الإعراب: "ما" نافية، "لك" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "من" حرف جر، "شيخك" مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة وضمير المخاطب مضاف إليه، "إلا" أداة استثناء ملغاة، "عمله" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه، "رسيمه" بدل من عمل والضمير مضاف إليه، "وإلا" الواو حرف عطف، وإلا حرف زائد مبني على السكون لا محل له من الإعراب، "رمله" معطوف على رسيم مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد: في "إلا رسيمه وإلا رمله" حيث تكررت "إلا" في البدل والعطف ولم تُفِد غير مجرد التوكيد، وقد أُلغيت. "ما لك من شيخك إلا عمله". ورد في مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري جـ٢ ص٢٨٩ رقم ٣٩٣٣: "يضرب للرجل حين يكبر؛ أي: لا يصلح أن يكلف إلا ما كان اعتاده وقدر عليه قبل هرمه" ا. هـ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٢٥، وابن هشام ٢/ ٦٧، وابن عقيل ١/ ٣٤٠، وداود، والسندوبي، والأشموني ١/ ٢٣٢، والمكودي ص٧١، والسيوطي ص٦٣، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٢٧٧، سيبويه جـ١ ص٣٧٤. ١ أ، جـ، وفي ب "كأن".
[ ٢ / ٦٧٣ ]
والحاصل: أن إلا إذا "كررت"١ لغير التوكيد وما قبلها من العوامل مفرقًا، شغل بواحد ونصب ما عداه على الاستثناء نحو: "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا خالدًا".
"وقد"٢ فهم من عبارته فوائد:
الأولى: أن الناصب للمستثنى هو "إلا" لقوله بالعامل، ونسبه في التسهيل إلى سيبويه والمبرد٣، وزاد في "شرحه"٤ الجُرجاني، والخلاف في ذلك شهير٥.
الثانية: أن الاسم الذي "يشغل"٦ به العامل المفرغ، لا يلزم كونه الأول، بل يجوز أن يكون المتوسط والآخر؛ لقوله: "في واحد" إلا أن شغله بالأقرب أولى.
الثالثة: أن نصب ما سواه واجب؛ لقوله: "وليس عن نصب سواه مغني"، "فهو"٧ أنص من قوله في التسهيل: ونُصب ما سواه. ا. هـ٨.
فإن قلت: عبارته غير وافية بالمقصود من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أمر بترك التأثير "بإلا" في واحد، فعلم أنه لا ينصب على الاستثناء، ولم يعلم ما "يفعل"٩ به.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "تكررت". ٢ ب، جـ، وفي أ "فقد". ٣ راجع التسهيل ص١٠١. ٤ أ، جـ، وفي ب "الشرح". ٥ وهو الصحيح وإليه أميل؛ لأنه حرف مختصّ بالأسماء غير منزل منها منزلة الجزء وما كان كذلك فهو عامل، فيجب في "إلا" أن تكون عاملة، ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله، فتلغى. فناصب المستثنى هو "إلا" لا ما قبلها بواسطتها ولا مستقبلا ولا استثنى مضمرا، خلافا لزاعمي ذلك، أشموني ١/ ٢٧. ٦ أ، ب، وفي جـ "شغل". ٧ أ، جـ، وفي ب "فبهذا". ٨ التسهيل ص١٠٤. ٩ أ، ب، وفي جـ "فعل".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
والثاني: أن الحكم "الذي"١ ذكره إنما يكون إذا لم يكن استثناء كل واحد من متلوه، فإن أمكن جعل "كل"٢ واحد مخرجا مما قبله نحو: "ما قام إلا أخوتك إلا زيدًا".
والثالث: أن قوله: "وليس عن نصب سواه مغني".
ليس كذلك، بل إذا رفع الأول جاز رفع ما بعده إذا قصد "به"٣ بدل البداء. قلت: الجواب عن الأول: أنه قد علم أن العامل المفرغ "يشتغل"٤ به من قوله: "بعدُ يكن كما "لو" الا "عُدما"".
وعن الثاني: أن كلام "المصنف"٥ في تكرار إلا مع اتحاد المستثنى منه.
وعن الثالث: أنه جعل "بدل بداء"٦ كانت إلا للتوكيد فليس من هذا القسم، بل هو مندرج في قوله: "وألغِ إلا ذات توكيد".
ثم أشار إلى الثانية بقوله:
ودون تفريغ مع التقدم نصب الجميع احكم به والتزم
مثال ذلك: "ما قام إلا زيدا إلا عمرا إلا خالدا القومُ".
ثم قال:
وانصب لتأخير وجِئْ بواحد منها كما لو كان دون زائد
يعني أن العامل إذا لم يكن مفرغا وتأخر ما استثني عن المستثنى منه نصب الجميع إلا واحدا منها، فله معها ما له منفردا نحو: "ما قام أحدٌ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا".
ويجوز رفع واحد منها على البدل؛ لأنه بعد نفي، وهو راجح.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "بما". ٢ ب، جـ. ٣ ب. ٤ أ، جـ، وفي ب "يشغل". ٥ ب، جـ. ٦ أ، جـ، وفي ب "بدلا".
[ ٢ / ٦٧٥ ]
فإن قلت: "فهل"١ يجوز رفع الجميع على الإبدال؟
قلت: قد أجاز ذلك الأبدي٢.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يبدل منها إلا واحد. ثم مثّل ذلك بقوله:
كلم يَفُوا إلا امرؤ إلا علي
فيجوز رفع "امرؤ" على البدل ونصبه على الاستثناء كما لو انفرد، "ونصب"٣ "عليَّ" ولكنه وقف على لغة ربيعة "فحذف"٤ تنوين المنصوب، والأصل: إلا عليا.
وقوله:
وحكمها في القصد حكم الأول
يعني في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان موجبا.
تنبيه:
إذا كُررت "إلا" لغير توكيد فتارة يمتنع استثناء كل واحد من متلوه، وتارة "لا يمتنع"٥، ولم يتكلم المصنف على الثاني لوضوحه، وقد بينه في الكافية والتسهيل٦.
ولما فرغ من حكم المستثنى "بإلا"، شرع يذكر سائر أدوات الاستثناء، فقال:
واستثْنِ مجرورا بغير مُعْرَبا بما لمستثنى بإلا نُسبا
أصل "غير" أن تكون صفة دالة على مخالفة موصوفها لحقيقة ما أضيفت إليه.
وقد تضمن معنى "إلا" فيستثنى بها ولم يكن "به"٧ بد من جر ما استثنته
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "هل". ٢ هو: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم الأبدي، نسبة إلى أبدة بلدة بالأندلس. كان نحويا جليلا من أعرف أهل زمانه بالخلافات النحوية، ودرس كتاب سيبويه ووقف على غوامضه، ثم انتقل إلى غرناطة وأقرأ بها، وكان في غاية من الفقر على إمامته بالعلم. وتوفي سنة ٦٠٨هـ ثمان وستمائة. ٣ أ، وفي ب، جـ "وينصب". ٤ أ، جـ، وفي ب "بحذف". ٥ جـ، وفي أ، ب "يمكن". ٦ راجع الكافية ورقة ٤٥، والتسهيل ص١٠٤. ٧ أ.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
بالإضافة، وأعربت هي بما يستحقه المستثنى "بإلا" من نصب واجب نحو: "قام القومُ غير زيد"، أو راجح نحو: "ما لزيد علم غير ظن"، أو مرجوح نحو: "ما قام أحدٌ غير زيد"، ومن تأثر بعامل مفرغ نحو: "ما قام غيرُ زيد".
فإن قلت: قد تقدم أن "إلا" هي ناصب المستثنى عند المصنف، فما ناصب غير؟
قلت: ناصبها العام الذي قبلها على الحال، وفيها معنى الاستثناء.
هذا اختيار المصنف. قال في شرح التسهيل: وهو الظاهر من قول سيبويه، وإليه ذهب الفارسي في التذكرة١.
والمشهور أن انتصابها على حد انتصاب ما بعد "إلا"٢.
فإن قلت: ظاهر قوله: مُعْربا، بما لمستثنى بإلا نُسبا.
اتحاد جهة النصب، فيكون خلاف ما ذكره في شرح التسهيل.
قلت: المفهوم من عبارته أن "غيرا" تعرب بالإعراب المنصوب للمستثنى "بإلا" من نصب أو غيره كما سبق، وليس في ذلك ما يدل على اتحاد جهة النصب.
تنبيهات:
الأول: قد تحمل "إلا" على "غير" فيُوصَف بها، وما بعدها "مغاير ما قبلها"٣، كما حملت "غير" على "إلا"، فاستثني بها.
وللموصوف بإلا شرطان: أن يكون جمعا أو شبهه، وأن "يكون"٤ نكرة أو معرفا بأل الجنسية، فلا يوصف بها مفرد محض ولا معرفة محضة. وتفارق "غيرا" من وجهين:
_________________
(١) ١ كتاب لأبي علي الفارسي، فجعلها حالا تؤول بمشتق، أي: قام القوم مغايرين لزيد، أو أنه من العطف على المعنى لا على المحل وارتضيت هذا المذهب. ٢ وهذا عند المغاربة، واختاره ابن عصفور، وقياسا على نصب ما بعد "إلا" راجع الأشموني ١/ ٢٣٤. ٣ أسقط: "مغاير"، ب، جـ سقط: "ما قبلها". ٤ ب، جـ.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
أحدهما: أن موصوفها لا يحذف وتقام مقامه، فلا يقال: "جاءني إلا زيدٌ" بخلاف "غير".
والآخر: أنه لا يوصف بها إلا حيث يصح الاستثناء متصلا، أو منقطعا.
فلا "يجوز"١: "عندي درهم إلا جيد"؛ لأنه لا يصح فيه الاستثناء بخلاف "غير".
قال في البسيط: وهل يجوز فيه الحال، كما جاز في "غير"؟
فيه نظر، وأجازه ابن السيد.
الثاني: يجوز في المعطوف على المستثنى بغير اعتبار اللفظ، واعتبار المعنى.
فتقول: "قام القوم غير زيد وعمرو" بالجر على اللفظ، وبالنصب على المعنى.
لأن معنى "غير زيد" "إلا زيدا"، وتقول: "ما قام غير زيد وعمرو" بالجر وبالرفع؛ لأنه على معنى "إلا زيد".
وظاهر كلام سيبويه٢ أنه من العطف على الموضع، وذهب الشلوبين إلى أنه من باب التوهم٣.
الثالث: لا يجوز جر المعطوف على المستثنى "بإلا" نحو: "قام القوم إلا زيدًا" على معنى "غير" خلافا لبعضهم، وما استدل به متأول.
ثم قال:
ولسوى سوى سواء
هذه ثلاث لغات، وزاد بعضهم٤ "رابعة"٥، وهي المدّ مع الكسر.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "يقال". ٢ قال سيبويه جـ١ ص٣٧٥: "زعم الخليل ويونس جميعا أنه يجوز: "ما أتاني غير زيد وعمرو" والوجه الجر؛ وذلك أن غير زيد في موضع: إلا زيد وفي معناه، فحملوه على الموضع ". ٣ أي: على توهم إلا، وإلى مذهب سيبويه أميل؛ لبعده عن التوهم. ٤ حكى الفاسي في شرح الشاطبية في سوى لغة رابعة، وهي المد مع الكسر. ٥ أ، جـ، وفي ب "أخرى".
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وظاهر كلامه أنه يستثنى بالثلاث، وهو ظاهر كلام الأخفش، ولم يمثل سيبويه١ إلا بالمكسورة.
وقال ابن عصفور في الشرح الصغير: ولم يشرب منها معنى "الاستثناء"٢ إلا سوى المكسورة السين، فإن استثني بما عداها فبالقياس عليها.
ثم قال:
اجعلا على الأصح ما لغير جُعلَا
أي: اجعل لسوى وأختيها ما جعل "لغير" من كونها تجر المستثنى، وتعرب بإعراب ما بعد "إلا" على ما سبق في "غير" من التفعيل والتمثيل؛ لأنها بمعنى غير.
وأشار بقوله: "على الأصح" إلى مذهب سيبويه وأكثر البصريين، وهو أنها ظرف لا يتصرف إلا في الشعر.
ونقل عن الفراء: قال سيبويه بعد أن مثّل بقوله: "أتاني القوم سواك": زعم الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، إلا أن في سواك معنى الاستثناء. ا. هـ٣.
قال ابن عصفور: ولما كانت الظرفية فيها مجازا لم "يتصرف"٤ فيها، واستدل من قال بظرفيتها بوصل الموصول بها نحو: "جاء الذي سواك".
أي: المصنف، وإنما اختار خلاف ما ذهبوا إليه.
قال في شرح الكافية لأمرين:
أحدهما: إجماع أهل اللغة على أن معنى قول القائل: "قاموا سواك، وقاموا غيرك" واحد، وأنه لا أحد منهم يقول: إن "سوى"٥ عبارة عن مكان أو زمان.
_________________
(١) ١ قال سيبويه جـ١ ص٣٧٧: "أتاني القوم سواك". ٢ أ، جـ. ٣ الكتاب جـ١ ص٣٧٧. ٤ أ، جـ، وفي ب "يتصرفوا". ٥ ب، جـ، وفي أ "سواك".
[ ٢ / ٦٧٩ ]
والثاني: أن من يحكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تتصرف. والواقع في كلام "العرب"١ نثرا ونظما خلاف ذلك٢ ا. هـ.
وأكثر فيه، وفي شرح التسهيل من "الاستشهاد"٣ على تصرفها.
وأجاب عن استدلالهم بوقوعها صلة بأنه لا يلزم من وقوعها صلة كونها ظرفا.
وأجاز أن يكون موضعها بعد الموصول رفعا على أنها خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون نصبا على أنه حال وقبله ثبت مضمرا.
قال: ويقوي هذا الوجه قول من قال: "رأيت الذي سواك" بالنصب.
"ولنا"٤ أن نجعل سواك بعد الموصول خبر مبتدأ "ومضمر"٥ على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبني كما فعل ذلك بغير في قوله:
لُذْ بقيس حين يأبى غيرَه٦
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ راجع الأشموني ١/ ٢٣٥. ٣ أ، ج، وفي ب "الاستدلال". ٤ أ، ج، وفي ب "قال: وأما". ٥ ب، جـ، وفي أ "محذوف". ٦ هذا صدر بيت -قال العيني: لم أقف على اسم راجزه- وبحثت أيضا فلم أعثر على قائله. وعجزه: تُلْفِهِ بحرا مفيضا خيره الشرح: "لذ" بضم اللام وسكون الذال المعجمة أمر من لاذ يلوذ، "تلفه" بضم التاء وسكون اللام وكسر الفاء من ألفى، إذا وجد. قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وجدا. ومعنى تلفه: تجده بحرا مفيضا، من أفاض، يقال: فاض الماء، إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي. الإعراب: "لذ" جملة من الفعل والفاعل وهو أنت المستتر فيه، "بقيس" في محل نصب مفعول به، "حين" منصوب على الظرفية، "غيره" مبني على الفتح وبيانه في الشاهد، "تلفه" مجزوم لأنه جواب الأمر "لذ" والفاعل ضمير والهاء مفعول أول، "بحرا" مفعول ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، "مفيضا" صفة لبحر، "خيره" مفعول لقوله: "مفيضا". الشاهد: في "غير" حيث بني على الفتح لإضافته إلى مبني، ومع هذا هو فاعل لقوله: يأبى ليكون مرفوعا بالفاعلية. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١٣٨.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
قلت: هذا خلاصة ما ذكره المصنف نصرة لمذهبه، وهو منقول عن الزجاجي.
ولقائل أن يقول: ما استدل به لا ينهض دليلا على دعواه.
أما ما ذكره من إجماع أهل اللغة فغير مسلم لما نقله سيبويه عن الخليل، وقد تقدم.
وأما ما استشهد به من النظم فلا حجة فيه؛ لأن سيبويه ومن وافقه معترف بتصرفه في الشعر، وقد أنشد سيبويه بعضه١ ولم يذكر من تصرفه في النثر إلا جره بمن في الحديث٢، وقول بعض العرب: "أتاني سواك" وحكاه الفراء.
وأما الجر بمن، فقد تقدم أنه لا يعتدّ به في إخراج الظرف عن عدم التصرف.
وأما "أتاني سواك"، فهو أقوى ما احتج به.
قال في البسيط: قال البصريون: هذا من "الشاذ"٣.
قلت: وكلام حاكيه -أعني الفراء- يدل على قلته، فإنه قال "في"٤ "سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك": لا تستعمل أسماء مرفوعة.
_________________
(١) ١ قال سيبويه جـ١ ص٢٠٢: واعلم أن هذه الأشياء كلها قد تكون أسماء غير ظروف بمنزلة زيد وعمرو. ومن ذلك أيضا: هذا سواءك، وهذا رجل، فهذا بمنزلة مكانك إذا جعلته في معنى بدلك، ولا يكون اسما إلا في الشعر. قال بعض العرب: لما اضطر في الشعر جعله بمنزلة غير. قال الشاعر، وهو رجل من الأنصار: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا قعدوا منا ولا من سوائنا وقال الآخر، وهو الأعشى: تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما عدلت من أهلها لسوائكا ويدلك على أن "سواءك" و"كزيد" بمنزلة الظروف، أنك تقول: مررت بمن سواءك. ٢ قال ﵊: $"دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسها ". ٣ أ، ج، وفي ب "الشواذ". ٤ "أ".
[ ٢ / ٦٨١ ]
ثم قال: وربما رفعوا. قال أبو ثروان١: "أتاني سواك"، وأما تجويزه كون "سواك" بعد الموصول خبر "مبتدأ"٢ مضمر فضعيف؛ لأن فيه حذف صدر الصلة من غير٣ طول، ولو كان كذلك لجاز في "غير" فصيحا كما جاز في "سوى"، وأيضا فقولهم: "رأيت الذي سواك" بالنصب يضعفه.
وأما ادعاء بنائه لإبهام وإضافته إلى مبني فبعيد، وقد ضعف في باب الإضافة من شرح التسهيل القول بمثل ذلك.
وأما تقدير: ثبت فلا يخفى بعده، وقد اتضح بذلك صحة القول بالظرفية إلا أن الظاهر هو عدم لزومها؛ لكثرة تصرفه في الشعر، ولما حكاه الفراء. فهو إذًا ظرف متصرف مستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا، وهذا مذهب قوم؛ منهم الرماني والعكبري٤.
وقوله في الكافية: "ومانع تصريفه من عده ظرفا" هـ، يوهم أن كل من قال بظرفيته قال بمنعه التصرف، وليس كذلك، بل المذاهب ثلاثة، والله أعلم.
فإن قلت: ظاهر قوله: "ما لغير" مساواتها لغير في جميع الأحكام.
وليس كذلك. بل افترقا في أمرين:
الأول: أن المستثنى بغير قد يحذف إذا فهم المعنى، نحو: "ليس غيرُ" بالضم والفتح وبالتنوين بخلاف "سوى".
_________________
(١) ١ هو: علي بن ثروان بن الحسن الكندي، أبو الحسن. قال في الخريدة: أصله من الخابور، ورأيته بدمشق مشهودا له بالفضل، مشتهرا بالمعرفة، موثوقا بقوله، وكان أديبا فاضلا قد أتقن اللغة وقرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي وغيره. مات بعد سنة خمس وستين وخمسمائة. ٢ أ، ب. ٣ أ، ب. ٤ وقد ارتضيت هذا المذهب، قال الأشموني ١/ ٢٣٦: "وهذا أعدل ولا ينهض بما استدل به الناظم حجة؛ لأن كثيرا من ذلك أو بعضه لا يخرج الظروف عن اللزوم وهو الجر، وبعضه قابل للتأويل" ا. هـ.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الثاني: أن "سوى" يقع صلة للموصول وحدها في فصيح الكلام، بخلاف "غير".
قلت: "إنما ساوى بينهما فيما ذكره لغير من جر المستثنى "وإعرابها بإعراب"١ ما بعد إلا٢ في جميع الأحكام.
فإن قلت: يلزمه "أنه"٣ يجوز في المعطوف على المستثنى بها اعتبار المعنى، كما جاز في "غير".
قلت: لا يبعد أن "يلتزمه"٤ قياسا.
وقوله في التسهيل: تساويها مطلقا سوى، هـ٥ بعد ذكره "جوز"٦ اعتبار المعنى في المعطوف على مجرور "ظاهر في إجازته".
ثم قال:
واستثْنِ ناصبا بليس وخلا وبِعَدا وبيكون بعد لا
أما "ليس" و"لا يكون" فالمستثنى بهما خبرهما؛ فلهذا وجب نصبه واسمهما عند البصريين ضمير عائد على البعض المفهوم من الكلام.
والمعنى: ليس هو، أي: بعضهم زيدا.
وعند الكوفيين ضمير عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق؛ ولذلك كان مفردا، والتقدير: ليس هو، أي: "ليس"٧ فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف، ورد بأنه لا يطرد٨.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، ج، وفي أ "وإعرابه بعد إلا لا". ٣ أ، وفي ب، ج "أن". ٤ أ، ب، وفي جـ "يلزمه". ٥ التسهيل ص١٠٧. ٦ ب، ج. ٧ أ، ب. ٨ لأنه قد لا يكون هناك فعل كما في نحو: "القوم إخوتك ليس زيدا" ا. هـ. أشموني ١/ ٢٢٧. وقد ارتضيت مذهب البصريين لاطراده.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وفي الارتشاف١: قال ابن مالك، وصاحب البسيط: هو محذوف حذف الاسم؛ لقوة دلالة الكلام عليه.
وهذا مخالف لما اتفق عليه الكوفيون والبصريون من أن "الفاعل"٢ مضمر، لا محذوف. ا. هـ.
قلت: قد صرح في شرح الكافية بأن اسمها مضمر مستتر٣.
وقوله في التسهيل: واسمها بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف٤ ا. هـ. يقتضي ظاهره أنه محذوف لا مضمر، ويمكن أن يكون تجوز في "التعبير" عن الإضمار بالحذف٥.
فإن قلت: هل لجملتي "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء "محل من الإعراب"٦؟
قلت: في ذلك خلاف. قيل: هما في موضع نصب على الحال، وقيل: لا محل لهما٧، وصححه ابن عصفور٨.
وأما "عدا وخلا" فقد ثبت بالنقل الصحيح عن العرب أنهما ينصبان المستثنى ويجرانه، فنقول: "قام القومُ عدا زيدًا و"عدا زيدٍ""٩ و"خلا عمرًا" و"خلا"١٠ عمرٍو.
_________________
(١) ١ هو ارتشاف الضرب لأبي حيان، وراجع ص٧٤٣. ٢ ب، ج، وفي أ "الفعل". ٣ قال في شرح الكافية ورقة ٤٦: "إلا أن المرفوع بهما -ليس، ولا يكون- لا يكون إلا مستترا". ٤ التسهيل ص١٠٦. ٥ أ، ب، وفي جـ "بالتعبير". ٦ ب، جـ، وفي أ "الإعراب". ٧ وأرجح النصب على الحال، ويغتفر فيها عدم اقترانها بقد في ليس، وخلا، وعدا مع أنها ماضوية، أو يقال: محل ذلك الأفعال المتصرفة، وصححه ابن عصفور، أي: علله بعدم الربط للحال. ا. هـ. صبان ٢/ ١٢٦ بتصرف. ٨ أي: على الاستئناف. ٩ ب، وفي أ "عداه زيد". ١٠ أ، ب.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وقد أشار إلى جواز جر المستثنى بهما بقوله:
واجرُرْ بسابقَيْ يكون إن تُرِد وهما عدا وخلا
فإن قلت: هل الأرجح نصب المستثنى بهما أو جره؟
قلت: لا إشكال في أن النصب "بِعَدَا" أرجح؛ لأن فعليتها "أشهر"١.
ولذلك التزم سيبويه٢ فعليتها، ولم يحفظ حرفيتها.
وأما "خلا" "فالنصب"٣ بها أرجح أيضا.
قيل: ولم يعرف سيبويه الجر بها، وليس كذلك، بل ذكر سيبويه٤ فيها الجر أيضا. وقال الأخفش في الأوسط٥: كل العرب يجرون "بخلا" وقد زعموا أنه ينصب بها، وذلك لا يعرف. ا. هـ.
وهو خلاف المشهور.
وقوله:
وبعدَ ما انْصِبْ
نحو: "ما عدا زيدًا وما خلا عمرًا"، وإنما تعين النصب بعد "ما"؛ لأنها مصدرية فتعينت "فعليتها"٦؛ لأنها لا يليها حرف جر، وتعين النصب مع "ما" هو مذهب الجمهور.
_________________
(١) ١ أ، ج، وفي ب "ألزم". ٢ قال سيبويه جـ١ ص٣٧٧: "وأما عدا وخلا فلا يكونان صفة ولكن فيهما إضمار كما كان في ليس ولا يكون، وذلك قولك: ما أتاني أحد خلا زيدا وأتاني القوم عدا عمرا، كأنك قلت: جاوز بعضهم زيدا، إلا أن خلا وعدا فيهما معنى الاستثناء، ولكني ذكرت جاوز لأمثل لك به وإن كان لا يستعمل في هذا الموضع، وتقول: أتاني القوم ما عدا زيدا، وأتوني ما خلا زيدا". ٣ ب، جـ، وفي أ "النصب". ٤ قال سيبويه جـ١ ص٣٧٧: "وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبد الله، فجعلوا خلا بمنزلة حاشا ". ٥ كتاب لأبي الحسن الأخفش. ٦ جـ، وفي أ، ب "فعليتها".
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وحكى الجرمي الجر مع "ما" في "الفرخ"١ عن بعض العرب، وإليه الإشارة بقوله:
وانجرار قد يَرِد
وأجاز ذلك الكسائي والربعي والفارسي في كتاب الشعر له، وعلى هذا "فما" زائدة لا مصدرية٢.
وحيث جُرَّا فهما حرفان
يعني مجردين من "ما"، أو مقترنين بها.
فإن قلت: بأي شيء يتعلقان إذا كانا حرفي جر؟
قلت: قيل: بالفعل، أو معنى الفعل، فموضعهما نصب، وقيل: هما في موضع نصب على تمام الكلام.
وقوله:
كما هما إن نصبا فِعْلان
يعني مجردين من "ما" أو "مقترنين"٣ بها، وهما فعلان متعديان والمستثنى بهما مفعول به، وفاعلهما عند سيبويه٤ وأكثر البصريين ضمير مستكن عائد على البعض المفهوم من الكلام، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وبه جزم في شرح الكافية.
وكلامه في التسهيل يقتضي أنه محذوف، كما تقدم في اسم "ليس" و"لا يكون".
وقال في شرحه: وفيه ضعف؛ لأن قولك: "قاموا عدا زيدًا"، إن جعل تقديره: عدا بعضهم زيدًا، لم يستقم إلا أن٥ يراد بالبعض من سوى زيد.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب "الشرح"، وفي جـ "المفتوح" وهو اسم كتاب للجرمي. ٢ وقد ارتضيت مذهب الجمهور؛ لوروده في أشعار العرب. ومذهب الجرمي وغيره ضعيف من وجهين؛ فإن قالوه بالقياس ففاسد؛ لأن "ما" لا تزاد قبل الجار بل بعده نحو: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ وإن قالوه بالسماع فهو شاذ لا يحتج به. ا. هـ. أشمونى ١/ ١٣٨. ٣ أ، ب، وفي جـ "مقرونين". ٤ راجع الكتاب جـ١ ص٣٧٧. ٥ ب، وفي جـ "بأن".
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وهذا وإن صح "إطلاق البعض"١ على الكل إلا واحدا، فليس لقلته في الاستعمال "فالأجود"٢ أن يجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيقدر في "قاموا عدا زيدا": جاوز قيامهم زيدا. ا. هـ.
قيل: ولا يطرد، إذ ينتقض في نحو: "القومُ إخوتُك عدا زيدا"؛ لأنه لم يتقدم فعل، ولا "ما"٣ يجري مجراه.
وينبغي ألا يجوز تقدير: جاوز بعضهم على مذهب الكسائي وهشام؛ لأن البعض عندهما لا يقع إلا على ما دون النصف.
والصحيح جواز وقوعه على النصف، وعلى "أزيد"٤ منه كقوله:
داينتُ أروَى والديون تُقْضَى فمطلت بعضا وأدَّت بعضا٥
وذهب المبرد إلى أن فاعلهما ضمير "عائد"٦ على "من" المفهوم من معنى الكلام، أي: عدا من قام زيدا٧.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "إطلاقه". ٢ أ، ج، وفي ب "فالأحسن". ٣ ب، جـ. ٤ أ، جـ، وفي ب "أكثر". ٥ البيت لرؤبة بن العجاج، من أرجوزة يمدح فيها تميما وسعدا ونفسه. وهو من الرجز المسدس. الشرح: "داينت" من المداينة؛ يقال: داينت فلانا، إذا عاملته فأعطيته دينا وأخذت بدين، "أروى" اسم امرأة وهو بفتح الهمزة وسكون الراء، "فمطلت" من المطل وهو التسويف، "وأدت" ويروى: "وأوفت". الإعراب: "داينت" جملة من فعل وفاعل أروى "مفعوله"، والديون الواو حالية والديوان مبتدأ، "تقضى" جملة في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية هذه وقعت حالا، "فمطلت" فعل وفاعل، "بعضا" مفعوله، "وأدت" فعل وفاعل، "بعضا" مفعوله. الشاهد فيه: بعضا، على أن لفظة "بعض" يجوز وقوعها على النصف وعلى أزيد منه، وهذا حجة على الكسائي وهشام حيث قالا: إن البعض لا يقع إلا على ما دون النصف. مواضعه: هو من شواهد سيبويه جـ٢ ص٣٠٠، والخصائص ٢/ ٩٦، ٩٧. ٦ أ، جـ، وفي ب "يعود". ٧ وارتضيت مذهب سيبويه؛ لأنه أعدل المذاهب.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
فإن قلت: هل لجملتي "عدا" و"خلا" محل من الإعراب؟
قلت: إن وقعا صلة "لما" فلا محل لهما، وإلا فقولان كما تقدم في "ليس"، وصحح ابن عصفور أنهما لا محل لهما كما صححه في "ليس" و"لا يكون".
فإن قلت: إذا وقعا صلة "لما" المصدرية، فما موضع المصدر والمؤول من الإعراب؟
قلت: نصب بلا خلاف، وإنما اختلفوا في وجه نصبه. فقال السيرافي: هو مصدر موضوع موضع الحال كما يجوز ذلك في المصدر الصريح. وذهب ابن خروف إلى أن انتصابه على الاستثناء انتصاب "غير".
وقيل: انتصابه على الظرف "وما" وقتيّة؛ أي: وقت مجاوزتهم١.
ثم قال:
وكخلا حاشا ولا تصحب ما
يعني: أن "حاشا" مثل "خلا" يجوز نصب المستثنى بها وجره، فإذا نصبت كانت فعلا، والخلاف في فاعلها، وفي محل الجملة كما في خلا. وإذا جرت كانت حرفا، والكلام على ما يتعلق به كالكلام على "خلا"، لا فرق بينهما إلا "في"٢ ثلاثة أوجه:
الأول: أن الفراء ذهب إلى أن "حاشا" فعل، ولا فاعل له، والنصب بعده إنما هو بالحمل على "إلا" ولم ينقل عنه ذلك في "عدا" و"خلا"، قيل: ويمكن القول فيهما بذلك.
الثاني: أن الجر "بحاشا" هو الأكثر بخلاف "عدا" و"خلا"؛ ولذلك التزم سيبويه حرفيتها٣ ولم يجز النصب بها؛ لأنه لم يحفظه. وقد ثبت بنقل٤ أبي زيد
_________________
(١) ١ وهو الصحيح. قال الشيخ خالد ١/ ٢٦٥: "وهو الذي يعتمد عليه، فإنه كثيرا ما يحذف اسم الزمان وينوب عنه المصدر" ا. هـ. ٢ ب، جـ، وفي أ "على". ٣ قال سيبويه جـ١ ص٣٧٧: "وأما حاشا فليس باسم، ولكنه حرف يجر ما بعده كما تجر حتى ما بعدها، وفيه معنى الاستثناء" ا. هـ. ٤ أي: ثبت النصب.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
والفراء والأخفش والشيباني وابن خروف، وأجازه "الجرمي"١ والمازني والمبرد والزجاج"٢" ٣.
الثالث: أن "حاشا" لا تصحب "ما"، بخلاف "عدا" و"خلا".
قال سيبويه٤: لو قلت: "أتوني ما حاشا زيدًا" لم يكن كلاما، وقد أجازه بعضهم على قلة. ا. هـ.
وقال في التسهيل: وربما قيل: "ما حاشاه"٥، وذكر في شرحه قوله ﷺ: "أسامة أحب الناس إليَّ ما حاشا فاطمةَ"٦.
وأنشد بعضهم على ذلك قوله:
رأيت الناس ما حاشا قريشًا فإنا نحن أفضلهم فَعَالا٧
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ وقد ارتضيت نقل أبي زيد والفراء والأخفش وغيرهم؛ لأنهم جوزوا الجر والنصب. قال ابن هشام في مغني اللبيب جـ١ ص٩٦: "وذهب الجرمي والمازني والأخفش إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارا وقليلا فعلا متعديا جامدا؛ لتضمنه معنى "إلا"، وسمع: اللهم اغفر لي ولمن يسمع حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، وقال: حاشا أبا ثوبان أن به ضنا على الملحاة والشتم " ا. هـ. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٣٩. ٤ الكتاب جـ١ ص٣٣٧. ٥ التسهيل ص١٠٦. ٦ والحق أن كلمة "ما حاشا فاطمة" مدرجة من كلام الراوي، وليست من كلام النبي -ﷺ- فيكون الحديث: "أسامة أحب الناس إلي" ولم يستثن فاطمة بدليل ما في معجم الطبراني: "ما حاشا فاطمة ولا غيرها"، فتكون "ما" نافية لا مصدرية، و"حاشا" فعل متعدّ متصرف بمعنى أستثني، والمعنى أنه -﵊- لم يستثن فاطمة. والحديث صحيح، ففي مسند أبي أمية الطرطوسي أنه عن ابن عمر، ورواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير. ٧ البيت: قائله الأخطل غوث بن غياث، وهو من الوافر. الشرح: "فعالا" بفتح الفاء والعين المهملة، معناه: الكرم، وفعال أيضا مصدر من فعل كذهب ذهابا. الإعراب: "رأيت" فعل ماضٍ والتاء فاعل، "الناس" مفعول أول منصوب بالفتحة الظاهرة والمفعول الثاني محذوف لدلالة الكلام عليه وتقديره: دوننا، "ما حاشا" ما مصدرية، حاشا =
[ ٢ / ٦٨٩ ]
ثم قال:
وقيل حاشَ وحَشَا فاحفظْهما
ظاهره: أن هاتين اللغتين في حاشا التي يستثنى بها.
"وقد سمع الاستثناء بحشا في قوله:
حشا رهطِ النبي فإن منهم بحورا لا تُكدِّرها الدِّلَاء١
ولم يسمع بحاش"٢.
وكلامه في التسهيل ظاهر في أنهما في "حاشا" التي للتنزيه٣ وهي التي يليها المجرور باللام نحو: "حاشا لله".
_________________
(١) = فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر وجوبا يعود على البعض المفهوم من الكلام السابق، "قريشا" مفعول لحاشا منصوب بالفتحة الظاهرة، "فإنا" الفاء للتعليل، إن: حرف توكيد ونصب، نا: اسمه، "نحن" توكيد للضمير المتصل الواقع اسما لأن "أفضلهم" خبر إن، هم مضاف إليه، "فعالا" تمييز. الشاهد: في "ما حاشا قريشا" حيث دخلت "ما" المصدرية على "حاشا" وذلك قليل، والأكثر أن تتجرد منها، وهو شاذ والكثير ألا تصحب "ما". مواضعه: ذكره من شرح الألفية: ابن عقيل ١/ ٣١، والأشموني ١/ ٢٣٩. وذكره السيوطي في الهمع ١/ ٢٣٣، وابن هشام في المغني ١/ ١٠٩، والشاهد رقم ٢٢٣ في خزانة الأدب. ١ في لسان العرب جـ١٨ ص٩٨: "وأنشده الفراء" وهو من الوافر. ٢ الشرح: حشا وفي الأصل "حشى"، "الرهط" اسم جمع يدل على الجماعة دون العشرة من الرجال ليس بينهم امرأة. ورهط الرجل: قومه وعشيرته الأقربون، "والبحور": جمع بحر وهو الماء الواسع الكثير العميق الملح، والجمع: أبحر وبحار وبحور، ويطلق على كل نهر عظيم: بحر. "لا تكدرها" لا تغيرها، وكدر الماء نقيض صفا. "الدلاء" جمع دلو، والدلو: الوعاء الذي تخرج به الماء من البئر. الإعراب: "حشا" لغة في حاشا أداة استثناء وهو مسموع، "رهط" مجرور بحشا، "النبي" مضاف إليه، "فإن" الفاء للتعليل، وإن: حرف توكيد ونصب، "منهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم، "بحورا" اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة، "لا تكدرها" لا نافية، وتكدر فعل مضارع والضمير مفعوله، "الدلاء" فاعل تكدر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: "حشا رهط"؛ فقد استثنى بحشا وهو مسموع. ٣ أ، جـ وسقط في ب.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقد قرئ باللغات الثلاث وأقلها "حشا"، وهذه التي يليها المجرور "باللام"١ "ليست"٢ حرفا.
قال في "شرح"٣ التسهيل بلا خلاف، بل هي إما فعل، وهو مذهب المبرد٤، وإما اسم منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل٥، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود٦: "حاشَ الله"٧ بالإضافة مثل: "سبحانَ اللهِ"، وقراءة أبي السمال٨: "حاشًا لله" بالتنوين مثل: "رَعْيًا لزيد"، والوجه في قراءة من لم ينون أن تكون مبنية لشبهها "بحاشا" الحرفية لفظا ومعنى.
_________________
(١) ١ قال الأشموني ١/ ٢٤٠: "وهو الأقرب"، وقال في التسهيل ص١٠٥: "وكثر فيها حاشا، وقل حشا وحاش". ٢ أ، جـ وفي ب "ليس". ٣ ب. ٤ مذهب المبرد وابن جني والكوفيين أنها "فعل، قالوا: لتصرفهم فيها بالحذف وإدخالهم إياها على الحرف، وهذان الدليلان ينفيان الحرفية ولا يثبتان الفعلية، قالوا: والمعنى في الآية: حاش لله جانب يوسف المعصية لأجل الله، ولا يتأتى مثل هذا التأويل في ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ " ا. هـ. أشموني ١/ ٢٤٠. ٥ وهو مذهب البصريين وهو الصحيح لقوة أدلته، قال الأشموني: "والصحيح أنها اسم" ١/ ٢٤٠. ٦ هو: عبد الله بن مسعود بن الحارث بن عاقل بن حبيب بن مخزوم بن صاهلة بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، أحد السابقين والعلماء الكبار من الصحابة. أسلم قبل عمر، عرض القرآن على النبي ﷺ. وفد من الكوفة إلى المدينة، فمات بها آخر سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة. ٧ من الآية ٥١ من سورة يوسف. ٨ هو قعنب بن أبي قعنب أبو السمال -بفتح السين وتشديد الميم وباللام- العدوي البصري، له اختيار في القراءة شاذ عن العامة. رواه عنه أبو زيد سعيد بن أوس وأسند الهذلي قراءة أبي السمال عن هشام البربري عن عباد بن راشد عن الحسن عن سمرة عن عمر، وهذا سند لا يصح. ا. هـ. طبقات القراء ٢/ ٢٧، رقم ٢٦١٤.
[ ٢ / ٦٩١ ]
الحال:
قال:
الحال وصف فضلة مُنتصِب مُفْهِم في حال كفردًا أذهب
الحال: تذكر وتؤنث، وقوله: "وصف" كالجنس يشمل الحال وبعض الأخبار وبعض النعوت ونحو: "لله دره فارسا" من التمييز.
وقوله: "فضلة" "أخرج"١ الخبر، والفضلة ما يجوز الاستغناء عنها إلا لعارض فلا يعترض "بالحال"٢ في مثل: "ضربي زيدًا قائمًا"، فإن امتناع حذفها لسدها مسد الخبر.
وقوله: "منتصب" "أخرج"٣ النعت؛ لأنه "يعني"٤ لازم النصب، والنعت تابع المنعوت.
وقوله: "مفهم في حال" أي: في حال كذا، أخرج نحو: "لله دره فارسا" فإن التمييز "يقدر"٥ بمن لا بفي.
وقول الشارح: إن هذا التعريف ليس بمانع؛ لأنه يشمل النعت هـ٦، غير مسلم لخروجه "بقيد"٧ لزوم النصب.
تنبيه: ذكر في الكافية والتسهيل أن الحال قد تجر بباء زائدة، إن نفي عاملها٨ كقوله:
فما انبعثت بمزءُود ولا وَكَل٩
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "إخراج". ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "إخراج". ٤ أ، جـ. ٥ أ، جـ، وفي ب "تقييده". ٦ الشارح ص١٣٠. ٧ أ، جـ، وفي ب "بغير". ٨ راجع التسهيل ص١٠٨، والكافية ورقة ٤٦. ٩ لم يتعرض صاحب شواهد المغني لقائل هذا البيت، وبحثت فلم أعثر على قائله. وصدره: كائن دعيت إلى بأساء داهمة الشرح: "كائن" بمعنى: كم، "البأساء": الشدة، "داهمة" آتية على بغتة، "انبعثت" أسرعت، "المزءود" المذعور الخائف، "الوكل" -بفتح الواو والكاف- كما في القاموس: العاجز الذي يكل أمره إلى غيره. الإعراب: "فما" الفاء عاطفة وما نافية، "انبعثت" فعل وفاعل، "بمزءود" الباء حرف جر زائد ومزءود حال وصاحب الحال التاء في "انبعثت"، "ولا" الواو عاطفة، "لا" زائدة لتوكيد النفي، "وكل" معطوف على مزءود. الشاهد: في "بمزءود" حيث دخلت الباء الزائدة على الحال "مزءود"، وقد انتفى عاملها "انبعثت". مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٠٢.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
ونُوزِع في ذلك١.
وذكر في باب حروف "الجر"٢ من شرح التسهيل أن من الزائدة ربما دخلت على "الحال"٣ ومثّله بقراءة من قرأ: "ما كان ينبغي لنا أن نُتَّخَذَ مِن دونك من أولياء"٤ مبنيا للمفعول، وفيه نظر.
وقوله: "كفردا أذهب" مثال، وفهم "منه"٥ جواز تقديم الحال على عاملها وسيأتي.
ثم قال:
وكونه مُنْتَقلا مشتقا يغلب لكن ليس مُستحَقا
كون الحال منتقلا أي: غير لازم لصاحبه، ومشتقا أي: مصوغا من مصدر للدلالة على متصف غالب لا واجب.
فمن وروده لازما: ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ٦، ومن وروده غير مشتق: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ "أَوِ انْفِرُوا ٧ جَمِيعًا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك ابن مالك وخالفه أبو حيان، وخرّج البيت على أن التقدير: بشخص مزءود، أي: مذعور، ويريد بالمزءود نفسه على حد قولهم: رأيت منه أسدا. وهذا التخريج غير ظاهر في البيت؛ لأن صفات الذم إذا نُفيت على سبيل المبالغة لم ينتف أصلها؛ ولهذا قيل في: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: إن فعالا ليس للمبالغة بل للنسب أي: وما ربك بذي ظلم، ولا يقال: لقيت منه أسدا أو بحرا ونحو ذلك إلا عند قصد المبالغة في الوصف بالإقدام أو الكرم. ا. هـ. مغني اللبيب على حاشية الأمير ١٠/ ١٠٢. ٢ أ، جـ. ٣ أ، وفي ب، ج "حال". ٤ من الآية ١٨ من سورة الفرقان. ٥ أ، جـ. ٦ من الآية ٢٨ من سورة النساء. ٧ أ، جـ. ٨ من الآية ٧١ من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وقد اجتمع اللزوم والجمود في قولهم: "هذا خاتَمُك حديدًا" و"هذه "جُبَّتُك"١ خَزًّا" وهما من أمثلة سيبويه٢.
وفصل بعضهم في الانتقال، فقال: الحال قسمان: مبينة ومؤكدة.
فالمبينة لا بد أن تكون منتقلة، أو مشبهة بالمنتقلة نحو: "خُلق زيد أشهل"؛ لأنه كان يمكن أن يخلق غير أشهل.
والمؤكدة: يجوز أن تكون غير منتقلة، أي: لازمة.
ثم قال:
ويكثر الجمود في سعر
اعلم أنه يكثر جمود الحال إذا كان مؤولا بالمشتق "تأويلا"٣ غير متكلف، وذلك بأن يدل على سعر نحو: "بعته مُدَّا بكذا" أي: مسعرا.
أو مفاعلة نحو: "بعته يدًا بيد" أي: مناجزة، أو "تشبيه"٤ نحو: "كر زيد أسدا" أي: مثل أسد، أو ترتيب نحو: "ادخلوا رجلا رجلا" أي: مرتين.
وفي نصب الثاني أقوال، والمختار أنه وما قبله منصوبان بالعامل "المتقدم"٥؛ لأن مجموعهما هو الحال، ونظيرهما في الخبر: "الرمان حلوٌ حامضٌ" أو أصالة نحو: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٦ أو فرعية نحو: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ٧ وهي حال مقدرة، أو تنويع: نحو: "هذا مالك ذهبًا"٨.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "حلتك". ٢ قال سيبويه جـ١ ص١٩٨: "هذا خاتمك حديدا، ولا يحسن أن تجعله صفة فقد يكون الشيء حسنا إذا كان خبرا". وقال في جـ١ ص٢٧٤: " ويكون حالا، فالحال قولك: هذه جبتك خزا". ٣ أ، جـ، وفي ب "تأويلا". ٤ ب، جـ. ٥ أ، ب، وفي جـ "المقدم". ٦ من الآية ٦١ من سورة الإسراء. طينا: حال من منصوب خلقت المحذوف لا مِن "مَن"؛ لأن الحال قيد في عاملها، والطين ليس قيدا في "أسجد" لعدم مقارنته له، وقيل: منصوب على نزع الخافض، أي: من طين. ٧ من الآية ١٤٩ من سورة الشعراء. ٨ ذهبا" حال من مالك، والذهب نوع من المال.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
أو "طور"١ واقع فيه تفضيل: "هذا بُسْرًا أطيب منه رُطَبًا"٢.
أو بنعت نحو: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٣.
وقد اندرج كله تحت قوله:
وفي مُبْدِي تأول بلا تكلف
فإن قلت: الدال على السعر مندرج في ذلك، وقد أفرده بالذكر.
قلت: هو من "باب"٤ عطف العام على الخاص.
ثم قال:
والحال إن عُرِّف لفظا فاعتقد تنكيره معنى كوحدَكَ اجتهِد
لما كان الغالب اشتقاق الحال وتعريف صاحبه، التزم تنكيره "معنى"٥ لئلا يتوهم كونه نعتا.
وقد يجيء على صورة المعرَّف بالأداة، فيحكم بزيادتها نحو: "ادخلوا الأولَ فالأولَ"٦.
أو بالإضافة: فيحكم بأنه نكرة لم يتعرف بها نحو: "طلبته جَهْدِي وطاقتي" و"اجتهد وحدَكَ" أي: منفردا.
وإذا قلت في المتعدي: "ضربتُ زيدًا وحدَهُ" فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل، أي: ضربته في حال إيحادي له بالضرب.
وأجاز المبرد أن يكون حالا من المفعول.
ورجح مذهب سيبويه بأن وضع المصدر موضع اسم الفاعل أكثر.
_________________
(١) ١ طور: أي حال. ٢ "بسرا" حال من فاعل أطيب المستتر فيه، "رطبا" حال من الهاء في "منه". ٣ من الآية ١٧ من سورة مريم. "بشرا" حال من فاعل تمثل، والاعتماد على الصفة وهي "سويا". ٤ ب، جـ. ٥ جـ. ٦ أي: مترتبين، "الأول" حال من الواو في "ادخلوا"، و"الأول" الثاني معطوف بالفاء.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وعين "ابن طلحة كونه"١ حالا من المفعول. قال: لأنهم إذا أرادوا الفاعل قالوا: "مررت به وحدي"٢ وفي وحده أقوال:
الأول: مذهب سيبويه٣ أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فوجد في موضع إيحاد، وإيحاد في موضع موحد.
الثاني: أنه مصدر أوحدته، وهو محذوف الزوائد، وإليه ذهب أبو الفتح.
الثالث: "أنه"٤ مصدر لم يلفظ له بفعل.
وعلى هذين القولين، فهو مصدر في موضع الحال.
الرابع: ذهب يونس إلى أنه "منتصب"٥ على الظرف؛ لقول العرب: "زيد وحدَهُ" والتقدير: زيد موضِعَ التفرد٦.
وأجاز ابن هشام في قولهم: "زيد وحده" وجهين:
أحدهما: ما قاله يونس.
والآخر: أن يكون مصدرا بفعل مقدر هو الخبر، كما قالوا: "زيد إقبالا" أي: يقبل إقبالا.
وقد حكى الأصمعي٧: "وَحَدَ يَحِدُ"، فعلى هذا هو مصدر لفعل مستعمل٨.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي "ابن طلحة، يتعين كونه". ٢ أ، جـ، وفي ب "ضربته وحدي". ٣ الكتاب جـ١ ص١٨٦. ٤ أ، ب. ٥ أ، جـ، وفي ب "منصوب". ٦ راجع الأشموني ١/ ٢٤٥. ٧ هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي البصري، نسبة إلى جده أصمع، أحد أئمة اللغة والنحو، روى عن أبي عمرو بن العلاء وغيره، وكان يتمتع بحافظة جيدة. قدم بغداد في أيام الرشيد واتصل به وبالبرامكة، وله مصنفات كثيرة منها: كتاب الأضواء والقلب والإبدال، وغريب القرآن. مات سنة ٢١٥هـ. ٨ وقد ارتضيتُ مذهب سيبويه بدليل: "وصحة: "مررت برجل وحده" -وبه مثل سيبويه- تدل على أنه حال من الفاعل، وأيضا فهو مصدر أو نائب المصدر. والمصادر في الغالب إنما تجيء أحوالا من الفاعل" ا. هـ. أشموني جـ١ ص٢٤٤. وأقول: إن المفعول "برجل" وليس له مسوغ.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
تنبيه:
ما تقدم من اشتراط تنكير الحال هو مذهب الجمهور، وأجاز يونس والبغداديون أن يأتي معرفة، وقاسوا على نحو: "ادخلوا الأولَ فالأولَ".
وأجاز الكوفيون أن يأتي على صورة المعرفة، إذا كان فيها معنى الشرط وهي مع ذلك نكرة، وأجازوا: "عبدُ اللهِ المحسنَ أفضل منه المسيءَ"١.
ثم قال:
ومصدر منكَّر حالا يقع بكثرة كبغْتَةً زيدٌ طلع
من وقوع المصدر موقع الحال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٢، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٣، وقولهم: "قتلته صبرًا"، و"اطلع زيد بغتةً" وهو كثير.
ومع كثرته فنقل إجماع الفريقين على قصره على السماع، وإن اختلفوا في التخريج إلا المبرد، فإنه أجاز القياس "فقيل"٤، عنه مطلقا، وقيل: فيما هو نوع الفعل، نحو: "أتيته سُرْعَةً" وهو المشهور عنه٥.
واستثني في التسهيل ثلاثة أنواع، لا يقتصر فيها على السماع٦:
الأول: قولهم: "أنت الرجل علمًا"، فيجوز "أن"٧ تقول: "أنت الرجل أدبًا ونبلًا"، والمعنى: الكامل في حال علم وأدب ونبل.
_________________
(١) ١ فالمحسن والمسيء حالان، وصح مجيئهما بلفظ المعرفة لتأويلها بالشرط، إذ التقدير: عبد الله إذا أحسن أفضل منه إذا أساء. ٢ من الآية ٢٦٠ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٥٦ من سورة الأعراف. ٤ أ، ب، وفي جـ "ونقل". ٥ وأرجح مذهب الجمهور في القصر على السماع؛ لأن الحال كالنعت والنعت لا يقع مصدرا إلا سماعا والحال كذلك. وقال السيوطي في الهمع ١/ ٢٣٨: "وشذ المبرد فقال: يجوز القياس". ٦ قال في التسهيل ص١٠٩: "وفي غيره على السماع في نحو: "أنت الرجل علمًا" و"هو زهير شعرًا" و"أما علمًا فعالم"". ٧ ب، جـ، وفي أ "أنك".
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وفي الارتشاف: ويحتمل عندي أن يكون تمييزا١.
الثاني: نحو: ""زيد"٢ زهير شعرًا"٣، قال في الارتشاف: والأظهر أن يكون تمييزا. هـ٤.
الثالث: "أما علما فعالم"٥، تقول ذلك لمن وصف عندك شخصا بعلم وغيره منكِرا عليه وصفه بغير العلم، والناصب لهذه الحال هو فعل الشرط المحذوف، وصاحب الحال هو المرفوع "به"٦، والتقدير: مهما يُذكر إنسان في حال علم، فالذي وصفت عالم.
ويجوز أن يكون ناصبها ما بعد الفاء، وصاحبها الضمير المستكن فيه، وهي على هذا مؤكدة، والتقدير: مهما يَكُنْ من شيء، فالمذكور عالم في حال علم.
فلو كان ما بعد "الفاء لا يعمل" "فيما قبله"٨ نحو: "أما علمًا فهو ذو علم"، تعين أن يكون العامل فعل الشرط.
فلو كان المصدر التالي "أما" معرفا بأل فهو عند سيبويه مفعول له٩. وذهب الأخفش إلى أن المنكر والمعرف كليهما بعد "أما" مفعول مطلق.
وذهب الكوفيون -على ما نقله ابن هشام- إلى أن القسمين مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: مهما تذكر علما فالذي "وُصف"١٠ عالم.
_________________
(١) ١ أن يكون تمييزا محولا عن الفاعل وهو ضمير الرجل بمعنى الكامل، والتقدير: أنت الكامل علما، أي: علمه. ٢ أ، وفي ب، جـ "هو". ٣ فشعرا بمعنى شاعرا، حال، والعامل فيه زهير لتأويله بمشتق، إذ معناه مجيد وصاحب الحال ضمير مستتر فيه. ٤ راجع الارتشاف ص٧٦٤. ٥ أي: من كل تركيب وقع فيه الحال بعد "أما"، في مقام قصد فيه الرد على من وصف شخصا بوصفين، وأنت تعتقد اتصافه بأحدهما دون الآخر. ٦ أ. ٧ ب، وفي أ، ج "الفاء -وصاحبا الضمير المستكن فيه وهي على هذا مؤكدة- لا يعمل". ٨ أ، ب، وفي جـ "لا يعمل ما بعده فيما قبله". ٩ راجع الكتاب جـ١ ص١٩٣. ١٠ ب، وفي جـ "وصفت".
[ ٢ / ٦٩٨ ]
قال في شرح التسهيل: وهذا القول عندي أولى بالصواب، وأحق ما اعتمد عليه في الجواب.
تنبيهان:
الأول: مذهب سيبويه في المصدر موقع الحال أنه هو الحال.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه مفعول مطلق، وعامله المحذوف هو الحال.
وذهب الكوفيون إلى أنه مفعول مطلق منصوب "بالفعل"١ قبله، وليس في موضع الحال.
وذهب بعضهم إلى أنها مصادر على حذف مضاف، فيقدر في: "أتيته رَكْضًا" إتيانه ركضا.
"وقيل: هي أحوال على حذف مضاف، أي: أتيته ذا ركض"٢ وكذا سائرها٣.
الثاني: في قوله:
ومصدر منكر حالا يقع بكثرة
تنبيه على "أن"٤ وقوع المصدر المعرفة حالا بقلة، وهو ضربان:
علم جنس: كقول العرب: "جاءت الخيل بَدَادِ" فيؤول بنكرة أي: متبددة.
وذو أداة كقوله:
فأرسلها العِرَاكَ ولم يذدها٥
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "بالعامل". ٢ ب، جـ. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٤٥، ٢٤٦. ٤ ب. ٥ هذا صدر بيت للبيد بن ربيعة العامري يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء للشرب. وتمامه: ولم يشفق على نَغَص الدِّخَال وهو من قصيدة من الوافر. الشرح: "العراك" -بكسر العين- ازدحام الإبل أو غيرها حين ورود الماء، "يذدها" من الذياد: يطردها، "يشفق" يرحم، "نغص" مصدر نغص الرجل -بكسر الغين- إذا لم يتم مراده، ونغص البعير: إذا لم يتم شربه، "الدخال" -بكسر الدال المهملة- أن يداخل بعيره الذي شرب مرة مع الإبل التي لم تشرب حتى يشرب معها، وذلك إذا كان البعير كريما أو شديد العطش أو ضعيفا. =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فيؤول على زيادة "أل".
وفيه "وفي"١ نحوه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه مصدر في موضع الحال، وهو مذهب سيبويه٢.
والثاني: أنه معمول لفعل مقدر، أي: تعترك العراكَ، وهو مذهب الفارسي.
والثالث: أنه معمول لحال محذوفة، أي: معتركة العراك.
وذهب ابن الطراوة إلى أن العراك نعت مصدر محذوف، وليس بحال.
أي: الإرسال العراك.
وأنشده ثعلب: "فأوردها العراك"، وزعم أن العراك مفعول ثانٍ لأوردها، ونقل عن الكوفيين أن أرسلها مضمن معنى أوردها.
_________________
(١) = المعنى: يصف لبيد بهذا البيت حمار الوحش أنه أرسل الأُتُن إلى الماء مزدحمة ولم يُشفِق عليها من نغص الدخال، وهو تكدير الماء بورودها فيه مزدحمة لمداخلة بعضها بعضا. الإعراب: "فأرسلها" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر، والضمير البارز المتصل مفعول، "العراك" حال، "ولم" الواو عاطفة، ولم حرف نفي وجزم وقلب، "يذدها" فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل ضمير مستتر فيه وها مفعول، والجملة معطوفة على جملة فأرسلها، "ولم" الواو عاطفة كذلك، ولم حرف نفي وجزم وقلب، "يشفق" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، "على" حرف جر، "نغص" مجرور بعلى والجار والمجرور متعلق بيشفق، "الدخال" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: في قوله: "العراك" حيث وقع حالا مع كونه معرفة -والحال لا يكون إلا نكرة- وإنما ساغ ذلك لأنه مؤول بالنكرة، أي: أرسلها معتركة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٣٥٤، وابن هشام ١/ ٨١، والسندوبي، والأصطهناوي، وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ٦٢، والشاهد رقم ٥٢٤ في خزانة الأدب، وسيبويه جـ١ ص١٨٧، والمقتضب ٣/ ٢٢٧. ١ أ، ب. ٢ وأميل إلى مذهب سيبويه. قال الأعلم الشنتمري في "أرسلها العراك": " وهو مصدر في موضع الحال والحال لا يكون معرفة، وجاز هذا؛ لأنه مصدر والفعل يعمل في المصدر معرفة ونكرة".
[ ٢ / ٧٠٠ ]
ثم انتقل إلى صاحب الحال فقال:
ولم يُنَكَّر غالبا ذو الحال
وذلك لشبهه بالمبتدأ.
وأشار بقوله: "غالبا" إلى أنه "قد"١ ينكر في المواضع الآتية قليلا٢، حكاه سيبويه، وجعله مقيسا بغير شرط، وإن كان الاتباع أقوى.
والقياس قول يونس والخليل، خلافا لمن قال: لا يجوز في غير الموصوف إلا سماعا ما لم يتقدم.
وقوله: إن لم يتأخر.
يعني: عن الحال نحو: "هذا قائمًا رجلٌ" مثّل به سيبويه٣.
وأما نحو: "فيها قائمًا رجل" فيظهر من كلام سيبويه٤ أن ذا الحال هو المبتدأ "لا"٥ الضمير المستكن في الخبر كما ذهب إليه قوم.
قال في شرح التسهيل: وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأن الحال خبر في المعنى، "فجعله"٦ لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما، وهذا يستقيم لو تساويا في التعريف.
وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا "لا يضمر"٧ فيه عند سيبويه والفراء إلا إذا تأخر.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ وذلك مثل قولهم: "مررت بماء قعدةَ رجل"، وقولهم: "عليه مائة بيضًا". وأجاز سيبويه: "فيها رجل قائما"، وفي الحديث: "وعلي وراءه رجال قيامًا" وذلك قليل. ا. هـ. أشموني جـ١ ص٢٤٨. وقال الشيخ الخضري جـ١ ص٢١٦: "وهو مَقِيس عند سيبويه؛ لأن الحال إنما دخلت لتقييد العامل، فلا معنى لاشتراط المسوغ في صاحبها. وقصره الخليل ويونس على السماع" ا. هـ. ٣ قال سيبويه جـ١ ص٢٧٦: "وذلك قولك: هذا قائما رجل". ٤ قال سيبويه جـ١ ص٢٧٦: " وفيها قائما رجل؛ لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: فيها قائم، فتضع الصفة موضع الاسم". ٥ أ، ب، جـ "ألا". ٦ ب، جـ، وفي أ "لجعله". ٧ أ، وفي ب، ج "ضمير".
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقوله: أو يُخَصَّص.
يعني: بإضافة نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ١.
أو وصف نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ ٢، خلافا لمن شرط وصفين، ولو قيل: إن الحال من الضمير "في الوصف"٣ لكان أولى.
وقوله: أو يَبِنْ، أي: يظهر من بعد نفي.
كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٤، خلافا للزمخشري في جعله الجملة صفة "قرية"٥.
"أو مضاهيه" يعني: مشابهة للنفي وهو النهي، كقوله:
لا يركَنَنْ أحد إلى الإحجام يوم الوَغَى متخوفا لحِمَام٦
_________________
(١) ١ من الآية ١٠ من سورة فصلت. سواء حال من أربعة لاختصاصها بالإضافة إلى أيام. ٢ من الآية ٤ من سورة الدخان. "أمرا" حال من "أمر" الأول لوصفه بحكيم، وهذا هو رأي الناظم وابنه وتبعهما المرادي، وقيل: إن "أمرا" منصوب بأخص محذوفا، أو مفعول لأجله، أو حال من "كل" أو من فاعل أنزلنا، "أو مفعوله"، وهو رأي ابن هشام، ونفى رأي الناظم وابنه. أقول: لأنه لا يتوافر شرط مجيء الحال منه، مع أنه مضاف إليه. ٣ ب، جـ. ٤ من الآية ٤ من سورة الحجر. ﴿لَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ جملة في موضع الحال من "قرية" وصح مجيء الحال من النكرة؛ لتقدم النفي عليها، ولا يصح كون الجملة صفة لقرية، خلافا للزمخشري؛ لأن الواو لا تفصل بين الصفة والموصوف، وأيضا وجود "إلا" مانع من ذلك، إذ لا يعترض بإلا بين الصفة والموصوف. ا. هـ ابن عقيل -١ / ٣٥٩- ولا عبرة بمخالفة الزمخشري؛ لأن الواو من المسوِّغات كما في التسهيل. ٥ أ، جـ، وفي ب "لقرية". ٦ البيت: قائله: قطري بن الفجاءة التميمي -أبو نعامة الخارجي- وكان من الشجعان المشاهير. قتل سنة تسع وسبعين للهجرة، قتله عسكر الحجاج من جهة عبد الملك بن مروان الأموي، وهو من الكامل. الشرح: "لا يركن" من ركن إلى الشيء يركن، من باب نصر ينصر؛ إذا مال إليه، "الإحجام" -بكسر الهمزة- "التأخر والإعراض"، "الوغى" الحرب، "متخوفا" الخائف شيئا بعد شيء. "لحمام" بكسر الحاء: الموت. =
[ ٢ / ٧٠٢ ]
والاستفهام كقوله:
يا صاحِ هل حُمَّ عيش باقيا فترى لنفسك العذر في إبعادها الأملا١
_________________
(١) = المعنى: لا ينبغي لأحد أن يميل عن الإعراض عن اقتحام الحرب، ويركن إلى التولي متخوفا من الموت. الإعراب: "لا" ناهية، "يركنن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، "أحد" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "إلى" حرف جر، "الإحجام" مجرور بإلى والجار والمجرور متعلق بيركن، "يوم" ظرف متعلق بيركن، "الوغى" مضاف إليه، "متخوفا" حال من أحد منصوب بالفتحة، "لحمام" جار ومجرور متعلق بمتخوف. الشاهد: في "متخوفا"، حيث وقع حالا من النكرة وهي قوله: "أحد"، والذي سوّغ ذلك وقوع النكرة بعد النهي. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٣٤، وابن هشام ٢/ ٨٥، وابن عقيل ١/ ٣٦٠، والسندوبي، وداود، والأصطهناوي، والمكودي ص٧٥، والأشموني ١/ ٢٤٧، وذكره السيوطي في همع الهوامع ١/ ٢٤٠. ١ البيت: قال العيني: قائله رجل من طيئ لم يعلم اسمه. وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من البسيط. الشرح: أصله: يا صاحبي، مرخم بحذف آخره وهو الباء، واكتفى بالكثرة للدلالة على ياء المتكلم، "حم" فعل ماض مبني للمجهول -بضم الحاء وتشديد الميم- أي: قدر، "باقيا" أصل الباقي: الذي لا يفنى ولا يزول، "العذر" -بضم فسكون- هو كل ما تذكره لتقطع عنك ألسنة العتاب واللوم، "الأملا" ترقب الشيء وانتظاره. المعنى: يستفهم استفهاما إنكاريا عما إذا كان قد قضى لأحد من الناس قبل المخاطب أن تدوم له الدنيا، أو يعيش فيها عيشة مستقرة لا يشوبها كدر، فيكون ذلك عذرا لمخاطبه في أن يتكالب على حطام الدنيا الفاني. الإعراب: "يا" حرف نداء، "صاح" منادى مرخم، "هل" حرف استفهام، "حم" فعل ماض مبني للمجهول، "عيش" نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "باقيا" حال من العيش منصوب بالفتحة، "فترى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "لنفسك" جار ومجرور متعلق بترى وهو المفعول الثاني قدم على الأول، "العذر" مفعول أول لترى منصوب بالفتحة، "في" حرف جر، "إبعادها" مجرور بفي والجار والمجرور متعلق بالعذر وها مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، "الأملا" مفعول للمصدر. الشاهد: في "باقيا"، حيث وقع حالا من نكرة، وهي قوله: "عيش". والذي سوَّغ مجيء الحال منها وقوعها بعد الاستفهام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٣٤، وابن عقيل ١/ ٣٥٥٩، وابن هشام ٢/ ٨٧، وداود، والسندوبي، والمكودي ص٧٥، والأصطهناوي، والأشموني/ ١/ ٢٤٧، والسيوطي ص٦٦، وأيضا ذكره في همع الهوامع ١/ ٢٤٠.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ومثّل النهي بقوله:
كلا
يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا
فهذه ستة مسوغات على التفصيل.
وزاد في التسهيل ثلاثة١:
أحدها: أن تكون الحال جملة "مقرونة"٢ بالواو نحو: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ٣؛ لأن الواو رفعت توهم النعتية.
والثاني: أن يكون الوصف به على خلاف الأصل، نحو: "هذا خاتم حديدًا".
والثالث: اشتراك المعرفة مع النكرة في الحال، نحو: "هؤلاء ناسٌ وعبدُ اللهِ منطلقينَ"، وقد جعل سيبويه لهذه المسألة بابا٤.
ثم قال:
وسَبْق حالٍ ما بحرف جُر قد أبوا ولا أمنعه فقد ورد
صاحب الحال مرفوع ومنصوب ومجرور.
"فتقديمها"٥ على المرفوع والمنصوب جائز عند البصريين ما لم "يمنعه مانع"٦ كالحصر، ومنع الكوفيون تقديمها على المرفوع الظاهر.
فقيل: عنهم مطلقا، وقيل: إن تقدمت على رافعه.
ومنعوا تقديمها على المنصوب الظاهر أيضا، فقيل: مطلقا، وقيل: إن لم تكن فعلا.
وأما المجرور: فإن كان بإضافة لم يجز تقديم الحال عليه "عند أكثر النحويين"٧.
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص١٠٩: " أو تكن جملة مقرونة بالواو، أو يكن الوصف به على خلاف الأصل، أو يشاركه فيه معرفة". ٢ ب، ج. ٣ من الآية ٢٥٩ من سورة البقرة. ٤ قال سيبويه جـ١ ص٢٥٨: "هذا باب ما غلبت فيه المعرفة النكرة وتقول: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقينَ، إذا خلطتهم". ٥ أ، جـ، وفي ب "فتقدمها". ٦ أ، جـ، وفي ب "يمنع من ذلك مانع". ٧ أ، جـ، وفي ب، جـ "بإجماع".
[ ٢ / ٧٠٤ ]
قال في شرح التسهيل: "فإن كانت الإضافة غير محضة جاز كقولك: "هذا شارب السويق ملتوتًا الآن أو غدا"١، وإن كان مجرورا بحرف لم يجز تقديم الحال عليه عند أكثر النحويين"٢.
وقال المصنف: الصحيح الجواز لثبوته سماعا٣، ولضعف دليل المنع إلا أن تقديمه ضعيف مع جوازه.
وفصل الكوفيون؛ فقالوا: إن كان المجرور ضميرا نحو: "مررتُ ضاحكةً بها"٤، أو كانت الحال فعلا نحو: "مررتُ تضحكُ بهند" جاز، وإلا امتنع٥.
واستدل المصنف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٦، وبأبيات ظاهرة فيما ادعاه٧.
فإن قلت: أطلق "المصنف"٨ في قوله: "بحرف".
وينبغي أن يقيد بغير الزائد؛ لأنه موضع الخلاف.
قلت: العذر له، إن الزائد لا يقيد به؛ فلذلك أهمل التنبيه عليه لوضوحه٩.
فإن قلت: على ماذا يعود الضمير في قوله: "أبوا"؟
_________________
(١) ١ "ملتوتا" حال من السويق، "شارب" اسم فاعل عامل في الحال النصب. هذا، ويشترط أن يكون المضاف مما يعمل عمل الفعل، كالمصدر، واسم الفاعل، ونحوهما. ٢ ب، جـ. ٣ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وأبيات منها رقم ٧. ٤ أ "مررت ضاحكة بك". ب "مررت ضاحكا بك". ج "مررت بهند ضاحك بك". ٥ راجع الأشموني ١/ ٢٤٠. ٦ من الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٧ منها: لئن كان برد الماء هيمانَ صاديًا إليَّ حبيبا إنها لحبيب فـ "هيمان" و"صاديا" حالان من الضمير المجرور بإلى، وهو الباء. ومنها: فإن تَكُ أذواد أُصبن ونسوة فلن يذهبوا فَرْغًا بقتل حِبَال "فرغا" حال من "قتل". ٨ جـ. ٩ مثال الزائد: "ما جاء راكبًا من رجل".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
قلت: ظاهره أنه عائد على جميع النحويين ولا يصح حمله على ذلك؛ لأن منهم من أجاز، وقد نقل الجواز عن الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان١، على أن "ابن"٢ الأنباري "ذكر"٣ الإجماع على المنع، فتعين صرف الضمير إلى الأكثر.
فإن قلت: قوله: "ولا أمنعه" يوهم انفراده بجوازه.
قلت: لا يلزم من قوله: "أمنعه" انفراده.
والمراد "و"٤ لا أمنعه، وفاقا لمن أجاز؛ لأنه قد نقل الخلاف في غير هذا الموضع.
فإن قلت: قوله: "فقد وَرَد" دعوى لم يقُم عليها دليل، إذ لم يرد نص بذلك لأن الآية التي استدل بها، والأبيات محتملة للتأويل٥.
قلت: ظاهرها يدل على دعواه، والاحتمال في بعضها بعيد جدا، ولا عدول عن الظاهر مع مساعدة القياس، فليس هذا موضع الكلام على الآية، ولا على الأبيات٦.
_________________
(١) ١ هو عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان -بفتح الباء- أبو القاسم الأسدي النحوي، صاحب العربية واللغة والتاريخ وأيام العرب. قرأ على عبد السلام البصري، وكان أول أمره منجِّمًا، فصار نحويا، وكان في أخلاقه شراسة على من يقرأ عليه. ولما عاد الوزير عميد الدين إلى بغداد استحضره فأعجبه كلامه، فعرض عليه مالًا فلم يقبله، فأعطاه مصحفا بخط ابن البواب وعكازة حملت إليه من الروم، فأخذهما. مات في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة. ٢ ب، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "نقل". ٤ ب، جـ. ٥ قال الأشموني ١/ ٢٤٩: "والحق أن جواز ذلك مخصوص بالشعر، وحمل الآية على أن "كافة" حال من الكاف، والتاء للمبالغة لا للتأنيث" ا. هـ. ٦ أخلص من هذه الخلافات بإجمال أعجبني في كتاب الهمع للسيوطي جـ١ ص٢٤١، نصه: "الأصل في الحال التأخير عن صاحبها كالخبر، ويجوز تقديمها عليه كما يجوز فيه سواء كان مرفوعا، كقوله: فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمي أو منصوبا، كقوله: وصلت ولم أصرم مسبين أسرتي أو مجرورا بحرف زائد نحو: "ما جاء عاقلًا من أحد" و"كفى معينًا بزيد"، أو أصلي نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ . =
[ ٢ / ٧٠٦ ]
ثم قال:
ولا تُجِزْ حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ما له أُضيفا أو مثل جزئه فلا تَحيفا
حاصل هذين البيتين أنه لا يجوز الحال من المضاف إليه، إلا في ثلاثة مواضع:
الأول: إذا كان المضاف عاملا في الحال، نحو: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ ١، فهذا جائز. قال في شرح الكافية: بلا خلاف٢ هـ.
والثاني: أن يكون المضاف جزء المضاف إليه، نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ٣ "فإن إخوانا حال من الضمير المخفوض بالإضافة"٤.
الثالث: أن يكون مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء عنه "به"٥، نحو: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٦.
فلو لم يكن أحد هذه الثلاثة لم يجز، قال في شرح التسهيل: بلا خلاف،
_________________
(١) = هذا هو الأصح في الجميع. أما المجرور بالإضافة فلا يجوز تقديم الحال عليه "كعرفت قيام هند مسرعةً" فلا يقدم مسرعة على هند؛ لئلا يفصل بين المضاف والمضاف إليه، ولا على قيام الذي هو المضاف؛ لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فلا يقدم عليه شيء من معمولاته. وسواء كانت الإضافة محضة كالمثال، أم غير محضة نحو: هذا شارب السويق ملتوتًا الآن أو غدا". كما قال ابن هشام في الجامع: "إنه الأصح". ١ من الآية ٤٨ من سورة المائدة. "جميعا" حال من "كُمْ"، و"مرجع" مصدر ميمي بمعنى الرجوع، عامل في الحال النصب. ٢ قال في شرح الكافية، ورقة ٢٨: "إذا كان المضاف عاملا فيها "كاعتكافي صائمًا بلا خلاف"". ٣ من الآية ٤٧ من سورة الحجر. ٤ ب. ٥ أ، جـ. ٦ من الآية ٩٥ من سورة آل عمران. "حنيفا" حال من "إبراهيم"، و"الملة" كالبعض منه؛ ولذا يصح حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فيقال: اتبع إبراهيم.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
نحو: "ضربت غلام هند جالسة"، وحكى غيره عن "بعض"١ البصريين إجازته٢.
ونُوزِع المصنف في إجازة الحال من المضاف إليه، إذا كان المضاف جزأَهُ أو كجزئه؛ لأنه ما استدل به لا حجة فيه؛ لاحتمال كون "إخوانا" منصوبا على المدح، و"حنيفا" حال من ملة، وذكر على معنى الدين٣.
فإن قلت: عَلَامَ يعود الضمير في قوله: "عمله"؟
قلت: على الحال، أي: إلا إذا اقتضى المضاف نصب الحال.
ثم قال:
والحال إن يُنصَب بفعل صُرِّفا أو صفة أشبهت المصرَّفا
فجائز تقديمة كمسرعًا ذا راحل، ومخلصًا زيد دعا
يجوز تقديم الحال على عاملها، إذا كان فعلا متصرفا نحو: "مخلصا زيد دعا"٤، خلافا للجرمي في منع تقديمها عليه٥، وللأخفش في نحو: "راكبًا زيد جاء" لبعدها عن العامل وهو كمثال المصنف، ولبعضهم في منع تقديم المؤكدة.
ومنع المغاربة تقديم الجملة الحالية المصدرة بالواو، نحو: والشمسُ طالعةٌ جاء زيدٌ".
ونص ابن "أصبغ"٦ على أنه لا يمتنع عند الجمهور.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ هو الفارسي، ونقله عن أبي السعادات بن الشجري في أماليه. ٣ هو من كلام أبي حيان: " قال: وإنما لم يجُز الحال من المضاف إليه لما تقرر أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وعامل المضاف إليه اللام أو الإضافة، وكلاهما لا يصلح أن يعمل في الحال" ا. هـ. السيوطي في الهمع جـ١ ص٢٤٠. ٤ قياسًا على المفعول به والظرف، والفرق بينه وبين التمييز أن الحال يقتضيها الفعل بوجه، فتقدمت كما تقدم سائر الفضلات. وقد ورد به السماع، قال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ا. هـ. السيوطي في الهمع جـ١ ص٢٤٢. وارتضيتُ هذا المذهب لقوة دليله. قال السيوطي: "وهو الأصح، وعليهما الجمهور". ٥ تشبيهًا بالتمييز. ٦ هو قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني القرطبي، أبو محمد مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان، وُلد يوم الاثنين لعشرين خلت من ذي الحجة سنة ٢٤٧ سبع وأربعين ومائتين. =
[ ٢ / ٧٠٨ ]
أو صفة تشبه الفعل المتصرف، بقبول علامات الفرعية كاسمي الفاعل والمفعول، والصفة المشبهة نحو: "مسرعًا ذا راحلٌ".
ونص سيبويه على جواز تقديمها على الفعل واسم الفاعل ونحوه، واحتُرز بقوله: "صُرِّفا" من غير المتصرف نحو: "ما أحسنَ هندًا متجردة".
فلا يجوز تقديمها عليه "لضعفه"١.
وبقوله: "أشبهت المصرفا" من أفعل التفضيل، فإنه لا يقبل علامات الفرعية مطلقا.
فجعل موافقا "للجوامد من"٢ منع تقديم الحال عليه، ما لم يتوسط بين حالين كما سيذكر.
تنبيه: جواز تقديم الحال على العامل المتصرف مشروط بعدم المانع، كوقوعه صلة "أل" أو حرف مصدري.
ثم قال:
وعامل ضُمِّن معنى الفعل لا حروفه، مؤخَّرا لن يعملا
كتلك ليت وكأن
لا يجوز تقديم الحال على عاملها إذا كان جامدا ضمن معنى المشتق، وذلك أنواع:
الأول: الإشارة نحو: "تلك".
والثاني: حرف التمني نحو: "ليت".
والثالث: حرف التشبيه نحو: "كأَنَّ".
والرابع: حرف الترجي، وهو: "لَعَلَّ".
والخامس: حرف التنبيه نحو: "هَا".
_________________
(١) = ومن تصانيفه: كتاب أحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ، وغرائب مالك، وغير ذلك. مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ٣٤٠ أربعين وثلاثمائة. ١ ب، جـ، وفي أ "لضعفها". ٢ أ، جـ، وفي ب "للجامد في".
[ ٢ / ٧٠٩ ]
والسادس: "أما" في نحو: "أما علمًا فعالمٌ".
السابع: الاستفهام المقصود به التعظيم نحو:
يا جارتا ما أنتِ جارَهْ١
وأجاز الفارسي فيه الحال والتمييز.
الثامن: الجنس المقصود به الكمال نحو: ""هو"٢ الرجل علمًا".
التاسع: "المشبه"٣ نحو: "هو زهير شعرًا".
ونص المصنف على أن جميع هذه تعمل في الحال، خلافا للسهيلي في اسم الإشارة٤ وله، ولابن أبي العافية٥ في حرف التنبيه٦، ولبعضهم في "كأن"، ووفاقا للزمخشري وابن عصفور في ليت و"لعل".
_________________
(١) ١ نصف بيت للأعمش أبي بصير ميمون بن قيس. وصدره: بانت لتحزُننا عفاره وقيل: هو العجز، كما في ديوانه. الشرح: "بانت" فارقت، "لتحزننا" تقول: حزنه يحزنه مثل نصره ينصره؛ إذا أورثه الحزن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾، "عفارة" اسم امرأة، "جارتا" مضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا كيا غلاما، "ما" للاستفهام التعظيمي مبتدأ، "وأنت" خبره. الإعراب: "يا" حرف نداء، "جارتا" منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا وجارة مضاف وياء مضاف إليه، "ما" اسم استفهام مبتدأ، "أنت" ضمير منفصل خبر المبتدأ، "جاره" تمييز نسبة غير محوّل منصوب بالفتحة الظاهرة وسكنه للوقف، وقيل: حال من أنت منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد: في "جاره"، يجوز أن تكون حالا في موضع نصب، والعامل فيها معنى الكلام أي: كرمت جاره. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٣٧٦، وابن هشام في المغني ٢/ ١٩، وأيضا ذكره في شذور الذهب ص٢٢٩، والشاهد رقم ٢١٨ من خزانة الأدب، والسيوطي في شرحه للألفية ص٧٠، والأشموني ٢/ ٢٥٢، وابن الناظم ص٣٨. ٢ أ، ج، وفي ب "هذا". ٣ أ، ج، وفي ب "المشبه به". ٤ لأنه غير مشتق من لفظ الإشارة ولا من غيرها. والعامل في "هذا زيد قائمًا" انظر مقدرة دل عليها الإشارة أ. هـ. همع ١/ ٢٤٤. ٥ هو محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن خليفة بن أبي العافية، قال ابن الزبير: كان شيخا فقيها أديبا عارفا بالعربية واللغة ذاكرا لها، كاتبا مجيدا شاعرا، وقرأ بمرسية، وانتقل إلى غرناطة وسكن بها وبمالقة وأخذ عنه أهلها. ولد سنة ست وخمسمائة، ومات بغرناطة سنة ٥٨٣ ثلاث وثمانين وخمسمائة. ٦ لأن "ها" حرف، ومعنى الحروف لا يعمل في الظروف والأحوال ا. هـ. همع ١/ ٣٤٤.
[ ٢ / ٧١٠ ]
وصحّح بعضهم١ أن "ليت" و"لعل" وباقي الحروف لا تعمل إلا "كأنّ" وكاف التشبيه٢.
وتقدم بيان العامل في الحال بعد "أما" ونسبة العمل إلى "أما" مجاز. وقد اندرج تحت قوله:
وعامل ضُمِّن معنى الفعل لا حروفه
نوع عاشر: وهو الظرف وشبهه، إذا ضُمنا الاستقرار، فإنهما يعملان في الحال نحو: "زيد في الدار قائمًا".
وللحال في هذا ثلاثة أحوال:
تأخر، ولا إشكال في جوازه.
وتقدم على الجملة نحو: "قائمًا زيدٌ في الدار" "وهو"٣ لا يجوز٤، قال في شرح الكافية: بإجماع تبعا لابن ظاهر.
وأجاز الأخفش في قولهم: "فداء لك أبي وأمي" أن يكون فداء حالا، والعامل "فيه"٥ لك.
وأجاز ابن برهان "التقديم"٦ إن كانت الحال ظرفا، قال في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ٧ "هنالك" ظرف في موضع الحال، و"الولاية" مبتدأ والخبر "لله"، وهو عامل في "هنالك"٨.
وتوسط، وله صورتان:
_________________
(١) ١ هو أبو حيان. ٢ أرجح مذهب المصنف، فالعامل المعنوي في قوة اللفظي ما لم يحدث تغيير في الجملة. ٣ أ، جـ، وفي ب "وهذا". ٤ وإليه أميل، قال في الهمع: "وهو الأصح" ١/ ٢٤٢. ٥ أ، جـ. ٦ ب، أ، جـ "التقدم". ٧ من الآية ٤٤ من سورة الكهف. ٨ راجع الأشموني ١/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٧١١ ]
إحداهما: أن تكون بين الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر نحو: "في الدار قائما زيد"، ولا خلاف في جوازها.
والأخرى: بالعكس، وهي المشار إليها بقوله:
نحو: سعيدٌ مستقرًّا في هَجَرْ
وفيها مذاهب:
المنع مطلقا، وبه قال جمهور البصريين.
والجواز مطلقا، وإليه ذهب الفراء والأخفش في أحد قوليه.
والجواز بقوة إن "كانت"١ الحال ظرفا أو حرف جر، ويضعف إن كانت غيرهما وهو مذهب في التسهيل٢.
والجواز إن كانت من مضمر، نحو: "أنت قائما في الدار" وهو مذهب الكوفيين. فهذه أربعة مذاهب.
وقوله: "ندر" ظاهره "مما"٣ لا يقاس عليه. وصرح الشارح بذلك٤ فقال: و"ما"٥ جاء منه مسموعا حفظ، "ولا يقاس"٦ عليه هـ. وهو خلاف ما ذهب إليه في التسهيل.
واستدل المجيز بقراءة من قرأ: "والسمواتُ مطوياتٍ بيمينه"٧.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "كان". ٢ قال في التسهيل ص١١١: " جاز على الأصح توسط الحال بقوة إن كانت ظرفا، أو حرف جر، ويضعف إن كانت غير ذلك". ٣ أ، جـ. ٤ قال الشارح ص١٣٨: "وما جاء منه مسموعا يحفظ ولا يقاس عليه. ومن شواهده قول الشاعر: رهط ابن كوز محقبي أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حذار ٥ أ، جـ، وفي ب "من". ٦ ب، وفي أ، جـ "ولم يقس". ٧ من الآية ٦٧ من سورة الزمر "بنصب" "مطويات"، وصاحب هذه القراءة هو الحسن، الإمام أبو سعيد الحسن بن الحسن البصري، "مطويات" حال متوسطة بين عاملها الظرفي الواقع خبرا وهو "بيمينه" وبين مبتدئه وهو "السموات"، وصاحب الحال الضمير في الخبر.
[ ٢ / ٧١٢ ]
"وقول"١ ابن عباس٢: نزلت عليه الآية ورسول الله -ﷺ- متواريًا بمكة. وبأبيات منها قول النابغة٣:
رهط ابن كوز مُحْقِبي أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حُذَار٤
وتأويل المانع٥ وليس هذا موضع بسطه. ثم قال:
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "بقول". ٢ هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، بحر التفسير وحبر الأمة، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، عرض القرآن على أبي بن كعب وزيد بن ثابت، وقيل: إنه قرأ على عليّ بن أبي طالب، وتوفي بالطائف، وقد كُفَّ بصره سنة ثمانٍ وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية. ٣ راجع الأشموني ١/ ٢٥٢. ٤ البيت للنابغة الذبياني، من قصيدة من الكامل يخاطب بها زرعة بن عمرو. الشرح: "رهط الرجل: قومه، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾، ابن كوز -بضم الكاف- هو يزيد بن حذيفة بن كوز، وقال الجوهري: اسم رجل من بني ضبة، "محقبي" من أحقب زاده خلفه على راحلته، إذا جعله وراء حقيبة. الإعراب: "رهط" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "ابن" مضاف إليه، و"كوز" مضاف إليه، "محقبي" حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا وهو قوله: "فيهم" الآتي، منصوب بالياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم وهو مضاف و"أدراعهم" مضاف إليه وضمير الغيبة مضاف إليه، "فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، "ورهط" الواو حرف عطف، ورهط معطوف على المبتدأ وهو مضاف، و"ربيعة" مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، "بن" نعت لربيعة مجرور بالكسرة وهو مضاف، و"حذار" مضاف إليه. الشاهد: في "محقبي أدراعهم" حيث وقع حالا من الضمير المجرور وهو قوله: "فيهم"، وهذا شاذ لا يقاس عليه. وقد قال بعضهم: إن محقبي أدراعهم نصب على المدح، فحينئذ لا شاهد فيه، ولا حكم بالشذوذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٣٨، والسندوبي، والأشموني ٣٧. ٥ وقد ارتضيتُ مذهب جمهور النحويين؛ وذلك لضعف العامل، وما ورد فهو متأول. فالآية تخرج على ما يأتي: "أن السموات عطف على الضمير المستتر في قبضته؛ لأنها بمعنى مقبوضة، ومطويات حال من السموات، وبيمينه ظرف متعلق بمطويات، والفصل المشروط للعطف على الضمير المستتر موجود هنا بقوله: يوم القيامة" ا. هـ. صبان جـ٢ ص١٤٠. والآية قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . والبيت ضرورة. ومثال ابن مالك: سعيد مستقرًّا في هجر. "مستقرا" حال مؤكدة.
[ ٢ / ٧١٣ ]
ونحو:
زيد مفردًا أنفع من عمرو مُعَانًا مستجازٌ لن يَهِن
لما كان لأفعل التفضيل مزية على الجامد بتضمن حروف الفعل رجع عليه فاغتفر "توسطه"١ بين حالين نحو: "زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا"٢؛ فمفردا حال من الضمير المستكن في "أنفع" و"معانا" حال من "عمرو"، والعامل فيهما "أنفع" على المختار، وهو سيبويه والمازني وطائفة٣.
ثم قال:
والحال قد يجيء ذا تعدُّد لمفرد -فاعلم- وغير مفرد
فهاتان صورتان:
مثال الأولى: "جاء زيدٌ راكبًا مسرعًا"، فهما حالان من "زيد" خلافا لابن عصفور في منعه تعدد الحال في هذا النحو، ما لم يكن العامل أفعل التفضيل.
ونقل المنع عن الفارسي وجماعة؛ "فمسرعا" في المثال عندهم نعت لراكب، أو حال من الضمير في "راكب".
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "بتوسط". ٢ كان القياس وجوب تأخير الحالين على أفعل، لكنهم اغتفروا تقدم الحال الفاضلة؛ فرقا بين المفضل والمفضل عليه، إذ لو أخرا لحصل اللبس. ٣ وزعم السيرافي أن المنصوبين في ذلك ونحوه، خبران لكان مضمرة مع إذا في المعنى، وإذا في الاستقبال. والتقدير: "زيد إذا كان قائمًا أحسن منه إذا كان قاعدا، وزيد إذا كان مفردًا أنفع من عمرو إذا كان معانا" ففيه تكلف إضمار ستة أشياء: إذا وكان واسمها أولا، وثانيا يلزم عليه إعمال أفعل النصب في إذا مع تقدمها عليه، فيقع في مثل ما فر منه. ا. هـ. ابن عقيل والخضري ١/ ٢١٩. وقد ارتضيتُ مذهب سيبويه؛ لأن السيرافي رجع عن رأيه وقال: هما حالان "والذي في التصريح وشرح الجامع عن السيرافي أنها تامة والمنصوبان حالان من فاعلها، ونسب في شرح الجامع نقصانها لبعض المغاربة" ا. هـ. الخضري جـ١ ص٢١٨.
[ ٢ / ٧١٤ ]
والثانية: قد يكون بجمع نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ ١، وقد تكون بتفريق، وله طريقان:
إحداهما: أن تولي كل حال صاحبه نحو: "لقيت مصعدا زيدا منحدرا" "ولا إشكال فيها"٢.
"والأخرى: أن تؤخرهما نحو: "لقيت زيدا مصعدا منحدرا"٣"٤.
فإن لم تكن قرينة تعين، جعل الأولى للثاني "والثانية"٥ للأول، لتتصل إحداهما "بصاحبه"٦ خلافا لمن عكس.
وإن وجدت قرينة عمل بها، نحو:
خرجت بها أمشي تجر وراءنا٧
_________________
(١) ١ من الآية ٣٣ من سورة إبراهيم. دائبين: يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات، والأصل: دائبة ودائبا. ٢ أ، جـ٥. ٣ "مصعدا" حال من "زيد"، "منحدرا" حال من التاء. ٤ أ، جـ، وفي ب "الثانية: ألا يولي كل حال صاحبه". ٥ أ، جـ، وفي ب "والثاني". ٦ ب. ٧ هذا صدر بيت من كلام امرئ القيس بن حجر الكندي، من معلقته المشهورة من الطويل. وعجزه: على أثريْنا ذيل مِرْط مُرَحَّل الشرح: المرط -بكسر الميم وسكون الراء- كساء من خز أو صوف، "المرحل" -بالحاء المهملة- الذي فيه علم، أي: خطوط. المعنى: أخرجت محبوبتي من خِدْرها في حال كوني ماشيا، وهي تجر على أثري قدمي وقدميها ذيل مرط؛ لتخفي الأثر عن القافلة قصدا للستر. الإعراب: "خرجت" فعل وفاعل، "بها" متعلق بخرج، "أمشي" فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة في محل نصب حال من تاء المتكلم في خرجت، "تجر" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي، والجملة في محل نصب حال من ضمير الغائبة في بها، "على" حرف جر، "أثرينا" مجرور بعلى وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، ونا مضاف إليه، "ذيل" مفعول به لتجر، منصوب بالفتحة الظاهرة، "مرط" مضاف إليه، "مرحل" نعت لمرط مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد: في "أمشي" "تجر"، فجملة أمشي في محل نصب حال من تاء المتكلم في "خرجت"، وجملة "تجر" في محل نصب حال من "هاء" الغائبة في "بها"، وقد جاء بالحالين على نفس ترتيب صاحبهما، معتمدا في ذلك على قيام القرينة، وذلك من قِبَل أن قوله: "أمشي" مذكر، وقوله: "تجر" مؤنث، وقد علم أن الحال يلزم أن يطابق صاحبه. مواضعه: ذكره ابن هشام في شرحه للألفية ٢/ ٩٨، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٢٤٤.
[ ٢ / ٧١٥ ]
ثم قال:
وعامل الحال بها قد أكدا
الحال نوعان:
مُبَيِّنة ومؤكدة خلافا للفراء والمبرد والسهيلي في إنكار المؤكدة١.
ثم المؤكدة ضربان:
مؤكدة لعاملها، ومؤكدة لمضمون الجملة.
المؤكدة لعاملها: قد توافقه معنى لا لفظا، وهو الغالب نحو: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٢.
وقد توافقه معنى ولفظا، وهو قليل، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ ٣، والمؤكدة لمضمون جملة: شرطها أن تدل على معنى لازم أو شبيه باللازم في تقدم العلم به بعد جملة جزآها معرفتان جامدان جمودا محضا نحو قوله:
أنا ابن دارةَ معروفًا بها نَسَبِي٤
_________________
(١) ١ وقالوا: "لا تكون مؤكدة، بل هي مبينة أبدا؛ لأن الكلام لا يخلو عند ذكرها من فائدة" ا. هـ. ١/ ٢١٩. ٢ من الآية ٣٦ من سورة العنكبوت. ٣ من الآية ٧٩ من سورة النساء. ٤ صدر بيت قائله: سالم بن دارة اليربوعي، وهو من قصيدة يهجو بها فزارة، من البسيط، وعجزه: وهل بدارة يا للناس من عار وذكر البيت في نسخة ب. الشرح: "دارة" -بالدال والراء المهملتين- اسم أم الشاعر، وقال أبو رياش: هو لقب جده، واسمه يربوع. المعنى: أنا ابن هذه المرأة ونسبي معروف بها، وليس فيها من المعرَّة ما يوجب القدح في النسب أو الطعن في الشرف. الإعراب: "أنا" مبتدأ ضمير منفصل، "ابن" خبر، "دارة" مضاف إليه، "معروفا" حال منصوب بالفتحة الظاهرة، "بها" جار ومجرور متعلق بمعروف، "نسبي" نائب فاعل لمعروف =
[ ٢ / ٧١٦ ]
فإن قلت: أطلق في قوله: "وإن تُؤَكِّد جملة" ولم يشترط تعريف جزأيها ولا جمودها، قلت: أما اشتراط التعريف فقد يفهم من تسميتها مؤكدة؛ لأنها إنما تؤكد شيئا قد عرف.
وأما اشتراط الجمود، فمن قوله: "وإن تؤكد جملة".
لأنه إذا كان أحد الجزأين مشتقا أو في حكمه كان عاملا فيها، وكانت مؤكدة لعاملها لا لمضمون جملة.
ولذلك جعل في شرح التسهيل قولهم: "زيد أبوك عطوفًا" و"هو الحق بَيِّنًا" من قِبَل المؤكدة لعاملها، "وهي"١ موافقة معنى لا لفظا.
قال: لأن "الأب والحق" صالحان للعمل.
وقوله: فمضمر عاملها.
يعني: بعد الجملة وتقديره: "أحقه وأعرفه" إن كان المخبر عنه غير "أنا"، وإن كان أنا فالتقدير: "أحق أو أعرف أو اعرفني".
وكون عاملها مقدرا هو الصحيح٢ وهو مذهب سيبويه، خلافا للزجاج في جعله عاملها هو الخبر مؤولا بمسمى.
وخلافا لابن خروف في جعله عاملها هو المبتدأ مضمنا تنبيها.
فإن قلت: "هل"٣ إضمار عاملها واجب أو جائز٤؟
_________________
(١) = لأنه اسم مفعول، "وهل" استفهام إنكاري، "بدارة" جار ومجرور متعلق بمحذوف مقدم، "من" زائدة، "عار" مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد، "يا للناس" يا للنداء واللام للاستغاثة، وهذا اعتراض بين المبتدأ والخبر. الشاهد: في "معروفا"، فإنه حال أكدت مضمون الجملة التي قبلها، والتقدير: أحق معروفا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٠، وابن عقيل ١/ ٣٦٩، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ٢٥٢، وسيبويه جـ١ ص٢٥٧، والسيوطي ص٦٨. ١ أ، وفي ب، جـ "هو". ٢ وقد ارتضيته لما في المذهبين الآخرين من تكلف. قال السيوطي في الهمع جـ١ ص٢٤٥: "ولظهور تكلف القولين، كان الراجح الأول". ٣ ب. ٤ أ، جـ، وفي ب "هذا العامل في هذه الحال جائز أم واجب".
[ ٢ / ٧١٧ ]
قلت: بل واجب، ويؤخذ ذلك من جزمه بالإضمار.
وقوله: ولفظها يُؤخَّر يعني: أنه لا يجوز تقديمها على الجملة، ولا على أحد جزأيها لشبهها بالتوكيد، ولأنهم تجوّزوا حذف عاملها، فلا يضم إليه تجوز آخر بالتقديم.
فإن قلت: قد تقدم أن الحال نوعان: مبينة ومؤكدة.
وقد ذكر النحويون أنواعا أُخَر، وهي المستصحبة نحو: "هذا زيدٌ راكبًا"، والمحكية نحو: "رأيت زيدا أمس ضاحكًا"، والمقدرة نحو: "مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدا"١، والموطئة نحو: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ ٢.
قلت: لا تستخرج هذه عن النوعين السابقين.
ولما كان أصل الحال الإفراد، نبه على أنها قد تكون جملة بقوله:
وموضع الحال تجيء جمله
ولوقوع الجملة مواقع الحال، شرطان:
أحدهما: أن تكون خبرية. فإن وقعت طلبية قدر القول كما في النعت، كقول أبي الدرداء٣: "وجدت الناس أخبر تَقله"٤ أي: "مقولا"٥ فيهم: أخبر تقله، وفي البسيط جوز الفراء وقوع الأمر ونحوه حالا.
_________________
(١) ١ أي: مقدرا ذلك. ٢ من الآية ١٢ من سورة الأحقاف. ٣ أبو الدرداء اسمه: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقب. صحابي جليل أول مشاهده أحد، وكان عابدا. مات في آخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك. ٤ وهو: أن "أخبر تقله" صفة للناس مع أنها طلبية، وهي مؤولة بمقولا فيهم: أخبر تقله، وظاهره أنه شعر، وليس كذلك، إنما هو مَثَل ضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. والهاء في "تقله" للسكت بعد العائد، أعني: أن أصله: "أخبر الناس تقلهم" ثم حذف الهاء والميم، ثم أدخل هاء الوقف، وتكون الجملة في موضع النصب بوجدت، أي: وجدت الأمر كذلك. قال أبو عبيد: "جاءنا الحديث عن أبي الدرداء الأنصاري -﵁- قال: أخرج الكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد: أنك إذا خبرتهم قليتهم". ا. هـ. مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٣٦٣ رقم ٤٣٥٧. ٥ ب، جـ، وفي أ "منقولا".
[ ٢ / ٧١٨ ]
والآخر: ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال "كلن وحرف التنفيس". ثم مثّل فقال:
كجاء زيد وهو ناوٍ رحله
وهذا مثال مجمع على جوازه، ثم شرع في التفصيل فقال:
وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضمير ومن الواو خلت
يعني: أن الجملة الحالية إذا صدرت بمضارع مثبت، وجب حينئذ اشتمالها على ضمير صاحب الحال، وخلوها من الواو نحو: "جاء زيد يضحك"، ولا يجوز: "ويضحك"؛ لأن المضارع مشابه للاسم، فلا تدخل عليه الواو كما لا تدخل على الاسم.
تنبيه:
ويشترط في خلوه من الواو مع الإثبات شرط آخر، وهو أن يعرى من "قد" -ذكره في التسهيل١- فإن قرن بها:
قال الشارح: لزمته الواو نحو: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ٢.
ثم قال:
وذات واو بعدها انْوِ مبتدا له المضارع اجعَلَنَّ مسندا
يعني: أن الجملة المصدرة بالمضارع المثبت العاري من "قد" إذا وردت بالواو نوى٣ الأصح بعدها، أي: بعد الواو، مبتدأ، وجعل المضارع خبرا عنه؛ لتصير جملة اسمية كقولهم: "قمتُ وأصكُّ عينَهُ" أي: وأنا أصك٤.
ثم قال:
وجملة الحال سوى ما قُدِّما بواو أو بمضمر أو بهما
الذي قدم هو الجملة الفعلية المصدرة "بالفعل"٥ المضارع المثبت ""وسوى
_________________
(١) ١ قال في التسهيل ص١١٢: " بمضارع مثبت عارٍ من قد". ٢ من الآية ٥ من سورة الصف، وراجع الشارح ص١٤١. ٣ في الأصل: ونوى، والسابق يقتضي حذف الواو. ٤ قال الشارح ص١٤١: "حكاه الأصمعي تقديره: قمت، وأنا أصك عينيه". ٥ ب.
[ ٢ / ٧١٩ ]
ما" يشمل"١ الجملة الاسمية، مثبتة أو منفية، والفعلية المصدرة بالمضارع المنفي، وبالماضي مثبتا ومنفيا.
ومقتضى قوله:
بواو أو بمضمر أو بهما
جاز الأوجه الثلاثة في ذلك كله، وليس على إطلاقه فلا بد من بيانه. أما الجملة الاسمية، فإن كانت مؤكدة لزم فيها الضمير، والخلو من الواو نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢ وكذا إن عطفت على حال كقوله تعالى: ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ٣ وإن كانت غير مؤكدة، ولا معطوفة جازت الأوجه الثلاثة.
إلا أن الأكثر مجيئها بالواو مع الضمير، وأقل منه انفراد الواو، وأقل منه انفراد الضمير. وليس انفراد الضمير مع قلته بنادر خلافا للزمخشري، وقبله الفراء بل هو فصيح٤.
وجعل في الكشاف٥ قوله تعالى٦: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ٧ ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ٨ في موضع النصب على الحال.
_________________
(١) ١ أ، أي: سوى ما قدم، وفي ب، جـ "وسواها يشمل". ٢ من الآية ٢ من سورة البقرة. لا ريب فيه جملة وقعت حالا مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، وتمتنع الواو؛ لأن المؤكد عين المؤكد، فلو قرن بالواو لزم عطف الشيء على نفسه صورة. ٣ من الآية ٤ من سورة الأعراف. جملة "هم قائلون" حال معطوفة على "بياتا"، والرابط الضمير، ولا يقال: "وهم" كراهة اجتماع حرفي عطف صورة، "قائلون" من القيلولة وهي نصف النهار. ٤ قال الزمخشري والفراء: انفراد الضمير وحده في الاسمية يأتي نادرا شاذا وليس بشيء، بل ورد في الفصيح انفراده. "قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ . ثم راحوا عبق المسك بهم يلحفون الأرض هداب الأزر وقوله: ولولا جنان الليل ما آب عامر إلى جعفر سرباله لم يمزق ا. هـ. أشموني ١/ ٢٥٨. ٥ هو كتاب في تفسير القرآن الكريم للإمام محمود بن عمر الزمخشري، واسمه: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. ٦ ب. ٧ من الآية ٣٦ من سورة البقرة، أي: متعادين، ١/ ٩٦ كشاف. ٨ من الآية ٤١ من سورة الرعد، لا معقب: لا راد له، ٢/ ١١٦ كشاف.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وأما المصدَّرة بالمضارع المنفي، فإن كان النافي "لا" فهو كالمثبت في لزوم الضمير، والتجرد عن الواو.
فإن ورد بالواو قدر المبتدأ على الأصح، كقراءة ابن ذكوان١: "فاستقيما ولا تَتَّبِعَانِ"٢ "نص"٣ على ذلك في التسهيل٤.
وقول الشارح٥: "وقد تجيء بالضمير واو" هـ، ظاهره عدم التأويل.
وإن كان النافي غير "لا"٦ جاءت الأوجه الثلاثة، والمسموع من ذلك: "لم ولما وما"، والقياس يقتضي "إلحاق"٧ إن "بما"٨، وأما "لن" فلا مدخل لها هنا.
وذكر في التسهيل٩ أن المضارع المنفي "بما" لا تغني فيه الواو عن الضمير، وفي كلام غيره التمثيل "بجاء زيد، وما تطلع الشمس".
وأما المصدرة بالماضي المثبت، فإن كان تاليا "لإلا" نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن أحمد بن بشر بن ذكوان، الإمام الراوي الثقة شيخ الإقراء بالشام. ولد يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة، أخذ القراءة عن أيوب بن تميم وخلفه في القيام بالقراءة في دمشق. ألف كتاب أقسام القرآن وجوابها وما وجب على قارئ القرآن. توفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال، وقيل: لسبع خلون منه سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ٢ من الآية ٨٩ من سورة يونس. هذه القراءة بتخفيف النون على أنها نون الرفع، فلا نافية لا ناهية، والتقدير: وأنتما لا تتبعان. ٣ ب، جـ. ٤ قال في التسهيل ص١١٣: "وقد تصحب الواو المضارع والمثبت، عاريا من قد أو المنفي بلا، فيجعل الأصح خبر مبتدأ مقدر". ٥ الشارح ص١٤١ من شرحه للألفية. ٦ ب، وفي أ، جـ "ها". ٧ أ، جـ. ٨ أ، جـ، وفي ب "وما". ٩ راجع التسهيل ص١١٢. ١٠ من الآية ١١ من سورة الحجر. جملة: "كانوا به يستهزئون" حال من الهاء في "يأتيهم"، وإنما امتنعت الواو؛ لأن ما بعد "إلا" مفرد حكما، وأجاز بعضهم اقترانه بالواو تمسكا بقوله: نعم امرأ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزرا قياسا على الاسمية الواقعة بعد "إلا" نحو: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ .
[ ٢ / ٧٢١ ]
أو متلوًّا "بأو" نحو:
#كن للخليل نصيرا جارَ أو عَدَلا١
أو أصله الشرط نحو: "لأضربَنَّ زيدا ذَهَبَ أو مَكَثَ"٢، لزم الضمير والخلو عن الواو، وامتنع دخول قد.
وقوله:
متى يأتِ هذا الموت لا يُلْفِ حاجة لنفسي إلا قد قضيتُ قضاءَهَا٣
نادر.
_________________
(١) ١ صدر بيت من البسيط. قال العيني: لم أقف على اسم قائله، والظاهر أنه من كلام المحدثين. وبحثت فلم أعثر على قائله. وعجزه: ولا تشحَّ عليه جاد أو بخلا الشرح: "للخليل" أي: الصاحب والصديق، و"النصير" فعيل بمعنى فاعل، "جار" من الجور، وهو خلاف العدل، "الشح" البخل، "جاد" من الجود -بالضم- وهو الكرم. المعنى: انصر صاحبك في كل الأحوال، سواء جار في حقك أو عدل، ولا تبخل عليه بشيء، سواء بخل في حقك أو جاد. الإعراب: "كن" فعل أمر ناقص واسمه ضمير مستتر فيه تقديره: أنت، "للخليل" جار ومجرور متعلق بنصير، "نصيرا" خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، "جار" فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر يعود إلى الخليل، "أو" حرف عطف، "عدلا" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر يعود إلى الخليل، "ولا" الواو عاطفة ولا ناهية، "تشح" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون وحرك للتخلص من التقاء السكونين، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، "عليه" متعلق بتشح، "جاد" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، "أو" حرف عطف، "بخلا" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، والألف للإطلاق. الشاهد: في "جار"، حيث وقع حالا وهو ماضٍ ولم يجئ معها "قد" أو الواو لكون الماضي قد عطف عليه "بأو". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٢، والسندوبي، وداود، والأشموني ١/ ٢٥٧. ٢ جملة "ذهب" حال من زيد، وتمتنع الواو؛ لأنها في تقديره فعل الشرط، إذ المعنى: إن ذهب وإن مكث، وفعل الشرط لا يقترن بالواو، فكذا المقدر به. ٣ قائله: قيس بن الخطيم، وهو من قصيدة هائية من الطويل. الشرح: "متى يأت" إشارة إلى ما تصوره حاضرا لمعرفته بإدراكه لا محالة، ويجوز أن يكون لدوام استقباله، أشار إليه على وجه التقريب. "لا يلف" من ألفى، إذا وجد. قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وجدا، وفي شرح الشواهد للعيني "لا تلف"، ورواية الأشموني: "لم يلف". إلا قضيت قضاءها، أي: فرغت منها لقضائي لأمثالها. =
[ ٢ / ٧٢٢ ]
"أو"١ كانت الحال مؤكدة، نحو: "أبو بكر الخليفة قد علمه الناس" تركت الواو أيضا.
وإن كان غير ذلك، جازت الأوجه الثلاثة.
فإن انفرد الواو، لزمته "قد" نحو:
فجئت وقد نَضَّت لنوم ثيابها٢
_________________
(١) = الإعراب: "متى" اسم شرط جازم يجزم فعليه وهو ظرف زمان، "يأت" فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف الياء، "هذا" فاعل يأت، "الموت" بدل من هذا أو عطف بيان أو نعت، "لا" حرف نفي، "يلف" فعل مضارع مبني للمعلوم جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والفاعل ضمير مستتر فيه، ويروى بالبناء للمجهول، "حاجة" بالنصب على أنها مفعول يُلْفِ وبالرفع نائب فاعل لتُلْفَ، "لنفس" اللام حرف جر والنفس مجرور بها وياء المتكلم مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لحاجة، "إلا" أداة استثناء ملغاة، "قد" حرف تحقيق، "قضيت" فعل وفاعل، "قضاءها" مفعول به وضمير الغائبة مضاف إليه. الشاهد: في "قضيت قضاءَهَا"، فإنها جملة وقعت حالا مصدرة بكلمة "قد"، وفيها الضمير يرجع إلى ذي الحال، وقد علم أن الجملة الفعلية الماضية المثبتة التالية "لإلا" إذا وقعت حالا لا بد أن يكون فيها ضمير، وأن تكون خالية عن الواو، وعن كلمة "قد". مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ٢٥٩. ١ أ، جـ، وفي ب "إن". ٢ صدر بيت من الطويل، قائله: امرؤ القيس الكندي من معلقته المشهورة، وتمامه: لدى السِّتْر إلا لِبْسَة المُتَفَضِّل الشرح: "نَضَّتْ" ألقتْ وخلعتْ، "لدى الستر" عند الستار، "لبسة" -بكسر اللام- وهي هيئة اللباس، "المتفضل" المتوشح بثوبه، أو لابس الثوب الواحد. المعنى: أتيت إلى المحبوبة وقد ألقت ثيابها للنوم، ولم يبق عليها سوى ثوب واحد تتوشح به. يشير بهذا إلى أنها وليدة نعمة. الإعراب: "جئت" فعل ماض وتاء المتكلم فاعله، "وقد" الواو حرف عطف وقد حرف تحقيق، "نضت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه، "لنوم" جار ومجرور متعلق بنض، "ثيابها" مفعول به لنض وضمير الغائبة مضاف إليه، "لدى" ظرف مكان وهو مضاف، و"الستر" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "إلا" حرف استثناء، "لبسة" منصوب على الاستثناء، "المتفضل" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: في قوله: "وقد نضت"، فإنها جملة ماضية مثبتة وقعت حالا بالواو؛ فلذلك لزمها دخول "قد". =
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وإن انفرد الضمير أو اجتمعا، جاز إثبات "قد" وحذفها فهي أربع صور، وترتيبها في الكثرة: "جاء زيد وقد قام أبوه" ثم: "جاء زيد قام أبوه" ثم: "جاء زيد قد قام أبوه" ثم: "جاء زيد وقام أبوه"١.
وجعل الشارح الثالثة أقل من الرابعة، وهو خلاف ما في التسهيل٢.
وذهب قوم؛ منهم الفراء، والمبرد، وأبو علي، إلى٣ اشتراط "قد" مع الماضي ظاهرة أو مقدرة٤، والمختار أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لكثرة ما ورد من ذلك٥.
وأما المصدرة بالماضي المنفي، فيجوز فيها الأوجه الثلاثة.
وقد تركت تمثيل "أكثر"٦ هذه المسائل لوضوحها، وخشية الإطالة.
ثم قال:
والحال قد يُحذَف ما فيها عَمِل وبعض ما يُحذَف ذكره حُظِل
يعني: أن عامل الحال قد يحذف، وحذفه على ضربين: جائز وواجب. فالجائز: ما حذف لحضور معناه كقولك للراحل: "راشدًا مهديًّا"٧، أو لتقدم ذكره من استفهام أو غيره كقولك: راكبا، لمن قال: كيف جئتَ؟
_________________
(١) ١ وجعل الأشموني الثانية هي الرابعة. ٢ راجع الأشموني ١/ ٢٥٩. ٣ في الأصل "إلى أن اشتراط"، والسياق يقتضي حذف أن. ٤ لأنها تقربه إلى الزمن الحاضر، فتشعر بمقارنة زمن الحال لزمن عاملها، ولولاها لتوهم مُضِيّ زمن الحال بالنسبة إلى زمن عاملها، فتفوت المقارنة. ا. هـ. صبان جـ٢ ص١٤٧، نقلا عن الدماميني. ٥ من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، و﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ، قَالُوا﴾، و﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ صبان ٢/ ١٤٧. ٦ أ، جـ. ٧ يستثنى من الجائز ما إذا كان العامل ظرفا أو مجرورا أو اسم إشارة، فلا يجوز حذفه لضعفه، فهم أو لم يفهم.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الواجب: إذا جرت مثلا كقولهم:
"حَظِيِّين بَنَاتٍ صَلِفِينَ كَنَّاتٍ"١ أي: عرفتهم.
أو بينت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا، مقرونة بالفاء أو بثم، نحو: "بعته بدرهم فصاعدا" أي: فذهب الثمن صاعدا.
أو نابت عن خبر نحو: "ضربي زيدًا قائمًا"٢، أو وقعت بدلا من اللفظ بالفعل نحو: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى؟ "٣.
وإلى هذه المواضع أشار بقوله:
وبعض ما يحذف ذكره حظل
"أي: منع"٤ "والله أعلم"٥.
_________________
(١) ١ الحظي: الذي له حظوة ومكانة عند صاحبه. يقال: حظي فلان عند الأمير، إذا وجد له منزلة ورتبة، والصلف ضده، وأصل الصلف قلة الخير، يقال: امرأة صلفة: إذا لم تحظَ عند زوجها. والكنة: امرأة الابن وامرأة الأخ أيضا، ونصب "حظيين وصلفين" على إضمار فعل، كأنه قال: وجدوا وأصبحوا، ونصب "بنات وكنات" على التمييز كما تقول: راحوا كريمين آباء حسنين وجوها. وهذا مَثَل يضرب في أمر يعسر بعضه ويتيسر وجود بعضه. ا. هـ. مجمع الأمثال للميداني ١/ ٢٠٩ رقم ١١١٣. وقال ابن الناظم: نصب "بنات وكنات" على الحال. ٢ مما فيه الحال سادّة مسد الخبر، فلا يجوز ذكر الخبر لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. ٣ أي: أتوجد، وأتتحول، وحذف العامل وجوبا؛ لأنها بدل من اللفظ بالفعل ولا يجمع بين البدل والمبدل منه. وقيل: تميميا وقيسيا مفعول مطلق على حذف مضاف، أي: أتتخلق خلق تميمي مرة؟ ٤ جـ. ٥ أ، جـ.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
التمييز:
قال:
اسم بمعنى "مِنْ" مبين نكرة
"اسم" جنس، و"بمعنى من" يخرج ما سوى التمييز، والمشبه بالمفعول نحو: "الحسن الوجه"، واسم "لا" التبرئة نحو: "لا رجل"، ونحو: "ذنبا"، من:
أستغفر الله ذنبا١
فكل ذلك "مشارك"٢ التمييز في أنه على معنى "من".
"ومبين" يخرج اسم "لا" والمنصوب "باستغفرت"، و"نكرة" يخرج المشبه.
_________________
(١) ١ هذا جزء من بيت من البسيط. قال العيني: أقول: هذا من أبيات الكتاب ولم ينسب فيه إلى أحد. وبحثت فلم أعثر على قائله. وتمامه: لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل الشرح: "أستغفر" أطلب المغفرة، فالسين والتاء للطلب، "ذنبا" الذنب: الجريمة والإثم، "لست محصيه" الإحصاء: منتهى العدد، واشتقاقه من الحصا، وأصله: أنهم كانوا يضعون المعدود على الحصا، "الوجه" القصد والتوجه، ويروى: "إليه القصد والقبل". المعنى: أطلب المغفرة من الله لذنوبي الكثيرة، فإنه المقصود في كل شيء. الإعراب: "أستغفر" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا، "الله" منصوب على التعظيم، "ذنبا" مفعول ثانٍ لأستغفر منصوب بالفتحة الظاهرة، "لست" فعل ماض ناقص وتاء المتكلم اسمه، "محصيه" محصي خبر ليس وضمير الغائب مضاف إليه، "رب" بدل من لفظ الجلالة، "العباد" مضاف إليه، "إليه" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "الوجه" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "والعمل" معطوف عليه. الشاهد: في "ذنبا" لا يصلح كونه تمييزا، وإن كانت على معنى "من" فإنه ليس تمييزا؛ لكونه غير مبين لإبهام اسم مجمل الحقيقة قد ذكر قبله، ولا هو مبين لنسبة في جملة مذكورة من قبله. وقال جماعة من النحاة: إن قوله: "ذنبا" منصوب على نزع الخافض الذي هو "من"، إذا ضمن أستغفر معنى: أستَتِيب. وقيل: إنه مفعول به ثانٍ لأستغفر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٣، وابن هشام ٢/ ١٠٨، والأشموني ١/ ٢٦٢، وسيبويه في كتابه جـ١ ص١٧. ٢ أ، جـ، وفي ب "يشارك".
[ ٢ / ٧٢٦ ]
وذهب الكوفيون وابن الطراوة إلى جواز تعريف التمييز١، وما أوهم ذلك مؤول عند البصريين.
ثم ذكر حكمه فقال:
يُنصَب تمييزا بما قد فسره
وفهم من قوله: "بما قد فسره" أن عامل التمييز هو المميز، وهو ما قبله من المبهمات المفتقرة إليه، وأقول: التمييز نوعان:
الأول: تمييز مفرد، وهو: ما رفع إبهام اسم قبله مجمل الحقيقة، نحو: "رطل "سمنا"٢ و"عشرين درهما"".
ولا خلاف أن العامل في هذا النوع "هو"٣ مميزه كما ذكر.
والثاني: تمييز الجملة، وهو ما رفع إبهام نسبة في جملة أو "شبهها"٤.
وعامل هذا النوع عند سيبويه٥ والمازني والمبرد ومن وافقهم هو الفعل، وما جرى مجراه من مصدر ووصف واسم فعل، نحو: "طاب زيدٌ نفسًا" و"عجبتُ من طيب زيد نفسًا" و"زيد طيبٌ نفسًا" و"سرعان ذا إهالةً"٦. وذهب قوم إلى أن
_________________
(١) ١ متمسكين بقول رشيد اليشكري: رأيتك لما أن عرفت وجوهنا صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو وهو مؤول عند البصريين على زيادة "أل" كما زِيدت في: باعد أم العمرو عن أسيرها ا. هـ. تصريح الشيخ خالد ١/ ٣٩٤، فالبصريون يشترطون تنكير التمييز، والكوفيون جوزوا التعريف. ٢ أ، ب، وفي ب "زيتا". ٣ أ. ٤ أ، ب، وفي جـ "بدلها". ٥ وقد ارتضيت مذهب سيبويه ومن وافقه؛ فقد ورد في أشعار العرب ما يثبت أن العامل هو الفعل. قال الشاعر: أنفسًا تطيب بنيل المنى وداعي المَنُون ينادي جهارا أتهجر ليلى بالفِرَاق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيب وقوله: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما ارعويت وشيبًا رأسي اشتعلا فالعامل هنا الفعل: تطيب، تطيب، اشتعل. قال الأشموني جـ١ ص٢٦٦: " مجيء عامل التمييز الذي هو فعل متصرف". ٦ "سرعان" بتثليث السين والبناء على الفتح: اسم فعل ماض، أي: سرع، وذا فاعل، وإهالة تمييز محول عن الفاعل، أي: إخافة وإفزاعا، ويجوز جعله بمعنى اسم الفاعل حالا. =
[ ٢ / ٧٢٧ ]
العامل فيه هو الجملة التي انتصب عن تمامها، لا الفعل وما جرى مجراه، واختاره ابن عصفور، ونسبه إلى المحققين.
فإن قلت: ظاهر قوله: "بما فسره" يقتضي موافقة من جعل العامل في هذا النوع هو الجملة؛ لأن التمييز لم يفسر "الفعل"١ ولا جرى مجراه.
قلت: لا يصح حمل كلامه على ذلك؛ لنصه في غير هذا الموضع على أن عامله الفعل، وقد صرح بذلك آخر الباب٢.
فإن قلت: فكيف يندرج الفعل في قوله: "بما فَسَّره"؟
قلت: لما كان التمييز قد رفع إبهام نسبة إلى فاعله أو مفعوله، فكأنه رفع الإبهام عنه، "فاندرج"٣ بهذا الاعتبار٤.
ثم "مَثَّل"٥ تمييز المفرد فقال:
كشبرٍ أرضًا وقفيز بُرًّا ومَنَوَيْنِ عسلًا وتمرا
المفرد الذي يفسره التمييز، إما مقدار وهو المسموع، نحو:
"شبرٌ أرضًا"، والمكيل نحو: "قفيزٌ بُرًّا".
والموزون نحو: "منوين عسلًا"٦.
_________________
(١) = قال في مجمع الأمثال للميداني جـ١ ص٣٣٦ رقم ١٧٩٨: "سرعان بمعنى سرع، نقلت فتحة العين إلى النون فبني عليها وسرعان ثلاث لغات: فتح الفاء وضمها وكسرها وأصل المثل أن رجلا كانت له نعجة عجفاء وكان رغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل؟ فقال: ودكها، فقال السائل: سرعان ذا إهالة، نصب إهالة على الحال، وذا إشارة إلى الرغام، أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة، ويجوز أن يحمل على التمييز على تقدير نقل الفعل مثل قولهم: تصبَّب زيدٌ عرقًا" ا. هـ. ١ أ، ب، وفي جـ "العامل". ٢ وهو قول ابن مالك: وعامل التمييز قدم مطلقا والفعل ذو التصريف نزرا اسبقا ٣ أ، جـ، وفي ب "فيندرج". ٤ راجع الأشموني ١/ ٢٦٢. ٥ ب، جـ، وفي أ "فسر". ٦ القفيز من المكيل: ثمانية مكاكيك، والمكوك: مكيال يسع صاعا ونصف صاع، أو نصف رطل إلى ثماني أواقٍ كما في القاموس. ومن الأرض ١٤٤ ذراعا وليس مرادا هنا. "المنا كعصا: رطلان، وتثنيته منوان، وجمعه أمناء".
[ ٢ / ٧٢٨ ]
والموزون نحو: "خمسة عشر رطلا" وجعله بعضهم من المقادير.
أو مفهم "غيرية"١ نحو: لنا غيرُها إبلًا.
أو مثلية نحو: لنا أمثالها شاء.
أو تعجب نحو: "الله دره فارسًا"٢.
وإنما اقتصر في "هذا"٣ البيت على التمثيل بالمقدار؛ لكثرة انتصاب التمييز عنه.
ثم قال:
وبعد ذي وشبهها اجرُرْه إذا أضفتها كمد حنطة غِذَا
"الإشارة بذي إلى المثل السابقة ونحوها؛ كل ما دل على مساحة أو كيل أو وزن، فيجوز في ذلك "جره"٤ بإضافة المميز إليه، فتقول: "شبر أرض وقفيز بر ومنوا عسل"، وقد مثل بقوله: كمد حنطة غذا"٥.
ثم قال:
والنصب بعد ما أُضيف وجبا إن كان مثل "ملء" الأرض ذهبا
يعني: أن جواز جر التمييز بالإضافة مشروط بخلو التمييز من إضافته إلى غير التمييز.
فإن أضيف إلى غيره٦ وجب النصب نحو: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "غيره". ٢ "فارسا" تمييز لبيان جنس المتعجب منه في النسبة. والدر في الأصل مصدر: در اللبن، إذا كثر. والمراد به في المثال: اللبن الذي أرضعته من ثدي أمه وأضيف إلى الله تشريفا، أو هو كناية عن فعل الممدوح. والمعنى: ما أعجب هذا اللبن الذي نشأ وتغذى مثل هذا المولود الكامل في الفروسية، أو ما أعجب فعله. ٣ ب. ٤ أ، ب، وفي جـ "تمييزه". ٥ أ، جـ. ٦ أي: إلى غير التمييز ولو تقديرا. ٧ من الآية ٩١ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
فإن قلت: ما فائدة الشروط في قوله: "إن كان"؟
قلت: التنبيه على أن تمييز المضاف له حالتان:
إحداهما: ألا يصح إغناؤه عن المضاف إليه، فهذا يجب نصبه كالمثال المذكور، إذ لو قيل فيه: "ملء ذهب" لم يستقم المعنى.
والأخرى: ألا يصح إغناؤه عنه، فيجوز جره بالإضافة؛ لأن حذف "المضاف إليه"١ غير ممتنع نحو: "زيد أشجعُ الناسِ رجلًا"٢ فلك في هذا أن تقول: "هو أشجعُ رجلٍ".
فإن قلت: كيف جعل النصب بعد المضاف المذكور واجبا، وقد ذكر "بعده٣ جواز جره "بمن"؟
قلت: يعني "بشرط"٤ خلوه من "مِنْ" وذلك مفهوم من قوله: "إن كان مثل ملء الأرض ذهبًا" أي: "إن"٥ كان كالمثال المذكور في امتناع إغنائه عن المضاف إليه وفي تجرده من "مِنْ".
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم تمييز العدد.
قلت: لأن له بابا يذكر فيه.
ثم انتقل إلى بيان موضعين من تمييز الجملة فقال:
والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مُفضِّلا كأنت أعلى منزلا
النكرة الواقعة بعد أفعل التفضيل نوعان:
أحدهما: فاعل في المعنى وهو السببي، وعلامته أن يصلح للفاعلية عند
_________________
(١) ١ ب، وفي أ "غير المصنف"، وفي جـ "لمضاف". ٢ لتعذر إضافة "أفعل مرتين" ونصب "رجل" مع تخلف شرط النصب؛ لأن رجلا لا يصلح أن يكون فاعلا في المعنى. ٣ أ، وفي ب، ج "بعد". ٤ ب، ج، وفي أ "بشروط". ٥ ب، جـ.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
جعل أفعل "التفضيل"١ فعلا، نحو: "أنت أعلى منزلًا"، فإنه يصلح لذلك فتقول: "علا منزلك" فهذا النوع ينصب على التمييز.
والآخر: أن يكون فاعلا في المعنى، وهو ما أفعل التفضيل بعضه، وعلامته أن "يحسن"٢ وضع بعض موضع "أفعل"٣ ويضاف إلى جمع قائم مقام النكرة نحو: "أنت أفضلُ فقيهٍ"، فإنه يحسن فيه ذلك فتقول: "أنت بعضُ الفقهاء".
فهذا النوع يجب جره بالإضافة، إلا أن يكون أفعل التفضيل مضافا إلى غيره، فينصب نحو: "أنت أكرمُ الناس رجلًا".
ثم قال:
وبعد كل ما اقتضى تعجبا ميز "كأكرِمْ بأبي بكر أبا
يعني: أنه يجوز انتصاب التمييز بعد كل ما دل على تعجب نحو: "أكرم بأبي بكر أبا"٤، "وما أكرمه أبا"، وغير ذلك من الصيغ الدالة على التعجب نحو: "لله دره فارسا".
قال في شرح الكافية: والمراد بأبي بكر صاحب رسول الله ﷺ، ورضي عن أبي بكر صاحبه٥.
ولما كان كل منصوب على التمييز فيه معنى "من" وبعضه يصلح لمباشرتها وبعضه لا يصلح، بين ذلك بقوله:
واجرُرْ بمِنْ إن شئت غير ذي العدد والفاعل المعنى كطب نفسًا تفد
أي: يجوز في كل تمييز أن يجر "بمن" إلا تمييز العدد، وما كان فاعلا في المعنى، فإنهما لا يجران "بمن" فلا يجوز "عندي عشرون من درهم"، ولا "طاب زيد من نفس"، ويجوز فيما سواهما نحو: "عندي قفيز من بُرٍّ".
فإن قلت: هذا الضابط غير مستقيم من أوجه:
_________________
(١) ١ ب. ٢ أ، جـ، وفي ب "يصلح". ٣ أ، جـ، وفي ب "التفضيل". ٤ أ، جـ. ٥ راجع شرح الكافية، ورقة ٥١.
[ ٢ / ٧٣١ ]
الأول: أن تمييز العدد لا يمتنع جره "بمن" مطلقا، "لكن"١ يشترط أن يجمع نحو: "عندي عشرون من الدراهم".
الثاني: أنه أطلق فيما هو فاعل في المعنى، وهو مقيد.
قال الشارح٢: لا يجوز جره "بمن" إلا في تعجب أو شبهه.
قولهم: "لله دره من فارس".
وقال الشاعر:
فنِعْمَ المرءُ من رجل تَهَامي٣
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "بل". ٢ الشارح في شرحه للألفية ص١٤٥. ٣ عجز بيت من الوافر. قال العيني: قائله أبو بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي، وشعوب أم الأسود هذا. وقال ابن دريد: قائله بجير بن عبد الله. وصدره: تخيره فلم يعدل سواه الشرح: "تخيره" اختاره واصطفاه، "لم يعدل" يمل، "تهام" نسبة إلى تهامة، وهو بفتح التاء وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة في بلاد العرب، وكان من حقه أن يقول: "تهامي" -بكسر التاء وتشديد ياء النسب- قياسا على أمثاله كما تقول: عراقيّ، وحجازيّ، ولكنهم خصوا هذه الكلمة عند النسب إليها بحذف إحدى ياءي النسب وفتحوا أوله عوضا عن هذه الياء المحذوفة. وقبل هذا البيت: فدعني أصطبح يا بكر إني رأيت الموت نَقَّب عن هشام المعنى: أن الموت اختار هشاما فلم يحد عنه إلى غيره، وهو نعم الرجل من تهامة. الإعراب: "تخيره" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هو وضمير الغائب مفعول به، "فلم" الفاء عاطفة، لم نافية جازمة، "يعدل" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، "سواه" مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف وضمير الغائب مضاف إليه، "فنعم" الفاء العاطفة، نعم فعل ماض لإنشاء المدح، "المراء" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "من" حرف جر زائد، "رجل" تمييز لفاعل نعم منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، "تهام" نعت لرجل. الشاهد: في "رجل" فإنه تمييز وهو فاعل في المعنى، لكنه لما كان غير محول عن الفاعل جاز فيه جره "بمن". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٥، وابن هشام ٢/ ١١٣، والأشموني ١/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
الثالث: أن إجازته جر غير هذين النوعين "بمن"١ ليس على إطلاقه، بل يستثنى من ذلك ما كان "منقولا"٢ من الفعل نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ٣، "فلا يجوز جره بمن"٤.
قلت:
أما الأول فلا يرد؛ لأن تمييز العدد متى جمع لم يبق تمييزا اصطلاحيا، فإن شرطه الإفراد.
وأما الثاني فهو على إطلاقه، ولا نسلم صحة استثناء الشارح٥؛ لأن التمييز في نحو: "لله دره فارسًا" و"نعم المرء من رجل تهامي" تمييز مفرد لا تمييز جملة، "والمنقول عن الفاعل لا يكون إلا تمييز جملة"٦.
ويلزم الشارح جواز الجر بمن في نحو: "زيد أحسن "به"٧ وجهًا"؛ لأنه في تعجب، وقد نص غير المصنف على منعه.
وأما الثالث فالظاهر وروده، ولا يقال: لعل المصنف ممن لا يثبت المنقول "عن"٨ المفعول كالشلوبين، فإن المصنف أثبته في شرح التسهيل٩.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، ب، وفي جـ "مفعولا". ٣ من الآية ١٢ من سورة القمر. نسبة فجرنا إلى الأرض مبهمة، وعيونا مبين لذلك الإبهام، والأصل: فجرنا عيون الأرض. ٤ أ، جـ. ٥ قال الشارح ص١٤٥: "يجوز في كل ما ينصب على التمييز أن يجر بمِنْ ظاهرة إلا تمييز العدد والفاعل في المعنى، أما تمييز العدد نحو: "أحد عشر رجلا" فلا يجوز جره بمن في شيء منه. وأما الفاعل في المعنى نحو: "طاب زيد نفسا" و"هو حسن وجها" فلا يجوز جره بمن إلا في تعجب أو شبهه، تقول: "لله دره من فارس"". ٦ أ، جـ. ٧ ب. ٨ أ، جـ، وفي ب "من". ٩ الذي أثبت المنقول من المفعول ابن عصفور وابن مالك. قال السيوطي في الهمع، جـ١ ص٢٥١: "وتارة من المفعول نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، والأصل: وفجرنا عيون الأرض، هذا مذهب المتأخرين، وبه قال ابن عصفور وابن مالك. وقال الآمدي: هذا القسم لم يذكره النحويون، وإنما الثابت كونه منقولا من الفاعل أو المفعول الذي لم يسم فاعله. وقال الشلوبين: عيونا في الآية نصب على الحال المقدرة لا التمييز، ولم يثبت كون التمييز منقولا من المفعول، فينبغي ألا يقال به".
[ ٢ / ٧٣٣ ]
فإن قلت: ما معنى "من" الداخلة على التمييز؟
قلت: هي للتبعيض١.
وقال الشلوبين: يجوز أن تكون بعد المقادير وما أشبهها زائدة عند سيبويه، كما زيدت: "ما جاءني من رجل"، قال: "إلا أن المشهور من مذهب النحويين -ما عدا الأخفش- أنها لا تزاد إلا في غير الواجب"٢.
قال في الارتشاف٣: ويدل على صحة ذلك -يعني الزيادة- أنه عطف على موضعها نصبا٤، قال الحطيئة:
طافت أمامة بالرُّكبان آونة يا حسنه مِن قَوَامٍ ومنتقبا٥
قال:
وعامل التمييز قدم مطلقا والفعل ذو التصريف نَزْرا سُبِقا
_________________
(١) ١ وصححه ابن عصفور. ٢ أ، ب، وفي جـ "الموجب". ٣ ارتشاف الضرب لأبي حيان ص٧٨٩. ٤ راجع الأشموني ١/ ٢٦٥. ٥ قائله الحطيئة واسمه جرول. قال الجوهري: جرول لقب الحطيئة العبسي الشاعر. وهي أول قصيدة بائية من البسيط. الشرح: "طافت" من طيف الخيال وهو مجيئه في النوم، "أمامة" -بضم الهمزة وتخفيف الميم- اسم امرأة، "الركبان" جمع راكب، والركب: أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، "آونة" بالمد أي: مرة وتارة، قال الجوهري: الأوان: الحين، والآونة جمعه مثل زمان وأزمنة، "قوام" بكسر القاف من قوام الرجل وهو قامته وحسن طوله، "المنتقب" -بفتح القاف- موضع النقاب. المعنى: يا حسن قوامها ويا حسن منتقبها، يريد: ما أحسن ذلك منها. الإعراب: "طافت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "أمامة" فاعل طاف مرفوع بالضمة الظاهرة، "بالركبان" جار ومجرور متعلق بطاف، "آونة" ظرف زمان منصوب بطاف وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، "يا" حرف نداء، "حسنه" منادى منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، "من" حرف جر زائد، "قوام" تمييز منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، "ومنتقبا" الواو عاطفة ومنتقبا معطوف على قوام. =
[ ٢ / ٧٣٤ ]
عامل التمييز إن لم يكن فعلا متصرفا، لم يجز التمييز عليه، قال المصنف بإجماع.
وأما قوله:
ونارنا لم يُرَ نارًا مثلُها١
فضرورة، وتأوله بعضهم على أن الرؤية علمية، ونارا مفعول ثانٍ. وإن كان فعلا متصرفا، فذهب سيبويه والفراء وأكثر البصريين والكوفيين إلى منع تقديمه عليه، وذكروا لمنع تقديمه عللا٢.
_________________
(١) ١ هذا صدر بيت. قال العيني: هذا رجز لم يعلم قائله. وبحثت فلم أعثر له على قائل. وعجزه: قد علمت ذاك مَعَدّ كلها الشرح: "معد" -بفتح الميم- وهو أبو العرب -معد بن عدنان- وكان سيبويه يقول: الميم من نفس الكلمة؛ لقولهم: تمعدد لقلة تمفعل في الكلام وقد خُولف فيه. الإعراب: "نارنا" نار مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير المتكلم مضاف إليه، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "ير" فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الألف، "نارا" تمييز لمثلها، "مثلها" نائب فاعل ير، وضمير الغائبة مضاف إليه، "قد" حرف تحقيق، "علمت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "ذاك" اسم إشارة مفعول به لعلم والكاف حرف خطاب، "معد" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "كلها" توكيد لمعد وضمير الغائبة مضاف إليه. الشاهد: في "نارا" فإنه تمييز تقدم على عامله الاسم الجامد وهو مثلها؛ لأنه تمييز مفرد، وهو خاص بالضرورة، وقد يقال: إن هذا لا دليل فيه على جواز تقديم التمييز على عامله إذا كان اسما جامدا؛ وذلك لجواز أن تكون الرؤية من رؤية القلب، فيكون حينئذ "مثلها" مفعولا أول ناب عن الفاعل، ونارا مفعولا ثانيا. ا. هـ. العيني. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٦، وداود، والأشموني ١/ ٢٦٦. ٢ قال سيبويه والجمهور: إن التمييز لا يجوز تقديمه على عامله مطلقا؛ لأنه كالنعت في الإيضاح، والنعت لا يتقدم على عامله فكذلك ما أشبهه. وأيضا فالغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف أن يكون فاعلا في الأصل، فلا يغير عما كان يستحقه من وجوب التأخير. ا. هـ. تصريح الشيخ خالد ١/ ٤٠٠ بتصرف.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وذهب الكسائي والجرمي والمبرد إلى جواز "ذلك"١، ووافقهم المصنف لورود السماع به٢ كقوله:
أنفسًا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا٣؟
وأبيات أخر٤.
فإن قلت: ظاهر قوله: "نزرا سبقا" أنه قليل، فلا يقاس عليه.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ والقياس أيضا. "وأما القياس فإن التمييز -وهو منصوب- كالمفعول به وسائر الفضلات، وكلهن يجوز تقديمهن على العامل إذا كان فعلا متصرفا" ا. هـ. تصريح الشيخ خالد ١/ ٤٠٠ بتصرف. ٣ هذا البيت لم يتعرض العيني لقائله، وقيل: نسبوا هذا الشاهد لرجل من طيئ، ولم يسموه. وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من المتقارب. الشرح: "تطيب" أي: تطمئن، "نيل المنى" إدراك المأمول، ونيل مصدر: "نال الشيء يناله نيلا ومنالا" إذا حصل عليه، "والمنى" بضم الميم -جمع منية- والمنية -بضم فسكون- اسم لما يتمناه الإنسان ويرغب فيه، "المنون" الموت. قال الفراء: المنون: مؤنث وتكون واحدة وجمعا. المعنى: كيف تستلذّ نفس الظفر بما تتمناه، والموت يطلبها أكيدا؟ الإعراب: "أنفسا" الهمزة حرف استفهام توبيخي، نفسا تمييز تقدم على العامل وهو قوله: تطيب، "تطيب" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، "بنيل" الباء حرف جر، نيل مجرور بالباء والجار والمجرور متعلق بقوله: تطيب، "المنى" مضاف إليه، "وداعي" الواو للحال، داعي مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء، "المنون" مضاف إليه، "ينادي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، "جهارا" مفعول مطلق عامله ينادي وأصله صفة لمصدر محذوف والتقدير: ينادي نداء جهارا. الشاهد: في "نفسًا"، فإنه نصب على التمييز وقد قدم على عامله وهو "تطيب"؛ لأنه فعل متصرف، وهذا نادر عند سيبويه والجمهور وموضع قياس عند الكسائي ومن تبعه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: السندوبي، وداود، والمكودي ص٨٠، والأشموني ١/ ٢٦٦، والسيوطي ص٧٠، وابن هشام ٢/ ١١٥، وأيضا ذكره في مغني اللبيب ٢/ ١٩٠. ٤ منها قول المجنون، وقيل: أعشى همدان، وقيل: المخبل السعدي: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيب وقول الآخر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما ارعويت وشيبًا رأسي اشتعلا
[ ٢ / ٧٣٦ ]
قلت: "لا يلزم من قلته ألا يقاس عليه"١، بل هو عنده مَقِيس وفاقا لمن ذكروا.
ورُدَّ عليه "أن"٢ ما ذكره من أن التمييز قد يسبق الفعل المتصرف، ليس على إطلاقه؛ إذ لنا فعل متصرف ولا يسبقه التمييز بإجماع، وهو "كفى" في نحو: "كفى "بزيد"٣ ناصرًا" "فلا يجوز تقديم "ناصرا" على "كفى" وإن كان فعلا متصرفا؛ لأنه بمعنى فعل غير متصرف، وهو فعل التعجب، فمعنى قولك: "كفى بزيد ناصرًا" ما أنصره رجلًا٤"٥، وهو عند المصنف منتصب عن تمام الجملة.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "بان". ٣ أ، ب، وفي جـ "بربك". ٤ ب. ٥ والحق مع سيبويه، فهذا وغيره: أن تقديم التمييز مخل بالغرض السابق من التأخير بخلاف غيره من الفضلات، والبيت وغيره ضرورة. ا. هـ. صبان عن الدماميني ٢/ ١٥٤ بتصرف.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
حروف الجر:
قال:
هاك حروف الجر وهي من إلى حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا والكاف والبا ولعل ومتى
هذه عشرون حرفا مشتركة في جر الاسم ولكل منها تفصيل يأتي، إلا "خلا، وحاشا، وعدا" فإن حكمها تقدم في الاستثناء.
وإلا "كي، ولعل، ومتى"؛ لغرابة الجر بهن.
أما "كي" فتجر ثلاثة أشياء:
الأول: "ما" الاستفهامية "كقولهم"١ في السؤال عن "علة"٢ الشيء: كَيْمَهْ؟ بمعنى: لِمَهْ؟
الثاني: "أن" المصدرية مع صلتها في نحو: "جئت كي تفعل"٣ في أحد الوجهين٤.
الثالث٥: "ما" المصدرية مع صلتها في قوله:
يراد الفتى كَيْمَا يضر وينفع٦
وهو نادر.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب مثّل بقوله: كقولك: كي أن تغر وتخدعا. ٤ قال الأشموني جـ٢ ص٢٨٣: "إذا قدرت أن بعدها، فإن والفعل في تأويل مصدر مجرور بها ويدل على أن بعدها ظهورها في الضرورة كقوله: فقالت أكل الناس أصبحت مانحا لسانك كَيْمَا أن تغر وتخدعا والأولى أن تقدر "كي" مصدرية، فتقدر اللام قبلها، بدليل كثرة ظهورها معها، نحو: "لكيلا تأسوا" ا. هـ. ٥ جعل الثاني "أن" المصدرية، والثالث "ما" المصدرية، ترتيب أ، جـ، وفي الثاني "ما" والثالث "أن". ٦ قيل: إن قائله هو النابغة الذبياني، وقيل: الجعدي، والأصح أن قائله قيس بن الخطيم، كذا ذكره البحتري في حماسته. =
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وأما "لعل" فتجر في لغة عقيل ثابتة "الأول ومحذوفته"١ ومفتوحة الآخر "و"٢ مكسورته٣، خلافا لمن أنكر الجر بها٤.
وأما "متى" "فتجر"٥ في لغة هذيل بمعنى من٦، ومن كلامهم: "أخرجها متى كُمِّه" أي: من كمه.
_________________
(١) وصدر البيت: إذا أنت لم تنفع فضُر فإنما وهو من الطويل. المعنى: إذا لم تستطع نفع من يستحق النفع فضر من يستوجب الإيذاء، فإن المرء لا يقصد منه إلا أحد هذين. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "أنت" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "تنفع" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت، "فضر" الفاء واقعة في جواب إذا، ضر فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين وللتخفيف، "فإنما" الفاء للتعليل، إنما حرف دال على الحصر، "يراد" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة، "الفتى" نائب فاعل يراد مرفوع بضمة مقدرة على الألف، "كيما" كي: حرف تعليل وجر، ما حرف مصدري، "يضر" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر جوازا تقديره هو، "وينفع" الواو عاطفة، ينفع فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة وفاعله ضمير مستتر تقديره هو. الشاهد: في دخول "ما" المصدرية على "كي" وهو نادر، وهو تخريج الأخفش، وهي عند غيره كافة لكي عن عمل النصب في الفعل المضارع، والفعل مؤول بالمصدر على القولين بواسطة "ما" على الأول، وبواسطة "كي" على الثاني. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٧، وابن هشام ٢/ ١٢٠، والأشموني ٢/ ٢٨٣، والمكودي ص٨١، وداود، والسندوبي. ١ أ، جـ، وفي ب "اللام الأولى ومحذوفه". ٢ أ، جـ، وفي ب "أو". ٣ فهذه أربع لغات يجوز الجر فيها، ولا يجوز في غيرها من بقية لغات "لعل". صبان ٢/ ١٥٦. ومثال الجر قول الشاعر: لعل أبي المغوار منك قريب ٤ قال السيوطي في همع الهوامع: "منهم الفارسي، وتأول البيت على أن الأصل: لعله لأبي المغوار جوابه قريب؛ فحذف موصوف قريب وضمير الشأن ولام لعل الثانية تخفيفا، وأدغم في لام الجر، ومن ثم كانت مكسورة. ومن فتح فهو على لغة "المال لزيد" وهذا تكلف كثير مردود بنقل الأئمة" ا. هـ. ٢/ ٢٣، وأميل إلى الجر؛ لعدم التكلفة كما قال السيوطي. ٥ أ، جـ. ٦ أي: الابتدائية.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
تنبيه:
عد بعضهم من حروف الجر "ها" التنبيه، وهمزة الاستفهام، وهمزة القطع إذا جعلت عوضا من حروف الجر في القسم١.
قال في التسهيل٢: وليس في الجر في التعويض بالعوض، خلافا للأخفش ومن وافقه ا. هـ. وذهب الزجاج والرماني إلى أن ايمُن في القسم حرف جر وشذَّا في ذلك.
"وعد"٣ بعضهم منها الميم "مثلثة"٤ في القسم نحو٥: مَُِ الله، وجعلها في التسهيل بقية "أامُن".
قال: وليست٦ بدلا من الواو، ولا أصلها "من" خلافا لمن زعم ذلك. "وذكر"٧ الفراء أن "لات" "قد"٨ تجر الزمان، وقرئ: "ولات حِينِ مناص"٩ بالجر.
وزعم الأخفش أن "بَلْهَ" حرف جر بمعنى "مِنْ"، والصحيح أنها اسم١٠. وذهب سيبويه١١ إلى أن "لولا" حرف جر إذا وليها ضمير متصل نحو: لولاك ولولاي "ولولاه"١٢.
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ٢/ ٢٨٥. ٢ التسهيل ص١٥١، القسم. ٣ أ، جـ، وفي ب "وعده". ٤ أ، ب. ٥ ب، وفي أ "نحو ما الله"، ونحو سقط في جـ. ٦ أ، جـ، وفي ب "قال فيه: وم مثلثة وليست". ٧ أ، جـ. وفي ب "ذهب". ٨ أ، جـ. ٩ من الآية ٣ من سورة ص. ١٠ أي: مصدر أو اسم فعل أو بمعنى كيف، صبان جـ٢ ص١٥٧. ١١ قال سيبويه جـ١ ص٢٨٨: "وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمرت الاسم فيه جر ". ١٢ جـ.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
ومذهب الأخفش والكوفيين، أن الضمير بعدها مرفوع الموضع، استعير ضمير الجر للرفع١.
ثم قال:
بالظاهر اخصُصْ منذُ مذُ وحتى والكاف والواو ورُبَّ والتا
حروف الجر نوعان: نوع يجر الظاهر فقط، ونوع يجر الظاهر والمضمر.
فالأول: هو الأحرف المذكورة في هذا البيت، ولعل وكي ومتى.
والثاني: ما عداها.
وقوله: واخصص بمذ ومنذ وَقْتًا، "يعني: أن مذ ومنذ لا يجران إلا الزمان، وسيأتي الكلام عليهما"٢.
وقوله: وبرُبَّ مُنَكَّرا.
يعني أن "رب" لا تجر إلا نكرة، وسيأتي دخولها على الضمير.
وأجاز بعضهم أن تجر المعرف بأل، وأنشد:
ربما الجامل المؤبل٣
بخفض الجامل وصفته
_________________
(١) ١ قال الأشموني ٢/ ٢٥٨ نقلا عن التسهيل: وزعم المبرد أن هذا التركيب فاسد لم يرد على لسان العرب، وهو محجوج بثبوت ذلك منهم كقوله: أتطمع فينا من أراق دماءنا ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن وقوله: وكم موطن لولاي طحت كما هَوَى بأجرامه من قلة النيق منهوي ٢ أ، جـ. ٣ جزء من بيت، قائله أبو دؤاد الإيادي أحد بني برد بن أفصى من إياد، وتمامه: فيهم وعناجيج بينهن المهار وهو من الخفيف. الشرح: "الجامل" -بالجيم- اسم جمع للإبل لا واحد له من لفظه، وقيل: القطيع من الإبل مع راعيها، "المؤبل" -بضم الميم وفتح الهمزة والباء المشددة- المعد للقنية، "عناجيج" جمع عنجوج -بزنة عصفور- وهي الخيل الطويلة الأعناق، "المهار" -بكسر الميم- جمع مهر وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة. =
[ ٢ / ٧٤١ ]
فإن صحت الرواية، حمل على زيادة "أل".
وشذ "رب أبيه" و"رب أخيه" و"رب أمه"١.
واختلف في معنى "رب"، فقيل: للتقليل، وقيل: للتكثير، ونسب كل منهما٢ إلى سيبويه.
وقيل: تكون "لهما"٣، وقيل٤: حرف إثبات لم يوضع لتقليل ولا لتكثير٥، وفي التسهيل: وللتقليل بها نادر. هـ٦.
وقوله: "والتاء لله ورب".
يعني: أن التاء مختصة باسم الله، نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ ٧.
_________________
(١) = المعنى: يصف نفسه بالكرم، وأنه لا يبخل على من معه بأحسن ما عنده من الإبل المتخذة للقنية والخيل الجياد التي بينها أولاد. الإعراب: "ربما" رب: حرف تقليل وجر، ما: زائدة كافة، "الجامل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "المؤبل" صفة مرفوعة بالضمة الظاهرة، "فيهم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، "وعناجيج" الواو عاطفة، عناجيج مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وخبره محذوف يدل على ما قبله، والتقدير: وعناجيج فيهم، "بينهن" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم والضمير مضاف إليه، "المهار" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع صفة لقوله: "عناجيج" وهي التي سوَّغت الابتداء بالنكرة. الشاهد: في "ربما الجامل" حيث دخلت رب المكفوفة بما على الجملة الاسمية وهو نادر. قال العيني: ولأجل هذا قال أبو علي: يجب أن تقدر "ما" اسما مجرورا على معنى شيء والجامل خبر لمبتدأ محذوف وتكون الجملة صفة لما، والتقدير: رب شيء هو الجامل المؤبل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٣، وابن هشام ٢/ ١٦١، وابن عقيل ٢/ ٢٥، والأشموني ٢/ ٢٩٨، وداود، والسيوطي ص٧٣، وفي همعه ٢/ ٢٦. ١ بهذا يستقيم الكلام، وفي أ، ب "واحد أمه"، وفي جـ "وجد أمه". ٢ "كل واحد منهما" في ب. ٣ جـ، وفي أ، ب "لها". ٤ أ، ب، وفي جـ "هو". ٥ ب، وفي أ، جـ "تكثير". ٦ التسهيل ص١٤٧. ٧ من الآية ٨٥ من سورة يوسف.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وحكى الأخفش دخولها على الرب، قالوا: "تربِّ الكعبة"، وقالوا أيضا: "تالرحمن" و"تحياتك" وهو شاذ.
وقالوا: إنها بدل من واو القسم.
وقوله:
وما رَوَوْا من نحو رُبَّهُ فتى نزر
أشار "به"١ إلى أنه قد ورد دخول رب على المضمر، وأنه قليل. ومنه قول الشاعر:
ورُبَّهُ عطبا أنقذت من عَطَبه٢
وروي: "وربه عطبٍ" بالجر على نية من، وهو شاذ.
فإن قلت: إنما أورد النحويون ذلك على أنه "فصيح"٣ مقيس "عليه"٤، فكيف قال: "نزر"؟
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ قال العيني: أنشده ثعلب ولم يعزه إلى قائله، وهو من البسيط. وصدره: #واهٍ رأبت وشيكا صدع أعظمه الشرح: "واه" من وها الحائط، إذا ضعف وهمّ بالسقوط، "رأبت" أصلحت وشعبت، "وشيكا" -بفتح الواو وكسر الشين- سريعا، "صدع أعظمه" الصدع: الشق، "عطبا" هو صفة مشبهة على وزن فعل -بفتح الفاء وكسر العين- أي: هالكا، "من عطبه" مصدر على وزن فَعَل بفتحتين. المعنى: رب شخص ضعيف أشرف على الهلاك والسقوط، فجبرت كسره ورشت جناحه. الإعراب: "واه" هو على تقدير رب مبتدأ، "رأبت" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر، "وشيكا" مفعول مطلق لرأبت، أي: رأبت رأبا وشيكا، "صدع" مفعول لرأبت منصوب بالفتحة الظاهرة، "أعظمه" مضاف إليه، "وربه" رب حرف جر شبيه بالزائد والضمير في محل جر لرب، وله محل رفع بالابتداء، "عطبا" تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة، "أنقذت" فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو مجرور برب، "من عطبه" جار ومجرور متعلق بأنقذ. الشاهد: في "وربه عطبا" حيث جرت "رب" الضمير وهو شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٤٨، وابن عقيل ٢/ ٩، والأشموني ٢/ ٢٥٨، وداود، والسندوبي. ٣ أ، جـ، وفي ب "صحيح". ٤ جـ.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
قلت: لعله أراد أنه قليل بالنسبة إلى الظاهر، ويؤيده قوله في الكافية:
وربَّهُ عطبا استُندر وقِس عليه إن شئت وحُد عن مُلْبِس
فقال١: وقس عليه.
تنبيهان:
الأول: مذهب البصريين أن الضمير المجرور برب يلزم إفراده وتذكيره استغناء بمطابقة التمييز "للمراد"٢، وحكى الكوفيون مطابقته أيضا.
الثاني: اختلف في الضمير المجرور برب، فقيل: معرفة، وإليه ذهب الفارسي وكثير. وقيل: نكرة، واختاره الزمخشري وابن عصفور.
وقوله: كذا كَهَا.
أشار به إلى أن الكاف قد تجر ضمير الغائب قليلا، كقول الراجز:
وأم أوعال كَهَا أو أقربا٣
_________________
(١) ١ ب. ٢ أ، جـ. ٣ عجز بيت قائله العجاج، يصف حمار الوحش وأتنه حين أرادوا ورود الماء، فرأى الصياد فهرب بهن. والبيت من قصيدة مرجزة مسدسة. وصدره: خلَّى الذنَابات شمالا كَثَبا ويروى: نحى الذنابات. ورواية الأشموني: وأم أوعال كها أو أقربا ذات اليمين غير ما أن ينكبا الشرح: "الذنابات" -بفتح الذال- جمع ذنابة، وهي آخر الوادي ينتهي إليه السيل، وقيل: اسم مكان بعينه، "كثبا" -بفتح الكاف والتاء- أي: قربا، "أم وعال" -بفتح الهمزة- هي هضبة في ديار بني تميم. المعنى: أنه جعل الذنابات -أي الحمار الوحشي- عن طريقه في جانب شماله قريبا منه، وجعل أم أوعال في جانب يمينه مثل الذنابات في القرب، أو أقرب. الإعراب: "خلى" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر، "الذنابات" مفعول أول، "شمالا" مفعول ثان، "كثبا" صفة لشمال، "وأم أوعال" يروى بالنصب وبالرفع؛ فأما النصب فبالعطف على الذنابات، وأما الرفع فبالابتداء، "كها" على رواية النصب هو في موضع المفعول الثاني، وعلى رواية الرفع متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، "أو" عاطفة، "أقربا" معطوف على الضمير المجرور بالكاف من غير إعادة الجار. الشاهد: في "كها"، حيث دخلت كاف التشبيه على الضمير وهو قليل. =
[ ٢ / ٧٤٤ ]
"وإليه"١ أشار بقوله: "كها" "وهذا من الضرائر"٢.
وقد شذّ دخول الكاف على ضميري المتكلم، والمخاطب في قول الحسن: "أنا كَكَ وأنتَ كِي"٣.
وقول الشاعر:
وإذا الحرب شمَّرت لم تكن كِي٤ والكاف في:"كِي" مكسورة٥
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، وفي ب "كذا إلى القلة، وهو عند غيره من الضرائر"، وفي جـ "كها إلى أن هذا من الضمائر". ٣ قال العيني: يعني: أنا كمثلك وأنت كمثلي "كذا بالنسخ، والمناسب: وأنا مثلك وأنت مثلي ا. هـ. مصحح هامش" واستعمال هذا في حال السعة شذوذ، لا يلتفت إليه ٣/ ٢٦٦. ٤ صدر بيت. قال العيني: أنشده الفراء، وقال: أنشدنيه بعض أصحابنا ولم أسمعه أنا من العرب، ولم يذكر اسم قائله. وبحثت فلم أعثر على قائل، وهو من الخفيف. وعجزه: حيث تدعو الكماة فيها نزال ورواية الأشموني: حين تدعو الشرح: "شمرت" أي: نهضت، "الكماة" -بضم الكاف- جمع كامٍ مثل قاضٍ وقضاة، وهو الشجاع المنكمي في سلاحه؛ لأنه كمى نفسه، أي: سترها بالدرع والبيضة، "نزال" كلمة توضع موضع انزل. الإعراب: "وإذا" الواو للعطف، إذا للشرط وفعل الشرط محذوف دل عليه قوله: شمرت، والتقدير: إذا شمرت الحرب؛ لأن إذا لا تدخل على الجملة الفعلية، "الحرب" فاعل، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "تكن" فعل مضارع مجزوم بلم وهو جواب الشرط، "حين" منصوب على الظرفية، "تدعو" فعل مضارع، "الكماة" فاعل، "فيها" جار ومجرور متعلق بتدعو، "نزال" في محل النصب على أنه مفعول تدعو، والتقدير: حين تدعو تقول: نزال. الشاهد: في "لم تكن كي" حيث أدخل الكاف على ضمير المتكلم، على معنى: لم تكن أنتَ مثلي. وهذا شاذ لا يستعمل إلا في الضرورة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٢٨٦. ٥ قال الصبان ٢/ ١٥٩: "وكي -بكسر الكاف- لمناسبة ياء المتكلم كما في الدماميني عن سيبويه".
[ ٢ / ٧٤٥ ]
وقد دخلت أيضا على ضميري الرفع والنصب "المنفصلين"١ كقولهم: "ما أنا كأنت "ولا"٢ أنت كأنا".
"والنصب كقوله:
ولم يأسر كإيَّاك آسِر٣، ٤
وجعله في التسهيل أقل من دخولها على ضمير الغائب المتصل٥.
قيل: وفيه نظر.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، ب، وفي جـ "لولا". ٣ ب. ٤ جزء من بيت. قال البغدادي في خزانة الأدب: "والبيت لم أطلع على قائله" وتكملة البيت: فأجملْ وأحسنْ في أسيرك إنه ضعيف وقال أبو حيان في أماليه: أنشده الفراء وهشام عن الكسائي: "وأحسن وأجمل في أسيرك". الشرح: "فأجمل" بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الميم، أي: عامل الجميل، "وأحسن" بفتح الهمزة وكسر السين، أي: افعل الحسن، وأسرته أسرا من باب ضرب فهو أسير وذاك آسر وهو فاعل يأسر، يريد: لم يأسرني آسر مثلك. الإعراب: "فأجمل" فعل أمر وفاعله ضمير، "وأحسن" الواو عاطفة، أحسن فعل أمر وفاعله ضمير، "في" حرف جر، "أسيرك" مجرور بفي والكاف مضاف إليه، "إنَّهُ" إنَّ حرف توكيد ونصب والهاء اسمها مبني على الضم في محل نصب، "ضعيف" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة، "ولم" حرف نفي وجزم وقلب، "يأسر" فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، "آسر" فاعل ياسر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: قوله: "كإياك" حيث دخلت الكاف على الضمير المنفصل. قال البغدادي ٤/ ٤٧٢ في الخزانة: "قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: ومنه وضع صيغة ضمير النصب المنفصل بدل صيغة ضمير الرفع المنفصل المجهول في موضع خفض بكاف التشبيه. يريد: كأنت آسر، فوضع "إياك" موضع "أنت" للضرورة وإنما قضي على "إياك" بأنها في موضع "أنت"؛ لأن الكاف لا تدخل في سعة الكلام على مضمر إلا أن تكون صيغته صيغة رفع منفصل نحو قولهم: "ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا" هـ. مواضعه: ذكره البغدادي في خزانة الأدب الشاهد ٨٣٤. ٥ قال في التسهيل ص١٤٧: "ودخولها على ضمير الغائب قليل، وعلى أنت وإياك وأخواتها أقل".
[ ٢ / ٧٤٦ ]
بل إن لم يكن أكثر فهو "مساوٍ"١.
فإن قلت: إِلَامَ أشار بقوله: "ونحوه أتى"؟
قلت: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أشار إلى ما ورد من دخول الكاف على الضمير في غير البيت المشار إليه، كقول الشنفرى:
لئن كان من جن لأبرح طارقا وإن يك إنسا ما كها الإنس تفعل٢
ولا حجة في قوله:
كَهُ ولا كَهُنَّ إلا حاظلا٣
_________________
(١) ١ ب، وفي أ "متساوي"، وفي جـ "مساوي". راجع الأشموني ٢/ ٢٨٧. ٢ قائله الشنفرى الأزدي، واسمه براق. وهو من قصيدته المشهورة، من الطويل. الشرح: "لأبرح" أي: جاء بالبرح وهو الشدة، "طارقا" من طرق أهله، إذا أتاهم ليلا. الإعراب: "لئن" اللام للتأكيد وإن شرطية، "كان" فعل ماض ناقص فعل الشرط واسمه ضمير مستتر، "من جن" جار ومجرور في محل نصب خبر كان، "لأبرح" جواب الشرط، "طارقا" حال منصوب بالفتحة الظاهرة، "وإن يك" أصله: يكن؛ حذفت النون للتخفيف لكثرة استعماله في الكلام واسمه ضمير مستتر فيه، "إنسا" خبر يك، "ماكها" ما نافية والكاف للتشبيه دخلت على الضمير، "الإنس" مبتدأ، "يفعل" فعل مضارع وفاعله ضمير والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد في: "ما كها"، حيث دخلت الكاف على الضمير، وهو شاذ. مواضعه: ذكره السيوطي في همع الهوامع ٢/ ٣٠، وفي شرحه للألفية ص٧١. ٣ عجز بيت قائله رؤبة بن العجاج يصف حمارا وأتنه، وهو من قصيدة مرجزة مسدسة، وصدره: ولا ترى بعلا ولا حلائلا الشرح: "بعلا" زوجا، "حلائلا" -بالحاء المهملة- زوجات، "حاظلا" المانع من التزويج. المعنى: لا ترى من الأزواج والزوجات من يحبس نفسه على صاحبه ولا يتطلع إلى غيره كحمار الوحش وأتنه، إلا من منع أنثاه عن التزويج بغيره، كانت عادة الجاهلية إذا طلّقوا امرأة منعوها أن تتزوج بغيرهم إلا بإذنهم. الإعراب: "لا" نافية، "ترى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "بعلا" مفعول أول منصوب بالفتحة الظاهرة، "ولا" الواو عاطفة، ولا لتأكيد النفي، "حلائلا" معطوف على قوله: "بعلا"، "كه" متعلق بمحذوف حال من "بعلا"، "ولا كهن" متعلق بمحذوف حال من "حلائلا"، "إلا" أداة استثناء ملغاة، "حاظلا" مفعول ثانٍ لترى منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد: في "كه وكهن" حيث جر الضمير بالكاف، وهو شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص٤٨، وابن هشام ٢/ ١٥٢، وابن عقيل ٢/ ١٠، والأشموني ٢/ ٢٨٦.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
على الاتصال؛ "لاحتمال"١ أن يكون أصله كهو.
والثاني: أن يكون أشار إلى أنه قد "ندر"٢ دخول بعض الأحرف المخصوصة بالظاهر "غير الكاف"٣ على الضمير، كما "ندر"٤ دخول الكاف عليه كقول الشاعر:
فلا والله لا يُلقَى أناس فتى حَتَّاك يابن أبي يزيد٥
وهو عند البصريين ضرورة.
ثم قال:
بَعِّض وبَيِّن وابتدِي في الأمكنة بمن
شرع في بيان معاني "بعض"٦ هذه الحروف، فبدأ بمن وذكر لها في هذا البيت ثلاثة معانٍ:
الأول: التبعيض نحو: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ٧ وعلامتها جواز الاستغناء عنها ببعض.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "لأنه يحتمل". ٢ أ، وفي ب، جـ "ورد". ٣ أ، جـ. ٤ أ، جـ، وفي ب "ورد". ٥ قال الشيخ محيي الدين: هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها. وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من الوافر. وروي: "أبي زياد" بدل "أبي يزيد"، و"لا يلفى" بدل "لا يلقى". الشرح: لا يلفى٦ "لا يجد"، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: وجده، وبالقاف من اللقى. الإعراب: "فلا" زائدة قبل القسم للتوكيد، "والله" الواو حرف قسم ولفظ الجلالة مقسم به مجرور بالواو وفعل القسم الذي يتعلق به الجار والمجرور محذوف، "لا" نافية، "يلقى" فعل مضارع، "أناس" فاعل، "فتى" مفعول به، "حتاك" حتى جارة والضمير في محل جر بها والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لفتى، "يا" حرف نداء، "ابن" منادى، "أبي" مضاف إليه، "يزيد" مضاف إليه. الشاهد: في "حتاك" حيث دخلت "حتى" الجارة على الضمير، وهو نادر. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ٢/ ٨، والأشموني ٢/ ٢٨٦، والمكودي ص٨، وداود. ٦ أ، ب. ٧ من الآية ٨ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
الثاني: بيان الجنس، نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ١، وعلامتها صحة وضع الذي موضعها.
الثالث: ابتداء الغاية في المكان باتفاق، نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ٢، "ولا"٣ تكون لابتداء الغاية في الزمان عند البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد وابن درستويه إلى أنها تكون لابتداء الغاية في الزمان، وهو الصحيح٤ لكثرته٥ نظما ونثرا٦.
وتأويل "ما كثر"٧ ليس بجيد، وإليه ذهب المصنف.
وإلى هذا قال: وقد تأتي لبدء الأزمنة.
تنبيه:
لم يختلفوا في أن من تكون لابتداء الغاية، واختلفوا في التبعيض "والتبيين"٨. أما التبعيض، فذهب إليه الجمهور وصححه ابن عصفور، ونفاه المبرد والأخفش الأصغر٩ وابن السراج، وطائفة من الحذاق والسهيلي، وقالوا: إنما هي لابتداء الغاية وإن "سائر"١٠ المعاني التي "ذكروها"١١ راجع إلى هذا المعنى.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٠ من سورة الحج. ٢ من الآية ١ من سورة الإسراء. ٣ أ، جـ، وفي ب "وقد". ٤ أ، جـ. ٥ أ، وفي جـ "وهو كثير". ٦ قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ . وقال الشاعر: تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جرّبن كل التجارب ٧ أ، جـ، وفي ب "ما هو كثير"، وتأولوا أن من لابتداء الغاية في الأحداث: من تأسيس أول يوم، والبيت، من استمرار يوم حليمة. ٨ ب، جـ. ٩ هو: علي بن سليمان الفضل النحوي، أبو الحسن الأخفش الأصغر، أحد الثلاثة المشهورين وتاسع الأخفشيين، قرأ على ثعلب والمبرد واليزيدي، قال المرزباني: ولم يكن بالمتسع في الرواية، وكان إذا سُئل على مسائل النحو ضجر ضجرا كثيرا. مات فجأة ببغداد سنة عشر وثلاثمائة، ويقال: ست عشرة، وقد قارب الثمانين. ١٠ أ، ج، وفي ب "جميع". ١١ أ، ب، وفي جـ "ذكرها".
[ ٢ / ٧٤٩ ]
وأما بيان الجنس، فمشهور في كتب المعربين، وقال به جماعة من المتقدمين والمتأخرين "وأنكره"١ "أكثره"٢ المغاربة.
ثم قال:
وزيد في نفي وشبهه فجر نكرة كما لباغٍ من مفر
لزيادة "من" عند "جمهور"٣ البصريين شرطان:
الأول: أن يكون بعد نفي أو شبهه، وهو النهي والاستفهام.
والثاني: أن يكون مجرورها نكرة.
مثال النفي: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤، والنهي: "لا يقم "من"٥ أحد"، والاستفهام: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٦، ومثّل النهي بقوله: "ما لباغٍ من مفرّ". وأجاز بعض الكوفيين زيادتها بشرط تنكير مجرورها فقط٧ "نحو"٨: "قد كان من مطرٍ".
وأجازها الأخفش والكسائي وهشام بلا شرط ووافقهم في التسهيل، قال في شرحه لثبوت السماع "بذلك"٩ نثرا ونظما١٠.
تنبيهان:
الأول: فائدة زيادة "من" تنصيص العموم، أو مجرد التوكيد.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ، جـ. ٣ أ، ب. ٤ من الآية ٨٥ من سورة الأعراف. ٥ ب، جـ. ٦ من الآية ٣ من سورة فاطر. ٧ أ، جـ، وفي ب "تنكير بعض مجرورها". ٨ أ، جـ. ٩ أ، ب. ١٠ قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ و﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ . وقول الشاعر: وكنت أرى كالموت من بين ساعة فكيف ببين كان موعده الحشر ا. هـ. الهمع ٦/ ٣٥.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
فالأول مع نكرة لا تختص بالنفي نحو: "ما في الدار من رجل".
والثاني: مع نكرة مختصة به١.
"التنبيه"٢ الثاني: لا إشكال في صحة زيادتها بعد جميع حروف النفي، وأما الاستفهام فلا يحفظ إلا مع "هل"٣.
قال في الارتشاف: وفي إلحاق الهمزة بها نظر، وصرح "بمنعه"٤ بعد كيف ونحوها٥.
ثم قال:
للانتها حتى ولام وإلى
مثال حتى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٦، ومثال إلى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ٧، ومثال اللام: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ﴾ ٨.
ودلالة اللام على الانتهاء قليل٩ بخلاف حتى وإلى، "فإن دلالتهما على الانتهاء كثير"١٠، فإن قلت: أيهما أمكن في ذلك؟
قلت: إلى؛ لدخولها "فيما"١١ لا تدخل فيه حتى، فإن المجرور بحتى يلزم بأن "يكون"١٢ آخر جزء، أو "ملاقي"١٣ آخر جزء بخلاف إلى.
_________________
(١) ١ كأحد وديار. ٢ أ، جـ. ٣ قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ . ٤ جـ، وفي ب "به". ٥ كلام أبي حيان في الارتشاف ص٨٤٣: "وفي إلحاق الهمزة بهل في ذلك نظر، ولا أحفظه من لسان العرب. ولو قلت: كيف تضرب من رجل، أو كيف خرج من رجل، أو أين تضرب من رجل، أو متى قوم من رجل، لم يجز" ا. هـ. ٦ من الآية ٥ من سورة القدر. ٧ من الآية ٢٨٠ من سورة البقرة. ٨ من الآية ٥٧ من سورة الأعراف. ٩ نحو قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ . ١٠ أ، جـ. ١١ أ، ب، وفي جـ "لما". ١٢ ب، وفي جـ "كونه"، وفي أ "من كونه". ١٣ أ، ب، وفي جـ "ملازم".
[ ٢ / ٧٥١ ]
"لو"١ قلت: "سرت النهار حتى نصفه" لم يجز.
ولو قلت: إلى نصفه لجاز، نص على ذلك الزمخشري والمغاربة، "ووافق"٢ المصنف في شرح الكافية وخالف في "التسهيل وشرحه"٣، فلم يشترط في مجرور حتى كونه آخر جزء "ولا ملاقي آخر جزء"٤ واستدل بقوله:
عينت ليلة فما زلت حتى نصفِها راجيا فُعدت يئوسا٥
وفيه نظر.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "فلو". ٢ أ، جـ، وفي ب "ووافقهم". ٣ أ، ب، وفي جـ شرح التسهيل. ٤ أ، ب. ٥ هذا البيت لم أعثر له على قائل، وهو من الخفيف. وقبله: إن سلمى من بعد يأسي همت بوصال لو صح لم يبق بوسا الشرح: "عينت" الضمير راجع إلى سلمى وليلة مفعول به لا ظرف، "بؤسا" -بضم الباء- الشدة، "يئوسا" فعول من اليأس، وهو القنوط خلاف الرجاء. الإعراب: "عينت" فعل وفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يعود إلى سلمى في البيت قبله، "ليلة" مفعول به، "فما زلت" من أخوات كان والتاء اسمها، "حتى" بمعنى إلى وهو حتى الجارة، "نصفها" مجرور بحتى والهاء مضاف إليه، "راجيا" خبر زلت منصوب بالفتحة، "فعدت" جملة من الفعل والفاعل عطف على قوله: "فما زلت"، "يئوسا" حال من الضمير الذي في عدت منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد: في "حتى نصفها"، فإن ابن مالك استدل به على أنه لا يشترط في مجرور حتى كونه آخر جزء، ولا ملاقي آخر جزء، هذا الذي ذكره في التسهيل ص١٤٦. وأما ما ذكره في شرح الكافية، فهو ما ذهب إليه الزمخشري والمغاربة من أن المجرور بحتى يلزم أن يكون آخر جزء أو ملاقي آخر جزء بخلاف إلى، فلو قلت: سرت النهار حتى نصفه لم يجز، ولو قلت: إلى نصفه جاز، هذا ما نص عليه الزمخشري. وقال ابن هشام في المغني: لمخفوض حتى شرطان: أحدهما: عام، وهو أن يكون ظاهرا لا مضمرا، خلافا للكوفيين والمبرد. والثاني: خاص بالمسبوق بذي أجزاء، وهو أن يكون المجرور جزءا نحو: "أكلت السمكة حتى رأسها"، أو ملاقيا لآخر جزء نحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ولا يجوز "سرت البارحة حتى تلثيها" "أو نصفها" كذا قالت المغاربة وغيرهم. وتوهم ابن مالك أن ذلك لم يقل به إلا الزمخشري، واعترض عليه بقوله: عينت ليلة البيت، وهذا ليس محال الاشتراط، إذ لم يقل: فما زلت في تلك الليلة حتى نصفها وإن كان المعنى عليه ولكن لم يصرح به. ا. هـ. العيني ٣/ ٧٦٢. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١١١، والسيوطي في همع الهوامع ٢/ ٢٣.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
"تنبيه"١:
اختلف في المجرور بحتى فقيل: الانتهاء "به"٢، "فيدخل"٣ فيما قبلها إلا بقرينة، وإليه ذهب المغاربة.
وذهب المصنف إلى أن الانتهاء قد يكون به فيدخل، وقد يكون عنده فلا يدخل، وزعم أن سيبويه٤ والفراء أشارا إلى ذلك.
وحكي عن ثعلب أن حتى للغاية، والغاية تدخل وتخرج.
وقال في الإفصاح٥: وذهب المبرد وأبو بكر وأبو علي إلى أنه داخل.
وقال الفراء والرماني: يدخل ما لم يكن غير جزء نحو: "إنه لينام الليل حتى الصباح". وصرح سيبويه بأن ما بعدها داخل ولا بد، ولكنه مثل بما هو بعض ما قبله واختلف أيضا في المجرور بإلى، والذي عليه أكثر المحققين أنه لا يدخل إلا بقرينة٦، وقال بعض النحاة: يدخل.
ثم قال:
ومن وباء يُفهمان بدلا
علامة ذلك أن يحسن في "موضعهما"٧ بدل مثال "من" ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ٨
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ ٩.
ومثال "الباء": "لا يسرني بها حُمُرُ النعَم"١٠.
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "فلا يدخل". ٤ الكتاب ١/ ٤١٣. ٥ الإفصاح وهو شرح لكتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي، وصاحبه هو محمد بن يحيى المعروف بابن هشام الخضراوي. ٦ مثل: "قرأت القرآن من أوله إلى آخره". ٧ ب، وفي أ "أن يحسن موضعها"، وجـ "يصلح في موضعها". ٨ من الآية ٣٨ من سورة التوبة. ٩ من الآية ٦٠ من سورة الزخرف. ١٠ عن عبد الرحمن بن عوف -رواه الحاكم وأحمد في مسنده- حديث شريف. "بها" أي: بدلها.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وقول الشاعر:
وليت لي بهم قوما إذا ركبوا١
وقوله: "واللام للملك" نحو: "المال لزيد" وشبهه نحو: "أدوم لك ما تدوم لي"، ويندرج فيه الاستحقاق؛ لأنه مثله في شرح الكافية بنحو: "السرج للفرس"٢ هـ.
"وجعله في التسهيل"٣ مغاير الشبه للملك٤.
"وفي تعدية أيضا" أي: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ٥، و"تعليل" نحو: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٦ و"قُفي"، أي: تبع.
وقوله: "وزيد" يعني اللام، ولا تزاد إلا مع مفعول به "لتعديه"٧ إلى واحد.
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله قريظ ابن أحد بني العنبر. شاعر إسلامي، من البسيط. وعجزه: شنوا الإغارة فرسانا وركبانا الشرح: "شنوا" أي: فرقوا أنفسهم لأجل الإغارة، "الإغارة" الهجوم على العدو والإيقاع به، "فرسانا" جمع فارس، وهو راكب الفرس، "ركبانا" جمع راكب وهو أعم من الفرس، وقيل: خاص براكب الإبل. المعنى: يتمنى بدل قومه قوما آخرين، من صفتهم أنهم إذا ركبوا للحرب تفرقوا لأجل الهجوم على الأعداء والإيقاع بهم ما بين فارس، وراكب. الإعراب: "وليت" حرف تمنٍّ ونصب، "لي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "ليت" مقدم، "بهم" جار ومجرور، "قوما" اسم ليت منصوب بالفتحة الظاهرة مؤخر، "إذا" ظرف تضمن معنى الشرط، "ركبوا" فعل ماض وفاعله والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "شنوا" فعل وفاعل والجملة جواب "إذا"، "الإغارة" مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة، "فرسانا" حال من الواو في "شنوا" منصوب بالفتحة، "وركبانا" معطوف عليه. الشاهد: في "بهم"، فإن الباء فيه للبدل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٠، وابن عقيل ١/ ٣٢٥، ٢/ ١٤، والأشموني ٢/ ٢٩٣، والسيوطي ص٧١، وفي همعه ٢/ ٢١، والسندوبي. ٢ شرح الكافية لابن مالك، ورقة ٥٣. ٣ ب. ٤ قال في شرح التسهيل ص١٤٥: "واللام للملك وشبهه، وللتمليك وشبهه". ٥ من الآية ٥ من سورة مريم. ٦ من الآية ١٠٥ من سورة النساء. ٧ أ، وفي ب، جـ "لمتعدّ".
[ ٢ / ٧٥٤ ]
وزيادتها ضربان:
قياسية: وهي أن تزاد "مقوية"١ لعامل "ضعيف"٢ بالتأخير نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ٣، أو بالفرعية نحو: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٤.
وغير قياسية: وهي في غير ذلك نحو: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ٥ وقد أول على التضمين٦.
وقوله: والظرفية استبن بما.
نحو: "زيد بالبصرة" "وفي" نحو: "زيد في المسجد" وفي هي الأصل، وبها تعتبر باء الظرفية.
وقوله: "يبينان السببا". قال في شرح التسهيل: باء السببية هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها "مجازا"٧ نحو: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ٨ فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لصح وحسن، لكنه مجاز.
قال: ومنه "كتبت بالقلم" و"قطعت بالسكين"، فإنه يقال: "كتب القلم" و"قطع السكين"٩، والنحويون يعبرون عن هذه الباء بباء الاستعانة، وآثرت على ذلك التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى.
فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة "فيها"١٠ لا يجوز.
قال: وباء التعليل هي التي يصلح غالبا في موضعها اللام كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ ١١، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ١٢ ا. هـ. وفيه اختصار.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "تقوية". ٢ أ، ب، وفي جـ "ضعف". ٣ من الآية ٤٣ من سورة يوسف. ٤ من الآية ١٦ من سورة البروج. ٥ من الآية ٧٢ من سورة النمل. ٦ أي: ضمن ردف معنى اقترب ا. هـ. المغني ٢/ ١٨١. ٧ أ، ب، وفي جـ "تجوزا". ٨ من الآية ٥٧ من سورة الأعراف. ٩ ب، وفي أ، جـ "كتبت وقطعت". ١٠ أ، ب. ١١ من الآية ٥٤ من سورة البقرة. ١٢ من الآية ١٦٠ من سورة النساء.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وكأن التعليل والسبب عند غيره واحد؛ "فلذلك"١ لم يذكر بالتعليل وإدراجه بالاستعانة في باء السببية مما انفرد به٢.
واحترز بقوله: "غالبا" "من"٣ قولهم: "غضبت لفلان" إذا غضبت من أجله وهو حي، وغضبت به إذا غضبت "من أجله"٤ وهو ميت، ومثّل الشرح للسببية بقوله "تعالى"٥: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ تبعا لشرح الكافية٦.
ومثال "في" السببية: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ ٧ وعبر عن هذا بالتعليل في الكافية والتسهيل٨.
وقوله: "بالبا استعن" مثل بالاستعانة في شرح الكافية بقوله: "كتبت بالقلم"٩ وتقدم إدراجه لذلك في السببية.
"وعَدّ" نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ١٠، وباء التعدية هي القائمة مقام همزة النقل في إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "لذلك". ٢ قال السيوطي في الهمع ٢/ ٢١: "قال أبو حيان: وكأن التعليل والسبب عندهم شيء واحد. قال: ويدل لذلك أن المعنى الذي سمي به باء السبب موجود في باء التعليل؛ لأنه يصلح أن ينصب الفعل لما دخلت عليه باء التعليل كما يصح ذلك في باء السبب، فتقول: "ظلم أنفسكم اتخاذكم العجل وهذا هو الحق" وإليه أميل. وقال السيوطي أيضا: "وقال أبو حيان: ما ذهب إليه ابن مالك من أن باء الاستعانة مدرجة في باء السببية قول انفرد به وأصحابنا فرقوا فقالوا: باء السببية هي التي تدخل على سبب الفعل نحو: "مات زيد بالحب"، وباء الاستعانة هي التي تدخل على الاسم المتوسط بين الفعل ومفعوله الذي هو آلة نحو: "كتبت بالقلم" إلخ. ٣ أ، ب، وفي جـ "عين". ٤ أ، جـ، وفي ب "به". ٥ جـ. ٦ راجع شرح الكافية، ورقة ٥٣. ٧ من الآية ٦٨ من سورة الأنفال. ٨ من الكافية قول ابن مالك: بالباء في التعليل والظرفيه عنوا فكن ذا فطنة مرضيه وقال في التسهيل ص١٤٦ قال: "ومنها في والتعليل". ٩ شرح الكافية، ورقة ٥٣. ١٠ من الآية ١٧ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
قال المصنف: وقد وُجدت في المتعدي نحو: "دفعت بعض الناس ببعض"١.
"عَوِّض" باء العوض هي الداخلة على الأثمان والأعواض نحو: "اشتريت الفرس بألف" و"كافأت الإحسان بضعف" وتسمى باء المقابلة كما "ذكر"٢ في التسهيل٣.
"ألصِقْ" الإلصاق هو معناها الأصلي، ولم يذكر "لها"٤ سيبويه غيره٥.
وقال المغاربة: الباء غير الزائدة لا تكون إلا للإلصاق حقيقة أو مجازا، فقد تتجرد لهذا المعنى، وقد "يدخلها"٦ مع ذلك معنى آخر.
ومن أمثلة الإلصاق: "وصلت هذا بهذا".
"ومثل مع" نحو: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ٧، وتسمى بالمصاحبة، وعلامتها أن "يحسن"٨ في موضعها "مع" ويغني عنها، "و"٩ عن مصحوبها الحال كقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَق﴾ ١٠ أي: مع الحق "و"١١ محقا.
"ومِنْ" "يعني إلهي"١٢ للتبعيض نحو: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ١٣ قيل:
_________________
(١) ١ الأصل: دفع بعض الناس بعضا. ٢ ب. ٣ قال في التسهيل ص٤٥: " وللمقابلة". ٤ ب، جـ. ٥ قال سيبويه ٢٠٩: "وإذا قلت: "مررت بزيد"، فإنما أضفت المرور إلى زيد بالباء". ٦ أ، ب، وفي جـ "يلحقها". ٧ من الآية ٣٠ من سورة البقرة. ٨ أ، حـ، وفي ب "يصلح". ٩ أ، جـ، وفي ب "أو". ١٠ من الآية ١٧٠ من سورة النساء. ١١ أ، ب، وفي جـ "أو". ١٢ أ، ب، وفي جـ "هي". ١٣ من الآية ٦ من سورة الإنسان.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وهو مذهب كوفي وذكره الفارسي في التذكرة، وتبعهم القتبي١، وروى ذلك عن الأصمعي في قوله:
شربن بماء البحر٢
قال في شرح التسهيل: والأحسن أن يضمن "شربن معنى: روين"٣.
"وعن" نحو: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ ٤ ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ٥، "أي: عن أيمانهم"٦ كذا قال الأخفش، ومثله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٧ وكونها بمعنى "عن" بعد السؤال منقول عن الكوفيين، وتأوله الشلوبين على أنها باء السببية، أي: فاسأل بسببه، وتأوله غيره على التضمين، أي: فاعتن أو أهتم به؛ لأن السؤال عن الشيء "اعتناء"٨ به.
_________________
(١) ١ هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ولد بالكوفة، وأقام ببغداد وسمع من الزيادي وغيره، وصنف مؤلفات تشهد له بعلو كعبه؛ منها في النحو: جامع النحو الكبير وجامع النحو الصغير، وشهرته تغني عن التعريف به. توفي ببغداد سنة ٢٧٦هـ. ٢ جزء من بيت قائله أبو ذؤيب الهذلي، يصف السحاب. من الطويل، وتمامه: ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج الشرح: "ترفعت" تصاعدت وتباعدت، "لجج" جمع: لجة بزنة غرفة وغرف، "نئيج" -بفتح النون وكسر الهمزة- الصوت العالي المرتفع. المعنى: يدعو لامرأة -ذكرها في بيت الشاهد باسم أم عمرو- بالسقيا بماء سحب موصوفة بأنها شربت من ماء البحر، وأخذت ماءها من لجج خضر، ولها في تلك الحال صوت مرتفع عالٍ. الإعراب: "شربن" فعل ماض وفاعله، "بماء" جار ومجرور متعلق بشرب، "البحر" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "ثم" حرف عطف، "ترفعت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر، "متى" حرف جر بمعنى "من"، "لجج" مجرور بمتى والجار والمجرور بدل من "بماء البحر"، "خضر" صفة للجج، "لهن" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "نئيج" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: في "بماء البحر"، فإن الباء فيه بمعنى مِنْ للتبعيض. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ١٥٠، وابن عقيل ٢/ ١٦، والأشموني ٢/ ٢٩٣، والسيوطي في الهمع ٢/ ٣٤، والخصائص ٢/ ٨٥. ٣ ب، جـ، وفي أ "شربنا، روينا". ٤ من الآية ٢٥ من سورة الفرقان. ٥ من الآية ١٢ من سورة الحديد. ٦ أ، جـ. ٧ من الآية ٥٩ من سورة الفرقان. ٨ جـ، وفي أ "اغتناء"، وفي ب "اهتمام".
[ ٢ / ٧٥٨ ]
وقوله: "على للاستعلا" هو أصل معانيها١ ولم يثبت لها كثير "من"٢ البصريين غيره، وأولوا ما أوهم خلافه.
"ومعنى في" يعني: الظرفية، نحو: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٣ "أي: في ملك"٤ وأول على التضمين أي: تتقول.
"وعن" أي: تكون للمجاوزة بمعنى "عن" كقوله:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير٥
أي: عني.
_________________
(١) ١ قال الأشموني ٢/ ٢٩٤: "ويكون حقيقة ومجازا نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، ونحو: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ". ٢ جـ. ٣ الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ٤ أ، ب. ٥ صدر بيت قائله قحيف العجيلي، من كلمة يمدح فيها حكيم المسيب القشيري، من الوافر. وعجزه: لعمر الله أعجبني رضاها الشرح: "قشير" بزنة التصغير، وهو قشير بن كعب بن عامر بن صعصعة. المعنى: إذا رضيت عني بنو قشير، سرني رضاها. الإعراب: "إذا" ظرف للزمان المستقبل تضمن معنى الشرط، "رضيت" فعل ماض والتاء للتأنيث، علي" جار ومجرور متعلق برضي، "بنو" فاعل رضي، "قشير" مضاف إليه والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "لعمر" اللام للابتداء، عمر مبتدأ خبره محذوف وجوبا، "الله" مضاف إليه، "أعجبني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول، "رضاها" فاعل والضمير مضاف إليه، وأنّثه مع أن مرجعه مذكر وهو بنو قشير لتأولهم بالقبيلة، وجملة: أعجبني رضاها جواب إذا. الشاهد: في "رضيت علي" فإن "على" فيه بمعنى "عن"، يدلك على ذلك أن "رضي" إنما يتعدى بعن كما في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد حمل الشاعر "رضي" على ضده وهو "سخط"، فعداه بالحرف الذي يتعدى به ضده وهو "عن" وليس في ذلك شيء؛ فإن العرب تحمل الشيء على ضده كما تحمله على نظيره ا. هـ. محيي الدين، على ابن عقيل ٢/ ١٨. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥١، وابن عقيل ٢/ ١٨، وابن هشام ٢/ ١٣٨، والأشموني ٢/ ٢٩٥، والسيوطي ص٧٢، والمكودي ص٨٣، وداود، والسندوبي، والخصائص ٢/ ٣١١، ٣٨٩.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
قال في شرح التسهيل: وكذا الواقعة بعد خفي وتعذر واستحال وغضب، وأشباهها.
قيل: وهو مذهب كوفي، وقال به القتبي، وتأوله غيرهم١.
وقوله:
بعن تجاوزا عنى من قد فطن
يعني: أن الأكثر في "عن" استعمالها للمجاوزة؛ ولذلك عدي "بها"٢ صدر وأعرض ونحوهما.
وقالوا: رويت عن فلان؛ لأن المروي "عنه مجاوز"٣ لمن أخذ عنه.
وقوله:
وقد تجي موضع بعد
يعني: عن نحو: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤ أي: بعد طبق.
وعلى" أي: وقد تجيء عن موضع على نحو قوله:
لاهِ ابن عمك لا أُفضلتَ في حَسَب عني ولا أنت ديَّاني فتخزوني٥
_________________
(١) ١ بأن ضمن رضي معنى عطف. ٢ ب، جـ. ٣ جـ، وفي أ، ب "مجاز". ٤ الآية ١٩ من سورة الانشقاق. ٥ قائله ذو الأصبع العدواني، واسمه: حرثان بن الحارث العدواني وهو أحد بني عدوان، بطن من جديلة، من قدماء الشعراء في الجاهلية. والبيت من قصيدة من البسيط، قالها في مزين بن جابر. الشرح: "لاه ابن عمك" أي: لله در ابن عمك، "دياني" القيِّم بالأمر الذي يجازي فلا يضيع عنده خير ولا شر، "تخزوني" تسومني الذل وتقهرني. المعنى: لله ابن عمك، فلقد ساواك في الحسب وشابهك في رفعة الأصل وشرف المحتد، فما من مزية لك عليه ولا فضل تفتخر به عليه، ولا أنت مالك أمره والمدبر لشئونه فتقهره وتذله. الإعراب: "لاه" أصلها "لله" فهي جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ثم حذف لام الجر وأبقي عمله شذوذا فصار "الله" ثم حذف أداة التعريف، "ابن" مبتدأ مؤخر، "عمك" مضاف إليه والكاف مضاف إليه، "لا" نافية، "أفضلت" فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، "في حسب" جار ومجرور متعلق بأفضلت، "عني" جار ومجرور متعلق بأفضلت، "ولا" الواو عاطفة، ولا لتأكيد النفي، "أنت" ضمير منفصل مبتدأ، "دياني" خبر =
[ ٢ / ٧٦٠ ]
"أي: عليَّ"١.
وجعل المصنف منه قولهم: "بخل عنه" والأصل: عليه.
وقوله:
كما على موضع عن قد جُعلا
يعني: أن كل واحدة منهما "قد"٢ وضعت موضع الأخرى، وتقدم تمثيله.
وقال بعض النحويين: لو كانت لها معاني هذه الحروف، لجاز أن تقع حيث تقع هذه الحروف.
قال: فوجب تأويل ما ذكروه، مما يخالف معنى المجاوزة.
وقوله: "شَبِّهْ بكاف" هذا أشهر معاني الكاف.
"وبها التعليل قد يُعنَى" نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ٣.
قال في شرح الكافية: ودلالتها على التعليل "كثيرة"٤.
"وزائدا لتوكيد ورد" "يعني"٥: نحو: ﴿لَيْسَ٦ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٧.
قيل: ويحتمل أن تكون "مثل" بمعنى صفة فلا تكون زائدة، و"مثل" قد يراد بها الصفة.
_________________
(١) = المبتدأ وياء المتكلم مضاف إليه من إضافة الوصف إلى مفعوله، "فتخزوني" الفاء عاطفة، تخزوني فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: لا أنت تخزوني. الشاهد: في "عني" فإن "عن" هنا بمعنى "على"، أي: لا أفضلت في حسب عليَّ. مواضعه: ابن الناظم ص١٥١، وابن عقيل ٢/ ١٧، وابن هشام ٣/ ١٤٠، والأشموني ٢/ ١٩٥، والمكودي ٨٣، وداود، والسيوطي ص٧٢، وأيضا في الهمع والإنصاف ٢/ ٢٠. ١ أ، حـ. ٢ أ. ٣ من الآية ١٩٨ من سورة البقرة. ٤ جـ، وفي أ، ب "كثير"، وراجع شرح الكافية ورقة ٥٤. ٥ أ، ب. ٦ أ، جـ. ٧ من الآية ١١ من سورة الشورى، أي: ليس مثله شيء.
[ ٢ / ٧٦١ ]
وقوله: "واستُعمل اسما"؛ استعمالها اسما مخصوص "عند سيبويه"١ بالشعر نحو:
ورحنا بكابن الماء يُجنَب وسطنا٢
وأجازه الأخفش في الاختيار، وإليه ذهب المصنف، وهو ظاهر كلام الفارسي٣، وشذ أبو جعفر بن مضاء٤ فقال: إنها اسم أبدا؛ لأنها بمعنى مثل.
وتأول بعضهم "ما ورد من دخول حرف الجر عليها"٥ والإضافة والإسناد إليها على حذف الموصوف.
_________________
(١) ١ أ، ب قال سيبويه ١/ ٢٠٣: " أن أناسا من العرب اضطروا في الشعر وجعلوها بمنزلة مثل، قال الراجز وهو حميد الأرقط: فصيروا مثل كعصف مأكول ٢ صدر بيت من قول امرئ القيس يصف فرسا. وعجزه: تصوب فيه العين طورا وترتقي الشرح: "ابن الماء" طائر يقال له: "الغرنيق"، شبه الفرس به في سرعته وسهولة مشيه، "يجنب" يقاد، "تصوب" تنحدر، "ترتقي" ترتفع. يريد أن عين الناظر إليه تصعد فيه النظر، وتصوبه إعجابا به. الإعراب: "ورحنا" الواو عاطفة، "رحنا" فعل وفاعل، "بكابن" الباء حرف جر "والكاف" بمعنى مثل مجرور وهي مضاف "وابن" مضاف إليه، "وابن" مضاف "والماء" مضاف إليه، "يجنب" فعل مضارع مبني للمجهول، "وسط" نائب فاعل، "ونا" مضاف إليه، "تصوب" فعل مضارع مبني للمجهول، "فيه" جار ومجرور متعلق بتصوب، "العين" نائب فاعل والجملة في محل نصب حال من ابن الماء، "طورا" نائب عن المفعول المطلق منصوب، "وترتقي" الواو عاطفة "وترتقي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة معطوف على تصوب. الشاهد: في "بكابن"، أن الكاف اسم وجرت بالباء. مواضعه: ذكره المكودي في شرحه الألفية ص٨٣، والخزانة ٤/ ٢٦٢. ٣ قال السيوطي في الهمع ٢/ ٣١: "نظرا إلى كثرة السماع" ومنه: يضحكن عن كالبرد المنهم. ٤ هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي، أخذ عن ابن الرماك كتاب سيبويه وسمع عليه وعلى غيره من الكتب النحوية واللغوية، وولي قضاء فاس وغيره فأحسن السيرة وعدل. صنّف المشرق في النحو وغير ذلك. وُلد بقرطبة سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وتوفي سنة ٩٥٢. ٥ أ، جـ، وفي ب "ما دخل من حروف الجر عليها".
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وقوله: "وكذا عن وعلى" أما عن فتكون اسما إذا دخل عليها حرف جر، ولا تجر إلا بمِنْ كقوله:
مِنْ عَنْ يمين الحُبَيَّا نظرة قَبَل١
وندر جرها بعلى في قوله:
على عن يميني مرت الطير سُنَّحا٢
_________________
(١) ١ عجز بيت قائله القطامي، واسمه عمير بن شييم التغلبي، والبيت من قصيدة يمدح فيها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وهي من البسيط. وصدره: فقلت للركب لما أن علا بهم الشرح: "للركب" جمع راكب، "علا بهم" يروى: علا لهم، والمعنى علت لهم أي: جعلتهم يعلون، "الحبيا" -بضم الحاء وفتح الباء وتشديد الياء- موضع بالشام، "قبل" -بفتح القاف والباء- يقال: نظرة قبل إذا لم يتقدمها نظر. الإعراب: "فقلت" فعل ماض والتاء فاعل، "للركب" اللام حرف جر والركب مجرور بها والجار والمجرور متعلق بقلت، والقول إذا وصل باللام يكون بمعنى الخطاب أي: خاطبت الركب، "لما" ظرف بمعنى حين، والعامل فيه قلت، "أن" مفسرة، "علا بهم" جملة من الفعل والمفعول بمعنى أعلتهم والفاعل "نظرة"، والظاهر أنّ أنْ مصدرية، "من" حرف جر، "عن" اسم بمعنى جانب؛ فلذلك دخل عليها حرف الجر، "يمين" مجرور بعن، "الحبيا" مضاف إليه، "قبل" بالرفع صفة للنظرة. الشاهد: في "من عن يمين"، فعن اسم مجرور بمن، وتكون عن بمعنى جانب. والمعنى: من جانب يمين الحبيا، وهذا كثير في الكلام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥١، والمكودي ص٨٣. ٢ قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وبحثت فلم أعثر على قائل له. وهو من الطويل. وعجزه: وكيف سنوح واليمين تطيع الشرح: "سنحا" -بضم السين وتشديد النون- جمع سانح، تقول: سنح لي الطير يسنح سنوحا، إذا مر من مياسرك إلى ميامنك، والعرب تتيمن بالسانج وتتشاءم بالبارح، وكذا قال الجوهري. وفي الهمع "قطيع" بدل تطيع. الإعراب: "على" حرف جر، "عن" اسم بدليل دخول حرف الجر عليها، وعلى عن يميني جار ومجرور متعلق بالفعل مرت، "الطير" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة للفعل مرت، "سنحا" حال منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد: في "على عن يميني"، فإن "عن" هنا اسم بدليل دخول على عليها، وهذا نادر والمحفوظ من دخول كلمة "على" على كلمة "عن" في هذا البيت فقط، فإن الأكثر أن يدخل عليه كلمة "من" عند كون "عن" اسما. ا. هـ العيني. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٣١، والسيوطي في الهمع ٢/ ٣٦.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
قال بعضهم: وفي نحو:
دع عنك نهبا صِيح في حجراته١
وأما "على" فذهب قوم منهم ابن طاهر وابن خروف والشلوبين إلى أنها اسم ولا تكون حرفا، وزعموا أن ذلك مذهب سيبويه، ومشهور مذهب البصريين أنها حرف جر وتكون اسما إذا دخل عليها "من" نحو:
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله امرؤ القيس بن حجر الكندي، من الطويل. وعجزه: ولكن حديثا ما حديث الرَّوَاحل الشرح: "دع" اترك، "نهبا" أي: ما انتهب ويجمع على نهاب، "صيح" مجهول صاح، "الحجرات" -بفتح الحاء وضم الجيم- النواحي، وفي مجمع الأمثال بفتح الحاء والجيم والراء: النواحي أيضا. المعنى: قال الأصمعي: دع الذي انتهبه باعث، وحدثني عن الرواحل التي أنت ذهبت بها. قال: نزل امرؤ القيس على خالد بن سدوس وأغار باعث على مال امرئ القيس فقال له خالد: أعطني إبلك حتى أطلب مالك وأرده عليك، ففعل امرؤ القيس وانطوى خالد عليها ثم ذهب يتعقب باعثا فضاعت منه. وفي مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٦٨ رقم ١٤٠٣: "يضرب لمن ذهب من ماله شيء ثم ذهب بعده ما هو أجلّ منه". الإعراب: "دع" جملة من الفعل والفاعل، "عنك" جار ومجرور، "نهبا" مفعوله وفيه حذف والتقدير: دع عنك ذكرك نهبا، "صيح في حجراته" صيح فعل ماض من صاح مبني للمجهول والجملة في محل نصب صفة لنهبا، والتقدير: نهبا صيح في نواحيه، "ولكن حديثا" أي: ولكن حدثنا حديثا، فانتصاب حديثا بالمقدر، "ما" اسم استفهام مبتدأ، "حديث" خبره مرفوع بالضمة الظاهرة، "الرواحل" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: في قوله: "دع عنك"، فإن "عن" هنا اسم بمعنى "جانب"، وهذا متعين في ثلاثة مواضع: أحدها: أن يدخل عليها "من" كما في قوله: "من عن يمين" أي: من جانب يمين. والثاني: أن يدخل عليها "على" وذلك نادر، والمحفوظ منه بيت واحد وهو قوله: على عن يميني مرت الطير سنحا الثالث: أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمعنى واحد، قاله الأخفش، وذلك قوله: دع عنك نهبا وذلك لئلا يؤدي إلى تعدي فعل الضمير المتصل إلى ضميره المنفصل. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٣١، ٢/ ١٢١، والسيوطي في الهمع ٢/ ٢٩.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها١
قال بعضهم٢: وفي نحو:
هون عليك٣
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله مزاحم بن الحارث العقيلي، والصحيح أنه إسلامي كما قال أبو حاتم. وهو من قصيدة وصف بها القطا، وهو من الطويل. وعجزه: تَصِلّ وعن قيض بزيزاء مجهل الشرح: "غدت": صارت والضمير للقطاة، "تم" كمل، "ظمؤها" -بكسر الظاء وسكون الميم بعدها همزة- مدة صبرها عن الماء ما بين الشرب والشرب، وفي الكتاب "خمسها" بدل "ظمؤها" أي: ترد اليوم الخامس، "تصل" تصوت، "قيض" -بفتح القاف وسكون الياء- القشر الأعلى للبيض، "بزيزاء" بزايين بينهما ياء: ما ارتفع من الأرض، ويروى مكانه "ببيداء"، "مجهل" أي: قفر ليس فيها أعلام يهتدى بها. المعنى: يذكر أن هذه القطاة ذهبت من فوق أفراخها بعد أن تم صبرها على الماء، وذهبت عن قشر بيضها الذي أفرخ، تاركة إياه ببيداء لا يهتدى فيها بعلم. الإعراب: "غدت" فعل ماض ناقص بمعنى صار والتاء للتأنيث واسمه ضمير مستتر، "من" حرف جر، "عليه" اسم بمعنى فوق مجرور محلا بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر غدت، "بعد" ظرف متعلق بغدت، "ما" مصدرية، "تم" فعل ماض، "ظمؤها" فاعل والضمير مضاف إليه، "تصل" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل نصب حال، "وعن قيض" جار ومجرور معطوف على قوله: من عليه، "بزيزاء" متعلق بمحذوف صفة لقيض، "مجهل" صفة لبزيزاء. الشاهد: في "من عليه"، فإن "على" فيه اسم بمعنى "فوق" بدليل دخول حرف الجر عليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٢، وابن عقيل ٢/ ٢١، والأشموني ٢/ ٢٩٦، والسندوبي ٨٣، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي ص٧٢، وفي همعه ٢/ ٣٦، والشاهد رقم ٨٢٨ من خزانة الأدب، وابن يعيش ٧/ ٢٨، والكتاب ٢/ ٣١، والمقتضب للمبرد ٣/ ٥٣. ٢ وهو الأخفش، قال ابن هشام في المغني ١/ ٢٨: "وزاد الأخفش موضعا آخر، وهو أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد، نحو قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقول الشاعر: هون عليك البيت ٣ جزء من بيت قائله الأعور الشني، من المتقارب. وتمامة: فإن الأمور بكف الإله مقاديرها الشرح: "هون" خفف، ويروى: "خفض"، "كف الإله" معناه عند أهل النظر: ملكه وسلطانه. الإعراب: "هون" فعل أمر مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر فيه، "فإن" الفاء للتعليل، وإن حرف توكيد ونصب، "الأمور" اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة، "بكف" جار ومجرور، "الإله" مضاف إليه، "مقاديرها" خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة وها مضاف إليه. الشاهد: في "عليك" على أن "على" تكون اسما إذا كان مجرورها وفاعل متعلقها ضميري مسمى واحد. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١٢٨، والسيوطي في الهمع ٢/ ٢٩، وسيبويه ١/ ٣١.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن "عن" و"على" إذا دخل عليهما "مِنْ" "بقيا"١ على حرفيتهما.
وزعموا أن "من" تدخل على حروف الجر كلها سوى مذ واللام والباء "وفي"٢.
وقوله:
من أجل ذا عليهما من دخلا
أي: من أجل ثبوت اسميتهما صح دخول حرف الجر عليهما، وخص "من" بالذكر لانفرادها بذلك، وتقدم جر عن بعلى.
تنبيه:
قال في شرح التسهيل: "عن" بعد دخول من بمعنى جانب، و"على" بمعنى فوق.
قوله: "ومذ ومنذ" اعلم أن لمذ ومنذ ثلاث أحوال:
"الأولى"٣: أن يليهما اسم مفرد مرفوع نحو: "ما رأيته مذ يومُ الجمعة أو منذ يومانِ" وفي ذلك ثلاثة مذاهب:
الأول: أنهما مبتدآن "والمرفوع خبر، وإليه ذهب المبرد وكثير من البصريين، والتقدير في المعرفة: أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وفي النكرة: أمد انقطاع الرؤية يومان.
الثاني: أنهما ظرفان في موضع الخبر"٤ والمرفوع هو المبتدأ، والتقدير: بيني وبين لقائه يومان، وإليه ذهب الأخفش وطائفة من البصريين.
_________________
(١) ١ جـ، أ، ب "باقيان". ٢ جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "الأول". ٤ ب.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
والثالث: أن المرفوع بعدهما فاعل بفعل مقدر، أي: منذ مضى يوم الجمعة "أو يومان"١، وهما ظرفان مضافان إلى الجملة، وإليه ذهب محققو أهل الكوفة، واختاره السهيلي والمصنف في التسهيل٢.
"الحالة٣ الثانية": أن يليهما جملة، والكثير كونها فعلية نحو:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره٤
_________________
(١) ١ أ، ب. ٢ قال في التسهيل ص٩٤: " ويضافان إلى جملة مصرح بجزأيها، أو محذوف فعلها". ٣ أ. ٤ صدر بيت قائله الفرزدق، مدح به يزيد بن المهلب. من قصيدة طويلة، من الكامل. وعجزه: فسما فأدرك خمسة الأشبار الشرح: "ما زال مذ عقدت يداه إزاره" يروى في مكانه: "ما زال مذ شد الإزار بكفه" ويكنى بهذه العبارة عن مجاوزته حد الطفولة التي لم يكن يستطيع فيها أن يقضي حوائجه بنفسه، والمراد: ما زال مذ بدأ يستغني عن الحواضن ويستطيع أن يلبس الإزار ويشده على وسطه بنفسه، والإزار: ما يلبسه الإنسان في نصفه الأسفل، "سما" علا، "أدرك خمسة الأشبار" أيفع ولحق حد الصبا. المعنى: أن الممدوح من وقت بلوغه سن التمييز، يتدرج في رفعة ومجد ومكارم أخلاق. الإعراب: "ما" نافية، "زال" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، "مذ" ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بزال، وقيل: في محل رفع مبتدأ، خبره لفظ زمان مضافا إلى الجملة الفعلية بعده، "عقدت" فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث، "يداه" فاعل مرفوع بالألف وضمير الغائب مضاف إليه، "إزاره" مفعول به لعقد منصوب بالفتحة الظاهرة، وضمير الغائب مضاف إليه، "فسما" الفاء حرف عطف، سما فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، "فأدرك" الفاء عاطفة، أدرك فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو أيضا، "خمسة" مفعول به لأدرك منصوب بالفتحة الظاهرة، "الأشبار" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. الشاهد: في "مذ عقدت"، حيث أُضيف فيه "مذ" إلى الجملة الفعلية. وفيه شاهد آخر في العدد "خمسة الأشبار"، حيث جرد اسم العدد من أل المعرفة، وأدخلها على المعدود حيث أراد التعريف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٢، وابن هشام ٢/ ١٥٤، والأشموني ٢/ ٢٩٧، وأيضا ابن هشام في المغني ٢/ ٢٢، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٦، وابن يعيش ٢/ ١٢١.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وقد تكون اسمية كقوله:
مذ أنا يافع١
وفي ذلك مذهبان٢:
أحدهما: أن "مذ ومنذ" ظرفان مضافان إلى الجملة وهو المختار، وصرح به سيبويه٣.
والثاني: أنهما مبتدآن ونقدر اسم زمان محذوفا يكون خبرا عنهما، والتقدير: مذ زمان عقدت ومذ زمان أنا يافع، وهو مذهب الأخفش، فلا يكونان عنده إلا مبتدأين، واختاره ابن عصفور.
"الحالة"٤ الثالثة: أن يليهما اسم مجرور كقوله:
_________________
(١) ١ جزء من بيت قائله رجل من سلول، وقيل: قائله هو الكميت بن معرور الأسدي، وتمامه: وما زلت محمولا عليَّ ضَغِينة ومضطلع الأضغان وهو من الطويل. وورد في الأشموني، والتوضيح: وما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع وليدا وكهلا حين شبت وأمردا الشرح: "ضغينة": حقد، "مضطلع الأضغان" المضطلع بالشيء: القادر عليه المستقل به، "والأضغان": الحقد، "يافع" هو الغلام الذي راهق العشرين، ويقال: يفع وأيفع فهو يافع. المعنى: لم أزل منذ ناهزت الحلم محسدا، مضطلعا بضغائن الأعداء. الإعراب: "ما زلت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "محمولا" خبره منصوب بالفتحة الظاهرة، "علي" جار ومجرور، "ضغينة" نائب فاعل لقوله: "محمولا"؛ لأنه اسم مفعول "ومضطلع" عطف على "محمولا" منصوب بالفتحة الظاهرة، "الأضغان" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "مذ" ظرف، "أنا" مبتدأ، "يافع" خبره مرفوع بالضمة الظاهرة، وقد أضيف مذ إلى الجملة الاسمية. الشاهد: في "مذ أنا يافع" حيث أضيفت "مذ" إلى الجملة الاسمية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٢، والأشموني ٢/ ٢٩٧، والسندوبي، وابن هشام ٢/ ١٥٤، وأيضا في المغني ٢/ ٢٢، وسيبويه ١/ ٢٣٩. ٢ راجع الأشموني ٢/ ٢٩٧. ٣ راجع الكتاب ١/ ٢٠٩. ٤ أ، جـ.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان١
وفي ذلك مذهبان:
أحدهما: أنهما حرفا جر، وإليه ذهب الجمهور وهو الصحيح.
والآخر: أنهما ظرفان منصوبان بالفعل قبلهما.
وقد أشار في النظم إلى الأحوال الثلاث.
فإن قلت: لا تؤخذ أحكامهما من عبارته.
قلت: أما الأولى فالمفهوم من قوله: "رفعا" أنهما مبتدآن؛ لأنهما لا يرفعان ما بعدهما إلا إذا جعل خبرهما؛ لأن المبتدأ رافع الخبر على الأصح.
وأما الثانية "فتفهم"٢ من ظاهر قوله: "أو أُوليا الفعل".
_________________
(١) ١ عجز بيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، وهو من الطويل. وصدره: قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان الشرح: "قفا" خطاب للاثنين ولكن المراد واحد، ومن عادتهم أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين. "عرفان" يريد عرفان الديار يعني: معرفتها. "رسم" -بفتح فسكون- ما بقي من آثار الديار لاصقا في الأرض، "عفت" درست وانمحت معالمها، "آياته" جمع آية وهي العلامة التي يستدل بها، ويروى: "وربع عفت آثاره"، "أزمان" جمع زمن -بفتح الزاي والميم- الوقت. المعنى: قفا نندب حظنا ونبك لفراق الأحبة وتذكرهم، وتلك الديار التي كانت معمورة بهم فأصبحت خاوية دارسة. الإعراب: "قفا" فعل أمر وألف الاثنين فاعله، "نبك" فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر وعلامة جزمه حذف الياء وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، "من ذكرى" جار ومجرور متعلق بنبك، "حبيب" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "وعرفان" معطوف على حبيب، "ورسم" معطوف على حبيب أيضا، "عفت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "آياته" فاعل عفت مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه، "منذ" حرف جر مبني على الضم لا محل له من الإعراب، "أزمان" مجرور بمنذ وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بعفت. الشاهد: في "منذ أزمان"، حيث وقع "منذ" لابتداء الغاية وجر الأزمان. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٢٩٧، وابن هشام ٢/ ١٤٣، وفي المغني ٢/ ٢١. ٢ أ، جـ، وفي ب "ففهم".
[ ٢ / ٧٦٩ ]
"أنهما"١ ظرفان مضافان إلى الجملة؛ لأن من جعلهما في ذلك مبتدأين وقدّر بعدهما زمانا هو الخبر فلم يولهما الفعل إلا لفظا.
وأما الثالثة: فقد "عدهما"٢ "مع"٣ حروف الجر فيما تقدم.
والحاصل: أنهما قبل المرفوع مبتدآن، وقبل الفعل ظرفان، وقبل المجرور حرفان، والمختار في التسهيل٤.
فإن قلت: لو قال: "أو أوليا الجملة"٥ نحو: "مذ دعا"، "لأجاد"٦ لتندرج "الجملة"٧ الاسمية.
قلت: هو كذلك والعذر له في الاقتصار على الفعل أنه "الكثير"٨.
فإن قلت: شرط "في"٩ المرفوع بعدهما والمجرور بهما أن يكون اسم زمان ولم ينبه عليه.
قلت: بل نص عليه أول الباب١٠.
ثم أشار إلى "معناهما"١١ بقوله:
وإن يجرا في مُضِيّ فكمِنْ هما وفي الحضور معنى في استبن
يعني: أنهما لابتداء الغاية إن جرا ماضيا نحو: "ما رأيته مذ يوم الجمعة"١٢، وللظرفية إن جرا حاضرا نحو: "ما رأيته مذ يومنا"١٣.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "إنما هما". ٢ جـ، وفي أ، ب "عدهما". ٣ أ، جـ، وفي ب "من". ٤ قال في التسهيل ص٩٤: "أنهما ظرفان يضافان إلى جملة". ٥ ب، جـ، وفي أ "أوليا الفعل الجملة". ٦ أ، جـ. ٧ أ. ٨ أ، جـ وفي ب "أكثر". ٩ أ. ١٠ عند قوله: وخصص بمذ ومنذ وقتا. ١١ أ، ب، وفي جـ "معناها". ١٢ أي: من يوم الجمعة. ١٣ أي: في يومنا.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وزاد في التسهيل١: أنهما يكونان بمعنى "من" و"إلى" معا. هـ فيدلان على الابتداء والانتهاء، وضابط ذلك: أنهما إن دخلا على ماضٍ معرفة فهما بمعنى "من"، أو على حاضر معرفة فهما بمعنى "في"، أو على نكرة فهما بمعنى "من إلى"، ومعا "نحو" ما رأيته "مذ"٢ أربعة أيام.
وقوله: وبعد من وعن وباء زيد ما.
مثال زيادتها بعد "من": "مِمَّا خطاياهم"٣ وبعد عن: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ٤، وبعد الباء: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ ٥.
وقوله: فلم يَعُق عن عمل قد عُلما.
يعني: أن "ما" لم تكفها٦ عن الجر كما في الآيات. وذكر في التسهيل أن "ما" قد تكف الباء وتحدث فيها معنى التعليل٧ كقوله:
لبما قد تُرى وأنت خطيب٨
_________________
(١) ١ التسهيل ص٩٤. ٢ أ، وفي ب، جـ "منذ". ٣ من الآية ٢٥ من سورة نوح. قال المغني: الأولى التمثيل بقراءة مما خطيئاتهم لظهور جرها. ٤ من الآية ٤٠ من سورة "المؤمنون". ٥ من الآية ١٥٩ من سورة آل عمران. ٦ أ، جـ، وفي ب "لم تكن تكفها". ٧ قال في التسهيل ص١٤٧: " وتزداد بعدها "ما" كافة وغير كافة، وكذا بعد رب والباء وتحدث في الباء المكفوفة معنى التعليل". ٨ عجز بيت في الدرر اللوامع، لصالح بن عبد القدوس، وهو من الخفيف. وصدره: فلئن صرتَ لا تُحير جوابا الشرح: "لا تحير" من أحار يُحير، يقال: كلمته فلم يحر جوابا، أي يرده، "ترى" بالبناء للمفعول. المعنى: قال في الدرر اللوامع: والبيت في رثاء ميت، يقول: إن صرت الآن لا ترد جوابا لمن يكلمك، فكثيرا ما ترى وأنت خطيب بلسان الحال. فإن من نظر إلى قبرك، وتذكر ما كنت عليه، وما أنت إليه الآن؛ اتعظ بذلك. الإعراب: "فلئن" اللام للتأكيد وإن شرطية، "صرت" صار فعل ماض ناقص والتاء اسمه وهو فعل الشرط، "لا تحير" جملة في محل نصب خبر صار، "جوابا" مفعول لقوله: لا تحير =
[ ٢ / ٧٧١ ]
وقال في الكافية:
وقد ترد الباء ما كربما١ ا. هـ. ونُوزِع في ذلك٢.
وقوله:
وزِيدَ بعد رُبَّ والكاف فكف وقد تليهما وجر لم يكف
يعني: أن "ما" تزاد بعد رب والكاف، كافة وغير كافة.
مثالها كافة: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ ٣، وقول الشاعر:
لعمرك إنني وأبا حميد كما النشوانُ والرجل الحليم٤
_________________
(١) = وقيل: إنه منصوب على التمييز، "لبما قد ترى" جواب الشرط والباء حرف جر دخلت عليها ما الكافة عن عمل الجر، قال ابن مالك: إن ما الكافة أحدثت مع الباء معنى التعليل كما أحدثت في الكاف معنى التعليل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، "ترى" مبني للمجهول، "وأنت" الواو للحال وأنت مبتدأ، "خطيب" خبره مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة في محل نصب حال. الشاهد: في "لبما" -وهي جواب الشرط- الباء حرف جر دخلت عليها "ما" الكافة عن الجر. ذكره ابن مالك وقال: إن "ما" الكافة أحدثت مع الباء معنى التعليل، كما أحدثت في الكاف معنى التعليل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ . مواضعه: ذكره السيوطي في همعه ٢/ ٣٨، وابن هشام في المغني ٢/ ٩. ١ في أ "وقد ترد الباء ما كربا"، وب، ج "وقد ترد الباء ما كربما" وهو الصواب كما في الكافية ورقة ٥٤. ٢ قال السيوطي في همعه ٢/ ٣٨: "وتفيدان مع ما تعليلا كربما. ذكره ابن مالك في التسهيل في الباء. وقال: فمعنى لبما قد ترى وأنت خطيب: ربما أرى. والسيرافي وغيره في من. وجزم به في سبك المنظوم وأنكره أبو حيان، أي: إفادتهما التعليل حينئذ، ما ورد من ذلك مؤول". ٣ من الآية ٢ من سورة الحجر. ٤ قائله زياد بن الأعجم، وهو من الوافر. الإعراب: "لعمرك" اللام للقسم، عمر مبتدأ والخبر محذوف أي: لعمرك يميني أو قسمي، "إنني" إن حرف توكيد ونصب وياء المتكلم اسمه، "وأبا" عطف على اسم إن، "حميد" مضاف إليه، "كما النشوان" الكاف للتشبيه دخلت عليها ما الكافة فكفتها عن العمل؛ فلذلك رفع النشوان على أنه خبر لأن، "والرجل" عطف على النشوان، "الحليم" صفته مرفوعة بالضمة الظاهرة. الشاهد: في "كما النشوان" الكاف للتشبيه دخلت عليها "ما" الكافة فكفتها عن العمل؛ فلذلك رفع النشوان على الخبرية، ويروى: "لكالنشوان" فلا شاهد فيه. مواضعه: ذكره المكودي في شرحه للألفية ص٨٤، وابن هشام في المغني ١/ ١٥٢.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
وأجاز ابن يسعون١ كون "ما" في ﴿رُبَّمَا يَوَدُّ﴾ نكرة موصوفة.
أي: "ربة"٢ -ود يود- وأجاز غيره في البيت كون "ما" مصدرية على مذهب من أجاز وصلها "بالجملة الاسمية"٣.
ومثالها غير كافة:
ربما ضربةٍ بسيف صقيل٤
_________________
(١) ١ هو: يوسف بن يبقى بن يوسف بن يسعون. قال الزبير: كان أديبا نحويا لغويا فقيها فاضلا من جلة العلماء، متقدما في وقته بعلم العربية، وروى عن مالك بن عبد الله العتبي وغيره، وألف المصباح في شرح ما أعتم من شواهد الإيضاح وغيره. مات في حدود سنة أربعين وخمسمائة. ٢ أ، وفي ب "رب". ٣ ب، وفي أ، جـ "بالاسمية". ٤ صدر بيت قائله عدي بن الرعلاء الغساني، وهو من الخفيف. وعجزه: بين بصرى وطعنة نجلاء الشرح: "صقيل" أي: مجلوّ فعيل بمعنى مفعول، "بصرى" -بضم الباء وسكون الصاد- بلد بالشام وقد أضاف "بين" إلى بصرى، مع أن "بين" لا تضاف إلا إلى متعدد على أحد معنيين: الأول: أن "بصرى" وإن كان واحدا في اللفظ، في قوة المتعدد؛ لأنها ذات أجزاء ومحلات كثيرة. الثاني: أن هناك مضافا محذوفا، والتقدير: "بين أماكن بصرى". "طعنة نجلاء" الواسعة الظاهرة الاتساع. المعنى: كثيرا ما استعملت سيفي، ورمحي في هذه الجهة استعمالا مشرفا. الإعراب: "ربما" رب: حرف تكثير وجر شبيه بالزائد وما زائدة، "ضربة" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، "بسيف" جار ومجرور متعلق بضربة، "صقيل" نعت مجرور بالكسرة الظاهرة، "بين" ظرف مكان، "بصرى" مضاف إليه، "وطعنة" معطوف على ضربة مجرور بالكسرة الظاهرة، "نجلاء" صفة لطعنة مجرورة بالكسرة الظاهرة، وقد جر بالكسرة للضرورة وحقه أن يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف لاتصاله بألف التأنيث الممدودة، وخبر المبتدأ المجرور لفظا برب وهو "ضربة" محذوف. الشاهد: في "ربما ضربة"، حيث دخلت "ما" على "رب" ولم تكفها عن العمل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٢٩٩، والمكودي ص٨٤، والسندوبي، والأصطهناوي، وابن هشام ٢/ ١٥٥، وأيضا في المغني ١/ ١٢١، والسيوطي في همعه ٢/ ٣٨.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وقول الآخر:
كما الناسِ مجروم عليه وجارم١
بجر ضربة والناس.
فإن قلت: ما الأغلب على "ما" بعد "رب والكاف"؟ قلت: يفهم من قوله: "وقد" أن الكف هو "الأغلب"٢ وصرح به في الكافية٣.
وقوله:
وحُذفت رب فجرت بعد بل
والفا وبعد الواو شاع ذا العمل
"مثال ذلك"٤ بعد "بل" قول رؤبة:
بل بلدٍ ملء الفجاج قتمه٥
_________________
(١) ١ عجز بيت قائله عمرو بن براقة النهمي، وهو من الطويل. وصدره: وننصر مولانا ونعلم أنه الشرح: "ننصر" نعين ونؤازر، "مولانا" المراد منه الحليف، "مجروم عليه" واقع عليه الإثم، "جارم" ظالم متعدٍّ. ويروى: كما الناس مظلوم عليه وظالم ومعنى الروايتين واحد. المعنى: إننا نعين حليفنا، ونساعده على عدوه مع أننا نعلم أنه كسائر الناس يجني ويجنى عليه. الإعراب: "ننصر" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر، "مولانا" مفعول والضمير مضاف إليه، "ونعلم" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر، "أنه" حرف توكيد ونصب والهاء اسمه، "كما" الكاف جارة، ما زائدة، "الناس" مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر "أن" وجملة أن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي "نعلم"، "مجروم" خبر ثانٍ لأن وهو اسم مفعول، "عليه" واقع موقع نائب الفاعل لمجروم، "وجارم" معطوف على مجروم. الشاهد: في "كما الناس" حيث زِيدت "ما" بعد الكاف ولم تمنعها من عمل الجر في الاسم الذي بعدها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٣، وابن عقيل ٢/ ٢٧، وابن هشام ٢/ ١٥٦، والمكودي ص٨٤، والأشموني ٢/ ٢٩٩، والسندوبي، والسيوطي في همعه ٢/ ٣٨، ١٣٠، وابن هشام في المغني ١/ ١٥٢. ٢ أ، ب، وفي جـ "الغالب". ٣ قال في الكافية، ورقة ٥٤: "وكفت الكاف ورب غالبا" هـ. ٤ أ، جـ، وفي ب "مثاله". ٥ صدر بيت قائله رؤبة بن العجاج الراجز. وعجزه: لا يشترى كتانه وجهرمه الشرح: "بلد" يذكر ويؤنث والتذكير أكثر، "الفجاج" جمع فج وهو الطريق الواسع، "قتمه" -بفتح القاف والتاء- الغبار، "جهرمه" بزنة جعفر، هو البساط نفسه، وقيل: أصله "جهرمية" -بياء نسب مشددة- نسبة إلى جهرم وهو بلد بفارس، فحذف ياء النسب. =
[ ٢ / ٧٧٤ ]
وبعد الفاء قوله:
فحورٍ قد لهوت بهن عين١
وبعد الواو قوله٢:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي٣
_________________
(١) = المعنى: يصف نفسه بالقدرة على الأسفار وتحمل المشاق والصعوبات، ويشير إلى أن ناقته قوية على قطع الطرق الوعرة والمسالك الصعبة. الإعراب: "بل" حرف إضراب، "بلد" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد وهو رب المحذوفة بعد "بل"، "ملء" مبتدأ ثانٍ، "الفجاج" مضاف إليه، "قتمه" خبر المبتدأ الثاني والضمير مضاف إليه، ويجوز العكس والجملة في محل رفع صفة لبلد، "لا" نافية، "يشترى" فعل مضارع مبني للمجهول، "كتانه" نائب فاعل، "وجهرمه" عطف عليه والجملة في محل رفع لبلد، وخبر المبتدأ الواقع بعد بل والمجرور لفظه برب المحذوفة وقع في بيت بعده. الشاهد: في "بل بلد"، حيث جر "بلد" برب المحذوفة بعد "بل". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ٢/ ٢٩، وابن الناظم ص١٥٣، والأشموني ٢/ ٢٩٩، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي ص٧٣، وأيضا في همعه ٢/ ٣٦، وابن هشام في المغني ١/ ١٠٣، والإنصاف ٢/ ٣٠٥. ١ صدر بيت قائله المتنخل، واسمه مالك بن عويمر، من الوافر. وعجزه: نواعم في المروط وفي الرباط الشرح: "فحور" -بضم الحاء- جمع حوراء وهي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، "لهوت" بالشيء ألهو لهوا، إذا لعبت به، "عين" -بكسر العين- جمع عيناء وهي الواسعة العين، "نواعم" جمع ناعمة، "المروط" جمع مرط -بكسر الميم- وهو إزار له علم، "الرياط" جمع ريطة -بكسر الراءوسكون الياء- وهي الملحفة التي ليست بملففة. الإعراب: "فحور" أي: رب حور والجر فيه برب مضمرة، "قد" حرف تحقيق، "لهوت" فعل وفاعل، "بهن" جار ومجرور، وجملة قد لهوت بهن معترضة بين الصفة والموصوف، "عين" صفة لحور. الشاهد: في "فحور" على إضمار "رب" بعد الفاء، أي: رب حور، والجر فيه برب المضمرة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٢٩٩، وابن يعيش ٢/ ١٨٨، والإنصاف ١/ ٢٣٢، ٣٠٥. ٢ ب. ٣ قائله امرؤ القيس من معلقته المشهورة، من الطويل. =
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وقد تجر محذوفة دونهن كقوله:
رسم دار وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جَلَله١
_________________
(١) = الشرح: "كموج البحر" أي: في كثافة ظلمته، شبه الليل بموج البحر في شدة هوله، "سدوله" السدول: الأستار، واحدها سدل، "أنواع الهموم" ضروب الهموم، "ليبتلي" ليختبر ويمتحن. المعنى: رب ليل شديد الهول أرخى علي ستور ظلامه مع أنواع الهموم والأحزان؛ ليختبرني أأصبر أم أجزع؟ قطعته ولم أبال بشيء. الإعراب: "وليل" الواو واو رب، ليل مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة التي اقتضتها رب المحذوفة، "كموج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لليل، "البحر" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "أرخى" فعل ماض مبني على فتح مقدر والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو، "سدوله" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ المجرور برب المحذوفة، "علي" جار ومجرور متعلق بأرخى، "بأنواع" جار ومجرور متعلق بأرخى، "الهموم" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "ليبتلي" اللام لام التعليل، يبتلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الياء. الشاهد: في "وليل"، حيث جر "ليل" برب المحذوفة بعد الواو. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٣، وابن هشام ٢/ ١٦٣، والأشموني ٢/ ٣٠٠، وداود، والأصطهناوي، والمكودي ص٧٣، والسيوطي ص٧٣. ١ قائله جميل بن معمر، وهو من الخفيف. الشرح: "الرسم" ما لصق بالأرض من آثار الديار، "الطلل" ما شخص وارتفع من آثارها كالوتد، "من جلله" قيل: معناه: من عظمه في نفسي، وقيل: معناه: من أجله. المعنى: رب أثر باقٍ من آثار دار المحبوبة وقفت فيه، فكدت أموت أسفا وحزنا على تلك الربوع التي كانت عامرة، فأصبحت خاوية خالية من سكانها. الإعراب: "رسم" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، "دار" مضاف إليه، "وقفت" فعل ماض والتاء فاعل، "في" حرف جر، "طلله" مجرور بفي والضمير مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بوقفت، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر صفة لرسم، "كدت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "أقضي" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر، "الحياة" مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة من الفعل والفاعل ومفعوله في محل نصب خبر "كاد"، وجملة "كاد" واسمه وخبره في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: في "رسم دار" حيث جر "رسم" برب محذوفة ولم يتقدمها شيء لا واو ولا فاء ولا بل، وهو قليل جدا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ١٥٣، وابن عقيل ٢/ ٢٩، وابن هشام ٢/ ١٦٥، والأشموني ٢/ ٣٠٠، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي ص٧٣، وفي همعه ٢/ ٣٧، وابن يعيش ٣/ ٣٨، والإنصاف ١/ ٢٣٢، ٣٠٤، والخصائص ١/ ٢٨٥، ٣/ ١٥٠.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
وفي التسهيل: يجر برب محذوفة بعد الفاء كثيرا، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلا، ومع التجرد أقل. هـ١.
ونوزع في كونه كثيرا بعد الفاء، إلا إن أراد بالنسبة إلى بل، وليس الجر بالفاء "وبل"٢.
قال في التسهيل: باتفاق هـ٣، وحكى ابن عصفور الاتفاق، وفي الارتشاف: وزعم بعض النحويين أن الخفض هو بالفاء "وبل"٤؛ لنيابتهما مناب رب هـ٥.
وأما الواو فذهب المبرد والكوفيون إلى أن الجر بها، والصحيح أنه برب المضمرة وهو مذهب البصريين.
وقوله:
وقد يُجر بسوى رُبَّ لدى حذف وبعضه يرى مطردا
الجر بسوى "رب" محذوفا، ضربان: مطرد وغير مطرد.
فالمطرد في مواضع:
الأول: لفظ الجلالة في القسم دون عوض٦.
الثاني: المعطوف على خبر ليس وما الصالح لدخول الباء نحو: "قوله"٧:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٤٨. ٢ جـ، وفي أ، ب "وبيل". ٣ قال في التسهيل ص١٤٨: "وليس الجر بالفاء، وبل باتفاق". ٤ جـ، وفي أ، ب "وبيل". ٥ الارتشاف ص٨٥٣. ٦ نحو: "الله لأفعلن". ٧ ب.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا١
الثالث: "بعد"٢ ألا نحو:
ألا رجلٍ جزاه الله خيرا٣
يريد: ألا من رجل.
_________________
(١) ١ قائله زهير بن أبي سلمى، وهو والد كعب بن زهير، وهو من الطويل. وهو من قصيدة يذكر زهير فيها النعمان بن المنذر حيث طلبه كسرى ليقتله، ففر وأتى طيئا. الشرح: "بدا لي" أي: نشأ له فيه الرأي. المعنى: قد نشأ لي وظهر أنني لا أدرك ما فات، ولا أقدر أنني أسبق على ما سيجيء من الحوادث. الإعراب: "بدا" فعل ماض، "لي" جار ومجرور، "أني" حرف توكيد ونصب والياء اسمها وهي في محل رفع فاعل بدا، "لست" ليس واسمها، "مدرك" خبر ليس منصوب بالفتحة الظاهرة، "ما مضى" جملة في محل الجر بالإضافة، ولست مع جملتها في محل رفع خبر أن، "ولا سابق" بالجر عطفا على خبر ليس على توهم إثبات الباء الزائدة في خبر ليس، "شيئا" معمول سابق، "جائيا" خبر كان واسمها ضمير وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كان جائيا، فلا أسبقه. الشاهد: في "ولا سابق"، فإنه مجرور بالباء المقدرة عطفا على خبر ليس على توهم إثبات الباء فيه. هكذا روي بالجر، وقد روي بالنصب أيضا عطفا على اللفظ، فحينئذ لا شاهد فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣/ ٢٠٣، والأصطهناوي، وابن يعيش ٢/ ٥٢، وابن الناظم في باب إن وأخواتها ص٧١، والخضري ١/ ٢٣٤. ٢ أ، جـ، وفي ب "نحو". ٣ صدر بيت لرجل من أهل البادية، وأنشده سيبويه ولم يعزه إلى قائله. من الوافر. وعجزه: يدل على محصلة تبيت الشرح: "محصلة" -بكسر الصاد المشددة- قال الجوهري: المحصلة: المرأة التي تحصل تراب المعدن، "تبيت" -بفتح التاء- تكون لي بيتا، أي: امرأة، والبيت النكاح. الشاهد: في "رجل"، فإنه مجرور بمن مقدرة، تقديره: ألا من رجل. وأكثر الروايات: "ألا رجلا" بالنصب، أي: ألا تروني رجلا. مواضعه: ذكره ابن الناظم في شرحه للألفية في باب "لا" النافية للجنس ص٧٧، والشاهد رقم ١٦٣ من الخزانة، وابن يعيش ٢/ ١٠١، والكتاب ١/ ٣٦١، وابن هشام في المغني ١/ ٦٦.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
الرابع: بعد "كم" الاستفهامية إذا جرت بالحرف نحو: "بكم دراهم "اشتريت ثوبك"؟ ١" خلافا للزجاج في قوله: إن الجر بإضافتها٢.
الخامس: في جواب ما تضمن "مثل"٣ المحذوف نحو: زيد، في جواب: بمن مررت؟
السادس: في المعطوف على ما تضمنه بحرف متصل، نحو:
وللطير مجرى والجَنوب مصارع٤
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، جـ "اشتريته" أي: بكم من درهم. ٢ يمنع من صحة تقدير الزجاج أمران: الأول: أن كم الاستفهامية قد تكون كناية عن عدد مركب، والعدد المركب لا يضاف إلى ما بعده في الفصيح. الثاني: أنهم اشترطوا في الجر بعدها أن تكون مسبوقة بحرف جر، فلو كان الجر بإضافتها إلى ما بعدها لم يشترطوه. وإنما شرطوه؛ ليكون دليلا على المحذوف الجار لما بعدها. ا. هـ. الشيخ محيي الدين على التوضيح٢/ ١٦٧. ٣ ب، جـ، وفي أ "مثلي". ٤ عجز بيت قائله: قال العيني: قيس بن ذريح، والأصح أنه البعيث خداش بن بشر. وصدره: ألا يا لقومي كل ما حم واقع وهو من الطويل. الشرح: "كل ما حم" -بضم الحاء وتشديد الميم- معناه: كل ما قدر واقع، "الجنوب" جمع جنب، "المصارع" جمع مصرع، من صرعته صرعا بالفتح لتميم، وبالكسر لقيس. الإعراب: "ألا" للتنبيه، "يا" حرف نداء، "لقومي" اللام للاستغاثة وهي من اللامات الزائدة للتوكيد، قومي منادى، "كل" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "ما حم" مضاف إليه، "واقع" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "وللطير" جار ومجرور خبر مقدم، "مجرى" مبتدأ مؤخر. الشاهد: في "والجنوب مصارع"، حيث جاء "الجنوب" بالجر مع أنه خبر عن "مصارع"؛ لأنه عطف على قوله: "وللطير" والجر بحرف مقدر تقديره: وللجنوب.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
السابع: في المعطوف على ما تضمنه بحرف منفصل بلا، نحو:
ما لمحب جلد أن يهجرا ولا حبيبٍ رأفة فيجبُرا١
الثامن: في المعطوف على ما تضمنه بحرف منفصل بلو. ذكر أبو الحسن في المسائل٢ أنه يقال: جيء بزيد أو عمرو ولو "أحدهما"٣؛ لأن المعتاد أن يكون ما بعد لو أدنى٤.
التاسع: في المقرون بالهمزة بعد ما تضمنه٥ نحو: "مررت بزيد"، فتقول "أزيد بن عمرو؟ " حكاه الأخفش في المسائل.
العاشر: في المقرون بعد ما تضمنه "كأن"٦ يقال: "جئت بدرهم" فتقول: "فهلا دينارٍ". قال الأخفش: وهذا أكثر.
_________________
(١) ١ قال العيني: لم أقف على اسم راجزه. وبحثت فلم أعثر على قائله. الشرح: "جلد" -بفتح اللام- قوة، "يهجرا" من الهجر وهو ضد الوصل، "الرأفة" الرحمة والشفقة. الإعراب: "ما" بمعنى ليس، "لمحب" جار ومجرور خبر ما تقدم على اسمها، "جلد" اسمها مرفوع بالضمة الظاهرة، "أن يهجرا" أي: لأن يهجر، فإن مصدرية والتقدير: ما لمحب قوة للهجران، "ولا حبيب" أي: وليس لحبيب رأفة، "رأفة" اسم لا ولحبيب خبر تقدم، "فيجبرا" -بنصب الراء- بتقدير أن بعد الفاء، أي: فأن يجبرا، والألف فيه للإشباع، والمفعول محذوف تقديره: فيجبره أي: المحب. الشاهد: في "ولا حبيب" حيث جاء مجرورا؛ لكونه عطفا على "المحب" بحرف منفصل، وهو "لا" تقديره، ولا لحبيب رأفة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠١، والسيوطي في همعه ٢/ ٣٧، والخضري ٢/ ٢٣٥. ٢ كتاب لأبي الحسن الأخفش. ٣ أ، وفي ب، جـ "كليهما". ٤ أ، وفي ب "يقال: جيء بزيد وعمرو ولو كليهما، وقال المصنف: وأحسن من هذا أن يقال: جيء بزيد أو عمرو ولو أحدهما؛ لأن المعتاد". ٥ أي: ما تضمن مثل المحذوف. ٦ جـ، وفي أ، ب "كأنه".
[ ٢ / ٧٨٠ ]
الحادي عشر: في المقرون بإن بعد ما تضمنه، نحو: "امرر بأيهم هو أفضل إن زيدٍ وإن عمرٍو".
وأجازه يونس، وجعل سيبويه إضمار الباء بعد إِنْ؛ لتضمن ما قبلها إياها أسهل من إضمار رب بعد الواو، فعلم بذلك اطراده١.
الثاني عشر: في المقرون بفاء الجزاء بعد ما تضمنه، حكى يونس: "مررت برجل صالح إن لا صالحٍ فطالحٍ" على تقدير: إن لا أمرر بصالح فقد مررت بطالح٢.
"فجميع"٣ هذه المواضع مطرد يقاس "عليه"٤ عند المصنف.
والذي "قرره"٥ المغاربة، أنه لا يجوز حذف حرف الجر وإبقاء عمله إلا في "باب"٦ القسم، وفي باب كم على خلاف.
وأما غير المطرد "فسمع"٧ منه أبيات. منها قول الشاعر:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع٨
قال في التسهيل٩: ولا خلاف في شذوذ بقاء الجر في نحو:
أشارت كليبٍ بالأكف الأصابع
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٣٣: " وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت رب ونحوها في قولهم: وبلدة ليس بها أنيس، ومن ثم قال يونس: امرر على أيهم أفضل، إن زيد وإن عمرو. يعني: إن مررت بزيد أو بعمرو ". ٢ راجع الأشموني ٢/ ٣٠٠، ٣٠١، ٣٠٢. ٣ أ، وفي ب، ج "جميع". ٤ أ، جـ، وفي ب "عليها". ٥ أ، جـ، وفي ب "قدرة". ٦ ب. ٧ أ، جـ، وفي جـ "فمسموع". ٨ مضى شرحه، والشاهد حذف حرف الجر وبقاء عمله. التقدير: أشارت إلى كليب. ٩ راجع التسهيل ص١٤٩.
[ ٢ / ٧٨١ ]
الإضافة:
نونا تلي الإعراب أو تنوينا مماتضيف احذف كطور سينا
شمل قوله: "نونا تلي الإعراب" المثنى والمجموع على حده، وما ألحق بهما نحو: "رأيت غلاميك" و"خادميك" و"اقبض" "اثنيك"١ و"عشريك"، واحترز من نون "لا"٢ تلي الإعراب نحو: "مساكين"٣ وسنين في لغة من أعربه بالحركات، فإنها لا تحذف للإضافة.
وشمل قوله: "أو تنوينا" الظاهر كقولك في طور: "طور سيناء"٤، والمقدر كقولك في دراهم: "هذه دراهمك". قاله في شرح الكافية.
تنبيه:
فهم من "كلامه"٥ اقتصاره على التنوين والنون، وأن غيرهما لا يحذف وقد تحذف تاء التأنيث. قال في الكافية٦:
وحذف تا التأنيث منه قد يرد٧ في كلمات سمعت فلا تزد هـ٨، ٩
ومنه قراءة بعضهم: "لأَعَدُّوا لَهُ عِدَهُ"١٠ أي: عدته.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "اثنتيك". ٢ أ، ب. ٣ أ، جـ، وفي ب "مسكين". ٤ من الآية ٢٠ من سورة "المؤمنون". ٥ أ. ٦ أ، ب وفي جـ "شرح الكافية". ٧ ب. ٨ أ، ب، وفي جـ "ترد". ٩ ونص البيت في الكافية، ورقة ٦١: وحذف تاء تأنيث منه قد يرد في كلم فاعرف بها ولا تزد هـ. ١٠ من الآية ٤٦ من سورة التوبة.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وظاهر كلام الفراء أنه قياس، وجعل منه "قوله تعالى"١: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ ٢ ثم قال: "والثاني اجرر".
في الجار له أقوال: أحدها: أنه المضاف، والثاني: أنه "الحرف"٣ المنوي، والثالث: أنه معنى الإضافة.
والأول مذهب سيبويه وهو الصحيح؛ لاتصال الضمائر به، ولا تتصل إلا بعاملها.
ثم قال:
وانو "من" أو "في" إذا لم يصلح إلا ذاك واللام خذا
لما سوى ذينك
يعني: أن الإضافة على ثلاثة أقسام:
الأول: مقدر بمن. وضابطه أن يكون المضاف بعض المضاف إليه مع صحة إطلاق اسمه عليه، نحو: "خاتم فضة".
قال في شرح التسهيل: ومن هذا النوع إضافة الأعداد إلى المعدودات، والمقادير إلى المقدرات. ا. هـ.
وفي إضافة الأعداد إلى "المعدودات"٤ خلاف مذهب ابن السراج أنها مقدرة بمن، ومذهب الفارسي أنها "مقدرة"٥ باللام.
فإن أضفت عددا إلى عدد نحو: ثلاثمائة، اتفقا على أنها بمعنى من، "فإن"٦ لم يصح إطلاق اسمه عليه نحو: "يد زيد" فهي بمعنى اللام على الصحيح، وذهب ابن كيسان إلى أنها بمعنى "من".
_________________
(١) ١ ب. ٢ من الآية ٣٧ من سورة النور. ٣ أ، ب، وفي جـ "بالحرف". ٤ ب، جـ. ٥ ب. ٦ أ، ب، وفي جـ "وإن".
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الثاني: مقدر بفي. وضابطه أن يكون المضاف إليه وقع فيه المضاف نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ١.
قال المصنف: "وأغفل كثير من النحويين"٢ الإضافة بمعنى "في" وهي ثابتة في الكلم الفصيح بالنقل الصحيح. ا. هـ.
وعن عبد القاهر أن ثَم إضافة "تتقدر"٣ بفي، وذلك قولنا: "فلان نَبْتُ الغَدَر" والغدر: المكان الصلب.
ومذهب الجمهور أن الإضافة لا تتقدر بغير "من، واللام" ونحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مقدر باللام عندهم على التوسع.
الثالث: مقدر باللام، وهو ما سوى النوعين المتقدمين، وتقدير اللام هو الأصل؛ ولذلك يحكم به مع صحة تقديرها وتقدير غيرها، نحو: "يد زيد"؛ ولذلك خصت بالإقحام في نحو:
يا بؤس للحرب٤
_________________
(١) ١ من الآية ٣٣ من سورة سبأ. ٢ ب، وفي أ، جـ "وأعقل أكثر النحويين". ٣ أ، جـ، وفي "تقتدر". ٤ جزء من بيت لسعد بن مالك جد طرفة الشاعر، وهو من الكامل. وتمامه: التي وضعت أراهط فاستراحوا الشرح: "يا بؤس للحرب" النداء للتعجب، والبؤس -الشدة- مهموز ويخفف، "وضعت" وضعتهم بالتخلف عن القتال، "أراهط" الرهط: ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة. المعنى: إن لم تنصر قومك الآن، فلن تدخر نصرك. الإعراب: "يا بؤس" يا حرف نداء وبؤس منادى منصوب لأنه مضاف، "واللام" زائدة تقوية للاختصاص، "والحرب" مضاف إليه، وهذا النداء تعجبي، "التي" اسم موصول مبني في محل جر نعت للحرب، "وضعت" وضع فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الحرب، "أراهط" مفعول به لوضعت والجملة لا محل لها من الإعراب صلة "التي"، فاستراحوا "الفاء عاطفة" "استراح" فعل ماض وواو الجماعة فاعل والجملة معطوفة على وضعت. الشاهد: "يا بؤس للحرب" أصله: يا بؤس الحرب، فاقتحمت اللام بين المتضايفين تقوية للاختصاص. مواضعه: ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ١/ ١٨١، وابن يعيش ٤/ ٣٦، وفي الحماسة لأبي تمام ص١٩٧، والخصائص ٣/ ١٠٢.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وذهب ابن الصائغ١ إلى أن الإضافة بمعنى اللام على كل حال.
وفي الارتشاف: والذي أذهب إليه "أي: الإضافة تفيد"٢ الاختصاص، وأنها ليست على تقدير حرف مما "ذكروه"٣، ولا على نيته هـ٤.
وقوله:
واخصص أولا أو أعطه التعريف بالذي تلا
يعني: أن المضاف يتخصص بالثاني إن كان نكرة نحو: "غلام رجل"، ويتعرف به إن كان معرفة نحو: "غلام زيد" هذا "إذا"٥ كانت الإضافة معنوية.
فإن كانت لفظية، فقد نبه عليها بقوله:
وإن يشابه المضاف "يفعل وصفا فعن تنكيره لا يعزل
"يفعل" هو الفعل المضارع. يعني: أن المضاف إذا كان وصفا "شابه"٦ الفعل المضارع في كونه بمعنى الحال والاستقبال، لم يتعرف بالمضاف إليه؛ لأن إضافته غير محضة، لا تفيد إلا تخفيف اللفظ.
فإن قلت: هل تقدر اللام في الإضافة اللفظية؟
قلت: لا، إذ هي ليست على معنى حرف مما سبق، خلافا لبعض المتأخرين
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي الحسن بن الصائغ النحوي. قال ابن حجر: ولد قبل سنة عشر وسبعمائة واشتغل بالعلم في اللغة والنحو والفقه. ولي قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، وصنف شرح ألفية ابن مالك والتذكرة عدة مجلدات في النحو وغير ذلك. مات في خامس عشر شعبان سنة ٧٧١هـ وخلف ثروة واسعة. ٢ أ، جـ، وفي ب "أن الإضافة ما تفيد". ٣ أ، ب، وفي جـ "ذكروا". ٤ راجع الارتشاف ص٨٨٣. ٥ أ، جـ، وفي ب "إن". ٦ أ، وفي ب "يشبه"، وفي جـ "يشابه".
[ ٢ / ٧٨٥ ]
في زعمه أن إضافة اسم الفاعل "وأمثلة المبالغة"١ واسم المفعول المضاف إلى "منصوب"٢ على معنى اللام.
واستدل بأن وصولها إلى المفعول باللام "شائع"٣ في فصيح الكلام، ورد بأنه لا يطرد في الصفة المشبهة.
ثم مثل قال:
كرُبَّ راجينا عظيم الأمل مروع القلب قليل الحِيَل
فرب "راجينا"٤ مثال لاسم الفاعل، وعظيم الأمل وقليل الحيل مثالان للصفة المشبهة، ومروع القلب مثال لاسم المفعول.
ثم قال:
وذي الإضافة اسمها لفظية
سميت بذلك؛ لأن فائدتها في اللفظ، وتسمى أيضا مجازية وغير محضة.
ثم قال: "وتلك محضة" يعني: التي تفيد التخصيص والتعريف، تسمى محضة؛ لأنها خالصة من شائبة الانفصال.
"ومعنوية"؛ لأن فائدتها في المعنى.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن برهان وابن الطراوة إلى أن إضافة المصدر إلى مرفوعه أو منصوبه غير محضة، والصحيح "أنها"٥ محضة لورود السماع بنعته بالمعرفة كقوله:
_________________
(١) ١ الأمثلة، والكلام يقتضي ما قلته. ٢ أ، ب، وفي جـ "المنصوب". ٣ أ، ب، وفي جـ "سائغ". ٤ ب، جـ. ٥ أ، جـ، وفي ب "أنه".
[ ٢ / ٧٨٦ ]
إن وجدي بك الشديد أراني عاذرا فيك من عهدت عَذُولا١
وذهب ابن السراج والفارسي إلى أن إضافة أفعل التفضيل غير محضة، والصحيح أنها محضة؛ لأنه ينعت بالمعرفة، ونص سيبويه على أن إضافته محضة، وذهب الفارسي ومن وافقه إلى أن إضافة الاسم إلى الصفة غير محضة، وذهب غيرهم إلى أنها محضة، وذهب المصنف إلى أنها شبيهة بالمحضة.
الثاني: المعروف "أن الإضافة تنقسم"٢ إلى محضة، وغير محضة.
وزاد في التسهيل ثالثا، وهو الشبيه بالمحضة٣، وهو أنواع:
الأول: إضافة الاسم إلى الصفة، كما تقدم٤.
والثاني: إضافة "المسمى إلى الاسم"٥ نحو: "شهر رمضان" و"يوم الخميس" و"سعيد كرز".
والثالث: إضافة الصفة إلى الموصوف نحو: "سحقُ عمامة"٦.
_________________
(١) ١ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر له على قائل. من الخفيف. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "وجدي" وجد اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم "والياء" ضمير مبني في محل جر مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، "بك" في محل النصب مفعوله، "الشديد" نعت لاسم إن منصوب، "أراني" جملة في محل الرفع خبر إن، و"أراني" يستدعي ثلاثة مفاعيل: الأول الياء والثاني قوله: من عهدت و"من" موصولة في محل النصب والثالث قوله: "عاذرا"، و"عذولا" مفعول ثانٍ لعهدت ومفعوله الأول محذوف وهو الضمير العائد إلى الموصول، أعني عهدته، "وفيك" حال من "عذولا". الشاهد: في "إن وجدي"، فإنه مصدر مضاف إلى فاعله واكتسب بإضافته التعريف؛ فلذلك وصف بالمعرفة وهو "الشديد"، فلو لم يكتسب تعريفا بإضافته لما جاز وصفه بالمعرفة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠٦، والسيوطي في همعه ٢/ ٤٨. ٢ ب، جـ، وفي أ "تقسيم الإضافة". ٣ راجع التسهيل ١٥٥. ٤ نحو: "مسجد الجامع". ٥ أ، ب، وفي جـ "الاسم إلى المسمى". ٦ سحق بمعنى: بالية.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
وقوله:
وإن سقيت كرام الناس فاسقينا١
وذهب ابن عصفور إلى أنها غير محضة، وذهب غيره إلى أنها محضة.
الرابع: إضافة الموصوفات إلى القائم مقام الوصف، كقوله:
علا زيدنا يوم النَّقَا رأس زيدكم٢
_________________
(١) ١ عجز بيت قائله بشامة بن حزن النهشلي من قصيدة نونية، وهو من البسيط. وصدره: إنا محيوكِ يا سلمى فحيينا الإعراب: "إنا" إن حرف توكيد ونصب ونا اسمه، "محيوك" خبره وأصله محيون إياك، فلما أضيف سقطت النون، "يا سلمى" منادى مفرد، "فحيينا" الفاء لربط الجواب بالشرط ولا شرط هنا، وإنما هي شبيهة بالشرط وفعل وفاعل ومفعول، كما في قوله: الذي يأتيني فله درهم، وبدخولها فهم ما أراده المتكلم من ترتيب لزوم الدرهم على الإتيان، فكذلك هنا فهم ما أراده من ترتيب لزوم تحيتهم على تحيتها، وكذلك الكلام في الشطر الثاني. الشاهد: في "كرام الناس"، فإن إضافة الكرام إلى الناس إضافة الصفة إلى الموصوف. ٢ صدر بيت. قال العيني: قائله رجل من طيئ، كذا قاله المبرد. وتمامه: بأبيض ماضي الشفرتين يماني وقبله: فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما أقادكم السلطان بعد زمان وهما من الطويل. وقصته أن رجلا من طيئ يقال له: زيد من ولد عروة بن زيد الخيل، قتل رجلا من بني أسد يقال له: زيد، ثم أقيد به بعد، فقال شاعر طيئ في ذلك. الشرح: "علا" من علا يعلو علوا، هذا في المكان، وأما في الشرف والرتبة، فيقال: على يعلي علاء وكلاهما متعد بمعنى: فاقه، "النقا" -بفتح النون والقاف- الحرب. ويروى: علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم الإعراب: "علا" فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر لا محل له من الإعراب، "زيد" فاعل و"نا" مضاف إليه من إضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف، أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم، "ويوم" ظرف زمان منصوب، و"النقا" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة، "رأس" مفعول به، و"زيد" مضاف إليه وهو مضاف و"كم" مضاف إليه، "بأبيض" جار ومجرور صفة حذف موصوفها أي: بسيف أبيض، "ماضي الشفرتين" صفة لأبيض كلام إضافي، "يماني" صفة أخرى لأبيض. الشاهد: في "زيدنا"، فإن فيه إضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف. قال العيني: واستشهد به الزمخشري، وقال: أجرى زيدا مجرى النكرات، فأضافه كما أضيفت النكرات فقال: زيدنا وزيدكم. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠٧، وابن يعيش ١/ ٤٤، وابن هشام في المغني ١/ ٥٠، والشاهد رقم ١١٨ من خزانة الأدب.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم، "فحذف"١ الصفتين وجعل الموصوف خلفا عنهما في الإضافة.
الخامس: إضافة المؤكَّد إلى المؤكِّد، وأكثر ما يكون في أسماء الزمان المبهمة نحو: "يومئذ"٢، وقد يكون في "غيرها"٣ كقول الشاعر:
فقلت انجوَا عنها نجا الجلد إنه سيرضيكما منها سنام وغاربه٤
أراد اكشطا عنها الجلد؛ لأن النجا هو الجلد.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "بحذف". ٢ أ، جـ، وفي ب "حينئذ"، والأمثلة: يومئذ وحينئذ وعامئذ. ٣ أ، ب، وفي جـ "غيرهما". ٤ قال العيني: قائله هو أبو الجراح، قاله أبو علي البغدادي في كتاب المقصور والممدود. وقال الصاغاني في العباب: هو أبو الغمر الكلابي، وقد نزل عنده ضيفان فنحر لهما ناقة فقالا: إنها مهزولة، فقال معتذرا لهما، وهو من الطويل. الشرح: "انجوا" أمر للاثنين من نجوت جلد البعير عنه، إذا سلخته، يخاطب الضيفين، "نجا الجلد" النجا مقصور اسم الجلد، "غاربه" أعلى الظهر. الإعراب: "فقلت" الفاء عاطفة على ما قبلها و"قلت" فعل وفاعل، "انجوا" فعل أمر مبني على حذف النون والواو ضمير في محل رفع فاعل، "عنها" جار ومجرور، "نجا" مفعول به، و"الجلد" مضاف إليه من إضافة المؤكد إلى المؤكد، "إنه" إن واسمها، "سيرضيكما" جملة في محل رفع خبر إن، "منها" جار ومجرور، "سنام" فاعل "يرضي"، "وغاربه" عطف عليه والهاء مضاف إليه. الشاهد: في "نجا الجلد"، فإنه أضاف المؤكد إلى المؤكد، قال العيني: هكذا قال ابن أم قاسم. والأحسن أن يقال فيه ما قاله الفراء، وهو إنما أضاف النجا إلى الجلد مع أن النجا هو الجلد؛ لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، كقوله: حق اليقين، ولدار الآخرة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠٧، والشاهد ٣٠٩ من خزانة الأدب.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
السادس: إضافة الملغى إلى المعتبر نحو:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما١
السابع: إضافة المعتبر إلى الملغَى، كقول بعض الطائيين:
أقام ببغداد العراق وشوقه لأهل دمشق الشام شوق مبرح٢
الثالث: أهمل المصنف هنا نوعين مما لا يتعرف بالإضافة:
أحدهما: ما وقع موقع نكرة لا تقبل التعريف نحو: "رب رجل وأخيه".
و"كم ناقة وفصيلها"، و"فعل ذلك جهده، وطاقته".
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله لبيد بن ربيعة العامري، وهو من الطويل. وعجزه: ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر الإعراب: "إلى الحول" جار ومجرور متعلق "بابكيا" بقرينة قوله: "ولا تخمشا" في البيت قبله، "ثم" عاطفة، "اسم" مبتدأ، "والسلام" مضاف إليه من إضافة الملغى إلى المعتبر، "وعليكما" جار ومجرور خبر المبتدأ و"من" الواو عاطفة، من "شرطية"، و"يبك" فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على من، "حولا" ظرف زمان منصوب، و"كاملا" نعت له، "فقد" الفاء واقعة في جواب الشرط وقد حرف تحقيق، "واعتذر" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة جواب الشرط. الشاهد: في "ثم اسم السلام"، فإن "اسم" مضاف إلى السلام وهو إضافة الملغى إلى المعتبر، يعني: لفظ الاسم هنا ملغى؛ لأن دخوله وخروجه سواء. والمعنى: ثم السلام عليكما. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠٧، والسيوطي في همعه ٢/ ٤٩، وابن يعيش ٣/ ١٤، والشاهد رقم ٣٠٥ من خزانة الأدب، والخصائص ٣/ ٢٩. ٢ قال العيني والمرادي: قائله بعض الطائيين، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. الشرح: "مبرح" أي: شديد، يقال: برح به الأمر تبريحا، أي: جهده. الإعراب: "أقام" فعل ماض مبني على الفتح والفاعل ضمير مستتر، "ببغداد" في محل النصب على المفعولية، وبغداد لا ينصرف فلما أضيف انجر بالكسر، "العراق" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، "وشوقه" الواو للحال شوق مبتدأ وخبره شوق الثاني، "مبرح" صفته والجملة وقعت حالا وشوق مصدر مضاف إلى فاعله، "لأهل دمشق الشام" في محل نصب على المفعولية. الشاهد: في "ببغداد العراق" و"دمشق الشام"، فإن الإضافة فيهما إضافة المعتبر إلى الملغى؛ وذلك لأن دخول العراق والشام وخروجهما سواء. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٠٧، والسيوطي في همعه ٢/ ٤٩.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
ونحو:
لا أباك تخوِّفيني١
لأن رب وكم يجران المعارف، والحال لا تكون معرفة، و"لا" لا تعمل في المعرفة.
ثانيهما: ما لا يقبل التعريف؛ لشدة إبهامه كغير ومثل وحسب٢.
وزعم المبرد أن "غير" لا تتعرف أبدا، وقال السيرافي: تتعرف إذا وقعت بين متضادين، وزعم ابن السراج أنه إذا كان المغاير "والمماثل"٣ واحدا كانت "غير ومثل" "معرفين"٤.
قال في شرح التسهيل: وقد يُعنَى "بغير" و"مثل" مغايرة خاصة ومماثلة
_________________
(١) ١ جزء من بيت لأبي حية النميري، وهو من الوافر. وتمام البيت: أبالموت الذي لا بد أني ملاق الشرح: قال ابن منظور: "أراد: تخوفينني، فحذف النون الأخيرة". وقال الشيخ محمد محيي الدين في تعليقه على الأشموني ١/ ١٠٩: " وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأذهب إحدى النونين استثقالا". الإعراب: "أبالموت" الهمزة للاستفهام "بالموت" جار ومجرور متعلق بقوله: تخوفيني، "الذي" اسم موصول نعت للموت، "لا" نافية للجنس، "بد" اسم لا، "أني" أن واسمها، "ملاق" خبر أن وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر "لا" و"لا" مع اسمها وخبرها لا محل لها من الإعراب صلة الموصول والعائد ضمير منصوب "بملاق"، "لا أباك" لا نافية للجنس "أبا" اسم لا منصوب بالألف وأبا مضاف والضمير مضاف إليه وخبر لا محذوف والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين المعمول الذي هو الجار والمجرور والعامل الذي هو تخوفيني، و"تخوفيني" فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة للتخفيف، وياء المخاطبة فاعل والنون الموجودة للوقاية والياء بعد النون مفعول به. الشاهد: في "لا أباك" حيث إن "أبا" وقع موقع نكرة لا تقبل التعريف، وإن "لا" لا تعمل في المعرفة. مواضعه: ذكره ابن منظور في لسان العرب جـ١٨ ص١٢، ومحب الدين مرتضي في تاج العروس جـ١ ص٥، وابن مالك في التسهيل ص٦٨، وابن يعيش في شرح المفصل ٢/ ١٠٥، وابن هشام في الشذور ص٣٤٣، والسيوطي في همعه ١/ ٤٥. ٢ راجع الأشموني ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨. ٣ ب، وفي أ، جـ "المقابل". ٤ أ، ب، وفي جـ "معرفتين".
[ ٢ / ٧٩١ ]
خاصة فيحكم بتعريفها. وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقع بين ضدين، وأجاز بعض العلماء منهم السيرافي أن يعمل على هذا "قوله تعالى"١: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ ٢ لوقوع "غير" فيه بين متضادين وليس بلازم؛ لقوله تعالى: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٣، "فنعت"٤ به النكرة مع وقوعه بين متضادين. ا. هـ.
ثم قال:
ووصل أل بذا المضاف مغتفر
الإشارة إلى الوصف "المشابه"٥ للمضارع، يعني: أن وصل أل بما إضافته لفظية مغتفر لا مطلقا، بل بشرط كونه مضافا إلى ما فيه "أل" نحو: "الجعد الشعر".
أو مضافا إلى ما فيه أل نحو: "الضارب رأس الجاني" أو مثنى أو مجموعا على حدة نحو: "الضاربا زيد" و"المكرمو عمرو".
وأما جمع التكسير وجمع المؤنث السالم "فكالمفرد وعنهما احترز"٦ بقوله: "سبيله اتبع" أي: اتبع سبيل المثنى في سلامة واحده وإعرابه بالحرفين. فإن قلت: مفهوم الشرط أن وصل أل "بذا المضاف"٧ فيما سوى هذه الصور الأربع غير مغتفر.
وقد ذكر في التسهيل صورة خامسة٨ يغتفر فيها ذلك "أيضا"٩ و"هي"١٠ أن يكون الثاني مضافا إلى ضمير المقرون بأل، كقوله:
_________________
(١) ١ ب. ٢ من الآية ٧ من سورة الفاتحة. ٣ من الآية ٣٧ من سورة فاطر. ٤ ب، جـ، وفي أ "فنكت". ٥ ب، جـ، وفي أ "به". ٦ أ، جـ، وفي ب "فمنهما تحرزا". ٧ ب. ٨ راجع التسهيل ص١٣٧، ١٥٦. ٩ أ، جـ. ١٠ ب، جـ، وفي أ "هو".
[ ٢ / ٧٩٢ ]
الود أنتِ المستحقة صفوه١
قلت: إنما أهمل هذه "الصورة"٢ هنا لقلتها، وللخلاف في جوازها.
فإن المبرد منع الجر في نحو ذلك وأوجب النصب، ولكن الصحيح جوازه؛ لثبوته في المستحقة صفوه "هكذا"٣ روي بالجر.
ثم قال:
وربما أكسبت ثانٍ أولا ثأنيثا إن كان لحذف موهلا
يعني: أن المضاف قد يؤنث لتأنيث المضاف إليه، بشرط صحة حذفه، والاستغناء عنه بالمضاف إليه "فيشمل"٤ أربعة أنواع:
الأول: أن يكون المضاف بعضا وهو مؤنث كقوله:
_________________
(١) ١ صدر بيت، قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وبحثت فلم أعثر على قائله، من الكامل. وعجزه: مني وإن لم أرجُ منك نوالا الشرح: "الود" -بضم الواو أو فتحها أو كسرها- المحبة، "المستحقة" التي تستوجب بما اشتملت عليه من صفات وممادح، "صفوه" خالصه ولبابه، "أرج" مضارع رجا الشيء يرجوه رجا ورجاوة، إذا أمله وطمع فيه، "نوالا" أي: عطاء. المعنى: أنت التي تستحقين خالص مودتي ومحبتي، ولست أطمع في نوالك ولا أرجو منك جزاء. الإعراب: "الود" مبتدأ وأنت مبتدأ ثانٍ، "المستحقة صفوه" خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول، والمستحقة مضاف إلى صفوه، وصفوه مضاف والضمير مضاف إليه وهو ضمير ما هو مقرون بأل الذي هو الود، "مني" جار ومجرور متعلق بالمستحقة، "وإن" الواو عاطفة، "إن" شرطية، "لم" حرف نفي وجزم وقلب، "أرج" فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والجملة جملة الشرط، "منك" جار ومجرور متعلق بالفعل قبله، "نوالا" مفعول به وفاعل "أرج" ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا وصدر الكلام أغنى عن الجواب. الشاهد: في "المستحقة صفوه" حيث أضاف الاسم المقترن بأل وهو المستحقة؛ لكونه وصفا مع كون المضاف إليه مضافا إلى صفوه يعود إلى ما فيه أل وهو الود. مواضعه: ذكره ابن هشام في شرحه للألفية، والسيوطي في همع الهوامع ٢/ ٤٨، والأشموني ٢/ ٣٠٨. ٢ أ، ب، وفي جـ "الصور". ٣ ب، جـ، وفي أ "لكذاي". ٤ أ، وفي ب، جـ "فشمل".
[ ٢ / ٧٩٣ ]
إذا بعض السنين تعرقتنا١
لأن بعض السنين سنة.
والثاني: أن يكون بعضا وهو مذكر كقوله:
كما شرقت صدر القناة من الدم٢
_________________
(١) ١ صدر بيت لجرير من قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك بن مروان، وهو من الوافر. وعجزه: كفى الأيتام فقد أبي اليتيم الشرح: "تعرقتنا" يقال: تعرقت العظم إذا أكلت ما عليه من اللحم، "كفى" بمعنى أغنى يتعدى إلى مفعولين أولهما الأيتام وثانيهما فقد. المعنى: يريد أنها أذهبت أموالنا ومواشينا وقد كفى الأيتام فقد آبائهم؛ لأنه أنفق عليهم وأعطاهم. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "بعض" فاعل فعل محذوف يفسره تعرقتنا المذكور، "تعرقتنا" جملة من فعل وفاعل ومفعول، "كفى" بمعنى أغنى يتعدى إلى مفعولين، "الأيتام" مفعول أول منصوب بالفتحة الظاهرة، "فقد" مفعول ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة، "أبي" مضاف إليه، "اليتيم" مضاف إليه. الشاهد: أن "بعضا" اكتسب التأنيث مما بعده؛ ولهذا قال: تعرقتنا بالتأنيث. مواضعه: ذكره سيبويه في كتابه ١/ ٢٥، والشاهد رقم ٢٨٨ من الخزانة. ٢ عجز بيت قائله الأعشى ميمون بن قيس، وهو من الطويل. وصدره: وتشرق بالقول الذي قد أذعته الشرح: "تشرق" بريقه، إذا غص، "أذعته" أفشيته، "صدر القناة" الرمح. الإعراب: "تشرق" فعل مضارع والفاعل ضمير، "بالقول" جار ومجرور في محل نصب مفعوله، "الذي" اسم موصول صفة للقول، "قد" حرف تحقيق، "أذعته" فعل وفاعل ومفعول والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "كما" الكاف للتشبيه وما مصدرية، "صدر" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "القناة" مضاف إليه مجرور بالكسرة، "من الدم" جار ومجرور. الشاهد: في "شرقت صدر" فإنها مؤنثة وفاعلها وهو الصدر مذكر، وكان القياس "شرق" ولكن لما كان الصدر الذي هو مضاف بعض المضاف إليه أعطي له حكمه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٣١٠، والسيوطي ص٧٤، وأيضا في همعه ٢/ ٤٩، وابن هشام في المغني ٢/ ١١٣.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
والثالث: أن يكون وصفا للمؤنث كقوله:
مشين كما اهتزت رماح تسفَّهت أعاليها مر الرياح النواسم١
والرابع: ألا يكون بعضا ولا وصفا، ولكنه شبيه بالبعض في صلاحيته "للسقوط" ٢ كقولهم: اجتمعت أهل اليمامة٣.
وذكر الفارسي خامسا، وهو أن يكون المضاف "كل" كقول عنترة:
جادت عليه كل عين ثَرَّة٤
_________________
(١) ١ قائله ذو الرمة غيلان بن عقبة، وهو من الطويل. الشرح: "اهتزت" مالت واضطربت، "تسفهت" من قولهم: تسفهت الرياح الغصون، إذا أمالتها وحركتها، "النواسم" جمع ناسمة، وهي الرياح اللينة أول هبوبها. المعنى: يقول: إن هؤلاء النسوة قد مشين في اهتزاز وتمايل، فهن يحاكين رماحا مرت بها ريح فأمالتها. الإعراب: "مشين" فعل وفاعل، "كما" الكاف حرف تشبيه وجر "ما" مصدرية، "اهتزت" اهتز فعل ماض والتاء للتأنيث، "رماح" فاعل اهتزت، و"ما" المصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، أي: مشين مشيا كائنا كاهتزاز إلخ. "تسفهت" تسفه فعل ماض والتاء للتأنيث، "أعاليها" أعالي مفعول به لتسفه وأعالي مضاف والضمير مضاف إليه، "مر" فاعل تسفهت و"مر" مضاف "الرياح" مضاف إليه، "النواسم" نعت للرياح، وجملة "تسفهت" نعت "لرماح". الشاهد: في "تسفهت مر الرياح" حيث أنّث الشاعر الفعل بتاء التأنيث مع أن فاعله مذكر وهو "مر" والذي جلب له ذلك إنما هو المضاف إليه، وهو "الرياح". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٧، وابن عقيل ٢/ ٣٨، والأشموني ٢/ ٣١٠، وداود، والمكودي ص٨٦، وسيبويه ١/ ٢٥، والخصائص ٢/ ٤١٧. ٢ أ، ب، وفي جـ "في السقوط". ٣ قال سيبويه ١/ ٢٦: "وسمعنا من يوثق به من العرب يقول: اجتمعت أهل اليمامة لأنه يقول في كلامه: اجتمعت اليمامة يعني: أهل اليمامة، فأنث الفعل في اللفظ إذ جعله في اللفظ لليمامة، فترك اللفظ على ما يكون عليه في سعة الكلام". ٤ صدر بيت قائله عنترة بن شداد العبسي، وهو من الكامل. وتمامه: فتركن كل حديقة كالدرهم الشرح: "ثرة" -بفتح الثاء وتشديد الراء- كل عين كثيرة الماء، "كل حديقة" ويروى: كل قرارة، "فتركن كل حديقة" معناه: أن الماء لما اجتمع استدار أعلاه، فصار كدور الدرهم. =
[ ٢ / ٧٩٥ ]
ومنه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ١ والتأنيث في هذا النوع أفصح بخلاف ما قبله.
تنبيه:
قد يرد مثل ذلك في التذكير، ومنه قول الشاعر:
رؤية الفكر ما يئول له الأمر معين على اجتناب التواني٢
ثم قال:
ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد
_________________
(١) = الإعراب: "جادت" جاد فعل ماض والتاء للتأنيث، "عليه" جار ومجرور والضمير يرجع إلى النبت في البيت قبله، "كل" فاعل، و"عين" مضاف إليه، و"ثرة" نعت لعين، "فتركن" الفاء عاطفة "تركن" فعل وفاعل، "كل" مفعول به، "حديقة" مضاف إليه، "كالدرهم" جار ومجرور نعت لحديقة. الشاهد: في "جادت" حيث أنث مع إسناده إلى لفظة كل؛ لاكتساب كل التأنيث من المضاف إليه بإضافته. مواضعه: ذكره ابن هشام في المغني ١/ ١٦٨، والسيوطي في همعه ٢/ ٧٤، والأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣١٠. ١ من الآية ٣٠ من سورة آل عمران. ٢ قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من الخفيف. الشرح: "ما يئول" ما يرجع له الأمر، "على اجتناب التواني" ويروى: "على اكتساب الثواب". الإعراب: "رؤية" مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "الفكر" مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة من إضافة المصدر إلى فاعله، "ما يئول له الأمر" جملة وقعت مفعولا للمصدر أو في محل جر صفة للفكر، يعني الفكر الذي يرجع إليه الأمر، "معين" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، "على" حرف جر، "اجتناب" مجرور بها، "التواني" مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بقوله: "معين". الشاهد: في "له الأمر" حيث قال: "له" ولم يقل: "لها"، فكأنه قال: الفكر الذي يئول له الأمر ويجوز أن يكون الاستشهاد في قوله: "معين" فإنه مذكر مع أن المبتدأ مؤنث، وذلك لسريان التذكير إليه من المضاف إليه وهو الفكر. ا. هـ. العيني. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٧، والأشموني ٢/ ٣١١، وداود، والمكودي ص٨٧، والسيوطي ص٧٤، وأيضا في همعه ٢/ ٤٩.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
لا بد من كون المضاف غير المضاف إليه بوجه ما؛ لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه، والشيء لا يتخصص ولا يتعرف بنفسه، وما أوهم ذلك أول.
فما يوهم الإضافة إلى المرادف نحو: "سعيد كرز" "فيؤول"١ الأول بالمسمى، والثاني بالاسم، كأنك قلت: جاءني مسمى هذا اللقب.
ومما يوهم إضافة الصفة إلى الموصوف قولهم: "سحق عمامة"، "وجرد قطيفة، بإضافة الشيء إلى جنسه، أي: سحق من عمامة"٢.
ومما يوهم إضافة الموصوف إلى صفته قولهم: "مسجد الجامع".
فيؤول بحذف المضاف إليه وإقامة صفة مقامه، أي: مسجد المكان الجامع.
وذهب الكوفيون إلى أن الصفة ذهب بها مذهب الجنس ثم أضيف الموصوف إليها كما يضاف بعض الجنس إليه في نحو: "خاتم حديد"، وعلى هذا فلا حذف.
وإضافة الصفة إلى موصوفها، والموصوف إلى صفته "لا ينقاس"٣.
وأجاز الفراء إضافة الشيء إلى ما بما معناه؛ لاختلاف اللفظين، ووافقه ابن الطراوة وغيره ونقله في النهاية٤ عن الكوفيين.
وقال الفراء: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ ٥ أضيفت الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة.
والعرب قد تضيف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه كيوم الخميس.
وذكر مثلا منها: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ٦ و﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ٧ و﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "فيئولون". ٢ جـ، وقال الأشموني ٢/ ٣١١: " أي: شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة". ٣ أ، جـ، وفي ب "لا يقاس". ٤ كتاب لابن الخباز. ٥ من الآية ٣٠ من سورة النحل. ٦ من الآية ٩٥ من سورة الواقعة. ٧ من الآية ٩ من سورة ق. ٨ من الآية ١٦ من سورة ق.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وظاهر التسهيل وشرحه موافقة الفراء١.
ثم قال:
وبعض الأسماء يضاف أبدا
إنما احتِيج "إلى"٢ التنبيه على الأسماء التي لازمت الإضافة لخروجها عن الأصل، إذ الأصل جواز إفراد الاسم عن الإضافة.
ثم الأسماء "الملازمة"٣ للإضافة على قسمين:
قسم يلازمها لفظا ومعنى نحو: "قصارى" و"حمادى"٤ و"لدى".
وقسم يلازمها معنى لا لفظا نحو: "كل" و"بعض" و"أي".
وإلى هذا أشار بقوله:
وبعض ذا قد يأتِ لفظا مفردا
تنبيهات:
الأول: لكلٍّ موضعان تلزم فيهما الإضافة لفظا ومعنى:
أحدهما: إذا "وقعت"٥ نعتا، والآخر: إذا "وقعت"٦ توكيدا خلافا للفراء والزمخشري في التوكيد.
الثاني: شذ تنكير "كل" ونصبه على الحال فيما "حكاه"٧ أبو الحسن.
وعلى هذا، فلا يمتنع إدخال "أل" "عليه"٨.
الثالث: مذهب سيبويه والجمهور أن "كلا وبعضا" معرفتان "بنية"٩ الإضافة، وقالوا: "مررت بكل قائما" و"ببعض جالسا"١٠.
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ٢/ ٣١١. ٢ ب، جـ، وفي أ "على". ٣ أ، جـ، وفي ب "اللازمة". ٤ قصارى وحمادى بمعنى: غايته. ٥ ب، وفي أ، جـ "وقع". ٦ ب، وفي أ، جـ "وقع". ٧ أ، ب، وفي جـ "ذكره". ٨ ب. ٩ أ، جـ، وفي ب "على نية". ١٠ قال سيبويه ١/ ٢٧٣: "هذا باب ما ينتصب خبره لأنه معرفة، وهي معرفة لا توصف ولا تكون وصفا. وذلك قولك: مررت بكل قائما، ومررت ببعض قائما وبعض جالسا".
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما أن يقول: "إن"١ نصفا وثلثا وسدسا معارف؛ لأنها في المعنى مضافات، وهي نكرة بإجماع.
ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده، ودل مجيء الحال بعد "كل وبعض" على إرادته.
ثم إن الملازم٢ للإضافة "ثلاثة"٣ أنواع:
أحدها: ما لزم الإضافة إلى "المضمر"٤.
والثاني: "ما يضاف"٥ إلى الظاهر "والمضمر"٦.
والثالث: ما لزم الإضافة إلى الجملة.
وقد أشار إلى الأول بقوله:
وبعض ما يضاف حتما امتنع إيلاؤه اسما ظاهرا حيث وقع
كوحد لبى ودوالى سعدى وشذ إيلاء يدي للبى
تقدم الكلام على نصب "وحد" في باب الحال، وهو ملازم للإضافة إلى "المضمر"٧ ولازم الإفراد والتذكير؛ لأنه مصدر، وربما ثني مضافا إلى ضمير مثنى.
حكى ابن سيده٨ "جلسا على وحدهما، وعلى وحديهما"٩ ووحد منصوب دائما، وقد يجر بإضافة نسيج وجحيش وعيير.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "اللازم". ٣ أ، ج، وفي ب "على ثلاثة". ٤ أ، جـ، وفي ب "الضمير". ٥ أ، ب، وفي جـ "ما لزم الإضافة". ٦ أ، جـ. ٧ أ، جـ، وفي ب "الضمير". ٨ هو: علي بن أحمد بن سيده النحوي الأندلسي. كان حافظا، لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة، قال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية فتشبث بي أهلها ليسمعوا علي غريب المصنف، فقلت لهم: انظروا من يقرأ عليكم، فأتوا برجل أعمى يعرف بابن سيده، فقرأ علي من أوله إلى آخره من حفظه فعجبت منه. شرح كتاب الأخفش وغيره. مات سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة عن نحو ستين سنة. ٩ أ، جـ، وفي ب "جلسا على وحديهما وحدتهما".
[ ٢ / ٧٩٩ ]
والأول للمدح، والأخير للذم.
وزاد بعضهم قريع وحده وهو للمدح، وقد يجر بعلى كما سبق١.
وأما "لبى ودوالى وسعدى" فهي مصادر مثناة تلزم الإضافة إلى "المضمر"٢، فتقول: لبيك وسعديك ودواليك ونحوها: حنانيك وهذاذيك وحجازيك وحذاريك.
قال في النهاية: ومن المصادر المثناة حذاريك -بفتح الحاء- ولا مفرد له.
تنبيهات:
الأول: الناصب لهذه المصادر واجب الإضمار، ويقدر في غير لبيك من لفظه والتقدير في لبيك: "أجبت"٣ إجابتك، وكأنه من ألب بالمكان إذا قام به.
الثاني: يجوز استعمال لبيك وحده، وأما سعديك فلا يستعمل إلا تابعا للبيك.
قال سيبويه: أراد بقول لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة٤.
الثالث: هذه التثنية عند الجمهور للتكثير "لا تقع على الواحد"٥.
الرابع: ذهب الأعلم، إلى أن الكاف في لبيك وأخواته حرف خطاب لا موضع "له"٦ من الإعراب وحذفت النون لشبه الإضافة.
_________________
(١) ١ قال السيوطي في همعه ٢/ ٥٠: " يقال: هو نسيج وحده وقريع وحده إذا قصد قلة نظيره في الخير، وأصله في الثوب؛ لأنه إذا كان رفيعا لم ينسج على منواله، والقريع: السيد، وهو جحيش وحده وعيير وحده إذا قصد قلة نظيره في الشر وهما مصغر "عير" وهو الحمار، وجحش وهو ولده يذم بهما المنفرد باتباع رأيه، ويقال: هما نسيجا وحدهما وهم نسجاء وحدهم وهي نسيجة وحدها وهكذا، وقيل: لا يتصل بنسيج وإخوته العلامات فيقال: هما نسيج وحدهما وهكذا". ٢ أ، جـ، وفي ب "الضمير". ٣ ب، جـ، وفي أ "أجبتك". ٤ قال سيبويه "١/ ١٧٥: "كأنما أراد بقوله: لبيك وسعديك إجابة، كأن يقول: كلما أجبتك في أمر فأنا في الأمر الآخر مجيب، وكأن هذه التثنية أشد توكيدا". ٥ ب وفي أ، جـ "لا شفع الواحد". ٦ ب وفي أ، جـ "لها".
[ ٢ / ٨٠٠ ]
الخامس: حكى سيبويه عن بعض العرب١: لبِّ، على أنه مفرد لبيك غير أنه مبني على الكسر، لقلة تمكنه. واختلف فيه؛ فقيل: ينصب نصب المصدر كأنه قال: إجابة، وقال المصنف: جعلوه اسم فعل.
وقوله:
وشذ إيلاء يدي للبى
أشار إلى أنه شذت إضافته إلى الظاهر في قوله:
دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور٢
تنبيه:
ذهب يونس إلى أن لبيك اسم مفرد وأصله لبى قلبت ألفه ياء للإضافة إلى المضمر كما في عليك.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٧٦: "وبعض العرب يقول: لب، فيجريه مجرى أمس وفاق، ولكن موضعه نصب". ٢ من أبيات سيبويه التي لم يعرفوا لها قائلا ١/ ١٧٦، وقال العيني: لأعرابي من بني أسد، وهو من المتقارب. الشرح: "دعوت" طلبت، "نابني" نزل بي وأصابني، "مسور" -بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو- اسم رجل، "لبى" أجاب، "لبى يدي مسور" المراد الدعاء لمسور بأن يجاب دعاؤه كلما دعا إجابته بعد إجابة، وإنما خص يديه بالذكر؛ لأنهما اللتان أعطتاه ما سأل. المعنى: أصل هذا أن رجلا دعا رجلا آخر اسمه موسر ليغرم عنه دية لزمته، فأجابه إلى ذلك. فالراجز يقول: دعوت مسورا للأمر الذي نزل بي فلباني، ثم دعا له. الإعراب: "دعوت" فعل وفاعل، "لما" اللام حرف جر للتعليل، "ما" اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام والجار والمجرور متعلق بدعوت، "نابني" ناب فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى ما والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة لا محل لها صلة الموصول، "مسورا" مفعول به لدعوت، "فلبى" الفاء عاطفة، "لبى" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى مسور والجملة معطوفة على جملة "دعوت مسورا"، وقوله: "فلبى يدي مسور" الفاء للتعليل، "ولبى" مصدر منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، وهو مضاف ويدي مضاف إليه ويدي مضاف ومسور مضاف إليه. الشاهد: في "فلبى يدي" حيث أضاف "لبى" إلى الاسم الظاهر وهو "يدي"، وذلك شاذ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٩، وابن عقيل ٢/ ٤١، والأشموني ٢/ ٣١٣، وداود، والسندوبي، والأصطهناوي، والمكودي ص٨٧، وابن هشام ٢/ ١٩١، وأيضا في المغني ٢/ ١٤٣، والسيوطي ص٧٥، وأيضا في الهمع ١/ ١٩٠، وابن يعيش ١/ ١٩١، والشاهد رقم ٩٣ من الخزانة، والكتاب ١/ ١٧٦.
[ ٢ / ٨٠١ ]
ورد عليه سيبويه بقوله: "فلبى يدي مسور" لإثبات الياء مع الظاهر١، فإن قلت: قد ذكر في شرح التسهيل: إن إضافة لبيك إلى "المضمر"٢ الغائب شاذة كإضافته إلى الظاهر، ومنه قول الراجز:
لقلت لبيه لمن يدعوني٣
وظاهر كلامه هنا جواز إضافته إلى المضمر مطلقا.
قلت: لا يلزم من قوله: "امتنع إيلاؤه اسما ظاهرا" جواز إضافته لكل مضمر.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٧٦: "وزعم يونس أن لبيك اسم واحد، ولكنه جاء على هذا اللفظ في الإضافة كقولك: عليك، وقال سيبويه: دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور فلو كان بمنزلة على لقال: فلبى يدي مسور؛ لأنك تقول: على زيد إذا أظهرت الاسم. ٢ أ، وفي ب، جـ "الضمير". ٣ قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر له على قائل، من الرجز. وقبله: إنك لو دعوتني ودونيزوراء ذات مترع بيون الشرح: "زوراء" -بفتح الزاي وسكون الواو- الأرض البعيدة الأطراف، "مترع" ممتد، "بيون" بزنة صبور: البئر البعيدة القعر، وقيل: الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، "لبيه" فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأصل أن يقول: لقلت لك: لبيك. المعنى: إنك لو ناديتني وأمامي أرض بعيدة الأطراف واسعة الأرجاء ذات ماء بعيد الغور، لأجبتك إجابة بعد إجابة، يريد أنه لا تعوقه عن إجابته صعاب ولا شداد. الإعراب: "إنك" إن حرف توكيد ونصب والكاف ضمير المخاطب اسمه، "لو" شرطية غير جازمة، "دعوتني" دعا فعل ماض وضمير المخاطب فاعله والنون للوقاية والياء مفعول به والجملة شرط "لو"، و"دوني" الواو للحال، "دوني" ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم ودون مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، "زوراء" مبتدأ مؤخر وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال، "ذات" نعت لزوراء وذات مضاف، "مترع" مضاف إليه، "بيون" نعت لمترع، "لقلت" اللام واقعة في جواب لو، قلت فعل وفاعل والجملة جواب لو وجملة الشرط في محل رفع خبر إن في أول الأبيات، "لبيه" مفعول مطلق والهاء مضاف إليه، "لمن" اللام حرف جر ومن اسم موصول، "يدعوني" فعل وفاعل ومفعول والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. الشاهد: في "لبيه" حيث أضاف "لبى" إلى ضمير الغائب، وذلك شاذ والحكم أن يضاف إلى ضمير المخاطب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٤٠، والأشموني ٢/ ٣١٣، وابن هشام ٢/ ١٩٠، وفي المغني ٢/ ١٤٣، والسيوطي ص٧٥، وفي همعه ١/ ١٩٠.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
وفي الارتشاف: "ويضاف"١ إلى الظاهر؛ تقول: لبى زيد وسعدى عمرو، وإلى ضمير الغائب قالوا: لبيه، ودعوى الشذوذ فيهما باطلة. هـ٢.
ثم أشار إلى الثالث بقوله:
وألزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ
شمل قوله: "إلى الجمل"، "الجملة"٣ الاسمية والفعلية:
فالاسمية نحو: "جلست حيثُ زيدٌ جالس" و"إذ زيدٌ جالس".
والفعلية نحو: "حيثُ جلسَ زيد"، و"إذ جلسَ زيد".
فإن قلت: كيف قال: وألزموا مع إذ، حيث قد ورد إضافتها إلى مفرد، في قوله:
أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعا٤
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "ومضاف". ٢ قال السيوطي في همعه ١/ ١٩٠: "ورده أبو حيان بأن سيبويه قال في كتابه: يقال: لبى زيد وسعدى زيد، فساق ذلك مساق المنساق المطرد". ٣ ب. ٤ صدر بيت بحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الرجز. وعجزه: نجما يضيء كالشهاب لامعا الشرح: "سهيل" -بضم السين- نجم تنضج الفواكه عند طلوعه وينقضي القيظ، "الشهاب" الشعلة من النار. الإعراب: "أما" الهمزة للاستفهام "وما" نافية أو: "أما" كلها أداة استفتاح، "ترى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، "حيث" مفعول به مبني على الضم في محل نصب وحيث مضاف و"سهيل" مضاف إليه، "طالعا" قيل: حال من سهيل ومجيء الحال من المضاف إليه -مع كونه قليلا- قد ورد في الشعر وهذا منه، وقيل: هو حال من "حيث" والمراد بحيث هنا مكان خاص مع أن وضعه على اسم مكان مبهم، "ونجما" منصوب على المدح بفعل محذوف، "يضيء" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى نجم، والجملة في محل نصب صفة لنجم، "كالشهاب" جار ومجرور متعلق بيضيء، "لامعا" حال مؤكدة. الشاهد: في "حيث سهيل"، فإنه أضاف حيث إلى اسم مفرد، وذلك شاذ عند جمهرة النحاة. وإنما تضاف عندهم إلى الجملة، وقد أجاز الكسائي إضافة "حيث" إلى المفرد، واستدل بهذا البيت ونحوه، وروي برفع "سهيل"، فتكون مضافة إلى الجملة فلا شاهد فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٥٩، وابن عقيل ٢/ ٣٤، والأشموني ٣١٤، والسيوطي ص٧٥.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وقد جاءت غير مضافة في قوله:
إذا ريدة من حيثُ ما نفحت له١
قلت: أما إضافتها إلى المفرد "فهو ممنوع"٢ عند البصريين إلا في ضرورة، وهو عند الكسائي في قياس.
وأما عدم إضافتها فهو أندر "منه"٣ مع أن في شاهده احتمالا ظاهرا، فلندور ذلك واختصاصه بالضرورة قال: وألزموا.
وقوله:
وإن ينون يحتمل إفراد إذ
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله أبو حية النميري، واسمه المشمر بن الربيع، وهو شاعر مجيد من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، والبيت من الطويل. وعجزه: أتاه برياها خليل يواصله الشرح: "ريدة" -بفتح الراء وسكون الياء وفتح الدال- يقال: ريح ريدة ورأدة وريدانة أي: لينة الهبوب، "نفحت" أي: هبت، "برياها" -بفتح الراء وتشديد الياء- الرائحة. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، "ريدة" فاعل لفعل محذوف تقديره نفحت "يفسره المذكور"، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "من" حرف جر، "حيث" ظرف قطع عن الإضافة مبني على الضم في محل جر، "ما" زائدة، "نفحت" نفح فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى ريدة، "له" جار ومجرور متعلق بنفحت، "أتاه" أتى فعل ماض والضمير في محل نصب مفعول به، "برياها" الباء حرف جر، و"ريا" اسم مجرور بالباء، والضمير مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بأتاه، "خليل" فاعل أتى، "يواصله" جملة في محل رفع نعت لخليل، وجملة أتاه وقعت جوابا لإذا. الشاهد: في "من حيث"، حيث قطعت عن الإضافة. تقديره: إذا ريدة نفحت له من حيث هبت؛ وذلك لأن ريدة فاعل بفعل محذوف يفسره نفحت، فلو كانت نفحت مضافا إليه لزم بطلان التفسير، إذ المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف فلا يفسر عاملا فيه. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ١/ ٢١٢. ٢ أ، جـ، وفي ب "فهي ممنوعة". ٣ أ، جـ، وفي ب "منها".
[ ٢ / ٨٠٤ ]
يعني: أن إذ يجوز إفرادها لفظا عن الإضافة، لكن بشرط أن يعوض "عن"١ الجملة المحذوفة تنوين نحو: "يومئذ"، ولا تشاركها "حيث" في ذلك.
ولهذا قال: "يحتمل إفراد إذ".
فإن قلت: لِمَ كسرت الذال من يومئذ٢ ونحوه؟
قلت: لالتقاء الساكنين خلافا للأخفش، إذ جعل كسرها للجر بالإضافة، ورد بأوجه منها: أنهم قالوا يومئذ بالفتح.
تنبيه:
قولهم: "إذ ذاك" ليس من الإضافة إلى المفرد، بل إلى جملة اسمية، والتقدير: إذ ذاك كذلك٣.
وما كإذ معنى كإذ أضف جوازا
يعني: أن "المشابه لإذ"٤ في كونه اسم زمان مبهما غير محدود يراد به المضي أضيف جوازا "إلى"٥ ما يضاف إليه إذ وجوبا، يعني: الجملتين، وذلك نحو: يوم وأيام.
فلو كان غير مبهم أو محدودا لم يضف إلى الجمل، فلا يجوز إضافة "أسبوع وشهر ويومين ونحو من المثنى وأجاز المغاربة إضافة"٦ أسبوع وشهر ونحوه.
وأجاز ابن كيسان إضافة المثنى ولم يسمع، ولو مرادا به الاستقبال لم يضف كإذ، بل يضاف كإذا أعني: إلى جملة فعلية؛ لأن "إذا" وما حمل عليها لا يضاف إلى الاسمية.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، ج "من". ٢ أ، جـ، وفي ب "يومئذ وحينئذ". ٣ راجع الأشموني ٢/ ٣١٤. ٤ أ، ب، وفي جـ "ما شابه إذ". ٥ أ، ب، وفي جـ "أي". ٦ أ، جـ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
هذا مقتضى مذهب سيبويه؛ ولذلك يؤول قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ ١ على "تنزيله"٢ منزلة الماضي.
قال المصنف: والصحيح جواز ذلك على قلة، يعني: في "إذا" وما حمل عليها.
تنبيهان:
الأول: منع صاحب البسيط إضافة المتوسع فيه إلى الجملة، قال: لأنه اسم حينئذ، والأسماء لا تضاف إلى الجمل، وليس بصحيح. بل قد أُضيف متوسعا فيه نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ ٣.
الثاني: "الظاهر"٤ أن إضافة أسماء الزمان إلى الجمل محضة تفيد التعريف.
وفي البسيط: قد يقال: لا تفيده؛ لأن الجمل نكرات.
ثم قال:
وابن أو أعرب ما كإذ قد أجريا
يعني: أنه يجوز فيما أجري مجرى "إذ" من أسماء الزمان فأضيف إلى جملة، وجهان: الإعراب وهو القياس، والبناء "وهو ضعيف"٥، وسببه عند البصريين المشاكلة؛ ولذلك لم يجيزوه إلا قبل فعل مبني.
"و"٦ قال المصنف: بل سببه شبه الظرف حينئذ بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه، وإلى غيره، وذلك إن قمت من قولك: ""حين"٧ قمت قمت" كان كلاما تاما قبل دخول "حين" عليه وبعد دخولها حدث له افتقار، فشبه "حين" وأمثاله بإن.
_________________
(١) ١ من الآية ١٦ من سورة غافر. ٢ أ، ب، وفي جـ "تنزله". ٣ من الآية ٣٥ من سورة المرسلات. ٤ جـ. ٥ ب، قال الأشموني ٢/ ٣١٥: "أما الإعراب فعلى الأصل، وأما البناء فحملًا على إذ". ٦ أ، جـ. ٧ ب، جـ، وفي أ "حتى".
[ ٢ / ٨٠٦ ]
ثم قال:
واختر بنا متلوّ فعل بُنيا
شمل قوله: "بنا" الماضي نحو:
على حين عاتبت المشيب على الصَّبَا١
والمضارع المبني كقوله:
على حين يستصبين كل حليم٢
_________________
(١) ١ صدر بيت قائله النابغة الذبياني من قصيدة يعتذر فيها للنعمان، من الطويل. وعجزه: ألما أصح والشيب وازع الشرح: "عاتبت": لمت في تسخط، "الصبا" -بكسر الصاد- اسم الصبوة، وهي ميل إلى هوى النفس واتباع شهواتها، "المشيب" هو ابيضاض المسوَدّ من الشعر وقد يراد به الدخول في حده، أصح" فعل مضارع مأخوذ من الصحو وهو زوال السكر، "وازع" زاجر، كاف. المعنى: أسلبت العبرة وقت معاتبتي الشيب حين حل وارتحل الصبا وقلت لنفسي موبخا: كيف لا أفيق من غفلتي والشيب أكبر زاجر. وقبل هذا البيت: وأسبل مني عبرة فرددتها على النحر منها مستهل ودامع الإعراب: "على" حرف جر ومعناه هنا الظرفية، "حين" يروى بالجر معربا ويروى بالفتح مبنيا وهو المختار، وعلى كل حال هو مجرور بعلى لفظا أو محلا والجار والمجرور متعلق بقوله: "كفكف" في بيت سابق، "عاتبت" فعل وفاعله والجملة في محل جر بإضافة حين إليها، "المشيب" مفعول به لعاتبت، "على الصبا" جار ومجرور متعلق بعاتبت، "قفلت" الفاء عاطفة "وقلت" فعل وفاعله والجملة معطوفة على جملة عاتبت، "ألما" الهمزة للإذكار "لما" نافية جازمة وفيها معنى توقع حصول مجزومها، "أصح" فعل مضارع مجزوم بلما وعلامة جزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، "والشيب" الواو للحال والشيب مبتدأ، "وازع" خبره والجملة في محل نصب حال. الشاهد: في "على حين عاتبت"، فإن الرواية وردت فيه بفتح "حين" على أنه مبني؛ لأنه اكتسب البناء مما أضيف إليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٠، وابن عقيل ٢/ ٤٥، والأشموني ٢/ ٣١٥، وابن هشام ٦/ ١٩٨، وأيضا في المغني ٢/ ١١٥، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٨، وابن يعيش ٢/ ١٦، الشاهد ٤٩٩ من الخزانة، وسيبويه ١/ ٣٦٩. ٢ عجز بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من الطويل. وصدره: لأجتذبن منهن قلبي تحلما
[ ٢ / ٨٠٧ ]
يروى ببناء "حين" أنشده في شرح التسهيل، فكلاهما يختار معه البناء، فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
وقبل فعل ماض البنا رجح والعكس قبل غيره أيضا وضح
ثم قال:
وقبل فعل معرب أو مبتدأ أعرب
مثال الفعل المعرب: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ١ والمبتدأ.
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل٢
_________________
(١) = الشرح: "لأجتذبن" مضارع مقرون بلام القسم ونون التوكيد الخفيفة وماضيه "اجتذب"، تقول: جذب الشيء يجذبه واجتذبه، وذلك إذا مده نحو نفسه، "تحلما" أي: تتكلف الحلم وتتصنعه، "يستصبين" يملن به إلى الصبوة، "حليم" عاقل. المعنى: يقول: إنه سيجتذب قلبه من هؤلاء النسوة، ويتخلص من محبتهن، تصنعا للعقل والحكمة، في الوقت الذي لهن فيه من المسكنة ما يملن به كل عاقل. الإعراب: "لأجتذبن" اللام واقعة في جواب القسم، "أجتذب" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا والنون حرف دال على التوكيد، "منهن" جار ومجرور متعلق بأجتذب، "قلبي" قلب مفعول به لأجتذبن والياء مضاف إليه، "تحلما" مفعول لأجله، "على حين" جار ومجرور متعلق بأجتذب، "يستصبين" فعل وفاعل، "كل" مفعول به وكل مضاف "وحليم" مضاف إليه، والجملة في محل جر بإضافة حين إليها. الشاهد: في "على حين يستصبين"، فإن الرواية بفتح "حين" على أنه مبني بسبب إضافته إلى الفعل المضارع المبني؛ لاتصاله بنون النسوة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣/ ٣١٥، والمكودي ص٨٨، وابن هشام ٢/ ١٩٩، وأيضا في المغني ٢/ ١١٥، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٨. ١ من الآية ١١٩ من سورة المائدة. ٢ قائله موبال بن جهم المذحجي، ويقال: قائله: مبشر بن مبشر الهذلي الفزاري، من الطويل. الإعراب: "ألم" الهمزة للاستفهام "ولم" حرف نفي وجزم وقلب، "تعلمي" فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون وياء المخاطبة فاعل، "يا" لمجرد التنبيه، "عمرك" منصوب نصب المصادر فإذا دخلت عليه اللام يرفع بالابتداء وظاهره القسم وليس مراده هنا، إذ المراد بتعميرك الله أي: بإقرارك له بالبقاء، "أنني كريم" أن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي "تعلمي"، "على حين" على حرف جر وحين مجرور، وأعرب لأنه وقع قبل مبتدأ وهو "الكرام"، و"قيل" خبر المبتدأ. الشاهد: في "حين الكرام" حيث أعربت "حين" قبل المبتدأ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٣٢٥، والمكودي ص٨٨، وابن هشام في المغني ٢/ ١١٥، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٨.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
فالإعراب قبل هذين جائز باتفاق.
وأما البناء فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون، "ومال"١ الفارسي إلى تجويزه.
واختاره المصنف؛ ولذلك قال: "ومن بنى فلن يفندا".
لأن علة البناء "ليست لطلب"٢ المشاكلة، بل ما تقدم٣.
قد ورد السماع بالبناء قبل الجملة الاسمية في قوله: على حين الكرام قليل٤، فإنه روي بالفتح، وإذا ثبت قبل الاسمية كان قبل "الفعل"٥ المضارع أولى؛ لأن أصله البناء.
ثم قال:
وأُلزموا إذا إضافة إلى جمل الأفعال كهن إذا اعتلى
مذهب الجمهور أن "إذا" لازمة "للإضافة"٦، والجملة بعد "ها"٧ في موضع جر والعامل فيها جوابها.
وقيل: ليست مضافة، والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها؛ لأن جوابها قد يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله، كالفاء وإذا الفجائية وما النافية.
ولأن "وقتي"٨ الشرط والجواب قد يختلفان في نحو: "إذا جئتني غدا "أجيئك"٩ بعد غد".
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "وأما". ٢ أ، وفي ب "ليس طلب"، وفي جـ "ليست طلب". ٣ بل سببه شبه الظرف حينئذ بحرف الشرط إلخ. ٤ وورد السماع أيضا في قراءة نافع: "هذا يومَ ينفع" بالفتح. ٥ ب. ٦ أ، ج، وفي ب "الإضافة". ٧ ب، جـ. ٨ جـ، وفي أ "وقت"، وفي ب "جزئي". ٩ أ، وفي ب، جـ "جئتك".
[ ٢ / ٨٠٩ ]
ومذهب سيبويه أنها لا تضاف إلا إلى جملة فعلية نحو "قوله"١: "هن إذا اعتلى"٢، وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٣ فعلى تقدير الفعل.
قال في شرح التسهيل: لا يجيز سيبويه غير ذلك، وقال السهيلي عن سيبويه: إنه يجيز على إرادة الابتداء بعد إذا الشرطية وأدوات الشرط إذا كان الخبر فعلا، وأجاز الأخفش مع ما أوجبه سيبويه جعل المرفوع بعدها مبتدأ.
قال في شرح التسهيل: وبقوله أقول، وجزم هنا بمذهب سيبويه.
ثم قال:
لمفهم اثنين معرف بلا تفرق أضيف كلتا وكلا
كلا وكلتا من الأسماء "الملازمة"٤ للإضافة لفظا ومعنى، ولا يضافان إلا لمفهم اثنين، "فيشمل"٥ المثنى نحو: "كلا الرجلين" وضميره نحو: "كلاهما" و"كلانا" واسم الإشارة إلى المثنى ولو بلفظ الإفراد كقوله:
إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل٦
_________________
(١) ١ ب. ٢ قال سيبويه ١/ ٥٤: "وما يقبح بعده ابتداء الأسماء ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصبا في القياس: إذا وحيث. ويقبح ابتداء الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل لو قلت: اجلس حيث زيد جلس، أو اجلس إذا زيد يجلس. ولإذا موضع آخر يحسن فيه ابتداء الأسماء بعدها، تقول: نظرت فإذا زيد يضربه عمرو؛ لأنك لو قلت: نظرت إذا زيد يذهب لحسن". ٣ الآية ١ من سورة الانفطار. ٤ أ، جـ، وفي ب "اللازمة". ٥ أ، ج، وفي ب "فيشمل". ٦ قائله هو عبد الله بن الزبعرى أحد شعراء قريش المعدودين، وكان في أول الدعوة الإسلامية مشركا يهجو المسلمين ثم أسلم. والبيت من كلمة له يقولها وهو مشرك يوم أحد، وهو من الرمل. الشرح: "مدى" غاية ومنتهى، "وجه" جهة، "وقبل" -بفتح القاف والباء- له عدة معانٍ منها الحجة الواضحة. المعنى: يقول: إن للخير وللشر غاية ينتهي إليها واحد منهما، وكل منهما أمر واضح لا يخفى على أحد. =
[ ٢ / ٨١٠ ]
واحترز بقوله: "معرف" من المنكر، فلا يضافان إليه.
وحكى الكوفيون إضافتها إلى النكرة "إذا"١ كانت "محدودة"٢ نحو: "كلا رجلين عندك قائمان" "واحترز بقوله"٣: "بلا تفرق" من نحو: "كلا زيد وعمرو"، فإنه لا يجوز إلا في الضرورة كقوله:
كلا الضيفن المشنوء والضيف نائل لدى المنى والأمن في اليسر والعسر٤
_________________
(١) = الإعراب: "إن " حرف توكيد، "للخير" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن تقدم، "وللشر" معطوف على ما قبله بالواو، "مدى" اسم إن مؤخر عن خبرها، "وكلا" الواو عاطفة، وكلا مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة "وكلا" مضاف واسم الإشارة في "ذلك" مضاف إليه، واللام للبعد والكاف حرف خطاب، "وجه" خبر المبتدأ، "وقبل" معطوفة بالواو على ما قبلها. الشاهد: في "وكلا ذلك" حيث أضاف "كلا" إلى مفرد لفظا وهو "ذلك"؛ لأنه مثنى في المعنى لعوده على اثنين. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ١٦١، وابن عقيل ٢/ ٤٨، وابن هشام ٢/ ٢٠٣، وداود، والأشموني ٢/ ٣١٧، والسيوطي ص٧٦، وفي همعه ٢/ ٥٠، وابن يعيش ٣/ ٣. ١ أ، ب، وفي جـ "إن". ٢ أ، جـ، وفي ب "مجردة". ٣ ب، وفي أ، جـ "وقوله". ٤ البيت بحثت عنه فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. الشرح: "الضيفن" -بفتح الضاد وسكون الياء وفتح الفاء- تابع الضيف وهو الذي يسمى الطفيلي والنون فيه زائدة، فوزنه "فعلن" لا "فيعل"، "المشنوء" -بفتح الميم وسكون الشين وضم النون- المبغض، وروي "واجد" بدل "نائل"، وروي: "العسر واليسر". الإعراب: "كلا" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، الضيفن مضاف إليه، "المشنوء" بالجر صفة للضيفن، "والضيف" الواو عاطفة، الضيف معطوف على الضيفن، "نائل" خبر المبتدأ، "لدى" نصب على الظرف أي: عندي، "المنى" مفعول لقوله: نائل، "والأمن" عطف عليه، "في اليسر" جار ومجرور في محل نصب على الحال، "والعسر" عطف عليه. الشاهد: في كلا الضيفن "أن كلا أضيف إلى مفرد معطوف عليه آخر، وهذا لا يجوز إلا في الضرورة". مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣١٧.
[ ٢ / ٨١١ ]
وذكر ابن الأنباري أن "كلا" يضاف إلى مفرد، بشرط أن تكرر نحو: "كلاي، وكلاك محسنان" وأوردها على أنها من كلام العرب، ولم يذكر المصنف إلا في "أي".
ثم قال:
ولا تضف لمفرد معرف أيا
من الأسماء "الملازمة"١ للإضافة "أي": ويجوز إضافتها إلى النكرة بلا شرط وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنية نحو: "أي الرجلين٢ وأيهما"، أو جمع نحو: "أي الرجال٣ وأيهم".
ولا تضاف إلى مفرد "معرفة"٤ نحو: "أي زيد عندك"؛ لأنها بمعنى بعض "مع"٥ المعرفة.
ولا يصح ذلك في هذا المثال ونحوه، ويستثنى من ذلك صورتان:
"إحداهما"٦: أن "تكرر"٧ أيا معطوفا بالواو، كقوله:
أيّي وأيك فارس والأحزاب٨
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "اللازمة". ٢ أ. ٣ أ. ٤ أ، جـ، وفي ب "معرف". ٥ أ، ب، وفي جـ "وفي". ٦ أ، ب. ٧ أ، جـ وفي ب "تكون". ٨ عجز بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وبحثت فلم أعثر على قائل، من الكامل. وصدره: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن الشرح: "خاليين" يريد ليس معنا أحد، "الأحزاب" جمع حزب: الجماعة من الناس والطائفة يكون أمرهم واحدا. المعنى: يتوعد مخاطبه ويقول له: إذا انفردنا ونزل كل منا إلى صاحبه، فستعلم أينا الشجاع. الإعراب: "فلئن" الفاء عاطفة واللام موطئة للقسم، "إن" شرطية، "لقيتك" "لقي" فعل ماض واقع فعل الشرط والتاء فاعل والضمير "الكاف" مفعول به، "خاليين" حال من =
[ ٢ / ٨١٢ ]
والأخرى: أن تقصد الأجزاء نحو: "أي زيد أحسن" بمعنى: أي أجزائه.
وإليهما أشار بقوله:
وإن كرَّرتها فأضف، أو تنو الأجزا
ثم قال:
واخصصن بالمعرفه موصولة أيا
يعني: أن "أيا" الموصولة لا تضاف إلا إلى معرفة وهذا هو الأشهر، وأجاز بعضهم إضافتها إلى النكرة، ذكره ابن عصفور وغيره.
وقوله: "وبعكس الصفة" يعني: أن "أيا" إذا وقعت صفة، لم تضف إلا إلى نكرة بعكس الموصولة، والواقعة حالا كالواقعة صفة١.
ثم قال:
وإن تكن شرطا أو استفهاما فمطلقا كمِّل بها الكلاما
يعني أن "أيا" إذا وقعت شرطا أو استفهاما، جاز إضافتها إلى النكرة، وإلى المعرفة على التفصيل السابق٢.
فظهر بهذا أن "لأي"٣ ثلاثة أحوال:
ثم قال:
وألزموا إضافة لدن فجر
_________________
(١) = الفاعل ومن المفعول معا منصوب بالياء، "لتعلمن" جواب القسم وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، وأكد الفعل بنون التوكيد الخفيفة، "أيي" مبتدأ ومضاف إليه، "وأيك" عطف عليه، "فارس الأحزاب" خبر المبتدأ ومضاف إليه، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تعلم. وعلق تعلم عنها بسبب الاستفهام. الشاهد: في "أيي وأيك"، حيث أضاف لفظ "أي" إلى مفرد معرفة لأنه تكرر، ولولا هذا التكرار لم تجز إضافته للمعرفة المفردة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢/ ٢٠٥، والأشموني ٢/ ٣١٧، والسيوطي ص٧٦. ١ مثال الموصولة مضافة إلى المعرفة: "يعجبني أيهم قائم"، وإلى النكرة: "يعجبني أي رجلين قاما"، ومثال الواقعة صفة: "مررت برجل أي رجل"، والواقعة حالا: "مررت بزيد أي فتى". ٢ مثالهما "أي رجل يأتيني فله درهم"، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾، ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ . ٣ ب، جـ، وفي أ "لها".
[ ٢ / ٨١٣ ]
من الأسماء الملازمة للإضافة "لدن"، وهي لأول غاية زمان أو مكان.
وتضاف إلى المفرد، وإلى الجملة.
وقوله: "فجر" يعني: لفظا أو محلا لتندرج الجملة.
ومن إضافتها إلى جملة اسمية قوله:
وتذكر نعماه لدن أنت يافع١
وفعلية قوله:
صريع غوانٍ راقهن ورقنه لدن شب حتى شاب سود الذوائب٢
_________________
(١) ١ صدر بيت. قال في الدرر اللوامع ١/ ١٨٤: لم أعثر على قائله. وبحثت فلم أعثر له على قائل. وعجزه: إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر الشرح: "نعماه" -بضم النون- النعمة، "اليافع" الشاب، "فودين" قال في الصحاح: "فود" معظم شعر الرأس مما يلي الأذن، وفود الرأس جانباه والجمع أفواد. والفودان: قرنا الرأس وناحيتاه، ويقال: بدا الشيب بفوديه، وفي الحديث: "كان أكثر شيبه في رأسه" أي: ناحيتيه. الإعراب: "وتذكر" الواو عاطفة، "تذكر" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت، "نعماه" نعمى مفعول به والضمير مضاف إليه، "لدن" ظرف يصلح للزمان والمكان، "أنت يافع" مبتدأ وخبر والجملة في محل جر بإضافة لدن إليها، "إلى" ابتدائية، "أنت" مبتدأ، "ذو" خبر، "فودين" مضاف إليه، "أبيض" خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت، "كالنسر" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثالث، أو خبر لمبتدأ محذوف أيضا. الشاهد: في "لدن أنت يافع"، حيث أضيفت "لدن" إلى الجملة الاسمية. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣١٨، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٥. ٢ قائله القطامي، واسمه عمير بن شييم، من الطويل. الشرح: "صريع" المصروع: هو المطروح على الأرض غلبة، "غوانٍ" جمع غانية وهي الجارية التي غنيت بحسنها عن الحلي، "راقهن" أعجبهن، وروي: "شاقهن وشقنه"، "ورقنه" أعجبنه، "الذوائب" جمع ذؤابة: خصلة من الشعر. المعنى: أنه صريع مغلوب على أمره بسبب الغانيات اللاتي تعلق بهن منذ نشأ، وتعلقن به حتى شاب. الإعراب: "صريع" بالجر بدل من قوله: "مستهلك" في بيت سابق، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف، "غوان" مضاف إليه، "راقهن" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه يعود إلى =
[ ٢ / ٨١٤ ]
ولم يضف إلى الجمل من ظروف المكان إلا حيث ولدن. وقال ابن برهان: إلا "حيث"١ وحدها.
وقوله:
ونصب غدوة بها عنهم ندر
سمع في "غدوة" بعد "لدن" الجر والنصب والرفع.
أما الجر فهو الأصل٢، وأما النصب "فشاذ، ووجه"٣ بثلاثة أوجه:
أحدها: أن "لدن" شبهت باسم الفاعل "في ثبوت"٤ نونها تارة، وحذفها أخرى فنصب بها.
وضعف لسماع النصب بعد "لد"٥ المحذوفة النون.
والثاني: أن النصب على إضمار "كان" الناقصة.
والثالث: أنه على التمييز.
وقال سيبويه: ولا تنصب لدن غير غدوة٦.
_________________
(١) = صريع غوان وضمير الغائبات مفعول به، "ورقنه" الواو حرف عطف وراق فعل ماض ونون النسوة فاعل وضمير الغائب مفعول به، "لدن" ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب، وقد نازع فيه كل من راقهن ورقنه، "شب" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر والجملة في محل جر بإضافة لدن إليها، "حتى" حرف غاية وجر، "شاب" فعل ماض مبني على الفتح، "سود" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، "الذوائب" مضاف إليه مجرور بالكسرة. الشاهد: في "لدن شب"، حيث أضاف "لدن" إلى جملة "شب" وهي فعلية، والفاعل مستتر جوازا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢/ ٢٠٧، والأشموني ٢/ ٣١٨، وداود، والمكودي ص٩٨، والسيوطي في الهمع ١/ ٢١٥. ١ ب، جـ، وفي أ "حديث". ٢ قال سيبويه ١/ ١٠٧: "والجر في غدوة هو الوجه، والقياس". ٣ أ، جـ، وفي ب "فرجه". ٤ أ، ج "لثبات"، وب "لثبوت"، والأحسن في ثبوت. ٥ أ، ب، وفي جـ "لدن". ٦ قال سيبويه ١/ ٢٨: "إن لدن إنما ينصب بها مع غدوة"، وفي ١/ ١٠٧: "أن لدن لها مع غدوة حال ليست في غيرها تنصب بها، كأنه ألحق التنوين في لغة من قال له وذلك قولك: من لدن غدوة".
[ ٢ / ٨١٥ ]
وأما الرفع فرواه الكوفيون، ووجه بإضمار "كان"١.
وقال ابن جني: لشبهه بالفاعل فرفع، فظاهره أنها مرفوعة بلدن ولم يذكر الرفع هنا، وذكره في التسهيل٢.
وقوله: "بها" يقتضي أن نصب غدوة بلدن لا بكان المقدرة.
وقوله: "ومع مع فيها قليل".
مع اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على ما يليق بالمصاحب، وهو ملازم للإضافة والظرفية وقد يجر بمن. حكى سيبويه: ذهب مِنْ مَعِهِ٣.
وهو معرب في أكثر اللغات، وبناؤه على السكون لغة ربيعة.
وفي المحكم٤ "لغة"٥ ربيعة٦ وغنم ولم يحفظ سيبويه أنه لغة، فزعم أنه ضرورة.
وقوله: "قليل" يعني بالنسبة إلى اللغة الأخرى.
وزعم أبو جعفر النحاس أن الإجماع منعقد على حرفيتها إذ كانت ساكنة.
وليس بصحيح، بل الصحيح أنها باقية على اسميتها، وهذا مفهوم من قوله: "فيها".
يعني: أن الإسكان قليل في موضع الاسمية، ولو كانت المسكنة حرفا لم يكن الإسكان في الاسمية٧.
وقوله:
ونقل فتح وكسر لسكون يتصل
هما: مرتبان لا مفرعان؛ من أعربها فتح، ومن بناها على السكون كسر؛ لالتقاء الساكنين.
_________________
(١) ١ كان التامة، والتقدير: لدن كانت غدوة. ٢ قال في التسهيل ص٩٧: "وقد يرفع". ٣ الكتاب ١/ ٣٠٩. ٤ هو كتاب لابن سيده. ٥ أ، ب. ٦ هو ابن تغلب بن وائل رأس القبيلة، ودليل البناء على السكون قوله: فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما ٧ ب، ج.
[ ٢ / ٨١٦ ]
وقوله:
واضمم -بناء- غيرا إن عدمت ما له أضيف ناويا ما عدما
قبل كغير، بعد، حسب، أول ودون والجهات أيضا، وعل
يعني أن هذه الأشياء المذكورة، أعني: غير "وقبلا"١ وما بعدهما، إذا حذف ما يضاف لم يخل إما أن ينوى معناه دون لفظه، أو ينوى لفظه "أ"٢ ولا ينوى.
فإن نوى معناه دون لفظه بنيت على الضم؛ لشبهها بحرف الجواب والاستغناء عما بعدها، مع ما فيها من شبه الحرف في الجمود والافتقار٣.
وإن نوى لفظه أعربت إعراب المضاف "ولم تنون"٤.
حكى الفراء في معانيه٥ أن من العرب من يقول: "من قبل" بالخفض.
وحذف التنوين للإضافة. وإن لم ينو أعربت٦ ونونت كقراءة من قرأ: "من قبلٍ ومن بعدٍ"٧ بالتنوين. ومنه قوله:
فساغ لي الشراب وكنت قبلًا أكاد أغص بالماء الحميم٨
وإلى هذا أشار بقوله:
وأعربوا نصبا
البيت.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ "قليلا". ٢ ب، جـ. ٣ بالجمود والكلام يستقيم بوضع في "في الجمود"، ومثال المبني قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ راجع الأشموني ٢/ ٣٢١. ٤ أ، جـ. ٥ كتاب له في تفسير القرآن الكريم. ٦ أي: قطعت عن الإضافة لفظا ومعنى، فلم ينو لفظه ولا معناه. ٧ من الآية ٤ من سورة الروم. ٨ قال العيني: قائله عبد الله بن يعرب، والصواب أنه ليزيد بن الصعق، من الوافر. الشرح: "ساغ لي الشراب" حلا ولان وسهل مروره في الحلق، "أغص" مضارع من الغصص وهو في الأصل انحباس الطعام في المريء ووقوفه في الحلق، واستعمل ههنا في موضع الشرق، "الماء الحميم" هو الذي تشتهيه النفس، وفي غير هذا الموضع يطلق على الماء الحار، ويروى: الماء الفرات. =
[ ٢ / ٨١٧ ]
فإن قلت: لم ينبه على أنه إذا نوى لفظه أعرب، بل ظاهر قوله: "ناويا ما عُدما" يقتضي بناءه.
قلت: إذا نوى لفظه صار كالمنطوق به، فكأنه ما عدم.
فإن قلت: قوله: وأعربوا نصبا ليس بجيد؛ لأن هذه الأسماء قد تجر حال التنكير، كقراءة "من قرأ"١: "من قبل ومن بعد".
قلت: الغالب فيها النصب وجرها قليل، فكأنه اقتصر على النصب "لذلك"٢.
فإن قلت: قوله: "إذا نكر" يفهم أن هذه الأسماء إذا بُنيت على الضم كانت معرفة.
قلت: والأمر كذلك.
وقال في البسيط: قال بعضهم: هي نكرات، وإنما يريد قبل شيء.
وجعل بعض النحويين التنوين في قوله: "وكنت قبلا" تنوين العوض و"أن"٣ "قبلا" معرفة بنية الإضافة.
_________________
(١) = المعنى: لما أدركت ثأري هدأت نفسي وطاب خاطري، وكنت قبل ذلك أتألم من أسهل الأشياء وألذها. الإعراب: "فساغ" الفاء عاطفة وساغ فعل ماض، "لي" جار ومجرور متعلق بساغ، "الشراب" فاعل ساغ، "وكنت" الواو للحال، "كان" فعل ماض ناقص والتاء ضمير المتكلم اسمها، "قبلا" منصوب على الظرفية يتعلق بكان، "أكاد" فعل مضارع واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، "أغص" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، والجملة في محل نصب خبر أكاد، وجملة أكاد واسمها وخبرها في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها في محل نصب حال، "بالماء" جار ومجرور متعلق بأغص، و"الحميم" نعت للماء. الشاهد: في "قبلا"، حيث أعرب منونا؛ لأنه قطع عن الإضافة لفظا ومعنى. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٣٦، وابن عقيل ٢/ ٥٦، والأشموني ٢/ ٣٢٢، والشاطبي، وابن هشام ٢/ ٢١٣، والمكودي ص٩١، والسيوطي ص٧٨، وأيضا في الهمع ١/ ٢١٠، وابن يعيش ٤/ ٨٨، والشاهد رقم ٦٩ من الخزانة. ١ ب، جـ. ٢ أ، ب. ٣ أ، جـ.
[ ٢ / ٨١٨ ]
في شرح الكافية: وهذا القول عندي حسن١.
ثم قال:
وما يلي المضاف يأتي خَلَفا عنه في الإعراب إذا ما حُذِفا
يجوز حذف المضاف للعلم به، والأكثر حينئذ أن يخلفه المضاف إليه في الإعراب نحو: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ ٢ أي: حب العجل.
وقد يخلفه في التنكير إن كان المضاف مثلا نحو: "مررت برجل زهير" "أي: مثل زهير"٣؛ ولذلك نعت به النكرة.
وربما خلفه في غير ذلك، كالتذكير والتأنيث.
ثم قال:
وربما جروا الذي أبقوا كما قد كان قبل حذف ما تقدما
يعني: أن المضاف إليه قد يبقى بعد حذف المضاف مجرورا، كما كان قبل حذفه.
ولذلك شرط ذكره في قوله:
لكن بشرط أن يكون ما حُذِف مماثلا لما عليه قد عُطِف
يعني: أن شرط جر المضاف إليه بعد حذف المضاف، أن يكون المحذوف معطوفا على مثله لفظا ومعنى بعاطف متصل، نحو:
أكل امرئ تحسبين امرأ ونارٍ تَوَقَّد بالليل نارا٤
_________________
(١) ١ نص شرح الكافية، ورقة ٦٧: "وهذا عندي قول حسن". ٢ من الآية ٩٣ من سورة البقرة. ٣ أ، ب. ٤ قائله أبو دؤاد الإيادي، وهو من المتقارب. الشرح: "تحسبين" تظنين، "توقد" أصله تتوقد -تاء المضارعة وتاء تفعل، فحذفت إحداهما تخفيفا- ومعنى "توقد" تشتعل وتتوهج. المعنى: لا تظني كل شخص رجلا كاملا، بل الكامل من اجتمع له من الصفات والخصال أحسنها وأسماها. ولا تظني كل نار تتوقد في الليل نارا محمودة، بل المحمود منها ما توقد لقرى الأضياف. =
[ ٢ / ٨١٩ ]
أو منفصل بلا كقولهم: "ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة"١ والجر في هذا النوع "بالشرط المذكور"٢ مقيس، وليس ذلك مشروطا بتقدم نفي "أو"٣ استفهام، كما ظن بعضهم.
وما خلا مما قيد به المقيس فهو محفوظ لا يقاس عليه، كقولهم: "مررت بالتيمي عدي، أي: أحد تيم عدي"٤ قاله المصنف، فجر دون عطف وكقراءة ابن
_________________
(١) = الإعراب: "أكل" الهمزة للاستفهام الإنكاري، كل مفعول أول "تحسبين" مقدم عليه، "وكل" مضاف، "وامرئ" مضاف إليه، "تحسبين" فعل وفاعل، "امرأ" مفعول ثانٍ، "ونار" الواو عاطفة والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: وكل نار، "فنار" مضاف إليه في الأصل، وذلك المعطوف المحذوف -وهو المضاف- هو المعطوف على "كل امرئ" المتقدم، "توقد" أصله: تتوقد؛ فحذف إحدى التاءين وهو فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى نار، والجملة نعت لنار، و"بالليل" جار ومجرور متعلق بتوقد، "نارا" معطوف على قوله: "امرئ" المنصوب السابق. الشاهد: في "نار" حيث حذف المضاف فيه وترك المضاف إليه بإعرابه، إذ تقديره: وكل نار. فحذف "كل" وترك "نار" بالجر على ما كان عليه، ولا يجوز أن يعطف "نار" المجرور على "امرئ" إذ فيه عطف على عاملين بواو واحدة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٥، وابن عقيل ٢/ ٥٩، وابن هشام ٢/ ٢٢٣، والمكودي ص٩١، وداود، والشاطبي، والسيوطي ص٧٨، وفي همعه ٢/ ٥٢، وابن يعيش ٣/ ٢٦، وابن هشام في المغني ١/ ٢٢٤، وسيبويه ١/ ٣٣، والأشموني ٢/ ٢٢٣. ١ وفي مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٢٨١ رقم ٣٨٦٨ مجمل حديثه: أن عامر بن ذهل وثب على عمه قيس بن ثعلبة، فجعل يخنقه لأنه أخذ مال أبيه. فقال قيس: يابن أخي دعني فإن الشيخ متأوه فذهب قوله مثلا. ثم قال: ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة. يعني أنه وإن أشبه أباه خَلقا فلم يشبهه خُلُقا، فذهب قوله مثلا يضرب في موضع التهمة. ا. هـ. وقال سيبويه ١/ ٣٣: "وإن شئت نصبت شحمة وبيضاء في موضع جر، كأنك لفظت بكل فقلت: ولا كل بيضاء". ٢ ب، وفي أ، جـ "بالشروط المذكورة". ٣ أ، جـ، وفي ب "ولا". ٤ أ، جـ، وفي ب "كقول بعض العرب: رأيت التيمي تيم عدي".
[ ٢ / ٨٢٠ ]
الجماز١ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ٢ -بالخفض- والعاطف مفعول وقدره المصنف عرض الآخرة٣.
ثم قال:
ويُحذف الثاني فيبقى الأول كحاله إذا به يتصل
يعني: أن المضاف إليه قد يحذف وينوى لفظه، فيبقى المضاف على حاله قبل الحذف فلا ينون، ولا ترد إليه النون إن كان مثنى أو مجموعا؛ ولذلك "شرط"٤ ذكره في قوله:
بشرط عطف وإضافة إلى مثل الذي له أضفت الأولا
أي: بشرط عطف مضاف إلى مثل المحذوف، كقول بعضهم: "قطع الله يد ورِجْل من قالها"٥.
وقول الشاعر:
بين ذراعي وجبهة الأسد٦
_________________
(١) ١ هو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز الزهري المدني. كان مقرئا جليلا وضابطا نبيلا، من أفاضل رواة أبي جعفر، أحد القراء العشرة المشهورين. توفي سنة ١٧٠هـ. ٢ من الآية ٦٧ من سورة الأنفال. ٣ راجع الأشموني ٢/ ٣٢٥. ٤ جـ، وفي ب "شروط" وسقط من أ. ٥ قال الأشموني ٢/ ٣٢٦: "الأصل: قطع الله يد من قالها ورجل من قالها، فحذف ما أضيف إليه "يد" لدلالة ما أضيف إليه "رجل" عليه". وقال ابن عقيل ٢/ ٦١: "وأكثر ما يكون ذلك إذا عطف على المضاف اسما مضافا إلى مثل المحذوف من الاسم الأول، كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها. والتقدير: قطع الله يد من قالها ورجل من قالها؛ فحذف ما أضيفت إليه "يد" وهو "من قالها"؛ لدلالة ما أضيف إليه "رجل" عليه". ا. هـ. ٦ عجز بيت قائله الفرزدق، يصف فيه عارض سحاب اعترض بين نوء الذراع ونوء الجبهة، وهما من أنواء الأسد، وهو من المنسرح. وصدره: يا من رأى عارضا أسر به الشرح: "عارضا" أي: سحابا، "أسر به" أفرح به ويروى: "أكفكفه" يكفكف دمعه: يمسحه مرة بعد أخرى ليرده، ويروى: "أرقت له" بمعنى سهرت لأجله، "بين ذراعي" أراد بذراعي وجبهة الأسد الكوكبين اللذين يدلان على المطر عند طلوعهما، وذراعا الأسد وجبهة الأسد منزلان من منازل القمر، والذراع والجبهة من أنواء الأسد. الإعراب: "يا" حرف نداء والمنادى محذوف تقديره: يا قوم، ويحتمل أن يكون "من" منادى مفردا وعلى الأول يكون من استفهامية، "رأى" فعل ماض والفاعل ضمير، "عارضا" مفعول، "أسر به" على صيغة المجهول وهي جملة في محل نصب صفة لقوله: عارضا =
[ ٢ / ٨٢١ ]
وجاء نظيره في عدة أبيات١.
وقال الفراء: لا يجوز ذلك إلا في المصطحبين كاليد والرجل، والنصف والربع، وقبل وبعد. فأما نحو دار وغلام، فلا يجوز ذلك فيهما.
تنبيهات:
الأول: ذهب ابن عصفور في تخريج قولهم: "قطع الله يد ورجل من قالها" ونحوه إلى أن التقدير: يد من قالها ورجله فحذف الضمير، "وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه"٢.
الثاني: قد يفعل ذلك دون عطف كقوله:
ومن قبل نادى كل مولى قرابة٣
_________________
(١) = "بين" منصوب على الظرفية، "ذراعي" مضاف إلي مقدر، أي: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. الشاهد: في "ذراعي وجبهة الأسد"، حيث حذف المضاف إليه وأبقى المضاف، والتقدير: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٣٢٦، والمكودي ص٩٢، والشاطبي، والأصطهناوي، وابن هشام في المغني ٢/ ٤٥، وابن يعيش ٣/ ٢١، والشاهد رقم ١٣٦ من الخزانة، وسيبويه ١/ ٩٢، والخصائص ٢/ ٤٩٧. ١ منها: سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها فنِيطت عرا الآمال بالزرع والضرع ٢ أ، ب، وفي جـ "وأقحم المضاف بين المضاف إليه". ٣ صدر بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر على قائله، وهو من الطويل. وعجزه: فما عطفت مولى عليه العواطف الشرح: "مولى قرابة" أراد به ابن العم، "عطفت" أمالت، "العواطف" جمع عاطفة، وهي اسم فاعل من عطف. المعنى: يصف الشاعر شدة نزلت بقوم، فاستغاث كلٌّ بذوي قرابته، فلم يغيثوه واستنجدهم لدفع ما عرض له فلم ينجدوه. الإعراب: "ومن قبل" جار ومجرور متعلق بقوله: نادى الآتي، "نادى" فعل ماض، "كل" فاعل نادى وكل مضاف "ومولى" مضاف إليه، "قرابة" مفعول به لنادى، "فما" الفاء عاطفة "وما" نافية، "عطفت" عطف فعل ماض والتاء للتأنيث، و"مولى" مفعول به لعطفت، "عليه" جار ومجرور متعلق بعطف، "والعواطف" فاعل عطفت. الشاهد: في "قبل" حيث حذف المضاف إليه وأبقى المضاف على حاله الذي كان قبل الحذف من غير تنوين، مع أن الشرطين غير متحققين؛ لأنه ليس معطوفا عليه اسم مضاف إلى مثل المحذوف وهو قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٥، وابن عقيل ٢/ ٦٢، وابن هشام ٢/ ٢١١، والأشموني ٢/ ٣٢٢، ٣٢٦، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي ص٧٨، وأيضا في همعه ١/ ٢١٠.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
كذا رواه الثقات بالكسر بلا تنوين.
قال المصنف: استعمال هذا الحذف في الأسماء الناقصة "الدلالة"١ قليل، وفي الأسماء التامة "الدلالة"٢ كثير.
فمن ذلك قراءة ابن محيصن٣: "فلا خَوْفُ عليهم"٤ أي: فلا خوف شيء عليهم وقد يفعل ذلك مع عطف على مضاف إلى مثل المحذوف وهو عكس الأول. ومن شواهده قول أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه٥: "غزونا مع رسول الله -ﷺ- سبع غزوات أو ثمانيَ".
هكذا ضبطه "الحافظ"٦ في صحيح البخاري بفتح الياء دون تنوين، والأصل: أو ثماني غزوات.
ثم قال:
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، جـ، وفي أ "للدلالة". ٣ هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي المكي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير. قال ابن مجاهد: وكان ممن تجرد للقراءة وقام بها في عصر ابن كثير، محمد بن عبد الرحمن بن محيصن، وكان نحويا يقرأ القرآن على ابن مجاهد. قال أبو القاسم الهذلي: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة. ٤ من الآية ٦٩ من سورة المائدة، برفع خوف من غير تنوين مع كسر الهاء. ٥ أبو برزة -بفتح الباء وسكون الراء وفتح الزاي- نضلة -بفتح النون وسكون الضاد- بن عبد الله، وقيل: كان اسمه نيارا فسماه رسول الله -ﷺ- عبد الله وقال: "نيار شيطان". وأبو برزة أسلم قديما وشهد فتح مكة، وروي له عن رسول الله -ﷺ- ستة وأربعون حديثا، وتوفي بالبصرة وقيل: بل بخراسان سنة ستين، وقيل: أربع وستين. ٦ أ، ج، وفي ب "الحافظ".
[ ٢ / ٨٢٣ ]
فصل مضاف شبه فعل ما نصب مفعولا أو ظرفا أجز ولم يعب
فصل يمين
مذهب أكثر البصريين أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع إلا في الشعر، وذهب المصنف إلى أنه يجوز في السعة بشيئين:
الأول: ما نصبه المضاف المشابه للفعل من مفعول به أو ظرف "أو مجرور"١.
فمن الفصل بالمفعول به قراءة ابن عامر٢: "قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ"٣.
وبالظرف قول الشاعر:
كناحت يوما صخرة بعسيل٤
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "أو مصدر". ٢ هو عبد الله بن عامر بن يزيد، ولد سنة إحدى وعشرين. قال أبو علي الأهوازي: كان عبد الله بن عامر إماما عالما ثقة فيما أتاه حافظا لما رواه. توفي بدمشق يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة ومائة. ٣ من الآية ١٣٧ من سورة الأنعام، بنصب "أولاد" وجر "شركاء" وقتل بالرفع نائب فاعل لزين وهو مضاف إلى شركاء، من إضافة المصدر لفاعله باعتبار أمرهم به و"أولادهم" مفعول فصل به بين المتضادين. ٤ عجز بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من الطويل. وصدره: فرِشْني بخير لا أكونن ومدحتي الشرح: رشني أمر من راش يريش، يقال: رشت فلانا: أصلحت حاله، ومعناه أصلح حالي "بعسيل" مكنسة العطار التي يجمع فيها العطر. المعنى: يقول لمخاطبه الذي يستجديه: أصلح شأني ولا تردني خائبا بعد هذا السعي والعناء؛ لئلا أكون في مدحي لك كمن ينحت الصخرة بمكنسة العطار، يتعب بدون فائدة. الإعراب: "فرشني" الفاء للاستئناف، "رش" فعل أمر والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به، "بخير" جار ومجرور متعلق بـ "رش"، "لا" ناهية، "أكونن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، "ومدحتي" الواو بمعنى مع، "مدحة" مفعول معه منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه واسم "أكون" ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، "كناحت" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "أكون"، "يوما" ظرف زمان منصوب وناحت مضاف، "وصخرة" مضاف إليه، "بعسيل" جار ومجرور متعلق بناحت. الشاهد: في "كناحت يوما صخرة"، فإن قوله: "ناحت" اسم فاعل مضاف إلى مفعوله وهو "صخرة" وقد فصل بينهما بالظرف وهو "يوما"، والتقدير: كناحت صخرة بعسيل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٢/ ٢٢١، وداود، والمكودي ص٩٢، والسيوطي ص٧١، وأيضا ص٧٩ في الهمع ٢/ ٥١.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
وبالمجرور قول الآخر:
لأنت معتاد في الهيجا مصابرة١
قال في شرح التسهيل: فهذا من أحسن الفصل؛ لأنه فصل بمعمول المضاف، ويدل على جوازه في٢ الاختيار قوله ﷺ: "هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ " ٣.
وقول من يوثق بعربيته: "ترك يوما نفسِك وهواها، سعيٌ لها في رداها"٤.
وقوله: "شبه فعل" "يشمل"٥ المصدر واسم الفاعل، ومن الفصل بالمفعول
_________________
(١) ١ صدر بيت قال العيني: لم أقف على اسم قائله، وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من البسيط. وعجزه: يصلى كل من عاداك نيرانا الشرح: "الهيجا" قال الجوهري: الحرب، وتمد وتقصر وههنا مقصورة، "يصلى" من قولهم: صليت الرجل نارا، أدخلته النار. الإعراب: "لأنت" اللام للتوكيد، "أنت" مبتدأ، "معتاد" خبره، "في الهيجا" جار ومجرور متعلق بمعتاد مضاف، "ومصابرة" مضاف إليه، "يصلى" فعل مضارع، "بها" جار ومجرور متعلق بيصلى كل "فاعل"، "من" اسم موصول مضاف إليه، "عاداك" عادى فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من والكاف ضمير مبني في محل نصب مفعول به والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "نيرانا" مفعول به ليصلى. الشاهد: في "في الهيجا"، فإنه فصل بين المضاف وهو قوله: "معتاد" والمضاف إليه وهو "مصابرة"، فالفصل بالجار والمجرور. مواضعه: ذكره المكودي في شرحه للألفية ص٩٢. ٢ أ، ب. ٣ هذا بعض حديث عن أبي الدرداء في البخاري ومسلم، وقد وقع نزاع بين بعض الصحابة وأبي بكر فغضب الرسول -ﷺ- وقال ما معناه: جئتكم بالهدى فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ و"تاركو" اسم فاعل مضاف إلى مفعوله وهو "صاحبي" بدليل حذف النون، وقد فصل بينهما بالجار والمجرور وهو "لي" المتعلق بالمضاف. ٤ هذه نصيحة: "ترك" مبتدأ وهو مصدر، "يوما" ظرف له فصله عن فاعله وهو "نفس" المضاف إليه ومفعوله محذوف، "وهواها" مفعول معه أي: ترك نفسك شأنها مع هواها يوما، "سعي" خبر ويحتمل أنه مضاف لمفعوله والفاعل محذوف أي: تركك نفسك، وهو الأحسن. ٥ أ، ب وفي جـ "شمل".
[ ٢ / ٨٢٥ ]
مع اسم الفاعل قراءة بعض السلف: "فلا تحسبنّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ"١ بنصب الوعد وخفض الرسل٢.
وقوله: "فصل" "مفعول"٣ مقدم لأجز، وقوله: "شبه فعل" صفة لمضاف.
وقوله: "ما نصب" فاعل بالمصدر الذي هو فصل، وقوله: "مفعولا أو ظرفا" "حالان"٤ من "ما".
والتقدير: أجز أن يفصل المضاف المشابه للفعل عما أضيف إليه منصوبه حال كونه مفعولا "به"٥ أو ظرفا وفي حكمه المجرور.
الثاني: القسم نحو ما حكاه الكسائي من قولهم: "هذا غلامُ والله زيدٍ"٦، وإليه أشار بقوله: "ولم يُعَب فصل يمين".
وزاد في الكافية الفصل بإما، وقال: "الفصل بإما مغتفر" هـ، كقوله:
هما خطتا إما إسار ومنة٧
_________________
(١) ١ من الآية ٤٧ من سورة إبراهيم، "مخلف" اسم فاعل متعدّ لاثنين وهو مضاف إلى "رسله" مفعوله الأول، و"وعد" مفعول ثانٍ وقد فصل به بينهما. ٢ ب. ٣ ب، جـ، وفي أ "معمول". ٤ ب، وفي أ، جـ "حال". ٥ أ، جـ. ٦ بجر "زيد" بإضافة "غلام" إليه. ٧ صدر بيت قائله تأبط شرا، واسمه ثابت بن جابر الفهمي جاهلي، وهو من الطويل. وعجزه: وإما دم والقتل بالحر أجدر الشرح: "هما خطتا" أصله: هما خطتان، فحذفت منها النون، وهي تثنية خطة وهي القصة والحالة، "إسار" -بكسر الهمزة- بمعنى الأسر، والتقدير: خطتا أسر. المعنى: ليس لي إلا واحدة من خصلتين اثنتين على زعمكم، إما إسار والتزام منكم إن رأيتم العفو، وإما قتل هو أولى بالحر وهذا تهكم واستهزاء. الإعراب: "هما" ضمير مبتدأ، "خطتا" خبره مرفوع بالألف لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة، "إما" تفصيلية، "خطتا" مضاف، "وإسار" مضاف إليه، "ومنة" الواو عاطفة "ومنه" معطوف على "إسار"، و"القتل" الواو استئنافية و"القتل" مبتدأ، "بالحر" جار ومجرور متعلق بأجدر "الآتي" وأجدر خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر استئنافية لا محل لها من الإعراب. الشاهد: في "خطتا إما إسار" حيث فصل فيه "إما" بين المضاف وهو "خطتا"، والمضاف إليه وهو "إسار". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢/ ٣٢٨، والسيوطي ص٧٩، وفي همعه ٢/ ٤٩، وابن هشام في المغني ٢/ ٢٠٢، والشاهد رقم ٥٤٧ من الخزانة.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
في رواية من جر١، ٢.
ثم نبه على أن "الفصل"٣ بغير ذلك مخصوص بالضرورة، فقال:
واضطرارا وُجدا بأجنبي أو بنعت، أو ندا
الأجنبي: ما ليس بمعمول "للمضاف"٤ من مفعول "به"٥ "أ"٦ وظرف "أ"٧ ومجرور "أ"٨ وفاعل.
مثال المفعول قول الشاعر:
تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها٩
_________________
(١) ١ راجع الأشموني ٣/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٢٨. ٢ في الكافية، ورقة ٦٩ قال: والفصل بإما مغتفر. وفي شرحها قال: ومن الفصل بإما قول الشاعر: هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر في رواية الجر هـ راجع الأشموني ٢/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٢٨. ٣ أ، ب، وفي جـ "المتصل". ٤ أ، ب، وفي جـ "المضاف". ٥ أ، ب. ٦ ب. ٧ ب. ٨ ب. ٩ صدر بيت قائله جرير بن عطية الخطفي، من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك بن مروان ويهجو أهل المهلب، وهو من البسيط. وعجزه: كما تضمن ماء المزنة الرصف الشرح: "امتياحا" من ماح فاه بالسواك يميح إذا استاك، "الندى" -بفتح النون- البلل من النداوة، "المزنة" السحابة البيضاء، "الرصف" -بفتح الراء والصاد- الحجارة المرصوفة وماء الرصف: هو الماء الذي ينحدر من الجبال على الصخر. "المسواك": العود الذي يستاك به، "الريقة": الرضاب، وهو ماء الفم. المعنى: أن أم عمرو تسقي من بلل ريقها المسواك عند استياكها، فيشتمل على ريقها الصافي العذب، كما يشتمل الرصف على ماء المطر الصافي. الإعراب: "تسقي" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى أم عمرو المذكور فيما قبله، "امتياحا" حال من فاعل "تسقي"، "ندى" مفعول ثانٍ لتسقي "المسواك" =
[ ٢ / ٨٢٧ ]
والظرف كقوله:
كما خُط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل١
والمجرور كقوله:
_________________
(١) = مفعول أول "لتسقي"، وندى مضاف "وريقة" مضاف إليه، ففصل بالمفعول الثاني بين المضاف "ندى" والمضاف إليه "ريقة"، "وريقة" مضاف والضمير مضاف إليه، "كما" الكاف حرف تشبيه وجر داخلة على المصدر "ما" مصدرية، "تضمن" فعل ماض، "ماء" مفعول به لتضمن وماء مضاف والمزنة مضاف إليه، "الرصف" فاعل لتضمن "وما" المصدرية وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالكاف. الشاهد: في "المسواك"، فإنه نصب على المفعولية لتسقي، وفصل به بين المضاف وهو "ندى" وبين المضاف إليه وهو "ريقها"، والتقدير: تسقي ندى ريقتها المسواك. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٧، وابن هشام ٢/ ٢٢٣١، والأشموني ٢/ ٣٢٨، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي في الهمع ٣/ ٥٢. ١ البيت لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع بن زرارة يصف رسم دار، من الوافر. الشرح: كما خط الكتاب "ويروى": كتحبير الكتاب، "يهودي" إنما خص اليهود؛ لأنهم أهل الكتاب حينذاك، "يقارب" يضم بعض ما يكتبه إلى بعض، "يزيل" يفرق بين كتابته ويباعد. المعنى: يشبه ما بقي متناثرا من رسوم الديار هنا وهناك بكتابة اليهودي كتابا جعل بعضه متقاربا وبعضه متفرقا. الإعراب: "كما" الكاف حرف تشبيه وجر "ما" مصدرية، "خط" فعل ماض مبني للمجهول، "الكتاب" نائب فاعل خط، "بكف" جار ومجرور متعلق بخط، "يوما" منصوب على الظرفية بخط أيضا، "كف" مضاف "يهودي" مضاف إليه، وقد فصل بينهما بالظرف و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: رسم هذه الدار كائن كخط الكتاب إلخ، "يقارب" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى "يهودي"، والجملة في محل جر نعت "يهودي"، "أو يزيل" أو عاطفة، وجملة يزيل معطوفة على ما قبلها. الشاهد: في "يوما"، فإنه نصب على الظرفية بقوله: "خط"، وقد فصل به بين المضاف وهو "كف" والمضاف إليه وهو "يهودي"، والحال أنه أجنبي، فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٦، وابن عقيل ٢/ ٦٤، والأشموني ٢/ ٣١٨، وابن هشام ٢/ ٢٣٢، والشاطبي، والأصطهناوي، والمكودي ص٩٢، والسيوطي ص٧٩، وفي همعه ٢/ ٥٢، وابن يعيش ١/ ١٠٣، وسيبويه ١/ ٩١، والإنصاف ٢/ ٣٥١.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
هما أخوا في الحرب من لا أخا له١
والفاعل كقوله:
أنجب أيامَ والداه به إذ نجلاه فنعم ما نجلا٢
_________________
(١) ١ صدر بيت قائلته عمرة الخثعمية ترثي ابنيها. وقيل: قائلته درنا بنت عبعبة من بني قيس بن ثعلبة. قاله سيبويه، وهو من الطويل. وعجزه: إذا خاف يوما نبوة فدعاهما الشرح: "نبوة" -بفتح النون وسكون الباء- من نبا السيف، إذا لم يعمل في الضريبة. المعنى: تقول: كانا لمن لا أخا له في الحرب ولا ناصر، أخوين ينصرانه إذا غشيه العدو، فخاف أن ينبو عن مقاومته. الإعراب: "هما" ضمير مبتدأ، "أخوا" خبره مرفوع بالألف لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة في الحرب جار ومجرور وأخوا مضاف، "من" اسم موصول مضاف إليه، "لا" نافية للجنس مبني على الفتح المقدر على الألف، وفي هذا التعبير كلام طويل وخلافات كثيرة اخترنا أيسرها، "له" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "لا"، و"لا" مع اسمها وخبرها لا محل لها من الإعراب صلة "من"، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "خاف" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى "من" فعل شرط، "يوما" ظرف زمان منصوب، "نبوة" مفعول به "لخاف"، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "فدعاهما" جملة وقعت جواب الشرط. الشاهد: في "أخوا في الحرب من لا أخا له"، حيث فصل بأجنبي بين المضاف وهو "أخوا"، وبين المضاف إليه وهو "من لا أخا له". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٧، والشاطبي، والأصطهناوي، وابن يعيش ٣/ ٢١، والسيوطي في الهمع ٢/ ٥٢، وسيبويه ١/ ٩٢، والإنصاف ٢/ ٥٢١، والخصائص ٢/ ٤٠٥. ٢ البيت للأعشى ميمون بن قيس، من قصيدة يمدح فيها سلامة ذا فائض الحميري، وهو من المنسرح. الشرح: أنجب أيام والداه، ويروى: أنجب أزمان والداه، "ويروى": أنجب أيام والديه به، "أنجب" من أنجب الرجل إذا ولد نجيبا. الإعراب: أنجب فعل ماض، "أيام" ظرف زمان منصوب، "والداه" والدا فاعل أنجب مرفوع بالألف لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة، والدا مضاف والضمير مضاف إليه، "به" جار ومجرور متعلق بأنجب، "إذا" ظرف لما مضى من الزمان، "نجلاه" "نجلا" فعل وفاعل والضمير مفعول به والجملة في محل جر بإضافة "إذا" إليها، "فنعم" الفاء عاطفة، "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "ما" موصولة فاعل نعم، "نجلا" فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول يجوز أن تكون "ما" نكرة فتكون تمييزا لفاعل وهو الضمير المستتر وتكون "نجلا" جملة من الفعل والفاعل في محل نصب صفة لما والرابط محذوف والتقدير: فنعم هو مولودا نجلاه. الشاهد: حيث فصل بين المضاف وهو "أيام" والمضاف إليه وهو "إذ نجلاه" بأجنبي وهو والداه وهو فاعل أنجب، إذ التقدير: أنجب والداه به أيام إذ نجلاه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٧، وابن هشام ٣/ ٣٣٠، والأشموني ٢/ ٣٢٨، والسيوطي ص٨٩، وأيضا في همعه ٢/ ٥٣.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وكذا لو كان الفاعل مرفوعا بالمضاف، فإن الفصل به مخصوص بالضرورة كقوله:
نرى أسهما للموت تصمي ولا تنمي ولا ترعوي عن نقض أهواؤنا العزم١
فإن قلت: لا تؤخذ هذه الصورة من كلامه هنا.
قلت: قد يفهم من قوله: "ما ينصب"، فعلم أن المرفوع لا يسوغ الفصل به اختيار، ومثال النعت قول الشاعر:
_________________
(١) ١ قال العيني: أنشده ثعلب ولم يعزه لأحد، وبحثت فلم أعثر له على قائل، وهو من الطويل. الشرح: أسهما جمع سهم، "تصمي" من الإصماء من أصميت الصيد، إذا رميته فقتلته بحيث تراه، "ولا تنمي" من الإنماء من أنميت الصيد، إذا رميته فغاب عنك ثم مات. والمعنى: نرى أسهما للموت تقتل ولا تبطئ ولا ترعوي، الارعواء: الكف عن القبيح، "العزم" عزمت على الأمر، إذا أردت فعله. الإعراب: نرى فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، "أسهما" مفعول نرى، للموت جار ومجرور، "تصمي" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى أسهما والجملة نعت لـ "أسهما"، إذا كانت نرى بصرية، أو مفعول ثانٍ إذا كانت قلبية، "ولا تنمي" الواو عاطفة "لا" نافية "تنمي" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى "أسهما" والجملة معطوفة على جملة تصمي ولا ترعوي كسابقتها، عن نقض جار ومجرور متعلق بترعوي، أهواؤنا "أهواء" مرفوع بالمصدر الذي هو نقض و"نقض" مضاف والعزم مضاف إليه. الشاهد: في "نقض أهواؤنا العزم" حيث فصل بين المضاف وهو "نقض"، وبين المضاف إليه وهو "العزم" مع أن الفاعل متعلق بالمضاف، وهو ضعيف. والتقدير: عن نقض العزم أهواؤنا، أي: عن أن تنقض أهواؤنا العزم. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
نجوت وقد بلّ المرادي سيفه من ابن أبي شيخ الأباطح طالب١
أراد: من "ابن"٢ أبي طالب شيخ الأباطح.
ومثال النداء قول الشاعر:
وفاق كعب بجير منقذ لك من تعجيل تهلكة والخلد في سَقَرَا٣
_________________
(١) ١ قائله معاوية بن أبي سفيان. قال ذلك لما اتفق ثلاثة من الخوارج، وهم: عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر، على قتل علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص -﵃- فقتل المرادي عليا ونجا معاوية من البرك فقال هذا البيت، وهو من الطويل. الشرح: المرادي نسبة إلى مراد وهي قبيلة باليمن، يريد قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، شيخ الأباطح جمع أبطح وهو المكان الواسع، وأراد بالأباطح مكة وأراد بشيخها أبا طالب. المعنى: تخلصت من القتل وقد لطخ ابن ملجم سيفه بدم علي بن أبي طالب شيخ مكة. الإعراب: نجوت فعل وفاعل، "وقد" الواو للحال وقد حرف تحقيق، "بل" فعل ماض، "المرادي" فاعل بل، "سيفه" مفعول به لبل وسيف مضاف والضمير مضاف إليه، "من ابن" جار ومجرور متعلق ببل وابن مضاف و"أبي" مضاف إليه، "شيخ الأباطح" نعت لأبي ومضاف إليه، "أبي" مضاف "طالب" مضاف إليه. الشاهد: في "أبي شيخ الأباطح طالب" حيث فصل بين المضاف وهو أبي، والمضاف إليه وهو "طالب" بالنعت، وهو "شيخ الأباطح". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص١٦٧، وابن عقيل ٢/ ٦٤، والأشموني ٢/ ٢٢٨، وابن هشام ٢/ ٢٣٥، والشاطبي، وداود، والأصطهناوي، والمكودي ٩٣، والسيوطي ص٩، وفي همعه ٢/ ٥٢. ٢ ب، جـ. ٣ قائله بجير بن زهير بن أبي سلمى يقوله لأخيه كعب بن زهير، وكان بجير قد أسلم قبل كعب فلامه كعب على ذلك وتعرض للرسول -ﷺ- فنال بلسانه منه، فأهدر النبي -ﷺ- دمه. وأما أبوهما زهير، فقد مات قبل المبعث بسنة، والبيت من البسيط. الإعراب: وفاق مبتدأ، "كعب" منادى بحرف نداء محذوف مبني على الضم في محل نصب، و"وفاق" مضاف و"بجير" مضاف إليه، "منقذ" خبر لمبتدأ، "لك" جار ومجرور متعلق بمنقذ، "من تعجيل" جار ومجرور متعلق بمنقذ أيضا و"تعجيل" مضاف، "تهلكة" مضاف إليه والخلد معطوف على تعجيل، "في سقر" جار ومجرور متعلق بالخلد. == الشاهد: في "وفاق كعب بجير"، فصل بين المضاف وهو وفاق، والمضاف إليه وهو بجير بالنداء وهو "كعب". والتقدير: وفاق بجير يا كعب منقذ لك، أي: منج لك من تعجيل الهلاك في الدنيا، والخلود في النار في الآخرة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١/ ٦٦، والأشموني ٢٢/ ٣٢٩، والأصطهناوي، والمكودي ص٩٢، والسيوطي في الهمع ٢/ ٥٣.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وزاد في التسهيل الفصل بفعل ملغى هـ١. أنشد ابن السكيت٢:
بأي تراهم الأرضين حلوا٣
وزاد غيره الفصل بالمفعول لأجله نحو:
معاود جرأة وقت الهوادي٤
_________________
(١) ١ راجع التسهيل ص١٦١. ٢ هو: أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، مضى التعريف به في باب الكلام. ٣ صدر بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله -وبحثت فلم أعثر له على قائل- وهو من الوافر. وعجزه: آلدبران أم عسفوا الكفارا الشرح: الدبران -بفتح الدال- وهو اسم موضع، ويروى: أبي الدبران، "الكفار" اسم موضع وهو بكسر الكاف، "أم عسفوا" أي: أم توجهوا. الإعراب: بأي: جار ومجرور متعلق بقوله: "حلوا"، "ترى" فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر فيه، "هم" ضمير في محل نصب مفعول به، أي مضاف و"الأرضين" مضاف إليه، وقوله: "تراهم" معترض بينها، "حلوا" فعل وفاعل، "آلدبران" الهمزة للاستفهام وفيه إضمار والتقدير: هل حلوا الدبران أم عسفوا، أي: أم توجهوا نحو الكفار؟ "أم" متصلة لمعادلتها الهمزة في إفادة التسوية، "عسفوا" فعل وفاعل، "الكفار" مفعول به. الشاهد: في "بأي تراهم الأرضين" فإن التقدير: بأي الأرضين تراهم حلوا، ففصل بقوله: "تراهم" بين قوله: "بأي" الذي هو مضاف وبين قوله: "الأرضين" الذي هو مضاف إليه. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه ٢/ ٣٢١، والسيوطي في همعه ٢/ ٥٣. ٤ صدر بيت. قال العيني: لم أقف على اسم قائله -وبحثت، فلم أعثر على قائله- وهو من الوافر. وعجزه: أشم كأنه رجل عبوس الشرح: "الهوادي" جمع هادية من هدأ، إذا سكن، أشم من الشمم وهو الارتفاع من باب علم يعلم، "عبوس" ويروى: "منبوس" من قولهم: رجل منبوس الوجه أي: عابسه وكريهه. =
[ ٢ / ٨٣٢ ]
أي: معاود وقت الهوادي جرأة.
وحكى ابن الأنباري: هذا غلام إن شاء الله "تعالى"١ ابن أخيك؛ ففصل بإن شاء الله، والله أعلم٢.
_________________
(١) = المعنى: يصف الشاعر رجلا بأنه يظهر الكبر ويعاود الحرب وقت ظهور الهوادي جمع هادٍ أي: أعناق الخيل لأجل جرأته في الحرب، والجرأة بضم الجيم ا. هـ. صبان. الإعراب: معاود خبر مبتدأ محذوف والتقدير هو معاود، "جرأة" مفعول لأجله ومعاود مضاف، "وقت" مضاف إليه ووقت مضاف، "الهوادي" مضاف إليه، "أشم" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو خبر بعد خبر عند من يجيز ذلك، "كأنه" كأن واسمها، "رجل" خبر كأن والجملة نعت لـ "أشم" نعت لرجل مرفوع. الشاهد: في "معاود جرأة وقت"، حيث فصل بين المضاف وهو "معاود" وبين المضاف إليه وهو "وقت" بقوله: "جرأة" منصوب على المفعولية. والتقدير: معاود وقت الهوادي جرأة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٢/ ٣٢٩، والسيوطي في الهمع ٢/ ٥٣. ١ أ، ب. ٢ راجع الأشموني ص ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٢٩.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
المضاف إلى ياء المتكلم:
آخر ما أُضيف للياء اكسر إذا لم يك معتلا كرام وقذى
يجب كسر آخر المضاف "إلى ياء"١ المتكلم، "إن"٢ لم يكن منقوصا أو مقصورا أو مثنى أو مجموعا على حدة كقولك في "غلام": غلامي.
وفيه أربعة مذاهب:
أحدها: أنه معرب بحركات "مقدرة"٣ في الأحوال الثلاثة.
والثاني: أنه معرب في الرفع والنصب بحركة مقدرة، بالجر بالكسرة الظاهرة، واختاره في التسهيل.
والثالث: أنه مبني.
والرابع: أنه لا معرب ولا مبني، وإليه ذهب ابن جني.
والأول مذهب الجمهور.
ويجوز في الياء "بعد المكسور"٤ وجهان: الفتح والإسكان، فقيل: الفتح أصل، وقيل: الإسكان أصل "جمع"٥ بينهما "بأن"٦ الإسكان أصل أول إذ هو أصل كل مبني، والفتح أصل ثانٍ، إذ هو أصل ما هو على حرف واحد.
وأما المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة، فإذا أضيف شيء منها إلى ياء المتكلم وجب فتح الياء في اللغة المشهورة، فتقول في "قذى": قذايَ، وفي "رامٍ": راميَّ، وفي "ابنين": ابنيَّ، وفي "زيدين": زيديَّ.
وإلى ذلك أشار بقوله:
فذي جميعها اليا بعد فتحها احتُذِي
_________________
(١) ١ ب وفي أ، جـ "لياء". ٢ أ، جـ، وفي ب "إذا". ٣ أ، جـ، وفي ب "مقدرات". ٤ أ، وفي ب، جـ "الكسرة". ٥ أ، جـ، وفي ب "والجمع". ٦ أ، جـ، وفي ب "أن".
[ ٢ / ٨٣٤ ]
الإشارة "بذي" إلى الأنواع الأربعة، و"احتذي" تبع.
ثم بين حكم آخر المقصور والمنقوص والمثنى والمجموع على حدة إذا أضيف للياء فقال: "وتدغم اليا فيه" أي: وتدغم اليا "من"١ آخر المنقوص والمثنى والمجموع "على حدة"٢ نصبا وجرا فيه أي: في ياء المتكلم، ولا يغير ما قبلها من فتح أو كسر فتقول: رأيت راميَّ وابنيَّ وزيديَّ، وتفتح الياء كما سبق.
ثم قال: "والواو" أي: وتدغم الواو أيضا في ياء المتكلم، يعني "بعد"٣ قلب الواو ياء.
فإن كان ما قبلها فتحة لم تغير نحو: "مصطفَون" فتقول فيه: "هؤلاء مصطفيّ"، وإن كان "ما"٤ قبلها ضمة قلبتها كسرة لتصبح الياء نحو: "مسلمون" فتقول فيه: مسلميّ، بقلب الواو ياء والضمة كسرة.
ومنه قوله ﷺ: "أَوَمخرجِيّ هم" ٥.
وإلى هذا أشار بقوله:
وإن ما قبل واو ضُم فاكسره يهن
ثم قال: "وألفا سلم" أي: سلم الألف من الانقلاب.
وشمل ذلك ألف المثنى نحو: "هذان غلامايَ" ولا خلاف فيه، وألف المقصور
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "في". ٢ ب، جـ. ٣ ب، جـ، وفي أ "تقلب". ٤ أ. ٥ ذكره البخاري، قاله ﵊ لورقة بن نوفل حين قال له: وددت أن أكون معك حين يخرجك قومك، وأصله: أومخرجوي هم، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. ومخرجي اسم فاعل مضاف لياء المتكلم مبتدأ، و"هم" فاعل سد مسد الخبر، "وفي" شرح البخاري: جعل "هم" مبتدأ خبره "مخرجي" ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم عليه الإخبار عن النكرة بالمعرفة. ا. هـ. حاشية السجاعي على القطر ص٨٦.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
نحو: "هي عصايَ"١ وفيه لغتان: إقرار الألف "وهي المشهورة"٢، وقلبها ياء وهي لغة هذيل "وحكاها"٣ عيسى بن عمر٤ عن قريش.
وقرأ الحسن٥: "يا بِشْرَى"٦، وإليها أشار بقوله:
وفي المقصور عن هذيل انقلابها ياء حسن
وينبغي أن يستثنى من ذلك ألف "لدى" و"على" الاسمية، فإن الأكثر فيه القلب مع ياء المتكلم.
فإن قلت: فهل يجوز للقلب ألف المثنى في لغة من التزمها مطلقا؟
قلت: قال في الارتشاف: يحتاج في جوازه إلى سماع٧.
_________________
(١) ١ من الآية ١٨ من سورة طه. ٢ أ، ب، وفي جـ "وهو المشهور". ٣ ب، جـ وفي ب "حكاه". ٤ عيسى بن عمر الثقفي أبو عمر مولى خالد بن الوليد، نزل في ثقيف فنسب إليهم. إمام في النحو والعربية والقراءة، مشهور. أخذ عن عمرو بن العلاء وغيره، وروى عن الحسن البصري وغيره، وحكى عنه الجوهري في الصحاح وغيره. سقط عن حمار فاجتمع الناس حوله، فقال: ما لي أراكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني. مات سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة خمس ومائة. ٥ هو الإمام أبو سعيد الحسن بن الحسن البصري، كان إماما في القراءة، روى عن الشافعي أنه قال: لو أشاء أن أقول: إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت لفصاحته. وهو أحد الأربعة الذين لهم قراءة شاذة من القراءات العشر، وتوفي بالبصرة سنة ١١٦هـ. ٦ من الآية ١٨ من سورة يوسف. ٧ الارتشاف ص٩١٠.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
الجزء الثالث:
إعمال المصدر:
بفعله المصدر ألحق في العمل
أي: ألحق المصدر بفعله في عمله، فيعمل عمل الفعل في اللزوم والتعدي بنفسه وبالحرف، وخطب التمثيل في ذلك سهل.
"تنبيه":
"يخالف"١ المصدر "فعله"٢ في أمرين:
أحدهما: أن في رفعه "نائب الفاعل"٣ خلافا، ومذهب جمهور البصريين جوازه، وإليه ذهب في التسهيل.
الثاني: "أن"٤ فاعل المصدر يجوز حذفه بخلاف فاعل الفعل، وإذا حذف لم يتحمل "ضميره"٥، خلافا لبعضهم.
ثم قال:
مضافا أو مجردا أو مع أل
فهو ثلاثة أحوال، وإعماله مضافا أكثر نحو: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٦ ولا خلاف فيه، وفي كلام بعضهم ما يشعر بالخلاف.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "يفارق". ٢ أ، جـ، وفي ب "الفعل". ٣ أ، جـ، وفي ب "نائبا عن الفاعل". ٤ أ. ٥ أ، جـ، وفي ب "ضميرا". ٦ من الآية ٢٥١ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
وإعماله مجردا "من"١ الإضافة وأل أقل من المضاف نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ ٢.
وفيه خلاف أجازه البصريون، ومنعه الكوفيون.
فإن "وقع بعده"٣ مرفوع أو منصوب، فهو محمول عندهم على فعل مضمر، وإعماله مع أل أقل من المجرد، ومنه قول الشاعر٤:
ضعيف النكاية أعداءه يخال الفرار يراخي الأجل
وفيه خلاف؛ أجازه سيبويه ومن وافقه، ومنعه الكوفيون وبعض البصريين كابن السراج، وأجازه الفارسي على قبح، وفصّل ابن طلحة بين أن
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي "ب "عن". ٢ من الآية ١٤ من سورة البلد، إطعام مصدر فاعله محذوف "يتيما" مفعوله. ٣ أ، جـ، وفي ب "وقع عندهم بعده". ٤ قائله: لم ينسب إلى قائل -وبالبحث لم أعثر له على قائل- وذكره سيبويه وهو من الخمسين التي لم يعرف قائلوها، وهو من المتقارب. اللغة: "النكاية" الإضرار، يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية، إذا قتلت فيهم وجرحت، "يخال" يظن، "يراخي" يباعد ويؤخر. المعنى: إن هذا الرجل ضعيف لا يستطيع أن يؤثر في أعدائه أو يقهرهم أو ينازلهم القتال، يظن أن الهرب والفرار من الحرب يبعد عنه الموت، ويفسح له في العمر. الإعراب: "ضعيف" خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو ضعيف، "النكاية" مضاف إليه، "أعداءه" مفعول للنكاية، والضمير مضاف إليه، "يخال" فعل مضارع، والضمير المستتر الذي يعود على الفرار فاعل، "الأجل" مفعول ليراخي، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ ليخال. الشاهد فيه: "النكاية أعداءه"، حيث عمل المصدر المقترن بأل وهو "النكاية"، ونصب المفعول وهو "أعداءه". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٥/ ٣، وابن عقيل ٢/ ٧٢، والأشموني ٢/ ٢٣٣، والسيوطي ص٨٠، وذكره سيبويه ١/ ٩٩، وابن يعيش ٦/ ٥٩، وشذور الذهب ص٣٩٩، والخزانة الشاهد ٥٩٧.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
يكون بأل معاقبة "للضمير"١، فيجوز نحو: "إنك والضرب خالد المسيء إليه" وإلا فلا يجوز نحو: "عجبت من الضرب عمرا"، ثم نبه على "شرط"٢ عمل المصدر بقوله:
إن كان فعل مع "أن" أو "ما" يحل محله
شرط إعمال المصدر غير الواقع بدلا من اللفظ بفعله، أن يصح تقديره بالفعل مع حرف مصدري.
فإن أريد به غير الحال جاز أن يقدر بأن "أو"٣ بما، وإن أريد به الحال قدر بما ولم يقدر بأن؛ لأن مصحوبها لا يكون حالا؛ فلذلك لم يقتصر على أن كما فعل بعضهم.
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل "معهما"٤ "أن" المخففة، ومثله بنحو: "علمتُ ضربَكَ زيدًا" تقديره: علمت أن قد ضربت زيدا، فأن "هذه"٥ مخففة؛ لأنها واقعة بعد العلم، وهي موضع غير صالح للمصدرية٦.
قلت: ذكر "ما" المصدرية مغنٍ عنها، فإنها يصح وقوعها بعد العلم، ولم يقدر سيبويه في الباب بغير "أن" الثقيلة مع ضمير الشأن.
فإن قلت: ظاهر قوله: "إن كان" وقوله في الكافية:
حيث ما يصح حرف مصدري تمما
أن هذا الشرط لازم، وقد جعله في التسهيل غالبا٧، وقال في شرحه: وليس تقديره بأحد الثلاثة شرطا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك، ومن
_________________
(١) ١ أ. ٢ ب، جـ، وفي أ "شروط". ٣ أ، وفي ب، جـ "و". ٤ ب، جـ، وفي أ "معها" التسهيل ص١٤٢. ٥ أ. ٦ أي: لأنها لا تقع بعد العلم ولا تسد مسد مفعوليه، ا. هـ. صبان ٢/ ٢٦٨. ٧ التسهيل ص١٤٢٠.
[ ٢ / ٨٤١ ]
وقوعه غير مقدر بأحدها قول العرب: "سَمْعُ أذني زيدا يقول ذلك"١ وذكر مثلا آخر.
قلت: المشهور أن تقديره بذلك شرط وما ذكره من المثل لا يتعذر فيه التقدير، وكلام صاحب البسيط موافق للمصنف في عدم اشتراط ذلك.
"تنبيه":
لإعمال المصدر شروط لم يذكرها هنا:
الأول: أن يكون مظهرا، فلو أضمر لم يعمل؛ لعدم حروف الفعل، خلافا للكوفيين، وأجاز ابن جني في الخصائص والرماني إعماله في المجرور ونقل عن الفارسي، وقياسه في الظرف.
الثاني: أن يكون مكبرا، فلو صُغِّر لم يعمل.
الثالث: أن يكون غير محدود، فلو حُدّ بالتاء لم يعمل، فإن ورد حكم بشذوذه كقوله٢:
يحايي به الجلد الذي هو حازم بضربة كفيه الملا نفس راكب
فنصب الملا بضربة كفيه وهو محدود، ونصب نفس بيحايي.
ومعناه: يصف الشاعر مسافرا معه ماء فتيمم، وأحيا بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا.
_________________
(١) ١ قال الصبان ٢٦٨/ ٢: حال كالحال في: ضربي العبد مسيئا، فالتقدير: سمع أذني أخاك حاصل إذ كان أو إذا كان، فصاحب الحال ضمير الفعل المحذوف لا الأخ، وإن زعمه البعض، وإنما لم يكن المصدر هنا مقدرا بما أو أن المخففة؛ لاشتراط أن يسبقهما أو المصدر المقدر بهما شيء، ولم يوجد، وإنما لم يكن مقدرا بأن المصدرية؛ لأن المراد الإخبار بأن سمع أذنه قول أخيه حاصل، وأن تقتضي أنه سيحصل؛ لأنها تخلص المضارع للاستقبال، كذا قال البعض وفيه نظر، إذ تقدير أن والماضي لا يقتضي أن السمع سيحصل. ا. هـ. وأقول: "سمع" مبتدأ خبره محذوف وجوبا، وجملة: "يقول ذلك" في محل نصب حال من "أخاك". ٢ قائله: لم ينسب لقائل -وبالبحث لم أعثر له على قائل- وهو من الطويل. اللغة: "يحايي" بمعنى: يحيي من الإحياء، "الجلد" القوي الصلب، "الحازم" الضابط، "الملا" -بفتح الميم- مقصور، أراد به التراب. =
[ ٢ / ٨٤٢ ]
الرابع: أن يكون غير منعوت قبل تمام عمله؛ لأن معمول المصدر بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يفصل بينهما بالنعت، فإن ورد ما يوهم ذلك قدر فعل بعد النعت يتعلق به المعمول المتأخر، فلو نعت بعد تمامه لم يمنع.
والأولى أن يقال: "غير متبوع" بَدَل "غير منعوت"؛ لأن حكم سائر التوابع حكم النعت.
الخامس: أن يكون مفردا. ذكره في البسيط عن بعضهم ولم يشترطه في التسهيل١، وقال في الكافية:
وأهمل المضمر والمحدود ومصدر فارقه التوحيد
ورب محدود ومجموع عمل وبسماع لا قياس قد قبل
وصرح بجوازه في شرح التسهيل:
ومن إعماله مجموعا قوله٢:
قد جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنعا
_________________
(١) = المعنى: يصف مسافرا معه ماء فتيمم، وأحياء بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا. الإعراب: "يحايي" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، "به" متعلق بيحايي، "الجلد" فاعل مرفوع، "الذي" نعت الجلد، "هو" ضمير منفصل مبتدأ، "حازم" خبر مرفوع بالضمة الظاهرة والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، "بضربة" جار ومجرور متعلق بيحايي وضربة مضاف، وكفي من "كفيه" مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله مجرور بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وهو مضاف وضمير الغائب العائد إلى الجلد مضاف إليه، "الملا" مفعول به لضربة، "نفس" مفعول به ليحايي وهو مضاف و"راكب" مضاف إليه. الشاهد فيه: "بضربة كفيه"، فإن ضربة مصدر محدود أضيف إلى فاعله ونصب الملا وهو مفعول، وهو شاذ؛ لأن المصدر المحدود لا يعمل، فإن ورد حُكم بشذوذه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٣٥/ ٢، والسيوطي ص٨١، وذكر في قطر الندى ص٢٦٨، وهمع الهوامع ٩٢/ ٢. ١ التسهيل ص١٤٢. ٢ قائله أعشى ميمون من قصيدة يمدح فيها هوذة بن علي الحنفي، وهو من البسيط. اللغة: "أبا قدامة" هذه كنية هوذة الممدوح، "المجد" اسم جامع لخصال المروءة والسخاء والشرف، "الفنعا" -بفتح الفاء والنون- الكرم والعطاء الواسع. =
[ ٢ / ٨٤٣ ]
واختلف النحويون في "جوازهم"١ إعمال المجموع، فأجازه قوم، واختاره ابن عصفور، ومنعه قوم ومنهم ابن سيده.
فإن قلت: فهل يشترط في إعماله أن يكون بمعنى الحال والاستقبال، كاسم الفاعل؟
قلت: لا يشترط ذلك؛ لأنه عمل لكونه أصلا، فلم يتقيد بزمان بخلاف اسم الفاعل، قاله المصنف. وقال غيره: لأنه عمل بالنيابة عن الفعل، والفعل لا يشترط فيه ذلك.
وحكي عن بعض المتأخرين أنه منع إعماله ماضيا، وليس بصحيح.
وقوله: ولاسم مصدر عمل.
يعني أن اسم المصدر يعمل عمل فعله، وهو قليل، وإلى قلته أشار بتنكير "عمل" واختلف في إعمال اسم المصدر، فأجازه الكوفيون ومنعه البصريون، قال بعضهم: إلا في ضرورة، وتأولوا ما ورد من ذلك على إضمار فعل.
ومن عمله قول عائشة ﵂: "من قبلة الرجل امرأتَه الوضوءُ"٢ وظاهر كلامه في التسهيل أنه مَقِيس٣، وقال الشارح: وليس ذلك بمطرد في اسم المصدر، ولا فاشٍ.
_________________
(١) = الإعراب: "قد" حرف تحقيق، "جربوه" فعل ماض وواو الجماعة فاعله وضمير الغائب العائد إلى الممدوح مفعول به، "فما" الفاء عاطفة وما حرف نفي، "زادت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "تجاربهم" فاعل زادت وضمير الغائبين مضاف إليه، "أبا" مفعول به لتجارب لأنه مصدر الفعل المتعدي، "قدامة" مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث، "إلا" أداة استثناء ملغاة، "المجد" مفعول به لزادت، و"الفنعا" معطوف على المجد، والألف للإطلاق. الشاهد فيه: "تجاربهم أبا قدامة"، حيث إن "تجاربهم" عمل مجموعا في "أبا قدامة". مواضعه من شراح الألفية: الأشموني ٣٣٥/ ٢. ١ أ، جـ. ٢ "قبلة" اسم مصدر مضاف لفاعله، و"امرأته" مفعول، والجار والمجرور خبر مقدم عن الوضوء، ا. هـ. خضري ٢٣/ ١. ٣ التسهيل ص١٤٢.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
"تنبيهان":
الأول: أطلق في قوله: "ولاسم مصدر عمل" وهو مقيد بغير العَلَم، فالعلم لا يعمل، وهو ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام؛ لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة وفجار١.
الثاني: عرف اسم المصدر في التسهيل إذ قال: ويعمل عمله اسمه غير العلم، وهو ما دل على معناه وخالفه بخلوه -لفظا وتقديرا دون عوض- من بعض ما في فعله، مثال ذلك:
"توضأ وضوءا" و"تكلم كلاما"؛ فالوضوء والكلام اسمان للمصدر، لا مصدران؛ لخلوهما -لفظا وتقديرا- من بعض ما في فعلهما.
وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة نحو: "توضأ توضؤا" أو بزيادة نحو: "أعلم إعلاما".
واحترز بقوله: "أو تقديرا" من نحو: "قاتل قتالا" فإنه مصدر لا اسم مصدر، إذ لم يخل تقديرا، فإن أصله: "قيتالا"، فالمدة مقدرة وقد "ثبتت"٢ لفظا.
وبقوله: "دون عوض" من نحو: "عدة"، فإنه مصدر مع خلوه من الواو؛ لأن التاء عوض "منها"٣.
من نحو: "كلّم تكليما" فإنه مصدر مع خلوه من التضعيف؛ لأن "التاء"٤ عوض منه.
قال الشارح: اعلم أن اسم المعنى الصادر عن الفاعل كالضرب، أو القائم بذاته كالعلم، ينقسم إلى مصدر واسم مصدر.
_________________
(١) ١ يسار علم لليسر مقابل العسر، وبرة: علم للبر، وفجار: علم للفجور. ٢ أ، جـ، وفي ب "حذفت". ٣ ب. ٤ أ، ب، وفي جـ "الياء".
[ ٢ / ٨٤٥ ]
فإن كان أوله ميما مزيدة لغير مفاعلة كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي كالغسل والوضوء، فهو اسم للمصدر، وإلا فهو المصدر.
قلت: الذي أوله الميم المذكورة، وإن أطلق بعضهم عليه اسم المصدر فإنه يعمل عمل فعله، وليس هو موضع الخلاف، ولا المراد هنا.
والنوع الثاني وهو ما كان لغير ثلاثي بوزن ما لثلاثي، هو المذكور في التسهيل١.
قال الشيخ أبو حيان: وهذا الثاني عندنا مصدر، لا اسم مصدر، قال: واسم المصدر يقال باصطلاحين:
أحدهما: "ما ينقاس"٢ بناؤه من الثلاثي على مفعل، "وما زاد"٣ على صيغة اسم المفعول وهذا يعمل عمل فعله.
الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والكلام والدهن والخبز، فهذه وضعت لما يثاب به ولما يعطى وللجمل "المقولة"٤ ولما يدهن به ولما يخبز به.
وفي هذا النوع اختلف الكوفيون والبصريون، وتحقيق الخلاف بين الفريقين:
هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازا على المصدر ويعمل عمل المصدر، أو لا؟
فقال البصريون: لا، إلا أن يضطر شاعر. وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.
قلت: وصرح في شرح التسهيل بأن ثوابا وعطاء مصدران؛ لقرب ما بينهما وبين الأصل، وهو إثواب وإعطاء.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٤٢. ٢ أ، ب، وفي جـ "ينقاس". ٣ أ، جـ، وفي ب "وما زادوا". ٤ أ، جـ، وفي ب "المفيدة".
[ ٢ / ٨٤٦ ]
قوله:
وبعد جره الذي أُضيف له كمل بنصب أو برفع عمله
للمصدر المضاف خمسة أحوال:
الأول: أن يضاف إلى فاعله ويحذف مفعوله نحو: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ١.
الثاني: أن يضاف إلى مفعوله ويحذف فاعله نحو: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ ﴾ ٢.
الثالث: أن يضاف إلى فاعله ثم يكمل عمله بنصب مفعوله نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٣.
الرابع: أن يضاف إلى مفعوله ثم يكمل عمله برفع فاعله نحو قوله ﵊: " وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ٤.
وهو قليل، قيل: ولم يجئ في القرآن إلا ما روي عن ابن عامر أنه قرأ: "ذكر رحمةِ ربك عَبْدُهُ زَكَرِيَّاءُ"٥ -برفع الدال والهمزة- وليس ذلك مخصوصا بالضرورة على الصحيح.
والأكثر في المصدر إذا أضيف إلى مفعوله أن يحذف فاعله.
_________________
(١) ١ من الآية ١١٤ من سورة التوبة. ٢ من الآية ٤٩ من سورة فصلت. ٣ من الآية ٢٥١ من سورة البقرة. ٤ "حج" مصدر مضاف إلى مفعول وهو "البيت"، "من" اسم موصول فاعله، وقد عدل المصنف عن الاستدلال بالآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ لاحتمال كون "من" بدلا من الناس بدل بعض من كل، وقد حذف الرابط للعلم به -أي: من استطاع منهم- كما يحتمل أن تكون مبتدأ خبره محذوف -أي: فعليه أن يحج- وجعلها فاعلا للمصدر يفسد معه المعنى؛ لأن المعنى يكون حينئذ: ولله على الناس مستطيعهم وغير مستطيعهم أن يحج البيت المستطيع، فيلزم تأثيم جميع الناس بتخلف المستطيع، فتدبر. م ٢٧١/ ٢ صبان. ٥ من الآية ٢ من سورة مريم.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الخامس: أن يضاف إلى الظرف، فيرفع وينصب كالمنون نحو: "عجبت من انتظار يوم الجمعة زيدٌ عمرًا".
وقوله: "كمل" يعني: إن أردت؛ لأن "ذاك"١ غير لازم. وقوله:
وجُر ما يتبع ما جُر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن
المضاف إليه المصدر، إن كان فعلا فمحله رفع، وإن كان مفعولا فهو في موضع نصب، إن قدر المصدر بأن وفعل الفاعل، وفي موضع رفع إن قدر المصدر بأن وفعل المفعول، خلافا لمن منع تقديره بفعل المفعول.
فلك في التابع الجر على اللفظ والرفع على المحل، إن كان فاعلا أو نائبه، والنصب على المحل إن كان مفعولا به، تقول: "عجبت من أكل الخبز واللحم" بالجر والرفع والنصب.
فالجر على اللفظ، والنصب على المحل؛ لأنه مفعول به، والرفع على تقدير: إن أُكل الخبز "واللحم"٢.
"تنبيه":
ظاهر كلام المصنف جواز الإتباع على المحل في جميع التوابع، وهو مذهب الكوفيين، وطائفة من البصريين، وذهب سيبويه ومن وافقه من أهل البصرة إلى أنه لا يجوز الإتباع على المحل، وفصل أبو عمرو فأجاز في العطف والبدل ومنع في التوكيد والنعت، والظاهر الجواز لورود السماع، والتأويل خلاف الظاهر.
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "ذلك". ٢ ب.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
إعمال اسم الفاعل:
اسم الفاعل: هو الصفة الدالة على فاعل جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه، أو معنى الماضي.
فالصفة: جنس، والدالة على فاعل: مخرج لاسم المفعول وما بمعناه، وجارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها: مخرج للجارية على الماضي نحو: "فرح"، وغير الجارية نحو: "كريم".
وقوله: في التذكير والتأنيث: مخرج لما كان من الصفات على أفعل نحو: "أهيف"، فإنه لا يجري على المضارع إلا في التذكير، وقوله: لمعناه أو معنى الماضي: مخرج لنحو: "ضامر الكشح" من الصفة المشبهة وقوله:
كفعله اسم فاعل في العمل
يعني: إن كان فعله لازما فهو لازم، وإن كان فعله متعديا إلى واحد فأكثر فهو كذلك.
وقوله:
إن كان عن مضيه بمعزل
يعني: أن شرط عمل اسم الفاعل عمل فعله أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، فإن كان بمعنى الماضي لم يعمل خلافا للكسائي، فإنه أجاز عمله مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ ١ ورد بأنه حكاية حال، ووافقه على إجازة ذلك هشام وابن مضاء.
"تنبيه":
هذا الخلاف في عمل الماضي دون أل بالنسبة إلى المفعول به، فأما بالنسبة إلى الفاعل، فذهب بعضهم إلى أنه لا يرفع الظاهر، وبه قال ابن جني والشلوبين، وذهب قوم إلى أنه يرفعه، وهو ظاهر كلام سيبويه، واختاره ابن عصفور.
وأما المضمر: فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه، وحكى غيره عن ابن طاهر وابن خروف أنه لا يرفعه، وهو بعيد.
_________________
(١) ١ من الآية ١٨ من سورة الكهف.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
وقوله:
وولي استفهاما أو حرف ندا
يعني: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على أحد الأشياء المذكورة، والاستفهام نحو قوله١:
أناوٍ رجالك قتل امرئ من العز في حبك اعتاض ذلا؟
وحرف النداء نحو: "يا طالعًا جبلًا" ولم يذكره في الكافية، ولا في التسهيل.
وقال الشارح: المسوّغ لإعمال "طالع" هنا اعتماده على موصوف محذوف تقديره: رجلا طالعا جبلا، وليس المسوغ الاعتماد على حرف النداء؛ لأنه ليس كالاستفهام والنفي في التقريب من الفعل.
والنفي: "ما ضارب الزيدان عمرا". ومثال كونه صفة: "جاءني رجل مكرم عمرا"، "أو مسندا" يعني خبرا: "زيد مكرم عمرا"، فالواقع صفة معتمد على الموصوف، والواقع خبرا معتمد على المخبر عنه.
فإن قلت: أهمل المصنف اعتماده على صاحب الحال نحو: "جاءني زيد ضاربا عمرا".
قلت: استغنى عن ذكره بذكر الصفة؛ لأنه صفة في المعنى.
_________________
(١) ١ قائله. لم أقف على اسم قائله، وهو من المتقارب. اللغة: "ناو" فاعل من نوى ينوي. الإعراب: "أناو" الهمزة للاستفهام، "ناو" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، "رجالك" فاعل ناو سد مسد الخبر وضمير المخاطب مضاف إليه، "قتل" مفعول به لناو، "امرئ" مضاف إليه، "من العز" جار ومجرور متعلق باعتاض الآتي، "في حبك" متعلق باعتاض أيضا والكاف مضاف إليه، "اعتاض" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه، "ذلا" مفعول به لاعتاض. الشاهد فيه: "أناوٍ رجالك"، فإن قوله: "ناو" اسم فاعل وقد عمل عمل فعله، حيث اعتمد على حرف الاستفهام. مواضعه: شذور الذهب ص٤٠٣، والهمع ٩٥/ ٢.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
"تنبيهان":
الأول: اعتماد اسم الفاعل على ما ذكر شرط في صحة عمله عند جمهور البصريين، وذهبالأخفش والكوفيون إلى أنه لا يشترط.
والثاني: ذكر المصنف هنا لعمله شرطين:
الأول: أن يكون بمعزل عن المضي، والثاني: الاعتماد.
وزاد في التسهيل شرطين١:
أحدهما: أن يكون غير مصغر، خلافا للكسائي في إجازته إعماله مستدلا بقول بعضهم: "أظنني مرتحلا وسُوَيِّرا فرسخا" ولا حجة لأن فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، قيل: والجواز مذهب الكوفيين إلا الفراء، وتابعهم أبو جعفر النحاس، وقال المتأخرون: إن لم يحفظ له مكبر جاز إعماله كقوله٢:
ترقرق في الأيدي كُمَيْتٍ عصيرُها
في رواية من جر كميت.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣٦٠. ٢ قائله هو مضرس بن ربعي، وهو من الطويل. اللغة: "راح" هو الخمر ومن أسمائه المدام وله أسامٍ كثيرة، "ترقرق" من ترقرق الشيء إذا تلألأ ولمع، "كميت" من الكمتة وهي الحمرة الشديدة التي تضرب إلى السواد من شدة حمرتها. الإعراب: "ما" نافية، "طعم" مبتدأ أو اسم ما إن جعلتها حجازية وهو مضاف، و"راح" مضاف إليه، "في الزجاج" متعلق بمحذوف صفة لراح، "مدامة" صفة ثالثة لراح، "ترقرق" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر، وجملة الفعل وفاعله في محل جر صفة ثالثة لراح، "في الأيدي" متعلق بترقرق، "كميت" -بالجر- صفة رابعة لراح، "عصيرها" فاعل بكميت، والضمير مضاف إليه، وخبر المبتدأ أو خبر ما في كلام بعد هذا البيت. الشاهد فيه: "كميت عصيرها" حيث رفع "كميت" "عصيرها"، فإن قوله: "كميت" وصف لم يستعمل إلا مصغرا، وقد عمل في قوله: "عصيرها" حيث رفعها. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ٩٥/ ١.
[ ٢ / ٨٥١ ]
والآخر: ألا يكون موصوفا، خلافا للكسائي في إجازته إعماله مطلقا.
قال في شرح التسهيل: ووافق بعض أصحابنا الكسائي في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأن ضعفه يحصل بعد ذكرها لا قبلها، ونقل غيره أن مذهب البصريين والفراء هذا التفصيل، وأن مذهب الكسائي وباقي الكوفيين إجازة ذلك مطلقا، والحاصل ثلاثة مذاهب.
وقوله:
وقد يكون نعت محذوف عُرف فيستحق العمل الذي وصف
يعني: أن اعتماد اسم الفاعل على موصوف محذوف مسوغ لعمله عمل فعله كاعتماده على موصوف مذكور، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ١.
وقوله:
وإن يكن صلة أل ففي المضي وغيره إعماله قد ارتُضي
ما تقدم من اشتراط إرادة الحال والاستقبال إنما هو في المجرد من أل، وأما ما وقع صلة لها فهو صالح للعمل بمعنى الماضي والحال والاستقبال، قال الشارح: باتفاق، وفي شرح الكافية: وأما الملتبس بهما فلا خلاف في إعماله، وحكى الخلاف في التسهيل٢.
والحاصل أربعة مذاهب:
الأول: "أنه"٣ يعمل مطلقا لوقوعه موقعا يجب تأويله بالفعل، وهو المشهور.
والثاني: أن المنتصب بعده مشبه بالمفعول "به"٤؛ لأن أل ليست موصولة بل حرف تعريف، ودخولها يبطل عمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنه يبعد
_________________
(١) ١ من الآية ٢٨ من سورة فاطر. ٢ التسهيل ص١٣٧. ٣ ب، جـ. ٤ ب.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
عن الفعل، وهذا مذهب الأخفش، وأصحاب الأخفش يقولون: إن قصد بأل العهد فالنصب على التشبيه، وإن قصد معنى الذي، فالنصب باسم الفاعل.
والثالث: أنه لا عمل له، والمنصوب بعده منصوب بفعل مضمر.
والرابع: أنه يعمل بمعنى المضي خاصة وهو مذهب الرماني.
وقوله:
فَعَّال أو مِفْعَال أو فَعُول في كثرة عن فاعل بديل
إذا قصد التكثير والمبالغة باسم الفاعل الثلاثي حول إلى فعال "كعقار"١ أو مفعال كمنحار، أو فعول كضروب، أو فعيل كعليم، أو فعل كحذر، وقد ذكرهما في البيت الآتي، فإن قلت: ما معنى قوله: "في كثرة"؟
قلت: يعني أن هذه المثل إنما يعدل عن فاعل إليها؛ للدلالة على الكثرة والمبالغة٢.
فإن قلت: من أين يعلم من كلامه اختصاص ذلك بالثلاثي؟
قلت: من قوله: "عن فاعل"، فإن اسم فاعل غير الثلاثي لا يكون على فاعل، وقد يبنى فعّال ومفعال وفعول وفعيل من أفعَل كقولهم: درَّاك، ومِهْوان، وزهوق، ونذير، من أدرك وأهان وأزهق وأنذر، وذلك قليل.
وقوله:
فيستحق ما له من عمل
يعني: هذه الأمثلة تستحق ما لاسم الفاعل من العمل بالشروط المذكورة، على التفصيل المتقدم.
وقوله:
وفي فعيل قل ذا وفعل
الإشارة إلى عمل اسم الفاعل، أي: قل في فعيل وفعل أن يعمل عمل اسم الفاعل، ومذهب سيبويه جواز إعمال هذه الأمثلة الخمسة، ومنع أكثر البصريين منهم المازني والمبرد إعمال فعيل وفعل.
وفصّل الجرمي فأجاز إعمال فَعِل؛ لأنه على وزن الفعل، ومنع إعمال
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "كغفار". ٢ "أ".
[ ٢ / ٨٥٣ ]
فعيل، ومنع الكوفيون إعمال الخمسة؛ لأنها لما جاءت للمبالغة زادت على الفعل، فلم تعمل عندهم لذلك.
والصحيح مذهب سيبويه ومن وافقه؛ لورود السماع بذلك نظما ونثرا. مثال فعّال قول من سمعه سيبويه: "أما العسل فأنا شرّاب".
وقول الشاعر١:
أخا الحرب لبَّاسًا إليها جِلَالها
ومثال مفعال قول بعض العرب: "إنه لمِنْحار بوائكَها" أي: سمانها.
وقول الشاعر٢:
_________________
(١) ١ قائله القُلاخ بن حزن بن جناب المنقري، وهو من الطويل. وتمام البيت: وليس بولاج الخوالف أعقلا اللغة: "أخا الحرب" أي: مؤاخيها وملازمها، "إليها" إلى بمعنى اللام، "جلالها" -بكسر الجيم- جمع جل، والمراد ما يُلبَس من الدروع ونحوها، "ولاج" كثير الدخول، "الخوالف" جمع خالفة -وهو عماد البيت- وهو المراد، "أعقلا" الأعقل: الذي تصطك ركبتاه من الفزع. المعنى: يمتدح الشاعر نفسه بالإقدام، ويقوله: إنه رجل حرب يلبس لها لباسا، ويقتحمها إذا شبت نيرانها، ولا يختبئ في البيوت أو الخيام فزعا. الإعراب: "أخا" حال من ضمير مستتر في بيت قبله، "الحرب" مضاف إلى أخا، "لباسا" حال أخرى، "إليها" متعلق به، "جلالها" مفعول لباسا وها مضاف إليه، "وليس" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه، "بولاج" الباء زائدة وولاج خبر ليس، "الخوالف" مضاف إليه، "أعقلا" خبر ثانٍ للبس. الشاهد فيه: "لباسا جلالها"، فإنه قد أعمل "لباسا" وهو صيغة مبالغة عمل الفعل، فنصب به المفعول وهو "جلالها"، وقد اعتمد على وصف مذكور وهو "أخا الحرب". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢٤٣/ ٢، وابن هشام ١٦/ ٣، وابن عقيل ٨٦/ ٢، وابن الناظم، وذكره سيبويه ٥٧/ ١، وابن يعيش ٧٠/ ٦، والشذور ص٤٠٧، والقطر ص٢٧٩. ٢ قائله كميت بن معروف الأسدي، وهو من البسيط. اللغة: "شم" -بضم الشين وتشديد الميم- جمع أشم من الشمم، وهو ارتفاع قصبة الأنف. =
[ ٢ / ٨٥٤ ]
شُمّ مهاوينُ أبدان الجَزُور مخا ميص العشيات لا خُور ولا قَزَم
فمهاوين جمع مِهْوان.
ومثال فعول قول بعضهم: "أنت غَيُوظ ما علمت أكباد الإبل" حكاه الكسائي، وقول الشاعر١:
ضَرُوبٌ بنصل السيف سُوق سمانها
ومثال فعيل قول بعضهم: "إن الله سَمِيع دعاء من دعاه" وقالوا: "هو حَفِيظ وعلمه وعلم غيره".
_________________
(١) = والمراد: أنهم سادات كبار، "مهاوين" جمع مهوان -بكسر الميم- وهو الضامر البطن، وأراد به الجائع، "العشيات" جمع عشي، "لا خور" -بضم الخاء وسكون الواو- جمع أخور وهو الضعيف، "قزم" بفتح القاف والزاي. المعنى: وصف قوما بالعزة والكرم فيقول: هم شم الأنوف أعزة، ويهينون للأضياف والمساكين أبدان الجزور، ويؤخرون العشاء تربصا على ضيف يطرق، فبطونهم خميصة في عشياتهم لتأخيرهم الطعام. الإعراب: "شم" خبر مبتدأ محذوف أي: هم شم، "مهاوين" -بالرفع- إما صفة وإما خبر بعد خبر، "أبدان" مفعول لمهاوين، "الجزور" مضاف إليه، "مخاميص" خبر بعد خبر، "العشيات" مضاف إليه، "لا خور" عطف على ما قبله من المرفوع، "ولا قزم" عطف عليه. الشاهد فيه: "مهاوين أبدان الجزور"، فإن "مهاوين" جمع اسم فاعل الذي للمبالغة، وقد عمل عمل فعله حيث نصب "أبدان الجزور". مواضعه: ذكره سيبويه ٥٩/ ١، وابن يعيش ٧٤/ ٦، والهمع ٩٧/ ٢. ١ قائله أبو طالب بن عبد المطلب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب -عم النبي ﷺ- من قصيدة يرثي فيها أبا أمية بن المغيرة، زوج أخته عاتكة بنت عبد المطلب. تمامه: إذا عدموا زادا فإنك عاقر وهو من الطويل. اللغة: "ضروب" على وزن فعول مبالغة لضارب، "نصل السيف" حده وشفرته، "سوق" -بضم السين- جمع ساق، "سمان" جمع سمينة وهي الممتلئة الجسم، "عاقر" اسم فاعل من العقر، وهو الذبح. المعنى: يصف الشاعر أبا أمية بالكرم وقت العسرة ويقول: إنه كان جوادا واسع الكرم، =
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وقول الشاعر١:
فتاتان أما منهما فشبيهة هلالا، وأخرى منهما تشبه البدرا
_________________
(١) = يعقر الإبل السمان للضيفان إذا أعسر الناس، ولم يجدوا زادا. الإعراب: "ضروب" خبر لمبتدأ محذوف أي: أنت ضروب، "بنصل" متعلق بضروب، "السيف" مضاف إليه، وفي ضروب ضمير مستتر فاعله، "سوق" مفعول به لضروب، "سمانها" مضاف إليه، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "عدموا" فعل وفاعل، "زادا" مفعول به، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة إذا إليها، "فإنك" الفاء واقعة في جواب إذا وإن حرف توكيد ونصب وضمير المخاطب اسم إن، "عاقر" خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها لا محل لها جواب إذا. الشاهد فيه: "ضروب سوق"، فإن "ضروب" صيغة مبالغة للضارب وقد عَمِل عَمَل فعله حيث نصب "سوق"، وقد اعتمد على مخبر عنه محذوف، أي: أنت ضروب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٤٢/ ٢، وابن هشام ١٧/ ٣، والسيوطي ص٨٢، والمكودي ص٩٦، وذكره سيبويه ٥٧/ ١، والمفصل ٧٠/ ٦، والشذور ص٤٠٨، والقطر ص٢٨٠، والشاهد ٦٠٢ في الخزانة. ١ قائله عبيد الله بن قيس الرقيات، وهو من الطويل. اللغة: "فتاتان" تثنية فتاة، وهي الجارية الحديثة السن، "هلالا" الهلال: القمر لليلتين أو ثلاث من أول الشهر، "البدر" القمر عند تمامه وكماله. المعني: أن هاتين الفتاتين جميلتان، غير أن إحداهما تشبه الهلال في نحافتها، والأخرى تشبه البدر في سِمَنها وإشراقها. الإعراب: "فتاتان" خبر لمبتدأ محذوف، أي: هما فتاتان، "أما" حرف شرط وتفصيل، "منهما" خبر لمبتدأ محذوف، "فشبيهة" الفاء زائدة وشبيهة خبر لمبتدأ محذوف أيضا والتقدير: أما فتاة منهما فهي شبيهة، وفي شبيهة ضمير مستتر هو الفاعل، "هلالا" مفعول به لشبيهة، وهو من أشبه وذلك من النادر، "أخرى" صفة لمبتدأ محذوف، أي: وفتاة أخرى، "منهما" صفة أخرى، "تشبه البدرا" الجملة خبر المبتدأ. الشاهد فيه: "شبيهة هلالا" حيث أعمل صيغة المبالغة وهي "شبيهة" عمل الفعل، فنصب بها المفعول "هلالا"، وقد اعتمدت على مخبر عنه محذوف أي: فهي شبيهة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، وابن هشام ١٧/ ٣، والأشموني ٣٤٣/ ٢.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
ومثال فَعِل قول الشاعر١:
حَذِرٌ أمورًا لا تضير وآمن ما ليس منجيَه من الأقدار
أنشده سيبويه، والقدح فيه من وضع الحاسدين.
ومن إعمال فعل قول زيد الخيل٢:
_________________
(١) ١ قائله هو أبو يحيى اللاحقي، وهو من الكامل. اللغة: "حذر" -بفتح الحاء وكسر الزاي- خائف، "لا تضير" من ضار يضير يعني: ضر يضر، "منجيه" اسم فاعل من أنجى إنجاء، "الأقدار" جمع قدر. المعنى: يقول: إن هذا الشخص يكثر الحذر والخوف من أمور ليس فيها ضر، ويأمن ما لا ينجيه من قضاء الله وقدره. الإعراب: "حذر" خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو حذر، وفيه ضمير مستتر فاعل، "أمورا" مفعول لحذر، "لا" نافية، "تضير" فعل مضارع، وفيه ضمير مستتر والجملة في محل نصب صفة لأمور، "وآمن" معطوف على حذر، وفيه ضمير مستتر فاعل، "ما" اسم موصول مفعول لآمن، "ليس" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر، "منجيه" خبر ليس، والهاء مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، "من الأقدار" متعلق بمنجيه، وجملة ليس واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: "حذر أمورا" حيث أعمل "حذر" وهو من صيغ المبالغة عمل الفعل، فنصب المفعول وهو "أمورا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٤٢/ ٢، وابن عقيل ٨٨/ ٢، والمكودي ص٩٦، وابن الناظم، وذكره سيبويه ٥٨/ ١، وابن يعيش ٧١/ ٦، والشاهد ٦٠٥ في خزانة الأدب. ٢ قائله هو زيد الخيل الذي سماه رسول الله -ﷺ- زيد الخير، وكان يلقب بالخيل؛ لكثرة خيوله، وهو من الوافر. وتمامه: جحاش الكرملين لها فديد اللغة: "مزقون" جمع مزق -بفتح الميم وكسر الزاي- وهو مبالغة مازق من المزق، وهو شق الثياب ونحوها، "عرضي" -بكسر العين- وعرض الرجل: جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه، "جحاش" -بكسر الجيم- جمع جحش وهو ولد الحمار، "الكرملين" -بكسر الكاف- اسم ماء في جبل طيئ، "فديد" -بالفاء- الصوت. =
[ ٢ / ٨٥٧ ]
أتاني أنهم مَزِقُون عِرْضي
فأعمل مزقون عرضي وهو جمع مزق محول؛ للمبالغة من مازق.
قوله:
وما سوى المفرد مثله جُعِل في الحكم والشروط حيثما عَمِل
ما سوى المفرد هو المثنى والمجموع فحكمهما حكم المفرد في العمل بالشروط المذكورة، فضاربان وضاربون مثل ضارب، وذلك واضح فيما ذكر، وضروبان وضروبون مثل ضروب فيما ذكر، وذلك قوله:
وانصب بذي الإعمال تِلْوا واخفض
احترز "بذي الإعمال" عن المراد به المضي، فإنه يضاف وجوبا كإضافة الجوامد.
وفهم من تقديمه النصب أنه أولى، وهو ظاهر كلام سيبويه، وقال الكسائي:
_________________
(١) = المعنى: بلغني أن هؤلاء القوم يتطاولون عليَّ وينالون عرضي بالقدح والذم، ولست أعبأ بهؤلاء، فهم عندي كالجحوش التي تَرِد هذا الماء وتتزاحم عليه، وهي تنهق وتصيح وتحدث جلبة. الإعراب: "أتاني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول، "أنهم" حرف توكيد ونصب والضمير اسمه، "مزقون" خبر أن، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل أتى، "عرضي" مفعول لمزقون، "جحاش" خبر لمبتدأ محذوف أي: هم جحاش، "الكرملين" مضاف إليه، "لها" متعلق بمحذوف خبر مقدم، "فديد" مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب حال من جحاش. الشاهد فيه: "مزقون عرضي"، أعمل "مزقون" وهو جمع مزق -بفتح الميم وكسر الزاي- الذي هو صيغة مبالغة بمعنى ممزق في قوله: "عرضي" عمل فعله. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٤٢ / ٢، وابن هشام ١٨/ ٣، وابن عقيل ٨٨/ ٢، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٧٧/ ٢.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
هما سواء، قيل: والذي يظهر أن الإضافة أولى بالوجهين قرئ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ ١.
ويعني بقوله: "تلو" المفعول الذي يليه، فلو فصل تعين نصبه نحو: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ٢ وقد أضيف مع الفصل في قراءة من قرأ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ ٣ وقد تقدم في الإضافة.
تنبيه:
ما ذكره من جواز الوجهين إنما هو في الظاهر، وأما المضمر المتصل فيضاف إليه اسم الفاعل المجرد وجوبا نحو: "هذا مكرمك"، وذهب الأخفش وهشام إلى أنه في محل النصب كالهاء من واقيكه٤.
وقد فهم من قوله: "تلوا" أنه إنما يجوز الوجهان في المفعول الذي يليه، فلو فصل زيدا تعين نصبه به؛ ولذلك قال:
وهو لنصب ما سواه مقتضي
مثال ذلك: "زيد معطي عمرو درهما ومعلمُ خالدٍ عمرا فاضلا".
"تنبيه":
إذا أضيف اسم الفاعل بمعنى المضي، واقتضى مفعولا آخر نحو: "معطي زيدٍ درهما أمس" نصب بفعل مضمر عند الجمهور، وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي؛ لأنه اكتسب بالإضافة شبها بمصحوب أل.
وقوله:
واجرر أو انصب تابع الذي انخفض كمبتغي جاهٍ ومالُا من نهض
_________________
(١) ١ من الآية ٣ من سورة الطلاق. كلهم قرأ: بالغٌ أمرَهُ منونا، وعاصم: بالغُ أمرِهِ. ٢ من الآية ٣٠ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٤٧ من سورة إبراهيم. ٤ ب، جـ، وفي أ "في محل النصب، فلو فصل الضمير لم يكن إلا في محل نصب كالهاء من واقيكه".
[ ٢ / ٨٥٩ ]
فالجر على اللفظ والنصب على المحل، ومن منع إتباع المحل في نحو ذلك أضمر فعلا، وهو قول سيبويه.
فإن قلت: قوله: "الذي انخفض" لا يصح على إطلاقه؛ لأن المخفوض بإضافة الذي بمعنى الماضي لا يصح في تابعه اعتبار المحل، إذ لا محل له، بل إن نصب تابعه بفعل مقدر.
قلت: إنما كلامه في المخفوض بإضافة ذي الإعمال لقوله: "وانصب بذي الإعمال" وهذا البيت من تتمة الكلام عليه.
وقوله:
وكل ما قُرِّر لاسم فاعل يعطى اسم مفعول بلا تفاضل
أي: فيعمل إن كان صلة لأل مطلقا، وإن كان مجردا فبشرط إرادة الحال أو الاستقبال والاعتماد على ما تقدم ذكره، وقوله:
فهو كفعل صيغ للمفعول في معناه
يعني: أن اسم المفعول يعمل عمل فعل مصوغ للمفعول موافق له في المعنى نحو "مضروب"، فإنه يعمل عمل ضرب، فيرفع نائب الفاعل فتقول: "زيدٌ مضروبٌ أبوهُ"١ كما تقول: "ضُرب أبوه".
فإن كان من متعدٍّ إلى اثنين أو ثلاثة، رفع واحدا ونصب ما سواه.
وقد مثل المتعدي لاثنين بقوله:
كالمعطى كفافا يكتفي
فأل موصولة ومعطى صلتها، وهي مبتدأ ويكتفي خبره، وأول مفعولي المعطى ضمير أل وثانيهما كفافا، واستتر الأول؛ لنيابته عن الفاعل.
وقوله:
وقد يضاف ذا إلى مرتفع
معنى
_________________
(١) ١ فزيد: مبتدأ، ومضروب: خبره، وأبوه رفع بالنيابة.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
يعني: أن اسم المفعول انفرد عن اسم الفاعل بأنه تصح إضافته إلى مرفوعه في المعنى؛ فتقول: "هذا مضروب العبد" بالرفع نيابة عن الفاعل، وبالجر لأنك "أسندت"١ المفعول إلى ضمير المبتدأ، وبالنصب أيضا على التشبيه بالمفعول به، وقد مثل بقوله:
كمحمود المقاصد الورع
أي: الورع محمود المقاصد، اسم المفعول من المتعدي إلى واحد يلحق بالصفة المشبهة في رفع السببي ونصبه وجره كما مثل.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "اسم".
[ ٢ / ٨٦١ ]
أبنية المصادر:
اعلم أن الفعل الثلاثي مجرد، وزائد على الثلاثة.
فالثلاثي المجرد له ثلاثة أبنية: فَعَل وهو متعد نحو ضَرَبَ، ولازم نحو قَعَدَ، وفَعِل وهو متعد نحو فَهِم ولازم نحو فَرِح، وفَعُل وهو لازم أبدا إلا بتضمين أو تحويل نحو سَهُل.
وأبنية مصادر الثلاثي كثيرة، واقتصر هنا على الغالب، فقال:
فَعْل قياس مصدر المعدى من ذي ثلاثة كرد ردا
شمل "قوله"١: "المعدى من ذي ثلاثة" فعَل وفعِل، فقياس مصدرهما فعل -بفتح الفاء وإسكان العين- نحو: ضرَب ضرْبا وفهم فهما، وظاهره أنه مقيس فيهما بلا قيد، وقيد الفعل -المكسور العين- في التسهيل بأن يُفْهِم عملا بالفم نحو: شَرِب شَرْبا، ولقم لقما٢.
ولم يقيده سيبويه أو الأخفش، بل أطلقا.
"تنبيه":
اختلف في معنى القياس هنا، فقيل: إنما يقاس على فعل فيما ذكر عند عدم سماع غيره، فإن سمع غيره وقف عنده، وهو مذهب سيبويه والأخفش، وقيل: يجوز القياس مع ورود السماع بغيره وهو ظاهر قول الفراء.
ثم قال:
وفَعِل اللازم بابه فَعَل
يعني: قياس مصدر فعل اللازم فعل -بفتح الفاء وكسر العين- لا فرق في ذلك بين الصحيح نحو فرح فرحا، والمعتل نحو: جوي جوى، والمضعف نحو: شل شللا، فإن أصله شلل بكسر اللام.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ التسهيل ص٢٠٥.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
تنبيه:
أطلق الناظم في فعل اللازم، وينبغي أن يقيد بألا يكون لونا؛ لأن فُعلة هو الغالب فيه كالشُّهلة والسمرة.
ثم قال:
وفَعَلَ اللازم مثل قعدا له فُعُول باطراد كغدا
تقول: غدا غُدوا ومثله: قعد قعودا وجلس جلوسا، واطراد فعول في فعل اللازم مشروط بألا يكون مستوجبا لأحد الأوزان المذكورة في قوله:
ما لم يكن مستوجبا فِعَالا أو فَعَلانا فادر أو فُعَالا
فهذه ثلاثة أوزان، وسنذكر رابعا متى استوجب فعل اللازم واحدا منها لم يأت مصدره على فعول إلا نادرا.
ثم قال:
فأول لذي امتناع كأبى
الأول فعال -بكسر الفاء- وهو مقيس فيما دل على امتناع نحو: أبى إباء، ونفر نفارا.
والثان للذي اقتضى تقلبا
والثاني هو فعلان -بتحريك العين- وهو مقيس فيما دل على تقلب نحو: جال جولانا، ولمع لمعانا.
وقوله:
للدا فُعَال أو لصوت
يعني: أن فعالا -بضم الفاء- وهو الثالث لنوعين:
أحدهما: ما دل على داء نحو: زَكم زُكاما وسعل سعالا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: نَعق نُعاقا ونبح نباحا.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس فيهما.
وقوله:
وشمل سيرا وصوتا الفعيل كصهل
[ ٢ / ٨٦٣ ]
يعني: أن فعيلا، وهو الوزن الرابع، لنوعين أيضا:
أحدهما: ما دل على سير نحو: ذَمَل ذميلا ورَحَل رحيلا.
والآخر: ما دل على صوت نحو: صَهَل صهيلا ونَهَق نهيقا.
وذكر ابن عصفور أنه يطرد في الأصوات.
والحاصل أن فعل اللازم يطرد في مصدره فعول إلا إذا دل على هذه المعاني الخمسة "وهي"١ الامتناع والتقلب والداء والصوت والسير، فالغالب في الامتناع فِعال، وفي التقلب فَعَلان، وفي الداء فُعال، وفي الصوت فُعال أو فَعِيل، وقد يجتمعان نحو: نَعَقَ نُعاقا ونَعِيقا، وقد تنفرد فُعال نحو: بَغَم بُغَاما، وقد تنفرد فعيل نحو صهل صهيلا، واطرد انفراد فُعال "في الفعل اللازم"٢ نحو: رغاء وفي السير فعيل.
تنبيه:
يستثنى أيضا من فعل اللازم ما دل على حرفة وشبهها، فإن الغالب في مصدره فِعَالة نحو: تجر تجارة، وأمر إمارة.
وذكر ابن عصفور أنه مقيس في الولايات والصنائع.
وقوله:
فُعُولة فَعَالة لفعُلا كسَهُل الأمر وزيد جَزُلا
فعولة وفعالة مطردان في مصدر فعل نحو: سهل سهولة، وجزل جزالة.
وقال بعضهم: فعولة غير مقيس.
وقوله:
وما أتى مخالفا لما مضى فبابه النقل كسُخْط ورضا
فسخط مصدر سخط وقياسه سخط -بالفتح والتحريك- ورضا مصدر رضي وقياسه رضى بالفتح.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
وكلامه مقيد في فعالة بالحرف، وشبهها كما تقدم.
ولما فرغ من بيان مصادر الثلاثي، شرع في بيان ما زاد عليه فقال:
وغير ذي ثلاثة مقيس مصدره
أي: كل فعل زاد على ثلاثة، فله مصدر مقيس لا يتوقف في استعماله على سماع.
وقوله: كقدس التقديس.
يعني: أن ما كان على فُعِّل صحيح اللام فمصدره تفعيل نحو: قدس تقديسا، كلم تكليما.
وقوله: وزكه تزكية، يعني: أن ما كان فعّل معتل اللام فمصدره تفعلة نحو: زكى تزكية وغطى تغطية.
وقوله:
وأجملا إجمال من تجمُّلا تَجَملا
يعني: أن مصدر أفعل الصحيح إفعال، نحو: أجمل إجمالا وأكرم إكراما، ومصدر تفعَّل تفعُّلا نحو تجمل تجملا.
واستعذ استعاذة
أصل استعاذ، استعوذ على وزن استفعل. قياس مصدره استعواذ، فأعلت الواو، فنقلت حركتها وقلبت ألفا، فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما وهي الزائدة عند الخليل وسيبويه، وبدل العين عند الأخفش والفراء، فصار استعاذ ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.
وقوله:
ثم أقم إقامة
أصل أقم أقوِم كأكرم، فقياس مصدره إقوام، فلما اعتلت الواو بالنقل والقلب اجتمع ألفان، فحذف أحدهما على الخلاف المتقدم، فصار إقاما، ثم أتي بالتاء عوضا عن المحذوف.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
وقوله: وغالبا ذا التا لزم
أشار إلى أن التاء قد تحذف، كقول بعضهم: أراه إراء١، واستقام استقاما.
قال ابن عصفور: ولا يجوز حذفها إلا حيث ورد، وظاهر كلام سيبويه جوازه، قال: وإن شئت لم تعوض.
وقال الفراء: لا يجوز إلا إذا كانت الإضافة عوضا من التاء نحو: "وإقام الصلاة".
وقوله:
وما يلي الآخر مُدَّ وافتحا مع كسر تلو الثان مما افتُتحا
بهمز وصل كاصطفى
يعني: أن صوغ المصدر من كل فعل مبدوء بهمزة وصل يكون بكسر ثالثه، وهو تلو الثاني وزيادة ألف قبل آخره نحو: اصطفى اصطفاء.
فإن قلت: لا يفهم من قوله: "مد" أن المدة ألف.
قلت: فهم ذلك من قوله: "وافتحا".
وينبغي أن يقيد كلامه بألا يكون أصله تفاعل ولا تفعل نحو: اطّاير واطّير أصلهما: تطاير تطيّر، فإن مصدرهما لا يكسر ثالثه ولا يزاد ألف قبل آخره.
وقوله:
وضم ما يربع في أمثال قد تلملما
يعني: أن مصدر تفعلَل تفعلُل -بضم رابعه- نحو: تلملَم تلملُما وتدحرج تدحرجا.
وقوله:
فعلال أو فعللة لفعللا
يعني: أن مصدر فعلل نحو: دحرج وما ألحق به نحو: جلبب وحوقل وبيطر يأتي على فعلال نحو دحراج، وعلى فَعلَلة نحو دحرجة، والمقيس منهما فعللة، ولذلك قال:
_________________
(١) ١ أقول: وليس هذا من الأجوف.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
واجعل مقيسا ثانيا لا أولا
وكلاهما عند بعضهم مقيس، وهو ظاهر التسهيل، وكثر فعلال في المضاعف نحو الزلزال، وفتح أول الزلزال ونحوه من المضاعف جائز.
قوله:
لفاعل الفِعَال والمفاعله
يعني: أن فاعل له مصدران: فِعال نحو خاصم خِصاما، ومفاعلة نحو: مخاصمة، واللازم له عند سيبويه المفاعلة، وقد يتركون الفعال ولا يتركون المفاعلة، وانفراد مفاعلة بما فاؤه ياء نحو: ياسر مياسرة، وندر الفعال في قولهم: ياومه مياومة، حكاه ابن سيده.
وقوله:
وغير ما مر السماع عادله
أي: كان له عديلا، فلا يقدم عليه إلا بسماع، من ذلك مجيء المصدر المعتل اللام على تفعيل ونحو١:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم راجزه، وهو من الرجز. اللغة: "وهي" يروى "باتت" "تنزي" تحرك وهو رفع الشيء إلى فوق، "شهلة" -بفتح الشين وسكون الهاء- العجوز الكبيرة. المعنى: يصف امرأة بالضعف، ويقول: إن هذه المرأة باتت تحرك دلوها بيدها حتى تخرجه من البئر برفق ولين، كما تحرك العجوز الصبي حين ترقصه برفق ولين. وخص الشهلة؛ لأنها أضعف من الشابة. الإعراب: "باتت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر فيه، "تنزي" فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر، "دلوها" مفعول وها مضاف إليه، والجملة في محل نصب خبر بات. وإن قدرته فعلا تاما، فالجملة في محل نصب حال من فاعله المستتر فيه، "تنزيا" مفعول مطلق، "كما" الكاف جارة وما مصدرية، "تنزي" فعل مضارع، "شهلة" فاعل، "صبيا" مفعول وما المصدرية ومدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلق بقوله: تنزيا، أو بمحذوف صفة له، أي: تنزيه مشابهة تنزية العجوز صبيا. الشاهد فيه: "تنزيا" -التفعيل- حيث جاء مصدرا للفعل "تنزي" المعتل اللام، والقياس "تنزية" بالياء المخففة قبل تاء التأنيث كما تقول: سمى تسمية وزكى تزكية، على وزن تفعلة. =
[ ٢ / ٨٦٧ ]
وهي تنزي دلوها تنزيا
ومجيء مصدر فعل الصحيح اللام على تفعلة نحو: تكرمة وتجربة، وغلب فيما لامه همزة نحو: خطأ تخطئة وهنأ تهنئة، وقد جاء مصدر فعل على فعال نحو: كلم كلاما.
وقوله:
وفَعْلة لمرة كجلسه وفِعْلة لهيئة كجلسه
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر الثلاثي المجرد بإتيانه على فعلة -بفتح الفاء- وعلى الهيئة بفعلة -بكسر الفاء- وهو مقيد بألا يكون المصدر على فَعلة نحو: رحمة، أو فِعلة نحو: ذِرْبة١، فلا يدل حينئذ على المرة أو الهيئة إلا بقرينة حالية أو وصف.
وقوله:
في غير ذي الثلاث بالتا المرة
يعني: أنه يدل على المرة في مصدر غير الثلاثي زيادة التاء نحو: انطلق انطلاقة.
تنبيهان:
الأول: إنما تلحق التاء للدلالة على المرة في الأبنية المقيسة.
والثاني: إن ذلك مقيد بأن يكون المصدر مجردا من التاء، فإن بني على التاء دل على المرة فيه بالقرينة لا بالتاء كما سبق في الثلاثي.
وقوله:
وشذ فيه هيئة كالخمره
أي: شذ في غير الثلاثي صوغ فعلة للدلالة على الهيئة كقولهم: "هو حَسن العِمّة والقُمصة" و"هي حسنة الخمرة والنِّقبة" من تعمم وتقمص، واختمرت وانتقبت.
_________________
(١) ١ الذربة: هي الحدة في الشيء، يقال: رجل ذرب، أي: حاد.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات:
تقدم حد اسم الفاعل، ويأتي حد الصفة المشبهة:
كفاعل صغ اسم فاعل ذا من ذي ثلاثة يكون كغذا
شمل قوله: "من ذي ثلاثة" فَعَل المتعدي نحو ضرب فهو ضارب، واللازم نحو ذهب فهو ذاهب، وفَعِل المتعدي نحو علم فهو عالم، واللازم نحو سلم فهو سالم، وفَعُل نحو فَرُه فهو فاره، وليس نسبته إليها على السواء؛ فلهذا قال:
وهو قليل في فعلت وفَعِل غير معدى
"يعني: أن فاعلا قليل في فَعُل -المضموم العين- وفَعِل -المكسور العين- غير المعدى"١، ففهم منه أنه كثير مقيس في فعل مطلقا، وفي فعل المتعدي.
وقوله:
بل قياسه فَعِل وأَفْعَل فعلان
يعني: أن قياس فعل اللازم أن يكون اسم فعله على أحد الأوزان الثلاثة، ففعِل للأعراض نحو أشر وفرح، وأفعل للألوان والخِلَق نحو أخضر وأجهر -وهو الذي لا يبصر في الشمس- وفَعْلان للامتلاء وحرارة البطن نحو ريان وصديان، وقد نبه على ذلك بالتمثيل.
وقوله:
وفعل أولى وفعيل بفَعُل
يعني: أن هذين الوزنين أولى به من غيره نحو "ضخُم فهو ضَخْم وجَمُل فهو جميل"٢، فإن قلت: فهل ينقاس عليهما؟
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، ب، وفي جـ "ضخم وجمل في جميل وضخم".
[ ٢ / ٨٦٩ ]
قلت: أما فعيل فمقيس، وقال في شرح التسهيل: ومن استعمل القياس فيهما لعدم السماع، فهو مصيب.
وقول الشارح: الذي كثر في "استعمال"١ اسم الفاعل حتى كاد "يطرد"٢ أن يجيء على فعل أو فعيل، يخالف قوله:
وأفعل فيه قليل وفَعَل
الضمير لفَعْل. مثال أفعل: أحرش٣ المكان فهو أحرش، ومثال فعل: بطل فهو بطل، ولا يقاس عليهما لقلتهما.
وبسوى الفاعل قد يغنى فَعَل
أي: قد يستغني فعل -المفتوح العين- بمجيء اسم فاعله على غير فاعل نحو طاب فهو طيب، وشاخ فهو شيخ، وشاب فهو أشيب، وعف فهو عفيف، ولم يأتوا فيه بفاعل.
فإن قلت: كيف يطلق على هذه الأوزان اسم فاعل، وإنما هي من الصفة المشبهة؟
قلت: يطلق اسم الفاعل في اللغة كثيرا، وفي الاصطلاح قليلا على كل وصف مشارك للفعل في مادة حروف الاشتقاق وتحمل ضمير الفاعل، وفي مشهور الاصطلاح على ما تقدم وحده في بابه.
وقوله:
وزنة المضارع اسم فاعل من غير ذي الثلاث كالمواصل
مع كسر متلو الأخير مطلقا وضم ميم زائد قد سبقا
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب، جـ. ٣ أحرش: خشن.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
بيّن بهذين البيتين كيفية بناء اسم الفاعل من كل فعل زائد على ثلاثة أحرف، وهو واضح.
وقوله: "وزنة" هو خبر مقدم لقوله: "اسم فاعل"، والتقدير: واسم الفاعل من غير ذي الثلاث زنة المضارع، وفهم من قوله: "مطلقا" أنه إذا كان مكسورا قدر كسره، فتكون الحركة غير الحركة.
وقوله:
وإن فتحت منه ما كان انكسر صار اسم مفعول كمثل المنتظر
فلا فرق بين اسم الفاعل، واسم المفعول فيما زاد على ثلاثة إلا بكسر ما قبل الأخير، وفتحه.
وقوله:
وفي اسم مفعول الثلاثي اطرد زنة مفعول كآت من قصد
أي: كالمصوغ من قصد، فتقول: مقصود.
وإذا كان الثلاثي لازما قيد مفعوله بالحرف الذي يتعدى به نحو: "ممرور به" ويعني بالثلاثي المتصرف.
وقوله:
وناب نقلا عنه ذو فَعِيل نحو فتاة أو فتى كحيل
أي: ناب ذو فعيل، يعني: صاحب هذا الوزن عن مفعول نقلا لا قياسا نحو: كحيل بمعنى مكحول، وقتيل وطريح وهو كثير.
قال الشارح: وعلى كثرته لم يقس عليه بإجماع، وفي التسهيل: وليس مقيسا خلافا لبعضهم فنص على الخلاف١، وقال في شرحه: وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له فعيل بمعنى فاعل، فقيد في الشرح وأطلق في الأصل.
فإن قلت: فهل يعمل فعيل النائب عن مفعول عمل اسم المفعول؟
قلت: ذكر في التسهيل "أنه ينوب"٢ في الدلالة لا العمل٣، فعلى هذا لا
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣٨. ٢ ب. ٣ التسهيل ص١٣٨.
[ ٢ / ٨٧١ ]
يقال: "مررت برجل كحيل عينه ولا قتيل أبوه" وقد أجازه ابن عصفور ويحتاج إلى سماع.
فإن قلت: لِمَ قال: نحو فتاة أو فتى، فمثل بالمؤنث والمذكر؟
قلت: لينبه على أن "فعيل" بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
الصفة المشبهة باسم الفاعل:
صفة استحسن جر فاعل معنى بها المشبهة اسم الفاعل
تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه.
نحو "حسن الوجه" وذلك خلاف اسم الفاعل، فإنه "لا يصلح لذلك"١.
فإن قلت: يشعر قوله: "استحسن" بأن اسم الفاعل قد يضاف إلى فاعله، ولكنه ليس بمستحسن.
قلت: قال الشارح: إن ذلك "لا يسوغ"٢ في اسم الفاعل إلا إن أمن اللبس، فقد "يجوز"٣ على ضعف وقلة في الكلام نحو: "كاتب الأب" تريد: كاتب أبوه، انتهى. وليس على إطلاقه بل نقول: إذا قصد ثبوت اسم الفاعل، فإن كان من غير متعد عُومل معاملة الصفة المشبهة.
"وساغت"٤ إضافته إلى ما هو فاعل في المعنى، فتقول: "زيد قائم الأب" -بالرفع والنصب والجر- على حد الحسن الوجه.
وإن كان من متعد بحرف جر فكذلك عند الأخفش، وصححه ابن عصفور بدليل قولهم: "هو حديث عهد بوجع" ونقل المنع عن الجمهور.
وإن كان من متعد إلى واحد فكذلك عند المصنف بشرط أمن اللبس وفاقا للفارسي، وذهب كثير إلى منعه، وفصّل قوم فقالوا: إن حذف مفعوله اقتصارا جاز وإلا فلا، وهو اختيار ابن عصفور وابن أبي الربيع والسماع يوافقه كقوله٥:
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "لا يصح كذلك". ٢ أ، جـ، وفي ب "لا يصوغ". ٣ أ، ب، وفي جـ "يحق". ٤ أ، ب، وفي جـ "وصاغت". ٥ قائله. لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
ما الراحم القلب ظلاما وإن ظُلما
وإن كان "متعديا"١ إلى أكثر من واحد لم يجز جعله كالصفة، قال بعضهم بغير خلاف.
فإن قلت: لِمَ قال: فاعل معنى؟
قلت: لأنه لا تضاف الصفة إليه إلا بعد إسنادها إلى ضمير الموصوف، فلم يبق فاعلا إلا من جهة المعنى.
_________________
(١) = وتمامه: ولا الكريم بمناع وإن حرما اللغة: "ظلاما" على وزن فعال -بتشديد العين- مبالغة ظالم، "مناع" كذلك مبالغة مانع، ولكن المعنى هنا ليس بذي ظلم، وليس المراد به المبالغة، "ظلما" على صيغة المبني للمجهول، "حرما" على صيغة المبني للمجهول. المعنى: أن من اتصف بالرحمة واستشعر قلبه الرأفة بالناس، لا يقسو عليهم وإن قسوا عليه، ولا يسيئهم وإن أساءوا إليه، وأن من اتصف بالكرم وامتلأت نفسه بمحبة البذل لا يمنع عن أحد رفده، وإن كان الناس لا يعاملونه هذه المعاملة. الإعراب: "ما" نافية حجازية، "الراحم" اسم ما مرفوع بالضمة، "القلب" مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى فاعله، "ظلاما" خبر ما الحجازية منصوب بالفتحة الظاهرة، "وإن" الواو عاطفة على محذوف، وإن شرطية، "ظلما" فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم والألف للإطلاق، ونائبه ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على الراحم القلب، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، "ولا" الواو عاطفة ولا زائدة لتأكيد النفي، "الكريم" معطوف على اسم ما، "بمناع" معطوف على خبر ما، "وإن" الواو عاطفة، وإن شرطية، "حرما" فعل ماض مبني للمجهول فعل الشرط ونائبه ضمير مستتر، والألف للإطلاق، وجواب الشرط محذوف. الشاهد فيه: "ما الراحم القلب"، فإن الراحم اسم فاعل أضيف إلى فاعله "القلب"، وإضافة اسم الفاعل إلى فاعله لا تجوز إلا إذا أمن اللبس وفاقا للفارسي. وقال جماعة: إن حذف مفعوله اقتصارا جاز وإلا فلا، وفي البيت حذف مفعوله اقتصارا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٤٦ / ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٠١/ ١٠. ١ أ، جـ.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وقوله: "المشبهة اسم فاعل" يجوز أن يكون مبتدأ وصفة خبره، وفي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يكون صفة مبتدأ، وإن كان نكرة لوصفه "والصفة المشبهة"١ خبره، والأول أظهر.
فإن قلت: ما وجه الشبه بينها، وبين اسم الفاعل؟
قلت: من أوجه، أحدها: أنها تدل على حدث، ومن قام به.
الثاني: أنها تؤنث وتذكر.
الثالث: أنها تثنى وتجمع، وكان حقها ألا تعمل عمل فعلها؛ لأنها لا تجري على المضارع، ولا هي معدولة عن الجاري عليه، إلا أنها عملت لمشابهتها اسم الفاعل فيما ذكر.
ثم اعلم أن بين اسم الفاعل والصفة المشبهة فروقا:
الأول: أن الصفة المشبهة لا تكون إلا من فعل لازم بخلاف اسم الفاعل، فإنه يصاغ من المتعدي واللازم.
وإلى هذا أشار بقوله: وصوغها من لازم.
الثاني: أنها لا تكون للماضي المنقطع ولا لما لم يقع ولا "توجد"٢ إلا للحاضر، وهو الأصل في باب الوصف؛ لأنها لم توضع لإفادة معنى الحدوث بل لنسبة الحدث إلى الموصوف به على جهة الثبوت بخلاف اسم الفاعل، فإنه كالفعل في إفادة معنى الحدوث والصلاحية لاستعماله بمعنى الماضي والحال والاستقبال؛ ولذلك إذا قصد باسم الفاعل الثبوت عُومِل معاملة الصفة المشبهة كما سبق، وإذا قصد بالصفة الحدوث حُوِّلت إلى بناء اسم الفاعل كقوله٣:
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، ب، وفي ب "تؤخذ". ٣ قائله هو أشجع السلمي من قصيدة حائية، وهو من الطويل. اللغة: "رزء" -بضم الراء وسكون الزاي وفي آخره همزة- وهي المصيبة ويجمع على أرزاء، "جل" -بالجيم- عظيم وكثير، "بعد موتك" الخطاب لابن سعيد في أول القصيدة. =
[ ٢ / ٨٧٥ ]
وما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
وإلى هذا أشار بقوله: "لحاضر".
تنبيه:
قد تقدم مما ذكرناه أن كونها للحال ليس شرطا في عملها، ولكن وضعها كذلك؛ لكونها دالة على الثبوت من ضرورته الحال، فعبارته هنا أجود من قوله في الكافية:
والاعتماد واقتضاء الحال شرطان في تصحيح ذا الإعمال
الثالث: أنها غير جارية على المضارع بخلاف اسم الفاعل. نص على ذلك الزمخشري وغيره، وهو ظاهر كلام أبي علي في الإيضاح، ورده المصنف وقال في التسهيل: وموازنتها للمضارع قليلة إن كانت من ثلاثي، ولازمة إن كانت من غيره١.
ولذلك مثل هنا "بطاهر القلب" وهو جارٍ على المضارع، و"بجميل الظاهر" وهو غير جارٍ تنبيها على "مجيئه"٢ بالوجهين.
_________________
(١) مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا له فيه مادح الإعراب: "ما" نافية، "أنا" مبتدأ، "من رزء" جار ومجرور متعلق بجازع، "وإن" واصلة بما قبلها، "جل" فعل والفاعل ضمير مستتر يرجع إلى الرزء، وفي الحقيقة هو عطف على محذوف، تقديره: وما أنا جازع من رزء إن لم يجل وإن جل، "جازع" خبر المبتدأ، "ولا بسرور" متعلق بفارح، "بعد" ظرف، "موتك" مضاف إليه، وموت مضاف والكاف مضاف إليه، "فارح" خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ولا أنا فارح بسرور بعد موتك. الشاهد فيه: "فارح"، فإن الصفة المشبهة التي هي "فرح" حولت إلى فارح على صيغة اسم الفاعل؛ لإفادة معنى الحدوث في الزمن المستقبل، وإذا قصد باسم الفاعل الثبوت عومل معاملة الصفة المشبهة. وإذا قصد بالصفة المشبهة معنى الحدوث حولت إلى بناء اسم الفاعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم. ١ التسهيل ص١٣٩. ٢ أ، جـ، وفي ب "مجيئها".
[ ٢ / ٨٧٦ ]
ومثالها من غير الثلاثي منطلق اللسان، ومطمئن القلب.
قلت: ولقائل أن يقول: إن ضامرا ومنطلقا ومنبسطا ونحوها مما جرى على المضارع أسماء فاعلين قصد بها الثبوت، فعوملت معاملة الصفة المشبهة، وليست بصفة مشبهة.
فإن قلت: قد رد ما ذهب إليه من قال: إنها لا تكون جارية بكونهم متفقين على أن "شاحطا" في قوله١:
من صديق أو أخي ثقة أو عدو شاحط دارا
صفة مشبهة:
قلت: إن صح الاتفاق فهو محمول على أن حكمه حكم الصفة المشبهة؛ لأنه قصد به الثبوت كما تقدم؛ فلذلك أطلق عليه صفة مشبهة.
الرابع: أن معمولها لا يتقدم عليها؛ لضعفها بخلاف اسم الفاعل٢.
الخامس: أن معمولها لا يكون إلا سببيا بخلاف اسم الفاعل، فإنه يعمل في السببي والأجنبي٣.
والمراد بالسببي المتلبس بضمير صاحب الصفة لفظا، أو معنى.
_________________
(١) ١ قائله هو عدي بن زيد بن حمار التميمي، وهو من المديد. اللغة: "شاحط" فاعل من الشحط، وهو البعد، وكذلك الشحوط، يقال: شحط يشحط شحطا وشحوطا ومشحطا، إذا بعد. الإعراب: "من صديق" جار ومجرور متعلق ببيت قبله، "أو أخي" عطف عليه، "ثقة" مضاف إليه، "أو عدو" عطف على ما قبله، "شاحط" صفة للعدو، "دارا" مفعول لشاحط، وفيه ضمير مستتر فاعل. الشاهد: "شاحط"، فإنه صفة مشبهة بالاتفاق مع أنه جارٍ على فعله. وبهذا رد على من قال: إن الصفة المشبهة هي التي لا تجري على فعلها نحو: حسن وشديد، وممن قال ذلك أبو علي والزمخشري. ٢ فلا تقول: "زيد الوجه حسن" كما تقول: "زيد عمرا ضارب". ٣ فتقول: "زيد حسن وجهه" أو لا تعمل في أجنبي، فلا تقول: "زيد حسن عمرا"، واسم الفاعل يعمل في السببي والأجنبي نحو: "زيد ضارب علامه، وضارب عمرا".
[ ٢ / ٨٧٧ ]
وإلى هذين أشار بقوله:
وسبق ما تعمل فيه مجتنب وكونه ذا سببية وجب
فإن قلت: قد ذكر في التسهيل أن معمول الصفة المشبهة يكون ضميرا بارزا متصلا١ كقوله٢:
حسن الوجه طلقه أنت في السلم وفي الحرب كالح مكفهر
ولا يطلق عليه سببي.
قلت: إنما احترز بالسببي عن الأجنبي فإنها لا تعمل فيه، وأما عملها في الموصوف فلا إشكال فيه.
وأما قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى لها
فيعني به أنها تنصب فاعلها في المعنى، كما ينصب اسم الفاعل مفعوله.
فإن قلت: كيف قال: وعمل اسم فاعل المعدى لها وبينهما فرق، وهو أن معمول اسم الفاعل مفعول به ومعمولها مشبه بالمفعول، فعملهما إذًا مختلف؟
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣٩. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف. اللغة: "طلقه" طلق الوجه أي: غير عبوس، "مكفهر" عابس. المعنى: يمدح مخاطبه بأنه في وقت السلم مشرق الوجه كريم معطاء، وبأنه في وقت الحرب وعند مقارعة الأبطال مقطب الوجه عابس. الإعراب: "حسن" خبر مقدم، "الوجه" مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، "طلقه" خبر ثانٍ، والضمير مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، "أنت" مبتدأ مؤخر مبني على الفتح في محل رفع، "في السلم" متعلق بمحذوف حال، "وفي الحرب" جار ومجرور معطوف على المجرور قبله، "كالح" معطوف على الخبر السابق، "مكفهر" يجوز أن يكون تأكيدا لفظيا لكالح، ويجوز أن يكون معطوفا بعاطف مقدر على كالح، أو خبرا لمبتدأ محذوف. الشاهد فيه: "طلقه" حيث عملت الصفة المشبهة وهي "طلق" في الضمير البارز المتصل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٥٦/ ٢، والمكودي ص١٠٥.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
قلت: هو متحدّ صورة وهو المراد بقوله: على الحد الذي قد حُدَّا، يعني: أن عملها مشروط بالاعتماد، كما شرط ذلك في اسم الفاعل.
فإن قلت: لِمَ أخر قوله: "وسبق ما تعمل فيه البيت" عن قوله:
وعمل اسم فاعل المعدى؟
وكان ينبغي العكس؛ لأن ذلك من تتمة الفروع.
قلت: بيان شرط معمولها من "توابع عملها"١؛ فلذلك أخره عنه.
وقوله:
فارفع بها وانصب وجر مع أل
الرفع على الفاعلية٢ والنصب على التشبيه بالمفعول به في المعرفة، وعلى التمييز في النكرة، وقيل: يجوز فيه أيضا التشبيه، وأجاز بعض البصريين كون المقرون بأل والمضاف إلى المقرون بها تمييزا وهي نزعة كوفية والجر على الإضافة، وهل هي من نصب أو رفع؟ قولان.
وظاهر كلام المصنف أنها من رفع وإليه ذهب السهيلي، وذهب الشلوبين وأكثر أصحابنا كابن عصفور إلى أنها من المنصوب.
وقوله: "ودون أل".
يعني: أن الصفة المشبهة تعمل الرفع والنصب والجر في السببي مقرونة بأل، ومجردة منها.
ثم قسّم معمولها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: معرف بأل، وإليه أشار بقوله: "مصحوب أل".
والثاني: المضاف، وهو المراد بقوله: "وما اتصل بها مضافا".
أي: وما اتصل بالصفة، ولم ينفصل عنها بأل.
والثالث: المجرد من أل والإضافة.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "توابع بيان عملها". ٢ وقال الفارسي: أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
ثم اعلم أن المضاف أنواع:
الأول: مضاف إلى ضمير الموصوف.
الثاني: مضاف "إلى مضاف" إلى ضميره.
والثالث: مضاف إلى المعرف بأل.
والرابع: مضاف إلى المجرد.
والخامس: مضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف.
ذكره في التسهيل١ ويحتاج إلى سماع.
والسادس: مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى، ذكره في شرح التسهيل.
والسابع: مضاف إلى موصول.
والثامن: مضاف إلى موصوف يشبهه.
والمجرد من أل والإضافة يشمل ثلاثة أنواع: الموصول والموصوف وما سواهما، فجملة أنواع معمولها السببي أحد عشر نوعا وهذه أمثلتها على الترتيب:
مثال مصحوب أل "الحسن الوجه"، ومثال المضاف إلى ضمير الموصوف "الحسن وجهه"، ومثال المضاف إلى المضاف إلى ضميره "الحسن وجه أبيه".
ومثال المضاف إلى المجرد "الحسن وجه أب".
ومثال المضاف إلى ضمير مضاف إلى مضاف إلى ضمير الموصوف "مررت بامرأة حسن وجه جاريتها جميلة أنفه" فالأنف مضاف إلى ضمير الوجه والوجه مضاف إلى جارية والجارية مضاف إلى ضمير الموصوف.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣٩.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
ومثال المضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى "مررت برجلٍ حسن الوجنة جميلٍ خالها" وهو تركيب نادر. وشاهده قول الشاعر١:
سبتني الفتاة البضة المتجرد الـ لطيفة كشحه وما خلت أن أسبى
ومثال المضاف إلى الموصول قوله٢:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. اللغة: "البضة" -بفتح الباء وتشديد الضاد- أدماء أو بيضاء، "المتجرد" -بضم الميم وفتح التاء والجيم- بمعنى التجرد والعرية، "كشحه" -بفتح الكاف وسكون الشين- ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف، "أسبى" من السبي وهو الأسر. المعنى: يصف أنه وقع في أسر فتاة بضة الجسم جميلة المتعرى، وأنها تملكت بمحاسنها قلبه، واستولت بمفاتنها على لُبّه، وأنه ما كان يحسب أن يحدث له ذلك؛ لجلادته وقوة أسره. الإعراب: "سبتني" فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "الفتاة" فاعل، "البضة" صفة للفتاة، "المتجرد" مضاف إليه، "اللطيفة" صفة ثانية للفتاة، "كشحه" مضاف إليه على رواية الجر، والهاء مضاف إليه، ويروى بالرفع على أنه فاعل باللطيفة، "وما" الواو للحال وما نافية، "خلت" فعل وفاعل، "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، "أسبى" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ونائب فاعله ضمير مستتر، والجملة في محل رفع خبر أن، وأن وما دخلت عليه سدت مسد مفعولي خال. الشاهد فيه: "البضة المتجرد اللطيفة كشحه"، فإن الكشح مضاف إلى الضمير المتجرد المضاف إليه البضة. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه ٣٥٧/ ٢. ٢ قائله: الفرزدق، وهو من البسيط. اللغة: "فعجتها" عجت الناقة: إذا عطفت رأسها بالزمام، "قبل الأخيار" -بكسر القاف وفتح الباء- نحوهم وجهتهم، والأخيار جمع: خيّر بالتشديد، "الطيبي" أصله: الطيبين، سقطت النون لأجل الإضافة، وهو جمع طيب، "التاثث" من الالتياث وهو الاختلاط والالتفاف، "الأزر" جمع إزار، وهذا كناية عن وصفهم بالعفة. الإعراب: "فعجتها" الفاء عاطفة، عاج فعل ماض والتاء فاعل وضمير الغائبة مفعول به، "قبل" ظرف مكان متعلق بعاج، "الأخيار" مضاف إليه، "منزلة" تمييز منصوب بالفتحة =
[ ٢ / ٨٨١ ]
فعجتها قِبَل الأخيار منزلة والطيبي كل ما التاثت به الأزر
ومثال المضاف إلى الموصوف "رأيت رجلا حديدا سنان رمح يطعن به".
ومثال الموصول قوله١:
وثيرات ما التفّتْ عليه المآزر
_________________
(١) = و"الطيبي" الواو عاطفة، الطيبي معطوف على الأخيار مجرور بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، "كل" مضاف إليه، "ما" اسم موصول مضاف إليه، "التاثت" التاث فعل ماض والتاء للتأنيث، "به" متعلق بالتاث، "الأزر" فاعل التاث، والجملة لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: "والطيبي كل ما التاثت"، فالطيبي صفة مشبهة مضافة إلى كل الذي هو مضاف إلى موصول، أي: إن معمول الصفة المشبهة التي هي "الطيبي" اسم مضاف إلى الاسم الموصول. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٥٧/ ٢، والمكودي ص١٠٣. ١ قائله: هو عمر بن أبي ربيعة، وهو من الطويل، وصدره: أسيلات أبدان دقاق خصورها اللغة: "أسيلات" جمع أسيلة وهي الطويلة، "دقاق" -بكسر الدال- جمع دقيق، "خصور" جمع خصر، "وثيرات" جمع وثيرة -بفتح الواو وكسر الثاء- والوثير: الفراش الوطيء، وأراد به هنا: وطيئات الأرداف والأعجاز. الإعراب: "أسيلات" خبر مبتدأ محذوف، هن أسيلات، "أبدان" مضاف إليه، "دقاق" خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف، "خصورها" فاعل والهاء مضاف إليه، ويجوز أن يكون دقاق خبرا مقدما وخصورها مبتدأ مؤخرا، "وثيرات" خبر ثالث، "ما" اسم موصول مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، "التفت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "عليه" متعلق بالتفت، "المآزر" فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، والعائد هو الضمير المجرور محلا بعلى. الشاهد فيه: "وثيرات ما التفت"، فإن "وثيرات" صفة مشبهة أضيفت إلى الموصول من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٥٧/ ٢.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
ومثال الموصوف قوله١:
أزور امرأ جما نوال أعده لمن أَمَّهُ مستكفيا أزمة الدهر
وهذان القسمان غريبان:
ومثال المجرد غيرهما "الحسن وجه".
إذا تقرر هذا، فاعلم أن الصفة تعمل في السببي الرفع والنصب والجر مع أل ودون أل، فلها ستة أحوال. وكل منها على أحد عشر تقديرا في المعمول فهذه ست وستون صورة كلها جائزة إلا ما لزم منها إضافة ما فيه أل إلى الخالي من أل، ومن إضافة إلى المعرف بها أو إلى ضمير المعرف بها فيمتنع "الحسن وجهه" و"الحسن وجه أبيه" و"الحسن وجه أب" و"الحسن وجه" ونحوها.
ويجوز نحو: "الحسن الوجه"؛ لأنه معرف بأل، و"الحسن وجه الأب"؛ لأنه مضاف إلي المعرف بها، و"الكريم الآباء الغامر جودهم"؛ لأن جودا مضاف إلى ضمير المقرون بها، ذكره في التسهيل٢.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على قائله، وهو من الطويل. اللغة: "جما" -بالجيم وتشديد الميم- عظيما، "نوال" -بفتح النون- العطاء، "لمن أمه" قصده، "أزمة الدهر" شدته. الإعراب: "أزور" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر، "امرأ" مفعول به، "جما" صفة لامرئ، "نوال" فاعل بجم، "أعده" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر وضمير الغائب مفعول به والجملة صفة لنوال، "لمن" اللام حرف جر ومن اسم موصول والجار والمجرور متعلق بأعد، "أمه" أم فعل ماض وفاعله ضمير مستتر وضمير الغائب مفعول والجملة لا محل لها صلة الموصول، "مستكفيا" حال من الضمير المستتر في أم، وفيه ضمير مستتر فاعل، "أزمة" مفعول به لمستكف، "الدهر" مضاف إليه. الشاهد فيه: "جما نوال أعده" حيث جاء معمول الصفة المشبهة التي هي "جما" نكرة موصوفة بجملة، وهذه النكرة المعمولة للصفة المشبهة هي "نوال" وصفتها هي جملة "أعده". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٥٧/ ٢. ٢ التسهيل ص١٤٠.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
وإلى هذا أشار بقوله: ولا تجرُرْ بها، أي: الصفة، سُما١.
مع أل سما من أل خلا.
أي: اسما خلا من أل "ومن إضافة لتاليها".
وقوله:
وما لم يخل فهو بالجواز وسما
يعني: وما لم يخل من أل ومن إضافة لتاليها، فهو موسوم بالجواز.
فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: أو من إضافة لمضمر المعرف بها، كما ذكره في التسهيل.
قلت: إنما "تركه"٢ هنا؛ لأنه تركيب نادر كما مر.
تنبيهان:
الأول: لم يتعرض المصنف لبيان أقسام الجائز، وهو ينقسم إلى قبيح وحسن ومتوسط.
فالقبيح: ما عري عن الضمير، والحسن: ما كان فيه ضمير واحد، والمتوسط: ما تكرر فيه الضمير، إلا ما تقدم امتناعه، وقد بسطته في غير هذا المختصر٣.
الثاني: ما ذكره من الحكم إنما هو النسبي، وقد تقدم أن معمول الصفة يكون ضميرا وعملها فيه جر بالإضافة إن باشرته وخلت من أل نحو: "مررت برجل حسن الوجهِ جميلِهِ"، ونصب إن فُصلت أو قُرنت بأل، فالمفصولة نحو: "قريش بخباء الناس ذرية وكرامُهُموها".
والمقرونة بأل نحو: "زيد الحسنُ الوجهِ الجميله".
_________________
(١) ١ أي: اسما. ٢ ب، جـ، وفي أ "ذكره". ٣ راجع الأشموني ٣٥٨/ ٢.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
التعجب:
استعظام فعل ظاهر المزية، ويدل عليه بألفاظ كثيرة غير ما يذكر في هذا الباب نحو: "سبحان الله" و"لله دره"، لم يبوب لها في النحو؛ لكونها لم تدل عليه بالوضع بل بقرينة.
والمبوب له من ألفاظه: أفعَل وأفعِل، وقد أشار إلى الأول بقوله:
بأفعل انطق بعد ما تعجُّبا
أي: انطق بوزن أفعل بعد ما؛ لإنشاء التعجب أو في حال تعجبك.
فقوله: "تعجبا" مفعول له أو حال.
وأشار إلى الثاني بقوله:
أو جئ بأفعِل قبل مجرور ببا
يعني: أو جئ بوزن أفعل قبل اسم مجرور بباء الجر.
ثم قال: وتلو أفعل انصبنه
مذهب البصريين أنه مفعول به، وزعم الفراء ومن وافقه من الكوفيين أن نصبه على حد النصب في نحو: "زيدٌ كريمٌ الأبَ".
فإن قلت: شرط المجرور بعد أفعِل والمنصوب بعد ما أفعَل، أن يكون مختصا لتحصل به الفائدة، ولم ينبه على ذلك.
قلت: في تمثيله الآتي إرشاد إليه.
ثم مثل الصيغة الأولى بقوله:
كما أوفى خليلينا
وهو نظير: "ما أحسن زيدًا" فما اسم لعود الضمير عليها مبتدأ، قيل: بلا خلاف، وقد روي عن الكسائي: أنها لا موضع لها من الإعراب، وهو خلاف شاذ.
وبعد ثبوت اسميتها وأنها مبتدأ، ففي معناها خلاف. مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنها اسم تام نكرة، والفعل بعدها خبرها، وهو الصحيح لأن
[ ٢ / ٨٨٥ ]
قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي، وسبب الاختصاص بها خفي، فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصة؛ ليحصل بذلك إبهام متلو بإفهام.
فإن قلت: كيف ساغ الابتداء بما، وهي نكرة لا مسوغ لها؟
قلت: سوغها قصد الإبهام، وقد ذكره في التسهيل من المسوِّغات١.
وقال الشارح: لأنها في تقدير التخصيص.
والمعنى: شيء عظيم أحسن زيدا، أي: جعله حسنا، فهو كقولهم: "شيء جاء بك وشر أهر ذا ناب"٢. انتهى، وفيه نظر.
وذهب الأخفش وطائفة من الكوفيين إلى أنها موصولة، والفعل صلتها والخبر محذوف لازم الحذف، تقديره: الذي أحسن زيدًا شيء عظيم.
ورد بأنه يستلزم مخالفة النظائر من وجهين:
أحدهما: تقدم الإفهام وتأخر الإبهام، والمعتاد فيما تضمن من الكلام إفهاما وإبهاما "أن"٣ يقدم الإبهام.
والثاني: التزم حذف الخبر دون شيء سد مسده، وذهب الفراء وابن درستويه إلى أنها استفهامية، ونقله في شرح التسهيل عن الكوفيين.
ورده بأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ٤ وما المشار إليها مخصوصة بالأفعال، وبأنها لو كان فيها معنى الاستفهام لجاز أن يخلفها أي.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣١. ٢ يقال: أهره، إذا حمله على الهرير، وهو مَثَل يضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله. ٣ أ، جـ. ٤ من الآية ٨ من سورة الواقعة.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وبأن قصد التعجب بما أفعله مجمع عليه والاستفهام زيادة لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها.
قلت: وفي الأول نظر.
لأن مذهب الكوفيين أن أفعل اسم، وسيأتي.
وذهب الأخفش في أحد أقواله إلى أنها نكرة موصوفة، وأفعل صفتها والخبر محذوف.
وثاني أقواله: أنها موصولة، وقد تقدم.
وثالثها: كقول سيبويه.
ثم مثّل الصيغة الثانية بقوله: وأصدِقْ بِهِما.
وهو نظير: "أحسِنْ بزيد".
ومذهب جمهور البصريين أن أفعل في نحو: "أحسن بزيد" لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، فمعنى "أحسن بزيد" أحسن زيد، أي: صار ذا حسن وهو مسند إلى المجرور بعده، والباء الزائدة مع الفاعل مثلها في نحو: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١.
وذهب الفراء ومن وافقه إلى أنه أمر باستدعاء التعجب من المخاطب مسندا إلى ضميره، واستحسنه الزمخشري وابن خروف، وذهب ابن كيسان إلى أن المخاطب ضمير الحسن كأنه قيل: يا حسن أحسن بزيد، أي: دم به؛ ولذلك كان الضمير مفردا على كل حال، قال ابن طلحة: وهو حسن، وعلى هذين القولين فالباء زائدة مع المفعول؛ لأن من جعل أفعل أمرا حقيقة فالهمزة عنده للتعدية.
وأجاز بعض المتأخرين أن تكون الباء للتعدية لا زائدة، والهمزة للصيرورة لا للتعدية، وهو أمر للسبب٢ أو للشخص على القولين.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٨ من سورة الفتح. ٢ أي: للحدث الموجود في أفعل فهو سبب للتعجب، فقولنا: "أحسن بزيد" الحسن هو سبب التعجب.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
والصحيح ما ذهب إليه جمهور البصريين؛ لسلامته مما يرد على غيره.
ورد المصنف قول الفراء بأربعة أوجه:
أحدها: أنه لو كان أمرا لم يكن الناطق به متعجبا، كما لا يكون الآمر بالحلف ونحوه حالفا، ولا خلاف في كونه متعجبا.
الثاني: أنه لو كان أمرا لزم إبراز ضميره.
الثالث: أنه لو كان مسندا إلى ضمير المخاطب لم يَلِهِ ضمير المخاطب في نحو: "أحسن بك".
الرابع: لو كان أمرا لوجب له من الإعلال ما وجب لأقِمْ وابْنِ.
ورد قول ابن كيسان بأن من المصادر ما لا يكون إلا مؤنثا كالسهولة والنجابة، فلو كان الأمر على ما توهمه، لقيل في أسهل به وأنجب به: أسهلى به وأنجبى، وقد أجيب عما رد به، وليس "هذا"١ موضع ذكره.
تنبيهان:
الأول: الباء بعد أفعل لازمة عند الفريقين، إلا إذا كان المتعجب منه أن وصلتها، كقول الشاعر٢:
_________________
(١) ١ ب. ٢ قائله: هو عباس بن مرداس، وهو من المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي -ﷺ- من سبي حنين من الإبل، وهو من الطويل. وصدره: وقال نبي المسلمين تقدموا المعنى: يذكر أن رسول الله -ﷺ- قد أمرهم بالتقدم إلى أعدائهم ومحاربتهم، ثم تعجب من شدة محبتهم لانتصار الرسول -ﷺ- على أعدائه. الإعراب: "قال" فعل ماض، "نبي" فاعل، "المسلمين" مضاف إليه، "تقدموا" فعل أمر وفاعله والجملة في محل نصب مقول القول، "وأحبب" فعل ماض جاء على صورة الأمر، فعل تعجب، "إلينا" جار ومجرور متعلق بأحبب، "أن" مصدرية وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بباء زائدة مقدرة، وهو فاعل فعل التعجب، وأصل الكلام: وأحبب إلينا بكونك المقدما. =
[ ٢ / ٨٨٨ ]
وأحبِبْ إلينا أن تكون المقدما
الثاني: قال في شرح التسهيل: لو اضطر شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن لزمه أن يرفع، وعلى قول الفراء يلزم النصب.
وقوله:
وحذف ما منه تعجبت استبح إن كان عند الحذف معناه يضح
يعني: أنه يجوز حذف الاسم المنصوب بعد ما أفعل، والمجرور بالباء بعد أفعل؛ فمثال حذفه بعد ما أفعل قول علي رضي الله عنه١:
جزى الله عنا والجزاء بفضله ربيعة خيرا، ما أعفَّ وأكرَما
_________________
(١) ١ قائله: هو علي -كرم الله وجهه- من كلمة يمدح فيها ربيعة على ما أبلت معه يوم صفين، وهو من الطويل. اللغة: "جزى" كافأ، "بفضله" بإحسانه، "ما أعف" تعجب من شدة عفتهم عن الدنيا، وهو يريد عفتهم عن المغانم والأسلاب. الإعراب: "جزى ألله" فعل ماض وفاعله، "عنا" متعلق بجزى، "والجزاء" الواو للحال، والجزاء مبتدأ مرفوع بالضمة، "بفضله" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ وفضل مضاف وضمير الغائب مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال، "ربيعة" مفعول أول لجزى، "خيرا" مفعول ثانٍ لجزى، "ما أعف" ما تعجبية مبتدأ، وأعف فعل ماض للتعجب وفاعله يعود على ما والجملة خبر المبتدأ، "وأكرما" عطف على أعف والألف للإطلاق، ومفعول فعل التعجب -وهو المتعجب منه- محذوف للعلم به، أي: ما أعفها وأكرمها. الشاهد فيه: "ما أعف وأكرما" حيث حذف مفعول فعل التعجب؛ لقيام قرينة تدل عليه، والأصل: ما أعفهم وأكرمهم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٦٤/ ٢، وابن هشام ٦٩/ ٣، والسيوطي ص٨٧، والمكودي ص١٠٧، وابن الناظم.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
أي: ما أعفهم وأكرمهم.
ومثاله بعد أفعِل قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ١ -أي: بهم- وإنما حذف مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة خلافا للفارسي.
وذهب قوم إلى أنه لم يحذف، ولكنه استتر في الفعل حين حذفت الباء.
ورُدّ بوجهين:
أحدهما: لزوم إبرازه حينئذ في التثنية والجمع.
والآخر: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كنا من: "أكرم بنا"٢.
قال في شرح الكافية: ولا تحذف الباء بعد أفعل إلا مع مجرورها، بشرط كون أفعل مسبوقا بآخر معه الفاعل المذكور كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ ٣.
وقد تحذف الباء ومجرورها بعد أفعل مفردا، كقول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ من الآية ٣٨ من سورة مريم. ٢ ب، جـ، وفي أ "أكرمنا". ٣ من الآية ٣٨ من سورة مريم. ٤ قائله: هو عروة بن الورد -المعروف بعروة الصعاليك- في وصف صعلوك، وهو من الطويل. اللغة: "فذلك" إشارة لصعلوك وصف بأوصاف قبل هذا البيت، "المنية" الموت، "حميدا" محمودا، فهو فعيل بمعنى مفعول، "أجدر" ما أجدره وما أحقه. المعنى: هذا الصعلوك الموصوف بالصفات المذكورة، إذا صادف الموت صادفه محمودا لما كان عليه من عفة، وإن عاش واستغنى فما أحقه بالغنى. الإعراب: "فذلك" اسم إشارة مبتدأ، "إن" شرطية، "يلق" فعل مضارع فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر، "المنية" مفعول، "يلقها" فعل مضارع جواب الشرط، وفيه ضمير =
[ ٢ / ٨٩٠ ]
فذلك إن يلق المنية يلقها حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
فإن قلت: كيف أطلق على الاسم متعجبا منه في قوله:
#
وحذف ما منه تعجبتَ استبِح
والمتعجب منه إنما هو فعله "لا نفسه"١؟
قلت: قد أجاب الشارح بأنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله:
إن كان عند الحذف معناه يضح
شرط في استباحة حذف المتعجب منه بعد ما أفعل، وأفعل "به"٢.
يعني: أن جواز حذفه مشروط بأن يكون المراد واضحا عند الحذف للعلم به، فلو كان مجهولا لا دليل عليه لم يجز حذفه؛ لعدم الفائدة.
قوله:
وفي كلا الفعلين قدما لزما منع تصرف بحكم حُتما
قال في شرح التسهيل: لا خلاف في عدم تصرف فعلي التعجب، انتهى.
وقد أجاز ابن هشام الإتيان بمضارع ما أفعَل، فتقول: "ما يحسن زيدا".
_________________
(١) = مستر فاعل، وها مفعول، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، "حميدا" حال من فاعل يلق المستتر فيه، "وإن" شرطية، "يستغن" فعل مضارع فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر، "يوما" متعلق بيستغن، "فأجدر" الفاء لربط الجواب بالشرط وأجدر فعل ماض جاء على صورة الأمر، وقد حذف فاعله والباء، أي: أجدر به. الشاهد فيه: "فأجدر" حيث حذف المتعجب منه وهو فاعل أجدر مع حرف الجر من غير أن تكون صيغة التعجب المحذوف معمولها معطوفة على أخرى مذكور معمولها المشابه للمحذوف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٦٥/ ٢، وابن هشام ٧٠/ ٣، وابن عقيل ١١٥/ ٢، وابن الناظم. ١ أ، جـ، وفي ب "لا وصفه". ٢ ب، جـ.
[ ٢ / ٨٩١ ]
وهو قياس ولم يسمع، فوجب اطّراحه.
فإن قلت: فهلا جعلوا أفعِل أمرا من أفعَل؟
قلت: المانع من ذلك كون الهمزة في أفعِل للصيرورة، وفي ما أفعل للنقل، هذا تفريع على مذهب الجمهور.
قلت: صرح المصنف في هذا البيت بفعلية صيغتي التعجب.
وأما ما أفعله ففيه خلاف؛ ذهب البصريون والكسائي إلى فعليته، وذهب الكوفيون إلى اسميته ولم يستثنه بعضهم، فلعل له قولين.
والصحيح أنه فعل؛ لبنائه على الفتح، ولنصبه المفعول به، وليس من الأسماء التي تنصبه، وللزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو: "ما أفقرني إلى عفو الله" ذكر ذلك المصنف.
قلت: قد حكى الكوفيون عن العرب حذف هذه النون، ولم يجعلوها لازمة، واستدلوا على الاسمية بعدم تصرفه، وبتصغيره، وبصحة عينه.
وأجيب: بأن امتناع تصرفه؛ لأنه لزم طريقة واحدة، وبأن تصغيره وصحة عينه لشبهه بأفعل التفضيل.
وأما أفعل، فقال المصنف وغيره: لا خلاف في فعليته، وفي كلام ابن الأنباري ما يدل على اسميته، قال: وأحسن لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث لأنه اسم، انتهى.
فإن قلت: ما إعراب: "ما أحسن زيدًا" عند القائلين باسمية أفعل؟
قلت: نقل الفراء أن الأصل في "ما أظرف زيدا" ما أظرفُ زيد على الاستفهام، ثم نقلوا الصيغة من زيد وأسندوها إلى ضمير "ما"، وانتصب زيد بالظرف فرقا بين الخبر والاستفهام، والفتحة في أفعل فتحة إعراب وهو خبر عن "ما"، وإنما انتصب؛ لكونه خلاف المبتدأ الذي هو "ما"، إذ هو في الحقيقة خبر عن زيد.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
وزعم بعض الكوفيين أن أفعل مبني وإن كان اسما؛ لأنه مضمن معنى التعجب وأصله أن يكون للحرف.
وقوله:
وصفهما من ذي ثلاث صرفا قابل فضل تم غير ذي انتفا
وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا
اشتمل هذان البيتان على شروط ما يصاغ منه فعلا التعجب قياسا، وهي ثمانية:
الأول: أن يكون فعلا، فلا يصاغان من غيره، وبذلك ظهر خطأ من يقول من الكلب: ما أكلبه، ومن الحمار: ما أحمره.
وشذ من ذلك قوله: "أَقْمِنْ به" اشتقوه من قَمِن، أي: حقيق.
وذكر المصنف منه قولهم: "ما أذرَعها" بمعنى: ما أخفها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذَرَاع، قال: ولم يسمع منه فعل.
وحكى ابن القطاع١: "ذُرعت المرأة": خفت يداها في الغَزْل فهي ذراع، فعلى هذا ليس بشاذ.
فإن قلت: فلِمَ ينص الناظم هنا على هذا الشرط؟
قلت: هو مفهوم من قوله: "من ذي ثلاث".
"لأن التقدير: من قبل ذي ثلاث"٢، فحذف الموصوف للعلم به.
_________________
(١) ١ هو علي بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد، المعروف بابن القطاع. قال ياقوت: كان إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب، قرأ على أبي بكر الصقلي، وروى عنه الصحاح للجوهري. ومن مؤلفاته: أبنية الأسماء، حواشي الصحاح، تاريخ صقلية، وغير ذلك. ولد في العاشر من صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومات في صفر سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة وخمسمائة، ودفن بقرب ضريح الإمام الشافعي. ٢ ب، جـ.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
الثاني: أن يكون ثلاثيا. ونعني به ثلاثي اللفظ، فلا يصاغان من الرباعي المجرد باتفاق نحو: دحرج، ولم يشذ منه شيء.
وأما الثلاثي المزيد، فإن كان أفعل ففيه مذاهب:
أحدها: جواز صوغهما منه قياسا مطلقا، وهو اختيار المصنف، قال: وهو مذهب سيبويه والمحققين من أصحابه.
والثاني: منعه إلا أن يشذ شيء فيحفظ، وهو مذهب الأخفش والمازني والمبرد وابن السراج والفارسي ومن وافقهم.
والثالث: التفصيل، فإن كانت همزته للنقل لم يجز، وإن كانت لغيره جاز، وصححه ابن عصفور ونسبه إلى سيبويه، والظاهر أن مذهب سيبويه هو الأول؛ لتمثيله بأعطى والهمزة فيه للنقل، يقال: عطوت بمعنى تناولت، وأعطيت بمعنى ناولت، قلت: والقياس على ذلك عند من أجازه مشروط بعدم مانع آخر، فإن وجد مانع لم يجز نحو: أودى بمعنى هلك، فإنه غير قابل للتفاضل، نحو: أجاب فإنهم استغنوا عنه بما أفعل فعله، فلا يقال: ما أجوبه، بل ما أجود جوابه، ذكره سيبويه.
وإن كان غير أفعل فقد شذ منه ألفاظ، منها: ما أشده من اشتد، وما أشوقه من اشتاق، وما أحوله من احتال، وما أخصره من اختُصر.
وفيه شذوذان؛ لأنه مزيد ومبني للمفعول.
وليس من الشاذ: ما أفقره وما أشهاه وما أحياه، خلافا لأكثرهم؛ لثبوت فَقِرَ وفَقَرَ بمعنى افتقر، وشهي بمعنى اشتهى، وحيي بمعنى استحيا.
ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره.
ونقل عن الأخفش أنه أجاز التعجب في كل فعل مزيد على استكراه، كأنه راعى أصله.
الثالث: أن يكون متصرفا، فلا يصاغان من غير المتصرف كنعم وبئس، وشذ من ذلك قولهم: "ما أعساه" و"أعسِ به".
[ ٢ / ٨٩٤ ]
فإن قلت: ينبغي أن يقال: كامل التصرف؛ احترازا "من"١ نحو: يدع ويذر.
قلت: إذا أطلق المتصرف فهو محمول على كامل التصرف.
الرابع: أن يكون قابلا للتفاضل، فلا يصاغان من فعل لا يقبل ذلك نحو: مات وفني وحدث؛ لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض.
الخامس: أن يكون تاما، فلا يصاغان من الأفعال الناقصة خلافا لمن أجاز صوغهما من كان الناقصة.
السادس: أن يكون مثبتا، فلا يصاغان من فعل مقصود نفيه لزوما كلم يَعِجْ، أو جوازا كلم يَعُجْ كذا.
قال في شرح التسهيل: يعني: أن عاج يعيج بمعنى انتفع لم يستعمل إلا منفيا، وعاج يعوج بمعنى مال استعمل مثبتا ومنفيا.
ونوزع في اختصاص الأول بالنفي، فإنه ورد مثبتا فيما أنشده أبو علي القالي في نوادره، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي٢:
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "عن". ٢ قائله: قال العيني: أنشده أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، ولم يعزه إلى قائل، وهو من الطويل. اللغة: "ألذه" من لذذت الشيء ألذه لذا ولذاذة، "أعيج" أي: أنتفع، يقال: شربت دواء فما عجت به، أي: ما انتفعت به، وقال ابن مالك: ونعيج من الكَلِم التي لا تستعمل إلا في النفي. الإعراب: "لم" حرف نفي، "أر" فعل مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة، "شيئا" مفعول به، "بعد" منصوب على الظرفية، "ليلى" مضاف إليه، "ألذه" جملة من فعل وفاعل ومفعول في محل نصب صفة لشيء، "ولا منظرا" عطف على قوله: شيئا، "أروى به" جملة في محل نصب صفة لمنظرا، "فأعيج" عطف على أروى. الشاهد فيه: "فأعيج" وذلك أنه علم أن شروط ما يصاغ منه فعلا التعجب ثمانية، منها أن يكون مثبتا، فلا يصاغان من فعل مقصود نفيه لزوما، كلم يعج، أو جوازا كلم يعج. معناه: أن عاج يعيج بمعنى: انتفع، لم يستعمل إلا منفيا، وعاج يعيج بمعنى مال استعمل مثبتا ومنفيا كما في شرح التسهيل. ولكن نُوزع في اختصاص المعنى الأول بالنفي، بوروده مثبتا في البيت المذكور، حيث قال: فأعيج.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ولا منظرا أروى به فأعيج
السابع: ألا يكون معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء، فلا يصاغان من شهل وحول، ولا فرق بين أن يكون من المحاسن كالأول، أو من العيوب كالثاني.
وعلة المنع عند الجمهور أن حق ما يصاغان منه أن يكون ثلاثيا محضا.
وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على أفعل.
قال في شرح التسهيل: وعندي تعليل آخر أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على أفعل لم يُبْنَ منه أفعل التفضيل؛ لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، فلما امتنع صوغ أفعل التفضيل امتنع صوغ فعل التعجب؛ لتساويهما وزنا ومعنى، وجريانهما مجرى واحدا في أمور كثيرة.
قال: وهذا الاعتبار بيّن ورجحانه متعيّن.
وشذ من هذا النوع قولهم: "ما أحمقه" و"ما أرعنه" و"ما أهوجه" و"ما أنوكه"، بمعنى: ما أحمقه، وما ألده من لد إذا كان عسر الخصومة، ومنه الوصف من كل هذه على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث.
وكلامه في الكافية والتسهيل، يقتضي ظاهره أن صوغهما من فِعْلِ أفعَل إذا فهم جهلا أو عسرا مقيس١.
الثامن: ألا يكون مبنيا للمفعول، فلا تقول: "ما أضرب زيدا" وأنت تتعجب من الضرب الواقع "به"٢.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣١. ٢ أ، جـ.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
وعلته عند قوم خوف اللبس، وإليه ذهب المصنف؛ فلذلك حكم باطراد صوغهما منه عند أمن اللبس كقولهم: "ما أشغله" من شغل، و"ما أجنّه" من جُنّ، و"ما أولعه" من وُلِع، و"أزهاه" من زُهي.
قال المصنف: وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجب.
وعلته عند قوم: أن الفعل المتعجب منه لا بد أن يكون قبل دخول همزة النقل على فعُل أصلا أو تحويلا، وفعُل أبدا لا يكون فِعْل مفعول، وإليه ذهب ابن عصفور؛ فلذلك جعل ما ورد من ذلك شاذا.
قال: وينبغي أن يتأول على أنه متعجب فيه من فعل فاعل في معنى فعل مفعول لم ينطق به.
قلت: بقي شرط تاسع لم يذكره هنا، وهو ألا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو: قال من القائلة، فإنهم لا يقولون: ما أقيَله؛ استغناء بقولهم: "ما أكثر قائلته، وما أنومه في ساعة كذا، كما قالوا: تركت ولم يقولوا: ودَعت، نص على ذلك سيبويه". وقد ذكر في التسهيل فقال: ويُغني في التعجب فعل عن فعل مستوف للشروط، كما يغني في غيره١، وذكر "ذلك"٢ في شرحه.
من ذلك "سكر" و"قعد" و"جلس" ضدي "قام" و"قال" من القائلة، وزاد غيره "قام" و"غضب" و"نام" وممن ذكر السبعة ابن عصفور.
وعَدّ "نام" فيها غير صحيح؛ لأن سيبويه حكى: ما أنومه.
فإن قلت: قد ذكر بعضهم في شروطه أن يكون على فعُل أصلا أو تحويلا، وذكر بعضهم أن يكون واقعا٣، وذكر بعضهم أن يكون دائما، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها الناظم.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٣٢. ٢ أ، جـ. ٣ أي: غير مستقبل.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
قلت: أما اشتراط كونه على فعُل، فقد ذهب إليه كثير.
والصحيح أن صيغتي التعجب تبنيان من فعَل وفَعِل ولا تحتاجان إلى تحويل وهذا اختيار المصنف، وظاهر كلام سيبويه، قال: وهي تبنى من فعَل وفعِل وفعُل.
وأما اشتراط الواقع والدوام فليس بصحيح، بل يجوز: ما أحسن ما يكون هذا الطفل، وليس بواقع، وما أشد لمع البرق، وليس بدائم.
وقوله:
وأشدِدْ أو أشدَّ أو شبههما يخلف ما بعض الشروط عدما
ومصدر العادم بعد ينتصب وبعد أفعل جره بالبا يجب
يعني: أنه إذا قصد التعجب من فعل عدم بعض الشروط المذكورة، لم يجز صوغ صيغتي التعجب منه، بل يتوصل إلى التعجب منه بصوغهما مما جمع الشروط، ويؤتى بمصدر الفعل الذي عدم بعض الشروط فيعامل معاملة الاسم المتعجب منه فينصب بعد ما أفعل، ويجر بالباء بعد أفعل مضافا إلى اسم المتعجب منه، فيقال في التعجب من استخرج ونحوه: ما أشد استخراجه وأشدد باستخراجه ومن "نحو"١ مات: ما أفجع موته وأفجع بموته.
هذا حاصل البيت.
تنبيه:
هذا العمل يصح في كل متصرف مثبت مصوغ ذي مصدر مشهور، إذا لم يستوف بقية الشروط.
فإن كان غير متصرف لم يكن فيه هذا العمل؛ لأنه لا مصدر له، وإن كان منفيا أو مبنيا للمفعول لم يصح ذلك فيه، إلا بأن يؤتى به صلة لحرف مصدري معطى ما للمتعجب منه، فيقال: ما أقرب ألا يفعل وأقرب بألا يفعل، وما أشد ما ضرب وأشدد بما ضرب.
وإنما فعل ذلك؛ ليبقي لفظ النفي ولفظ الفعل المبني للمفعول.
_________________
(١) ١ أ.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
قال الشارح: ولو أمن اللبس، جاز إيلاؤه المصدر الصريح نحو: ما أسرع نفاس هند، وأسرع بنفاسها.
فإن لم يكن للفعل مصدر مشهور، فالحكم أن يجعل صلة لما أيضا نحو: ما أكثر ما يذر زيد الشر.
وقوله:
وبالندور احكم لغير ما ذُكر ولا تَقِس على الذي منه أُثر
الإشارة بهذا البيت إلى أنه قد ورد بناء فعل التعجب مما لم يستوف الشروط على وجه الشذوذ "فيحفظ ولا يقاس"، وقد تقدم بيان ما شذ من ذلك.
وقوله:
وفعل هذا الباب لن يقدما معموله ووصله به الزما
قال في شرح الكافية: لا خلاف في منع تقديم المتعجب منه على فعل التعجب، ولا في منع الفصل بينهما بغير ظرف وجار ومجرور، وتبعه الشارح في نفس الخلاف عن غير الظرف والمجرور، قال: كالحال والمنادى.
وليس كما زعما، بل في الحال خلاف.
أجاز الجرمي من البصريين وهشام من الكوفيين الفصل بالحال١، وقد ورد في الكلام الفصيح ما يدل على جواز الفصل بالمنادى، وذلك قول علي رضي الله عنه٢:
أعزز عليّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا
وقال في شرح التسهيل بعد ذكر كلام علي ﵁: وهذا مصحِّح للفصل بالنداء.
وأجاز الجرمي الفصل بالمصدر نحو: "ما أحسن إحسانًا زيدًا" ومنعه الجمهور؛ لمنعهم أن يكون له مصدر.
_________________
(١) ١ نحو: "ما أحسن مجردة هندا". ٢ قاله في حق عمار بن ياسر حين رآه مقتولا، "مجدلا" أي: مرميا على الجدلة -بالفتح- وهي الأرض. وفيه الفصل بالنداء وهو "أبا اليقظان"، فهو شاهد لجوازه. وفيه الفصل بالمجرور وهو "علي"؛ لأن الأصل: أعزز بأن أراك كذا علي، أي: ما أعز ذلك وأشده علي.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
وأجاز ابن كيسان الفصل بلولا ومصحوبها، نحو: "ما أحسن لولا بخله زيدا" ولا حجة له على ذلك.
وأما الظرف والمجرور، ففيهما خلاف مشهور.
قال في شرح الكافية: والصحيح الجواز؛ لثبوت ذلك عن العرب.
وقال في شرح التسهيل: لم يمتنع ولم يضعف؛ لثبوت ذلك نثرا ونظما وقياسا.
فمن النثر قول عمرو بن معديكرب: "لله در بني سالم، ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللَّزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها"١، ومن النظم قول بعض الصحابة رضي الله عنهم٢:
وقال نبي المسلمين تقدموا وأحبب إلينا أن تكون المقدما
وقول الآخر٣:
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها وأحْرِ إذا حالت بأن أتحولا
_________________
(١) ١ وهو صحابي من فرسان الجاهلية والإسلام، قتل سنة إحدى وعشرين من الهجرة. "في الهيجاء" -بالمد والقصر- الحرب، "واللزبات" -بفتح اللام وسكون الزاي- جمع لزبة، وهي الشدة والقحط، "والمكرمات" جمع مكرمة -بضم الراء فيهما- أي: الكرم. ٢ تقدم شرحه، والشاهد هنا: الفصل بالجار والمجرور بين فعل التعجب ومعموله. ٣ قائله: هو أوس بن حجر، وهو من الطويل. اللغة: "دار الحزم" المكان الذي تعتبر فيه الإقامة حزما، "أحر" أخلق، "حالت" تغيرت. المعنى: أقيم بالمكان الذي تعتبر الإقامة فيه من الحزم وحسن التصرف، وذلك حيث يكون الإنسان فيه عزيزا مكرما، فإذا تغير الحال ولاقى الإنسان مهانة فأخلق به أن يتحول عنه إلى مكان آخر، يلقى فيه العزة والكرامة. الإعراب: "أقيم" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر، "بدار" متعلق بأقيم، "الحزم" مضاف إليه، "ما" مصدرية ظرفية، "دام" فعل ماض ناقص، "حزمها" اسم دام والهاء مضاف إليه والخبر محذوف أي: موجودا، ويجوز أن يكون دام تامة وحزمها فاعلا به، "وأحر" فعل ماض للتعجب جاء على صورة الأمر، "إذا" ظرف له، "حالت" الجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "بأن أتحولا" الباء زائدة، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بها لفظا، وهو في التقدير فاعل لفعل التعجب مرفوع محلا. الشاهد فيه: "أحر إذا حالت بأن أتحولا" حيث فصل بين فعل التعجب وهو "أحر" ومعموله وهو "بأن أتحولا"، فإن المصدر المؤول من أن وما دخلت عليه فاعل فعل التعجب، والفاصل بينهما ظرف وهو "إذا حالت". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٦٩ / ٢، وابن هشام ٧٣/ ٣، والمكودي ص١٠٨، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٩٠/ ٢.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
ومن القياس أن الفصل بالظرف والمجرور، مغتفر بين المضاف والمضاف إليه فهنا أولى.
وأجاز بعضهم الفصل بهما على قبح.
فالحاصل ثلاثة مذاهب، والجواز مذهب الفراء والجرمي والمازني والزجاج والفارسي وابن خروف والشلوبين.
وإلى المنع ذهب الأخفش والمبرد وأكثر البصريين، ونسبه الصيمري١ إلى سيبويه.
والحق أنه ليس لسيبويه فيه نص، قال الشلوبين: والصواب أن ذلك جائز، وهو المشهور والمتصور.
قلت: وقد أشار في النظم إلى ترجيح الجواز بقوله: "مستعمل"؛ لأن استعماله دليل جوازه.
تنبيه:
جواز الفصل بالظرف والمجرور عند المجيز مشروط بكونهما متعلقين بفعل التعجب، فإن لم يتعلقا به امتنع الفصل بهما كما امتنع بغيرهما، فلا يجوز: "ما أحسن بمعروف آمرا" وذكر في شرح التسهيل أنه لا خلاف في ذلك.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري النحوي، أبو محمد. له "التبصرة" في النحو كتاب جليل أكثر ما يشتغل به أهل المغرب، وأكثر أبو حيان من النقل عنه.
[ ٢ / ٩٠١ ]
نعم وبئس وما جرى مجراهما:
فعلان غير متصرفين نعم وبئس رافعان اسمين
قوله: "فعلان" خبر مقدم لنعم وبئس، وفي ذلك خلاف. وفي نقله طريقان:
أحدهما: أن البصريين والكسائي ذهبوا إلى فعليتهما، واستدلوا بأوجه:
أحدها: اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما عند جميع العرب.
والثاني: اتصال ضمير الرفع البارز بهما في لغة قوم، وحكاها الكسائي والأخفش.
والثالث: بناؤهما على الفتح كسائر الأفعال الماضية.
وذهب الفراء وأكثر الكوفيين إلى أنهما اسمان، واستدلوا بدخول حرف الجر في نحو قوله: "ما هي بنعم الولد"١ و"نعم السير على بئس العير"٢.
ويؤول على: بمقول فيها: نعم الولد، وعلى: مقول فيها: بئس العير.
والأخرى: حررها ابن عصفور في تصانيفه المتأخرة، فقال: لا يختلف أحد من النحويين البصريين والكوفيين في أن نعم وبئس فعلان، وإنما الخلاف بينهم بعد إسنادهما إلى الفاعل.
فذهب البصريون: أن "نعم الرجل" جملة فعلية وكذلك "بئس الرجل".
وذهب الكسائي إلى أن قولك: "نعم الرجل" و"بئس الرجل" اسمان محكيان
_________________
(١) ١ قال حين بشر ببنت: وبقيته: "نصرها بكاء وبرها سرقة" أي: إذا أرادت أن تنصر أباها على أعدائه مثلا لا تقدر على الدفع بنفسها، بل تصرخ لتستغيث بالناس، وبرها -بكسر الباء- أي: إذا أرادت أن تبر أحدا سرقت له من زوجها أو من غيره، ويحتمل أنه بفتح الباء وبالزاي بمعنى السلب والأخذ قهرا. ٢ العير -بفتح العين وسكون الياء- هو الحمار وجمعه: أعيار كبيت وأبيات، والأنثى عيرة.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
حيث وقعا بمنزلة تأبط شرا وبرق نحره، فنعم الرجل عنده اسم للممدوح وبئس الرجل اسم للمذموم، وهما جملتان في الأصل نقلتا عن أصلهما وسمي بهما.
وذهب الفراء إلى أن الأصل في قولك: "نعم الرجل زيد" و"بئس الرجل عمرو": رجل نعم الرجل زيد، ورجل بئس الرجل عمرو، فحذف الموصوف الذي هو رجل وأُقيمت الصفة التي هي الجملة من نعم وفاعلها وبئس وفاعلها مقامه. فحكم لها بحكمه، فنعم الرجل من قولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل من قولك: بئس الرجل عمرو، عندهما رافعان لزيد وعمرو، كما أنك لو قلت: ممدوح زيد ومذموم عمرو، لكان زيد مرفوعا بممدوح، وعمرو مرفوعا بمذموم.
والذي حملهما على ذلك أنهما رأيا العرب قد حكمت لنعم الرجل وبئس الرجل بحكم الأسماء في بعض المواضع، فحملاهما على ذلك في سائر المواضع. وقوله: "غير متصرفين" سبب عدم تصرفهما لزومهما إنشاء المدح والذم.
وفي نعم أربع لغات: نَعِم وهي الأصل، ونَعْم بالتخفيف، ونِعِم بالإتباع، ونِعْم بالتخفيف بعد الإتباع، قيل: وأفصحها نِعْم وهي لغة القرآن، ثم نِعِم بالإتباع نعم وهي الأصلية وقرئ "بها"١: "فنِعِمَّ هي"٢ ثم نعم في المرتبة الرابعة.
وحكى بعضهم: "نعيم الرجل" واستدل به على الاسمية؛ لأن فعيلا من أوزان الأسماء. ورُد بأن ذلك من باب الإشباع على سبيل الشذوذ، فلا يثبت لغة.
وأما بئس، فنص كثير على أن فيها اللغات الأربع، وقال بعضهم: لم يسمع فيها إلا لغتان: بيس -بالتخفيف بعد الإتباع- وبئس على الأصل، والأخريان بالقياس.
وقال ابن عصفور والمحققون: الهمزة يبدلون منها ياء فيقولون: بيس.
_________________
(١) ١ أ، جـ في ب "بهما". ٢ من الآية ٢٧١ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
وحكى الأخفش وأبو علي: بيس، بفتح الباء وتسكين الياء.
وقوله: "رافعان اسمين" يعني: أن كلا منهما يقتضي مرفوعا على الفاعلية؛ لأنهما فعلان كما سبق.
فإن قلت: كون المرفوع بعدهما فاعلا، إنما هو على مذهب البصريين، فما وجه رفعه على مذهب الكوفيين؟
قلت: أما على الطريقة الأولى، فقال في البسيط: ينبغي أن يكون تابعا عندهم لنعم إما بدلا أو عطفا، ونعم اسم يراد به الممدوح، فكأنك قلت: الممدوح الرجل زيد، وأما على الثانية فواضح.
وقوله: "مقارني أل" نعت لقوله: "اسمين".
وحاصل كلامه أن فاعل نعم وبئس يكون قسمين: ظاهرا ومضمرا.
فالظاهر شرطه أن يكون معرفا بأل نحو: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ١.
أو مضافا إلى معرف بهما نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
"أو مضافا إلى"٣ مضاف إلى المعرف بهما نحو٤:
فنعم ابن أخت القوم غير مكذَّب زهير حسامٌ مفردٌ من حمائل
_________________
(١) ١ من الآية ٤٠ من سورة الأنفال. ٢ من الآية ٣٠ من سورة النحل. ٣ ب، جـ، وفي أ "أو إلى مضاف إلى معرف". ٤ قائله: هو أبو طالب عم النبي -ﷺ- من كلمة يمدح فيها الرسول -ﷺ- ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهو من الطويل. اللغة: "حسام" السيف القاطع، وسمي بذلك لأنه يحسم الخلاف بين الناس، "حمائل" جمع حمالة -بالكسر- وهي علامة السيف، "زهير" اسم رجل. المعنى: يمدح ابن أبي أمية بأنه صادق المودة، وبأنه إذا قال لم يجد من يرد عليه قوله بالتكذيب؛ لأن الناس جميعا يعلمون صدقه، ثم شبهه بالسيف الذي يفرد عنه حمائله، يشير إلى أنه نسيج وحده لا مشارك له في صفاته. =
[ ٢ / ٩٠٤ ]
وقد أشار إلى الأول بقوله: "مقارني أل".
وإلى الثاني بقوله: "أو مضافين لما قارنها".
ومثل بقوله: "كنعم عقبى الكرما".
ولم ينبه على الثالث؛ لكونه بمنزلة الثاني، وقد نبه عليه في التسهيل١.
تنبيهات:
الأول: اشتراط كون الظاهر معرفا بأل أو مضافا إلى المعرفة بها "أو إلى"٢ المضاف إلى المعرف بها، هو الغالب، وأجاز بعضهم أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه أل كقوله٣:
فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها
_________________
(١) = الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "ابن" فاعل نعم، "أخت" مضاف إليه، "القوم" مضاف إليه أيضا، "غير مكذب" حال من ابن ومضاف إليه، والجملة من نعم وفاعلها خبر مقدم، "زهير" مبتدأ مؤخر، أو زهير خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو زهير، وهو المخصوص بالمدح، "حسام مفرد" خبران لمبتدأ محذوف، لا نعتان لزهير؛ لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة، "من حمائل" متعلق بمفرد، وجر بالكسرة للضرورة. الشاهد فيه: "نعم ابن أخت القوم" حيث جاء فاعل نعم اسما مضافا إلى اسم مضاف إلى مقترن بأل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧١/ ٢، وابن هشام ٨٢/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ٨٥/ ٢. ١ التسهيل ص١٢٦. ٢ ب، وفي أ "أو مضافا إلى مضاف". ٣ قائله: لم أقف على قائله، وهو شطر من الطويل. اللغة: "أخو الهيجا" أي: صاحب الهيجاء، وهو كناية عن ملازمته الحرب وشدة مباشرتها، والهيجاء -ممدود- اسم للحرب، وقصرت هنا للوزن، وروي "نعم شهابها"، والشهاب: الشعلة من النار الساطعة. الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "أخو" فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، "الهيجا" مضاف إليه، "ونعم" الواو حرف عطف ونعم فعل ماض لإنشاء المدح، "شهابها" فاعل والهاء مضاف إليه. الشاهد فيه: "نعم شبابها" حيث أضيف فاعل نعم إلى ضمير ما فيه الألف واللام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧١/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ٨٥/ ٢.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
والصحيح أنه لا يقاس عليه؛ لقلته.
وأجاز الفراء أن يكون مضافا إلى نكرة كقوله١:
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم
ونقل إجازته عن الكوفيين وابن السراج، وخصه عامة النحويين بالضرورة.
وزعم صاحب البسيط أنه لم يرد نكرة غير مضافة، وليس كما زعم، بل ورد، ولكنه أقل من المضافة.
وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة، ومنه قوله٢: ونعم نيم.
_________________
(١) ١ قائله: كثير بن عبد الله المعروف بابن الغريرة، وهي أم عبد الله، وهو من البسيط. وتمامه: وصاحب الركب عثمان بن عفانا الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "صاحب" فاعل، "قوم" مضاف إليه، "لا" نافية للجنس، "سلاح" اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، "لهم" متعلق بمحذوف خبر لا، "وصاحب" عطف على فاعل نعم، "الركب" مضاف إليه، "عثمان" المخصوص بالمدح. الشاهد فيه: "نعم صاحب قوم" حيث ورد فاعل نعم اسما منكرا مضافا إلى نكرة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢٧١/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ٨٦/ ٢. ٢ قطعة من بيت من الوافر، وتمام البيت مع سابقه هو: وسلمى أكمل الثقلين حسنا وفي أثوابها قمر وريم نياف القرط غراء الثنايا وزيد للنساء ونعم نيم ولم أقف على قائلهما. =
[ ٢ / ٩٠٦ ]
وقد جاء ما ظاهره أن الفاعل علم أو مضاف إلى علم كقول بعض العبادلة: "بئس" عبد الله أنا "إن كان كذا"، وكقول النبي ﷺ: "نعم عبد الله خالد بن الوليد" ١.
وقول سهل بن حنيف: "شهدت صفين، وبئست صفّون".
قال ابن عصفور: وأجاز الجرمي أن يقال: "نعم عبدُ الله هذا".
والصحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن عبد الله ليس معرفا بالألف واللام، ولا مضافا إلى ما تعرف بهما. فأما قول الشاعر٢:
بئس قوم الله قوم طُرقوا فقروا جارهم لحما وحر
فضرورة.
_________________
(١) = اللغة: "قمر" القمر المعروف، "ريم" ولد الظبية ويهمز، "نياف القرط" -بضم القاف وسكون الراء- ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي، وأراد بكونها نياف القرط أنها بعيدة مهواه، وذلك مما يكنى به عن طول العنق، "غراء الثنايا" الثنايا: الأسنان التي في مقدم الفم، "ريد النساء" الترب، "نيم" النعمة التامة، ومن يؤتنس به. الإعراب: "نياف" خبر لمبتدأ محذوف، هي نياف، "القرط" مضاف إليه، "غراء" معطوف على نياف بعاطف مقدر، "الثنايا" مضاف إليه، "وريد" عطف على نياف، "للنساء" متعلق بمحذوف صفة لريد، "ونعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "نيم" فاعل نعم، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هم نعم نيم. الشاهد فيه: "نيم" حيث وقع فاعل نعم اسما منكرا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٢/ ٢. ١ أ، جـ. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرمل. اللغة: "طرقوا" من الطروق وهو إتيان الأهل ليلا، "فقروا" أطعموا، "وحر" -بفتح الواو وكسر الحاء- الذي دبت عليه الوحرة، والوحرة -بفتح الواو والحاء- وزغة تكون في الصحراء، وهي صغيرة حمراء لها ذَنَب دقيق، وسكنت الراء للضرورة. =
[ ٢ / ٩٠٧ ]
وكأن الذي سهل ذلك كون قوم يقع على ما يقع عليه القوم معرفا بالألف واللام، وهو مع ذلك مضاف في اللفظ إلى ما فيه الألف واللام، وإن لم يكن تعريفه بهما.
وأجاز المبرد والفارسي: إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية١.
ومنع ذلك الكوفيون وجماعة من البصريين منهم: ابن السراج وأبو عمر٢ في الفرخ. قال: ولم يرد به سماع، والقياس المنع؛ لأن كل ما كان فاعلا لنعم وكان فيه أل، كان مفسرا للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه و"الذي" ليست كذلك.
قال في شرح التسهيل: ولا ينبغي أن يمنع؛ لأن "الذي" جعل بمنزلة الفاعل؛ ولذلك اطرد الوصف به.
الثاني: اعلم أن ما ورد مما يوهم ظاهره أن الفاعل علم، أو مضاف إلى علم يمكن تأويله على أن الفاعل ضمير مستتر حُذف مفسره، والعلم أو المضاف إليه هو المخصوص.
ذكر هذا التأويل في شرح التسهيل، وهو مبني على جواز حذف التمييز في
_________________
(١) الإعراب: "بئس" فعل ماض لإنشاء الذم، "قوم" فاعل، "الله" مضاف إليه، "قوم" المخصوص بالذم، "طرقوا" فعل ماض مبني للمجهول وواو الجماعة للتخلص من التقاء الساكنين، "جارهم" مفعول به أول لقروا وهو مضاف والضمير مضاف إليه، "لحما" مفعول ثانٍ، "وحر" صفة للحم منصوب بالفتحة وسكّن للوقف. الشاهد فيه: "بئس قوم الله" حيث ورد فاعل بئس اسما مضافا إلى علم، وهو لفظ الجلالة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٢/ ٢. ١ نحو: "نعم الذي آمن زيدٌ". ٢ في الأصل: أبي عمرو، والمعروف أن كتاب الفرخ لأبي عمر الجرمي.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
نحو ذلك، وسيأتي بيانه، ويمكن أن يحمل على هذا أيضا ما أوهم كون فاعلهما نكرة، إلا أن حكاية الأخفش أن١ ذلك لغة لقوم وتدفع التأويل.
الثالث: "أل"٢ في فاعل نعم، ذهب الأكثرون أنها جنسية ثم اختلفوا:
فقيل: حقيقة، فإذا قلت: "نعم الرجل زيد"، فالجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس؛ لأنه فرد من أفراده، ولهؤلاء في تقريره قولان:
أحدهما: أنه لما كان الغرض المبالغة في إثبات المدح للممدوح جُعل المدح للجنس الذي هو منهم، إذ الأبلغ في إثبات الشيء جعله للجنس؛ حتى لا يتوهم كونه طارئا على المخصوص.
والثاني: أنه لما قصدت المبالغة، عدوا المدح إلى جنس المقصود بسببه.
فكأنه قيل: ممدوح جنسه لأجله، وقيل: مجاز.
فإذا قلت: "نعم الرجل زيد" جعلت زيدا جميع الجنس مبالغة، ولم تقصد غير مدح زيد.
وذهب قوم إلى أنها عهدية، ثم اختلفوا فقيل: المعهود ذهني كما تقول: "اشتر اللحم" ولا تريد الجنس ولا معهودا تقدم، وأراد بذلك أن يقع إبهام يأتي التفسير بعده تفخيما للأمر، وقيل: المعهود هو الشخص الممدوح.
فإذا قلت: "زيد نعم الرجل"، فكأنك قلت: زيد نعم هو.
واستدل هؤلاء بتثنيته وجمعه.
وعلى القول بأنها للاستغراق بأن المعنى أن هذا المخصوص يَفْضُل أفراد هذا الجنس، إذا ميزوا رجلين رجلين، أو رجالا رجالا.
وعلى القول بأنها للجنس مجازا، بأن كل واحد من الشخصين على حِدَته جنس، فاجتمع جنسان فثُنِّيا.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ ب.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع.
الرابع: لا يجوز إتباع فاعل نعم وبئس بتوكيد "معنوي"١. قال في شرح التسهيل: باتفاق. قال: وأما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وأما النعت فمنعه الجمهور، وأجاز أبو الفتح في قوله٢:
لبئس الفتى المدعوّ بالليل حاتمُ
قال في شرح التسهيل: وأما النعت فلا ينبغي أن يُمنع على الإطلاق، بل يمنع إذا قُصد به التخصيص مع إقامة الفاعل مُقَام الجنس؛ لأن تخصيصه حينئذ منافٍ لذلك المقصد.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ قائله: هو يزيد بن قنانة بن عبد شمس العدوي، وهو من الطويل. وصدره: لعمري وما عمري عليَّ بهين اللغة: "لعمري وما عمري" قسم بحياته وهو في هذا الاستعمال مفتوح العين، "وما عمري علي بهين" تأكيد للقسم، وبيان أنه ليس حانثا فيه، "المدعو بالليل" الذي تناديه مستغيثا به؛ لأنه لا يحييك حينئذ ولا يأخذ بناصرك. الإعراب: "لعمري" اللام للابتداء، عمر مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه، وخبره محذوف وجوبا: لعمرك قسمي، "وما" الواو حالية وما نافية، "عمري" مبتدأ أو اسم ما النافية وياء المتكلم مضاف إليه، "علي" متعلق بهين الآتي، "بهين" الباء زائدة وهين خبر المبتدأ أو خبر ما النافية، مرفوع على الأول أو منصوب على الثاني، بضمة أو فتحة مقدرة، "لبئس" اللام واقعة في جواب القسم، بئس فعل ماض لإنشاء الذم، "الفتى" فاعل، "المدعو" نعت للفتى، "بالليل" متعلق بالمدعو، وجملة بئس في محل رفع خبر مقدم، "حاتم" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "بئس الفتى المدعو بالليل" حيث جاء فاعل بئس وهو "الفتى" منعوتا بقوله: "المدعو بالليل". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٣ / ٢، وذكره السيوطي في الهمع ٨٥/ ٢.
[ ٢ / ٩١٠ ]
وأما إذا تؤول بالجامع لأكمل الخصال، فلا مانع من نعته حينئذ؛ لإمكان أن ينوى في النعت ما نوي في المنعوت، وعلى هذا يُحمل قول الشاعر١:
نعم الفتى المُرِّي أنت إذا هُمُ حضروا لدى الحُجرات نار الموقد
وحمل ابن السراج وأبو علي مثل هذا على البدل، وأَبَيَا النعت، ولا حجة لهما. انتهى.
وأما البدل والعطف، فظاهر سكوته في شرح التسهيل جوازهما.
وينبغي ألا يجوز فيهما إلا ما تباشره نعم.
ولما بين الظاهر، شرع في "بيان"٢ المضمر فقال:
ويرفعان مضمرا يفسره مميز كنعم قومًا معشره
_________________
(١) ١ قائله: هو زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها سنان بن أبي حارثة المري، وهو من الكامل. اللغة: "الحجرات" -بضم الحاء والجيم، أو بضم الحاء وفتح الجيم- جمع حجرة، وأراد بها هنا شدة الشتاء، "الموقد" الذي لا تخمد ناره للضيف والطارق. الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "الفتى" فاعل، "المري" نعت للفتى، "أنت" ضمير منفصل مبتدأ مؤخر وجملة نعم خبر مقدم، "إذا" ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب، "هم" فاعل بفعل محذوف يفسره الفعل بعده، والتقدير: إذا حضروا، فلما حذف الفاعل انفصل الضمير، "حضروا" فعل ماض وفاعله والجملة مفسرة، "لدى" ظرف مكان متعلق بحضر، "الحجرات" مضاف إليه، "نار" مفعول به لحضر، "الموقد" مضاف إليه. الشاهد فيه: "نعم الفتى المري"، حيث أتبع فاعل نعم وهو "الفتى" بنعت وهو "المري"؛ لأنه أريد بالنعت هنا نفس ما أريد بفاعل نعم من العموم، ولم يرد بالنعت تخصيص المنعوت بفرد مما يحتمله الجنس. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٣/ ٢. ٢ ب، جـ.
[ ٢ / ٩١١ ]
فاعل "نعم" في المثال ضمير مبهم مفسر بالتمييز بعده، و"معشره" هو المخصوص بالمدح، وسيأتي إعرابه.
ولهذا الضمير أحكام:
أحدها: أنه لا يبرز في تثنية ولا جمع؛ استغناء بتثنية تمييزه وجمعه.
وأجاز قوم من الكوفيين تثنيته وجمعه، وحكاه الكسائي عن العرب.
ومنه قول بعضهم: "مررت بقوم نعمُوا قوما" وهو نادر.
الثاني: أنه لا يُتبع لشبهه بضمير الشأن، وأما نحو: "نعم هم قوما أنتم" فهم تأكيد للضمير المستكن، وذلك شاذ لا يعرج عليه.
الثالث: أنه إذا فُسِّر بمؤنث لحقته تاء التأنيث فتقول: "نعمت امرأة هند" كذا مثله في شرح التسهيل.
وقال ابن أبي الربيع: لا تلحق، وإنما يقال: "نعم امرأة هند" استغناء بتأنيث المفسِّر، ونص خطاب على جواز الأمرين.
الرابع: ذهب القائلون بأن فاعل "نعم" الظاهر يراد به الشخص، إلى أن المضمر كذلك، وأما القائلون بأن الظاهر يراد به الجنس، فذهب أكثرهم إلى أن المضمر كذلك، وذهب بعضهم إلى أن المضمر لشخص، قال: لأن المضمر على التفسير، لا يكون في كلام العرب إلا شخصا.
ولمفسر هذا المضمر شروط:
الأول: أن يكون مؤخرا عنه، فلا يجوز تقديمه على نعم وبئس.
الثاني: أن يتقدم على المخصوص، فلا يجوز تأخيره عنه عند البصريين.
وأما قولهم: "نعم زيد رجلا" فنادر.
الثالث: أن يكون مطابقا للمخصوص في الإفراد وضدَّيه، وفي التذكير وضده.
[ ٢ / ٩١٢ ]
الرابع: أن يكون قابلا لأل، فلا يفسر بمثل وغير وأيّ وأفعل التفضيل؛ لأنه خلف عن فاعل مقرون بأل، فاشتُرط صلاحيته لهما، وسيأتي الكلام على التمييز بما.
الخامس: أن يكون نكرة عامة، فلو قلت: "نعم شمسا هذه "الشمس""١ لم يجز؛ لأن الشمس مفرد في الوجود، ولو قلت: "نعم شمسا شمس هذا اليوم" لجاز.
ذكره ابن عصفور.
تنبيهان:
الأول: نص سيبويه على لزوم ذكر هذا التمييز، وصحح بعضهم أنه لا يجوز حذفه، وإن فهم المعنى، ونص بعض المغاربة على شذوذ "فبها ونعمت".
وقال في التسهيل: لازم غالبا٢؛ استظهارا على نحو: "فبها ونعمت"٣.
وممن أجاز حذفه لفهم المعنى ابن عصفور.
الثاني: ما ذكر من أن فاعل "نعم" قد "يضمر"٤ فيها هو مذهب الجمهور، وذهب الكسائي إلى أن الاسم المرفوع بعد النكرة المنصوبة فاعل نعم، والنكرة عنده منصوبة على الحال، ويجوز عنده أن تتأخر فيقال: "نعم زيدٌ رجلًا"، وذهب الفراء إلى أن الاسم المرفوع فاعل كقول الكسائي، إلا أنه جعل النكرة المنصوبة تمييزا منقولا.
والأصل في قولك: "نعم رجلا زيد": "نعم الرجلُ زيدٌ" ثم نقل الفعل إلى اسم الممدوح فقيل: "نعم رجلًا زيدٌ" ويقبح عنده تأخيره؛ لأنه وقع موقع الرجل المرفوع وأفاد إفادته.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ التسهيل ص١٢٧. ٣ لأن التاء الساكنة من خصائص الأفعال. ٤ أ، جـ، وفي ب "مظهر".
[ ٢ / ٩١٣ ]
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لوجهين:
أحدهما: قولهم: "نعم رجلا أنت" و"بئس رجلا هو"، فلو كان فاعلا لاتصل بالفعل.
والثاني: قولهم: "نعم رجلا كان زيد"، فأعملوا فيه الناسخ.
قوله:
وجمع تمييز وفاعل ظهر فيه خلاف عنهُمُ قد اشتهر
في الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر ثلاثة مذاهب:
المنع وهو مذهب سيبويه، إذ لا إبهام يرفعه التمييز.
والجواز وهو مذهب المبرد وابن السراج والفارسي.
قال المصنف: وهو الصحيح، واستدل بالقياس والسماع.
فالقياس أن التمييز قد ورد مؤكدا، لا لرفع الإبهام في نحو قوله١:
ولقد علمتُ بأن دين محمد من خير أديان البريّة دينا
فلا يمتنع مع الفاعل الظاهر للتوكيد "لا لرفع الإبهام"٢.
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو طالب عم النبي -ﷺ- وهو من الكامل. الإعراب: "ولقد" اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق، "علمت" فعل وفاعل، والجملة لا محل لها جواب القسم، "بأن" الباء جارة، وأن حرف توكيد ونصب، "دين" اسم أن منصوب بالفتحة، "محمد" مضاف إليه، "من خير" متعلق بمحذوف خبر أن، "أديان" مضاف إليه، "البرية" مضاف إليه، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بعلم، "دينا" تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد فيه: "دينا"، فإنه تمييز مؤكد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢، وذكر في القطر ص٢٤٥. ٢ أ، جـ.
[ ٢ / ٩١٤ ]
والسماع قوله١:
تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
وقول الآخر٢:
والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير بن عطية، من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز -﵁- وهو من الوافر. اللغة: "تزود" أصل معناه: اتخذ زادا، وأراد منه هنا السيرة الحميدة وحسن المعاملة. الإعراب: "تزود" فعل أمر مبني على السكون وفاعله ضمير مستتر، "مثل" مفعول به، "زاد" مضاف إليه، "أبيك" مضاف إليه مجرور بالياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الستة والكاف مضاف إليه، "فينا" متعلق بتزود، "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "الزاد" فاعل، والجملة خبر مقدم، "زاد" مبتدأ مؤخر، "أبيك" مضاف إليه، وضمير المخاطب مضاف إليه، "زادا" تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة. الشاهد فيه: "نعم الزاد زاد" حيث جمع بين الفاعل الظاهر، والنكرة المفسرة تأكيدا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢، والمكودي ص١٠٩. وذكر في المفصل ١٣٢/ ٧، والمغني ٩٠/ ٢. ٢ قائله: هو جرير بن عطية، من كلمة له يهجو فيها الأخطل التغلبي. وتمامه: وأمهم زلاء منطيق وهو من البسيط. اللغة: "زلاء" -بفتح الزاي وتشديد اللام- المرأة إذا كانت قليلة لحم الأليتين. "منطيق" -بكسر الميم- مبالغة ناطق، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وهو البليغ، والمراد هنا المرأة التي تأتزر بحشية تعظم بها عجيزتها. المعنى: يذمهم بدناءة الأصل، وبأنهم في شدة الفقر وسوء العيش حتى إن المرأة منهم لتمتهن في الأعمال وتبتذل في الخدمة، فيذهب عنها اللحم، فتضطر إلى أن تتخذ حشية. الإعراب: "والتغلبيون" مبتدأ، "بئس" فعل لإنشاء الذم، "الفحل" فاعل، والجملة في محل رفع خبر مقدم، "فحلهم" مبتدأ مؤخر، والضمير مضاف إليه، والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الذي في أول الكلام، "فحلا" تمييز، "وأمهم" مبتدأ والضمير مضاف إليه، "زلاء" خبر المبتدأ، "منطيق" نعت له. الشاهد فيه: "بئس الفحل فحلا" حيث جمع بين فاعل بئس الظاهر وهو "الفحل"، وبين التمييز وهو "فحلا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢، وابن عقيل ١٢٤/ ٢، والسيوطي ص٨٨، وابن الناظم. وذكره السيوطي في الهمع ٨٦/ ٢.
[ ٢ / ٩١٥ ]
وقول الآخر١:
نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت رد التحية نطقا أو بإيماء
وحكي من كلام العرب: "نعم القتيلُ قتيلًا أصلح بين بكر وتغلب"٢.
وهذا وارد في الاختيار.
وتأول المانع السماع. أما فحلا وفتاة وقتيلا فحال مؤكدة، وأما زادا فمصدر محذوف الزوائد، أو مفعول به "وقيل"٣: حال.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. اللغة: "بذلت" أعطت، "بإيماء" بإشارة، مصدر: أومأ إلى الشيء. المعنى: أن هندا تستحق الثناء والتقدير لو تفضلت برد التحية بالنطق أو بالإشارة، ويعد ذلك منها بذلا ومنحة. الإعراب: "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "الفتاة" فاعل، "فتاة" تمييز مؤكد، "هند" مخصوص بالمدح، "لو" شرطية أو حرف تمن، "بذلت" فعل الشرط، "رد" مفعول بذلت، "التحية" مضاف إليه، "نطقا" منصوب على نزع الخافض أي: بنطق، "أو بإيماء" معطوف على نطقا، وجواب الشرط محذوف للعلم به. الشاهد فيه: "نعم الفتاة فتاة" حيث جمع بين الفاعل الظاهر وهو "الفتاة"، وبين التمييز وهو "فتاة"، وليس في التمييز معنى زائد على ما يدل عليه الفاعل، ولكن الغرض منه التأكيد لا رفع إبهام شيء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢، وابن هشام ٨٥/ ٣. وذكره السيوطي في الهمع ٨٦/ ٢. ٢ كلمة قالها الحارث بن عباد فارس النعامة، حين بلغه أن ابنه بجيرا قد قُتل في يوم من أيام حرب البسوس. ٣ ب، جـ، وفي أ "ومثل".
[ ٢ / ٩١٦ ]
قال الشيخ أبو حيان: وعندي تأويل أقرب من هذا، وذلك أن يدعى أن في نعم وبئس ضميرا، وفحلا وفتاة وزادا تمييز تأخر عن المخصوص، وفحلهم وهند وزاد أبيك إبدال.
والمذهب الثالث التفصيل، فإن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز نحو: "نعم الرجل رجلًا عالمًا" ومنه في الأثر: "نعم المرءُ من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتانا"١.
ومنه قوله٢:
فنعم المرء من رجل تهامي
_________________
(١) ١ كنفا: سترا. ٢ قائله: هو أبو بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي، يرثي هشام بن المغيرة. وصدره: تخيره فلم يعدل سواه وهو من الوافر. اللغة: "تخيره" اصطفاه، "لم يعدل" لم يمل، "تهامي" منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة. المعنى: أن الموت اختار هشاما ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس فهو نعم الرجل من تهامة. الإعراب: "تخيره" فعل ماض والفاعل يعود على الموت في بيت قبله والهاء مفعوله تعود على هشام في بيت قبله، "فلم" الفاء عاطفة ولم جازمة نافية، "سواه" مفعول يعدل منصوب بفتحة مقدرة على الألف والهاء مضاف إليه، "فنعم" عاطفة ونعم فعل ماض، "المرء" فاعل، "من" زائدة، "رجل" تمييز للمرء منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حرف الجر الزائد، "تهامي" صفة لرجل. الشاهد فيه: "نعم المرء من رجل" حيث جمع بين فاعل نعم الظاهر وهو "المرء"، وبين التمييز وهو "من رجل"، وقد أفاد التمييز معنى زائدا عما أفاده الفاعل، وذلك بواسطة نعته. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢، وابن هشام ٨٥/ ٣، وذكره ابن يعيش ١٣٣/ ٧، والسيوطي في الهمع ٨٦/ ٤.
[ ٢ / ٩١٧ ]
وقوله١:
وقائلة نعم الفتَى أنت من فتًى
لأن المعنى: من مُتَفَتٍّ أي: كريم. فأفاد ما لا يفيده الفاعل، وإلا لم تجز، وصححه ابن عصفور.
تنبيه:
ما نقل عن سيبويه من المنع هو المعروف من مذهبه، وتأول الفارسي كلامه على أنه إنما عنى أنه لا يكون الفاعل ظاهرا حيث يلزم التمييز، بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير، وفيه بعد.
وقوله:
ومما مُمَيِّز وقيل فاعل في نحو نعم ما يقول الفاضل
إذا وقعت ما بعد نعم وبئس، فتارة يليها فعل نحو: "نعم ما صنعت"، وتارة يليها اسم نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ قائله: هو الكروس بن حصن، وقيل: ابن زيد، وهو من الطويل. وتمامه: إذا المرضع العوجاء جال بريمها اللغة: "المرضع" المرأة التي لها ولد ترضعه، "العوجاء" التي اعوجّت هزالا وجوعا، "جال" تحرك، "بريمها" البريم -بفتح الباء وكسر الراء- خيط يفتل على طاقين. المعنى: يمدح نفسه بأنه كريم في وقت الشدة التي تضنّ فيها النفوس، حتى إن كثيرا من النساء يمتدحنه. الإعراب: "وقائلة" الواو واو رب، وقائلة مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، "نعم" فعل ماض، "الفتى" فاعل والجملة خبر مقدم، "أنت" مبتدأ مؤخر، "من" حرف جر زائد، "فتى" تمييز لفاعل نعم، "إذا" ظرف زمان، "المرضع" فاعل لفعل محذوف يدل عليه الكلام بعده، أي: إذا هزلت المرضع، "العوجاء" نعت للمرضع، "جال" فعل ماض، "بريمها" فاعل والضمير مضاف إليه. الشاهد فيه: "نعم الفتى أنت من فتى" حيث جمع الفاعل الظاهر وهو "الفتى"، والتمييز وهو "فتى"، وأفاد التمييز معنى زائدا عن الفاعل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٦/ ٢. ٢ من الآية ٢٧١ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٩١٨ ]
فإن وليها فعل ففيها عشرة أقوال، ومرجعها إلى أربعة:
أحدها: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز.
والثاني: أنها في موضع رفع على الفاعلية.
والثالث: أنها المخصوص.
والرابع: أنها كافة.
فأما القائلون بأنها في موضع نصب على التمييز، فاختلفوا على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نكرة موصوفة بالفعل بعدها والمخصوص محذوف، وهو مذهب الأخفش والزجاج والفارسي في أحد قوليه والزمخشري وكثير من المتأخرين.
والثاني: أنها نكرة غير موصوفة والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف١.
والثالث: أنها تمييز والمخصوص "ما" أخرى موصولة "محذوفة"٢، والفعل صلة لما الموصولة المحذوفة، ونُقل عن الكسائي.
وأما القائلون بأنها الفاعل، فاختلفوا على خمسة أقوال:
الأول: أنها اسم معرفة تام أي: غير مفتقر إلى "صلة"٣، والفعل بعدها صفة لمخصوص، والتقدير: نعم الشيء شيء صنعت، وقال به قوم منهم ابن خروف، ونقله في التسهيل عن سيبويه والكسائي٤.
والثاني: أنها موصولة، والفعل صلتها، والمخصوص محذوف، ونُقل عن الفارسي.
_________________
(١) ١ أي: شيء. ٢ ب، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "جملة". ٤ التسهيل ص١٢٦.
[ ٢ / ٩١٩ ]
والثالث: أنها موصولة، والفعل صلتها، وهي فاعل يكتفى بها وبصلتها عن المخصوص. ونقله في شرح التسهيل عن الفراء والفارسي.
والرابع: أنها مصدرية ولا حذف هنا، وتأويله: بئس صنعك، وإن كان لا يحسن في الكلام: بئس صنعك حتى تقول: بئس الصنع صنعك، كما تقول: أظن أن تقوم، ولا تقول: أظن قيامك.
والخامس: أنها نكرة موصوفة في موضع رفع١.
"وأما القائل بأنها المخصوص، فقال: إنها موصولة وهي المخصوص وما أخرى محذوفة، والأصل: نعم ما ما صنعتَ، والتقدير: نعم شيئا الذي صنعته، وهذا قول الفراء"٢.
وأما القائل بأنها كافة، فقال: إنما كفت نعم كما كفت قلّ، فصارت تدخل على الجملة الفعلية.
وإن وليها اسم، ففيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز، والفاعل مضمر والمرفوع "بعد "ما""٣ هو المخصوص. قيل: وهو مذهب البصريين.
قلت: ليس هذا النقل على إطلاقه؛ لما سيذكر.
والثاني: أنها معرفة تامة، وهي الفاعل، وهو ظاهر مذهب سيبويه، ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي، وهو قول الفراء.
والثالث: أن "ما" ركبت مع الفعل، فلا موضع لها من الإعراب والمرفوع بعدها هو الفاعل، وقال به قوم وأجازه الفراء.
_________________
(١) ١ والمخصوص محذوف. ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "بعدها".
[ ٢ / ٩٢٠ ]
تنبيهات:
الأول: قد ظهر مما ذكرته أن قوله: "وما مميز" صادق على ثلاثة أقوال، وأن قوله: "وقيل: فاعل" صادق على خمسة "أقوال"١ إلا أن الظاهر أنه "إنما"٢ أراد الأول من الثلاثة والأول من الخمسة؛ لاقتصاره عليهما في شرح الكافية.
الثاني: يندرج في كلامه صورتان -أعني: ما وليه الفعل وما وليه الاسم- فإن القول بأن "ما" تمييز أو فاعل جاز فيهما.
الثالث: ظاهر عبارته هنا يشير إلى ترجيح القول الذي بدأ "به"٣ وهو أن "ما" تمييز، وكذا عبارة الكافية، وذهب في التسهيل٤ إلى أنها معرفة تامة وأنها فاعل، ونقله عن سيبويه والكسائي، واستدل بأوجه:
أحدها: أن "ما" مساوية للضمير في الإبهام، فلا تكون تمييزا.
والثاني: أنه كثر الاقتصار عليها في نحو: "غسلته غسلا نعما"، والنكرة التالية نعم لا يقتصر عليها إلا نادرا.
والثالث: أن التمييز في هذا الباب، وفي غيره أيضا لا بد أن يكون قابلا لأل، ونص ابن عصفور وغيره على أن التمييز لا يكون إلا بالأسماء المتوغلة في البناء، لا بالمتوغلة في الإبهام "كَسِيّ"٥ ولا أدخل في الإبهام، والبناء من ما.
الرابع: جزم المصنف بنقل هذا المذهب عن سيبويه نظرا، فإن مستنده قول سيبويه "في"٦: دققته دقا نعما، أي: نعم الدق.
وفي فنعما هي: نعم الشيء إبداؤها، وهو محتمل لأن يكون تفسير معنى، لا تفسير إعراب.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ ب، جـ. ٣ أ. ٤ التسهيل ص١٢٦. ٥ ب، جـ. ٦ ب، جـ.
[ ٢ / ٩٢١ ]
وقوله في الكافية: والرفع بعضهم نمى، لسيبويه، وادعى التعريف مع تمام ما وظاهر قد اتبع، ظاهر في عدم الجزم.
وقوله:
ويُذكر المخصوص بعد مبتدا أو خبر اسم ليس يبدو أبدا
المخصوص هو المقصود بالمدح بعد "نعم"، وبالذم بعد "بئس".
وله ثلاث أحوال:
الأولى: أن يذكر بعد فاعلها نحو: "نعم الرجلُ زيدٌ" وفي إعرابه حينئذ ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره.
والثاني: أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار.
وهذا معنى قوله: "ليس يبدو أبدا".
والثالث: أن يكون مبتدأ حُذف خبره.
"والأول هو الصحيح"١ وبه جزم سيبويه.
قال ابن الباذش٢: لا يجيز سيبويه أن يكون المخصوص بالمدح أو الذم إلا مبتدأ.
وأجاز الثاني جماعة، منهم السيرافي وأبو علي والصيمري.
وذكر في شرح التسهيل أن سيبويه أجازه، وعبارة سيبويه فيها احتمال، ومن تأمّل كلامه لم يجد فيه ذكرا له.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ هو أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن الباذش. وُلد بغرناطة وشبّ على حب الفضيلة والزهد في الدنيا، وبرع في الشريعة والعربية، وبذل همه في النحو فشرح أمهات الكتب؛ إذ شرح كتاب سيبويه، والأصول لابن السراج، والمقتضب للمبرد، وغير ذلك. توفي بغرناطة سنة ٥٣٨هـ.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
قال في شرح التسهيل: والأول أولى، بل هو عندي متعين؛ لصحته في المعنى وسلامته من مخالفة أصل بخلاف الثاني، فإنه يلزم منه أن ينصب لدخول كان عليه، وأما الثالث فأجازه قوم منهم ابن عصفور، وقال في شرح التسهيل: هو غير صحيح؛ لأن هذا الحذف ملتزم ولم نجد خبرا يلتزم حذفه إلا ومحله مشغول بشيء يسد مسده.
وذهب ابن كيسان إلى أن المخصوص بدل من الفاعل، وردّ بأنه لازم وليس البدل بلازم، وبأنه لا يصلح لمباشرة نعم.
والثانية: أن يذكر قبل نعم وبئس، وهو حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر، سواء أقيل بفعلية نعم وبئس أم باسميتهما، وجوّزوا على القول بالاسمية أن يكونا مبتدأين والمخصوص الخبر والعكس.
فإن قلت: إذا جعل المخصوص مبتدأ والجملة خبره، فما هو الرابط؟
قلت: الرابط عند الجمهور هو العموم الذي في الفاعل، ويجوز دخول نواسخ الابتداء عليه كقول الشاعر١:
_________________
(١) ١ قائله: يزيد بن الطثرية، وهو من الطويل. اللغة: "تعذير حاجة" عسرها وعدم تأتِّي قضائها، "أمارس فيها" أعالجها وأحتال لقضائها. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "أرسلوني" فعل ماض وواو الجماعة فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "عند" ظرف متعلق بأرسل، "تعذير" مضاف إليه، "حاجة" مضاف إليه، "أمارس" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "فيها" متعلق بأمارس، "كنت" كان واسمها، "نعم" فعل ماض لإنشاء المدح، "الممارس" فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان. الشاهد فيه: "كنت نعم الممارس". حيث دخلت كان على نعم وفاعلها، وهي من النواسخ. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٩/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ٨٨/ ٢.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
إذا أرسلوني عند تعذير حاجة أمارس فيها كنتُ نِعْمَ الممارسُ
وكقول الآخر١:
إن ابن عبد الله نِعْمَ أخو الندى وابن العشيرهْ
والثالثة: أن يحذف للدلالة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
وإن يُقَدَّم مشعر به كفى
فإن قلت: قد ظهر بما قدمته أن المخصوص لا يجب تأخيره.
وقوله: ويذكر المخصوص بعد، يقتضي أن يكون متأخرا.
قلت: ما ذكرته من جواز تقديمه، صرح به ابن عصفور والمصنف في التسهيل، وعبارته هنا وفي الكافية وشرحها تُوهِم منع تقديمه، بل قوله:
وإن يقدم مشعر به كفى كالعلم نعم المقتنَى والمقتفَى
_________________
(١) ١ قائله: هو أبو دهبل الجمحي من كلمة يمدح فيها المغيرة بن عبد الله، وهو من الكامل. اللغة: "أخو الندى" -بفتح النون وتخفيف الدال- أي: صاحب الكرم والسخاء. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "ابن" اسم إن منصوب بالفتحة، "عبد" مضاف إليه ولفظ الجلالة مضاف إليه، "نعم" فعل ماض، "أخو" فاعل مرفوع بالواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة، "الندى" مضاف إليه، "وابن" عطف على أخو، "العشيرة" مضاف إليه، وجملة نعم وفاعله في محل رفع خبر إن. الشاهد فيه: "إن ابن عبد الله نعم أخو الندى" حيث دخل الناسخ، وهو "إن" على نعم وفاعلها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٧٩/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ٨٧/ ٢. ٢ من الآية ٤٤ من سورة ص.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
تصريح بأن المتقدم ليس هو المخصوص، بل مشعر به.
والظاهر أن هذا المثال مما تقدم فيه المخصوص، لا مما حذف فيه لدلالة ما قبله.
فإن قلت: كيف خير المصنف بين جعله مبتدأ وجعله خبرا وليسا سواء؛ لأن الأول متفق عليه والثاني قد منعه بعضهم، ومن أجازه فهو أضعف عنده من الأول.
قلت: التخيير بينهما يقتضي جوازهما لا استواءهما في القوة، مع أنه يحتمل ألا يكون تخييرا، بل حكاية خلاف، وقد جرت عادة كثير بعطف الأقوال بأو.
فإن قلت: يحتمل قوله: "مبتدأ" القولين السابقين، "فإنما"١ يحمل كلامه عليه.
قلت: على أن خبره ما قبله؛ إذ لو أراد الآخر لبين أن الخبر محذوف.
تنبيه:
للمخصوص شرطان:
أحدهما: أن يختص وهو شرط غالب كقولهم: "نِعْمَ البعير جمل".
الثاني: أن يكون أخص من الفاعل.
وقوله:
واجعل كبئس ساء
يعني: معنًى وحكمًا، فتقول: "ساء الرجل أبو جهل"، و"ساء رجلًا هو".
فإن قلت: ما وزن ساء؟
قلت: فَعُل -بضم العين- بدليل أنها للمبالغة في الذم؛ ولذلك قيل: لا حاجة لإفراد ساء بالذكر؛ لأنها من أفراد النوع الآتي، وألفها عن واو.
وهي فعل لا يتصرف.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "فإنهما".
[ ٢ / ٩٢٥ ]
وقوله:
واجعل فَعُلا من ذي ثلاثة كنعم
يجوز بناء فعل -بضم العين- من كل فعل ثلاثي، ويجعل مثل نعم وبئس في عدم التصرف، وإفادة المدح والذم، واقتضاء فاعل كفاعل نعم وبئس، فيكون ظاهرا مصاحبا لأل أو مضافا إلى صاحبها أو ضميرا مفسَّرا بتمييز على ما تقدم من التفصيل.
وسواء في ذلك ما وضع على فَعُل كقوله تعالى: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ ١، أو وضع على فعَل أو فعِل ثم حُول نحو: "قَضُوَ الرجل فلان" و"علُم الرجل زيد".
وقوله: "مسجلا" قال الشارح: أي: بلا قيد، يقال: أسجلت الشيء، إذا أمكنت من الانتفاع مطلقا.
فإن قلت: كيف قال: "مسجلا" وبناء فَعْل من الثلاثي؛ لقصد المدح والذم، مشروط بأن يكون مما يتعجب منه بقياس؟ نص على ذلك ابن عصفور، وحكاه عن الأخفش.
قلت: لعل قوله: "مسجلا" يعني به أن فعل المذكور يجعل مثل نعم مطلقا، أي: في جميع أحكامها.
ويحتمل أن يكون قال: "مسجلا" ليشمل "المصوغ"٢ على فعُل، والمصوغ على فعَل أو فعِل.
فإن قلت: مقتضى كلامه أن معنى فعل المذكور إذا قصد به المدح كمعنى نعم، وإذا قصد به الذم كمعنى بئس، وليسا بسواء لأن العرب لا تبني فعُل المذكور وتُضَمِّنه معنى المدح أو الذم، إلا إذا أرادوا معنى التعجب، نص على ذلك ابن عصفور.
فهو إذن يدل على المدح والذم، وزيادة معنى التعجب.
_________________
(١) ١ من الآية ٥ من سورة الكهف. ٢ أ، وفي ب، جـ "الموضوع".
[ ٢ / ٩٢٦ ]
قلت: لا نسلم أن مقتضى كلامه أن فعل المذكور بمعنى نعم وبئس، بل يكون قوله: واجعل فعلا كنعم، يعني: في الحكم لا في المعنى، ويؤيده أنه لم يذكر في النظم بئس.
وليس كل فعل للمدح، فكيف يجعل مثل نعم في المعنى؟
وقد ذكر في التسهيل أن فعل المذكور مضمن معنى التعجب١.
فإن قلت: وفي جعل فعُل المذكور مثل نعم في جميع أحكامها نظر؛ لأن من أحكامها أن فاعلها لا يكون إلا مقرونا بأل أو مضافا إلى المقرون بها أو مضمرا يفسره تمييز إلا ما ندر.
وفَعُل المشار إليه يكثر انجرار فاعله بالباء واستغناؤه عن أل وإضماره على وفق ما قبله، كما ذكر في التسهيل٢ خلاف نعم٣.
قلت: ذكر أبو الحسن الأخفش أن من العرب من يجري فعل المذكور مجرى نعم وبئس، فيجعل فاعله كفاعلهما؛ رعيًا لما تضمنه من معنى المدح والذم.
ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعله كفاعل نعم وبئس؛ رعيا "لما فيه"٤ من معنى التعجب.
وظاهر هذا أنهما لغتان.
تنبيه:
مثل في شرح الكافية وشرح التسهيل بعلُم الرجل، وذكر ابن عصفور أن العرب شذت في ثلاثة ألفاظ فلم تحوِّلها إلى فَعُل، بل استعملتها استعمال نعم من غير تحويل، وهي: عَلِم وجَهِل وسَمِع.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٢٨. ٢ التسهيل ص١٢٨. ٣ مثال ذلك قول الشاعر: حُبَّ بالزور الذي لا يُرَى منه إلا صفحة أو لِمام وفهُم زيد، والزيدون كرموا رجالا؛ نظرا لما فيه من معنى التعجب هـ ٣٨/ ٢ أشموني. ٤ ب، جـ، وفي أ "لما فاته".
[ ٢ / ٩٢٧ ]
وقوله: ومثل نعم حَبَّذا.
يعني: أن حبذا بمنزلة نعم وفاعلها في إفادة المدح.
فإن قلت: مقتضى عبارته أن "حبذا" بمجموعه مثل "نعم" وليس كذلك، بل حب بمنزلة نعم، وإذا بمنزلة فاعل نعم.
قلت: كأنه قصد التنبيه على أن حب الذي هو بمنزلة نعم "هو"١ المقرون بذا.
فلذلك لم يقل: "ومثل نعم حب".
فإن قلت: ليس حبذا مثل نعم كما ذكر؛ لأن حبذا يشعر مع دلالتها على المدح العام، بأن الممدوح محبوب وقريب من النفس بخلاف نعم.
قال في شرح التسهيل: والصحيح أن "حب" فعل يقصد به المحبة والمدح.
وجعله فاعله "ذا"؛ ليدل بذلك على الحضور في القلب.
قلت: إنما جعلها مثلها في إفادة المدح العام، فلا ينافي ذلك إشعارها بما ذكر.
وقوله: "الفاعل ذا" هو "ظاهر"٢ مذهب سيبويه، وهو المختار. قال ابن خروف بعد أن مثّل بحبذا زيد: حب فعل وذا فاعلها، وزيد مبتدأ وخبره حبذا، هذا قول سيبويه. وأخطأ عليه من زعم غير ذلك.
وفي قوله: "الفاعل ذا" تعريض بالرد على القائلين بتركيب حب مع ذا، ولهم مذهبان:
أحدهما: أن التركيب أزال فاعلية "ذا"، فصار "ذا"٣ مع حب اسما واحدا مرفوعا بالابتداء وخبره ما بعده.
وهو مذهب المبرد وابن السراج ووافقهما ابن عصفور، ونسبه إلى سيبويه.
وأجاز بعضهم كون "حبذا"٤ خبرا مقدما.
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "هي". ٢ جـ. ٣ أ. ٤ أ، جـ، وفي ب "ذا".
[ ٢ / ٩٢٨ ]
والآخر: أن التركيب أزال اسمية "ذا"، فصار مع حب فعلا فاعله المخصوص، وإليه ذهب قوم منهم الأخفش.
والصحيح: القول بعدم التركيب؛ لأن فيه إقرار كل من اللفظين على ما كان عليه.
وقوله:
وإن تُرِدْ ذما فقل لا حبذا
يعني: أنه إذا أُريد الذم أدخلت "لا" النافية؛ لأن نفي المدح ذم.
قال في شرح التسهيل: وتدخل عليها "لا" فتحصل موافقة بئس معنى، وقد تقدم بيان ما يشعر به حبذا مما لا يدل عليه نعم، ولا بئس.
وقوله:
وأول ذا المخصوص
يعني: اجعل المخصوص بالمدح أو الذم تابعا لذا.
ففُهم من ذلك أنه لا يتقدم، وهذا فرق بينه وبين نعم وبئس، فإن "مخصوصهما"١ لا يمتنع تقديمه.
قال في شرح التسهيل: أغفل أكثر النحويين التنبيه على امتناع تقديم المخصوص في هذا الباب.
فإن قلت: ما سبب امتناعه؟
قلت: ذكر ابن بابشاذ أن سبب ذلك خوف توهم كون المراد من "زيد حبذا": "زيد حب هذا".
قال في شرح التسهيل: وتوهم هذا بعيد، فلا ينبغي أن يكون المنع من أجله، بل المنع من أجل إجراء "حبذا" مجرى المثل.
وقوله: "أيا كان" يعني: أي شيء كان المخصوص، مذكرا كان أو مؤنثا،
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "مخصوصها".
[ ٢ / ٩٢٩ ]
مفردا كان أو مثنى أو مجموعا، فنقول: "حبذا زيد" و"حبذا الزيدان" و"حبذا الزيدون" و"حبذا هند" و"حبذا الهندان" و"حبذا الهندات".
وقوله: "لا تعدل بذا" يعني: أن لفظ "ذا" لا يغير في تأنيث ولا تثنية ولا جمع.
فلا يقال: "حبذي هند" ولا "حبذان الزيدان" ولا "حبَّ أولاء الزيدون"، واختلف في علة ذلك فقيل: لأنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا تُغير.
وإليه أشار بقوله: فهو يضاهي المَثَلا.
وقال الفارسي: "ذا" جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نعم.
يعني: إذا كان ضميرا.
وقال ابن كيسان: إنما لم يختلف؛ لأن الإشارة فيه أبدا إلى مذكر محذوف، والتقدير في حبذا هند: حبذا حُسنُ هند، وكذا باقي الأمثلة.
ورُدّ بأنه دعوى لا دليل عليها.
تنبيهان:
الأول: إنما يُحتاج إلى الاعتذار عن عدم مطابقته١ على قول من جعل "ذا" فاعلا، وأما على التركيب فلا يحتاج إلى اعتذار.
الثاني: لم يذكر هنا إعراب المخصوص بعد "حبذا"، وأجاز في التسهيل٢ أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وأن يكون خبر مبتدأ واجب الحذف.
وإنما لم يذكر ذلك هنا؛ استغناء بتقديم الوجهين في مخصوص نعم.
وقال ابن كيسان: هو بدل من "ذا".
_________________
(١) ١ في الأصل "عن مطابقة في الأصل". ٢ التسهيل ص١٢٩.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
ورُدّ بلزومه على القول بأن "ذا" فاعل، وأما على القول بالتركيب فتقدم إعرابه.
فإن قلت: إذا أعرب المخصوص مبتدأ والجملة قبله خبره، فما الرابط؟
قلت: الرابط الإشارة أو العموم إذا قلنا: إن "ذا" أريد به الجنس.
الثالث: بين مخصوص حبذا، ومخصوص نعم فروق:
أولها: أن مخصوص حبذا لا يتقدم، بخلاف مخصوص نعم، وقد سبق بيانه.
وثانيها: أنه لا تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص نعم.
وثالثها: أن إعرابه خبر مبتدأ محذوف أسهل منه في باب "نعم"؛ لأن ضعفه هناك نشأ من دخول نواسخ الابتداء عليه، وهي هنا لا تدخل.
قاله في شرح التسهيل.
ورابعها: أنه يجوز لك التمييز قبله وبعده نحو: "حبذا رجلًا زيدٌ" و"حبذا زيدٌ رجلًا".
قال في شرح التسهيل: وكلاهما سهل يسير، واستعماله كثير، إلا أن تقديم التمييز أولى وأكثر. انتهى.
وذلك بخلاف مخصوص "نعم"، فإن تأخير التمييز عنه نادر كما سبق.
وقوله:
وما سوى ذا ارفع بحُبَّ أو فَجُر
يعني: أن "حب" قد تفرد عن "ذا" مع إرادة المدح، فيجيء فاعلها مرفوعا نحو: "حب زيد"، ومجرورا بباء زائدة نحو: "حب بزيد".
قال في شرح التسهيل: وهذا الاستعمال جائز في كلام ثلاثي، مضمن معنى التعجب.
وقوله:
ودون ذا انضمام الحا كثُر
[ ٢ / ٩٣١ ]
يعني: كثر ضم الحاء إذا أفردت من "ذا"، فيقال: "حب زيد" بنقل حركة العين إلى الفاء، والفتح جائز، وبالوجهين ينشد قوله١:
وحُبّ بها مقتولة حين تُقتَل
وأما مع "ذا"، فلا يجوز إلا الفتح.
فإن قلت: قوله٢ لا يدل على أنه أكثر من الفتح.
وقال الشارح: وأكثر ما يجيء "حب"٣ مع غير "ذا" مضمومة الحاء.
قلت: قال في شرح الكافية: وهذا التحويل مطرد في كل فعل مقصود به المدح.
وقال في التسهيل: وكذا كل فعل حَلْقي الفاء مراد به مدح أو تعجب٤.
_________________
(١) ١ قائله: الأخطل التغلبي، من كلمة يمدح فيها خالد بن الوليد بن أسيد أحد أجواد العرب. وصدره: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وهو من الطويل. اللغة: "اقتلوها" الضمير يعود إلى الخمر، وقتلها: مزجها بالماء؛ لأنه يدفع سورتها، "وحب بها" ويروى في مكانه: "وأطيب بها". المعنى: يتعجب من كثرة محبته للخمر إذا مُزجت بالماء، فهو لذلك يأمر أصحابه بأن يشعشعوها له بالماء؛ لتكون على الوجه الذي يحبه ويرغب فيه. الإعراب: "فقلت" فعل وفاعل، "اقتلوها" فعل أمر وفاعله ومفعوله، والجملة في محل نصب مقول القول، "عنكم" متعلق باقتلوا، "بمزاجها" متعلق باقتلوا أيضا، "وحب" فعل ماض لإنشاء المدح، "بها" الباء زائدة، والضمير فاعل حب، "مقتولة" تمييز، "حين" ظرف متعلق بحب، "تقتل" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل جر بإضافة "حين" إليها. الشاهد فيه: "وحب بها" فإنه يروى بفتح الحاء من "حب" وضمها، والفاعل غير "ذا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٢/ ٢، وابن عقيل ١٣١/ ٢، وابن الناظم. ٢ قوله: أي: "كثر". ٣ ب. ٤ التسهيل ص١٧٦.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
أفعل التفضيل:
صُغْ من مصوغ منه للتعجب أفعل للتفضيل وَأْبَ اللذ أُبِي
سوت العرب بين أفعل التفضيل وفعل التعجب فيما يصاغان منه؛ لما بينهما من التناسب، فما جاز صوغ التعجب منه جاز أفعل التفضيل منه، وما لا يجوز صوغ فعل التعجب منه لفقد بعض الشروط لا يجوز صوغ أفعل التفضيل منه.
ولهذا قال: وأب اللذ أبي.
واعلم أن ما شذ في التعجب؛ لكونه من غير فعل أو من فعل ولم يستوف "الشروط"١ جاز استعماله في التفضيل محكوما بشذوذه، "وكذلك ما شذ في التفضيل، جاز استعماله في التعجب محكوما بشذوذه"٢ أيضا فتقول: "ما ألصه" و"ألصص به".
وإن كان منه غير فعل كقولهم: "هو ألص من شِظاظ"٣.
وقوله:
وما به إلى تعجب وُصل لمانع به إلى التفضيل صل
يعني: أنه يتوصل إلى التفضيل فيما لا يجوز بناء أفعل من لفظه بمثل ما توصل به إلى التعجب من أشد، وما جرى مجراه.
ولكن أشد في التعجب فعل وهنا اسم، وينصب هنا مصدر الفعل المتوصَّل إليه تمييزا، فتقول: "زيد أشد استخراجًا من عمرو" ونحو ذلك.
وقوله:
وأفعل التفضيل صله أبدا تقديرا أو لفظا بمن إن جُرِّدا
أفعل التفضيل: مجرد ومضاف ومعرف بأل.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ ب. ٣ بنوه من لَصّ، وقد حكى ابن القطاع لَصَصَ -بالفتح- إذا استتر، وحكى أيضا لصصه، إذا أخذه خفية، وعلى ذلك لا شذوذ فيه، وشِظَاظ -بكسر الشين- اسم لص معروف بالذكاء في اللصوصية من بني ضبة، ويضرب به المثل في ذلك.
[ ٢ / ٩٣٣ ]
فالمجرد يلزم اقترانه بمن جارة للمفضول لفظا نحو: "زيد أفضل من عمرو"، أو تقديرا نحو: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
"وأما"٢ المضاف والمعرف بأل، "فيمتنع"٣ اقتران "من" بهما.
تنبيهان:
الأول: اختلف في معنى "من" المصاحبة لأفعل التفضيل.
فذهب المبرد ومن وافقه إلى أنها لابتداء الغاية، وذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية أيضا، وأشار إلى أنها مع ذلك تفيد معنى التبعيض.
فقال: "هو أفضل من زيد"، فضله على بعض ولم يعم.
وذهب في شرح التسهيل إلى أنها لمعنى المجاوزة، فإن القائل: "زيد أفضل من عمرو" كأنه قال: جاوز زيدٌ عمرًا في الفضل.
قال: ولو كان الابتداء "مقصودا"٤، لجاز أن يقع بعدها "إلى".
قال: ويُبطل كونها للتبعيض أمران:
أحدهما: عدم صلاحية بعض موضعها.
والآخر: صلاحية كون المجرور بها عاما، نحو: "الله أعظم من كل عظيم".
وأقول: الظاهر كونها لابتداء الغاية، ولا تفيد معنى التبعيض، كقول المبرد. وما رد به المصنف من أن الابتداء لو كان مقصودا لجاز أن يقع بعدها قد رد به ابن ولاد٥ قبله، وليس بلازم؛ لأن الانتهاء قد يُترَك الإخبار به؛ لكونه لا يعلم، أو لكونه لا يُقصَد الإخبار به، ويكون ذلك أبلغ في التفضيل، إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء.
_________________
(١) ١ الآية ١٧ من سورة الأعلى. ٢ ب. ٣ ب، جـ، وفي أ "يمتنع". ٤ أ، جـ. ٥ هو أبو العباس أحمد بن محمد، وهو نحوي مشهور، ثم صوّب نظره إلى بغداد فسمع من الزجاج وغيره مع معاصره أبي جعفر النحاس، إلا أن الزجاج كان يؤثره على النحاس. وله كتاب الانتصار لسيبويه وكتاب المقصور والممدود، وغير ذلك. توفي بمصر سنة ٣٣٢هـ.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
الثاني: إذا وقع أفعل التفضيل خبرا، كثر حذف "من" ومجرورها بعده نحو: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وإن لم يكن خبرا، قل الحذف كالحال والصفة٢.
الثالث: قوله: "صله" يقتضي أنه لا يُفصل بين أفعل وبين من، وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفعل.
وقد فُصل بينهما بلو، وما اتصل بها كقوله٣:
ولفوكِ أطيب لو بذلت لنا من ماء موهبة على خمر
_________________
(١) ١ من الآية ٢٨٢ من سورة البقرة. ٢ مثال الحال: دنوتِ وقد خِلناكِ كالبدر أجملا فظل فؤادي في هواك مضلِّلا أي: دنوت أجملَ من البدر. ومثال الصفة: تروَّحي أجدر أن تقيلي غدا بجنبي بارد ظليل ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل. اللغة: "أطيب" أعذب، "بذلت" سخيت، "موهبة" -بفتح الميم وسكون الواو وفتح الهاء أو كسرها- نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، والجمع مواهب. الإعراب: "ولفوك" الواو للقسم والمقسم به محذوف، و"فو" مبتدأ مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة والكاف مضاف إليه، "أطيب" خبر المبتدأ، "لو" يجوز أن تكون حرف تمن أو تكون شرطية، "بذلت" فعل ماض وتاء خطاب المؤنثة فاعله، "لنا" متعلق ببذل، وإن كانت لو شرطية، فالجواب محذوف، "من ماء" جار ومجرور متعلق بأطيب، "موهبة" مضاف إليه، "على خمر" متعلق بمحذوف صفة لماء موهبة. الشاهد فيه: "أطيب" فإنه أفعل التفضيل، وقد فصل بينه وبين من الجارة للمفضول بلو. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٥/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٠٠٤/ ٢.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
ولا يجوز بغير ذلك.
الرابع: إذا بُني أفعل التفضيل مما يتعدى بمن، جاز الجمع بينها وبين الداخلة١ على المفضول، مقدمة أو مؤخرة، نحو: "زيد أقربُ من عمرو من كل خير، وأقربُ من كل خير من عمرو".
الخامس: قد تقدم أن المضاف، والمعرف بأل يمتنع اقترانهما بمن المذكورة، فأما قوله٢:
نحن بغرس الوديّ أعلمُنا منا بركض الجياد في السدف
فإنه أراد أعلم، فأضاف ناويا "اطراح"٣ المضاف إليه، كما تدخل الألف واللام في بعض الأمكنة، وينوى سقوطها، قاله في شرح التسهيل.
وأما قول الأعشى٤:
_________________
(١) ١ أي: وبين "من" الداخلة على المفضول. ٢ قائله: هو سعد القرقرة، وقيل: قيس بن الخطيم، وهو من المنسرح. اللغة: "الودي" -بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء- صغار النخل، "ركض الجياد" الركض: تحريك الرجل، يقال: ركضت الفرس برجلي؛ إذا استحثثته ليعدو، والجياد -بكسر الجيم- جمع جواد، "السدف" الضوء والظلمة. الإعراب: "نحن" مبتدأ، "بغرس" متعلق بأعلم، "الودي" مضاف إليه، "أعلمنا" خبر المبتدأ ونا مضاف إليه، "في السدف" علق بركض والباء بمعنى في، أي: ركضها في وقت اختلاط الظلمة بالنور. الشاهد فيه: "أعلمنا منا" حيث إن "أعلم" أفعل تفضيل وقد أضيف إلى ضمير المتكلمين، وجاءت بعده من الجارة للمفضول المتعلقة بأفعل التفضيل، وذلك ممتنع مع أفعل المضاف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٦/ ٢، وذكر في المغني ٣٩/ ٢. ٣ أ، جـ، وفي ب "باطراد". ٤ قائله: هو الأعشى ميمون، من كلمة له يهجو فيها علقمة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي وقعت بينهما، وهو من الرجز. =
[ ٢ / ٩٣٦ ]
ولستَ بالأكثر منهم حصى
فأول على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن "أل" زائدة.
والثاني: أنها متعلقة بأكثر مقدرا، مدلولا عليه بالموجود.
الثالث: أنها للتبيين، لا لابتداء الغاية، كأنه قال: "ولست بالأكثر من بينهم".
وقوله: وإن لمنكور يضف.
قد تقدم أن أفعل التفضيل: مجرد ومعرف بأل ومضاف.
فأما المجرد فيلزم فيه الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل" و"الزيدان أفضل" و"الزيدون أفضل" وكذلك في المؤنث.
_________________
(١) = وتمامه: وإنما العزة للكاثر اللغة: "حصى" عددا، "الكاثر" الكثير، والأكثر حصى كناية عن عدد الأعوان والأنصار، "العزة" القوة والغلبة. المعنى: لست يا علقمة أكثر من عامر عددا وأعوانا وأنصارا، وإنما تكون الغلبة ويتم النصر لمن عنده جنود أكثر وأعوان ونصراء. الإعراب: "لست" فعل ماض ناقص وتاء المخاطبة اسمه، "بالأكثر" خبر ليس، "منهم" متعلق بالأكثر، "حصى" تمييز، "وإنما" أداة حصر، "العزة" مبتدأ، "للكاثر" متعلق بمحذوف خبر. الشاهد فيه: "بالأكثر منهم" فإن ظاهره أنه جمع بين "أل" الداخلة على أفعل التفضيل، و"من" الجارة للمفضول عليه. وقد أجاز الجمع بينهما أبو عمرو الجرمي، مستدلا بهذا البيت. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٦/ ٢، وابن هشام ١٩٦/ ٣، وابن عقيل ١٣٥/ ٢، والسيوطي ص٩٠، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش ١٠٣/ ٥، والشاهد رقم ٦٠٧ في الخزانة، وفي المغني ١٤٠/ ٢.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
وأما المعرف بأل فيلزم فيه المطابقة، فتقول: "زيدٌ الأفضلُ" و"الزيدانِ الأفضلانِ" و"الزيدونَ الأفضلونَ أو الأفاضلُ" و"هند الفُضْلى" و"الهندان الفضليان" و"الهندات الفضليات أو الفُضَّل".
وأما المضاف فنوعان: مضاف إلى نكرة، ومضاف إلى معرفة.
"فالمضاف"١ إلى نكرة كالمجرد يلزم الإفراد والتذكير، فتقول: "زيد أفضل رجل" و"الزيدان أفضل رجلين" و"الزيدون أفضل رجال" وكذلك في المؤنث. والمضاف إلى معرفة ثلاثة أقسام:
قسم يقصد به زيادته على ما أضيف إليه، وقسم يقصد به زيادة مطلقة، وقسم يؤول بما لا تفضيل فيه من اسم فاعل أو صفة.
فالأول: ينوى فيه معنى "من"، وفيه قولان:
أحدهما: أنه يلزم الإفراد والتذكير كالمجرد، وهو مذهب ابن السراج ومن وافقه.
والثاني: أنه يجوز فيه الأمران: المطابقة؛ لشبهه بالمعرف بأل، وعدم المطابقة لشبهه بالمجرد؛ لنية معنى "من"، وإليه ذهب المصنف، واستدل بقوله ﵊: "ألا أخبرُكم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؛ أحاسنكم أخلاقا" فأفرد أحب وأقرب، وجمع أحسن.
قال المصنف: ومعنى "من" مراد في الثلاثة.
وجعل الزمخشري "أحاسنكم" من القسم الثاني الذي قصد به زيادة مطلقة؛ فلذلك جمع بخلاف أحب وأقرب، فإنهما مما نوى معنى "من"؛ فلذلك أفردهما.
والثاني والثالث لا ينوى فيهما معنى "من" وتلزمهما المطابقة؛ لشبههما بالمعرف بأل في الإخلاء عن لفظ "من" ومعناها.
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، جـ "فأما المضاف".
[ ٢ / ٩٣٨ ]
ومما "يتحملها"١ قولهم: "الناقص والأشجّ أعدلا بني مروان"٢. وإضافة هذين النوعين لمجرد التخصيص، كما يضاف "ما لا تفضيل"٣ فيه؛ ولذلك جازت إضافة أفْعَلَ فيهما إلى ما ليس هو بعضه بخلاف المنوي فيه "معنى "من"، فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه"٤؛ فلذلك يجوز: "يوسف أحسن إخوته" إن قصد الأحسن من بينهم، أو قصد حسنهم، ويمتنع إن قصد: أحسن منهم.
تنبيه:
قد يرد أفعل التفضيل مجردا عاريا عن معنى التفضيل، كقوله تعالى: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٥.
وأجاز المبرد استعمال أفعل التفضيل، مؤولا بما لا تفضيل فيه قياسا.
قال في التسهيل: والأصح قصره على السماع٦.
وحكى ابن الأنباري عن أبي عبيد القول بورود أفعل٧ مؤولا بما لا تفضيل فيه، ولم يسلم "له"٨ النحويون هذا الاختيار، وقالوا: لا يخلو أفعل "التفضيل"٩ من التفضيل، وتأولوا ما استدل به.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "يتحملها". ٢ هذا مثال ما لا تفضيل فيه؛ لأنه لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل: عادلا بني مروان. والناقص: هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، لقب بذلك؛ لأنه نقص أرزاق الجند، والأشج: هو عمر بن عبد العزيز، لقب بذلك لشجة كانت برأسه من ضرب دابة. ٣ ب، جـ، وفي أ "ما لا تفضل". ٤ ب، جـ. ٥ من الآية ٣٢ من سورة النجم. ٦ التسهيل ص١٣٤. ٧ أي: أفعل التفضيل. ٨ ب، جـ. ٩ أ، جـ.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
قال في شرح التسهيل: والذي سُمع منه، فالمشهور فيه التزام الإفراد والتذكير، وقد يُجمع إذا كان ما هو له جمعا، كقوله١:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كراما، وأنتم ما أقام ألائم
قال: وإذا صح جمع "أفعل" العاري؛ لتجرده من معنى التفضيل، جاز أن يؤنث فيكون قول ابن هانئ٢:
_________________
(١) ١ قائله: هو الفرزدق، وهو من الطويل. اللغة: "أسود العين" اسم جبل، "ألائم" -جمع ألأم- بمعنى لئيم، والأصل الشحيح النفس. المعنى: ذم الشاعر هؤلاء بأنهم لا يكونون كراما إلا أن يزول الجبل من موضعه، وأنهم لئام مدة إقامة الجبل في موضعه، ولما كان الجبل لا يزول عن موضعه فكأن الشاعر يقول لهم: إنكم لئام أبد الدهر. الإعراب: "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، "غاب" فعل ماض، "عنكم" متعلق بغاب، "أسود" فاعل غاب، "العين" مضاف إليه، "كنتم" كان واسمها، "كراما" خبر كان، "وأنتم" الواو عاطفة، وأنتم مبتدأ، "ما" مصدرية، "أقام" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه، "ألائم" خبر المبتدأ. الشاهد فيه: "ألائم" فإنه جمع ألأم الذي هو اسم تفضيل مجرد من أل والإضافة، وإنما جاز جمعه؛ لأنه انسلخ عن معنى التفضيل، فلما انسلخ عن معنى التفضيل صار كاسم الفاعل والصفة المشبهة، وكل منهما يوافق ما يجري عليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٨. ٢ قائله: الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، وهو من البسيط. وتمامه: من فقاقعها حصباء در على أرض من الذهب اللغة: "صغرى" تأنيث أصغر، "كبرى" تأنيث أكبر، "فقاقعها" الفقاقع -بفتح الفاء والقاف وبعد الألف قاف مكسورة- النفاخات التي ترتفع فوق الماء، "حصباء" الحصباء: الحصى. المعنى: كأن النفاخات الصغيرة البيضاء التي تعلو الخمر وهي في الكأس -في لونها الذهبي- حبات من اللؤلؤ على أرض من ذهب. الإعراب: "كأن" حرف تشبيه ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، "صغرى" =
[ ٢ / ٩٤٠ ]
كأن صغرى وكبرى
إذا تقرر ما ذكره، فاعلم أن الناظم أشار إلى حكم المجرد والمضاف إلى النكرة بقوله:
وإِنْ لمنكور يُضف أو جُرِّدا أُلزِم تذكيرا وأن يُوَحَّدا
وإلى المعرف بأل بقوله: "وتلو أل طبق".
وإلى المضاف لمعرفة بقوله:
وما لمعرفة أضيف ذو وجهين
ولما كان مراده "القسم"١ الذي ينوى فيه "من"، قيده بقوله:
هذا إذا نويتَ معنى من
وقوله: "وإن لم تنو" يشمل القسمين الآخرين من أقسام المضاف إلى المعرفة؛ لأن حكمهما واحد وذلك واضح.
تنبيه:
أفعل التفضيل بمعنى بعض إن أضيف إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيف إلى نكرة؛ ولهذا يقال: "أفضل الرجلين زيد" و"أفضل رجلين الزيدان".
_________________
(١) = اسم كأن منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، "وكبرى" عطف على صغرى منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، "من" حرف جر، "فقاقعها" مجرور بمن صفة لصغرى وكبرى، وضمير الغائبة مضاف إليه، "حصباء" خبر كأن، "در" مضاف إليه، "على أرض" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لحصباء، "من الذهب" جار ومجرور صفة الأرض. الشاهد: "صغرى وكبرى" حيث جاء اسم التفضيل مؤنثا وهو مجرد من أل والإضافة، وهذا ألحن. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٦/ ٢، وابن عقيل، وابن هشام ١٠٠/ ٣. ١ أ، جـ.
[ ٢ / ٩٤١ ]
وقوله:
وإن تكن بتِلْو مِنْ مستفهما فلهما كن أبدا مُقدِّما
لا يخلو المجرور بمن بعد أفعل "التفضيل من أن يكون"١ اسم استفهام أو مضافا إليه أو غيرهما.
فإن كان اسم استفهام أو مضافا إليه وجب تقديمه نحو: "من أي الناس أنت أكرم؟ " و"من غلام أيهم أنت أجمل؟ ".
لأن الاستفهام له الصدر. ذكر هذه المسألة الفارسي في التذكرة.
قال المصنف: وهي من المسائل المغفول عنها.
قال الشيخ أبو حيان: وينبغي أن ينبه على أنه يسبق أيضا ما أفعل خبر له كما مثل.
ولم يذكر هذا المضاف إلى اسم استفهام؛ لوضوحه، ومثل اسم الاستفهام بقوله: ممن أنت خير؟
وإن كان المجرور غيرهما "فالأصل"٢ تأخيره، وقد نبه على أنه قد ندر التقديم بقوله:
ولدى إخبار التقديم نزرا وَرَدَا
وقد ورد ذلك في أبيات منها قوله٣:
بل ما زوَّدت منه أطيب
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ ب، وفي أ، جـ "فالأصح". ٣ قائله: هو الفرزدق، من أبيات يقولها في امرأة من بني ذهل بن ثعلبة قرته وزودته، وكان قد نزل بامرأة ضبية فلم تقره ولم تزوده، وهو من الطويل. وتمامه: فقال لنا: أهلا وسهلا وزودت جَنَى النخل اللغة: أهلا وسهلا: كلمتان تقولهما العرب في تحية الأضياف. "جنى النحل" ما يجنى منه وهو العسل، وكنى بذلك عن حسن لقائها وطيب استقبالها وحلاوة حديثها. =
[ ٢ / ٩٤٢ ]
وقوله:
ورفعه الظاهر نزر
اعلم أن أفعل التفضيل يرفع الضمير، وأما الظاهر ففي رفعه "به"١ لغتان:
إحداهما: أنه يرفع الظاهر مطلقا، فتقول: "مررت برجل أكرمَ منه أبوه" حكاه سيبويه.
وأشار إليها بقوله:
ورفعه الظاهر نزر
والأخرى، وهي لغة جمهور العرب: أنه لا يرفع الظاهر، إلا إذا ولي نفيا وكان مرفوعه مفضلا على نفسه باعتبارين نحو: "ما رأيت رجلا أحسنَ في عينه الكحلُ منه في عين زيد" ففي هذه الصورة ونحوها يرفع الظاهر عند جميع العرب.
وعلة ذلك أن أفعل التفضيل إنما قصُر عن رفع الظاهر؛ لأنه ليس له فعل بمعناه، وفي هذا المثال ونحوه يصح أن يقع موقعه فعل بمعناه، فتقول: "ما رأيت رجلا يحسُنُ في عينه الكحلُ كحسنه في عين زيد".
_________________
(١) = الإعراب: "فقالت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر، "لنا" متعلق به، "أهلا وسهلا" منصوبان بفعل محذوف، والأصل فيهما: أنهما وصفان لموصوف محذوف، أي: أتيتم قوما أهلا ونزلتم موضعا سهلا، "وزودت" فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه، "جنى" مفعول، "النحل" مضاف إليه، "بل" حرف إضراب إبطالي، "ما" اسم موصول مبتدأ، وجملة زودت وفاعله المستتر فيه لا محل له صلة الموصول والعائد محذوف، أي: زودته، "منه" جار ومجرور متعلق بأطيب، "أطيب" خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "منه أطيب" حيث قدم المجرور بمن على أفعل التفضيل، والحال أنه غير الاستفهام، والتقدير: أطيب منه، وهذا قليل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٨٩/ ٢، وابن عقيل ١٣٩/ ٢، والمكودي ص١١٢، وابن الناظم. وذكره السيوطي في الهمع ١٠٤/ ٢. ١ أ، جـ.
[ ٢ / ٩٤٣ ]
وإلى ذلك أشار بقوله:
ومتى عاقب فعلا فكثيرا ثَبَتَا
وأيضا لو لم يجعل المرفوع فاعلا لوجب كونه مبتدأ، فيلزم الفصل بين أفعل ومن بأجنبي، ثم مثّل بقوله:
كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق
والأصل: أولى به الفضل منه بالصديق، فاختصر.
تنبيهان:
الأول: قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي، ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي، كقوله:
"لا يكن غيرك أحبَّ إليه الخيرُ منه إليك، وهل في الناس رجلٌ أحقُّ به الحمد منه بمحسن لا يَمُنّ؟ "١.
الثاني: لا ينصب أفعل التفضيل مفعولا به، وما أوهم ذلك يؤول.
فإن أول أفعل "التفضيل"٢ بما "لا تفضيل"٣ فيه، جاز على رأي أنه ينصبه.
ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته"٤.
_________________
(١) ١ منه. أي: الحمد، بمحسن حال من مجرور، أي: حالة كونه ملابسا لمن ذكر. ٢ ب، جـ. ٣ ب، جـ، وفي أ "ما لا تفضل". ٤ قال الأشموني: فحيث هنا مفعول به، لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه أعلم هـ. وقال المرادي على التسهيل: لم تجئ حيث فاعلا ولا مفعولا به ولا مبتدأ هـ.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
النعت:
يَتْبَع في الإعراب الأسماء الأول نعت وتوكيد وعطف وبدل
التابع هو المشارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر.
فخرج بالحاصل والمتجدد خبر المبتدأ، والمفعول الثاني، والحال المنصوب، ونحو ذلك.
ولكن يرد عليه "حامض" ونحوه من قولك: "هذا حلو وحامض"، فخرج بزيادة غير خبر١.
والتابع جنس، يشمل خمسة أنواع، وهي: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل، ودليل الحصر الاستقراء.
فإن قلت: كيف قال: "يتبع في الإعراب الأسماء" وبعض التوابع قد يتبع غير الاسم؟
قلت: لا دليل في كلامه على اختصاصها بالأسماء، وسنبين أن التوكيد اللفظي والبدل وعطف النسق يتبع غير الاسم.
فإن قلت: ما معنى قوله: "الأول"؟
قلت: فيه إشارة إلى وجوب تقديم المتبوع على التابع.
وأجاز صاحب البديع تقديم الصفة على الموصوف إذا كانت لاثنين أو جماعة وقد تقدم أحد الموصوفين، تقول: "قام زيدٌ العاقلانِ وعمرٌو".
ومنه قول الشاعر٢:
أبى ذاك عَمِّي الأكرمانِ وخاليا
_________________
(١) ١ ولا ينافيه قول بعضهم: إنه جزء خبر؛ لأنه ناظر إلى المعنى. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وصدره: ولست مقرا للرجال ظلامة اللغة: "مقرا" اسم فاعل من الإقرار، وهو من إثبات الشيء وعدم إنكاره، "ظلامة" -بضم =
[ ٢ / ٩٤٥ ]
وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بأربعة شروط:
الأول: أن يكون بالواو، وقال هشام: تقديم الفاء وثم وأو ولا، جيد.
الثاني: ألا يؤدي إلى وقوع حرف العطف صدرا.
الثالث: ألا يؤدي إلى مباشرة حرف العطف عاملا غير متصرف، فلا يجوز: "أن وزيدا عمرا ذاهبان".
الرابع: ألا يكون المعطوف مخفوضا، ولا يجوز ذلك عند البصريين إلا في الشعر بشروطه.
تنبيهان:
الأول: اختُلف في العامل في التابع، فمذهب الجمهور أن العامل فيه هو العامل في المتبوع إلا البدل، فالجمهور على أن العامل فيه مقدر.
وذهب قوم منهم المبرد إلى أن العامل فيه المبدل منه، واختاره المصنف وهو ظاهر، وهو العامل في مذهب سيبويه.
الثاني: لم يتعرض هنا لبيان "رتب"١ التوابع، وقال في التسهيل: ويُبدأ
_________________
(١) = الظاء وفتح اللام مخففة- اسم لما يدعيه المظلوم قِبَل ظالمه، "أبى" امتنع، "الأكرمان" مثنى الأكرم، وهو أفعل التفضيل من الكرم، "خاليا" أخو الأم. الإعراب: "لست" ليس واسمها، "مقرا" خبرها، "للرجال" متعلق بمقر، "ظلامة" مفعول به لمقر، "أبى" فعل ماض، "ذاك" اسم إشارة مفعول به لأبى والكاف حرف خطاب، "عمي" فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وهو مضاف والياء مضاف إليه، "الأكرمان" نعت لفاعل أبى، "وخاليا" معطوف على عم وياء المتكلم مضاف إليه. الشاهد فيه: "عمي الأكرمان وخاليا" حيث قدم الشاعر النعت وهو "الأكرمان" على أحد المنعوتين وهو "خاليا"، فإن قوله: "الأكرمان" صفة لقوله: "عمي وخاليا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩٢/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٠/ ٢. ١ أ، جـ، وفي ب "ترتيب".
[ ٢ / ٩٤٦ ]
-عند اجتماع التوابع- بالنعت، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد، ثم بالبدل، ثم بالنسق١، وأجاز بعضهم تقديم التأكيد على الصفة، نقله صاحب البديع.
وقوله:
فالنعت تابع مُتمّ ما سبق بوسمه أو وسم ما به اعتَلَق
قوله: "تابع" جنس يشمل الخمسة، وقوله: "متم ما سبق" مخرج البدل والنسق، وقوله: "وسمه أو وسم ما به اعتلق" مخرج لعطف البيان والتوكيد، وذلك أنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يُوصِّل إلى ذلك بدلالته على معنى في المنعوت أو متعلقه، والتوكيد وعطف البيان ليسا كذلك.
فإن قلت: إنما يشمل قوله: "متم ما سبق" ما جيء به من النعوت؛ لتوضيح وتخصيص، وأما ما جيء لمدح أو ذم أو توكيد أو ترحم فلا.
قلت: لما كان أصل النعت أن يؤتى به للتوضيح والتخصيص، اقتصر عليه.
وقوله:
وليُعطَ في التعريف والتنكير ما لما تلا كامْرُر بقوم كرُما
يجب تبعية النعت للمنعوت في الإعراب والتعريف والتنكير.
فتنعت المعرفة بالمعرفة نحو: "امرر بالقومِ الكرماءِ"، والنكرة بالنكرة نحو: "امرر بقومٍ كرماءَ".
ولا تنعت المعرفة بالنكرة؛ لأن في النكرة إبهاما وفي المعرفة إيضاحا، فتدافَعَا.
تنبيهات:
الأول: لم يتعرض هنا "لموافقة النعت للمنعوت"٢ في الإعراب؛ استغناء بقوله أولا: "يتبع في الإعراب".
_________________
(١) ١ فيقال: جاء الرجل الفاضل أبو بكر نفسُهُ أخوك وزيدٌ. ٢ جـ، وفي ب "لموافقته النعت".
[ ٢ / ٩٤٧ ]
الثاني: استثنى الشارح من المعارف المعرف بلام الجنس، قال: فإنه لقرب مسافته من النكرة يجوز نعته بالنكرة المخصوصة؛ ولذلك تسمع النحويين يقولون في قوله١:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني فأعفّ ثم أقول لا يعنيني
إن "يسبني" صفة لا حال؛ لأن المعنى: ولقد أمر على لئيم من اللئام، ومثله قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٢ وقولهم: "ما ينبغي للرجل مثلك -أو خيرٍ منك- أن يفعل كذا" انتهى.
قلت: أما نعته بالجملة، فقد نص عليه في التسهيل وغيره، وسيأتي.
_________________
(١) ١ قائله: هو رجل من بني سلول، وهو من الكامل. اللغة: "اللئيم" الشحيح الدنيء النفس، وروي: فمضيتُ ثُمَّتْ قُلتُ. المعنى: يقول: والله إنني لأمرّ على الرجل الدنيء النفس الذي من عادته أن يسبني، فأتركه وأذهب عنه وأرضي نفسي بقولي لها: إنه لا يقصدني بهذا السباب. الإعراب: "ولقد" الواو للقسم والمقسم به محذوف واللام واقعة في جواب القسم، "أمر" فعل مضارع وفاعله مستتر فيه، "على اللئيم" متعلق بأمر، "يسبني" فعل مضارع والفاعل ضمير والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة في محل جر صفة للئيم، "فمضيت" فعل وفاعل، "ثمت" حرف عاطف والتاء للتأنيث، "قلت" فعل ماض وفاعله، "وإعراب الرواية الأخرى ظاهر". "لا" نافية، "يعنيني" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والنون للوقاية والياء مفعول، والجملة في محل نصب مقول القول. الشاهد فيه: "اللئيم يسبني" حيث وقعت الجملة نعتا للمعرفة وهو "اللئيم" المقرون بأل. وإنما ساغ ذلك؛ لأن "أل" فيه جنسية، فهو قريب من النكرة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩٤/ ٢، وابن هشام ١٢١/ ٢، وابن عقيل ١٤٨/ ٢، والسيوطي ص٩٣، وابن الناظم. وفي كتاب سيبويه ٤١٦/ ١، والشاهد ٥٥ في الخزانة. ٢ من الآية ٣٧ من سورة يس.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
وأما قولهم: ما يحسن بالرجل خير منك، فمذهب الخليل في هذا المثال الحكم بتعريف النعت والمنعوت على نية أل مع خير.
ومذهب الأخفش الحكم بتنكيرهما على زيادة أل في "الرجل".
قال المصنف: وعندي أن أسهل مما ذهبا الحكم بالبداية، وتقدير التابع والمتبوع على ظاهرهما.
الثالث: ما ذكر من وجوب تبعية النعت للمنعوت في التعريف والتنكير، وهو مذهب جمهور النحويين.
وأجاز الأخفش نعت النكرة إذا اختصت بالمعرفة١، وجعل "الأوليان" صفة "آخران" في قوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ٢.
وأجاز بعض النحويين وصف المعرفة بالنكرة.
وأجازه ابن الطراوة بشرط كون الوصف خاصا بذلك الموصوف، كقول النابغة٣:
في أنيابها السم ناقع
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٧. ٢ من الآية ١٠٧ من سورة المائدة. ٣ قائله: هو النابغة الذبياني، واسمه زياد بن عمرو من قصيدة يقولها في الاعتذار للنعمان بن المنذر، وهو من الطويل. وصدره: أبيت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش اللغة: "ساورتني" واثبتني، "ضئيلة" -بفتح الضاد وكسر الهمزة وفتح اللام- قليلة اللحم، وهي الحية الدقيقة قد أتت عليها سنون كثيرة، فقل لحمها واشتد سمها، وأصلها صفة لموصوف محذوف، أي: حية ضئيلة، "من الرقش" -بضم الراء وسكون القاف- جمع رقشاء وهي حية فيها نقط سود وبيض، "ناقع" ثابت طويل المكث. الإعراب: "أبيت" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه، "كأني" حرف تشبيه ونصب وياء المتكلم اسمه مبني على السكون في محل نصب، "ساورتني" فعل =
[ ٢ / ٩٤٩ ]
والصحيح مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه مؤول.
الرابع: لا يمتنع النعت بالأخص في النكرات نحو: "رجلٌ فصيحٌ"، و"غلامٌ يافعٌ".
وأما في المعارف، فلا يكون النعت أخص عند البصريين، بل مساويا، أو أعم.
قيل: وسبب ذلك أن الاختصاص مؤثر، فوجب لذلك أن يبدأ بالأخص؛ ليقع الاكتفاء به.
فإن عرض اشتراك، لم يوجد ما يرفعه إلا المساوي.
وقال الشلوبين والفراء: ينعت الأعم بالأخص، قال المصنف: وهو الصحيح، وقال بعض المتأخرين: توصف كل معرفة بكل معرفة، كما توصف كل نكرة بكل نكرة. وقوله:
وهو لَدَى التوحيد والتذكير أو سواهما كالفعل فاقفُ ما قَفَوا
يعني: أن النعت "إن"١ رفع ضمير المنعوت، طابقه في الإفراد والتذكير وأضدادهما، سواء كان معناه له أو "لسببيه"٢ نحو: "مررت برجل حسن أو حسن
_________________
(١) = ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "ضئيلة" فاعل ساور، "من الرقش" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لضئيلة، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر كأن، "في أنيابها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم والضمير مضاف إليه، "السم" مبتدأ مؤخر، "ناقع" صفة للسم. الشاهد فيه: "السم ناقع" حيث إن "ناقع" نكرة وقعت صفة المعرفة، وهو "السم". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢٩٤/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١١٧/ ٢. ١ أ، جـ، وفي ب "إذا". ٢ أ، جـ، وفي ب "لسببه".
[ ٢ / ٩٥٠ ]
الوجه" وإن رفع سببيه أفرد مطلقا كرفعه الظاهر، ووافق في التذكير والتأنيث مرفوعه، لا متبوعه نحو: "مررت برجلين حسنة جاريتهما".
فحكم النعت في ذلك كحكم الفعل الواقع موقعه، وهذا معنى قوله: "كالفعل".
فإن قلت: كيف سوّى بينه وبين الفعل، وهو مخالفه في أمرين:
أحدهما: أن الوصف يجوز تكسيره، مسندا إلى السببي المجموع نحو: "مررت برجل كرام غلمانه".
والثاني: أن الوصف الرافع لضمير المنعوت قد يعامل معاملة الرافع للسببي، إذا كان معناه له، فيقال: "مررت برجل حسنة العين"، كما يقال: حسُنت عينه؟ حكى ذلك الفراء، ولا يكون ذلك في الفعل.
قلت: أما الأول فظاهر وروده على النظم، وقد ذكر في التسهيل:
أن الجمع في ذلك أولى من الإفراد، ونص على ذلك سيبويه في بعض نسخ الكتاب، وهو مذهب المبرد.
وقيل: الإفراد أحسن، ونسب إلى الجمهور، وفصّل بعضهم فقال: الجمع أولى إن تبع جمعا، والإفراد أولى إن تبع مفردا أو مثنى.
وأما الثاني: فهو وجه ضعيف، ومذهب كثير -منهم الجرمي- منعه.
تنبيهان:
الأول: يجوز تثنية الوصف الرافع السببي وجمعه جمع المذكر السالم على لغة طيئ، فتقول: "مررت برجلين حسنينِ غلاماهما، وبرجال حسنينَ غلمانهم".
وقد يفهم ذلك من قوله: "لفعل" أي: على اللغتين.
الثاني: ما ذكر من أن مطابقة النعت للمنعوت مشروطة بألا يمنع مانع منها، كما في جريح ونحوه وأفْعَل من١.
_________________
(١) ١ قال الشيخ الصبان ٤٧/ ١: "ككون الوصف يستوي فيه المذكر والمفرد وأضدادهما، وكونه أفعل تفضيل مجردا أو مضافا لمنكور" هـ.
[ ٢ / ٩٥١ ]
وقوله:
وانعت بمشتق كصعب وذرب وشبهه كذا وذي والمنتسِب
المنعوت به قسمان: مفرد وجملة؛ فالجملة ستأتي.
والمفرد قسمان: مشتق وشبهه.
قال في شرح الكافية: والمراد بالمشتق هنا ما كان اسم فاعل أو اسم مفعول أو أحد أمثلة المبالغة أو صفة مشبهة باسم الفاعل أو أفعل تفضيل، وكل ذلك معروف مما سبق "ذكره"١.
ويجمعها كلها أن يقال: المشتق الموصوف به ما دل على فاعل أو مفعول به، مضمنا معنى فعل وحروفه. انتهى.
وإذا كان هذا مراده بالمشتق، لم يرد عليه اسما الزمان والمكان والآلة، ولا مشاحة في الاصطلاح.
والمراد بشبه المشتق، ما أقيم مقامه من الأسماء العارية من الاشتقاق "وهي"٢ قسمان: مطرد وغير مطرد.
فالمطرد ضربان:
أحدهما: جارٍ مجرى المشتق أبدا.
والآخر: جارٍ مجراه في حال دون حال.
فالجاري أبدا كذي بمعنى صاحب وأسماء النسب المقصود، والجاري في حال دون حال كأسماء الإشارة غير المكانية وذو الموصولة وفروعها وأخواتها المبدوءة بهمزة وصل.
وذهب الكوفيون، وتبعهم السهيلي إلى أن أسماء الإشارة لا ينعت بها؛ لجمودها.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "وهو".
[ ٢ / ٩٥٢ ]
وغير المطرد: المصدر والعدد والقائم بمسماه معنى "ملازم"١ ينزله منزلة المشتق كأسد.
وللمصدر مزية عليها، وسيأتي.
ثم ذكر الجملة فقال:
ونعتوا بجملة منكرا
الجملة المؤولة بمفرد نكرة.
فلذلك لا ينعت بها إلا النكرة.
قال في التسهيل: أو معرف بأل الجنسية٢، وقال في الشرح: "لأنه"٣ معرفة في اللفظ، ونكرة في المعنى.
وفي الارتشاف: لا ينعت بها المعرف بأل الجنسية، خلافا لمن أجاز ذلك.
ثم أشار بقوله:
فأعْطيت ما أُعطيته خبرا
إلى أن الجملة المنعوت بها لا بد من اشتمالها على "ضمير يربطها بالمنعوت"٤، وأن حكمه في جواز الحذف للعلم به كحكم الخبرية.
ومن حذفه قوله٥:
وما شيء حميت بمستباح
_________________
(١) ١ أ، وفي ب، جـ "لازم". ٢ التسهيل ص١٦٧. ٣ أ، جـ، وفي ب "لأنها". ٤ أ، جـ. ٥ قائله: هو جرير بن عطية الخطفي، يمدح به يزيد بن عبد الملك بن مروان. وصدره: أبحت حِمَى تهامة بعد نجد وهو من الوافر. اللغة: "حمى" على وزن فِعَل، أي: محظور لا يقرب، "تهامة" الناحية الجنوبية من الحجاز، "نجد" الناحية التي بين الحجاز والعراق. الإعراب: "أبحت" فعل وفاعل، "حمى" مفعول أبحت، "تهامة" مضاف إليه، "بعد" منصوب على الظرفية، "نجد" مضاف إليه، "ما" نافية، "شيء" اسم ما، "حميت" فعل وفاعل، والجملة صفة لشيء، "بمستباح" الباء زائدة ومستباح خبر ما منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. الشاهد فيه: "حميت" فإنها جملة منعوت بها، والجملة المنعوت بها لا بد من اشتمالها على ضمير يربطها بالمنعوت. وحكمه في جواز الحذف للعلم به، إذ أصله: وما شيء حميته.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
تنبيهات:
الأول: ليس حذف العائد من النعت كحذفه من الخبرية في القلة والكثرة، بل ذكر في التسهيل١ أن الحذف من الخبر قليل، ومن الصفة كثير، ومن الصلة أكثر.
الثاني: قال في شرح التسهيل: وقد يغني عنه الألف واللام كقوله٢:
كأن حفيف النبل من فوق عَجْسِها عَوَازِب نحل أخطأ الغارَ مُطْنِف
أي: غارها.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٧. ٢ قائله: هو الشنفرى عمرو بن براق، وهو من الطويل. اللغة: "حفيف" هو دويّ ذهابه، "النبل" السهم، "عجسها" -بتثليت العين وسكون الجيم- مقبض القوس، "عوازب" -جمع عازبة- من عزبت الإبل؛ إذا أبعدت في المرعى، "أخطأ الغار" ضل عنه، والمراد بالغار بيت النحل، "مطنف" -بضم الميم وسكون الطاء وكسر النون- بمعنى علا الطنف -بفتح الطاء والنون- وهو حرف الجبل، وأراد به هنا رئيس النحل. المعنى: يصف قوسا بأنها محكمة الصنع شديدة قوية، فيقول: كأن الصوت الذي تسمعه من فوق مقبض هذا القوس من شدة دفع الوتر، دوي نحل قد بعدت عن بيتها، وعند العودة ضلّت وأخطأ رائدها، فصعد بها إلى قنة الجبل يلتمس البيت. الإعراب: "كأن" حرف تشبيه ونصب، "حفيف" اسم كأن، "النبل" مضاف إليه، "من فوق" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اسم كأن، "عجسها" مضاف إليه، وهو مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه، "عوازب" خبر كأن مرفوع بالضمة، "نحل" مضاف إليه، "أخطأ" فعل ماض، "الغار" مفعول به، "مطنف" فاعل أخطأ. الشاهد فيه: "أخطأ الغار" فإن الألف واللام أغنت عن الضمير العائد إلى الموصوف. تقديره: أخطأ غارها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩٦/ ٢.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
وقد منع ذلك، وأوّل البيت على الحذف "أي: الغار منها"١.
الثالث: إذا نعت بالجملة اسم زمان، جاز حذف عائدها المجرور بفي نحو: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ ٢ أي: فيه.
فحذف برمته عند سيبويه، وبتدريج عند الكسائي والأخفش.
الرابع: ذكر في البديع أن الوصف بالجملة الفعلية أقوى منه بالجملة الاسمية.
الخامس: فهم من قوله: "ما أعطيته خبرا" أنها لا تقترن بالواو، بخلاف الحالية.
فلذلك لم يقل: ما أعطيته حالا، خلافا لمن أجاز اقترانها بالواو كالزمخشري.
السادس: لما كان إطلاق قوله: "ما أعطيته خبرا" يوهم جواز النعت بالجملة الطلبية، إذ يجوز الإخبار بها؛ أزال الإبهام بقوله:
وامنع هُنا إيقاع ذات الطلب
وسبب ذلك أنها لا تدل على معنى محصل، فلا يفيد النعت بها.
ثم أشار إلى تأويل ما يُوهم وقوعها نعتا بقوله:
وإن أتت فالقول أضمر تُصِب
فيكون القول المقدر هو النعت، والجملة محكية به، ومن ذلك قول الراجز٣:
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ من الآية ١٢٣ من سورة البقرة. ٣ قائله: قال العيني: ذكره المبرد ونسبه إلى راجز لم يعين اسمه، وقيل: لرؤبة بن العجاج وقد نزل ضيفا بقوم وطال انتظاره للطعام حتى جاء الليل، ثم أتوه بلبن قليل خلطوه بماء كثير، حتى صار لونه مثل لون الذئب في الزرقة. وصدره: حتى إذا جن الظلام واختلط وهو من الرجز. =
[ ٢ / ٩٥٥ ]
جاءوا بمَذْق هل رأيت الذئب قط؟
أي: بمذق مقول عند رؤيته هذا القول.
ثم انتقل إلى النعت بالمصدر فقال:
ونعتوا بمصدر كثيرا
وكان حقه في الأصل ألا ينعت به؛ لجموده، ولكنه من الجاري مجرى المشتق.
فإن قلت: هل يؤخذ من قوله: "كثيرا" أن النعت به مطرد؟
قلت: لا كما قال في الحال بكثرة، وقد صرح بعدم اطراد وقوعه نعتا وحالا.
_________________
(١) = اللغة: "جن" ستر الناس، "اختلط" كناية عن انتشاره واتساعه، "مذق" هو اللبن الممزوج بالماء. المعنى: يصف الراجز بالشح والبخل قوما نزل بهم ضيفا، فانتظروا عليه طويلا حتى أقبل الليل بظلامه، ثم جاءوه بلبن مخلوط يشبه الذئب في لونه؛ لكدرته وغبرته. الإعراب: "حتى" ابتدائية، "إذا" ظرف تضمن معنى الشرط، "جن" فعل ماض، "الظلام" فاعل والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، "واختلط" فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة عطف على جملة جن الظلام، "جاءوا" فعل ماض وفاعله، "بمذق" جار ومجرور متعلق بجاءوا، "هل" أداة استفهام، "رأيت" فعل ماض وفاعله، "الذئب" مفعول به، "قط" ظرف مبني على ضم مقدر في محل نصب، وسكن للروي. واستعمله بعد الاستفهام مع أن موضع استعماله بعد النفي الداخل على الماضي، والذي سهل هذا أن الاستفهام قرين النفي في كثير من الأحكام، وجملة: هل رأيت في محل نصب مقول لقول محذوف يقع صفة لمذق. الشاهد فيه: "بمذق هل رأيت الذئب قط" فإن الظاهر يشعر بوقوع الجملة الاستفهامية نعتا للنكرة وهو "مذق" وليس كذلك، بل جملة الاستفهام معمولة لقول محذوف هو الواقع نعتا، والتقدير: جاءوا بمذق مقول فيه هل رأيت؟ مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٦٩/ ٢، وابن هشام ١٢٤/ ٢، وابن عقيل ١٥٠/ ٢، والسيوطي ص٩٣، والمكودي ١١٤، وابن الناظم. وذكره السيوطي في همع الهوامع ١١٧/ ٢، والشاهد ٧٦ في الخزانة.
[ ٢ / ٩٥٦ ]
فإن قلت: فهل هما في الكثرة سواء؟
قلت: لا، بل جعل المصدر حالا أكثر من جعله نعتا، ذكر ذلك في شرح التسهيل.
قلت: وأطلق في قوله: "بمصدر" وهو مقيد بألا يكون في أوله ميم زائدة كمزار ومسير، فإنه لا ينعت به، لا باطراد ولا بغيره.
وقوله:
فالتزموا الإفراد والتذكير
قال المصنف: كأنهم قصدوا التنبيه على أن أصله ذو عدل، فلما حذف المضاف ترك المضاف إليه على ما كان عليه.
قلت: في النعت بالمصدر طريقان:
إحداهما: أن يقصد المبالغة، فلا يقدر مضاف.
والأخرى: ألا يقصد فيقدر.
والكوفيون يجعلون ضربا وعدلا واقعين موضع ضارب وعادل.
وقوله:
ونعت غير واحد إذا اختلف فعاطفا فَرِّقْه لا إذا ائتلف
مثال المختلف: "مررت برجلين كريم وبخيل"، ومثال المتفق: "مررت برجلين كريمين".
فالمختلف يفرق بالعطف، والمتفق يستغنى عن تفريقه بتثنيته وجمعه.
قلت: وأورد على إطلاقه اسم الإشارة، فإنه لا يجوز تفريق نعته، فلا يجوز: "مررت بهذين الطويل والقصير"، نص على ذلك سيبويه وغيره كالزيادي، والمبرد، والزجاج.
قال الزيادي: وقد يجوز ذلك على البدل، وعطف البيان.
[ ٢ / ٩٥٧ ]
تنبيهات:
الأول: يندرج في غير الواحد ما هو مفرد لفظا مجموع معنى كقول حسان رضي الله عنه١:
فوافيناهم منا بجمع كأُسْد الغاب مُرْدَان وشيب
الثاني: قال في الارتشاف: والاختيار في "مررت برجلين كريم وبخيل" القطع.
الثالث: قال في التسهيل٢: يُغَلَّب التذكير والعقل عند الشمول وجوبا، وعند التفصيل اختيارا.
وقوله:
ونعت معمولي وحيدَيْ معنى وعمل أتبع بغير استثنا
إذا قصد نعت معمولين، فإما أن يكونا لعامل واحد أو لعاملين.
فإن كانا لعامل واحد، فثلاث صور:
الأولى: أن يتحد العمل "والنسبة"٣ نحو: "قام زيد وعمرو العاقلان"، فهذه يجوز فيها الإتباع والقطع في أماكنه من غير إشكال.
_________________
(١) ١ قائله: هو حسان بن ثابت، شاعر النبي ﷺ. اللغة: "فوافيناهم" أتيناهم، "بجمع" -بفتح الجيم وسكون الميم- اسم لجماعات الناس، "أسد" -بضم الهمزة وسكون السين- جمع أَسَد، "الغاب" -جمع غابة- وهو مأوى السباع والوحوش، "مردان" -بضم الميم- جمع أمرد، وهو الذي لم يبلغ حد نبات الشعر بوجهه، "شيب" -جمع أشيب- وهو المبيضّ الشعر. الإعراب: "فوافيناهم" فعل ماض وفاعله ومفعوله، "منا" متعلق بمحذوف حال من جمع وأصله صفة، فلما تقدم عليه أعرب حالا، "كأسد" متعلق بمحذوف صفة لجمع، "الغاب" مضاف إليه، "مردان" صفة ثانية لجمع، "وشيب" عطف على مردان. الشاهد فيه: "بجمع مردان وشيب" فإن قوله: "مردان وشيب" وقعا نعتين لجمع. ولما كان معناهما مختلفا فرق بينهما بحرف العطف، وعطف ثانيهما على أولهما. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩٧/ ٢. ٢ التسهيل ص١٦٩. ٣ ب.
[ ٢ / ٩٥٨ ]
الثانية: أن يختلف العمل والنسبة "نحو: "ضرب زيد عمرا الكريمان""١، فهذه يجب فيها قطع من غير إشكال.
والثالثة: أن يختلف العمل وتتحد النسبة من جهة المعنى نحو: "خاصم زيد عمرا الكريمان".
فالقطع في هذه، واجب عند البصريين.
وأجاز الفراء وابن سعدان٢ الإتباع، والنص عن الفراء أنه إذا أتبع غُلِّب المرفوع، فتقول: "خاصم زيد عمرا الكريمان".
ونص ابن سعدان على جواز إتباع أي شئت؛ لأن كلا منهما مخاصِم ومخاصَم.
والصحيح مذهب البصريين، قيل: بدليل أنه لا يجوز: "ضارب زيد هندًا العاقلةُ" برفع العاقلة نعتا لهند.
قلت: ذكر في باب أبنية الفعل من شرح التسهيل أن الاسمين في نحو: "ضارَبَ زيدٌ عمرًا" ليس أحدهما أولى من الآخر بالرفع ولا بالنصب، قال: ولو أتبع منصوبهما بمرفوع، أو مرفوعهما بمنصوب لجاز.
ومنه قول الراجز٣:
_________________
(١) ١ أ، جـ "أي: يختلف العمل، وتختلف نسبة العامل إلى المعمولين من جهة المعنى". ٢ هو أبو جعفر الضرير محمد بن سعدان. نشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي معاوية الضرير وغيره، ثم اشتهر بالعربية والقراءات. صنف كتابا في النحو، وتوفي سنة ٢٣١هـ. ٣ قائله: هو أبو حيان الفقعسي، كذا قال ابن هشام الحنبلي، وقال ابن هشام اللخمي: قائله مساور العبسي، وقال السيرافي: قائله الدبيري. اللغة: "الأفعوان" -بضم الهمزة- الذكر من الأفاعي، "الشجاع" ذكر الحيات، "الشجعم" الجريء، وقيل: هو الطويل. المعنى: وصف رجلا بخشونة القدمين وغلظ جلدهما، والحيات لا تؤثر فيهما. الإعراب: "قد" حرف تحقيق، "سالم" فعل ماض، "الحيات" فاعل سالم، "منه" جار =
[ ٢ / ٩٥٩ ]
قد سالَمَ الحيَّاتُ منه القَدَما الأُفْعُوَانَ والشجاع الشجْعَمَا
فنصب "الأفعوان" وهو بدل من "الحيات"، وهو مرفوع "لفظا"١؛ لأنه منصوب معنى؛ لأن كل شيئين تسالما فهما فاعلان مفعولان.
وهذا التوجيه أسهل من أن يكون التقدير: قد سالم الحيات منه القدم، وسالمت القدمُ الأفعوانَ، انتهى.
وإن كان لعاملين لم يخل العاملان من أن يتحدا في المعنى والعمل، أو يختلفا فيهما أو في أحدهما.
فإن اتحدا في المعنى والعمل جعل النعت تابعا للمعمولين في الرفع والنصب والجر، سواء اتفق لفظ العاملين نحو: "ذهب زيد وذهب عمرو العاقلان"، أو اختلف نحو: "ذهب زيد وانطلق عمرو العاقلان".
فالإتباع فيهما جائز، وهذا مفهوم من النظم، إذ لم يشترط اتحاد اللفظ.
وذهب ابن السراج إلى منع الإتباع في الثاني، وفصّل في الأول فقال: إن قدرت الثاني عاملا فالقطع، أو توكيدا والأول هو العامل جاز الإتباع.
وإن اختلف العاملان في المعنى والعمل، أو في أحدهما وجب القطع، فيرفع على إضمار مبتدأ، وينصب على إضمار فعل.
_________________
(١) = ومجرور متعلق بمحذوف حال من القدم، "القدما" مفعول به لسالم منصوب بالفتحة الظاهرة، "الأفعوان" بدل من الحيات منصوب بالفتحة، "والشجاع" معطوف على الأفعوان، "الشجعما" نعت للشجاع منصوب بالفتحة. الشاهد فيه: "قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان" فإن قوله: "الأفعوان" المنصوب -بدليل أنه عطف عليه المنصوب وهو "الشجاع والشجعما"- قد وقع بدلا من "الحيات" وهو مرفوع؛ لكونه فاعلا لسالم. وقد علم أن الفاعل مرفوع، فاختلف إعراب البدل عن إعراب المبدل منه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩٩/ ٢. وذكره سيبويه ١٤٥/ ١، والسيوطي في الهمع ١٦٥/ ١، والشاهد في المقاصد النحوية ٤/ ٨٠. ١ أ، جـ.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
مثال المختلفين في المعنى والعمل: "جاء زيد ورأيت عمرا العاقلين".
ومثال المختلفين في المعنى دون العمل: "جاء زيد وذهب عمرو العاقلين".
ومثال المختلفين في العمل دون المعنى: "مررت بزيد وجاوزت عمرا العاقلين".
يجوز في ذلك "العاقلان" على تقدير: هما، و"العاقلين" على تقدير: أمدح، والإتباع في ذلك يمتنع عند الجمهور، إذ العمل الواحد لا يمكن نسبته إلى عاملين، من شأن كل واحد منهما أن يستقل.
فإن قلت: قوله: "وحيدي" صفة لماذا؟
قلت: لمحذوف تقديره: ونعت معمولي عاملين وحيدي معنى وعمل.
فإن قلت: هل يعني بقوله: "أتبع" إيجاب الإتباع أو الإعلام بجوازه؟
قلت: لا يصح حمله على الإيجاب، فإن القطع في ذلك منصوص على جوازه.
فإن قلت: ما معنى قوله: "بغير استثنا"؟
قلت: يعني في الرفع والنصب والجر كما قال الشارح، وكأنه يشير بذلك إلى مذهب من خصص جواز الإتباع بنعت فاعلين وخبري مبتدأين، ولا وجه للتخصيص.
وقوله:
وإنْ نعوتٌ كثُرت وقد تلت مفتَقِرا لذكرهن أُتبعت
إذا كثرت نعوت الاسم، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون مفتقرا إلى جميعها، لا يتميز بدونها.
والثاني: أن يكون مستغنيا عنها، متميزا بدونها.
والثالث: أن يكون مفتقرا إلى بعضها دون البعض.
فإن كان مفتقرا إلى جميعها وجب إتباع الجميع، وإن كان متعينا بدونها جاز فيه ثلاثة أوجه:
[ ٢ / ٩٦١ ]
إتباع الجميع، وقطع الجميع، وإتباع بعض وقطع بعض.
وإن كان مفتقرا إلى بعض دون بعض، وجب إتباع المفتقر إليه وجاز فيما سواه الإتباع والقطع.
هذا ما ذكره المصنف.
فإن قلت: كيف يفهم ذلك من النظم؟
قلت: أما الأولى فظاهر من قوله: "وإن نعوت البيت".
وأما الثانية فمن قوله: واقطع أو اتبع إن يكن معينا بدونها.
وأما الثالثة فمن قوله: أو بعضها اقطع معلنا.
قال الشارح بعد أن ذكر الصورة الثالثة: وإلى هذا الإشارة بقوله: "أو بعضها اقطع معلنا" أي: وإن يكن معينا ببعضها اقطع ما سواه، وفيه نظر.
تنبيه:
إذا قُطع بعض النعوت دون بعض، قُدِّم المُتبَع على المقطوع ولا يعكس، وفيه خلاف.
قال ابن الربيع: والصحيح المنع، وقال صاحب البسيط: والصحيح جوازه. ثم بيّن وجهي القطع بقوله:
وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا
يعني: أنه يجوز القطع إلى الرفع وإلى النصب، فإذا رفع فهو خبر مبتدأ واجب الحذف، وإذا نصب فبإضمار فعل واجب الحذف.
وإلى وجوب إضمار المبتدأ والفعل الناصب، أشار بقوله: "لن يظهرا".
تنبيه:
قد يوهم كلام الناظم أن القطع مشروط بتكرار النعوت، كما أوهمه كلام غيره، وليس ذلك بشرط، وإنما ذكر مسألة كثرة النعوت لما فيها من التقسيم والأوجه المتقدمة.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
وتلخيص الكلام على القطع، أن يقال: المنعوت قسمان: معرفة ونكرة.
فالمعرفة إن كان نعته لمدح أو لذم أو ترحم، جاز القطع بالرفع على إضمار مبتدأ، وبالنصب على إضمار فعل لائق، فيقدر في المدح: أمدح وفي الذم: أذم وفي الترحم: أرحم١.
ولا يجوز إظهار المبتدأ، ولا الفعل كما سبق.
وخالف يونس في الترحم، فلا يجوز القطع وإن كان لتوكيد كقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢ أو ملتزما نحو: "الشِّعْرى العَبُور"٣ أو جاريا على مشار به نحو: "هذا العالم" لم يجز القطع.
وإن كان لتخصيص وليس أحد الثلاثة نحو: "مررت بزيد الخياطُ"، جاز قطعه إلى الرفع على إضمار "هو"، وإلى النصب على إضمار "أعني"، ويجوز إظهارهما، بخلاف نعت المدح والذم والترحم.
وأما النكرة فيشترط في جواز قطع نعته تأخره عن آخر، كقول أبي الدرداء: "نزلنا على خالٍ لنا ذو مال وذو هيبة".
فإن لم يتقدمه نعت آخر، لم يجز القطع إلا في الشعر.
وما ذكرته من جواز قطع نعت التخصيص على الوجه المذكور، نص عليه ابن أبي الربيع وهو مفهوم من التسهيل٤.
_________________
(١) ١ مثال المدح: "الحمدُ لله ربِّ العالمين"، والذم: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، والترحم: "اللهم أنا عبدك المسكين". ٢ من الآية ١٣ من سورة الحاقة. ٣ قال الشيخ الصبان ٥٣/ ٣: "والملتزم: الذي التزمت العرب النعت به نحو: "الشعرى العبور" والمراد أنه إذا وقع بعدها وصف كان نعتا لا أنه يلزم بعدها نعت، فلا يرد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وسميت العبور؛ لعبورها المجرة. ٤ التسهيل ص١٦٩.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
قوله:
وما من المنعوت والنعت عُقل يجوز حذفه وفي النعت يقل
يعني: أنه إذا علم النعت أو المنعوت جاز حذفه، ويكثر ذلك في المنعوت، ويقل في النعت.
فمن الأول: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ١، ومن الثاني قول العباس بن مرداس٢:
فلم أعط شيئا ولم أمنع
تنبيه:
إنما يكثر حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه بشرطين:
_________________
(١) ١ من الآية ٥٢ من سورة ص. ٢ قائله: العباس بن مرداس الصحابي من كلمة يقولها في رسول الله -ﷺ- وكان الرسول قد قسم الغنائم في حنين، فأعطى منها قوما من المؤلفة قلوبهم ومنهم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس عطاء كثيرا يتألفهم به على الإسلام، ولم يعط العباس مثلهم، فكره العباس ذلك. وصدره: وقد كنت في الحرب ذا تدرأ وهو من المتقارب. اللغة: "تدرأ" -بضم التاء وسكون الدال وفتح الراء- أي: ذو عدة وقوة على دفع الأعداء عن نفسه، وهو اسم موضوع للدفع، والتاء فيه زائدة كما زيدت في تتفل. الإعراب: "وقد" حرف تحقيق، "كنت" كان واسمها، "في الحرب" متعلق بكان، "ذا" خبر كان منصوب بالألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الستة، "تدرأ" مضاف إليه، "فلم" الفاء عاطفة ولم حرف نفي وجزم وقلب، "أعط" فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، وهو مفعوله الأول، "شيئا" مفعول ثان، "ولم" حرف حرف نفي، "أمنع" فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وحرك بالكسر للروي ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه. الشاهد فيه: "فلم أعط شيئا" حيث حذف منه النعت، والتقدير: فلم أعط شيئا طائلا. ولولا هذا التقدير، لتناقض مع قوله: "ولم أمنع". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠١/ ٢، والسيوطي ص٩٣، والمكودي ص١١٦، وابن الناظم. وذكره السيوطي في الهمع ١٢٠/ ٢، وابن هشام في المغني ١٦٦/ ٢.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
أحدهما: أن يعلم جنس المنعوت إما باختصاص النعت به نحو: "مررت بكاتب"، وإما بمصاحبة ما يعينه نحو: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ١.
والآخر: أن يكون صالحا لمباشرة العامل.
فلو كان جملة أو شبهها لم يقم مقامه في الاختيار؛ لكونه غير صالح لها إلا بشرط كون المنعوت بعض ما قبله من مجرور بمن، حكى سيبويه: "ما منهما مات حتى رأيته يفعل كذا" فهذا مثال الجملة.
ومثال شبهها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ ٣.
التقدير: أحد مات، وإن أحد من أهل الكتاب، وقوم دون ذلك، فهذا ونحوه كثير مطرد.
وقول الشارح: وهو مطرد في النفي، يفهم أنه غير مطرد في الإيجاب، وليس كذلك.
وأما نحو قوله٤:
لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضُلُها في حَسَب ومَيْسَم
_________________
(١) ١ من الآية ١١ من سورة سبأ -أي: دروعا سابغات- بدليل ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ . ٢ من الآية ١٥٩ من سورة النساء. ٣ من الآية ١١ من سورة الجن. ٤ قائله: نسبه ابن يعيش إلى الأسود الحماني يصف امرأة، ونسبه سيبويه إلى حكيم الربعي، وهو من الرجز. اللغة: "لم تيثم" -بكسر التاء- لغة قوم، وقلبت الهمزة ياء؛ لسكونها إثر كسرة، أي: لم تأثم من الإثم وهو الخطيئة، "يفضلها" يزيد عليها، "حسب" ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، "ميسم" -بكسر الميم- وسامة وجمال. المعنى: لو قلت: إنه ليس في قوم هذه المرأة أحد يفضلها، ويزيد عليها في عراقة النسب والجمال؛ لم تكن كاذبا في ذلك. الإعراب: "لو" شرطية، "قلت" فعل ماض فعل الشرط وفاعله، "ما" نافية، "في قومها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم لمبتدأ محذوف، أي: أحد، "لم" نافية جازمة =
[ ٢ / ٩٦٥ ]
فأجازه المصنف في الاختيار، وجعل الجر بفي كالجر بمن، وجعله ابن عصفور ضرورة.
فلو لم يكن المنعوت بالجملة وشبهها بعض ما قبلها من مجرور بمن أو في، لم تقم الجملة أو شبهها مقامه إلا في الضرورة كقوله١:
لكم قُبصه من بين أثرى وأقترا
_________________
(١) = "تيثم" جواب الشرط، "يفضلها" الجملة صفة لأحد المحذوفة، "في حسب" جار ومجرور متعلق بيفضلها، "وميسم" عطف عليه. الشاهد فيه: "ما في قومها يفضلها" حيث إن جملة "يفضلها" جاءت نعتا لمنعوت محذوف وهو "أحد"، وهو بعض اسم مقدم مجرور بفي وهو "قومها". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٠/ ٢، وابن هشام ١٣٢/ ٣، وذكره ابن يعيش ٥٩/ ٣، وسيبويه ٣٧٥/ ١، والسيوطي في الهمع ١٢٠/ ٢، والشاهد ٣٤٤ في الخزانة. ١ قائله: هو الكميت في مدح بني أمية، وهو من الطويل. وصدره: لكم مسجدا الله المزوران والحصى اللغة: "مسجدا الله" أراد بهما مسجد مكة ومسجد المدينة، "المزوران" تثنية مزور -بفتح الميم وضم الزاي- "الحصى" العدد من الأهل، "قبصه" -القبص بكسر القاف وسكون الباء- العدد الكثير من الناس، "أثرى" كثر ماله، "وأقترا" افتقر وقل ماله. المعنى: يمدح بني أمية بأن الله تعالى قد جعل لهم الولاية على مسجديه اللذين يزورهما الناس، وجعل لهم العدد والعديد من الأهل والأتباع والأنصار الذين لكثرتهم يوجد بينهم الغني والفقير. الإعراب: "لكم" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "مسجدا" مبتدأ مؤخر مرفوع بالألف لأنه مثنى، "الله" مضاف إليه، "المزوران" نعت للمسجدين مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، "والحصى" عطف على المبتدأ، "لكم" متعلق بمحذوف خبر مقدم، "قبصه" مبتدأ مؤخر وضمير الغائب مضاف إليه، "من بين" جار ومجرور، "أثرى" فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف منع من ظهوره التعذر وفاعله ضمير مستتر فيه، "وأقترا" فعل ماض عطف على أثرى وفاعله ضمير مستتر فيه. الشاهد فيه: "من بين أثرى وأقترا" حيث حذف المنعوت وأبقى النعت، والتقدير: من بين من أثرى وبين من أقتر، أي: من بين رجل أثرى ورجل أقتر، فحذف منعوتين؛ "من" الأولى و"من" الثانية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠١/ ٢.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
التوكيد:
التوكيد مصدر سمي به التابع لأنه يفيده، ويقال: أكّد تأكيدا، ووكّد توكيدا، وهو: معنوي ولفظي.
فالمعنوي تابع بألفاظ مخصوصة؛ فلذلك استغني عن حده بذكرها.
ثم المعنوى نوعان:
أحدهما: يرفع توهم الإضافة إلى المتبوع.
والثاني: يرفع توهم إرادة الخصوص بما ظاهره العموم.
والأول بالنفس والعين، والثاني بكل وأخواته.
وبدأ بالأول فقال:
بالنفس أو بالعين الاسم أُكِّدا
فتقول: ""جاء زيد"١ نفسه أو عينه" والمراد بهما حقيقته، وينفردان عن سائر ألفاظ التوكيد بجواز جرهما بباء زائدة٢.
فإن قلت: فهل يجوز الجمع بينهما؟
قلت: نعم.
وإنما عطف بأو؛ للتنبيه على أن كلا منهما يصح التوكيد به وحده.
فإن قلت: فبأيهما يبدأ عند الاجتماع؟
قلت: بالنفس؛ لأنها عبارة عن جملة الشيء، والعين مستعارة في التعبير عن الجملة.
فإن قلت: هل هذا التركيب لازم، أم على سبيل الأولوية؟
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ مثل ذلك: "جاء زيد وهند بعينها" ومحل المجرور إعراب المتبوع.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
قلت: الظاهر أنه لازم، وقيل: إنه على طريق الأحسنية.
ثم قال:
مع ضمير طابق المؤكَّدَا
فنبه على أنه لا بد من إضافة النفس والعين إلى ضمير المؤكد، مطابقا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، وتمثيل ذلك سهل.
ثم قال:
واجمعهما بأفْعُل إن تبعا ما ليس واحدا تكن مُتَّبعا
وإنما قال: بأفعُل احترازا عن جمع الكثرة، فإنه لا يؤكد بنفوس ولا عيون. وهو أولى من قوله في التسهيل: جمع قلة١، فإن عينا جمع على أعيان ولا يؤكد به.
وشمل قوله: "ما ليس واحدا" المثنى نحو: " قام الزيدان أو الهندان أنفسهما"، والجمع نحو: "قام الزيدون أنفسهم والهندات أنفسهن".
وترك الأصل في المثنى كراهة اجتماع تثنيتين، وعدل إلى الجمع؛ لأن التثنية جمع في المعنى.
تنبيه:
قال الشارح بعد ذكره أن الجمع في المثنى هو المختار: ويجوز فيهما أيضا الإفراد والتثنية.
ووهم في ذلك؛ إذا لم يقل به أحد من النحويين.
قلت: وأجاز ابن إياز -في شرح الفصول- التثنية، فقال: ولو قلت "نفساهما" لجاز.
وكان الناظم أشار إلى منع الإفراد والتثنية بقوله: "تكن متبعا"، ثم انتقل إلى النوع الثاني من نوعي التأكيد المعنوي، فقال:
وكُلًّا اذكر في الشمول وكِلَا كِلْتَا جميعا بالضمير مُوصَلا
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٤.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
وأما كل، فلا يؤكد بها إلا ذو أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه غير مثنى.
وأما كلا وكلتا فللمثنى، وأما جميع فبمنزلة كل.
ثم أشار إلى وجوب إضافة كل وما بعدها إلى ضمير المؤكد بقوله: "بالضمير موصلا".
فتقول: جاء الجيشُ كلُّه، والقبيلةُ كلُّها، والزيدان كلهم، والرجال كلهم أو كلها، أو كله على قياس "هم أحسن الفتيان وأجمله" وهو ضعيف، "وجاء الهندات كلهن أو كلها" وحكى الخليل كلتهن عن بعض العرب، وكذلك تقول في جميع.
وتقول في المثنى: "جاء الزيدان كلاهما، والمرأتان كلتاهما".
وقد فهم من قوله: "بالضمير موصلا" فوائد:
الأولى: "أنه"١ ضمير مطابق للمؤكد؛ لأن أل فيه للعهد السابق في النفس والعين.
الثانية: أنه لا يحذف استغناء بنيته، خلافا للفراء والزمخشري، ونقله بعضهم عن الكوفيين، وجعلوا منه قراءة من قرأ: "إنَّا كُلًّا فيها"٢، "أي: إنا كلنا"٣.
وخرج على وجهين:
أحدهما: أنه حال من الضمير المرفوع في "فيها"٤.
والآخر: "أنه"٥ بدل من اسم "إن"٦.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ من الآية ٤٨ من سورة غافر. ٣ أ، جـ. ٤ أي: من ضمير الاستقرار المرفوع في "فيها". قال في المغني: وفيه ضعفان: تقدم الحال على عامله الظرفي، وتنكير "كل" بقطعها عن الإضافة لفظا ومعنى، والحال واجبة التنكير. ٥ أ، جـ. ٦ أي: بدل كل من اسم "إن"، وهو لا يحتاج إلى ضمير.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
الثالثة: أن كلا لا يضاف في التوكيد إلى ظاهر، وعلى ذلك نصوص النحويين، وذكر في التسهيل١ أنه قد يستغنى عن الإضافة إلى الضمير بالإضافة إلى مثل الظاهر المؤكد بكل، وجَعَلَ منه قول كثير٢:
يا أشبهَ الناس كلِّ الناس بالقمر
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٤. ٢ قائله: كثير عزة، وهو من البسيط. وصدره: كم قد ذكرتُكِ لو أُجزَى بذكركم اللغة: أجزى: مضارع مبني للمجهول من الجزاء، وهو المكافأة. الإعراب: "كم" خبرية بمعنى كثير، وهي اسم مبني على السكون إما في محل رفع على أنه مبتدأ، وإما في محل نصب على أنه مفعول مطلق عامله ذكر، أي: ذكرتك ذكرا كثيرا، أو في محل نصب على أنه مفعول فيه لتأوله بالوقت، أي: ذكرتك في أوقات كثيرة، "قد" حرف تحقيق، "ذكرتك" ذكر فعل ماض والتاء ضمير المتكلم فاعل والكاف ضمير المؤنثة المخاطبة مفعول به والجملة في محل رفع خبر كم إن جعلتها في محل رفع مبتدأ، فإن جعلتها في محل نصب فهذه الجملة لا محل لها لأنها ابتدائية، "لو" حرف دال على التمني أو حرف شرط غير جازم مبني على السكون لا محل له من الإعراب، "أجزى" فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا، "بذكركم" جار ومجرور متعلق بأجزى وذكر مضاف وضمير المخاطبين مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، وإن قدرت لو شرطية فجوابها محذوف: لو أجزى بذكري إياكم لاسترحت، "يا أشبه" حرف نداء ومنادى منصوب بالفتحة الظاهرة، "الناس" مضاف إليه، "كل" توكيد للناس، "بالقمر" جار ومجرور متعلق بأشبه. الشاهد فيه: "الناس كل الناس" فكلمة "كل" توكيد للناس، ومن حق الكلام أن يضيف لفظ التوكيد إلى ضمير غيبة عائد على المؤكد فيقول: يا أشبه الناس كلهم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٤/ ٢. وذكره السيوطي في الهمع ١٢٣/ ٢.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
ونحوه، قيل: ولا حجة فيه؛ لاحتمال كون "كل" نعتا بمعنى الكاملين، فلم يفضله إلا على الناس الكاملين، وهو أمدح.
تنبيهان:
الأول: ما ذكر أن "كلا" للمذكر و"كلتا" للمؤنث، هو المشهور.
وقال في التسهيل١: وقد يستغنى "بكليهما" عن "كلتيهما".
ومنه قول الشاعر٢:
يَمُتّ بقربى الزينبينِ كِلَيْهِما إليك وقربى خالد وحبيب
وقال ابن عصفور: هو من تذكير المؤنث حملا على المعنى للضرورة، كأنه "قال"٣: بقربى الشخصين.
الثاني: ذكر في التسهيل٤ أيضا أنه قد يستغنى "بكلهما" عن "كليهما"
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٤. ٢ قائله: هو هشام بن معاوية، وهو من الطويل. اللغة: "يمت" يتقرب، "بقربى" -بضم القاف وسكون الراء- القرابة، "الزينبين" -مثنى زينب- وهو علم امرأة. المعنى: ينسب إليك بقرابة الزينبين، وقرابة خالد وحبيب. الإعراب: "يمت" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "بقربى" جار ومجرور متعلق بقوله يمت وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، "الزينبين" مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى، "كليهما" توكيد مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بالمثنى، "إليك" متعلق بيمت، "وقربى" معطوف على قربى السابق، "خالد" مضاف إليه، "حبيب" عطف عليه. الشاهد فيه: "الزينبين كليهما" حيث أكد المثنى المؤنث "الزينبين" بالاسم الموضوع للاستعمال في توكيد مثنى المذكر وهو "كليهما"، فقد وقع "كليهما" موقع "كلتيهما". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٧/ ٢. ٣ ب. ٤ التسهيل ص١٦٤.
[ ٢ / ٩٧١ ]
و"كلتيهما" في تأكيد المثنى، فيقال على هذا: "جاء الرجلانِ كلُّهُمَا" والمرأتان كلهما.
ثم قال:
واستعملوا أيضا ككل فاعله من عم في التوكيد مثل النافله
أي: واستعملت العرب في التوكيد وزن "فاعلة من عم" يعني عامة، وتوصل إلى ذكرها بذكر وزنها لتعذر دخولها في النظم.
وأشار بقوله: "ككل" إلى أنها يؤكد بها ما سوى المثنى مما يؤكد بكل، وأنها تضاف إلى ضمير المؤكد.
فيقال: "جاء الجيشُ عامتُهُ، والقبيلة عامتها، والزيدون عامتهم، والهندات عامتهن".
قال في شرح التسهيل: وذكرت مع كل جميعا وعامة كما فعل سيبويه.
وأغفل ذلك أكثر المصنفين سهوا أو جهلا، وإلى ذلك أشار بقوله: "مثل النافلة".
قال الشارح: يعني أن ذكر عامة في ألفاظ التوكيد مثل النافلة أي: الزيادة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، وليس هو في حقيقة الأمر نافلة على ما ذكروه؛ لأن من أجلِّهم سيبويه -﵀- لم يغفله. انتهى.
قلت: خالف المبرد في "عامة" وقال: إنما "هي"١ بمعنى أكثرهم.
ثم ذكر توابع "كل" فقال:
وبعد كل أكدوا بأجمعا جَمْعَاء أجمعين ثم جُمَعا
فيقال: جاء الجيشُ كلُّهُ أجمعُ، والقبيلةُ كلُّها جمعاءُ، والزيدون كلهم أجمعون، والهندات كلهن جمع".
_________________
(١) ١ ب، وفي أ، جـ "هو".
[ ٢ / ٩٧٢ ]
وقد فهم من قوله: "وبعد كل" أمران:
أحدهما: واجب، وهو أن "أجمع" وفروعه لا يتقدم على "كل"، وفي الارتشاف بدأت بكل ثم بأجمع مرتبا، وقيل: على طريق الأولوية.
والثاني: غالب لا واجب، وهو أنها لا تستعمل دون "كل".
وقد أشار إلى جوازه بقوله:
ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع
وهو معنى قوله في التسهيل١: وقد يغنين عن "كل".
قال الشارح: وهو قليل، وفي الارتشاف كثر ورود "أجمعين" في القرآن بدون "كل"٢، فهو توكيد كما يؤكد بكل، وليس من باب الاستغناء عن كل كما زعم ابن مالك.
تنبيهات:
الأول: ذهب الفراء إلى أن "أجمعين" تفيد اتخاذ الوقت، والصحيح أنها ككل في إفادة العموم مطلقا، بدليل قوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
الثاني: قد يتبع "أجمع" وأخواته بأكْتَع وكَتْعاء وأكتَعِين وكُتَع، وقد يتبع "أكتع" وأخواته بأبْصَع وبَصْعاء وأبصَعِين وبُصَع٤.
وزاد الكوفيون بعد أبصع وأخواته: أبْتَع وبَتْعاء وأبتَعِين وبُتَع.
وإنما لم يتعرض في النظم لذلك؛ لقلة استعماله.
الثالث: قال الشارح: ولا يجوز أن يُتعدَّى هذا الترتيب.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٥. ٢ مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . ٣ من الآية ٨٢ من سورة ص. ٤ نقول: "جاء الجيشُ كلُّهُ أجمعُ أكتعُ أبصعُ، والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء، والقوم كلهم أجمعون أكتعون أبصعون، والهندات كلهن جُمَعُ كُتَعُ بُصَعُ".
[ ٢ / ٩٧٣ ]
وقال في شرح الكافية: ولا يجاء بأكتع وأخواته غالبا إلا بعد أجمع وأخواته على هذا الترتيب. انتهى.
ومراعاة هذا الترتيب هو المشهور.
وأجاز ابن كيسان أن تبدأ بأي الثلاثة شئت بعد أجمع، وهو ظاهر قوله في التسهيل١ بهذا الترتيب أو دونه.
وقال ابن عصفور: وأما أبصع وأبتع فلا تبال بأيهما قدمتَ على الآخر.
وأجاز الكوفيون وابن كيسان تقديم أكتع على أجمع.
ومذهب الجمهور أنه لا يتقدم عليه.
وأجاز الكوفيون وابن كيسان أيضا الاستغناء بأكتع وأخواته عن أجمع وأخواته، ومذهب الجمهور المنع.
وقوله٢: حولا أكتعا
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٥. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. وتمامه: يا ليتني كنت صبيا مرضعا تحملني الذَّلْفَاء اللغة: "الذلفاء" -بفتح الذال وسكون اللام- أصله وصف لمؤنث الأذلف، وهو مأخوذ من الذلف وهو صغر الأنف واستواء الأرنبة، ثم نُقل إلى العلمية فسميت به امرأة، "حولا" عاما، "أكتعا" تاما كاملا، وهو من ألفاظ التوكيد مأخوذ من قولهم: أتى عليه حول كتيع أي: تام. الإعراب: "يا" حرف تنبيه أو حرف نداء حذف المنادى منه، "ليتني" حرف تمن ونصب والنون للوقاية والياء اسمه، "كنت" فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "صبيا" خبره، "مرضعا" نعت، وجملة كان واسمه وخبره في محل رفع خبر ليت، "تحملني" فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول، "الذلفاء" فاعل والجملة في محل نصب صفة ثانية لقوله: "صبيا"، "حولا" ظرف زمان متعلق بتحمل، "أكتعا" تأكيد. الشاهد فيه: "حولا أكتعا" حيث أكد بأكتع وهو غير مسبوق بأجمع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٦/ ٢، وابن عقيل ١٥٧/ ٢، والسيوطي ٩٤، والمكودي ص١١٧، وابن الناظم. وذكره السيوطي في الهمع ١٢٣/ ٢، والشاهد رقم ٣٦٣ في الخزانة.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
ونحوه من الضرورات "وشذ"١ قول بعضهم: "أجمع أبصع"، وإنما حق أبصع أن يجيء بعد أكتع.
وأشد منه قول بعضهم: "جُمَع بُتَع"، وإنما حق "بتع"٢ وأخواته أن يجاء بهن آخرا توابع لأبصع.
الرابع: إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع، وليس الثاني تأكيدا "للتأكيد"٣.
الخامس: لا يجوز في ألفاظ التوكيد القطع إلى الرفع، ولا إلى النصب٤.
السادس: لا يجوز عطف ألفاظه بعضها على بعض، فلا يقال: "قام زيدٌ نفسُهُ وعينُهُ"، ولا "جاء القوم كلهم وأجمعون"، وأجاز العطف بعضهم وهو قول ابن الطراوة.
السابع: ألفاظ التوكيد معارف، أما ما أُضيف إلى الضمير فظاهر، وأما أجمع "وتوابعه"٥ ففي تعريفه قولان:
أحدهما: أنه بنية الإضافة، ونسب إلى سيبويه٦.
والثاني: أنه بالعلمية عُلِّق على معنى الإحاطة٧.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "وهو مثل". ٢ أ، ب. ٣ جـ، وفي أ، ب "التأكيد". ٤ أي: على المختار لمنافاة القطع مقصود التوكيد هـ. صبان ٥٨/ ٣. ٥ وفي أ "وأخواته". ٦ قيل: هذا ينافي ما قدمه من امتناع حذف الضمير استغناء بنية الإضافة، والحق أنه لا منافاة؛ لأن ما تقدم في غير أجمع وتوابعه هـ. صبان ٣٨/ ٣. ٧ أي: وضع على معنى هو الإحاطة، ولا يخفى أن جعل مدلوله الإحاطة يورث اختلال الكلام؛ إذ يكون حينئذ معنى "جاء القوم أجمع": جاء القوم الإحاطة، فلعل في العبارة حذف مضاف أي: ذي الإحاطة، على أن الإحاطة مصدر المبني للمفعول هـ. صبان ٥٩/ ٣.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
قال محمد بن مسعود الغزني١ في البديع: وتعريفها تعريف علمي كتعريف أسامة انتهى، ولكون هذه الألفاظ معارف منع البصريون نصبها على الحال.
وقوله:
وإن يُفِد توكيد منكور قُبِل وعن نحاة البصرة المنع شمل
مذهب الكوفيين والأخفش جواز توكيد النكرة إذا كانت مؤقتة "وأجاز بعض الكوفيين مطلقا مؤقتة كانت، أو غير مؤقتة"٢، ومنع ذلك البصريون٣ وإلى الجواز ذهب المصنف؛ لإفادته ولورود السماع به٤.
فإن قلت: على أي "المذهبين"٥ يحمل كلامه؟
قلت: ظاهر النظم موافقة الثاني، إذ لم يشترط في الجواز غير الإفادة.
وقوله في التسهيل٦: وإن أفاد توكيد النكرة جاز وفاقا للأخفش والكوفيين، يقتضي موافقة الأول إذ الأخفش ومن وافقه من الكوفيين خصوا ذلك بالمؤقتة على ما نقل عنهم.
وقوله: "المنع شمل" المقيد وغيره.
_________________
(١) ١ محمد بن مسعود الغرني، هكذا سماه أبو حيان. وقال ابن هشام بن الذكي صاحب كتاب البديع: أكثر أبو حيان من النقل عنه، وذكره ابن هشام في المغني وقال: إنه خالف فيه أقوال النحويين. ٢ قال السيوطي في البغية: ولم أعرف شيئا من أحواله. ٣ أ، جـ. ٤ سواء أكانت محدودة كيوم وليلة وشهر وحول، أو غير محدودة كوقت وزمن وحين، تقول: "اعتكفتُ شهرا كله". وقوله: لكنه شاقَهُ أَنْ قيل ذا رجب يا ليت عدة حول كله رجب ٥ وفي ب، جـ "المذهبين الأولين". ٦ التسهيل ص١٦٥.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
وقوله:
واغْنَ بكلتا في مثنى وكِلَا عن وزن فَعْلَاء ووزن أَفْعَلا
استغني في تثنية المثنى بكلا وكلتا عن تثنية أجمع وجمعاء، فلا يقال: أجمعان ولا جمعاوان، خلافا للكوفيين وابن خروف في إجازتهم تثنيتهما قياسا معترفين بعدم السماع.
فإن قلت: هل يجري خلافهم في توابع أجمع وجمعاء؟
قلت: في كلام بعضهم ما يشعر بإجراء الخلاف فيها، والقياس يقتضي إجراءه، وقوله:
وإن تؤكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل
عنيت ذا الرفع
يعني: "أنه"١ إذا أكد الضمير المرفوع المتصل بالنفس أو بالعين، فلا بد من توكيده "قبلها"٢ بضمير مرفوع منفصل، فتقول: "قُمْ أنتَ نفسُكَ" و"قمت أنتَ نفسُكَ".
فإن قلت: فهل توكيده بذلك واجب؟
قلت: قال في شرح الكافية: لم يجز إلا بعد توكيده بضمير "مرفوع"٣ منفصل.
فلو قلت: "قوموا أنفسكم" لم يجز، وهو موافق لنصوص غيره من النحويين.
وقال في التسهيل٤: ولا يؤكد بهما غالبا ضمير رفع متصل إلا بعد توكيده
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "قبلهما". ٣ أ، جـ. ٤ التسهيل ص١٦٥.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
بمنفصل وأشار بقوله: "غالبا" إلى ما ذكره الأخفش في المسائل من أنه يجوز على ضعف "قاموا أنفسهم" وفي عبارة الفارسي لا يحسن.
"فرع":
إذا قلت: "هلم لكم أنفسكم" جاز دون توكيد للفصل الذي هو "لكم" وهذا بلا خلاف. فلا يتوهم أنه لا بد فيه من التأكيد، ذكره في الارتشاف. وقد فهم من قوله: "المتصل" أن المنفصل يؤكد بهما بلا شرط.
ومن قوله: "عنيت ذا الرفع" أن المنصوب والمجرور "يؤكد"١ بهما بلا شرط، فتقول: "رأيتُكَ نفسَكَ" و"مررت بِكَ نفسِكَ".
وإن شئت أكدتهما بالمنفصل.
وقوله:
وأكدوا بما سواهما والقيد لن يُلتزما
يعني: أن ما سوى النفس والعين من ألفاظ التوكيد إذ أكد "بها"٢ ضمير الرفع المتصل، لم يلتزم توكيده بمنفصل، وهو المعني بالقيد، ولكن يجوز فتقول: "قوموا كلكم".
ولو قلت: "أنتم كلكم"، لكان حسنا.
ولما فرغ من التوكيد المعنوي، انتقل إلى التوكيد اللفظي فقال:
وما من التوكيد لفظي يجي مكررا كقولك ادْرُجي ادْرُجي
التوكيد اللفظي: إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنى.
فالأول كقولك: "ادرجي ادرجي" ويكون في الاسم والفعل والحرف والمركب غير الجملة، والجملة، نحو: "جاء زيد زيد".
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "يؤكدان". ٢ ب، جـ، وفي أ "بهما".
[ ٢ / ٩٧٨ ]
أتاكِ أتاكِ اللاحقون١
ونَعَمْ نَعَمْ.
وحَتَّامَ حَتَّامَ العناء المطول٢
_________________
(١) ١ لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: فأين إلى أين النجاة ببغلتي احْبِسِ احْبِسِ المعنى: أين أذهب؟ وإلى أي مكان أنجو ببغلتي؟ وقد جاء الذين يلاحقونني ويطلبونني، فلا مفر من أن يستسلم الإنسان للقدر، ويقف حيث هو وليكن ما يكون. والظاهر أن الشاعر كان فارًّا من قومه يلاحقونه، فخاطب نفسه بذلك. الإعراب: "فأين" اسم استفهام مبني على الفتح في محل جر بإلى محذوفة يدل عليها ما بعدها، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "إلى أين" توكيد لفظي، "النجاة" مبتدأ مؤخر، "ببغلتي" جار ومجرور متعلق بالنجاة، "أتاك" فعل ماض والكاف مفعول، "أتاك" توكيد لفظي، "اللاحقون" فاعل، "احبس" فعل أمر وفاعله مستتر فيه، "احبس" توكيد لفظي. الشاهد فيه: "أتاك أتاك"، فقد أكد الفعل تأكيدا لفظيا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن عقيل ١٦٠/ ٢، وابن هشام ١٠١/ ٢، وابن الناظم. ٢ قائله: هو الكميت بن زيد الأسدي، وهو من الطويل. وصدره: فتلك وُلَاة السوء قد طال ملكهم اللغة: "ولاة السوء" الولاة -بضم الواو- جمع والٍ، وهو الذي يتولى أمور الناس، "حتام" بمعنى: إلى متى؛ فحتى غائية وما بعدها استفهامية، وحذفت ألفها فرقا بين الخبر والاستفهام، أي: فرقا بين "ما" الموصولة والاستفهامية، "العناء" -بفتح العين وتخفيف النون- المشقة والتعب، "المطول" الطويل. الإعراب: "فتلك" مبتدأ، "ولاة" خبره مرفوع بالضمة الظاهرة، "السوء" مضاف إليه، "قد" حرف تحقيق، "طال" فعل ماض، "ملكهم" فاعل والضمير مضاف إليه، "حتام" حتى حرف جر وما اسم استفهام والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "حتام" جار ومجرور توكيد للأول، "العناء" مبتدأ مؤخر، "المطول" نعت للعناء. الشاهد فيه: "حتام حتام" فإنه توكيد لفظي بإعادة الأول بلفظه، وهو من نوع توكيد المركب غير الجملة بمركب غير جملة، فإن الجار والمجرور مركب من كلمتين، ولكنه مركب غير تام. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٩/ ٢.
[ ٢ / ٩٧٩ ]
و لكَ الله لكَ الله١
قال الشارح: وأكثر ما يجيء مؤكد لجملة.
والثاني: نحو: انزل نزال.
قال٢:
صَمِّي لما فعلت يهود صَمَام
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على قائله، وهو من الهزج. ٢ قبله: يا من لستُ أقلاه ولا في البعد أنساه لك الله على ذاك اللغة: "أقلاه" فعل مضارع من القِلَى، وهو البغض والكراهية الشديدة في هذا الفعل. المعنى: يدعو لمخاطبه بأن يكون الله حافظا له، وكالئا إياه، وراعيا. الإعراب: "لك" اللام حرف جر والكاف ضمير المخاطب مبني على الفتح في محل جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "الله" مبتدأ مؤخر، "لك الله" جملة من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، وهذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى. الشاهد فيه: "لك الله لك الله" فإن الجملة الثانية تأكيد لفظي للجملة الأولى. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٩/ ٢، وابن الناظم. ٢ قائله: هو الأسود بن يعفر أحد شعراء العرب في الجاهلية، وكان من ندماء النعمان بن المنذر، وهو من الكامل. وصدره: فرت يهود وأسلمت جيرانها اللغة: "يهود" اسم قبيلة، "صمي" -بفتح الصاد وتشديد الميم- فعل أمر مسند لياء المخاطبة المؤنثة، بمعنى اخرسي، "صمام" -بفتح الصاد وآخره مكسور مثل قطام- اسم علم للداهية. الإعراب: "فرت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "يهود" فاعل، "وأسلمت" الواو عاطفة وأسلم فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير مستتر فيه، "جيرانها" مفعول به لأسلم منصوب وضمير الغائبة مضاف إليه، "صمي" فعل أمر مبني على حذف النون وياء المخاطبة فاعله، "لما" اللام حرف جر وما اسم موصول والجار والمجرور متعلق بصمي، "فعلت" فعل ماض والتاء للتأنيث، "يهود" فاعل والجملة لا محل لها صلة الموصول، "صمام" اسم فعل أمر مبني على السكون وفاعله ضمير مستتر فيه وهذه الجملة مؤكدة توكيدا لفظيا لجملة صمي. الشاهد فيه: "صمي صمام"، فإن "صمام" توكيد لفظي لقوله: "صمي" وهي تقوية للأول. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٤٠٩/ ٢.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
ومنه توكيد الضمير المتصل بالمنفصل.
ومنه قوله١:
أَجَلْ جير إن كانت أُبيحت دعاثره
فإن قلت: عبارته ظاهرة في تناول الأول دون الثاني لقوله: "مكررا".
قلت: إذا حمل على تكرار معنى المؤكد، ولم يختص بتكرار لفظه كما ذكر الشارح تناولهما.
فإن قلت: ما إعراب صدر البيت؟
_________________
(١) ١ قائله: هو مضرس بن ربعي، وهو من الطويل. وصدره: وقلن على الفردوس أول مشرب اللغة: "الفردوس" -بكسر الفاء وسكون الراء- البستان، وأراد به هنا روضة دون اليمامة وقيل: لبني يربوع، "أجل" حرف مثل نعم في الوزن، "جير" -بفتح الجيم وسكون الياء وكسر الراء-على ما هو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وربما فتحوا الراء وجعلوها مثل أين وكيف وقصدوا بذلك التخفيف، "دعاثره" جمع دعثور -بضم الدال وسكون العين وضم الثاء- وهو الحوض الذي لم يتأنق صاحبه في صنعه. الإعراب: "قلن" فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة وهي فاعل مبني على الفتح في محل رفع، "على الفردوس" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "أول" مبتدأ مؤخر، "مشرب" مضاف إليه، "أجل" حرف جواب مبني على السكون لا محل له من الإعراب، "جير" حرف جواب تأكيد لحرف الجواب الأول مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، "إن" -بكسر الهمزة- حرف شرط جازم، "كانت" فعل ماض فعل الشرط في محل جزم، "أبيحت" أبيح فعل ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، وجملة الفعل ونائب فاعله في محل نصب خبر كان تقدم على اسمه، "دعاثره" اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "أجل جير" لأن كلتيهما بمعنى الإيجاب، فأكد "أجل" توكيدا لفظيا بقوله: "جير"، وذلك من قبيل إعادة الأول بلفظ مرادف له في المعنى. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٠٩/ ٢، وابن الناظم.
[ ٢ / ٩٨١ ]
قلت: "ما" موصولة و"لفظي" خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة، و"يجي" خبر الموصول.
أي: والذي هو من التوكيد لفظي، يجيء مكررا.
قوله:
ولا تُعِدْ لفظ ضمير متصل إلا مع اللفظ الذي به وُصِل
تقول: "قمتُ قمتُ" ونحوه؛ لأن إعادته مجردا تخرجه عن الاتصال.
ثم قال:
"كذا الحروف" يعني: أن الحرف لا يعاد إلا مع ما اتصل به أولا؛ لكونه كالجزء منه نحو: "إن زيدا قائم، إن زيدا قائم" و"في الدار، في الدار زيد" ولا يعاد وحده إلا ضرورة، نص عليه ابن السراج كقوله١:
_________________
(١) ١ قائله: هو مسلم بن معبد الوالبي الأسدي، وقيل: هو لرجل من بني أسد لم يعين. وصدره: فلا والله لا يُلفى لما بي وهو من الوافر. اللغة: "لا يلفى" لا يوجد، من ألفى إذا وجد، "لما بي" الذي بي. المعنى: يقسم أنه لا يوجد للذي به من الموجدة والألم، ولا للذي عند خصومه من الحقد والضغينة، علاج، وليس هناك أمل في المودة والمصالحة وإزالة الأحقاد والضغائن، بعد أن تفاقم الخطب وعظم الخلاف. الإعراب: "فلا" الفاء عاطفة، و"لا" زائدة لتوكيد القسم، "والله" حرف قسم وجر متعلق بفعل قسم محذوف، "لا" نافية، "يلفى" فعل مضارع مبني للمجهول جواب القسم، "لما" ما موصولة مجرورة باللام متعلق بيلفى، "بي" متعلق بمحذوف صلة، "ولا للما بهم" الواو عاطفة و"لا" زائدة لتأكيد النفي، واللام الأولى حرف جر واللام الثانية مؤكدة للأولى، وما اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام الأولى، والجار والمجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور السابق، بهم متعلق بمحذوف صلة الموصولة، "أبدا" ظرف متعلق بيلفى، "دواء" نائب فاعل يلفى. الشاهد فيه: "للما" فاللام الثانية توكيد للأولى الجارة، ولم يفصل بينهما فاصل مع أن اللام ليست من أحرف الجواب وهو شاذ؛ لأن الحرف المؤكد موضوع على حرف هجائي واحد لا يكاد يقوم بنفسه، ولو جاء على الصواب لقال: "لما لما به". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٠/ ٢، وابن هشام ١٥٢/ ٣، وابن الناظم.
[ ٢ / ٩٨٢ ]
.. ولا لِلِما بهم أبدا دواء
وأجاز الزمخشري: "إن إن زيدا قائم"، وتبعه ابن هشام.
قال في شرح التسهيل: وقوله مردود؛ لعدم إمام يستند إليه وسماع يعتمد عليه.
ولا حجة له في قول الشاعر١:
إن إن الكريم يحلُم ما لم يَرَيَنْ من أجاره قد ضِيما
فإنه من الضرورات.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف. اللغة: "يحلم" من الحلم وهو الأناة والتعقل، "أجاره" جعله في جواره وحمايته، "ضيم" مبني للمجهول، أي: ظلم وبخس حقه. المعنى: إن الكريم الخلق يتحلى بالحلم والتعقل في تصرفاته، ما لم ير أن من أجاره وجعله في حماه قد ظلم واعتدى عليه، فعند ذلك يذهب عنه حلمه ويبطش بهذا الظالم المعتدي على من التجأ إليه. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "إن" الثانية توكيد لها، "الكريم" اسمها، "يحلم" الجملة خبر، "ما" مصدرية ظرفية، "يرين" مضارع مؤكد بالنون الخفيفة في محل جزم بلم، و"ما" دخلت عليه في تأويل مصدر بإضافة اسم زمان منصوب بيحلم، أي: يحلم مدة عدم رؤيته، "من" اسم موصول مفعول ليرى، "أجاره" الجملة صلة، "قد ضيما" حرف تحقيق، وفعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب صفة لمن أو حال إن جعلت "يرى" بصرية، ومفعول ثانٍ إن كانت علمية. الشاهد فيه: "إن إن" حيث أكد الحرف "إن" بإعادته من غير فاصل بينهما، مع أنه ليس من حروف الجواب، وهو شاذ لا يقاس عليه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٠/ ٢، وابن هشام ١٥٢/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٥/ ٢.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
تنبيه:
قال في التسهيل١: لم يعد في غير ضرورة إلا معمولا بمثل عامله أولا أو مفصولا. ومثّل الفصل بقوله٢:
حتى تراها وكأنّ وكأنْ أعناقها مشددات بقرن
وبقوله٣:
ليت شعري هل ثم هل آتيَنْهم
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٦٦. ٢ قائله: هو خطام المجاشعي يصف إبلا، وقيل: الأغلب العجلي، وهو من الرجز. اللغة: "أعناقها" -جمع عنق- وهي الرقبة، "قرن" -بفتح القاف والراء- حبل تربط به الإبل ويقرن بعضها إلى بعض. المعنى: يصف إبلا في سرعة سيرها وانتظامه فيقول: إن أصحاب هذه الإبل يستحثونها على السير بنظام واعتدال، حتى إن من يراها يظن أن أعناقها مربوط بعضها إلى بعض بحبال. الإعراب: "حتى" حرف غاية وجر، "تراها" فعل مضارع والفاعل ضمير أنت والضمير البارز مفعول وهو عائد على الإبل في بيت قبله، "وكأن" الواو للحال وكأن حرف تشبيه ونصب، "وكأن" الثانية توكيد وخُففت للقافية، "أعناقها" اسم كأنّ الأولى والهاء مضاف إليه، "مشددات" خبرها، "بقرن" متعلق بمشددات، وسكن للشعر. الشاهد فيه: "كأن وكأن" حيث أكد "كأن" بمثلها مع عدم الفاصل بمعمول الأولى -مع أنها ليست من حروف الجواب- وهذا أخف في الشذوذ من سابقه؛ لأنه فصل هذا بواو العطف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٠/ ٢، وابن هشام ١٥٢/ ٣، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٥/ ٢. ٣ قائله: هو الكميت بن معروف، وهو من الخفيف. وتمامه: أم يحولن دون ذاك الحمام اللغة: "آتينهم" أزورهم وأراهم، "الحمام" -بكسر الحاء- الموت. المعنى: يتلهف على أحبابه الذين فارقهم، ويتمنى أن يزورهم ويراهم أو يمنع من التمتع برؤيتهم وقوع الموت عليه أو عليهم. الإعراب: "ليت" حرف تمن ونصب، "شعري" اسم ليت منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم مضاف إليه، "هل" حرف استفهام، "ثم" حرف عطف، "هل" توكيد للاستفهام =
[ ٢ / ٩٨٤ ]
قال: ومن الفصل المسموع، الفصل بالوقف كقوله١:
_________________
(١) = السابق، "آتينهم" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة والفاعل ضمير مستتر وضمير الغائبين مفعول به، "أم" حرف عطف، "يحولن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، "دون" ظرف متعلق بيحول، "ذاك" ذا مضاف إليه والكاف حرف خطاب، "الحمام" فاعل يحول مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "هل ثم هل" حيث أكد "هل" الأولى بهل الثانية مع الفصل بينهما بالحرف "ثم"، ولكنه لم يأت بمدخول المؤكد فاصلا وهو "آتينهم" وهذا شاذ، ومع شذوذه فهو أخف من غيره لوجود الفاصل، ولو وافق القياس لقال: "هل آتينهم، ثم هل آتينهم". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٠/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٥/ ٢. ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز. اللغة: "ينسك" فعل مضارع أصله: النسيان، "الأسى" -بفتح الهمزة والسين مقصورا- الحزن، "تأسيا" الصبر والاقتداء بغيره من الصابرين، "حمام" -بكسر الحاء وتخفيف الميم- الموت، "مستعصما" ممتنعا. المعنى: لا ينسك الحزن على من مات منك حسن التأسي بالصابرين؛ لأن أحدا لا يعتصم عن الموت، فلا فائدة حينئذ للجزع وترك التأسي بالصابرين. الإعراب: "لا" ناهية، "ينسك" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف الياء والكاف ضمير المخاطب مفعول أول، "الأسى" فاعل، "تأسيا" مفعول ثانٍ لينسي منصوب بالفتحة الظاهرة، "فما" الفاء للتعليل وما حرف نفي يعمل عمل ليس، "من حمام" جار ومجرور متعلق بمستعصما، "أحد" اسم ما النافية، "مستعصما" خبر ما منصوب بها وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. الشاهد فيه: "فما ما" فإنه كرر الحرف الواحد للتأكيد اللفظي، ولكن فصل بينهما بالوقف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية الأشموني ٤١٠/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٥/ ٢.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
لا يُنسِكَ الأسى تأسيا فما ما من حمام أحد مستعصما
فظاهره أن مثل ذلك يجوز اختيارا.
وصرح في الكافية وشرحها بقلة:
حتى تراها وكأن وكأن
ولم يجعل للفصل فيه أثرا.
ثم استثنى من الحروف الجوابية فقال:
غير ما تحصلا به جواب كنَعَمْ وكبَلَى
فيجوز أن يؤكد بإعادة اللفظ من غير اتصاله بشيء فتقول: "نعم نعم" و"لا لا " و"بلى بلى".
وذلك لأن الحرف الجوابي كالمستقل؛ لصحة الاستغناء به عن ذكر المجاب به.
وقوله:
ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكدْ به كل ضمير اتصل
فيؤكد به المرفوع نحو: "قمت أنت"، والمنصوب نحو: "رأيتك أنت"، والمجرور نحو: "مررت بك أنت".
وهذا من قبيل التوكيد اللفظي.
"تنبيه":
إذا أتبعت المتصل المنصوب بمنفصل منصوب نحو: "رأيتك إياك" فمذهب البصريين أنه بدل، ومذهب الكوفيين أنه توكيد.
قال المصنف: وقولهم عندي أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتصل في نحو: "فعلتَ أنتَ" والمرفوع تأكيد بإجماع.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
قيل: وكأنه يعني بقوله: بإجماع أنه يجوز، لا أنه يتعين فإنهم قد أعربوا "قمت أنت" بدلا.
قلت: قوله في التسهيل١: ولا يبدل مضمر من مضمر، يمنع من إعرابه بدلا.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٢.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
العطف:
العطف إما ذو بيان أو نسق
يعني: أو ذو نسق.
والعطف كما ذكر قسمان: عطف بيان وعطف نسق.
والنسق لغة: النظم، وقد يستعمل بمعنى المنسوق.
عطف البيان:
وقوله:
والغرض الآن بيان ما سبق
يعني: عطف البيان.
وقوله:
فذو البيان تابع شبه الصفه حقيقة القصد به منكشفه
"تابع": جنس يشمل الخمسة. وقوله: "شبه الصفه" أي: في التوضيح والتخصيص مخرج لعطف النسق والبدل والتوكيد.
وقوله: "حقيقة القصد به منكشفه" يعني: أن إيضاحه للمتبوع إنما هو بشرح وتبيين لحقيقة المقصود، لا بدلالة على معنى في المتبوع أو في سببه، وبذلك فارق النعت.
وقوله:
فأولينه من وفاق الأول ما من وفاق الأول النعت وَلِي
لما كان عطف البيان بمنزلة النعت، وجب أن يوافق متبوعه في أربعة من عشرة كالنعت الخالص، فيوافقه في الرفع أو النصب أو الجر، والتعريف أو التنكير، والإفراد أو التثنية أو الجمع، والتذكير أو التأنيث.
ولما كان في ورود عطف البيان نكرة تابعا لنكرة خلاف، نص عليه بقوله:
[ ٢ / ٩٨٨ ]
فقد يكونان مُنَكَّرين كما يكونان مُعَرَّفين
ذهب الكوفيون والفارسي وابن جني والزمخشري وابن عصفور إلى جواز تنكيرهما، وإليه ذهب المصنف.
وقال الشارح: أجازه أكثرهم، قال: وليس قول من منع بشيء؛ لأن النكرة تقبل التخصيص بالجامد كما تقبل المعرفة التوضيح به، كقولك: "لبستُ ثوبًا جُبَّةً".
ونظيره من كتاب الله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ ١.
وقال ابن عصفور: ذهب أكثر النحويين إلى امتناعه، وزعم الشلوبين أن مذهب البصريين التزام وتعريف التابع والمتبوع في عطف البيان.
قال المصنف: ولم أجد هذا النقل من غير جهته، ونقل عن بعضهم تخصيصه بالعلم، اسما أو كنية أو لقبا.
تنبيهان:
الأول: فهم من كلامه أن تخالفهما في التعريف والتنكير ممتنع، وأجازه الزمخشري فجعل قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان على ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ٢ قيل: وهو مخالف لإجماع الفريقين، فلا يلتفت إليه.
الثاني: اشترط الجرجاني والزمخشري زيادة تخصيص عطف البيان على متبوعه، قال في شرح الكافية: وليس بصحيح؛ لأن عطف البيان في الجامد بمنزلة النعت.
قال: وقد جعل سيبويه "ذا الجُمَّة" من "يا هذا ذا الجمة"٣ عطف بيان، مع أن تخصيص هذا زائد على تخصيصه.
_________________
(١) ١ من الآية ٣٥ من سورة النور، وزيتونة عطف بيان لشجرة. ٢ من الآية ٩٧ من سورة آل عمران. ٣ الجمة -بضم الجيم- الشعر الواصل إلى المنكب.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
وقال في شرح التسهيل: زعم أكثر المتأخرين أن متبوع عطف البيان لا يفوقه في الاختصاص بل يساويه، أو يكون أعم منه.
والصحيح جواز الأوجه الثلاثة، قال: وهو مذهب سيبويه.
قلت: فتحصلت ثلاثة مذاهب.
وقوله:
وصالحا لبَدَلية يُرَى
يعني: أن كل ما حكم "عليه"١ بأنه عطف بيان، فجائز جعله بدلا، إلا في موضعين أشار إلى أحدهما بقوله:
في غير نحو: غلامُ يَعْمُرا
ويعني به ما كان مفردا معرفة معربا ومتبوعه منادى، فإنه ينصب بعد منصوب نحو: "يا أخانا زيدا" وينصب ويرفع بعد مضموم نحو: "يا غلام زيدا أو زيد"، ومثله: "يا غلام يعمرا"٢.
فهذا ونحوه عطف بيان لا بدل، إذ لو جعل بدلا تعين بناؤه على الضم؛ لأن البدل في نية تكرار العامل، فيلزم تقدير حرف النداء معه بخلاف عطف البيان. ثم أشار إلى الآخر بقوله:
ونحو بشر تابع البكريّ
ويعني به ما كان تابعا لمجرور بإضافة صفة مقرونة بال "وإليه"٣، وهو غير صالح لإضافتها إليه كقول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ أ. ٢ يعمرا -بضم الميم وفتحها- عَلَم منقول من المضارع، منصوب عطف بيان على محل غلام. ٣ أ، جـ. ٤ قائله: هو المرار الأسدي -من قصيدة يفتخر فيها بأن جده قَتَل بشر بن عمرو- زوج الخرنق أخت طرفة بن العبد، وهو من الوافر. =
[ ٢ / ٩٩٠ ]
أنا ابن التارك البكريِّ بشرٍ عليه الطير ترقبه وقوعا
فبشر عطف بيان، ولا يجوز أن يكون بدلا لما يلزم من تقدير إضافة التارك إليه؛ لأن البدل في نية تكرار العامل، وهو غير صالح لذلك، إذ لا يضاف ما فيه أل إلى عارٍ منها.
ونُقِل عن المبرد أنه لا يجوز في بشر إلا النصب، ولا يجيز جره لا على البدل، ولا على عطف البيان.
وأجاز الفراء في "بشر" أن يكون بدلا؛ لأن مذهبه جواز إضافة ما فيه أل إلى جميع المعارف.
وإلى تضعيف مذهبه، أشار بقوله:
وليس أن يُبدِل بالمرضي
وقد نقل جواز البدل في "بشر" عن الفارسي أيضا.
_________________
(١) = اللغة: "التارك" اسم فاعل من ترك، "البكري" المنسوب إلى بكر بن وائل، "ترقبه" تنتظره. المعنى: يصف نفسه بالشجاعة وأنه ابن الذي ترك البكري بشرا مجندلا في العراء، مثخنا بالجراح في حالة يرثى لها، تنتظر الطير خروج روحه لتهبط عليه وتنهش من جسده، فهو شجاع من نسل شجاع. الإعراب: "أنا" مبتدأ، "ابن" خبر، "التارك" مضاف إليه، "البكري" مضاف إلى التارك من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، "بشر" عطف بيان على البكري، "عليه" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "الطير" مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب إما مفعول ثانٍ للتارك، وإما حال من البكري، "ترقبه" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والهاء مفعول، والجملة في محل نصب حال من الطير، "وقوعا" حال من الضمير المستتر في ترقبه. الشاهد فيه: "التارك البكري بشر" فإن "بشر" يتعين فيه أن يكون عطف بيان على "البكري"، ولا يجوز أن يكون بدلا. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ١٤/ ٢، وابن هشام ١٦١/ ٢، وابن عقيل ١٦٥/ ٢، والسيوطي ص٩٦، والمكودي ص١٩٩، وابن الناظم، وفي كتاب سيبويه ٩٣/ ١. وذكره السيوطي في الهمع ١٢٢/ ٣، وابن يعيش ٧٣/ ٣، والشاهد رقم ٢٩٩ في الخزانة.
[ ٢ / ٩٩١ ]
تنبيه:
استدرك على المصنف أمور ينفرد بها عطف البيان، لم يتعرض لها:
الأول: أن يفتقر الكلام إلى رابط، ولا رابط إلا التابع نحو: "هند ضربت الرجل أخاها".
الثاني: أن يضاف أفعل التفضيل إلى عام ويتبع بقسيميه نحو: "زيد أفضل الناس الرجال والنساء أو النساء والرجال".
الثالث: أن يتبع الموصوف "به"١ أيضا بمضاف نحو: "يا أيها الرجل غلام زيد".
الرابع: أن يتبع مجرور أي بمفضل نحو: "بأي الرجلين زيد وعمرو مررت".
الخامس: أن يتبع مجرور كلا بمفضل نحو: "كلا الرجلين زيد وعمرو قال ذلك".
ومسائل أخر في باب النداء، وهي مفهومة من تعليل "يا غلام يعمرا"، فلا حاجة لذكرها.
_________________
(١) ١ أ، جـ.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
عطف النسق:
تالٍ بحرف مُتبع عطف النسق
"تال" -أي تابع- جنس يشمل الخمسة، وقوله: "بحرف متبع" يخرج الأربعة.
فإن قلت: قوله: "بحرف" يخرج غير المحدود، فما فائدة قوله: "متبع"؟
قلت: لو اقتصر على قوله: "بحرف" لورد نحو: "مررت بغضنفر أي: أسد".
فإنه تابع بحرف١، فلما قال: "متبع" خرج؛ لأن "أي" ليس بمتبع٢.
خلافا لمن عده من حروف العطف.
فإن قلت: فما أي؟ وما إعراب تاليها؟
قلت: أما أي فحرف تفسير على الصحيح، وأما تاليها فعطف بيان بالأجلى على الأخفى، وتوافق ما قبلها في التعريف والتنكير.
ثم مثّل فقال:
كاخصُص بود وثناء من صدق
ثم شرع في ذكر حروف العطف فقال:
فالعطف مطلقا بواو ثم فا حتى أم أو كفيك صدق ووفا
فهذه ستة أحرف تُشرك لفظا ومعنى٣، وهذا معنى قوله: "مطلقا".
وقد مثل بقوله: "فيك صدق ووفا" وهو ظاهر٤.
_________________
(١) ١ فإنه، أي: أسد تابع بحرف. ٢ أي: ليست بحرف متبع. ٣ أي: تشرك بين التابع والمتبوع. ٤ أي: ظاهر في الأربعة الأول.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
فإن قلت: كيف جعل أم وأو مشركين في اللفظ والمعنى، والذي يظهر خلاف ذلك؟
قلت: قال المصنف: أكثر النحويين يجعل أم وأو "مشركين"١ في اللفظ لا في المعنى، والصحيح أنهما يشركان لفظا ومعنى ما لم يقتضيا إضرابا؛ لأن القائل: "أزيد في الدار أم عمرو؟ " عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين، وغير عالم بتعيينه، فالذي بعد "أم" مساوٍ للذي قبلها في الصلاحية؛ لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه، وحصول المساواة إنما هو بأم.
وكذلك "أو" مشركة لما قبلها وما بعدها فيما يُجَاء بها لأجله، من شك أو غيره.
فإن قلت: أطلق في "أم" و"أو" وينبغي أن يقيدهما بألا يقتضيا إضرابا، فإن اقتضيا إضرابا كانا مشركين في اللفظ، لا في المعنى كما ذكر في التسهيل٢.
قلت: دلالتهما على الإضراب قليلة؛ فلذلك لم يتعرض لها، وسيأتي بيان ذلك.
ثم قال:
وأَتبعتْ لفظا فحسبُ بل ولا لكن كَلَمْ يبدُ امرؤ لكن طلا
فهذه ثلاثة أحرف تشرك لفظا لا معنى، وقد مثل بقوله: "كلم يبد امرؤ لكن طلا" وهو واضح٣.
والحاصل: أن حروف العطف على ما ذكر تسعة، والمتفق عليه منها ستة: الواو، والفاء، وثم، وأو، وبل، ولا.
واختُلف في ثلاثة: حتى، وأم، ولكن.
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "مشتركين". ٢ التسهيل ص١٧٤. ٣ الطلا -بفتح الطاء مقصورا- الولد من ذوات الظِّلف، وقيل: ولد بقر الوحش فقط، والجمع أطلاء كسبب وأسباب.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
أما "حتى" فذهب الكوفيون إلى أنها ليست بحرف عطف، وإنما يعربون ما بعدها بإضمار١.
وأما "أم" فذكر النحاس فيها خلافا، وأن أبا عبيدة ذهب إلى أنها بمعنى الهمزة.
فإذا قال: "أقائم زيد أم عمرو؟ " فالمعنى: أعمرو قائم؟ فتصير على مذهبه استفهاما٢.
وقال الغزني في البديع: أما "أم" فعديل همزة الاستفهام، وليست بحرف عطف، وأما "لكن" فذهب أكثر النحويين إلى أنها من حروف العطف.
ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تكون عاطفة إلا إذا لم تدخل عليها الواو، وهو مذهب الفارسي، قيل: وأكثر النحويين.
الثاني: أنها عاطفة ولا تستعمل إلا بالواو، والواو مع ذلك زائدة، وصحّحه ابن عصفور، قال: وعليه ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش؛ لأنهما قالا: إنها عاطفة، ولما مثّلا للعطف بها مثّلاه مع الواو.
الثالث: أن العطف بها، وأنت مخير في الإتيان بالواو، وهو مذهب ابن كيسان، وذهب يونس إلى أنها حرف استدراك، وليست بعاطفة، والواو قبلها عاطفة لما بعدها عطف مفرد على مفرد.
تنبيهان:
الأول: وافق المصنف هنا الأكثرين، ووافق في التسهيل يونس٣، قال فيه: وليس منها "لكن" وفاقا ليونس.
_________________
(١) ١ أي: بإضمار عامل، ففي نحو: "جاء القوم حتى أبوك" ورأيتهم حتى أباك، ومررت بهم حتى أبيك، يضمرون: جاء ورأيت والباء، ويجعلون حتى ابتدائية هـ ٦٨/ ٣ صبان. ٢ أي: فيكون ما بعدها في مثل هذا التركيب مبتدأ محذوف الخبر، وفي النصب والجر يقدر المناسب هـ ٦٨/ ٣ صبان. ٣ التسهيل ص١٧٤.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
وظهر من كلامه في الشرح أنه غير موافق له من كل وجه؛ لأنه جعل الواو قبلها عاطفة جملة على جملة، ويضمر لما بعدها عاملا.
فإن قلت: "ما قام سعد ولكن سعيد"، فالتقدير: ولكن قام سعيد.
وإنما جعله من عطف الجمل؛ لما يلزم على مذهب يونس من مخالفة المعطوف بالواو لما قبلها، وحقه أن يوافقه.
واستدل من قال بأنها ليست بعاطفة بلزوم اقترانها بالواو قبل المفرد.
قال في شرح التسهيل: وما يوجد من كلام النحويين من نحو: "ما قام سعد لكن سعيد" فمن كلامهم، "لا من"١ كلام العرب.
ولذلك لم يمثل سيبويه في أمثلة العطف إلا بـ "ولكن"، وهذا من شواهد أمانته وكمال عدالته؛ لأنه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو، وترك التمثيل به لئلا يعتقد أنه مما استعملته العرب.
قلت: وفي قوله: إن سيبويه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو، نظر.
فقد تقدم ما ذكره ابن عصفور.
الثاني: اختلف في تسعة ألفاظ أخر، وهي: إما، وإلا، وليس، ولولا، وهلا، وكيف، ومتى، وأين، وأي.
والصحيح أنها ليست من حروف العطف، وسيأتي الكلام على "أما".
ثم شرع في ذكر معاني حروف العطف، وبدأ بالواو.
فقال:
فاعطف بواو سابقا أو لاحقا في الحكم أو مصاحبا موافقا
يعني: أن الواو للجمع المطلق كما ذهب إليه الجمهور، فيصح أن يعطف
_________________
(١) ١ أ، ب، وفي جـ "ليس من".
[ ٢ / ٩٩٦ ]
بها لاحق في الحكم نحو: "جاء زيد وعمرو بعده"، أو سابق نحو: "جاء زيد وعمرو قبله"، أو مصاحب نحو: "جاء زيد وعمرو معه".
وذهب بعض أهل الكوفة إلى أن الواو تُرَتِّب١.
وحُكي عن قطرب وثعلب والربعي.
وبذلك يُعلم أن ما ذكره السيرافي والسهيلي من إجماع النحاة بصريهم وكوفيهم على أن الواو لا ترتب، غير صحيح.
تنبيه:
قال في التسهيل: وتنفرد الواو بكون مُتبعها في الحكم محتملا للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة٢.
قيل: وليس هذا مذهب البصريين ولا الكوفيين، فهو قول ثالث.
وقوله:
واخصص بها عطف الذي لا يغني متبوعه كاصطَفَّ هذا وابني
يعني: أن الواو تنفرد بعطف ما لا يستغنى عنه بمتبوعه كفاعل الافتعال والتفاعل، نحو: "اصطف هذا وابني"، و"تخاصم زيد وعمرو"، وكذا نحو: "جلستُ بين زيد وعمرو"٣ و"سواء زيد وعمرو"٤.
_________________
(١) ١ ورد بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾؛ لأن مراد المشركين بقولهم: ونحيا الحياة الدنيا لا حياة البعث؛ لإنكارهم له. هـ ٦١/ ٢ خضري. ٢ التسهيل ص١٧٤. ٣ وبين زيد وبين عمرو، بزيادة "بين" الثانية للتأكيد، قاله ابن بري هـ ٧٠/ ٣ صبان. ٤ وإنما انفردت الواو بذلك؛ لإفادتها معنى المصاحبة فيها.
[ ٢ / ٩٩٧ ]
وأجاز الكسائي: "ظننت عبد الله وزيدا مختصمينِ" بالفاء، وثم، ومنع ذلك البصريون والفراء.
ثم انتقل إلى "الفاء" فقال:
الفاء للترتيب باتصال
أي: بلا مهلة، فهي للتعقيب، وهذا مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه يُؤَوَّل.
وذكر في التسهيل أن الفاء تقع موقع ثم١ كقوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ٢.
ثم انتقل إلى "ثم" فقال:
وثم للترتيب بانفصال
أي: بمهلة، وهو مذهب الجمهور، وما أوهم خلافه يؤول.
وذكر في التسهيل أنها قد تقع موقع الفاء٣ كقوله٤:
جرى في الأنابيب ثم اضطرب
_________________
(١) ١ التسهيل ص٧٥. ٢ من الآية ١٤ من سورة "المؤمنون". ٣ التسهيل ص١٧٥. ٤ قائله: هو أبو دواد حارثة بن العجاج الإيادي، من قصيدة يصف فيها فرسه، وصدره: كهز الرُّدينيّ تحت العَجَاج وهو من المتقارب. اللغة: "الرديني" رمح منسوب إلى ردينة، وهي امرأة اشتُهرت بصنع الرماح بهَجَر، "العجاج" -بفتح العين وتخفيف الجيم- الغبار، والمراد ما تثيره أقدام المتحاربين أو خيولهم، "الأنابيب" -جمع أنبوبة- وهي ما بين كل عقدتين من القصب. المعنى: إن اهتزاز هذا الفرس وسرعة عَدْوه ذهابا وجيئة أثناء القتال، يشبه اهتزاز الرمح واضطرابه في سرعة وخفة في كل ناحية، تحت غبار المعركة. الإعراب: "كهز" جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، "الرديني" مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والمشبه اهتزاز فرس كانت تحت الممدوح، "تحت" ظرف مكان منصوب بهز، "العجاج" مضاف إليه، "جرى" فعل ماض فاعله يعود على الهز، "ثم" حرف عطف بمعنى الفاء، "اضطرب" فعل ماض مبني على الفتح وسكن للروِيّ. الشاهد فيه: "ثم اضطرب"، فإن "ثم" هنا بمعنى الفاء؛ لأن اضطراب الرمح يحدث عقب اهتزاز أنابيبه مباشرة في لحظات من غير مهلة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٨/ ٢، وابن هشام ١٧٣/ ٣، والسيوطي ص٩٧، وابن الناظم، وذكره ابن هشام في المغني ١٠٨/ ١، والسيوطي في الهمع ١٣١/ ٢.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
وذكر فيه أيضا أنها قد تقع في عطف المقدم بالزمان؛ اكتفاء بترتيب اللفظ١.
وقد أشار الفراء إلى ذلك.
قال ابن عصفور: وما ذكره الفراء من أن المقصود بثم ترتيب الإخبار، يعني في نحو٢:
إن من ساد ثم أبوه
ليس بشيء؛ لأن "ثم" تقتضي تأخُّر الثاني بمهلة، ولا مهلة بين الإخبار.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٥. ٢ قائله: الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس، وهو من الخفيف. وتمامه: ثم قد ساد قبل ذلك جده اللغة: "ساد" ماض من السيادة، تقول: ساد الرجل يسود سيادة. الإعراب: "إن" حرف توكيد ونصب، "من" اسم موصول اسم إن، "ساد" فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى الاسم الموصول، "ثم" حرف عطف، "ساد" فعل ماض، "أبوه" فاعل والضمير مضاف إليه، "ثم" عطف، "قد" حرف تحقيق، "ساد" فعل ماض، "قبل" ظرف زمان متعلق بساد، "ذلك" مضاف إليه واللام للبعد والكاف حرف خطاب، "جده" فاعل ساد الأخير مرفوع بالضمة الظاهرة وضمير الغائب مضاف إليه. الشاهد فيه: "ثم ساد ثم قد ساد" فإن "ثم" في هاتين العبارتين، لا يمكن أن يكون دالا على معناه الأصلي له؛ لأن سيادة الأب لا تكون بعد سيادة الابن، وكذا الجد. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٤١٨/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٣١/ ٢.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
وذكر الشارح أن الفاء وثم قد يكونان لترتيب الذكر، وهو الذي عناه في التسهيل بترتيب اللفظ.
تنبيه:
في "ثم" أربع لغات: ثُمَّ، فُمَّ، ثُمَّتَ، ثُمَّتْ.
بقوله:
واخصص بفاء عطف ما ليس صله على الذي استقر أنه الصله
يعني: أن "الفاء" تختص بعطف ما لا يصلح كونه صلة؛ لعدم الضمير على ما هو صلة كقوله: "الذي يطير فيغضبُ زيدٌ الذبابُ"، ولو عطفت بغير الفاء لم يجز، وذلك لما فيها من معنى السببية١.
قلت: وما ذكره في التسهيل٢ من أنها تنفرد بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين من صفة أو صلة أو خبر، أعم لشموله ست مسائل تنفرد بها الفاء، هذه إحداها٣.
ثم انتقل إلى "حتى" فقال:
بعضا بحتى اعطِفْ على كل ولا يكون إلا غاية الذي تلا
_________________
(١) ١ ولو قلت: "ويغضب زيد"، أو "ثم يغضب زيد" لم يجز؛ لأن ما في الفاء من معنى السببية، جعل ما بعدها مع ما قبلها في حكم جملة واحدة، فأغنى ذلك عن الرابط. ولو قلت: "الذي يطير ويغضب منه الذباب" جاز؛ لأنك أتيت بالضمير الرابط. ٢ التسهيل ص١٧٥. ٣ وأوضح الأمثلة للمسائل الست، كما ذكرها الأشموني ٤١٨/ ٢ فأقول: مثال الصلة نحو: "اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك" وعكسه نحو: "الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيدٌ". والصفة نحو: "مررت بامرأة تضحك فيبكي زيدٌ" و"بامرأة يضحك زيدٌ فتبكي". والخبر نحو: "زيدٌ يقومُ فتقعُدُ هندٌ" و"زيدٌ تقعدُ هندٌ فيقومُ".
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
لا يكون المعطوف بحتى إلا بعض متبوعه نحو: "قدم الحجاج حتى المشاة".
وقال في التسهيل: أو كبعضه١، وفي الكافية: بعضا وشبهه "ومثله"٢ في شرحها بقوله: "أعجبتني الجاريةُ حتى حديثُها"، فإن حديثها ليس بعضا منها ولكنه كالبعض؛ لأنه معنى من معانيها.
قال: وقد يكون المعطوف بحتى مباينا، فنقدر بعضيَّته كقوله٣:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٥. ٢ أ، جـ. ٣ قائله: هو أبو مروان النحوي، قاله في المتلمس حين فرّ من عمرو بن هند لما أراد قتله، والمتلمس لقي جرير بن عبد المسيح، وهو من الكامل. اللغة: "ألقى" رمى، "الصحيفة" أراد بها الكتاب، "رحله" ما يستصحبه الرجل من متاع، "الزاد" ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده. المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها. الإعراب: "ألقى" فعل ماض وفاعله يعود على المتلمس، "الصحيفة" مفعول به، "كي" حرف تعليل، "يخفف" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد كي، "والزاد" معطوف على الصحيفة، "حتى" حرف عطف، "نعله" معطوف على الزاد، "ألقاها" فعل ماض والفاعل ضمير مستتر، وضمير الغائبة مفعول به. الشاهد فيه: "حتى نعله" عطف "نعله" بحتى على ما قبله، ولأن المعطوف بحتى لا يكون إلا بعضا وغاية للمعطوف عليه، والنعل ليس بعض الزاد بل بينهما مباينة، ولكنه مؤول، وتقديره: ألقى ما يثقله حتى نعله. ويجوز في "نعله" ثلاثة أوجه:
(٢) النصب على العطف بالتأويل المذكور.
(٣) والرفع على الابتداء وجملة ألقاها خبره، وتكون "حتى" حرف ابتداء ابتُدئت بعدها الجملة.
(٤) والجر على أن تكون "حتى" جارة بمنزلة "إلى"، فهي حرف غاية وجر، ونعله مجرور بها. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤١٩/ ٣، وابن هشام ١٧٤/ ٣، والمكودي ص١٢٠، وابن الناظم، وذكره السيوطي في الهمع ١٣٦/ ٢.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
ألقى الصحيفةَ كي يخفف رحله والزادَ حتى نعلَهُ ألقاها
فعطف "النعل" وليست بعضية لما قبلها صريحة، لكنها بالتأويل؛ لأن المعنى: ألقى ما يثقله حتى نعله.
ولا يكون المعطوف بها أيضا إلا غاية لما قبلها في زيادة أو نقص نحو: "مات الناسُ حتى الأنبياءُ" و"قدم الحجاجُ حتى المشاةُ".
تنبيهات:
الأول: "حتى" بالنسبة إلى الترتيب كالواو، خلافا لمن زعم أنها للترتيب كالزمخشري.
الثاني: إذا عطف بحتى على المجرور، قال ابن عصفور: الأحسن إعادة الخافض؛ ليقع الفرق بين العاطفة والجارة، وقال ابن الخباز١: لزم إعادة الجار للفرق.
وقال في التسهيل: لزم إعادة الجار ما لم يتعين العطف٢.
الثالث: حيث جاز الجر والعطف فالجر أحسن، إلا في باب "ضربتُ القومَ حتى زيدًا ضربتُهُ" فالنصب أحسن على تقدير كونها عاطفة و"ضربته" توكيد٣، أو على تقدير جعلها ابتدائية و"ضربته" تفسير.
الرابع: قد فهم من اشتراط كون المعطوف بحتى بعضا، أنها لا تعطف جملة على جملة وإنما تعطف مفردا على مفرد.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن الحسين شمس الدين بن الخباز النحوي الضرير، كان أستاذا بارعا علامة زمانه في النحو واللغة والفقه والعروض والفرائض، وله المصنفات المفيدة منها: النهاية في النحو، وشرح ألفية ابن معط، مات بالموصل عاشر رجب سنة ٦٣٧هـ. ٢ التسهيل ص١٧٦. ٣ توكيد لضربت زيدًا، الذي تضمنه قولك: ضربت القوم؛ لدخول زيد في القوم، لا لضربت القوم، حتى يرد أن الضمير ليس راجعا للقوم حتى يكون ضربته تأكيدا لضربت القوم بل لزيد. هـ ٧٥/ ٣ صبان.
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
ثم انتقل إلى "أم" فقال:
وأَمْ بها اعطفْ بإثر همز التسويه أو همزة عن لفظ أي مغنيه
"أم" على ضربين: متصلة ومنقطعة.
فالمتصلة: هي المعادلة لهمزة التسوية، أو همزة يطلب بها وبأم ما يطلب بأي.
وعلامة الهمزة الأولى: أن تكون مع جملة يصح تقدير المصدر في موضعها.
وعلامة الثانية: أن يصح الاستغناء بأي عنها.
مثال الأولى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ١.
ومثال الثانية: "أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ ".
وقد تحذف الهمزة قبل المتصلة للعلم بها، وأمن اللبس كقراءة ابن محيصن: "سَوَاءٌ عليهم أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لم تنذرهم"٢، وهو في الشعر كثير٣.
وإلى ذلك أشار بقوله:
وربما أُسقطت الهمزة إن كان خفا المعنى بحذفها أمن
فإن قلت: فهل يطرد ذلك؟
_________________
(١) ١ من الآية ٦ من سورة البقرة. ٢ بإسقاط الهمزة من: أنذرتهم. ٣ مثال حذف الهمزة في الشعر: لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا شعيث بن سهم، أم شعيث بن منقر؟ الأصل: أشعيث، فحذفت الهمزة والتنوين منهما. وقوله: لعمرك ما أدري، وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان؟ أي: أبسبع.
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
قلت: ظاهر قوله في شرح الكافية.
فهذا وأمثاله من مواضع حذف الهمزة المعطوف على مصحوبها بأم جائز اطراده، وقد أجاز الأخفش حذف الهمزة في الاختيار، وإن لم يكن بعدها أم، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ ١.
والمنقطعة ما سوى المتصلة، وإليها أشار بقوله:
وبانقطاع وبمعنى بل وَفَتْ إن تَكُ مما قُيِّدت به خَلَت
الذي قيدت به هو أن يكون بعد إحدى الهمزتين لفظا أو تقديرا.
فإن خلت من ذلك فهي منقطعة.
واختُلف في معنى المنقطعة، فذهب البصريون إلى أنها تقدر "بمعنى"٢ بل والهمزة مطلقا.
وذهب الكسائي وهشام إلى أنها بمنزلة بل، وما بعدها مثل ما قبلها.
فإذا قلت: "قام زيد أم عمرو" فالمعنى: بل قام عمرو.
وقال في التسهيل: وتقتضي إضرابا مع استفهام ودونه٣.
وذكر في غيره أن الأكثر اقتضاؤها مع الإضراب استفهاما.
فإن قلت: قوله: "وبمعنى بل" يقتضي موافقة الكسائي وهشام إذا لم يذكر الاستفهام.
قلت: إنما اقتصر على ذكر "بل"؛ لأن اقتضاء المنقطعة إضرابا لازم، وليس اقتضاؤها الاستفهام بلازم.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٢ من سورة الشعراء. ٢ ب. ٣ التسهيل ص١٧٦.
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
تنبيهات:
الأول: حصر "أم" في المتصلة والمنقطعة هو مذهب الجمهور، وذهب أبو زيد إلى أن "أم" تكون زائدة، فهو قسم ثالث.
الثاني: سُميت المتصلة متصلة؛ لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، ولذلك لم تقع إلا بين مفردين أو "بين"١ جملتين في تقدير مفردين، أو مفرد وجملة في تقدير مفرد.
وسُميت المنقطعة منقطعة؛ لوقوعها بين جملتين مستقلتين.
الثالث: إذا عادلت المتصلة بين جملتين، فقد تكونان فعليتين أو اسميتين أو مختلفتين٢، قيل: إلا في التسوية، فإنه لا يُذكَر بعدها إلا الفعلية، ولا يجوز: "سواءٌ علي أزيدٌ قائمٌ أم عمرٌو منطلقٌ" فهذا لا تقوله العرب، وأجازه الأخفش قياسا على الفعلية.
وقد عادت بين مفرد وجملة في قوله٣:
_________________
(١) ١ جـ. ٢ مثال الفعليتين -وهو الأكثر- قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، والاسميتين قول الشاعر: ولست أبالي بعد فقدي مالكا أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع؟ والمختلفتين: قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ . ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: بأهل القباب من عمير بن عامر اللغة: "النفر" -بفتح النون وسكون الفاء- أصل معناه التفرق والشراد، وفي شواهد العيني: "سواء عليك الفقر" -بفاء ثم قاف- وربما يكون محرفا عن "القفر" -بقاف ثم فاء- وهو الأرض الموحشة الخالية من الأنيس، "القباب" -جمع قبة- وهي الخيمة، والمراد منها هنا: اسم موضع. المعنى: يقول الشاعر: إنه لا فرق بين أن تنفر وتأخذ في طريقك غير ملوٍ على شيء، وأن تبيت بهؤلاء القوم الذين عرفوا بمنع الجار وحمايته، فلن ينجيك مما تحذر شيء. الإعراب: "سواء" خبر مقدم، "عليك" جار ومجرور متعلق بسواء، "النفر" مبتدأ مؤخر =
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
سواءٌ عليك النَّفْرُ أم بِتَّ ليلة
ويجري مجرى التسوية: ما أدري، وليت شعري -ويقع بعده الجملتان- وما أبالي -ويقع بعده الجملتان أيضا- خلافا لمن زعم أنه لا يكون بعده إلا الفعلية.
الرابع: فصل "أم" مما عُطفت عليه نحو: "أزيد في الدار أم عمرو" أولى من وصلها "به"١، هذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح.
قال في شرح التسهيل: ومن ادعى امتناع وصلها أو ضعفه فمخطئ؛ لأن دعواه مخالفة للاستعمال المقطوع بصحته، ولقول سيبويه والمحققين من أصحابه.
الخامس: قد يكتفى "بلا" عن ذكر المعادل نحو: "أتفعل أم لا؟ ".
السادس: ذهب ابن كيسان إلى أن ميم "أم" بدل عن واو، وأصلها أو، وهي دعوى مجردة عن الدليل.
السابع: ذكر في التسهيل أن عطف المنقطعة المفرد قليل٢، ومثل في الشرح بقولهم: "إنها لإبل أم شاء". "قال: فأم هنا لمجرد الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها، كما يكون بعد "بل" فإنها بمعناها، ومذهب الفارسي وابن جني في ذلك أنها بمنزلة بل والهمزة، وأن التقدير: بل أهي شاء؟ "٣.
_________________
(١) = "أم" حرف عطف، "بت" بات فعل ماض والتاء فاعل، "ليلة" ظرف زمان متعلق ببات، "بأهل" جار ومجرور متعلق ببت، "القباب" مضاف إليه، "من عمير" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أهل القباب، "ابن" صفة لعمير، "عامر" مضاف إليه. الشاهد فيه: "النفر أم بت ليلة" حيث جاء بعد همزة التسوية الواقعة بعد سواء، باسم مفرد ثم عادَلَهُ بجملة فعلية. وهذا خلاف الأصل، وربما لاحظ الشاعر أن الاسم المفرد ينبئ عن الجملة؛ لكونه مصدرا، فاستساغ الشاعر أن يقيمه مقام الجملة، وكأنه قد قال: "سواء عليك أنفرت أم بتّ ليلة". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٢١/ ٢. ١ أ، ب. ٢ التسهيل ص١٧٦. ٣ أ، جـ.
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
وبه جزم في شرح الكافية.
وقال في شرح التسهيل، بعد حكاية هذا القول: وهذه دعوى لا دليل عليها، ولا انقياد إليها.
وقد قال بعض العرب: "إن هناك لإبلا أم شاء"١، فنصب ما بعد "أم" حين نصب ما قبلها، وهذا عطف صريح مقوٍّ لعدم الإضمار قبل المرفوع.
قيل: ولا حجة في قول بعضهم: "إن هناك لإبلا أم شاء"؛ لاحتمال كونها متصلة، والهمزة قبلها محذوفة.
ويحتمل أن ينصب "شاء" على إضمار فعل، تقديره: أم ترى شاء.
الثامن: قد ظهر من كلام المصنف أن "أم" المنقطعة تكون عاطفة، وقال في شرح الكافية: وأما "أم" المنقطعة فليست للعطف، لا في مفرد ولا جملة.
التاسع: تدخل "أم" المنقطعة على "هل" وأسماء الاستفهام نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٢، ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣ وهو فصيح كثير، ولا التفات لمن زعم أنه من الجمع بين أداتي معنى، وأنه قليل جدا.
وبذلك رد على من قال: "إنها بمعنى"٤ بل والهمزة في كل موضع.
ثم انتقل إلى "أو" فقال:
خيِّر أَبِحْ قسِّم بأو وأبهِمْ واشكُكْ وإضراب بها أيضا نُمي
فذكر لها سبعة معانٍ:
الأول: التخيير، نحو: "خذ دينارًا أو ثوبًا".
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ من الآية ١٦ من سورة الرعد. ٣ من الآية ٨٤ من سورة النمل. ٤ ب، جـ، وفي أ "أنهما يعني".
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
والثاني: الإباحة، نحو: "جالس الحسن أو ابن سيرين".
فإن قلت: فما الفرق بينهما؟
قلت: الفرق بينهما جواز الجمع بين الأمرين في الإباحة، ومنعه في التخيير.
فإن قلت: فهل استفيد جواز الجمع في الإباحة من لفظ "أو"؟
قلت: قد ذكر بعضهم أن ذلك ليس لأمر راجع إلى اللفظ، بل لأمر خارج، وهو قرينة انضمّت إلى اللفظ.
وذلك أن التخيير يرد فيما أصله الحظر، والإباحة ترد فيما ليس أصله الحظر.
تنبيه:
قال المصنف: من علامات الإباحة استحسان الواو موقعها، فلو جيء بالواو مكان "أو" لم يختلف المعنى.
وفرق غيره بين الواو وأو في ذلك؛ "فقال"١: إذا قلت: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، جاز له مجالستهما ومجالسة أحدهما.
وإذا عطفت بالواو، لم يجز له مجالسة أحدهما دون الآخر.
الثالث: التقسيم، نحو: "الكلمة: اسم أو فعل أو حرف" قال في التسهيل٢:
بدل التقسيم: أو تفريق مجرد، يعني: من الشك والإبهام والتخيير، ومثّله بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٣.
_________________
(١) ١ جـ. ٢ التسهيل ص١٧٦. ٣ من الآية ١٣٥ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
قال: والتعبير عن هذا بالتفريق أولى من التعبير عنه بالتقسيم؛ لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال "أو" نحو: "الكلمة: اسم وفعل وحرف".
وعبّر بعضهم عن هذا المعنى بالتفصيل.
الرابع: الإبهام، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ ١، ومعنى الإبهام أن يكون المتكلم عالما ويبهم على المخاطب.
الخامس: الشك نحو: "قام زيد أو عمرو".
والفرق بينهما أن الشك للمتكلم، والإبهام على السامع.
السادس: الإضراب، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ٢.
قال الفراء: "أو" هنا بمعنى "بل".
وأشار بقوله: "بها أيضا نمي" أي: نُقل، إلا أن ورودها للإضراب غير متفق عليه.
وقال في شرح الكافية: أجاز الكوفيون موافقتهما "بل" في الإضراب، ووافقهم أبو علي وابن برهان. قلت: وابن جني.
قال في قراءة أبي السمال "أَوْ كُلَّمَا عاهدوا عهدا"٣: معنى "أو" هنا معنى "بل".
وقال ابن عصفور: والإضراب ذكره سيبويه في النفي والنهي إذا أعدْت العامل، كقولك: "لست بشرا، أو لست عمرا، ولا تضرب زيدا، أو لا تضرب عمرا".
_________________
(١) ١ من الآية ٢٤ من سورة سبأ. ٢ الآية ١٤٧ من سورة الصافات. ٣ من الآية ١٠٠ من سورة البقرة -بسكون الواو- في "أو".
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
قال: وزعم بعض النحويين أنها تكون للإضراب على الإطلاق، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ ١، وبقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ٢.
قال: وما ذهبوا إليه فاسد.
السابع: معنى "الواو" كقوله٣:
جاء الخلافةَ أو كانت له قَدَرَا
أي: وكانت، فأوقع "أو" مكان الواو؛ لأمن اللبس.
وإلى هذا أشار بقوله:
_________________
(١) ١ الآية ١٧٤ من سورة الصافات. ٢ من الآية ٧٤ من سورة البقرة. ٣ قائله: هو جرير بن عطية، من كلمة يمدح بها عمر بن عبد العزيز. وتمامه: كما أتى ربه موسى على قدر وهو من البسيط. اللغة: "قدرا" أي: مقدرة في الأزل، "على قدر" أي: على تقدير من الله. المعنى: تولى عمر الخلافة وكانت بتقدير الله سبحانه، فانتشل المسلمين من الظلم، وأقام بينهم صرح العدل، كما أتى سيدنا موسى ربه، وكلّمه بقضائه وقدره، فأبان للخلق طريق الحق. الإعراب: "جاء" فعل ماض والفاعل يعود على سيدنا عمر، "الخلافة" مفعول، "أو" عطف بمعنى الواو، ويروى بدلها: إذ، "كانت" فعل ماض ناقص والتاء للتأنيث واسمها يعود على الخلافة، "له" متعلق بقدرا، "قدرا" خبر كان، "كما" الكاف جارة و"ما" مصدرية، "ربه" مفعول مقدم لأتى ومضاف إليه و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، "موسى" فاعل مؤخر بأتى، "على قدر" متعلق بأتى. الشاهد فيه: "أو كانت" حيث استعمل فيه "أو" بمعنى الواو؛ ارتكانا على إفهام المعنى، وعدم وقوع السامع في لَبْس. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن هشام ٣٠/ ٢، وابن عقيل ١٧٤/ ٢، وابن الناظم. وذكره السيوطي في الهمع ١٨١/ ٢.
[ ٢ / ١٠١٠ ]
وربما عاقبتِ الواوَ إذا لم يُلفِ ذو النطق للبس مَنْفَذا
وإلى أن "أو" تأتي بمعنى "الواو" ذهب الأخفش والجرمي، واستدلا بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ١ وهو مذهب جماعة من الكوفيين.
وذكر في التسهيل أن "أو" تُعاقب "الواو" في الإباحة كثيرا، وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلا٢.
مثل الإباحة: "جالس الحسن أو ابن سيرين" وقد تقدم الكلام عليه.
ومثال المصاحب قوله ﵊: "اسكن أحد، فإنما عليك نبي أو صدِّيق أو شهيد".
ومثال المؤكِّد: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ ٣.
تنبيهان:
الأول مذهب الجمهور: أن "أو" لأحد الشيئين أو الأشياء، فإذا عطف بها في الطلب فهي للتخيير أو الإباحة، وإن عطف بها في الخبر فهي للشكّ أو الإبهام أو التقسيم.
الثاني: إذا دخل النهي في الإباحة، استوعب ما كان مباحا باتفاق النحويين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٤.
فهذه هي التي تقع في الإباحة؛ لأن النهي وقع على الجمع والتفريق، وإذا دخل النهي في التخيير ففيه خلاف.
ذهب السيرافي إلى أنه يستوعب "الجميع"٥ كالنهي عن المباح.
_________________
(١) ١ أي: ويزيدون. ٢ التسهيل ص١٧٦. ٣ من الآية ١٢٢ من سورة النساء. ٤ من الآية ٢٤ من سورة الإنسان، ولو قلت: "أو لا تُطِعْ كفورا" انقلب المعنى، يعني أنه يصير إضرابا عن النهي الأول، ونهيا عن الثاني فقط، هـ ٤٢٣/ ٢ أشموني. ٥ أ، جـ.
[ ٢ / ١٠١١ ]
وذهب ابن كيسان إلى جواز أن يكون النهي عن كل واحد، وأن يكون عن الجميع.
وقوله:
ومثل أو في القصد إما الثانيه في نحو إما ذي وإما النائيه
يعني: أن "إما" مثل "أو" فيما يقصد بها، فتكون للتخيير والإباحة والتقسيم والشك والإبهام، ولم يذكر الإباحة في التسهيل١.
فإن قلت: ظاهر قوله: "مثل أو" أنها توافقها في المعاني السبعة.
قلت: لا يصح حمله على ظاهره؛ لأن "إما" لا ترد بمعنى "الواو" ولا بمعنى "بل"، والعذر له٢ أن ورود "أو" لهذين المعنيين قليل ومختلف فيه، فالإحالة إنما هي على المعاني المتفق عليها.
وقد فهم من البيت فوائد:
الأولى: أن "إما" ليست بعاطفة، إذ لم يجعلها مثل "أو" مطلقا، بل في القصد فقط؛ ولذلك لم يذكرها مع حروف العطف أولا.
ونقل المصنف عن أكثر النحويين أنها عاطفة، ونقل عن يونس وابن كيسان وأبي علي أنها ليست بعاطفة، ووافقهم المصنف وهو الصحيح؛ لدخول الواو عليها.
واستدل الرماني على أنها عاطفة بأن الواو للجمع، وليست هنا كذلك؛ لأننا نجد الكلام لأحد الشيئين فعلم أن العطف لإما.
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٦، وقال الأشموني ٤٢٥/ ٢: ولكنها بمقتضى القياس جائزة. ٢ أي: في الإطلاق وعدم التقييد بما عدا المذكورين.
[ ٢ / ١٠١٢ ]
ونقل ابن عصفور اتفاق النحويين على أن "إما" ليست بعاطفة، وإنما أوردوها في حروف العطف "لمصاحبتها لها"١.
"وقد عدّ سيبويه"٢ "إما" من حروف العطف، فجعل بعضهم كلامه على ظاهره.
وقال: إن "الواو" عطفت "إما" الثانية على "إما" الأولى، و"إما" الثانية عطفت الاسم الذي بعدها على الاسم بعد الأولى.
وتأوله بعضهم بأن "إما" لما كانت "صاحبة"٣ المعنى، ومخرجة الواو عن الجمع، والتابع يليها، سماها عاطفة مجازا.
الثانية: أن المشبهة بأو إنما هي الثانية، وهي المختلف فيها، وأما الأولى فليست بعاطفة!
الثالثة: فهم من قوله: "الثانية" أن "إما" لا بد من تكرارها بخلاف "أو".
"وهذا أحد الفرقين بينهما، والثاني: أن الكلام مع "إما" مبني من أوله على ما جيء بها لأجله، بخلاف "أو""٤.
الرابعة: فهم من تمثيله أنه لا بد من اقترانها بالواو.
فإن قلت: التزام الواو ظاهر عند من لم يجعل "إما" عاطفة، فما يقول من جعلها عاطفة؟
قلت: من رأى أنها عاطفة لم ير إخلاءها من الواو إلا نادرا، كقوله٥:
_________________
(١) ١ أي: لبعضها وهو الواو. ٢ أ، جـ. ٣ أ، جـ، وفي ب "مصاحبة". ٤ أ، جـ. ٥ قائله: نسبه الجوهري إلى الأحوص وليس بصحيح، وإنما هو لسعد بن قرط العبدي من أبيات يهجو فيها أمه، وكان عاقّا شريرا. =
[ ٢ / ١٠١٣ ]
أيما إلى جنة أيما إلى نار
فإن قلت: فهل يحسن الاحتجاج بمثل هذا البيت، لمن قال: إنها عاطفة؟
قلت: لا؛ لندوره، فيجعل من حذف العاطف ضرورة.
تنبيهات:
الأول: ما ذكر من أن "إما" لا بد من تكرارها هو الكثير، وقد يستغنى عن الثانية بأو، كقراءة أُبَيّ: "وإنا وإِيَّاكُمْ لإما على هدى أو في ضلال مبين"١ ونحوه في الشعر كثير.
وبإن الشرطية مع "لا" النافية كقوله٢:
_________________
(١) = وصدره: يا ليتما أمنا شالت نعامتها وهو من البسيط. اللغة: "شالت" ارتفعت جنازتها، "النعامة" باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وتنخفض رأسه فتظهر نعامته، وقيل: النعامة هنا النعش، "شالت نعامتها" كناية من كنايات العرب معناها: ماتت. المعنى: يتمنى هذا العاق لأمه أن تموت وترتفع جنازتها إما إلى الجنة، وإما إلى النار. الإعراب: "يا" حرف تنبيه أو نداء والمنادى محذوف، "ليت" حرف تمنٍّ وما زائدة، "أمنا" اسم ليت ومضاف إليه، "شالت نعامتها" الجملة خبر ليت، ويجو أن تكون "ما" كافة، و"أمنا" بالرفع مبتدأ وجملة "شالت نعامتها" خبر المبتدا، "أيما" حرف للتفصيل، "إلى جنة" متعلق بشالت، "أيما" الثانية عاطفة، وقد جاءت بدون الواو شذوذا. الشاهد فيه: "أيما" حيث حذف واو العطف في "أيما" الثانية، إذ التقدير: إلى جنة وإما إلى نار وقد أبدلت. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٢٥/ ٢، وابن هشام ١٨٦/ ٣، وابن الناظم. وذكره ابن هشام في المغني ٥٧/ ١، والسيوطي في الهمع ١٣٥/ ٢. ١ من الآية ٢٤ من سورة سبأ. ٢ قائلهما: هو المثقب العبدي، والمثقب -بتشديد القاف مكسورة- لقبه، وهما من الوافر. =
[ ٢ / ١٠١٤ ]
فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثِّي من سَمِيني
وإلا فاطَّرِحْني واتخذني عدوا أتقيك وتَتَّقيني
وقد يستغنى عن الأولى، كقول الفرزدق١:
_________________
(١) = اللغة: "غثي" -بفتح الغين وتشديد الثاء- من غَثَّ اللحم يغث: المهزول، "السمين" ضد الغث. الإعراب: "فإما" حرف تفصيل، "أن" حرف مصدري ونصب، "تكون" فعل مضارع ناقص منصوب بأن المصدرية واسمه ضمير مستتر، "أخي" خبر تكون منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه، "بصدق" متعلق بتكون، "فأعرف" فعل مضارع منصوب بالعطف على تكون وفاعله ضمير مستتر فيه، "منك" متعلق بأعرف، "غثي" مفعول به لأعرف منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم مضاف إليه، "من سميني" مجرور بمن وعلامة جره كسرة مقدرة على آخره وياء المتكلم مضاف إليه، "وإلا" الواو عاطفة وإن شرطية ولا حرف نفي، وفعل الشرط محذوف تقديره: وإلا تفعل ذلك، "فاطرحني" الفاء واقعة في جواب الشرط، "اطرح" فعل أمر وفاعله ضمير مستتر والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به، "واتخذني" فعل أمر والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول أول، وجملة اطرحني في محل جزم جواب الشرط، "عدوا" مفعول ثانٍ لاتخذ، "أتقيك" فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير والكاف مفعول به، "وتتقيني" مضارع والنون للوقاية والفاعل ضمير وياء المتكلم مفعول به. الشاهد فيه: "وإلا فاطرحني"، حيث أناب "إلا" مناب "إما". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٢٦/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص٩٨، وذكره في الهمع ١٣٥/ ٢، وابن هشام في المغني ٥٩/ ١. ١ قائله: هو ذو الرمة -وقيل: الفرزدق- من قصيدة يمدح فيها سليمان بن عبد الملك ويهجو الحجاج بن يوسف، وهو من الطويل. اللغة: "تهاض" من الهيض -من هاض يهيض هيضا- أي: نكس بعد أن تماثل للشفاء، ويروى "تلم"، وهو فعل مضارع مبني للمجهول، والضمير المستتر فيه يعود إلى النفس المذكورة في بيت سابق، ويكون معناه يصيبها اللمم وهو المرض، "تقادم" طال الزمن. المعنى: وصف الشاعر أن نفسه كلما قاربت البرء وطمع هو في أن تندمل جروحها ويبرأ سقامها تعرضت للانتكاس ورجعت إلى الأسقام بأشد مما كانت عليه؛ وذلك بسبب رؤية الديار التي كانت مسرح هواه. =
[ ٢ / ١٠١٥ ]
تُهَاض بدار قد تقادم عهدها وإما بأموات ألمّ خيالها
الثاني: اختُلف في "إما" المذكورة؛ فقيل: بسيطة، وقيل: مركبة من: إن وما وهذا مذهب سيبويه، والدليل عليه اقتصارهم على "إن" في الضرورة، كقوله١:
فإنْ جَزَعا وإن إجمالَ صبر
_________________
(١) = الإعراب: "تهاض" فعل مضارع مبني للمجهول ونائبه ضمير مستتر فيه، "بدار" متعلق بتهاض، "قد" حرف تحقيق، "تقادم" فعل ماض، "عهدها" فاعل تقادم، وهو مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه، "وإما" الواو عاطفة وإما حرف تفصيل، "بأموات" معطوف على بدار، "ألم" فعل ماض، "خيالها" فاعل مرفوع بالضمة، وضمير الغائبة مضاف إليه. الشاهد فيه: "بدار" أصله: إما بدار قد تقادم عهدها، وإما بأموات؛ فحذفت "إما" الأولى اكتفاء بإما الثانية. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٢٦/ ٢، وابن الناظم، والسيوطي ص٩٨، وفي همعه ١٣٥/ ٢. ١ قائله: هو دريد بن الصمة، وهو من الوافر. وصدره: وقد كَذَبَتْكَ نفسك فاكذبنها اللغة: "كذبتك" بالتخفيف، "إجمال صبر" من: أجمل يجمل إجمالا إذا أحسن، وفي سيبويه: "فأكذبتها". المعنى: يقول معزيا لنفسه عن أخيه عبد الله بن الصمة وكان قد قتل: كذبتك نفسك فيما منتك به من الاستمتاع بحياة أخيك فأكذبها في كل ما تمنيك به بعد، فإما أن تجزع لفقد أخيك وذلك لا يجدي عليك شيئا، وإما أن تجمل الصبر فذلك أجدى عليك. الإعراب: "وقد" الواو للعطف، قد حرف تحقيق، وفي سيبويه "لقد"، "كذبتك" فعل والتاء للتأنيث والكاف مفعول، "نفسك" فاعل والكاف مضاف إليه، "فاكذبنها" فعل وفاعل ومفعول، "إن" ليست شرطية في الموضعين، إنما هي بمعنى إما، والتقدير: فإما جزعا وإما إجمال صبر، "جزعا" منصوب بفعل مضمر تقديره: فإما تجزع جزعا وأيضا "إجمال": وإما تجمل إجمال صبر، والفاء للاستئناف، ويجوز أن تكون شرطية حذف جوابها، أي: فإن تجزع جزعا فعلت، وهذا قليل. الشاهد فيه: "فإن وإن"، فإن أصلهما: "فإما وإما"؛ فحذفت منهما "ما". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، والسيوطي ص٩٨، وفي همعه ١٣٥/ ٢، وذكره سيبويه ١٣٤/ ١.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
وقوله١:
سقتْه الرواعد من صيف وإن من خريف فلن يَعْدَما
وأجيب بأنه يحتمل أن تكون "إن" في البيتين شرطية حذف جوابها، والتقدير: فإن كنت ذا جزع فلا جزع، وإن كنت مجمل صبر فأجمل، وإن سقته من خريف فلن يعدم الري.
فرع: لو سميت "بإما" على القول بالتركيب، حكيت.
الثالث: في "إما" المذكورة لغتان: كسر همزتها، وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم وهي الفصحى، وفتح همزتها، وهي لغة قيس وأسد وتميم.
وحكي إبدال ميمها الأولى "ياء" مع كسر الهمزة وفتحها.
_________________
(١) ١ قائله: هو النمر بن تولب العكلي، وهو من المتقارب. اللغة: "الرواعد" -جمع راعدة- وهي السحابة الماطرة، "من صيف" -بتشديد الياء- وهو المطر الذي يجيء في الصيف. الإعراب: "سقته" فعل ماض مبني على فتح مقدر والتاء للتأنيث والهاء مفعول به، "الرواعد" فاعل، "من صيف" متعلق بسقته، "إن" بمعنى إما، والتقدير: وإما من خريف، "فلن" حرف نصب، "يعدما" فعل مضارع منصوب بلن والألف للإطلاق. الشاهد فيه: "وإن من"، فإنه حذف "ما" وأبقى "إن". وقال المبرد: إن "إن" في البيت شرطية، والفاء فاء الجواب، والمعنى: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، كما أشار الشارح. وقال أبو عبيدة: إن "إن" في البيت زائدة، والتقدير: من خريف، والألف في يعدما للإشباع والمفعول محذوف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم، وابن هشام في المغني ٥٦/ ١.
[ ٢ / ١٠١٧ ]
الرابع: تشارك "إما" المذكورة في اللفظ "إما" الشرطية وهي مركبة من: إن وما بغير إشكال، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ ١.
وزعم الكسائي أن لها قسما ثالثا تكون فيه جحدا، تقول: "إما زيد قائم" تريد: إن زيد قائم، وما صلة.
ثم انتقل إلى "لكن" فقال:
وأول لكن نفيا او نهيا ولا نداء او أمرا أو إثباتا تلا
فالنفي "نحو"٢: "ما قام زيدٌ لكن عمرٌو" والنهي: "لا تضرب زيدًا لكن عمرًا" فالمعطوف بلكن محكوم له بالثبوت بعدهما.
وفهم من ذلك أنها لا تقع في الإيجاب "وهو مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون أن يعطف بها في الإيجاب"٣ نحو: "أتاني زيدٌ لكن عمرٌو"٤.
تنبيه:
إنما يشترط النهي والنفي في الواقعة قبل المفرد، وتقدم الخلاف في كونها عاطفة.
وإذا وَلِيَها جملة فتكون حينئذ بعد إيجاب أو نفي أو نهي "أو أمر"٥ لا استفهام، فلا يجوز: "هل زيد قائم لكن عمرو لم يقم؟ ".
فإن قلت: إذا وقعت قبل الجملة، فهل هي عاطفة أو غير عاطفة؟
قلت: الذي ذهب إليه أكثر المغاربة أنها حينئذ حرف ابتداء، لا حرف عطف.
_________________
(١) ١ من الآية ٥٨ من سورة الأنفال. ٢ أ، جـ. ٣ ب، جـ. ٤ وإنما يمتنع: "لكن عمرو" عند البصريين، إذا جعل "عمرو" معطوفا بلكن، وأما إذا جعل مبتدأ خبره محذوف، فإنه يجوز. ٥ ب.
[ ٢ / ١٠١٨ ]
وقيل: إنها تكون عاطفة جملة على جملة، إذا وردت بغير واو.
قال ابن أبي الربيع: وهو ظاهر كلام سيبويه.
فإن قلت: فما المفهوم من كلام الناظم؟
قلت: المفهوم من اشتراطه قبل العاطفة النفي والنهي، أن الواقعة قبل الجملة غير عاطفة، إذ لا يشترط فيها ذلك.
ثم انتقل إلى "لا"، فقال:
ولا نداء او أمرا أو إثباتا تلا
أي: وأَوْلِ "لا" نداء نحو: "يا يزيد لا عمرو" أو أمرا نحو: "اضرب زيدا لا عمرا" أو إثباتا نحو: "زيد كاتب لا شاعر".
وزعم ابن سعدان أن العطف "بلا" على منادى ليس من كلام العرب، ونص على جوازه سيبويه.
ومنع أبو القاسم الزجاجي في كتاب معنى الحروف أن يُعطَف بها بعد الفعل الماضي، وليس منع ذلك بصحيح؛ لثبوته في كلام العرب.
تنبيهات:
الأول: في معنى الأمر الدعاء نحو: "غفر الله لزيد لا بكر"، والتحضيض نحو: "هلا تضرب زيدا لا عمرا".
الثاني: أجاز الفراء العطف بها على اسم "لعلّ" كما يعطف بها على اسم "إنّ".
نحو: "لعل زيدًا لا عمرًا منطلق".
الثالث: فائدة العطف "بلا" قَصْر الحكم على ما قبلها؛ إما قصر أفراد كقولك: "زيد كاتب لا شاعر"، ردا على من يعتقد أنه كاتب وشاعر.
وإما قصر قلب، كقولك: "زيد عالم لا جاهل"، ردا على من يعتقد أنه جاهل.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
الرابع: شرط عطف الاسم "بلا" أن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها عليه؛ فلذلك لا يجوز: "قام رجل لا زيد".
الخامس: قد يحذف المعطوف عليه "بلا" نحو: "أعطيتُك لا لتظلم" أي: لتعدل لا لتظلم.
السادس: لا يعطف "بلا" إلا مفرد أو جملة لها موضع من الإعراب نحو: "زيد يقوم لا يقعد".
فإن لم يكن للجملة موضع لم تكن عاطفة؛ ولذلك يجوز الابتداء بها.
وفي النهاية: وتعطف لا الجملة "على الجملة"١ نحو: "زيد قائم لا عمرو جالس".
ثم انتقل إلى "بل" فقال:
وبل كلكن بعد مصحوبيها
مصحوبا "لكن" هما النفي والنهي.
فإذا عطفت "بل" بعدهما، فهي كلكن، يعني: لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها نحو: "ما قام زيد بل عمرو"، "فتقرر"٢ نفي القيام عن زيد، وتثبته لعمرو.
ومثله:
كلم أكن في مربع بل تَيْها
والمربع: منزل الربيع، والتيهاء: الأرض التي لا يُهتدَى بها.
وتقول: "لا تضرب زيدا بل عمرا" فتقرر النهي عن زيد، وثبت الأمر بضرب عمرو.
ووافق المبرد على هذا الحكم، وأجاز مع ذلك كون "بل" ناقلة حكم النفي والنهي لما بعدها.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، جـ، وفي ب "فتقدر".
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
ووافقه على ذلك أبو الحسين عبد الوارث.
قال المصنف: وما أجازه مخالف الاستعمال.
ثم قال:
وانقُل بها للثان حكم الأول في الخبر المثبت والأمر الجلي
مثال الخبر المثبت: "جاء زيد بل عمرو"، والأمر: "اضرب زيدا بل عمرا".
فهي في ذلك لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه سكوت عنه، وجعله لما بعدها.
وذهب الكوفيون إلى أن "بل" لا تكون نسقا إلا بعد النفي أو ما جرى مجراه، ولا تكون نسقا بعد الإيجاب.
وجملة القول في "بل" أنها إن وقع بعدها جملة كانت إضرابا عما قبلها، إما على جهة الإبطال نحو: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١.
وإما على جهة الترك من غير إبطال نحو: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ ٢.
فظهر "من هذا"٣ أن قوله في شرح الكافية: فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره، ولا يكون في القرآن إلا على هذا الوجه، فيه نظر.
وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي أو نهي، فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها.
وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي، فهي لتقرير حكمه وجعل ضده لما بعدها.
تنبيهات:
الأول: لا يعطف ببل بعد الاستفهام، لا يقال: "أضربتَ زيدًا بل عمرا؟ " ولا نحوه٤.
_________________
(١) ١ من الآية ٧٠ من سورة "المؤمنون". ٢ من الآيتين ٦٢، ٦٣ من سورة "المؤمنون". ٣ أ، جـ، وفي ب "بهذا". ٤ أي: نحو هذا التركيب، نحو: "هل ضربت زيدا بل عمرا؟ ".
[ ٢ / ١٠٢١ ]
الثاني: ظاهر إطلاق المصنف أن "بل" تعطف الجملة كما تعطف المفرد.
وقد صرح به الشارح في قوله: فإن كان المعطوف بها جملة.
وذكر غيره أنها لا تكون قبل الجملة عاطفة.
الثالث: قال في التسهيل: وتزاد "لا" قبل "بل"؛ لتأكيد التقرير وغيره. انتهى١.
فإذا زيد بعد إيجاب أو أمر نحو: "قام زيد لا بل عمرو" و"اضرب زيدا لا بل عمرا" فهي لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم للأول.
وإذا زيدت بعد نفي أو نهي نحو: "ما قام زيد لا بل عمرو" و"لا تضرب خالدا لا بل بشرا".
فهي لتأكيد بقاء النفي والنهي.
وذهب الجزولي إلى أنها بعد الإيجاب والأمر نفي، وبعد النفي والنهي تأكيد.
ومنع ابن درستويه زيادتها معها بعد النفي.
وقال ابن عصفور: لا ينبغي أن يقال بزيادتها مع "بل" في النفي والنهي إلا أن يشهد له سماع، قيل: وهو مسموع من كلام العرب.
الرابع: قد تكرر "بل" في الجمل رجوعا عما ولي المتقدمة "نحو"٢:
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ٣.
وتنبيها على رجحان ما ولي المتأخرة، نحو: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ ٤.
ولما ذكر معاني حروف العطف، شرع في ذكر أحكام تتعلق بالباب فقال:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٧. ٢ أ، جـ. ٣ من الآية ٥ من سورة الأنبياء. ٤ من الآية ٦٦ من سورة النمل.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصِلْ بالضمير المنفصل
أو فاصل ما
يعني: أنه إذا قصد العطف على ضمير الرفع المتصل، لم يحسن إلا بعد توكيده بضمير رفع منفصل، كقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ١.
أو فصل يقوم مقام التوكيد، كقوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ٢.
ونبه بقوله: "أو فاصل ما" على أنه يكتفى بما يصدق عليه فاصل ولو قل.
أجاز صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ٣ أن يكون "آباؤنا"٤ معطوفا على الضمير في لمبعوثون للفصل بالهمزة.
ومن صور الفصل: الفصل "بلا" بين العاطف والمعطوف نحو: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ ٥.
وفهم من قوله: "متصل" أن المنفصل يعطف عليه بلا شرط.
فحكم المنفصلين في العطف والعطف عليهما حكم الظاهر.
ووهم الأُبَّدي في منعه: "رأيت زيدا وإياك".
ثم نبه على ورود العطف على الضمير المذكور بغير توكيد ولا فصل، فقال:
وبلا فصل يرد في النظم فاشيا
كقول عمر بن أبي ربيعة٦:
_________________
(١) ١ الآية ٩١ من سورة الأنعام. ٢ من الآية ٢٣ من سورة الرعد. ٣ الآية ٤٧، ٤٨ من سورة الواقعة. ٤ ب. ٥ من الآية ١٤٨ من سورة الأنعام. ٦ قائله: هو عمر بن أبي ربيعة، وهو من الخفيف. وتمامه: كنعاج الفلا تَعَسَّفْنَ رملا اللغة: "زهر" -بضم الزاي وسكون الهاء- جمع زهراء، وهي المرأة الحسناء البيضاء، "تهادى" أصله تتهادى -فحذفت إحدى التاءين تخفيفا- تتمايل وتتبختر، "نعاج" -جمع =
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى
وهو كثير في الشعر، ومع كثرته فهو ضعيف؛ ولهذا قال:
وضعفه اعتقد
فإن قلت: فهل يطرد مع ضعفه أو يختص بالضرورة؟
قلت: نص المصنف على أنه يجوز في الاختيار مع ضعفه؛ لقول بعض العرب: "مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ"١ حكاه سيبويه.
ولأن العطف في البيت السابق ونحوه ليس بفصل مضطر؛ لإمكان النصب.
ومذهب الكوفيين وابن الأنباري جوازه في الاختيار، ونقل الجواز عن أبي علي.
قيل: ومذهب البصريين أنه لا يجوز بغير فصل بتوكيد، أو غيره إلا في الضرورة.
_________________
(١) = نعجة- والمراد هنا الوحش، "الفلا" الصحراء، "تعسفن" ملن عن الطريق. المعنى: قلت إذ أقبلت الحبيبة مع نسوة زهر، يتبخترن كنعاج الصحراء حين ملن عن الطريق وأخذن في الرمل. الإعراب: "قلت" فعل وفاعل، "إذا" ظرف متعلق به، "أقبلت" فعل ماض والتاء للتأنيث وفاعله ضمير مستتر فيه، "وزهر" معطوف على الضمير المستتر، "تهادى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه والجملة في محل نصب حال من فاعل أقبلت، "كنعاج" جار ومجرور متعلق بمحذوف حال ثانية من فاعل أقبلت، "الفلا" مضاف إليه، "تعسفن" فعل ماض، ونون النسوة فاعل، والجملة في محل نصب حال من نعاج، "رملا" نصب على نزع الخافض. الشاهد فيه: "أقبلت وزهر"، حيث عطف "زهر" على الضمير المنفصل أو غيره. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٢٩/ ٢، وابن عقيل ١٧٦/ ٢، والمكودي ص١٢٢، وابن الناظم. وذكره سيبويه ٣٩٠/ ١، وابن يعيش ٧٦/ ٣، والإنصاف ٢٧٩/ ٢. ١ برفع "العدم" عطفا على الضمير المستتر في "سواء" لأنه مؤول بمشتق، أي: مستوٍ هو والعدم وليس بينهما فصل.
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
ونص سيبويه والخليل على قبحه.
وفي كتاب سيبويه حين ذكر انفصال بعض الضمائر، وكذلك: "كنا وأنتم ذاهبين" إلا أن الشراح تأولوه.
تنبيه:
شرط في التسهيل في صحة العطف صلاحية المعطوف، أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل١.
الأول: نحو "قام زيد وعمرو".
والثاني: نحو "قام زيد وأنا"، فإنه لا يصح "قام أنا"، ولكن يصح "قمت"، والتاء بمعنى أنا.
فإن لم يصح هو أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل، أضمر له عامل مدلول عليه بما قبله، وجعل من عطف الجمل.
قال: وذلك كالمعطوف على الضمير المرفوع بالمضارع ذي الهمزة أو النون أو تاء المخاطب أو بفعل الأمر نحو: "أقوم أنا وزيد"، و"نقوم نحن وزيد"٢، و"تقوم أنت وزيد"، و﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ٣ أي: وليسكن زوجك.
وكذا في باقيها.
قال: وكذلك المضارع المفتتح بتاء التأنيث نحو: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ٤.
قال الشيخ أبو حيان: وما ذهب إليه مخالف لما تضافرت عليه نصوص النحويين والمعربين، من أن "زوجك" معطوف على الضمير المستكن في "اسكن" المؤكد "بأنت".
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٧. ٢ ب، جـ. ٣ من الآية ٣٥ من سورة البقرة. ٤ من الآية ٢٣٣ من سورة البقرة.
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
ولا نعلم خلافا في جواز تقدم هند وزيد، وأنه من عطف المفردات. انتهى.
وقوله:
وعَوْد خافض لدى عطف على ضمير خَفْض لازما قد جُعلا
هذا مذهب جمهور البصريين، أن إعادته لازمة إلا في الضرورة١.
وذهب الكوفيون ويونس والأخفش إلى جواز العطف عليه بدون إعادة الخافض، واختاره الشلوبين والمصنف.
ولهذا قال:
وليس عندي لازما
ثم استدل بوروده في النثر كقراءة حمزة: "تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ"٢.
والنظم كقوله٣:
فاذهب فما بِكَ والأيامِ من عَجَب
_________________
(١) ١ فمثال إعادة الخافض، حرفا كان، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ﴾، أو اسما نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ وللأرض معطوف على الهاء في "لها" المجرورة باللام وأعيدت مع المعطوف، و"آبائك" معطوف على الكاف المجرورة بإضافة "إله"، وقد أعيد المضاف مع المعطوف. ٢ بجر الأرحام وعطفه على الضمير المجرور بالياء بدون إعادة الجار، أي: بالأرحام "وهي من الآية الأولى من سورة النساء". ٣ قائله: هو من شواهد سيبويه التي لم يعلم لها قائل، وهو من البسيط. وصدره: فاليوم قرَّبتَ تهجونا وتشتمنا المعنى: شرعت اليوم في شتمنا والنيل منا، فإن فعلت ذلك فاذهب، فليس غريبا منك لأنك أهل له، وليس عجيبا من هذا الزمان الذي فسد كل من فيه. الإعراب: "قربت" فعل ماض دال على الشروع، والتاء اسمه، "تهجونا" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه ونا مفعول به، والجملة في محل نصب خبر قربت، "تشتمنا" عطف على تهجونا، "فاذهب" الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي: إن تفعل ذلك فاذهب، واذهب فعل أمر وفاعله ضمير مستتر فيه، "فما" الفاء للتعليل، "ما" نافية، "بك" متعلق بمحذوف خبر مقدم، "والأيام" معطوف على الكاف المجرورة بالباء، "من" زائدة، "عجب" مبتدأ مؤخر. الشاهد فيه: "بك والأيام" حيث عطف "أيام" على الضمير المجرور وهو "بك" من غير إعادة الجار. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٠/ ٢، وابن عقيل ١٧٨/ ٢، والمكودي ص١٢٢، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش ٧٨/ ٣، والسيوطي في الهمع ١٣٩/ ٢، وسيبويه ٣٩٢/ ١.
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
أنشده سيبويه، وهو كثير في الشعر.
وفي المسألة مذهب ثالث، وهو أنه إذا أُكِّد الضمير جاز نحو: "مررتُ بك أنت وزيدٍ" وهو مذهب الجرمي والزيادي.
قلت: وهو حاصل كلام الفراء، فإنه أجاز: "مررت به نفسِهِ وزيدٍ، ومررت بهم كلِّهم وزيدٍ".
قال: وكذا القول في أجمعين وقضهم وقضيضهم وخمستهم، إذا خفضت.
فإن نصبت "خمستهم" لم يجز -يعني العطف- بغير إعادة الجار.
قال الشارح: ولا يبعد أن يقال في هذه المسألة: إن العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار غير جائز في القياس، وما ورد من السماع محمول على شذوذ إضمار الجار.
تنبيهان:
الأول: قيل: ينبغي أن يقيد العطف على الضمير المجرور، بأن يكون الحرف غير مختص بالضمير، احترازا من المجرور بلولا على مذهب سيبويه، فإنه لا يجوز عطف الظاهر عليه، فلو رفع على توهم أنك نطقت بالضمير مرفوعا، ففي جوازه نظر.
الثاني: قد فهم من سكوته عن الضمير المنصوب المتصل أنه يجوز العطف عليه بلا شرط١.
_________________
(١) ١ مثال ذلك قوله تعالى: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، "الأولين" عطف على "كم".
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
وقوله:
والفاء قد تُحذف مع ما عطفتْ
يعني: إذا أمن اللبس.
ومنه: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ١ أي: فضرب فانفجرت.
وزعم ابن عصفور أنه إنما حذف المعطوف عليه وحده وحذفت الفاء من المعطوف، فاتصلت الفاء الأولى بالمعطوف، فأبقي من كل منهما ما يدل على المحذوف. ورُدّ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ٢ أي: فأفطر فعدة؛ لأن فاء العطف لا تنوب مناب فاء الجزاء.
وقوله: "والواو".
يعني: أن الواو أيضا قد تحذف مع ما عطفت، ومنه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ٣.
أي: والبرد.
وإنما يجوز إذا دل عليه دليل.
فإن قلت: ظاهر كلامه أن هذا مختص بالفاء والواو، وقد ذكر في التسهيل٤ أن "أم" تشاركهما في ذلك، كقوله٥:
_________________
(١) ١ هذا مثال للفاء، والفعل المحذوف معطوف على "فقلنا". وهو من الآية ٦٠ من سورة البقرة. ٢ من الآية ١٨٤ من سورة البقرة. ٣ من الآية ٨١ من سورة النحل. ٤ التسهيل ص١٧٨. ٥ قائله: هو أبو ذؤيب الهذلي، وهو من الطويل. وتمامه: دعاني إليها القلب إني لأمره سميع اللغة: "الرشد" -بضم الراء وإسكان الشين- خلاف الغي، "طلابها" الطلاب مصدر طالب بمعنى طلب. المعنى: أن قلب الشاعر دعاه إلى طلب الوصال من هذه المحبوبة، فهل حقيقة الحال في =
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
فما أدري أرشد طلابها
التقدير: أم غي.
قلت: هو في الفاء والواو، وأكثر منه في "أم"، فلقلته لم يذكر هنا.
وقوله: "وَهْيَ" يعني الواو.
انفردت بعطف عامل مزال قد بقي معموله
مثال ذلك قول الشاعر١:
_________________
(١) = ذلك الطلب، أرشد هو أم غي؟ لكنه على كل حال لم يقوَ على مخالفة دعوة قلبه؛ لأنه لا يسمع إلى أمر غيره، وإنما غلب جانب الهوى على العقل، إذ القلب يميل إلى الهوى والعشق، ويدعو إلى الصبوة. الإعراب: "دعاني" فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول به، "القلب" فاعل، "إليها" متعلق بدعا، و"إني لأمره سميع" حال من القلب أو جملة اعتراضية، وإن حرف توكيد وياء المتكلم اسمها، "لأمره" متعلق بسميع وسميع خبر إن، واللام في لأمره للتقوية وتقديم المعمول لإرادة الحصر، أي: إني أسمع أمره لا أمر غيره، وجملة "إني لأمره سميع" معطوفة على قوله: "دعاني" و"فما أدري" الفاء للسببية وما نافية وأدري فعل مضارع معلق عن العمل وجملة "أرشد طلابها" في محل نصب على أنها مفعول أدري، والهمزة في أرشد للاستفهام، والمعادل لها محذوف تقديره: أم غي، وما بعد أم وهو غير معادل لما بعد الهمزة وهو رشد، وضمير المؤنث في إليها وطلابها عائد إلى المحبوبة. الشاهد فيه: أن "أم" تشارك الواو والفاء في جواز حذفها مع معطوفها، بدليل حذف "أم" العاطفة، و"غي" المعطوف المعادل لما بعد الهمزة في قوله: أرشد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣١/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٣٢/ ٢. ١ قائله: لم ينسب إلى قائل، وقال العيني: أنشده الأصمعي وغيره، ولم أر أحدا عزاه إلى قائله، وهو من الكامل. وتمامه: حتى شَتَتْ هَمَّالة عيناها اللغة: "شتت" يروى مكانه: "بدت" وهما بمعنى واحد، "همالة" -صيغة مبالغة- من هملت العين، إذا همرت بالدموع. المعني: علفت هذه الدابة تبنا وأشبعتها وسقيتها ماء باردا حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع، وتلك عادة الدواب إذا شبعت. الإعراب: "علفتها" فعل وفاعل ومفعول أول، "تبنا" مفعول ثان، "وماء" الواو للعطف وماء =
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
علفتُها تبنا وماء باردا
أي: وسقيتها ماء.
فحذف العامل المعطوف، واستغنى بمعموله، وأمثلته كثيرة نظما ونثرا.
وهذا مذهب جماعة من الكوفيين والبصريين، منهم الفراء والفارسي.
وذهب قوم، منهم أبو عبيدة والجرمي والمازني والمبرد إلى أن تالي الواو في ذلك معطوف على الأول عطف مفرد على مفرد، لا عطف جملة على جملة، وأن العامل ضمن معنى ينظم المعطوف والمعطوف عليه، واختاره بعض المتأخرين.
واحتج الأولون بأنه لو كان على التضمين، لساغ: "علفتها ماء وتبنا".
ورد بأنه مسموع من كلام العرب كقوله١:
_________________
(١) = مفعول لفعل محذوف تقديره: وسقيتها، "باردا" صفة لماء، "حتى" حرف غاية، "همالة" حال من "عيناها" الواقع فاعلا لشتت. الشاهد فيه: "وماء باردا" حيث حذف العامل المعطوف وبقي معموله وهو "ما" أي: وسقيتُها ماء؛ لأنه لا يصح أن يعطف "ماء" على "تبنا" عطف مفرد على مفرد لانتفاء المشاركة؛ لعدم صحة تسلط العامل عليه؛ لأن الماء لا يعلف، ولا يصح أن تكون الواو للمعية؛ لانتفاء المصاحبة لأن الماء لا يصاحب التبن في العلف. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢٢٦/ ١، وابن هشام ١٥٧/ ٢، وابن عقيل ٣٣٤/ ١، والمكودي ص١٢٣، والشاهد ١٨١ في الخزانة، وذكره السيوطي في الهمع ١٣٠/ ٢، وفي الإنصاف ٣٥٣/ ١. ١ قائله: هو طرفة بن العبد، وهو من الطويل. وصدره: أعمرُ بنُ هندٍ ما ترى رأي صِرْمَة اللغة: "صرمة" -بكسر الصاد وسكون الراء وفتح الميم- وهي القطيع من الإبل نحو الثلاثين. الإعراب: "أعمرو" الهمزة حرف نداء وعمرو منادى مبني على الضم، "ابن" صفة له، "هند" مضاف إليه، "ما ترى" ما نافية أو استفهامية، وترى فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل ضمير مستتر فيه، "رأي" مفعول به لترى، "صرمة" مضاف إليه، "لها" جار ومجرور خبر مقدم =
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
لها سبب ترعى به الماءَ والشجرَ
واختُلف أيضا في هذا التضمين، والأكثرون على أنه ينقاس.
وضابطه عندهم: أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام.
قال الشيخ أبو حيان: والذي أختاره التفصيل، فإن كان العامل الأول تصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة، كان الثاني محمولا على الإضمار؛ لأن الإضمار أكثر من التضمين، نحو: "جدع الله أنفه وعينه" أي: "ويفقأ عينه"١، فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة.
وإن كان لا يصح كان العامل مضمنا معنى ما يصح نسبته إليه؛ لأنه لا يمكن الإضمار، نحو قول العرب: "علفت الدابة ماء وتبنا" أي: أطعمتها أو غذيتها.
وقوله: دفعا لوهم اتُّقي.
يعني: أن إضمار العامل في "نحوه"٢ يدفع توهم أنه معطوف أو مفعول معه.
فإن قلت: ولِمَ كان حمله على العطف أو المعية وَهْمًا؟
قلت: أما العطف؛ فلأن العامل لا يصلح للعمل فيه، وأما المعية؛ فلأنها غير مرادة هنا، وذلك واضح.
وقوله:
وحذف متبوع بدا هنا استبِحْ
_________________
(١) = "سبب" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة صفة لصرمة، "ترعى" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، "به" متعلق بترعى، "الماء" مفعول به منصوب بالفتحة، "والشجر" عطف عليه. الشاهد فيه: "ترعى به الماء والشجر" حيث إنه عطف "الشجر" على وترعى به الماء. وإن قوله: "ترعى به الماء والشجر" يدل على صحة العطف في قول القائل: علفتها تبنا وماء باردا، وأطعمته تمرا ولبنا خالصا. ١ ب، جـ. ٢ أ، ب، وفي جـ "في نحو ذاك".
[ ٢ / ١٠٣١ ]
يعني: أنه يجوز حذف المعطوف عليه؛ لظهوره، ويستغنى بالعاطف والمعطوف نحو: "بلى وزيدا" لمن قال: "ألم تضرب عمرا؟ ".
ومنه قول العرب: "وبك وأهلا وسهلا" لمن قال: مرحبا١.
تنبيهان:
الأول: حذف المتبوع كثُر مع الواو كما مثّل، وقلّ مع الفاء. ومنه:
﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ ٢ أي: فضرب فانفلق.
ونذر مع "أو" كقول أبي أمية الهذلي٣:
_________________
(١) ١ والتقدير: مرحبا بك وأهلا، فالجار والمجرور وهو "بك" متعلقان بكلمة "مرحبا" المحذوفة، "وأهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة عطف مفرد على مفرد، فالمعطوف عليه محذوف وهو محل الشاهد، "وسهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف، ولكن سيبويه يجعل "مرحبا" و"أهلا" منصوبين على المصدر. ٢ من الآية ٦٣ من سورة الشعراء. ٣ شطر بيت من الطويل، وتمامه: يُوَشِّج أولاد العِشَار ويُفْضِل اللغة: "يوشج" -بالجيم- قال العيني: وهو من التوشيج بمعنى الإحكام، ويروى "يوشح" -بالحاء- وهو من التوشيح ومعناه التزيين، "أولاد العشار" الحديثات العهد بالنتاج. قال ثعلب: والعشار من الإبل: التي قد أتى عليها عشرة أشهر، وقيل: العشار: اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها وبعضها ينتظر نتاجها، "يفضل" من الإفضال وهو الإحسان والإجمال. المعنى: أن أبا أمية يمن على مخاطبه بأنه هو أو قبيلته حاطه ورعاه وكان به رفيقا أحوج ما يكون إلى الرعاية والرفق، وقد شبهه بأولاد العشار لضعفها وعدم استطاعتها شيئا، وأنه كأولاد العشار كان كَلًّا على الشاعر أو على قبيلته ولم يكن له من يتولى رعايته وحمايته قبل رعايتهم له أحد من آباء أو من إخوة. الإعراب: "فهل" الفاء بحسب ما قبلها وهل حرف استفهام، "لك" جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: هل أخ لك كائن أو موجود؟، "أو" حرف عطف، "من" زائدة، "والد" معطوف على أخ. والتقدير: فهل لك أخ أو والد؟ وإعراب الباقي واضح. الشاهد فيه: "أو من والد" حيث حذف المعطوف عليه، إذ التقدير: فهل لك من أخ أو من والد؟ و"من" في الموضعين زائدة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٢/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٤٠/ ٢.
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
فهل لكَ أو من والد لكَ قبلَنَا
أي: فهل لك من أخ أو من والد؟
والثاني: جعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ١ و﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ٢.
فقدّر بين الهمزة والعاطف محذوفا هو المعطوف عليه، وإلى ذلك ذهب محمد بن مسعود الغزني.
ومذهب الجمهور أن حرف العطف عطف ما بعده على الجملة قبله ولا حذف، ولكنه اعتنى بالهمزة فصدرت.
وقوله:
وعطفك الفعل على الفعل يصح
يعني: أن الأفعال في جواز عطف بعضها على بعض كالأسماء، نحو: "زيد قام وقعد، ويقوم ويقعد".
تنبيه:
أهمل المصنف شرطا في عطف الفعل، وهو اتحاد زمانهما٣.
فلا يعطف الماضي على المستقبل، ولا المستقبل على الماضي.
فإن قلت: فهل يشترط اتحاد اللفظ، أعنى: أن يكونا بصيغة الماضي أو بصيغة المضارع ؟
قلت: لا، بل يجوز عطف الماضي على المضارع نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ ٤ وعكسه نحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ من الآية ٩ من سورة الروم. ٢ من الآية ٨٢ من سورة غافر. ٣ أي: مضيا أو حالا أو استقبالا. ٤ فأوردهم معطوف على يقدم؛ لأنه بمعنى يوردهم، قاله أبو البقاء. وهو من الآية ٩٨ من سورة هود. ٥ الشاهد في "ويجعل" على قراءة الجزم، عطف على جعل الذي هو في محل جزم، وهو من الآية ١٠ من سورة الفرقان.
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
وإنما ساغ ذلك لاتحاد الزمان.
فإن قلت: ليس هذه المثل من عطف الفعل على الفعل، وإنما هي من عطف جملة على جملة.
قلت: لما كان الغرض منها إنما هو عطف الفعل؛ لأن فاعل الفعل الثاني هو فاعل الفعل الأول، صح أن يقال: إنها من عطف الفعل على الفعل.
وقوله:
واعطف على اسم شبه فِعْل فِعْلا
مثاله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا﴾ ١، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢.
فإن قلت: كيف جاز ذلك "وحرف"٣ العطف لا يربط بين مختلف الجنس؟
قلت: إنما جاز؛ لأن أحدهما مؤول بالآخر، فاتحد الجنس بالتأويل.
فإن قلت: فأيهما المؤول؟
قلت: الذي يؤول هو الحال محل الآخر "فيكون"٤ الأول كمثال الأول؛ لأن المصدقين صلة "أل" وحق الصلة أن تكون جملة، فأل مؤولة بالذي والمصدقين بتصدقوا.
وتارة يكون الثاني كالمثال الثاني؛ لأن صافات فيه حال، وأصل الحال أن يكون اسما، فيقبضن مؤول بقابضات.
وقوله:
وعكسا استعملْ تجدْهُ سهلا
_________________
(١) ١ الآية ١٨ من سورة الحديد. ٢ عطف "يقبضن" وهو مضارع على "صافات" وهو اسم فاعل؛ لأنها في معنى يصففن. ومعنى صافات: ناشرات أجنحتهن في الجو، ومعنى يقبضن: يضممن الأجنحة إلى الأجسام. وهو من الآية ١٩ من سورة الملك. ٣ ب، وفي أ، جـ "وحروف". ٤ أ، جـ، وفي ب "فتارة".
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
يعني: بالعكس أن تعطف الاسم المشابه للفعل على الفعل، كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ١.
وقول الراجز٢:
أم صبي قد حَبَا أو دارج
عطف "دارجا" على "قد حبا".
قال في شرح الكافية: لأن دارجا بمعنى درج.
قلت: ظاهر هذا أن الاسم في البيت ونحوه مؤول بالفعل، وليس بجيد، بل الظاهر أن "حبا" مؤول بحاب؛ لأنه في موضع النعت، وأصل النعت أن يكون اسما.
_________________
(١) ١ وقدر الزمخشري عطف "مخرج" على "فالق"، فيكون من عطف الاسم على الاسم، وهو من الآية ٩٥ من سورة الأنعام. ٢ قائله: قال العيني: أنشده المبرد ولم يعزه إلى قائله، وقيل: لجندب بن عمرو يذكر امرأة الشماخ بن ضرار الغطفاني، وهو من الرجز. وصدره: يا رُبَّ بيضاء من العواهج اللغة: "العواهج" -جمع عوهج- وهي في الأصل الطويلة العنق من الظباء والنوق والنعام، وأراد بها ههنا المرأة التامة الخلق، "حبا" زحف ومشى على عجزه، "دارج" اسم فاعل من درج الصبي، إذا مشى هينا متقارب الخطو. المعنى: يريد الشاعر امرأة تامة الخلق تشبه الظباء في طول عنقها، ولا يكون معها غير صبي يحبو، أو قريب عهد بالمشي لا يكاد يدرك. الإعراب: "يا" للتنبيه، "بيضاء" مبتدأ مجرور برب لفظا في محل رفع، "من العواهج" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لبيضاء، "أم" -بالجر- بدل أو عطف بيان لبيضاء باعتبار اللفظ وبالرفع باعتبار المحل، أو خبر لمبتدأ محذوف، "صبي" مضاف إليه، "حبا" فعل ماض والفاعل ضمير، والجملة صفة لصبي، "أو دارج" معطوف على "حبا" لتأويله بدرج. الشاهد فيه: "حبا أو دارج" حيث إنه عطف الاسم المشبه للفعل وهو "دارج" على الفعل وهو "حبا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٣/ ٢، وابن هشام ١٩٦/ ٣، وابن الناظم.
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
البدل:
هو اصطلاح البصريين، وأما الكوفيون فقال الأخفش: يسمونه بالترجمة والتبيين. وقال ابن كيسان: يسمونه بالتكرير.
وقوله:
التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمَّى بدلا
"التابع": جنس، و"المقصود بالحكم": يخرج النعت والتوكيد وعطف البيان؛ لأنهن مكملات للمقصود بالحكم، و"بلا واسطة" مخرج "لعطف"١ النسق.
وتخصيص الشارح المعطوف ببل وبلكن كما في شرح الكافية، يقتضي حمل المقصود على المستقل بالقصد، وإلا فلا وجه للتخصيص.
ولما عرّفه، أخذ في ذكر أقسامه فقال:
مطابقا أو بعضا أو ما يشتمل عليه يُلفَى أو كمعطوف ببل
هذه أربعة:
الأول: المطابق، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ ٢.
وهو المسمى بدل كل من كل٣.
قال في شرح الكافية: وذكر المطابقة أولى؛ لأنها عبارة صالحة لكل بدل يساوي المبدل منه في المعنى، بخلاف العبارة الأخرى. فإنها لا تصدق إلا على ذي أجزاء، وذلك غير مشروط للإجماع على صحة البدلية في أسماء الله تعالى، كقراءة غير نافع وابن عامر: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ من الآيتين ٦، ٧ من سورة الفاتحة. ٣ وإنما سماه الناظم البدل المطابق؛ لوقوعه في اسم الله تعالى. ٤ من الآية ١، ٢ من سورة إبراهيم.
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
الثاني: بدل بعض من كل، نحو: "قبضت المال نصفه" والبعض عند البصريين يقع على أكثر الشيء وعلى نصفه وعلى أقله.
وعن الكسائي وهشام: أن بعض الشيء لا يقع إلا على ما دون نصفه؛ ولذلك منع أن يقال: "بعض الرجلين لك١" أي: أحدهما.
الثالث: بدل اشتمال، وهو ما صح الاستغناء عنه بالأول، وليس مطابقا له ولا بعضا.
وقيل: هو ما لابس الأول بغير الكلية والجزئية.
وقيل: إما دالّ على معنى في متبوعه نحو: "أعجبني زيدٌ حسنُهُ".
أو مستلزم معنى فيه نحو: "أعجبني زيدٌ ثوبُهُ".
والأول هو الكثير.
الرابع: بدل مباين مطلقا، بحيث لا يشعر به ذكر المبدل منه بوجه؛ ولهذا شبهه بالمعطوف ببل، وهو قسمان سيأتي ذكرهما.
تنبيهات:
الأول: لا بد في "بدل"٢ الاشتمال من مراعاة أمرين:
أحدهما: إمكان فهم معناه عند الحذف، ومن ثَمَّ جعل نحو: "أعجبني زيد أخوه" بدل إضراب لا بدل اشتمال، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول، والآخر: حسن الكلام على تقدير حذفه، ومن ثم امتنع نحو: "أسرجت زيدا فرسه"؛ لأنه وإن فهم معناه في الحذف، فلا يستعمل مثله ولا يحسن.
فلو ورد مثل هذا في الكلام، لكان بدل غلط.
الثاني: اشتراط أكثر النحويين في بدل "البعض"٣ وبدل الاشتمال ضميرا عائدا على المبدل منه.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ أ، جـ. ٣ أ، ب، وفي جـ "الغلط".
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
قال المصنف: والصحيح عدم اشتراطه، لكن وجوده أكثر من عدمه، ذكر من الشواهد على الاستغناء عن الضمير في بدل البعض قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١.
وفي بدل الاشتمال، قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ ٢.
قلت: وتُؤُولت الآيتان على حذف الضمير، أي: منهم وفيه.
وظاهر التسهيل أنه لا بد من ضمير أو ما يقوم مقامه٣، ومثّل "للقائم"٤ مقامه بـ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾، فالألف واللام تقوم مقام الضمير.
وذهب الفراء وتبعه ابن الطراوة إلى أن "النار" بدل كل من كل، عبر بالأخدود عن النار لما كان مشتملا عليها كقولهم: "عفيف الإزار".
وقال ابن هشام: الأولى أن يكون على حذف مضاف، أي: أخدود النار. وقال ابن خروف: هو بدل إضراب.
الثالث: اختُلف في المشتمِل في بدل الاشتمال، فقيل: هو الأول، وقيل: الثاني، وقيل: العامل.
فإن قلت: فما المفهوم من كلامه؟
قلت: قوله: "أو ما يشتمل عليه" يحتمل القول الأول والثالث.
وإلى الأول ذهب في التسهيل٥.
_________________
(١) ١ "من استطاع" بدل من "الناس"، وهو من الآية ٩٧ من سورة آل عمران. ٢ "النار" بدل من "الأخدود"، والأخدود: الشق في الأرض، وأصحابه هم: أنطيانوس ملك الروم، وبختنصر ملك الفرس، ويوسف ذو نواس ملك نجران، حفر كل منهم شقا عظيما وملأه نارا، وأمر بأن يلقى فيه كل من لم يكفر، وأل في الأخدود للجنس؛ لأنها أخاديد لا أخدود واحد. وهو من الآية ٤، ٥ من سورة البروج. ٣ التسهيل ص١٧٢. ٤ ب، وفي أ، جـ "القائم". ٥ التسهيل ص١٧٣.
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
الرابع: رد السهيلي بدل البعض، وبدل الاشتمال إلى بدل الكل، فقال: العرب تتكلم بالعام وتريد به الخاص، وتحذف المضاف وتنويه.
فإذا قلتَ: "أكلت الرغيف ثلثه"، إنما تريد: أكلت بعض الرغيف، "ثم"١ بينتَ ذلك البعض.
وبدل المصدر من الاسم إنما هو في الحقيقة من صلة مضافة إلى ذلك الاسم.
الخامس: زاد بعضهم في الإبدال بدل كل من بعض، كقول امرئ القيس٢:
كأني غَدَاةَ البَيْنِ يومَ تحمّلوا
ونفاه الجمهور، وتأولوا البيت٣.
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ صدر بيت من الطويل، وتمامه: لدى سَمُرات الحي ناقف حنظل اللغة: "غداة البين" الفراق، "لدى" بمعنى عند، "السمرات" -جمع سمرة- وهي شجرة الطلع، "ناقف" -بالنون وبعد الألف قاف ثم فاء- وناقف الحنظل: الذي يستخرج الهبيد -بفتح الهاء وكسر الباء وبعدها ياء وفي آخره دال- وهو حب الحنظل، ويروى: "ترحلوا". المعنى: إني أبكي كناقف الحنظل؛ لأن ناقف الحنظل تدمع عيناه لحرارته. الإعراب: "كأني" كأن حرف تشبيه والضمير المتصل به اسمه، "غداة" منصوب على الظرفية، "البين" مضاف إليه، "يوم" منصوب على الظرفية، "تحملوا" فعل ماض وفاعله، "لدى" ظرف، "سمرات" مضاف إليه، "الحي" مضاف إليه، "ناقف" خبر كأن مرفوع بالضمة الظاهرة، "حنظل" مضاف إليه. الشاهد فيه: "يوم تحملوا" فإنه بدل كل من بعض من قوله: "غداة البين". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٧/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٧/ ٢. ٣ من وجوه التأويل التي تأولوا بها البيت أن "اليوم" ليس اسما للوقت الممتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولكنه اسم للوقت مطلقا طال أو قصر، نظير قولهم: "إنما ادخرتك لهذا اليوم" يريدون لهذا الوقت، وعلى هذا يكون إبدال "يوم" من "غداة البين" من نوع بدل الكل من الكل.
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
وقوله:
وذا للاضراب اعْزُ إن قصدا صحب ودون قصد غَلَط به سُلِب
الإشارة إلى القسم الرابع، أعنى: المباين، فذكر أنه نوعان:
أحدهما: يسمى بدل الإضراب، وبدل البداء أيضا، وهو ما يذكر متبوعه بقصد كقولك: "أعط السائل رغيفا درهما"، ومنه قوله ﵊: "إن الرجل ليصلي الصلاة، وما كتب له نصفُها ثُلثها" إلى "عشرها".
ولم يثبت بعضهم بدل البداء.
والآخر: يسمى بدل الغلط، وهو ما لا يقصد متبوعه بل يجري على لسان المتكلم من غير قصد.
وهذا النوع، قال المبرد وغيره: لا يوجد في كلام "العرب"١ لا نثرها ولا نظمها، وإنما يقع في لفظ "الغلاط"٢.
وزعم قوم، منهم ابن السيد أنه وجد في شعر العرب، كقول ذي الرمة٣:
_________________
(١) ١ ب، جـ. ٢ ب، جـ، وفي أ "الغالط". ٣ صدر بيت من البسيط، وتمامه: وفي اللَّثَات وفي أنيابها شَنَب اللغة: "لمياء" فعلاء -من اللمى- وهي سمرة في باطن الشفة. يقال: امرأة لمياء وظل ألمى: كثيف أسود، "حوة" -بضم الحاء وتشديد الواو- أيضا حمرة في الشفتين تضرب إلى السواد، "لعس" -بفتح اللام والعين- أيضا سمرة في باطن الشفة. يقال: امرأة لعساء، "اللثات" -بكسر اللام وتخفيف الثاء- جمع لثة، وهي معروفة، "شنب" -بفتح الشين والنون- برد وعذوبة في الأسنان. يقال: هو تحديد الأسنان ودقتها. =
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
لمياء في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ
قال: "لعس" بدل غلط؛ لأن الحوة السواد، واللعس سواد يشوبه حمرة، وذكر بيتين آخرين، ولا حجة له فيما ذكره؛ لإمكان تأويله١.
فإن قلت: ما معنى قوله: "به سلب"؟
قلت: يعني: أن بدل الغلط سلب الحكم عن الأول وأثبته للثاني.
فإن قلت: كيف قال: "ودون قصد" ولا بد من قصد البدل في النوعين، أعني: بدل الإضراب وبدل الغلط؟
قلت: إنما يعني نفي القصد في بدل الغلط "بقصد الأول لا الثاني"٢.
تنبيه:
زاد ابن عصفور بدل النسيان نحو: "مررت برجل امرأة" إذا توهمت أن الممرور به رجل، ثم تذكرت أنه امرأة.
وقد أدرجه الشارح في بدل الغلط، وإدراجه في بدل الإضراب أقرب. ولما ذكر أقسام البدل مثّلها في قوله:
_________________
(١) = الإعراب: "لمياء" خبر لمبتدأ محذوف مرفوع بالضمة، أي: هي لمياء، "في شفتيها" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "حوة" مبتدأ مؤخر، "لعس" بدل غلط من "حوة"، "في اللثات" جار ومجرور خبر مقدم، "وفي أنيابها" عطف عليه، "شنب" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "لعس" فإنه بدل غلط من "حوة"؛ لأن الحوة السواد، واللعس سواد تشوبه حمرة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٨/ ٢، وذكره السيوطي في الهمع ١٢٦/ ٢. ١ كأن يقال: "لعس" مصدر وصفت به الحوة، أي: حوة لعساء. هذا، وقد قيل: كل من الحوة واللعس حمرة تُضرَب إلى سواد، وعليه فلعس بدل كل من كل، فلا شاهد فيه. هـ صبان ٩٨/ ٣. ٢ أ، جـ أي: نفي قصد الأول، وفي ب "يقصد الثاني لا الأول".
[ ٢ / ١٠٤١ ]
كَزُرْهُ خالدا وقبِّلْه اليدا واعرفه حقه وخذ نَبْلا مُدَى
فزره خالدا بدل كل، وقبله اليدا بدل بعض، واعرفه حقه بدل اشتمال، وخذ نبلا مدى بدل إضراب إن قدر قصد الأول، وبدل غلط إن قدر عدم قصده.
فإن قلت: قد فهم من كون البدل تابعا، أنه يوافق متبوعه في الإعراب، فما حاله في التعريف والتذكير والإفراد وأضدادها؟
قلت: أما التعريف والتنكير فلا يلزم موافقته لمتبوعه فيهما، بل تبدل المعرفة من المعرفة نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ١، في قراءة من جر.
والنكرة من النكرة نحو: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ ٢.
والمعرفة من النكرة نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ٣.
والنكرة من المعرفة نحو: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ ٤.
واشترط الكوفيون في إبدال النكرة من النكرة أن تكون موصوفة، واشترطوا في إبدال النكرة من المعرفة شرطين: اتحاد اللفظ، وكونها موصوفة، كذلك نقل المصنف.
ونقل غيره اشتراط الأول من الشرطين عن نحاة بغداد لا عن نحاة الكوفة، وكلام أهل الكوفة يدل على عدم اشتراطه، ووافقهم على اشتراط "الثاني طائفة من
_________________
(١) ١ فالله بدل من "العزيز"، وهو من الآية ١، ٢ من سورة إبراهيم. ٢ "حدائق" بدل من "مفازا"، وهو من الآية ٣١، ٣٢ من سورة النبأ. ٣ فالصراط الثاني معرفة بالإضافة، وقد أبدل من الأول وهو نكرة، وهو من الآية ٥٢، ٥٣ من سورة الشورى. ٤ فناصية الثانية نكرة، وقد أبدلت من الأولى وهي معرفة، وهي من الآية ١٥، ١٦ من سورة العلق.
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
المتأخرين، وحكي عن الكوفيين أيضا اشتراط"١ اتحاد اللفظ في بدل المعرفة من النكرة.
والصحيح أنه لا يشترط "شيء"٢ من ذلك؛ لورود السماع به.
قال في الارتشاف: وقد سمع إبدال النكرة من المعرفة، وليست من لفظ الأول ولا موصوفة، وهو مذهب البصريين.
وأما التذكير والإفراد وأضدادهما، فإن كان بدل كل وافق متبوعه فيها ما لم يمنع مانع من التثنية والجمع، ككون أحدهما مصدرا نحو: ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾ أو قصد التفصيل نحو٣:
وكنتُ كذي رِجْلينِ رِجْلٍ صحيحةٍ ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلت
وإن كان غيره من أنواع البدل لم يلزم موافقته فيما ذكر.
قوله:
ومن ضمير الحاضر الظاهر لا تُبدله إلا ما إحاطة جلا
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ. ٣ قائله: كثير عزة، وهو من الطويل. المعنى: وصف كلفه بمن يحب وحرصه على الإقامة عندها، فتمنى أن تشل إحدى رجليه وهو عندها حتى لا يرحل عنها. الإعراب: "وكنت" الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص والتاء اسمه، "كذي" جار ومجرور خبر كان، "رجلين" مضاف إليه، "رجل" -بالجر- بدل من رجلين، "صحيحة" صفتها، "ورجل" -بالجر- عطف على رجل الأولى، ويجوز نصب "رجل" في الموضعين على إضمار أعني، ويجوز رفعهما على حذف المبتدأ، أي: إحداهما رجل، "رمى" فعل ماض، "فيها" متعلق برمى، "الزمان" فاعل رمى، ومفعول رمى محذوف، تقديره: رمى فيها الزمان داء، "فشلت" عطف على رمى. الشاهد فيه: "رجل صحيحة"، فإن "رجل" نكرة أبدلها من "رجلين" وهو أيضا نكرة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٢٣٨/ ٢، وذكره ابن يعيش ٦٨/ ٣، وسيبويه ٢١٥/ ١، وابن هشام في المغني ٩٤/ ٢، والشاهد رقم ٣٧٣ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
أو اقتضى بعضا أو اشتمالا كأنك ابتهاجَكَ استمالا
اعلم أنه يجوز إبدال الظاهر من "الظاهر"١، وإبدال الظاهر من المضمر على تفصيل، وهو أن الضمير إن كان لغائب أبدل منه الظاهر مطلقا نحو: "ضربته زيدا".
وإن كان لحاضر، أبدل منه بدل البعض نحو٢:
أوعدني بالسجن والأداهم رجلي فرجلي شثنة المناسم
في أحد الأوجه.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "المضمر". ٢ قائله: هو العديل -بزنة التصغير- بن الفرخ -بزنة القتل- وكان قد هجا الحجاج بن يوسف الثقفي، وهرب إلى الروم واستنجد بالقيصر فحماه، ثم أرسل الحجاج إلى قيصر يتهدده إن لم يرسله، فلما مثل بين يديه عنفه، وهو من الرجز. اللغة: "أوعدني" تهددني، "الأداهم" -جمع أدهم- وهو القيد، "شثنة" غليظة خشنة، "المناسم" -جمع منسم- بزنة مجلس، وأصله طرف خف البعير، فاستعمله في الإنسان، وإنما حسن ذلك لأنه يريد أن يصف نفسه بالجلادة والصبر على احتمال المكروه. الإعراب: "أوعدني" فعل ماض وفاعله مستتر فيه والنون للوقاية والياء مفعول به، "بالسجن" جار ومجرور متعلق بأوعد، "والأداهم" معطوف على السجن، "رجلي" بدل بعض من ياء المتكلم في أوعدني والياء مضاف إليه، "فرجلي" مبتدأ، "شثنة" خبره، "المناسم" مضاف إليه. الشاهد فيه: "أوعدني رجلي" حيث أبدل الاسم الظاهر وهو "رجلي" بدل بعض من كل من ضمير الحاضر، وهو ياء المتكلم الواقعة مفعولا لأوعد. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٣٩/ ٢، وابن عقيل ١٨٧/ ٢، والمكودي ص١٢٤، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش في شرح المفصل ٧٠/ ٣، والسيوطي في الهمع ١٢٧/ ٢، وابن هشام في الشذور ص٤٥٧، والشاهد رقم ٣٦٨ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
وبدل الاشتمال نحو١:
وما أَلْفيتني حِلْمي مُضَاعا
ومثله قوله: "ابتهاجك استمالا"٢.
وأما بدل الكل، فإما أن يفيد معنى الإحاطة كالتوكيد، أو لا.
فإن أفاد معنى الإحاطة جاز نحو: "جئتم صغيركم وكبيركم"، ومنه ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قائله: هو عدي بن زيد العبادي شاعر جاهلي، وهو من الوافر. صدره ذريني إن أمركِ لن يطاعا اللغة: "ذريني" دعيني -يخاطب امرأة- أمر من يذر بمعنى يدع، "ألفيتني" وجدتني. المعنى: يخاطب عاذلته على إتلاف ماله فيقول: ذريني من عذلك، فإني لا أطيع أمرك، فالحلم وصحة التمييز والعقل يأمرنني بإتلافه في اكتساب الحمد ولا أَضيع. الإعراب: "ذريني" فعل أمر مبني على حذف النون وياء المخاطبة فاعله والنون للوقاية والياء مفعول به، "إن" حرف توكيد ونصب، "أمرك" اسم إن والكاف مضاف إليه، "لن" نافية ناصية، "يطاعا" فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه والألف للإطلاق، والجملة في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها لا محل لها مستأنفة للتعليل، "وما" الواو عاطفة وما نافية، "ألفيتني" فعل ماض وتاء المخاطبة فاعله والنون للوقاية والياء مفعوله الأول، "حلمي" بدل اشتمال من ياء المتكلم في ألفيتني، والياء مضاف إليه، "مضاعا" مفعول ثانٍ لألفي. الشاهد فيه: "ألفيتني حلمي" حيث أبدل الاسم الظاهر وهو "حلمي" بدل اشتمال من ضمير الحاضر، وهو ياء المتكلم في "ألفيتني". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٣٩/ ٢، وابن عقيل ١٨٦/ ٢، والمكودي ص١٢٤، وذكره سيبويه ٧٨/ ١، وابن يعيش ٦٥/ ٣، والسيوطي في الهمع ١٢٧/ ٢، والشاهد رقم ٣٦٩ في الخزانة، وابن هشام في الشذور ص٤٥٧. ٢ أي: فرحك استمالا -السين والتاء زائدتان أو للصيرورة- أي: أملت القلوب إليك أو صيرتها مائلة إليك، وابتهاجك بدل من الضمير في أنك، واستمالا خبر أن. ٣ أي: لجميعنا؛ لأن عادة العرب التعبير بالطرفين وإرادة الجمع. فأولنا وآخرنا بدل كل من الضمير "نا" المجرور باللام، وهو من الآية ١١٤ من سورة المائدة.
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
وإلا فمذاهب١.
أحدها: المنع، وهو قول جمهور البصريين٢.
والثاني: الجواز، وهو قول الأخفش والكوفيين، وسمع الكسائي إلى أبي عبد الله وقال٣:
بكُمْ قريشٍ كُفينا كل معضِلة
والثالث: أنه يجوز في الاستثناء نحو: "ما ضربتكم إلا زيدا" وهو قول قطرب٤.
_________________
(١) ١ وإلا، أي: فإن لم يكن فيه معنى الإحاطة. ٢ لعدم الفائدة، إذ ضمير الحاضر في غاية الوضوح. ٣ قائله: لم أقف على قائله، وهو من البسيط. وتمامه: وأمّ نهج الهدى من كان ضِلِّيلا اللغة: "كفينا" أي: وقينا، "معضلة" -بكسر الضاد- اسم فاعل من أعضل الأمر؛ إذا اشتد وصعب المخرج منه، "أم" قصد، "نهج الهدى" طريقه، "ضليلا" -بكسر الضاد وتشديد اللام مكسورة- الشديد الضلال. الإعراب: "بكم" جار ومجرور متعلق بكفينا، "قريش" بدل من كاف المخاطبين المجرورة محلا بالباء، "كفينا" فعل ماض مبني للمجهول وضمير المتكلم عن نفسه وغيره نائب فاعل، وهو المفعول الأول، "كل" مفعول ثانٍ لكفي، "معضلة" مضاف إليه، "وأم" الواو عاطفة وأم فعل ماض، "نهج" مفعول به لأم، "الهدى" مضاف إليه، "من" اسم موصول فاعل أم مبني على السكون في محل رفع، "كان" فعل ماض ناقص واسمه ضمير مستتر فيه يعود إلى "من"، "ضليلا" خبر كان، وجملة كان واسمه وخبره لا محل لها صلة الموصول. الشاهد فيه: "بكم قريش" حيث أبدل الاسم الظاهر وهو "قريش" من ضمير الحاضر وهو ضمير المخاطبين المجرور محلا بالباء -بدل كل من كل- من غير أن يبدل البدل على الإحاطة. مواضعه: ذكره ابن هشام في شذور الذهب ص٤٥٨. ٤ وفيه نظر: بأن زيدا ليس بدل كل من ضمير المخاطبين بل بدل بعض، ويظهر لي أنه لا يوجد مثال يكون فيه المستثنى بدل كل من المستثنى منه، هـ صبان ٩٩/ ٣.
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
وأما إبدال المضمر من المضمر فنحو: "رأيتك إياك"، وتقدم الخلاف فيه في باب التوكيد.
وأما إبدال المضمر من الظاهر فنحو: "رأيت زيدا إياه".
قال في التسهيل: ولا يُبدل مضمر من مضمر ولا من ظاهر، وما أوهم ذلك جُعل توكيدا إن لم يُفِد إضرابا١.
وقال في شرحه: والصحيح عندي أن نحو: "رأيت زيدا إياه" لم يستعمل في كلام العرب نثره ونظمه، ولو استعمل لكان توكيدا.
وأشار بقوله: ما لم يفد إضرابا إلى نحو: إياك وإياي قصد زيد، تريد: إياي فإنه بدل
قوله:
وبَدَل المُضمن الهمز يلي همزا كمن ذا أسعيد أم علي
يعني: أن المبدل من اسم الاستفهام لا بد من اقترانه بالهمزة، وقد مثّله.
تنبيه:
نظير هذه المسألة بدل اسم الشرط، فإنه يقرن بإن نحو: "متى تقم إن ليلا، وإن نهارا قمت".
قوله:
ويُبدَل الفعل من الفعل كمن يصل إلينا يَستعِنْ بنا يُعَن
يجوز إبدال الفعل من الفعل بدل كل، قال في البسيط: باتفاق، ومنه٢:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٧٢. ٢ قائله: عبيد الله بن الحر الجعفي، وهو من الطويل. وتمامه: تَجِدْ حطبا جَزْلا ونارا تأججا اللغة: "تلمم" يقال: ألمّ الرجل بالقوم إلماما: أتاهم، "حطبا جزلا" أي: غليظا. المعنى: أنهم يوقدون الحطب الجزل لتقوى نارهم، فينظر إليها الضيوف على بعد ويقصدوها. الإعراب: "متى" ظرف زمان للشرط العامل فيه تأتنا، "تأتنا" تأت مجزوم بحذف حرف العلة وهو فعل الشرط ونا مفعول والفاعل ضمير مستتر، "تلمم" فعل مضارع بدل من تأتنا =
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
وبدل الاشتمال نحو: ﴿يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ﴾ ١، و"من يصل إلينا يستعن بنا يُعَن" وحكى في البسيط فيه خلافا.
ولا يبدل بدل بعض، وأما بدل الغلط فقال في البسيط: جوّزه سيبويه وجماعة من النحويين، والقياس يقتضيه٢.
تنبيهان:
الأول: ذكر كثير من النحويين أن الجملة قد تبدل من الجملة، ومثله الشارح بقوله٣:
_________________
(١) = وفاعله ضمير مستتر، "بنا" متعلق بالفعل، "في ديارنا" جار ومجرور ونا مضاف إليه، "تجد" جواب الشرط مجزوما والفاعل ضمير، "حطبا" مفعول، "جزلا" صفة، "ونارا" معطوف على حطب، "تأججا" فعل ماض وفاعله ضمير النار والألف للإطلاق. الشاهد فيه: "تأتنا تلمم" فالفعل "تلمم" بدل من الفعل "تأتنا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: المكودي ص١٢٤، والسيوطي ص١٠١، والهمع ١٢٨/ ٢، وسيبويه ٤٤٦/ ١، والأشموني ٤٤٠/ ٢. ١ من الآية ٦٨، ٦٩ من سورة الفرقان. ٢ ومثّله الشاطبي بنحو: "إن تطعم زيدا تكسه أكرمك". ٣ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. وتمامه: وإلا فكن في السر والجهر مسلما الإعراب: "أقول" فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه، "له" جار ومجرور متعلق به، "ارحل" فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة مقول القول، "لا تقيمن" جملة مؤكدة بالنون وقعت بدلا من قوله "ارحل"، "وإلا" أي: وإن لم ترحل، وهي فعل الشرط، "فكن" الفاء واقعة في جواب الشرط، "كن" فعل أمر واسمها ضمير مستتر، "في السر" جار ومجرور، "والجهر" عطف عليه، "مسلما" منصوب على أنه خبر لكان. الشاهد فيه: "لا تقيمن"، فإنه جملة بدل عن جملة أخرى وهي "ارحل". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٠/ ٢، وابن الناظم.
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
وبقوله ﷿: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا﴾ ١.
وبقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ٢.
وبقوله ﷿: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
وفي الارتشاف: وما استدل به لا يقوم به حجة.
الثاني: أجاز ابن جني والزمخشري والمصنف أن تبدل الجملة من المفرد، وجعل المصنف من ذلك: "عرفت زيدا أبو من هو"٤.
وجعل الزمخشري قوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ٥ بدلا من النجوى.
وجعل ابن جني "كيف يلتقيان" بدلا من حاجة وأخرى في قوله٦:
_________________
(١) ١ من الآية ٨١، ٨٢ من سورة "المؤمنون". ٢ من الآية ١٣٢، ١٣٣ من سورة الشعراء. ٣ من الآية ٢١ من سورة يس. ٤ "أبو" مبتدأ، و"من" مضاف إليه، و"هو" خبر، والجملة بدل من "زيدا" بدل اشتمال، لا مفعول ثانٍ؛ لأن عرف إنما يتعدى إلى مفعول واحد. ٥ وقبله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . ٦ قائله: قال العيني: احتج به أبو الفتح وغيره، ولم أر أحدا عزاه إلى قائله، وقيل: قائله الفرزدق. يشكو من تفرق حاجاته وتباعد ما بينها، وأنه موزع القلب مشتت البال، وهو من الطويل. الإعراب: "إلى الله" متعلق بأشكو، "بالمدينة" متعلق بمحذوف حال من حاجة تقدمت عليها، "حاجة" مفعول أشكو، "وبالشام" معطوف على الجار والمجرور، "أخرى" معطوف على حاجة، وهما معمولان لأشكو، "كيف" اسم استفهام حال تقدمت على صاحبها وعاملها، "يلتقيان" فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل، والجملة بدل اشتمال من حاجة وأخرى. الشاهد فيه: "كيف يلتقيان؟ " حيث أبدل هذه الجملة من مفرد وهو "حاجة" و"أخرى" بدل كل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٠/ ٢، وابن هشام ٢١٤/ ٣، والسيوطي ص١٠١. وذكره ابن هشام أيضا في المغني ١٧٤/ ١، ٧٠/ ٢، وذكره السيوطي أيضا في الهمع ١٢٨/ ٢.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان؟
كأنه قال: أشكو هاتين الحاجتين تعذُّر التقائهما.
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
النداء:
فيه لغتان: كسر النون، وضمها.
ومعناه لغة: الدعاء.
واصطلاحا: دعاء بحروف مخصوصة، وهي: يا، وأي، وأَيَا، وهيا، والهمزة، ووا في الندبة.
وزاد الكوفيون: آ، وآيْ بالمد.
وأخبر سيبويه رواية عن العرب أن الهمزة للقريب المصغي، وأن ما سواها للبعيد مسافة أو حكما.
وعلى مذهب سيبويه اعتمد الناظم فقال:
وللمنادى الناءِ أو كالناء يا وأَيْ وآ كذا أَيَا ثم هَيَا
والهمز للداني
فالنائي: هو البعيد مسافة، وكالنائي: هو البعيد حكما كالساهي، والداني: هو القريب، ولا حاجة إلى ذكر سائر المذاهب؛ لأن قائليها لم يعتمدوا إلا على الرأي، والرواية لا تعارض بالرأي، كذا قال المصنف.
وقوله: ووا لمن ندب.
يعني: مختصة بالندبة، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، وأجاز بعضهم استعمالها في غير الندبة قليلا.
وقوله: "أو يا" يعني: أن "يا" قد تستعمل في الندبة بشرط أمن اللبس١، فإن خِيفَ التباس المندوب بغيره تعينت "وا"٢.
_________________
(١) ١ مثال أمن اللبس قوله: حُمِّلتَ أمرا عظيما فاصطبرتَ له وقمت فيه يأمر الله يا عمرا فصدور ذلك بعد موت عمر دليل على أنه مندوب، وليس الدليل الألف لأنها تلحق آخر المستغاث والمتعجب منه. هـ ١٠٣/ ٣ صبان. ٢ مثل خوف اللبس فتقول عند قصد ندبة زيد الميت وبحضرتك من اسمه زيد: وا زيد -بالواو- إذ لو أتيت بيا، لتبادر إلى فهم السامع أنك قصدت النداء. هـ ١٠٣/ ٣ صبان.
[ ٢ / ١٠٥١ ]
ولذلك قال:
وغير وا لدى اللبس اجتُنب
تنبيهات:
الأول: أجمعوا على أن نداء القريب بما للبعيد يجوز توكيدا، وعلى منع العكس.
الثاني: ذهب بعض النحاة إلى أن هذه الأدوات أسماء أفعال محتملة لضمائر مستترة.
الثالث: ذهب ابن السكيت١ إلى أن ها "هيا" بدل من همزة "أيا" وتبعه ابن الخشاب٢.
الرابع: قال في شرح التسهيل: لم يذكر آ، وآي -بالمد- إلا الكوفيون، رووهما عن العرب الذين يثقون بعربيتهم، ورواية العدل مقبولة.
قلت: وذكر غيره أن الأخفش حكى "آ" في الكبير، وجعلها ابن عصفور للقريب كالهمزة.
وقوله:
وغير مندوب ومُضْمَر وما جا مستغاثا قد يُعَرَّى فاعلما
المنادى قسمان:
_________________
(١) ١ هو يعقوب بن إسحاق بن السكيت، كان عالما بنحو الكوفيين وعلم القرآن واللغة، وأخذ عن البصريين والكوفيين كالفراء وأبي عمرو الشيباني، وله تصانيف كثيرة في النحو ومعاني الشعر، ومات يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين. ٢ هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب أبو محمد النحوي، قال القفطي: كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال: إنه كان في درجة الفارسي، وكانت له معرفة بالحديث والتفسير واللغة والمنطق والفلسفة، وله تصانيف كثيرة؛ فقد صنف شرح الجمل للجرجاني، والرد على ابن بابشاذ في شرح الجمل، وشرح اللمع لابن جني ولكن لم يتم، وغير ذلك. توفي عشية الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة.
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
فالأول: يمتنع حذف حرف النداء معه، وهو المندوب نحو: "وا زيداه"، والمضمر نحو: "يا أنت ويا إياك"، والمستغاث نحو: "يا لزيد".
فإن قلت: ما سبب "منع"١ الحذف مع هذه الثلاثة؟
قلت: أما المندوب والمستغاث؛ فلأن المطلوب فيهما مد الصوت، والحذف ينافيه. وأما المضمر فلأن الحذف معه تفوت به الدلالة على النداء.
تنبيه:
فهم من كلامه جواز نداء المضمر، وفيه تفصيل.
فإن كان لمتكلم أو غائب لم يجز، لا يقال: "يا أنا"، ولا "يا هو"، و"إن كان"٢ لمخاطب ففيه خلاف. قال في الارتشاف: والصحيح المنع. انتهى.
وقد سمع ما ظاهره نداء المضمر بصيغة النصب كقوله: "يا إياك قد كفيتُكَ"٣ وهو القياس، وبصيغة الرفع كقوله٤:
_________________
(١) ١ أ. ٢ أ، جـ. ٣ قيل: إن الأحوص اليربوعي وفد مع ابنه على معاوية، فقام الأب فخطب، فلما انتهى قام الابن ليخطب، فقال له الأب ذلك، أي: قد أغنيتك عن القول. ٤ قائله: هو الأحوص اليربوعي، قاله العيني، وصوب أنه لسالم بن دارة في مُرّ بن واقع، وتمامه: أنت الذي طلَّقت عام جُعْتَا وهو من الرجز. اللغة: "الأبجر" المنتفخ البطن، "طلقت" فارقت حلائلك، "عام جعتا" أي: في الوقت الذي وقعت فيه المجاعة. المعنى: يذم المخاطب بأنه عظيم البطن وابن عظيمها، ويقول: أنت الذي فارقت زوجاتك حين لم تجد ما تسد به رمقك وتملأ به بطنك، وأبيت السعي لجلب رزقهن. الإعراب: "يا" للنداء، "أبجر" منادى مبني على الضم، "ابن" صفة، "أبجر" مضاف إليه، وكان حق أبجر الجر بالفتحة لوزن الفعل ولكنه صرف للضرورة، "يا" للنداء، "أنتا" منادى مبني على ضم مقدر منع منه حركة البناء الأصلي، والألف للإطلاق. الشاهد فيه: "يا أنتا"، حيث نادى الضمير الذي في موضع الرفع. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٣/ ٢، وابن هشام ٢٢٠/ ٣. وذكره ابن يعيش ١٢٧/ ١، والسيوطي في الهمع ١٧٤/ ١، والشاهد ١٠٥ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
يا أبجرُ بنَ أبجرِ يا أنتا
وهو من نيابة بعض الضمائر عن بعض.
وتأول بعضهم: "يا إياك" على أن "يا" للتنبيه و"إياك" منصوب بمقدر يدل عليه الظاهر بعده.
و"يا أنت" على أن "يا" للتنبيه و"أنت" مبتدأ، و"أنت" الثاني مبتدأ ثانٍ أو توكيد، أو فصل، أو بدل، والخبر الموصول.
والقسم الثاني: يجوز فيه حذف النداء -وهو ما عدا القسم الأول- إلا أن منه ما يقل الحذف معه، ومنه ما يكثر.
وقد نبّه على ما يقل بقوله:
وذاك في اسم الجنس والمشار له قل ومن يمنعه فانصر عاذله
الإشارة إلى تعرِّيه من الحرف. ومن حذفه من اسم الجنس قوله: "ثوبي حَجَر" ١.
وجاءت منه ألفاظ في النثر والنظم.
ومذهب البصريين: أن حذف حرف النداء منه، لا يجوز إلا في شذوذ أو ضرورة.
وهو عند الكوفيين قياس مطرد.
_________________
(١) ١ قاله ﵊ حكاية عن موسى -﵇- حين فر الحجر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل، وكان رخاما.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
ومن حذفه من اسم الإشارة قوله١:
بمثلك هذا لوعة وغرام
وسمع منه أبيات.
ومذهب البصريين: أنه لا يجوز؛ ولذلك لحنوا أبا الطيب في قوله٢:
هذي بَرَزتِ لنا فهجتِ رَسِيسا
_________________
(١) ١ قائله: هو ذو الرمة -غيلان بن عقبة- وهو من الطويل. وصدره: إذا هَمَلت عيني لها قال صاحبي اللغة: "هملت العين" سال دمعها، "لوعة" اللوعة: حرقة القلب من ألم الحب، "غرام" شدة رغبة. المعني: كلما بكى وسال دمعه عند تذكر المحبوبة قال له صاحبه: يا هذا، إنك شديد الحب لها والغرام بها، وهو لا يستطيع أن يعمل له شيئا يخفف من لوعته. الإعراب: "إذا" شرطية، "هملت" فعل الشرط والتاء للتأنيث، "عيني" فاعله، "لها" متعلق بهملت، واللام للتعليل، أي: لأجل المحبوبة، "قال" فعل ماض جواب الشرط، "صاحبي" فاعله مضاف للياء، "بمثلك" جار ومجرور خبر مقدم، "هذا" ها للتنبيه، وذا اسم إشارة منادى على حذف حرف النداء، "لوعة" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب مقول القول، "وغرام" عطف على لوعة. الشاهد فيه: "هذا"، حيث حذف منه حرف النداء. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٣/ ٢، وابن هشام ٢٢٢/ ٣، والمكودي ص١٢٤، وذكره السيوطي في الهمع ١٧٤/ ١. ٢ قائله: هو أبو الطيب -أحمد بن الحسين المتنبي- وهو من الكامل. وتمامه: ثم انثنيتِ وما شفيتِ نسيسا اللغة: "برزت" ظهرت، "فهجت" من هاجه إذا أثاره، "رسيسا" -بفتح الراء وكسر السين- وهو مس الحمى أو الهم، "نسيسا" -بفتح النون وكسر السين- بقية النفس. الإعراب: "هذي" منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا هذه، "برزت" فعل ماض والتاء فاعل، "لنا" جار ومجرور متعلق ببرزت، "فهجت" الفاء عاطفة وهاج فعل ماض والتاء فاعل والجملة عطف على "برزت"، "رسيسا" مفعوله، وإعراب الباقي واضح. الشاهد فيه: "هذي" حيث حذف منه حرف النداء، وحذف حرف النداء مع اسم الإشارة لا يجوز عند البصريين. وخُرِّج على أن "هذي" إشارة إلى البرزة، فهي مصدر. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه ٤٤٤/ ٢.
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
ومذهب الكوفيين جوازه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١.
تنبيه:
ظاهر كلامه موافقة الكوفيين على الجواز، وقال الشارح: وقول الشيخ: ومن يمنعه فانصر عاذله، يوهم اختيار مذهب الكوفيين.
هذا، إن لم يحمل المنع على عدم قبول ما جاء من ذلك.
قلت: قد صرح بموافقتهم في اسم الجنس في شرح الكافية، فقال: وقولهم هذا أصح. انتهى. والإنصاف القياس على اسم الجنس؛ لكثرته نثرا ونظما.
"وقصر"٢ اسم الإشارة على السماع، إذ لم يرد إلا في الشعر.
وأما نحو: "ثم أنتم هؤلاء" فمتأول٣.
فإن قلت: فهم من كلامه أن ما سوى هذه الخمسة يجوز معه حذف حرف النداء، وليس على إطلاقه.
فقد ذكر في التسهيل٤: أن مما يلزمه الحرف لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولم يذكرهما هنا، وقد ذكر الأول في الكافية دون الثاني.
_________________
(١) ١ من الآية ٨٥ من سورة البقرة. ٢ ب، جـ، وفي أ "وقصره على". ٣ مؤولة على أن "هؤلاء" بمعنى الذين، وهو خبر عن "أنتم" أو بالعكس وجملة "تقتلون" صلة، أو "هؤلاء" اسم إشارة وجملة "تقتلون" حال. ٤ التسهيل ص١٧٩.
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
قلت: لما كان الأكثر في لفظ الجلالة تعويض الميم عن حرف النداء، لم يذكره مع ما يلزمه الحرف.
وأما المتعجب منه، فلما كان كالمشتقّات لفظا وحكما نحو: "يا للماء" استغنى بذكره عنه.
فإن قلت: إذا كان حرف النداء غير لازم مع لفظ الجلالة؛ لكونه قد يحذف إذا عوض عنه. فما وجه ذكره في التسهيل والكافية مع ما يلزم الحرف؟
قلت: وجهه أنه مما يلزمه الحرف إذا لم يعوض.
فإن قلت: أطلق في اسم الجنس، والمراد إنما هو اسم الجنس المبني للنداء، فإنه محل الخلاف.
فأما اسم الجنس المفرد غير المعين، فقد نص في الكافية وشرحها على أن الحرف يلزمه.
قلت: أجاز بعضهم حذف الحرف منه أيضا نحو: "رجلا خذ بيدي".
فلعله ذهب هنا إلى ذلك، فيكون إطلاقه مرادا.
فإن قلت: وأطلق أيضا في "اسم"١ الإشارة، وهو مقيد بألا يصحب كاف الخطاب، فإن صحبها ففي ندائه مع ثبوت الحرف خلاف، وممن منع السيرافي.
فإن لم يصحبه الحرف، فلا خلاف في جواز ندائه، ذكره في الارتشاف.
قلت: كأنه اعتمد على تقييده بالواقع؛ لقلته.
تنبيه:
قال في الكافية، بعد ذكر لفظ الجلالة والمضمر والمستغاث واسم الإشارة واسم الجنس:
وغير ذي الخمسة ناده بيا أو غيرها أو أوله تعريا
وذكر في شرحها أن ذلك بإجماع.
_________________
(١) ١ أ، جـ.
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
فقد يقال: يرد عليه المندوب والمتعجب منه.
والجواب: أنه ذكر المندوب قبل ذلك، فقال: وألزم المندوب وا أو لفظ يا، وتقدم الجواب عن المتعجب منه.
والحاصل: أن حرف النداء يجوز حذفه من العلم نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ١.
والمضاف نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾، والموصول نحو: "من لا يزال محسنا أحسن إليَّ"، وأي نحو: "أيها المؤمنون"، والمطول نحو: "خيرا من زيد أقبل".
ويختلف في جواز حذفه من اسم الجنس المبني للنداء، واسم الإشارة، والنكرة غير المقصودة.
ويمتنع مع الأشياء المتقدم ذكرها.
قوله:
وابن المعرَّف المنادى المفردا على الذي في رفعه قد عُهدا
المعرف: يشمل ما له تعريف قبل النداء نحو: "يا زيد"، وما "حصل"٢ له تعريف في النداء نحو: "يا رجل".
أما نحو: "يا زيد" فقيل: باقٍ على علميته، وهو مذهب ابن السراج، وقيل: سلب تعريف العلمية وتعرف بالإقبال، وهو مذهب المبرد والفارسي.
وإلى الأول ذهب المصنف، واحتج بنداء ما لا يمكن سلب تعريفه كاسم الله تعالى واسم الإشارة.
وأما نحو: "يا رجل"، فقيل: تعرف بالإقبال والقصد٣، وإليه ذهب المصنف وقيل: بأل محذوفة.
_________________
(١) ١ من الآية ٢٩ من سورة يوسف. ٢ أ، جـ، وفي ب "حدث". ٣ قال الصبان ١٠٥/ ٣: القصد: قصد المنكر بعينه، والإقبال أي: إقبال المتكلم على المنادى، أي: إلقاؤه الكلام نحوه.
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
والمراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافا ولا شبيها به كما في باب "لا"، فيشمل المثنى والجمع والمركب تركيب مزج.
وقوله:
على الذي في رفعه قد عُهدا
يعني: أنه يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء من ضمة ظاهرة نحو: "يا زيد" و"يا رجال" و"يا مسلمات"، أو مقدرة نحو: "يا زيدون".
فإن قلت: ما علة بناء المنادى المفرد؟
قلت: شبهه بالمضمر من نحو: "يا أنت" في التعريف والإفراد، وتضمين معنى الخطاب.
وقيل: إجراؤه مجرى الأصوات، ونسب إلى سيبويه.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: ويجوز نصب ما وُصف من معرّف بقصد وإقبال١، وحكاه في شرحه عن الفراء، وأيده بما روي من قوله -﵊- في سجوده: "يا عظيما يُرجَى لكل عظيم".
وجعل منه٢:
أَدَارًا بجُزْوَى هجتِ للعين عَبْرة
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٨٠. ٢ قائله: هو ذو الرمة، وهو من الطويل. وتمامه: فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق اللغة: "بجزوى" -بضم الجيم وسكون الزاي وفتح الواو- اسم موضع بعينه، "هجت" حركت، عبرة" العبرة: الدمعة، "فماء الهوى" يعني: الدمع، "يرفض" يسيل بعضه في إثر بعض، "يترقرق" يبقى في العين متحيرا يجيء ويذهب، وقيل: يتدفق. المعنى: أنه نظر إلى دار بعينها عهد فيها من يحب فهاجت شوقه وحزنه، والدمع يسيل بعضه إثر بعض، أو يبقى في العين متحيرا. =
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
فظاهر مذهب البصريين أن النصب في هذا البيت ونحوه؛ لقصد التنكير.
الثاني: ذهب الكسائي والزيادي إلى أن ضمة "يا زيد" ونحوه ضمة إعراب، ونقله ابن الأنباري عن الكوفيين.
الثالث: ذهب بعض الكوفيين، إلى أن نداء المثنى والمجموع على حده بالياء، تشبيها بالمضاف.
قال في البسيط: وهو فاسد؛ لأنه ليس مركبا.
الرابع: إذا ناديت "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" قلت: يا اثنا عشر ويا اثنتا عشرة، بالألف.
وقال الكوفيون: يا اثني عشر، ويا اثنتي عشرة -بالياء- إجراء لهما مجرى المضاف.
وأشار بقوله:
وانوِ انضمام ما بنوا قبل الندا
إلى أن ما كان مبنيا قبل النداء، يقدر بناؤه على الضم نحو: ""يا سيبويه" و"يا رقاش" و"يا خمسة عشر" و"يا برق نحره""١.
_________________
(١) = الإعراب: "أدارا" الهمزة للنداء ودارا نكرة منادى، "بجزوى" جار ومجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: أدارا مستقرة "بجزوى"، هجت "هاج" فعل ماض والتاء فاعل، "للعين" جار ومجرور متعلق به، "عبرة" مفعول به، "فماء" مبتدأ، "الهوى" مضاف إليه، "يرفض" خبره، "أو يترقرق" عطف عليه. الشاهد فيه: "أدارا" نصب؛ لأنه منادى منكور في اللفظ، لاتصاله بالمجرور بعده ووقوعه في موضع صفته، كأنه قال: أدارا مستقرة بجزوى، فجرى لفظه على التنكير وإن كان مقصودا بالنداء معرفة في التحصيل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٥/ ٢، وذكره سيبويه ٣١١/ ٢، والشاهد ١١٣ في الخزانة. ١ أ، جـ.
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
"ويظهر أثر التقدير في التابع فيجوز"١: "يا سيبويه الظريف" -بالنصب- اتباعا للمحل -وبالرفع- اتباعا للبناء المقدر٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
وليُجْزَ مجرى ذي بناء جُدِّدا
ثم قال:
والمفرد المنكور والمضافا وشِبْهه انصب عادما خلافا
مثال المفرد المنكور -يعني: الذي لم يقصد به معين- قول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، وقوله٣:
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ وإنما لم يجر مراعاة لكسرة البناء؛ لأنها لأصالتها بعيدة عن حركة الإعراب بخلاف الضم، فإنه لعروضه بيا أشبهت حركة الإعراب العارضة بالعامل المتأصلة في المتبوعية، وإطلاق الرفع على حركة التابع فيه مسامحة؛ لأن التحقيق أنها حركة إتباع. هـ ١٠٧/ ٣ صبان. ٣ قائله: هو عبد يغوث بن وقاص، من قصيدة ينوح فيها على نفسه عندما أسرته تيم الرباب. وتمامه: نداماي من نجران أن لا تلاقيا وهو من الطويل. اللغة: "عرضت" تعرضت، أو أتيت العروض وهو مكان، "نداماي" المؤنس على الشراب، "نجران" بلد باليمن. المعنى: يندب حظه وينادي الركبان وهو في الأسر، ويقول: إذا بلغتم العروض فبلغوا ندمائي وأحبائي أنه لا تلاقي بيننا، فإننا لا ندري ما الله صانع بنا. الإعراب: "أيا" حرف نداء، "راكبا" منادى منصوب بالفتحة، "إما" إن شرطية وما زائدة، "عرضت" فعل ماض فعل الشرط، والتاء فاعل، "فبلغن" الفاء واقعة في جواب الشرط، وبلغن فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل جزم جواب الشرط، "نداماي" مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على الألف وياء المتكلم مضاف إليه، "من نجران" متعلق بمحذوف حال من نداماي، "أن" مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، "لا" نافية للجنس، "تلاقيا" اسمها والألف للإطلاق والخبر محذوف أي: لنا، والجملة في محل رفع خبر "أن" وجملة أن في محل نصب مفعول ثانٍ لبلغن. الشاهد فيه: أيا راكبا" حيث نصب "راكبا"؛ لكونه نكرة غير مقصودة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٥/ ٢، وابن هشام ٢١٦/ ٣، وابن عقيل ١٩٣/ ٢، وابن الناظم. وذكره ابن يعيش ١٢٨/ ١، وفي الشذور ص١٠٧، وفي القطر ص٢٠٤، وسيبويه ٣١٢/ ١، والشاهد ١١٥ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٦١ ]
أيا راكبا إما عرضت فبلغَنْ
والمضاف نحو: "يا غلام زيد"، والمشبه بالمضاف -ويسمى المطول والممطول- وهو طول بعمل أو عطف نحو: "يا عظيما فضله" و"يا راحما عبده" و"يا لطيفا بالعباد"، ونحو: "يا ثلاثةً وثلاثين" اسم رجل.
فلو ناديت جماعة هذه عدتهم قلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال: والحارثُ، والثلاثين فيمن قال: والحارثَ.
وفصل الأخفش فقال: إن أريد بذلك جماعة مبلغها هذا العدد، فلا يجوز إلا نصب الاسمين؛ لأنهما إذ ذاك وقعا على مسمى واحد.
وإن "كان"١ الثلاثة على حدة والثلاثون على حدة، حكم لهما بحكم المعطوف "والمعطوف"٢ عليه.
قيل: وينبغي أن يفصل فيما إذا كان كل منهما على حدة بين أن يكون كل منهما مقصودا بالنداء، فالحكم كذلك، وبين أن يقصد ثلاثة مبهمة فينصبا معا.
تنبيه:
لا يطول المنادى بمعموله، إلا إذا كان ملفوظا به، فلا يعتدّ بالضمير المستكن.
"فرعان" على ذلك:
لو قلت: "يا ذاهبُ" لبنيت على الضم؛ لعدم الاعتداد بالضمير.
ولو قلت: "يا ذاهبُ وزيد" فإن عطف على ذاهب فالبناء، أو على الضمير نصبت لعمله في "زيد" بواسطة الحرف.
ومن ثم وجب: "يا مشتركا وزيدا" بالنصب، عطفا على الضمير؛ لعدم استغنائه بواحد.
_________________
(١) ١ أ، جـ. ٢ أ، جـ.
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
فإن قلت: كيف قال: "عادما خلافا" مع أن في بعض ذلك خلافا؟
ذهب المازني: أنه لا يتصور وجود للنكرة غير المقبل عليها، وأن ما جاء منونا نحو:
أدارا بجزوى هجت للعين عبرة
ضرورة.
وذهب ثعلب: إلى جواز ضم المضاف الصالح للألف واللام نحو: "يا حسن الوجه".
قلت: أما الأول: فخلاف في وجود قسم، لا في حكمه.
وأما الثاني: فجوابه أن مراده: "عادما خلافا" في صحة النصب، ولم يختلف في صحته، وإن أجاز بعضهم معه الضم في بعض المواضع.
وقوله:
ونحو زيد ضُمَّ وافتحن من نحو أزيدُ بنَ سعيد لا تهن
يجوز في المنادى المضموم أن يفتح بخمسة شروط:
الأول: أن يكون عَلَما.
الثاني: أن ينعت بابن.
الثالث: أن يضاف الابن إلى علم.
الرابع: ألا يفصل بين ابن وموصوفه.
الخامس: أن يكون المنادى مما يُضم لفظا.
فلو كان غير علم نحو: "يا غلام ابن زيد" أو منعوتا بغير ابن نحو: "يا زيد الكريم"، أو أُضيف الابن إلى غير علم نحو: "يا زيد ابن أختنا"، أو كان المنادى لا تظهر الحركة فيه نحو: "يا عيسى بن مريم" تعين الضم.
وقد جمع هذه الشروط قوله: "أزيد بن سعيد".
فيجوز في "زيد" ضمه على الأصل، وفتحه إتباعا لفتحة "ابن" ولا يعتد بفصل الساكن.
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
وقد نص على اشتراط عَلَمية المنادى والمضاف إليه واتصاله بقوله:
والضم إن لم يَلِ الابنُ علمًا أو يل الابنَ علمٌ قد حُتما
فإن قلت: من أين يفهم اشتراط الاتصال؟
قلت: من قوله: "يَلِ".
فإن قلت: قد أخل بالشرط الخامس.
قلت: هو شرط مختلف فيه، فإن الفراء أجاز في نحو: "يا عيسى بن مريم" تقدير الفتحة والضمة، إلا أن المصنف شرطه في التسهيل١ وأوجب تقدير الضمة، إذ لا فائدة في تقدير الفتحة.
فإن قلت: كان ينبغي أن ينص على أن شرط الفتح في ذلك جعل الابن صفة؛ لأنه لو جعل بدلا أو عطف بيان أو منادى أو مفعولا بفعل مقدر تعيّن الضم، ولا يغني تمثيله عن ذلك؛ لأن المثال يحتمل هذه الأوجه.
قلت: هي احتمالات مرجوحة، وكونه نعتا هو الظاهر، ولو نص على ذلك لكان أولى.
فإن قلت: لم يبيّن أي الوجهين أرجح.
قلت: ذهب المبرد إلى أن الضم أجود، وقال ابن كيسان: الفتح أكثر في كلام العرب.
قيل: والفتح اختيار البصريين.
تنبيهات:
الأول: لا إشكال في أن فتحة "ابن" فتحة إعراب إذا ضم موصوفه، وأما إذا فُتح فمذهب الجمهور أنها أيضا فتحة إعراب، وقال عبد القاهر: هي حركة بناء؛ لأنك ركَّبته مع "زيد".
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٠٨.
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
الثاني: حكم "ابنة" حكم "ابن" فيما ذكر، فيجوز الضم والفتح في نحو: "يا هند بنةَ زيدٍ" خلافا لبعضهم.
وأما النعت ببنت، فلا أثر له في النداء١.
الثالث: يلحق بالعَلَم نحو: "يا فلانُ بنَ فلان" و"يا ضُلُّ بنَ ضل"٢ و"يا سيد بن سيد" ذكره في التسهيل٣، وهو مذهب الكوفيين.
ومذهب البصريين في ذلك ونحوه مما ليس بعلم، التزام الضم.
الرابع: أجاز الكوفيون فتح المنعوت بغير "ابن"، إذا كان المنعوت مفردا نحو:
يا زيد الكريم" وأنشدوا٤
_________________
(١) ١ نحو: "يا هند بنت عمرو" واجب الضم. ٢ ضل -بضم الضاد- علم جنس لمن لا يعرف هو ولا أبوه. ٣ التسهيل ص١٨٠. ٤ قائله: هو جرير بن الخطفي، من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز، وهو من الوافر. وتمامه: فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك اللغة: "كعب بن مامة" هو كعب الإيادي الذي يضرب به المثل في الإيثار؛ لأنه آثر رفيقه في السفر بالماء حتى مات عطشا، ومامة: اسم أمه، "ابن سعدى" هو أوس بن حارثة، وسعدى: اسم أمه. الإعراب: "فما" نافية حجازية، "كعب" اسمها، "ابن مامة" صفة ومضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، "وابن سعدى" معطوف عليه ومضاف إليه، "بأجود" الباء زائدة وأجود خبر ما، "ومنك" متعلق بأجود، "يا" حرف نداء، "عمر" منادى مبني على الفتح، "الجوادا" صفته. الشاهد فيه: "يا عمر الجواد" حيث إن "عمر" منادى مبني على الفتح، وقد وصف بغير "ابن" وهو "الجوادا". مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٧/ ٢، وابن هشام ٢٣٠/ ٣، وذكره السيوطي في الهمع ١٧٦/ ١.
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
يا عمرَ الجوادا
بالفتح.
وخرج على وجهين: أحدهما: أن أصله "يا عمرا" -بالألف- عند من يجيز إلحاقها من غير الندبة والاستغاثة والتعجب.
والآخر: أصله "عمرًا" -بالتنوين- ضرورة، ثم حذفه؛ لالتقاء الساكنين.
الخامس: حكى الأخفش عن بعض العرب: "يا زيدُ بنُ عمرو" بضم النون، إتباعا لضمة الدال.
وقوله:
واضمم أو انصب ما اضطرارا نُوِّنا مما له استحقاق ضم بُيِّنا
الذي يستحق البناء على الضم هو المعرفة، فإذا اضطر شاعر إلى تنوينه جاز له فيه وجهان:
أحدهما: الضم، تشبيها بمرفوع، اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف.
والثاني: النصب، تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.
وكلاهما مسموع من العرب.
والضم اختيار الخليل وسيبويه، والنصب اختيار أبي عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد.
قال المصنف: وعندي أن بقاء الضم راجح في العلم، والنصب راجح في النكرة المعينة؛ لأن شبهها بالمضمر أضعف.
وقوله:
وباضطرار خُص جمع يا وأل إلا مع الله ومحكِيِّ الجُمَل
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
يعني: أن الجمع بين حرف النداء وحرف التعريف مخصوص بالضرورة كقوله١:
فيا الغلامان اللذان فرا
إلا في موضعين:
أحدهما: "مع"٢ الله، فيجوز "يا الله" بوصل الهمزة وقطعها؛ للزوم أل لهذا الاسم حتى صارت بمنزلة الحروف الأصلية.
والآخر: ما سمي به من الجمل المصدّرة بأل نحو: "يا المنطلق زيد" -في رجل مسمى بذلك- نص عليه سيبويه.
تنبيه:
قاس المبرد ما سمي به من موصول مصدر بأل على الجملة نحو: "يا الذي قام"، قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح. انتهى. ونص سيبويه على منعه. فإن قلت: أهمل هنا موضعا ثالثا ذكره في التسهيل٣ وهو اسم الجنس المشبه به نحو:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من السريع. وتمامه: إياكما أن تعقبانا شرا وروي بدل "تعقبانا": تكسبانا، وفي الإنصاف: تكسباني. الإعراب: "فيا" حرف نداء، "الغلامان" منادى مبني على الألف في محل نصب، "اللذان" صفة لقوله "الغلامان" باعتبار اللفظ، "فرا" فعل ماض وألف الاثنين فاعل، والجملة لا محل لها صلة الموصول، "إياكما" منصوب على التحذير لفعل مضمر وجوبا تقديره: احذر، "أن" مصدرية، "تعقبانا" فعل مضارع منصوب بحذف النون وألف الاثنين فاعل ونا مفعول أول، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بمن مقدرة، "شرا" مفعول ثانٍ. الشاهد فيه: "فيا الغلامان" حيث جمع بين حرف النداء وأل في غير اسم الله تعالى. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٩/ ٢، وابن عقيل ١٩٧/ ٢، والمكودي ص١٢٦، والسيوطي ص١٠٢، وذكره في الهمع ١٧٤/ ١. وذكره ابن يعيش ٩/ ٢، وابن الأنباري في الإنصاف ٢٠٨/ ١، والشاهد ١٢٩ في الخزانة. ٢ أ، جـ. ٣ التسهيل ص١٨١.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
"يا الأسدَ شدةً"١.
قلت: إنما لم يذكره هنا لأن مذهب الجمهور منعه، والجواز مذهب ابن سعدان في شرح التسهيل، وهو قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثلَ الأسد، فحسن لتقدير دخول "يا" على غير الألف واللام.
وأجاز الكوفيون والبغداديون دخول حرف النداء على ما فيه "أل" مطلقا، ولا حجة لهم في نحو: "يا الغلامان" لأنه ضرورة.
وقوله:
والأكثر اللَّهُمَّ بالتعويض
يعني: أن الأكثر في نداء هذا الاسم الشريف تعويض الميم المشددة في آخره عن حرف النداء، فيقال: "اللهم" وهذا من خصائصه.
ثم قال:
وشذ يا اللهم في قريض
وجه شذوذه أن فيه جمعا بين العِوَض والمعوَّض، ومنه قوله٢:
_________________
(١) ١ قال المصنف، وتبعه البعض: الظاهر أنه من الشبيه بالمضاف؛ لأن شدة تمييز. هـ ١١١/ ٣ صبان. ٢ قائله: هو أبو خراش الهذلي، وقيل: لأمية بن أبي الصلت، وهو من الرجز. اللغة: "حدث" -بفتحتين- وهو الأمر الذي يحدث من مكاره الدنيا، "ألما" نزل. المعنى: يريد أنه إذا نزلت به حادثة، أو أصابه مكروه؛ لجأ إلى الله تعالى في كشف ما ينزل به. الإعراب: "إني" حرف توكيد ونصب وياء المتكلم اسمه، "إذا" ظرف يتعلق بأقول الآتي، "ما" زائدة، "حدث" فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، "ألما" فعل ماض والألف للإطلاق والفاعل ضمير مستتر فيه، "أقول" فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة في محل رفع خبر إن، "يا" حرف نداء، "اللهم" منادى مبني على الضم في محل نصب، والميم المشددة زائدة. الشاهد فيه: "يا اللهم يا اللهم" حيث جمع بين حرف النداء والميم المشددة التي يؤتى بها للتعويض عن حرف النداء، فجمع بين العوض والمعوض عنه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٤٩/ ٢، وابن هشام ٢٣٥/ ٣، وابن عقيل ١٩٧/ ٢، وابن الناظم، والمكودي ص١٢٦، والسيوطي ص١٠٢، وفي همعه ١٧٨/ ١. وذكره ابن يعيش ١٦/ ٢، وابن الأنباري في الإنصاف ٢١٢/ ١، والشاهد ١٣٠ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
إني إذا ما حَدَثٌ ألمّا أقول يا اللهم، يا اللهما
تنبيهات:
الأول: مذهب الكوفيين أن الميم في "اللهم" بقية جملة محذوفة وهي: "أمّنا بخير"، وليست عوضا عن حرف النداء؛ فلذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار.
الثاني: شذ أيضا حذف "أل" منه كقوله١:
لاهُمَّ إن كنت قَبِلت حجتج
وهو في الشعر كثير.
الثالث: قال في الارتشاف: لا يستعمل "اللهم" إلا في النداء، وشذ استعماله في غير النداء.
_________________
(١) ١ قائله: هو رجل من اليمانيين، وهو من الرجز. وتمامه: فلا يزال شاحج يأتيك بِجْ اللغة: "حجتج" الأصل: حجتي، بإبدال الجيم من الياء، وهي جعجعة قضاعة، "شاحج" البغل الذي يشحج، أي: يصوِّت، "بج" أي: بي. المعنى: يريد: يا اللهم إن كنت قبلت حجتي، فلا يزال بي شاحج هذه صفته. الإعراب: "لاهم" منادى حُذف منه حرف النداء وعوض عنه الميم، "إن" شرطية، "كنت" فعل ماض فعل ناقص وهو فعل الشرط والتاء اسمه، "قبلت" فعل وفاعل، "حجتج" مفعول به مضاف إلى الياء التي انقلبت جيما، وجملة قبلت في محل نصب خبر كان، "فلا يزال" الفاء واقعة في جواب الشرط ولا نافية ويزال من أخوات كان، "شاحج" اسم زال، "يأتيك" فعل مضارع والفاعل ضمير والكاف مفعول، والجملة في محل نصب خبر زال، "بج" جار ومجرور متعلق بيأتي. الشاهد فيه: "لاهم" حيث حذف "أل" من اللهم شذوذا. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ٤٤٩/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٥٥/ ١.
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
قلت: أنشد الفراء لبعض العرب١:
كحلفة من أبي رِيَاح يسمعها لاهم الكبار
وفيه شذوذان:
أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنه فاعل يسمعها.
والثاني: تخفيف ميمه.
الرابع: إذا قلت: "اللهم" ففي جواز وصفه خلاف؛ منعه سيبويه والخليل، قال بعضهم: لأنه لما اتصلت به الميم صار بمنزلة صوت كقولك: "يا هناه"، وأجازه المبرد والزجاج.
الخامس: قال في النهاية: استعمل "اللهم" على ثلاثة أنحاء:
_________________
(١) ١ قائله: قال العيني: أنشده الفراء ولم يبين قائله، وقيل: الأعشى، وهو من البسيط. اللغة: "كحلفة" كيمين، "أبي رياح" كناية عن رجل من بني ضبيعة واسمه حصن بن عمرو، "يسمعها" روي بدلها "يشهدها"، "الكبار" -بضم الكاف وتخفيف الباء- صيغة مبالغة للكبير، بمعنى العظيم. قال البغدادي: وإنشاد العامة: "يسمعها لاهه الكبار" وقال: أورده جماعة من النحويين منهم المرادي في شرح الألفية: "يسمعها لاهم الكبار". وقد ذكر في العين، وفي همع الهوامع: "يسمعها اللهم الكبار". وكان أبو رياح قد قتل رجلا من بني سعد بن ثعلبة، فسألوه أن يحلف أو يعطي الدية، فحلف ثم قتل بعد حلفته، فضربه العرب مثلا لما لا يغني من الحلف. الإعراب: "كحلفة" الكاف للتشبيه وحلفة مجرور بالكاف والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: حلف كحلف أبي رياح، "من" حرف جر، "أبي" مجرور بمن، "رياح" مضاف إليه، والجار والمجرور صفة للحلفة تقديره: كحلفة كائنة من أبي رياح، "يسمعها" يسمع فعل مضارع وها مفعول به، "لاهم" فاعله، "الكبار" صفته. الشاهد فيه: "لاهم" حيث استعمل "اللهم" في غير النداء. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ١٧٨/ ١، والشاهد ١٢٥ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
أحدها: أن "يراد به"١ النداء المحض، كقولهم: "اللهم أمنا".
والثاني: أن يذكره المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، يقول لك القائل: "أزيد قائم؟ " فتقول: اللهم نعم، أو اللهم لا.
الثالث: أن تستعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور، كقوله:
"أنا أزورك اللهم إذا لم تدعُني".
ألا ترى أن وقوع "الزيارة"٢ مقرونا بعدم الدعاء قليل؟ انتهى.
_________________
(١) ١ ب، جـ، وفي أ "مرادا به". ٢ ب، وفي أ، جـ "الزيادة".
[ ٢ / ١٠٧١ ]
فصل "في تابع المنادى":
تابع ذي الضم المضاف دون أل ألزِمْه نصبا كأزيد ذا الحيل
اعلم أن المنادى إن كان معربا فتابعه منصوب لا غير، نحو: يا أخانا الفاضلَ "ما لم يكن"١ بدلا أو عطف نسق، فحكمهما بعد المعرب كحكمهما بعد المبني على الضم وسيأتي.
وإن كان مبنيا على الضم نحو: "يا زيدُ" و"يا رجل" و"يا سيبويه" فتابعه إن كان بدلا أو عطف نسق، فسيأتي الكلام عليهما.
وأما غيرهما، فإن كان مضافا غير مقرون بأل لزم نصبه مطلقا، مثال النعت: "يا زيدُ ذا الحِيَل" والتوكيد: "يا زيد نفسَهُ" وعطف البيان: "يا زيدُ عائدَ الكلبِ".
وإن كان مضافا مقرونا بأل، أو مفردا ففيه وجهان: الرفع إتباعا للفظ المنادى، والنصب إتباعا لمحله.
وإلى ذلك الإشارة بقوله:
وما سواه ارفع أو انصب
فشمل قوله: ما سواه المضاف المقرون بأل نحو: "يا زيدُ الحسنَ الوجهِ"، والمفرد نحو: "يا زيد الظريف"، و"يا تميم أجمعين"، و"يا سعيد كرز"، فيجوز في جميع ذلك الرفع والنصب على ما تقدم.
فإن قلت: أما النصب إتباعا للمحل فظاهر؛ لأن المنادى مفعول بفعل مقدر.
وأما الرفع إتباعا للفظ فمشكل؛ لأن ضمة المنادى بناء، وحركة البناء لا تتبع.
قلت: لما كان البناء في باب النداء مشابها للإعراب في اطراد حركته جاز إتباعه.
فإن قلت: فهلا جاز الرفع أيضا في المضاف العاري من أل؟
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "ما يكون ما لم يكن".
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
قلت: لأنه يستلزم تفضيل فرع عن أصل، إذ لو كان منادى لوجب نصبه.
فإن قلت: فلِمَ ألحق المضاف المقرون بأل المفرد في جواز الوجهين؟
قلت: لأن إضافته غير محضة، فلم يعتدّ بها.
فإن قلت: فهل الرفع والنصب في المفرد سيان؟
قلت: لم ينص المصنف على تسوية ولا ترجيح، ولكن النصب أقيس.
وفي الفرخ: أكثر قول العرب الرفع في: "يا زيد العاقل".
تنبيهات:
الأول: شمل قوله: "تابع" الخمسة، ومراده النعت والتوكيد وعطف البيان، علم ذلك مما بعد.
الثاني: شمل قوله: "ذي الضم" العلم والنكرة المقصودة والمبني قبل النداء؛ لأنه يقدر ضمة، و"قد"١ تقدم تمثيل الثلاثة.
الثالث: أجاز الكسائي والفراء والطوال وابن الأنباري الرفع في نحو: "يا زيدُ صاحبُنا"، والصحيح المنع؛ لأن إضافته محضة٢.
وأجاز الفراء رفع التوكيد والمنسوق المضافين، قياسا على النعت.
وقد سمع الرفع في "يا تميمُ كلكم" وحمل على القطع، أي: كلكم مدعوّ. ثم قال:
واجعلا كمستقل نسقا وبدلا
يعني: أن حكم النسق والبدل في الإتباع حكمهما في الاستقلال، ولا فرق في ذلك بين الواقع بعد مضموم، والواقع بعد منصوب، فما كان منهما مفردا غير معين أو مضافا أو مطولا نصب نحو: "يا زيد رجلا صالحا" و"يا زيد وغلاما" و"يا زيد أخانا" و"يا زيد وأخانا" و"يا زيد خيرا من عمرو" و"يا زيد وخيرا من عمرو".
_________________
(١) ١ ب. ٢ أي: لغلبة الاسمية على صاحب، وفيه إشارة إلى أن ما إضافته غير محضة يجوز رفعه. هـ ١١٣/ ٣ صبان.
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
وما كان منهما مفردا علما أو معينا، بُني على الضم نحو: "يا زيد وعمرو" و"يا زيد ورجل".
وذهب الأخفش وخطاب إلى أنه لا يجوز عطف النكرة المقبل عليها على العلم.
فلا يجوز: يا زيد ورجل.
وإنما جعل البدل والنسق كالمستقل؛ لأن البدل في قوة تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل.
تنبيهان:
الأول: أجاز المازني والكوفيون النصب في نحو: "يا زيدُ وعمرًا".
قال في شرح التسهيل: وما رواه غير بعيد من الصحة، إذا لم تنوِ إعادة حرف النداء.
فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداء واحد على الاسمين.
قال: ويجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان؛ حال يجعل فيها كالمستقل وهو الكثير نحو: "يا غلام زيد"، وحال يعطى فيها الرفع والنصب لشبهه فيها بالتوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق المقرون بأل في عدم الصحة؛ لتقدير حرف نداء قبله نحو:
"يا تميم الرجال والنساء".
الثاني: ما ذكر من أن المنسوق كالمستقل إنما هو في غير المقرون بأل، وأما المقرون بأل فقد ذكر حكمه في قوله:
وإن يكن مصحوب أل ما نُسِقا ففيه وجهان ورفع يُنتقَى
إذا كان المنسوق مقرونا بأل، جاز فيه وجهان: الرفع والنصب نحو: "يا زيد والحارث".
وإنما لم يجعل كالمستقل؛ لامتناع مباشرته لحرف النداء.
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
واختلف في المختار من الوجهين؛ فقال الخليل وسيبويه والمازني: الرفع، ووجهه مشاكلة الحركة، وحكاية سيبويه أنه أكثر، وإليه ذهب الناظم.
وقال أبو عمرو وعيسى بن عمرو الجرمي: النصب، ووجهه أن ما فيه أل لم يَلِ حرف النداء، فلم يجعل كلفظ ما وليه، وإجماع القراء -ما عدا الأعرج- على النصب في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ١.
وقال المبرد: إن كان معرفة فالنصب وإلا فالرفع، ووجهه أن المعرفة بأل تشبه المضاف.
تنبيه:
هذا الخلاف في الاختيار، والوجهان مجمع على جوازهما إلا فيما عطف على نكرة مقصودة نحو: "يا رجلُ والغلام"، فلا يجوز فيه على مذهب الأخفش ومن تبعه إلا الرفع.
وقوله:
وأيها مصحوب أل بعد صفهْ يلزم بالرفع لدى ذي المعرفهْ
إذا نُوديت "أي" فهي نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها "ها" التنبيه مفتوحة الهاء، وضمها إذا لم يكن بعدها اسم إشارة -لغة بني مالك من بني أسد- وقد قُرئ بها.
فإن قلت: لِمَ لزمها "ها"٢ التنبيه؟
قلت: لتكون "ها" عوضا مما فات "أيا" من الإضافة، ويلزم وصفها بأحد ثلاثة أشياء:
الأول: مصحوب "أل" نحو: "يا أيها الرجل".
_________________
(١) ١ من الآية ١٠ من سورة سبأ. ٢ ب.
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
والثاني: اسم الإشارة نحو١:
أيُّهذانِ كُلا زادكما ودعاني واغِلًا فيمن وغل
والثالث: الموصول المصدَّر بأل نحو: "يا أيها الذي فعل".
وإلى هذين أشار بقوله:
وأي هذا أيها الذي وَرَد
ثم أشار إلى أن نعت "أي" بغير هذه الثلاثة ممنوع، بقوله:
ووصف أيّ بسوى هذا يُرَد
فلا يقال: "يا أيها صاحب عمرو".
وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن "ها" تلزم "أيا"٢؛ لنطقه بهما معا.
والثاني: أن تابع "أي" صفة لها، وقيل: عطف بيان، قال ابن السيد: وهو الظاهر.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرمل. اللغة: "دعاني" تركني، "واغلا" -بالغين- وهو الذي يدخل على القوم يشربون ولم يُدْعَ إلى ذلك الشراب، الوغل "وغل" -يغل- أصله: يوغل؛ لأنه من وغل، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة. الإعراب: "أيهذان" أي: يا أيهذان، حذف منه حرف النداء، أي منادى وصف باسم الإشارة، وهو هذان، "كلا" فعل وفاعل، "زادكما" مفعول به والضمير مضاف إليه، "ودعاني" دعا فعل ماض والنون للوقاية والياء مفعول والفاعل ضمير مستتر، والجملة معطوفة على "كلا"، "واغلا" حال من الضمير المنصوب في دعاني، "فيمن وغل" جار ومجرور متعلق بواغلا. الشاهد فيه: "أيهذان"، حيث وصف المنادى فيه باسم الإشارة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٤/ ٢، والمكودي ص١٢٧، وذكره السيوطي في الهمع ١٧٥/ ١. ٢ ب، جـ، وفي أ "أيها".
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
وقيل: إن كان مشتقا فهو نعت نحو: "أيها الفاضل"، وإن كان جامدا فهو عطف بيان.
والثالثة: أن وصف "أي" بأحد هذه الأشياء الثلاثة لازم؛ لقوله "تلزم".
فإن قلت: ولِمَ لزم نعتها "بأحد الثلاثة"١؟
قلت: لأن "أيا" مبهم، فلا بد من تخصيصه، ولأنه وصلة إلى نداء ما فيه أل، فكان المقصود بالنداء وصفه.
والرابعة: أن صفة "أي" ترفع، ولا يجوز فيها النصب بخلاف صفة غيرها، فهي مستثناة مما تقدم. هذا مذهب الجمهور، وذهب المازني إلى نصب صفة "أي" قياسا على صفة "غيرها"٢ من المناديات المضمومة.
قال الزجاج: لم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله ولا تابعه أحد بعده، وعلة ذلك: أن المقصود بالنداء هو نعتها، وأي وصلة إلى ندائه، وقالوا: والنصب مخالف لكلام العرب.
قلت: ذكر ابن الباذش أن النصب فيه مسموع من كلام العرب.
وإلى التعريض بمذهب المازني أشار بقوله: لدى ذي المعرفه.
تنبيه:
نسب الجواز في شرح الكافية إلى المازني والزجاج وتبعه الشارح، ونسبته إلى الزجاج مستبعدة، وقد نقل عنه في شرح التسهيل كلامه المتقدم.
والخامسة: أن اسم الإشارة إذا نعت به "أي" فليس من شرطه أن يكون منعوتا بذي أل، وفاقا لابن عصفور وشاهده البيت السابق.
وذكر غيرهما أن ذلك شرط في صحة النعت به.
قيل: وما ذهب إليه ابن عصفور وابن مالك بنياه على بيت نادر شاذ، لا تُبنَى على مثله القواعد، وهو قول الشاعر:
أيهذان كلا زادكما
_________________
(١) ١ أ، جـ، وفي ب "يأخذ هذه الأشياء الثلاثة". ٢ ب، جـ، وفي أ "غيره".
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
والسادسة: أن اسم الإشارة المنعوت به "أي" شرطه ألا يصحبه حرف الخطاب؛ لقوله: "وأيهذا" خلافا لابن كيسان، فإنه أجاز: "يا أيها ذاكَ الرجلُ"، وبالمنع قال السيرافي.
فإن قلت: أطلق في قوله: "مصحوب أل" وشرط في التسهيل أن تكون جنسية.
فإذا قلت: "يا أيها الرجل" فأل جنسية وصارت بعد "أي" للحضور، كما صارت كذلك بعد اسم الإشارة.
قلت: اشتراط ذلك صحيح، وليس في كلامه ما يرشد إليه.
وقد أجاز الفراء والجرمي إتباع "أي" بمصحوب أل التي للمح الصفة نحو: "يا أيها الحارث"، والمنع مذهب الجمهور.
ويتعين أن يجعل عطف بيان عند من أجازه.
تنبيهات:
الأول: تؤنث "أي" لتأنيث موصوفها نحو: "يا أيتها المرأة".
وقال في البديع: الاختيار إثبات التاء، ولا تثنى ولا تجمع.
الثاني: ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أن المرفوع بعد "أي" خبر لمبتدأ محذوف، وأي موصولة بالجملة.
ورُدَّ بأنه لو كان كذلك، لجاز ظهور المبتدأ بل كان أولى، ولجاز وصلها بالفعلية والظرف.
الثالث: ذهب الكوفيون وابن كيسان إلى أن "ها" دخلت للتنبيه مع اسم الإشارة.
وإذا قال: "يا أيها الرجل" يريد: يا أيهذا الرجل، حذف "ذا" اكتفاء بها١.
_________________
(١) ١ فإعراب "يا أيهذا الرجل" هو: "أي" منادى مبني على الضم في محل نصب، و"ها" للتنبيه، و"ذا" صفة أي في محل رفع، "الرجل" صفة لذا أو عطف بيان مرفوع بضمة ظاهرة.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
الرابع: يجوز أن تُوصَف صفة "أي" ولا تكون إلا مرفوعة، مفردة كانت أو مضافة، كقول الراجز١:
يا أيها الجاهلُ ذُو التنزي
وقوله:
وذو إشارة كأي في الصفه إن كان تركها يفيت المعرفه
لاسم الإشارة في النداء حالتان:
إحداهما: أن يُجعل وصلة لنداء ما فيه أل، فيساوي إذ ذاك "أيا" في لزوم نعته ووجوب رفعه، وأنه لا ينعت إلا بمصحوب أل الجنسية، أو بموصول مصدر بأل فتقول: "يا هذا الرجل" و"يا هذا الذي فعل".
وهو في هذه الحالة غير مكتفٍ به، لو قدر الوقف عليه لفات المراد؛ لأنه وصلة لنداء غيره والأخرى: أن يقدر مكتفى بندائه، لا وصلة لغيره، فيكون إذ ذاك كغير "أي"، فلا يلزم نعته.
ويجوز رفعه ونصبه، وينعت بمصحوب أل وبالمضاف فتقول: "يا هذا الطويل"، بالرفع والنصب.
_________________
(١) ١ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. وتمامه: لا تُوعِدَنِّي حية بالنكز اللغة: "ذو التنزي" -بفتح التاء والنون وتشديد الزاي المكسورة- وهو نزع الإنسان إلى الشر، "بالنكز" -بفتح النون وسكون الكاف- من نكزت الحية بأنفها. وقال ابن فارس: النكز بالشيء المحدد كالغرز. الإعراب: "يا أيها" يا حرف نداء وأي منادى وها صفته، "الجاهل" صفة ها التي هي اسم الإشارة، "ذو" صفة الجاهل، "التنزي" مضاف إليه. الشاهد فيه: "يا أيها الجاهل"، وصف "أيا" بما فيه أل، ووصف ما فيه "أل" بمضاف إلى ما فيه أل. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٣/ ٢، وابن الناظم، وذكره سيبويه ٣٠٨/ ١.
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
وذلك مفهوم من قوله:
إن كان تركها يُفِيت المعرفه
فإن قلت: مقتضى قوله: "كأي في الصفة" أن ينعت بما تنعت به "أي" و"أي" تنعت باسم الإشارة، واسم الإشارة لا ينعت بمثله.
قلت: ترك التنبيه به على ذلك؛ لوضوحه.
تنبيه:
مذهب السيرافي أن اسم الإشارة إذا لحقته كاف الخطاب لم يجز نداؤه، ومذهب سيبويه وابن كيسان الجواز، وحكى فيه ابن كيسان عن بعض النحويين سماعا من العرب.
وقوله:
في نحو سعدُ سعدَ الأوس ينتصب ثان وضم وافتح أولا تُصِب
إذا تكرر لفظ المنادى مضافا نحو١:
_________________
(١) ١ قائله: هو جرير بن عطية يهجو عمر بن لحأ التيمي وقومه، وهو من البسيط. وتمامه: لا يُلقينكم في سوءة عمر اللغة: "تيم عدي" إنما أضاف التيم إلى عدي؛ ليفرق بين تيم مرة وغيره، "لا أبا لكم" للغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم احتقارا له، "سوءة" -بفتح السين وسكون الواو وفتح الهمزة- الفعلة القبيحة، والخطاب في ذلك إلى قومه. المعني: احذروا يا تيم عدي أن يرميكم عمر في بلية لا قِبَل لكم بها، ومكروه لا تتحملونه بتعرضه لي، يريد أن يمنعوه من هجائه حتى يأمنوا الوقوع في خطره؛ لأنهم إذا تركوا عمر وهجاءه جريرا فكأنهم رضوا بذلك، وحينئذ يسلط عليهم لسانه. الإعراب: "يا" حرف نداء، "تيم" -بالنصب- منادى مضاف مع تأكيده وحذف المضاف إليه من الأول؛ لدلالة الثاني عليه، وتقديره: يا تيم عدي، يا تيم عدي، "لا أبا لكم" لا نافية للجنس، "أبا" اسم لا، "لكم" اللام حرف زائد والكاف في محل جر بهذه اللام، ولكنها في التقدير مضافة إلى اسم لا، وخبر لا محذوف أي: لا أبا لكم في الحضرة، "لا" ناهية، "يلقينكم" في موضع جزم بلا مبني لدخول النون الثقيلة عليه والكاف مفعول به، "في سوءة" جار ومجرور متعلق بالفعل، "عمر" فاعل. الشاهد فيه: "يا تيم تيم" حيث تكرر لفظ المنادى، وقد أُضيف ثاني اللفظين فيجب في الثاني النصب، ويجوز في الأول الضم والنصب. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٤/ ٢، وابن عقيل ٢٠١، والمكودي ص١٢٧. وذكره ابن يعيش ١٠/ ٢، والسيوطي في الهمع ١٢٢/ ٢، وسيبويه ٢٦، ٣١٤/ ١، والشاهد ١٣٢ في الخزانة.
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
يا تيمَ تيمَ عدي لا أبا لكم
فلا بد من نصب الثاني، وأما الأول ففيه وجهان: ضمه وفتحه.
فإن ضم فإنه منادى "مفرد"١ معرفة، ونصب الثاني حينئذ لأنه منادى مضاف أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو إضمار أعني. ذكر ذلك المصنف، ونُوزع في التوكيد. وأجاز السيرافي أن ينصب على النعت، وتأول فيه الاشتقاق.
وإن فتح الأول، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منادى مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مُقْحَم بين المضاف والمضاف إليه.
فإن قلت: فما وجه نصب الثاني إذا جُعل مقحما؟
قلت: قال بعضهم: إن نصبه على التوكيد.
الثاني: أن الأول منادى مضاف إلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر ونصبه من خمسة أوجه كما سبق.
الثالث: أن الاسمين رُكِّبا تركيب خمسةَ عشرَ، وجعلا اسما واحدا، وفتحتهما فتحة بناء، ومجموعهما منادى "مضاف"٢ كما قالوا: "ما فعلتْ خمسة عشر له" وهو مذهب الأعلم.
فإن قلت: أي الوجهين أرجح: أضم الأول أم فتحه؟
قلت: بل ضمه لوضوح وجهه، وقد صرح في الكافية بأنه الأمثل.
_________________
(١) ١ ب. ٢ ب.
[ ٢ / ١٠٨١ ]
فإن قلت: فهل يشترط في ذلك أن يكون الاسم المكرر عَلَمًا كما مثل؟
قلت: مذهب البصريين أنه لا يشترط، بل اسم الجنس نحو: "يا رجلُ رجلَ قوم"، والوصف نحو: "يا صاحبُ صاحبَ زيد" كالعلم في جواز ضم الأول وفتحه بلا تنوين.
وخالف الكوفيون في اسم الجنس؛ فمنعوا نصبه، وفي الوصف فذهبوا إلى أنه لا ينتصب إلا منونا، فتقول: "يا صاحبًا صاحب زيد" ولم يختلفوا في جواز الضم في جميع ذلك.
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
واجعل منادى صح إن يُضَفْ لِيَا كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
حكم "المنادى"١ المضاف إلى الياء إذا كان معتل الآخر في النداء، كحكمه في غير النداء وقد تقدم، فاحترز عنه بقوله: "صح".
وأما الصحيح الآخر: فيجوز فيه في النداء ستة أوجه، وقد أشار في النظم إلى خمسة، والسادس: أن يضم اكتفاء بنية الإضافة نحو: "يا عبد".
وأفصحها حذف الياء وإبقاء الكسرة، ثم إثبات الياء ساكنة ومتحركة، ثم قلبها ألفا، ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة.
وأقلها الضم، وقد قرئ: "قَالَ رَبُّ السِّجْنُ"٢ و"قال ربُّ احكم" بالضم، وحكى يونس "يا أمُّ لا تفعلي" قال الشلوبين: وهذا إذا لم يلتبس.
يعني بالمنادى المقبل عليه.
فإن قلت: فتعريف المضموم على هذه اللغة بالإضافة أو بالإقبال والقصد.
قلت: كلاهما محتمل.
وقد صرح في النهاية بالثاني فقال: جعلوه معرفا بالقصد فبنوه على الضم، وهذه الضمة كما هي في "يا رجل"، إذا قصدت رجلا بعينه. انتهى.
والأول أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم جعلوه لغة في المضاف، ولو كان تعريفه بالقصد والإقبال لم يكن لغة فيه.
الثاني: لو لم يجعل من قبيل المضاف، لكان مثل "افتدِ مخنوقُ"٣، و"أصبِحْ ليلُ"٤ وحذف حرف النداء قليل.
_________________
(١) ١ أ. ٢ من الآية ٣٣ من سورة يوسف. ٣ مَثَل يضرب لكل مضطر وقع في شدة وضيق، وهو يبخل بافتداء نفسه بماله، أي: افتد نفسك يا مخنوق. ٤ مَثَل يضرب لمن يظهر الكراهة والبغض للشيء، أي: انتهِ يا ليل ليجيء الصبح، فقد حذف حرف النداء.
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
والثالث: أنه لو كان غير منوي الإضافة، لكان في الأصل صفة لأي، وأسماء الله تعالى لا توصف بها "أي"، فتعين كون الأصل "يا ربي" ثم حُذف المضاف إليه تخفيفا، وبني على الضم؛ لشبهه حينئذ بالنكرة المقصودة، وهذا اختيار المصنف.
تنبيهات:
الأول: نقل عن الأكثرين منع الألف؛ اكتفاء بالفتحة نحو: "يا عبد"، وأجازه الأخفش والفارسي والمازني.
الثاني: أطلق هنا جواز هذه الأوجه كما أطلقه أكثرهم، وقيده في التسهيل بإضافة التخصيص احترازا من اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال نحو: "يا مُكرِمِي"، فإن إضافته إضافة تخفيف، والياء في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به، فيشبه بيا قاضٍ فتشاركها في الحذف، فلا تحذف ولا تقلب، ولا حظ لها في غير الفتح والسكون. قاله في شرحه، وهو موافق لقول ثعلب في المجالس: "يا غلام أقبل" تسقط من الياء، و"يا ضاربي أقبل" لا تسقط الياء منه.
وذلك فرق بين الاسم والفعل.
وذكر في النهاية: أنه لا يجوز حذف الياء في اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال.
الثالث: إنما كثر تخفيف المضاف للياء في النداء؛ لكثرة إضافة المنادى للياء، والكثرة تستتبع التخفيف.
وأما في غير النداء، فالأصح إثباتها ساكنة ومتحركة، وقد سمع حذفها استغناء بالكسرة نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ ١ وقلبها ألفا كقوله٢:
_________________
(١) ١ من الآية ١٧ من سورة الزمر. ٢ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الوافر. وصدره: أُطوِّف ما أُطوِّف ثم آوى. =
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
إلى أُمّا ويُروِيني النَّقِيع
وأجاز المازني: "قام غلاما"، وقال ابن عصفور: هذا في الضرورة.
وحذف الألف استغناء بالفتحة كقوله١:
_________________
(١) = اللغة: "أطوف" من طوّف تطويفا وتطوافا -والتشديد فيه للتكثير- ومعناه: أكثر من الدوران والطوفان، "آوي" من أوى الإنسان إلى منزله يأوي أويا، "النقيع" -بفتح النون وكسر القاف- اللبن المحض يبرد. الإعراب: "أطوف" فعل مضارع والفاعل ضمير، "ما أطوف" ما مصدرية، أي: أطوف الطواف الكثير، وأطوف فعل مضارع والفاعل ضمير، "ثم" عاطفة، "آوي" جملة من فعل وفاعل عطف على أطوف، "إلى أما" جار ومجرور، "ويرويني" يروي فعل مضارع والنون للوقاية والياء مفعول، "النقيع" فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد فيه: "إلى أما" إذ أصله: أمي، فقلبت الياء ألفا. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ٥٣/ ٢. ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الوافر. وصدره: ولست براجع ما فات مني اللغة: "راجع" اسم فاعل من رجع، "بلهف" من لهف يلهف، حزن وتحسر. المعنى: أن ما ذهب مني لا يعود بكلمة التلهف والحسرة، ولا بكلمة التمني، وقولي: ليتني عملت كذا، ولا بقولي: لو أني فعلت كذا، لكان كذا. الإعراب: "ولست" ليس واسمها، "براجع" خبر ليس والباء زائدة منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفيه ضمير فاعله؛ لأنه اسم فاعل، "ما" اسم موصول مفعول به، "فات" فعل ماض والجملة صلة ما، "بلهف" الباء جارة ولهف منادى بحذف حرف النداء. "ولا" الواو عاطفة ولا زائدة لتأكيد النفي، "بليت" الباء جارة وليت -قصد لفظه- مجرور بالباء، "ولا" مثل السابقة، "لو أني" -قصد لفظه- معطوف على ليت. الشاهد فيه: "بلهف" حيث إن "لهف" منادى بحرف نداء محذوف، وهو مضاف لياء المتكلم المنقلبة ألفا المحذوفة، والفتحة دليل عليها، وأصله: يا لهفي. وقيل: إن "لهف" مجرور بالباء على الحكاية، لا على النداء ولا شاهد فيه. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ص٤٥٦/ ٢، وابن هشام ٢٤٤/ ٣، وفي القطر ص٢٠٦، وذكره السيوطي في الهمع ٥٣/ ٢.
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
بلهف ولا بِلَيْتَ ولا لَوَ اني
وأما الضم في غير النداء نحو: "جاء غلام" وأنت تريد الإضافة، فأجازه أبو عمر وغيره على قلة.
واستدلوا بقوله١:
وإنما أهلكت مال
يريد: مالي.
وردّه أبو زيد الأنصاري، وتأول ما استدل به أبو عمرو.
الرابع: قال في شرح الكافية: إذا كان آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كبُنَيّ٢.
_________________
(١) ١ قائله: هو أوس بن غلفاء، وهو من الوافر. وتمامه: ذريني إنما خطئي وصَوْبي علي اللغة: "ذريني" اتركيني، "صوبي" أي: صوابي، "أهلكت مال" أي: إن الذي أهلكته مالي، لا مال غيري. الإعراب: "ذريني" فعل وفاعل ومفعول، "إنما" إن حرف توكيد ونصب، وما كافة كفتها عن العمل، "خطئي" مبتدأ والياء مضاف إليه، "وصوبي" عطف عليه، "علي" جار ومجرور خبر المبتدأ، "وإنما" إن حرف توكيد ونصب وما كافة، "أهلكت" أهلك فعل ماض والتاء فاعله، "مال" مفعول به. الشاهد فيه: "مال" إذ أصله: "مالي" فحذف ياء الإضافة، فظهر إعراب ما قبلها. وردّه أبو زيد الأنصاري وقال: المعنى: إن الذي أهلكته مال لا عرض، فحينئذ لا شاهد فيه؛ لأن "مال" يكون مرفوعا على أنه خبر إن. هـ الدرر اللوامع ٦٩/ ٢. مواضعه: ذكره السيوطي في الهمع ٥٣/ ٢. ٢ بُنَيّ: تصغير ابن، وأصله بنو -بفتحتين- وإذا صغرته حذفت ألف الوصل ورددت اللام المحذوفة فيبقى بنيو، فقلبت الواو ياء؛ لاجتماع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون، وتدغم الياء في الياء، وعلى القول بأن لامه ياء يكون فيه ما عدا القلب. هـ ١١٩/ ٣ صبان.
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
قيل: يا بني أو يا بني لا غير، فالكسر على التزام حذف ياء المتكلم فرارا من توالي الياءات، مع أن الثالثة كان يختار حذفها قبل وجود الياءين، وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه.
والفتح على وجهين:
أحدهما: أن تكون ياء المتكلم أُبدلت ألفا ثم التزم حذفها؛ لأنها بدل مستثقل.
والثاني: أن تكون ثانية ياءي بُنَيَّ حذفت، ثم أدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت؛ لأن أصلها الفتح.
قوله:
وفتح او كسر وحذف الياء استمر في يابن أُمَّ يابن عَمَّ لا مفر
إذا نُودي المضاف إلى المضاف إلى الياء كان حكم الياء معه كحكمها في غير النداء نحو: "يابن أخي" إلا "ابن أم" و"ابن عم"، فإنهما لما كثُر استعمالهما في النداء خُصا بالتخفيف، فيقال: "يابن أم" بفتح الميم وكسرها.
أما الفتح، ففيه قولان:
أحدهما: أن الأصل "أُمَّا" و"عمَّا" -بقلب الياء ألفا- فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلا عليها.
والثاني: أنهما جعلا اسما واحدا مركبا، وبني على الفتح.
والأول قول الكسائي والفراء وأبي عبيدة وحكي عن الأخفش، والثاني قيل: هو مذهب سيبويه والبصريين.
وأما الكسر: فظاهر قول الزجاج وغيره أنه مما اجتزئ فيه بالكسر عن الياء المحذوفة، من غير تركيب.
قال في الارتشاف: وأصحابنا يعتقدون أن "ابن أم" و"ابنة أم" و"ابن عم" و"ابنة عم" حكَمَتْ لها العرب بحكم اسم واحد، وحذفوا الياء كحذفهم إياها من "أحدَ عشرَ" إذا أضافوه إليها.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
فإن قلت: ما معنى قوله: "استمر"؟
قلت: يشير إلى أن هذين الوجهين استمرا في كلامهم، واطردا بحيث لا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة، وقد قرئ بهما في السبع.
فإن قلت: فأيهما أجود؟
قلت: نصّ بعضهم على أن الكسر أجود، وهو ظاهر.
فإن قلت: لم يذكر "ابنة أم" و"ابنة عم"، وحكمهما حكم "ابن أم" و"ابن عم".
قلت: كأنه استغنى بذكر المذكر عن ذكر فرعه.
فإن قلت: قد يوهم اقتصاره على الكسر والفتح أن غيرهما ممتنع، وقد قال في التسهيل: وربما ثبتت أو قُلبت ألفا١ يعني: الياء.
قلت: الذي يفهم من قوله: "استمرا" أن غيرهما لم يستمر في الكلام، ولم يطرد كاطرادهما.
وهذان الوجهان ضعيفان؛ ولذلك قال: وربما، وفي الكافية: ونَدُرَ، وفي شرحها: ولا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة.
وقال غيره: هما لغتان قليلتان.
ومن إثبات الياء قوله٢:
_________________
(١) ١ التسهيل ص١٨٢. ٢ قائله: هو أبو زيد الطائي، واسمه حرملة بن المنذر من قصيدة يرثي فيها أخاه، وتمامه: أنت خَلَّيتني لدهر شديد، وهو من الخفيف اللغة: "شُقَيق" تصغير شقيق، "لدهر" الأبد الممدود. المعنى: يا أخي يا من نفسه كنفسي، لقد ذهبت وتركتني وحيدا أقاسي ويلات الزمن، وقد كنت ركنا أستند له، وظهيرا أعتمد عليه. الإعراب: "يا" حرف نداء، "ابن" منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، "أمي" ابن مضاف وأم مضاف إليه وأم مضاف وياء المتكلم مضاف إليه، "ويا" الواو عاطفة، ويا حرف نداء، "شقيق" =
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
يابنَ أمي ويا شُقَيِّق نفسي
ومن إثبات الألف قوله١:
يا ابنةَ عَمَّا لا تلومي واهجعي
_________________
(١) = منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، "نفسي" مضاف إليه وياء المتكلم مضافة إلى نفس، "أنت" ضمير منفصل مبتدأ، "خلفتني" خلف فعل ماض والتاء فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، "لدهر" جار ومجرور متعلق بخلف، "شديد" صفة لدهر. الشاهد فيه: "يابن أمي" حيث أثبت يا المتكلم في "أمي"، وهذا ضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٧/ ٢، وابن هشام ٢٤٨/ ٣، والسيوطي ص١٠٤، وذكره في الهمع ٥٤/ ٢، وسيبويه ٣١٨/ ١، وابن يعيش ١٢/ ٢، وفي القطر ص٢٠٨. ١ قائله: هو أبو النجم العجلي -واسمه الفضل بن قدامة- يخاطب امرأته أم الخيار. وتمامه: لا يُخرق اللوم حجاب مَسْمَعي وهو من الرجز. اللغة: "لا تلومي" من اللوم، وهو كثرة العتاب، "اهجعي" من الهجوع، وهو الرقاد بالليل، "حجاب مسمعي" كناية عن الأذن. المعنى: اتركي لومي وعتابي يابنة عمي، وخذي نفسك بالراحة ونامي، فإن لومك هذا لا يصل إلى سمعي ولا أستمع إليه، وكانت كثيرة اللوم له لكبره وضعفه. الإعراب: "يابنة" يا للنداء وابنة منادى منصوب، "عما" مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة منع من ظهورها فتحة مناسبة الألف، والألف المنقلبة عن الياء مضاف إليه، "لا" ناهية، "تلومي" فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون وياء المخاطبة فاعل مبني على السكون في محل رفع، "واهجعي" الواو عاطفة واهجعي فعل أمر مبني على حذف النون، والياء ضمير المؤنثة فاعل. الشاهد فيه: "يابنة عما" حيث أثبت الألف المنقلبة عن ياء المتكلم للضرورة. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٧/ ٣، وذكره في القطر ص٢٠٨، وابن الناظم، والسيوطي ص١٠٤، وفي الهمع ٥٤/ ٢، وذكره سيبويه ٣١٨/ ١، وابن يعيش ١٢/ ٢.
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
وأما قوله١:
كن لي لا عليّ يابنَ عمَّا نَعِشْ عزيزين ونكف الهما
فيحتمل أن تكون الألف فيه للإطلاق.
فإن قلت: فأي هذين الوجهين أجود؟
قلت: قال بعضهم: قلب الياء ألفا أجود من إثباتها.
تنبيه:
إذا ثبت الياء ففيها وجهان: الإسكان والفتح.
فالحاصل: خمسة "أوجه"٢ ونص بعضهم على أن الخمسة لغات.
وقوله:
وفي الندا أبت أُمَّت عَرَض واكسر أو افتح ومن اليا التا عِوَض
إذا "نودي"٣ الأب والأم مضافين إلى الياء، جاز فيهما الوجوه الستة المقدمة في نحو: "يا عبد".
وينفردان بتعويض تاء التأنيث من الياء مكسورة ومفتوحة، وبالفتح قرأ ابن عامر، وبالكسر قرأ غيره من السبعة.
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف له على قائل، وقال العيني: أنشده أبو الفتح ولم يعزه إلى قائله، وهو من الرجز. الإعراب: "كن" فعل أمر واسم كان ضمير، "لي" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كان، "لا علي" عطف عليه أي: لا تكن علي، "يابن" يا حرف نداء وابن منادى، "عما" مضاف إليه، "نعش" فعل مجزوم؛ لأنه جواب الأمر والفاعل ضمير، "عزيزين" حال من الضمير الذي في نعش، "ونكف" فعل مضارع والفاعل ضمير، "الهما" مفعول به، والجملة عطف على الجملة الأولى والألف للإطلاق. الشاهد فيه: "يابن عما"، حيث قلب الشاعر ياء الإضافة ألفا، وثبتت هذه الألف. مواضعه: ذكره المكودي في شرحه للألفية ص١٢٨، والسيوطي في الهمع ٥٣/ ٢. ٢ أ، جـ. ٣ ب، جـ، وفي أ "نوى".
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
ووجه الكسر أن الكسرة كانت مستحقة قبل الياء، فلما عوض عنها التاء -ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا- جعلت الكسرة عليها؛ لتكون المعوض عنه في مجامعة الكسرة بالجملة.
وعن الفراء أن الكسر حصل؛ لأن الياء في النية.
ورده أبو إسحاق وقال: كيف تكون الياء في النية، وليس يقال: يا أبتي؟
ووجه الفتح، أن التاء حركت بحركة الياء؛ لكونها عوضا عنها، وقيل: لأن الأصل: "يا أبتا" فحذفت الألف.
ويرده ما رد قول الفراء.
فإن قلت: فأي الوجهين أكثر؟
قلت: نص المصنف وغيره على أن الكسر أكثر، وذكر الشارح أن الفتح أقيس، قال: إلا أن الكسر أكثر.
وقد فُهم من كلام الناظم فوائد:
الأولى: أن تعويض التاء من ياء المتكلم في أب وأم، لا يكون إلا في النداء، لقوله: "وفي الندا".
الثانية: أن ذلك مختصّ بالأب والأم.
الثالثة: أن التعويض فيهما ليس بلازم، فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة، فُهم ذلك من قوله: "عرض".
الرابعة: أنه لا يجوز الجمع بين الياء والتاء؛ لأنها عوض عنها، ولا بين التاء والألف؛ لأن الألف بدل من الياء.
وأما قوله١:
_________________
(١) ١ قائله: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. الإعراب: "يا" حرف نداء، "أبتي" منادى مضاف، "لا زلت" لا نافية، وزال فعل ماض من أخوات كان والضمير اسم زال، "فينا" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر زال، "فإنما" الفاء =
[ ٢ / ١٠٩١ ]
يا أَبَتِي لا زلتَ فينا فإنما لنا أملٌ في العيش ما دُمْتَ عائشا
وأجاز كثير من الكوفيين الجمع بينهما في الكلام، ونظيره قراءة أبي جعفر: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾ ١.
فجمع بين العوض والمعوض.
وأما قوله٢:
يا أبتا عَلَّك أو عَسَاكَا
فجعله ابن جني من ذلك، وهو أهون من الجمع بين التاء والياء؛ لذهاب صورة المعوض عنه.
_________________
(١) = للتعليل وإن حرف توكيد وما كفتها عن العمل، "لنا" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، "أمل" مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، "في العيش" جار ومجرور متعلق بأمل، "ما دمت" ما مصدرية زمانية ودام من أخوات كان والتاء اسمها، "عائشا" خبر دام. الشاهد فيه: "يا أبتي" حيث جمع فيه بين العوض والمعوض، وهما التاء وياء المتكلم؛ لأن التاء عوض عن ياء المتكلم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: الأشموني ٤٥٨/ ٢، والمكودي ص١٢٨. ١ من الآية ٥٦ من سورة الزمر. ٢ قائله: هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز. وصدره: تقول بنتي قد أنى أناكا اللغة: "قد أنى أناكا" قد حان وقتك وزمانك. المعنى: تقول بنتي: يا أبتي قد جاء زمان سفرك، علك تجد رزقا. الإعراب: "تقول" فعل ماض، "بنتي" فاعل والياء مضاف إليه، "قد" حرف تحقيق، "أنى" فعل ماض، "أناكا" فاعل والكاف مضاف إليه، "يا" حرف نداء، "أبت" منادى مضاف إلى ياء المتكلم، "علك" لغة في لعلك، والكاف اسم لعل وخبره محذوف تقديره: لعلك تجد رزقا، "أو" عاطفة، "عساكا" الكاف اسم عسى وخبره محذوف، أي: أو عساك تجده. الشاهد فيه: "أبتا"، حيث جمع بين التاء والألف. مواضعه: ذكره الأشموني في شرحه للألفية: ٤٥٨/ ٢، وذكره سيبويه ٢٩٩/ ٢، وفي المغني ٢٠٢/ ٢، والإنصاف ١٣٦/ ١.
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
وقال في شرح الكافية: الألف فيه هي الألف التي يُوصَل بها آخر المنادى إذا كان بعيدا أو مستغاثا به أو مندوبا، وليست بدلا من ياء المتكلم، وجوّز الشارح الأمرين١.
تنبيهات:
الأول: اختلف في ضم التاء في "يا أبت" و"يا أمت"، فأجازه الفراء وأبو جعفر النحاس، ومنعه الزجاج.
وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع من العرب من يقول: "يا أمتُ" بالضم.
الثاني: مذهب البصريين أن الوقف على هذه التاء بالهاء، ومذهب الفراء بالتاء.
وفي التسهيل: وجعلها هاء في الخط والوقف جائز٢.
وقرئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء.
الثالث: قال في شرح التسهيل: وقالوا في "أبا" المقصور: "يا أبات".
قال الشاعر٣:
_________________
(١) ١ أي: كونها عوضا عن الياء، وكونها التي يوصل بها آخر المنادى. ٢ التسهيل ص١٨٢. ٣ قائله: لم أقف على قائله، وهو من الطويل. وصدره: تقول ابنتي لما رأتني شاحبا اللغة "شاحبا" من شحب لونه يشحب، إذا تغيّر وهو شاحب. الإعراب: "تقول" فعل مضارع، "ابنتي" فاعل والياء مضاف إليه، "لما" ظرف بمعنى حين، "رأتني" رأى فعل ماض والتاء للتأنيث والنون للوقاية والياء مفعول أول والفاعل ضمير، "شاحبا" مفعول ثانٍ، "كأنك" حرف تشبيه والكاف اسمه، "فينا" جار ومجرور متعلق بغريب، "غريب" خبر كأن مرفوع. الشاهد فيه: "يا أبات" حيث زاد فيه التاء؛ لأن أصله: يا أبا، بالقصر.
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
كأنك فينا يا أَبَات غريب
ولو لم يعوض "لقال: أباي"١. انتهى.
وزعم بعضهم أنه أراد: "يا أبتي" فقلب، وهو بعيد. وقيل: يخرج على أن الألف إشباع.
_________________
(١) ١ جـ، وفي أ "ولو لم يعوض يا أباي".
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
محتويات المجلد الثاني:
الصفحة الموضوع
٥٨١ الجزء الثاني
٥٨٣ الفاعل
٥٩٨ النائب عن الفاعل
٦١١ اشتغال العامل عن المعمول
٦٢٠ تعدي الفعل ولزومه
٦٢٩ التنازع في العمل
٦٤٤ المفعول المطلق
٦٥٤ المفعول له
٦٥٧ المفعول فيه وهو المسمى ظرفا
٦٦٣ المفعول معه
٦٦٩ الاستثناء
٦٩٢ الحال
٧٢٦ التمييز
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
الصفحة الموضوع
٧٣٨ حروف الجر
٧٨٢ الإضافة
٨٣٤ المضاف إلى ياء المتكلم
٨٣٧ الجزء الثالث
٨٣٩ إعمال المصدر
٨٤٩ إعمال اسم الفاعل
٨٦٢ أبنية المصادر
٨٦٩ أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات
٨٧٣ الصفة المشبهة باسم الفاعل
٨٨٥ التعجب
٩٠٢ نعم وبئس وما جرى مجراهما
٩٣٣ أفعل التفضيل
٩٤٥ النعت
٩٦٧ التوكيد
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
الصفحة الموضوع
٩٨٨ العطف
٩٩٣ عطف النسق
١٠٣٦ البدل
١٠٥١ النداء
١٠٧٢ "فصل" في تابع المنادى
١٠٨٣ المنادى المضاف إلى ياء المتكلم
[ ٢ / ١٠٩٧ ]