وهذا الفصل يشتملُ على أربعة مباحث
١- مَعْنى العامِلِ وَالْمَعْمولِ وَالْعَمَلِ
متى انتظمتِ الكلماتُ في الجملة.
فمنها ما يُؤثر فيما يَليهِ، فيرفعُ ما بعدَهُ، أو ينصِبُهُ أو يجزمهُ، أو يجُرُّهُ، كالفعل، يرفعُ الفاعلَ وينصِبُ المفعولَ بهِ، وكالمبتدأ، يرفعُ الخبر، وكأدوات الجزم، تجزمُ الفعلَ المضارع، وكحروف الجرِّ، تخفضُ
[ ٣ / ٢٧٢ ]
ما يَليها من الأسماء. فهاذ هو المُؤَثِّرُ، أو العاملُ.
ومنها ما يُؤثرُ فيه ما قبلَهُ، فيرفعُهُ، أو ينصبُهُ، أو يَجُرُّهُ، أو يجزمهُ، كالفاعل، والمفعول، والمضاف إليه، والمسبوق بحرف جرّ، والفعلِ المضارعِ وغيرِها. فهذا هو المتأثرُ أو المعمولُ.
ومنها ما لا يُؤَثِّرُ ولا يَتأثرُ، كبعض الحروف، نحو "هل وبل وقد وسوف وهلاَّ"، وغيرِها من حروف المعاني.
والنتيجةُ الحاصلةُ من فعل المؤثر وانفعالِ المتأثر، هي الأثرُ، كعلامات الإعراب الدالَّةِ على الرفعِ أو النصب أو الجر أو الجزم، فهي نتيجةٌ لتأثيرِ العوامل الداخلةِ على الكلمات ولتأثُّرِ الكلمات بهذه العوامل.
فما يُحدِثُ تَغيُّرًا في غيرِه، فهو العاملُ.
وما يَتغيَّرُ آخرُهُ بالعاملِ، فهو المعمولُ.
وما لا يُؤثر ولا يَتأثرُ، فهو العاطلُ، أي ما ليسَ بمعمولٍ ولا عامل.
والأثرُ الحاصلُ، من رفع، أو نصبٍ، أو جزمٍ، أو خفض، يُسمّى "العملَ"، أي الإعرابَ.
٢- العامل
العاملُ ما يُحدِثُ الرفعَ، أو النصب، أو الجزمَ، أو الخفضَ، فيما يَليهِ.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
والعواملُ هي الفعلُ وشِبهُه، والأدواتُ التي تنصبُ المُضارع أو تجزمُهُ، والأحرفُ التي تنصبُ المبتدأ وترفعُ الخبرَ، والأحرفُ التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وحروف الجرِّ، والمُضافُ، والمبتدأ.
وقد سبقَ الكلامُ عليها، إلا شِبهَ الفعل، فسيأتي الكلامُ عليه.
وهي قسمان: لفظيّةٌ ومعنويَّةٌ.
فالعاملُ اللفظيَّ: هوَ المؤثرُ الملفوظُ، كالذي ذكرناه.
والعاملُ المعنوي: هو تَجرُّدُ الاسم والمضارعِ من مؤثرٍ فيهما ملفوظٍ بالتجرُّدُ هو من عوامل الرفع.
(فتجرّدُ المبتدأ من عامل لفظي كان سبب رفعه. وتجرّدُ المضارع من عوامل النصب والجزم كان سببَ رفعه أيضًا.
فالتجرّد. هو عدم ذكر العامل. وهو سبب معنوي في رفعه ما تجرَّد من عامل لفظي كالمبتدأ والمضارع الذي لم يسبقه ناصب أو جازم) .
٣- الْمَعْمول
المعمولُ هو ما يَتغيَّرُ آخرُهُ برفعٍ، أو نصبٍ، أو جزمٍ، أو خفضٍ بتأثير العامل فيه.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
والمعمولاتُ هي الأسماءُ، والفعلُ المضارعُ.
والمعمولُ على ضربين معمولٍ بالأصالة، ومعمولٍ بالتَّبعيّة.
فالمعمولُ بالأصالةِ هو ما يُؤثَرُ فيه العاملُ مباشرةً، كالفاعل ونائبهِ، والمبتدأ وخبرهِ، واسم الفعل الناقص وخبره، واسمِ إنَّ وأَخواتها وأَخبارها، والمفاعيلِ، والحال، والتمييز، والمستثنى، والمضافِ إليهِ، والفعلِ المضارع.
والمبتدأ يكونُ عاملًا، لرفعهِ الخبرَ. ويكونُ معمولًا، لتجرُّدهِ من العوامل اللفظيةِ للابتداء، فهو الذي يرفعُه.
والمضافُ يكون عاملًا، لجرِّهِ المضافَ إليه، ويكونُ معمولًا، لأنه يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، حسبَ العواملِ الداخلةِ عليه.
والمضارعُ وشِبهُهُ (ما عدا اسمَ الفعلِ) عاملانِ فيما يَليهما، معمولانِ لما يَسبقُهما من العوامل.
والمعمولُ بالتّبعيّة هو ما يُؤثرُ فيه العاملُ بواسطة متبوعه، كالنَّعت والعَطفِ والتوكيدِ والبدل، فإنها تُرفعُ أَو تُنصَبُ أو تُجرُّ أو تُحزَمُ، لأنها تابعةٌ لمرفوع أو منصوب أو مجرور أو مجزوم. والعاملُ فيها هو العاملُ في متبوعها الذي يَتقدّمها.
وقد سبقَ الكلام على ذلك كلهِ مُفصّلًا.
٤- العَمَل
العملُ (ويُسمّى الإعرابَ أيضًا) هو الأثرُ الحاصلُ بتأثير العامل،
[ ٣ / ٢٧٥ ]
من رفعٍ أو نصبٍ أو خفض أو جزم.
وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه مُفصلًا في أَوائل الجزء الأول من هذا الكتاب.
(عمل المصدر والصفات التي تُشْبِهُ الفِعْل)
وهذا الفصل يشتملُ على خمسة مباحث
١- عَمَلُ الْمَصْدَرِ وَاسمِ الْمَصْدَرِ
يعملُ المصدرُ عَمَلَ فعلهِ تَعدِّيًا ولزومًا.
فإن كان فعلهُ لازمًا، احتاجَ إلى الفاعلِ فقط، نحو "يُعجبُني اجتهادُ سعيدٍ".
وإن كان مُتعدِّيًا احتاجَ إلى فاعلٍ ومفعولٍ بهِ. فهو يتعدَّى إلى ما يتعدَّى إليه فعلُه، إمّا بنفسهِ، نحو "ساءَني عصيانُك أباكَ"، وإمّا بحرف الجرِّ، نحو "ساءَني مُرورُكَ بمواضعِ الشُّبهةِ". واعلم أن المصدرَ لا يعملُ عملَ الفعلِ لشبههِ به، بل لأنهُ أَصلُهُ.
ويجوزُ حذفُ فاعلهِ من غيرِ أن يتحمّلَ ضميرَهُ، نحو "سرَّني تكريم
[ ٣ / ٢٧٦ ]
العاملينَ". ولا يجوزُ ذلكَ في الفعل، لأنهُ إن لم يَبرُز فاعلُهُ كان ضميرًا مستترًا، كما تقدَّم في باب الفاعل.
ويجوزُ حذفُ مفعوله، كقوله تعالى ﴿وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا عن موعِدةٍ وَعدَها إياهُ﴾، أَي استغفار إبراهيمَ رَبّهُ لأبيه.
وهو يعملُ عملَ فعلهِ مضافًا، أو مجرَّدًا من "أَلْ" والإضافةِ، أو مُعرَّفًا بأل، فالأولُ كقوله تعالى ﴿ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضِ﴾ . والثاني كقوله ﷿ ﴿أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسبغةٍ يَتيمًا ذا مقربةٍ أو مِسكينًا ذا مَترَبَةٍ﴾ . والثالثُ إِعمالُه قليلٌ، كقولِ الشاعر [من الطويل]
لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغيرَةِ أَنَّني كَرَرْتُ، فَلَمْ أَنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعا
وَشُرِط لإعمال المصدر أن يكون نائبًا عن فعلهِ، نحو "ضربًا اللصَّ"، أو أن يصحَّ حُلولُ الفعل مصحوبًا بأنْ أو "ما" المصدريتين مَحلَّهُ. فإذا قلتَ "سرَّني فَهمُكَ الدَّرسَ"، صحَّ أن تقول "سرَّني أن تفهمَ الدرسَ". وإذا قلتَ "يَسرُّني عملُكَ الخيرَ"، صحَّ أن تقول "يَسُرُّني أن تعملَ الخيرَ". وإذا قلتَ "يُعجبُني قولكَ الحقَّ الآن"، صحَّ أن تقولَ "يعجبني ما تقولُ الحقَّ الآن". غيرَ أنهُ إذا أُريدَ به المُضيُّ أو الاستقبالُ قُدِّرَ بأنْ، وإذا أريدَ به الحالُ قُدِّرَ بِمَا، كما رأيتَ.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
لذلك لا يعملُ المصدرُ المؤكّدُ، ولا المُبيّنُ للنوع، ولا المُصغّرُ، ولا ما لم يُرَدْ به الحَدَثُ. فلا يُقالُ "علَّمتُهُ تعليمًا المسألةَ"، على أنَّ "المسألة منصوبةٌ بتعليمًا" بل بعلَّمتُ، ولا "ضربتُ ضربةً وضربتينِ اللصَّ"، على نصب اللص بضربة أوضربتينِ، بل بضربتُ، ولا "يُعجبني ضُرَيْبكَ اللصَّ"، ولا "لسعيدٍ صَوْتٌ صوْتَ حَمامٍ"، على نصب "صوت" الثاني بصوت الأول بل يفعل محذوف، أو يُصَوتُ صوتَ حمام، أي يُصَوِّتُ تصويتَهُ. ويجوز أن يكونَ مفعولًا به لفعلٍ محذوف، أي يُشبهُ صوتَ حمامٍ.
ولا يجوز تقديمُ معمولِ المصدر عليه، إلا إذا كانَ المصدرُ بدلًا من فعلهِ نائبًا عنه، نحو "عملَكَ إتقانًا"، أو كان معمولهُ ظرفًا أو مجرورًا بالحرف، كقوله تعالى ﴿فلمّا بلغَ معهُ السَّعيَ﴾، وقولهِ ﴿ولا تأخذكم به رأفةٌ﴾ .
ويُشترطُ في إعمالهِ أن لا يُنعتَ قبلَ تمامِ عملهِ، فلا يُقالُ "سرَّني إكرامُكَ العظيمُ خالدًا"، بل يجبُ تأخيرُ النَّعتِ، فتقولُ "سرَّني إكرامُكَ خالدًا العظيمُ"، كما قال الشاعر [من الخفيف]
إنَّ وَجْدي بِكِ الشَّديدَ أَراني عاذرًا مَنْ عَهِدْتُ فيكِ عَذولًا
وإذا أُضيفَ المصدرُ إلى فاعله جَرَّهُ لفظًا، وكان مرفوعًا حكمًا (أي في محلِّ رَفعٍ)، ثمَّ يَنصبُ المفعولَ به، نحو "سرَّني فهمُ زُهيرٍ الدرسَ".
[ ٣ / ٢٧٨ ]
وإذا أُضيفَ إلى مفعولهِ جَرَّهُ لفظًا، وكان منصوبًا حُكمًا (أي في محلِّ نصبٍ)، ثم يَرفعُ الفاعلَ، نحو "سرَّني فَهمُ الدرسِ زُهيرٌ".
وإذا لحقَ الفاعلَ المضافَ إلى المصدرِ، أو المفعولَ المضافَ إليهِ، أحدُ التوابعِ جازَ في التابعِ الجرُّ مراعاةً للَّفظِ، والرفعُ أو النصبُ مراعاةً للمحلِ، فتقولُ في تابعِ الفاعلِ "سَرَّني اجتهادُ زُهيرٍ الصغيرِ، أو الصغيرُ" و"ساءَني إهمالُ سعيدٍ وخالدٍ، أو خالدٌ". وتقولُ في تابعِ المفعول "يُعجبُني إكرامُ الأستاذِ المُخلصِ، أو المُخلصَ، تلاميذُهُ" و"ساءَني ضرب خالد وسعيدٍ، أو وسعيدًا، خليلٌ".
والمصدرُ الميميُّ كغير الميميّ، في كونهِ يعملُ عملَ فعلهِ، نحو مُحتمَلُك المصائبَ خيرٌ من مَركبِكَ الجَزَعَ". ومنه قول الشاعر [من الكامل]
أَظَلومُ، إنَّ مَصابَكُمْ رَجُلًا أَهدَى السَّلامَ تَحِيَّةً، ظُلْمُ!
واسمُ المصدرِ يعملُ عملَ المصدرِ الذي هو بمعناهُ، وبِشروطهِ، غيرَ أنّ عملَهُ قليلٌ، ومنه قولُ الشاعر [من الوافر]
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي وَبَعْدَ عَطائِكَ الْمِئَةَ الرِّتاعا
[ ٣ / ٢٧٩ ]
وقولُ الآخر [من الطويل]
إذا صَحَّ عَوْنُ الخَالِقِ الْمَرْءَ، لَمْ يَجِدْ عَسيرًا مِنَ الآمالِ إِلاَّ مُيَسَّرا
وقولُ غيره [من الوافر]
بِعِشْرَتِكَ الْكِرامَ تُعَدُّ مِنْهُمْ فَلاَ تُرَيَنْ لِغَيْرِهِمِ أَلوفا
ومنه الحديثُ "من قُبلَةِ الرجلِ امرأتَهُ الوُضوءُ".
٢- عَمَلُ اسمِ الْفاعِلِ
يعملُ اسمُ الفاعلِ عملَ الفعلِ المُشتق منه، إنْ متعديًا، وإنْ لازمًا. فالمتعدّي نحو "هل مُكرِمٌ سعيدٌ ضُيوفَه؟ ". واللازمُ، نحو "خالدٌ مجتهدٌ أولادُهُ".
ولا تجوزُ إضافتُهُ إلى فاعلهِ، كما يجوز ذلك في المصدر، فلا يقالُ "هلْ مُكرِمُ سعيدٍ ضُيوفَهُ".
وشرطُ عمله أن يقترنَ بألْ. فإن اقترنَ بها، لم يحتج إلى شرطٍ غيره. فهو يعملُ ماضيًا أو حالًا أو مستقبلًا، مُعتمدًا على شيءٍ أو غيرَ معتمدٍ، نحو "جاء المعطي المساكينَ أمسِ أو الآن أو غدًا".
فإن لم يقترن بها، فشرطُ عملهِ أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال،
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وأن يكون مسبوقًا بنفيٍ، أو استفهام، أو اسمٍ مُخبَرٍ عنه بهِ، أو موصوفٍ، أو باسمٍ يكون هوَ حالًا منه، فالأولُ، نحو "ما طالبٌ صديقُكَ رفعَ الخلافِ". والثاني نحو "هلْ عارفٌ أخوك قدرَ الإنصافِ؟ ". والثالث نحو "خالدٌ مسافرٌ أبواهُ". والرابعُ نحو "هذا رجلٌ مجتهدٌ أبناؤُهُ". والخامسُ نحو "يَخطُبُ عليٌّ رافعًا صوتَهُ".
وقد يكونُ الاستفهامُ والموصوفُ مُقدَّرَينِ. فالأولُ نحو "مُقيمٌ سعيدٌ أم مُنصرفٌ؟ " والتقديرُ أمقيمٌ أم منصرفٌ؟ والثاني كقول الشاعر [من البسيط]
كناطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيوهِنَها فَلَمْ يَضِرْها، وَأَوَهى قَرْنَهُ الْوَعِلُ
أي كوعلٍ ناطحٍ صخرةً. ونحو "يا فاعلًا الخيرَ لا تنقطع عنه، أي يا رجلًا فاعلًا.
واعلم أنَّ مبالغةَ اسم الفاعل تعملُ عملَ الفعلِ، كاسم الفاعل، بالشروطِ السابقةِ، نحو "أنتَ حَمُولٌ النائبةَ، وحَلاَّلٌ عُقَدَ المشكلاتِ".
والمثنّى والجمعُ، من اسمِ الفاعل وصيَغ المُبالغة، يعملان كالمُفرد منهما، كقوله تعالى ﴿والذاكرينَ اللهَ كثيرًا﴾، وقولهِ ﴿خُشَّعًا أبصارُهم يخرجون من الأجداث﴾ .
وإذا جُرَّ مفعولُ اسم الفاعل بالإضافةِ إليه، جازَ في تابعهِ الجرُّ مراعاةً للِفظه، والنصبُ مراعاةً لمحلهِ، نحو "هذا مُدرَّسُ النحوِ والبيانِ، أوِ البيانَ" ونحو "أنت مُعينُ العاجزِ المسكينِ، أو المسكينَ".
ويجوزُ تقديمُ معمولهِ عليه، نحو "أنتَ الخيرَ فاعلٌ"، إلاّ أن يكونَ مقترنًا بأل "هذا المُكرمُ سعيدًا"، أو مجرورًا بالإضافةِ، نحو "هذا وَلد
[ ٣ / ٢٨١ ]
مُكرمٍ خالدًا"، أو مجرورًا بحرفِ جرٍّ أصليٍّ، نحو "أحسنتُ إلى مُكرمٍ عليًّا"، فلا يجوزُ تقديمهُ في هذه الصُّوَر. أمّ إن كان مجرورًا بحرفِ جرٍّ زائد فيجوزُ تقيمُ معمولهِ عليه، نحو "ليسَ سعيدٌ بسابقٍ خالدًا"، فتقولُ "ليس سعيدٌ خالدًا بسابقٍ"، لأنَّ حرفَ الجرّ الزائدِ في حكم الساقط.
٣- عَمَلُ اسْمِ الْمَفْعولِ
يعملُ اسمُ المفعول عمَلَ الفعلِ المجهول، فيرفعُ نائبَ الفاعلِ، نحو "عزَّ من كان مُكرَمًا جارُهُ، محمودًا جِوراُهُ". وتجوزُ إضافتُهُ إلى معمولهِ، نحو "عَزَّ من كان محمودَ الجوارِ، مُكرَمَ الجارِ".
وشروطُ إعمالهِ كما مرَّ في اسمِ الفاعل تمامًا.
٤- عَمَلُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ
تعملُ الصفةُ المشبهةُ عملَ اسم الفاعلِ المتَعدِّي إلى واحدٍ، لأنها مُشبَّهةٌ به ويُستحسَنُ فيها أن تُضافَ إلى ما هوَ فاعلٌ لها في المعنى، نحو "أنتَ حَسَنُ الخُلُقِ، نَقِيُّ النفسِ، طاهرُ الذَّيلِ".
ولكَ في معمولها أربعةُ أوجُهٍ
١- أن ترفعهُ على الفاعليّة، نحو "عليٌّ حسَنٌ خُلقُهُ، أو حسَنٌ الخُلُقُ أو الحسنُ خُلقُهٌ، أو الحسنُ خُلُقُ الأبِ".
٢- أن تنصبهُ على التّشبيهِ بالمفعولِ به، إن كان معرفةً، نحو "عليٌّ حسنٌ خُلقَهُ، أو حَسَنٌ الخُلُقَ، أو الحسنُ الخُلُقَ، أو الحسَنُ خُلُقَ الأبِ".
٣- أن تنصبهُ على التمييز، إن كانَ نكرةً، نحو "عليٌّ حسنٌ خُلقًا، أو الحسَنُ خُلقًا".
[ ٣ / ٢٨٢ ]
٤- أن تَجرَّهُ بالإضافة، نحو "عليٌّ حسَنُ الخُلُقِ، أو الحسنُ الخُلُقِ، أو حسنُ خُلُقهِ، أو حسَنُ خُلقِ الأبِ، أو الحسن خُلُقِ الأبِ".
واعلم أنهُ تمتنعُ إضافةُ الصفة إذا اقترنتْ بألْ، ومعمولها مُجرَّدٌ منها ومنَ الإضافة إلى ما فيه "أَلْ"، فلا يُقالُ "عليٌّ الحسنُ خُلقهِ، ولا العظيمُ شدَّة بأسٍ". ويقال "الحسنُ الخُلُقِ، والعظيمُ شدَّةِ البأسِ".
٥- عَمَلُ اسْمِ التَّفْضِيلِ
يرفعُ اسمُ التفضيلِ الفاعلَ. وأكثرُ ما يرفعُ الضميرَ المستترَ، نحو "خالد أشجعُ من سعيدٍ". ولا يرفعُ الاسمَ الظاهرَ إلا إذا صَلَحَ وقوعُ فعلٍ بمعناهُ مَوقعَهُ، نحو "ما رأيتُ رجلًا أوقع في نفسه النصيحةُ منها في نفس زهير"، ونحو "ما رأيتُ رجلًا أوقعَ في نفسهِ النصيحةُ كزهير". ونحو "ما رأيتُ كنفس زهيرٍ أوقعَ فيها النصيحةُ". وتقولُ "ما رجلٌ أحسنَ به الجميلُ كعليٍّ" ومن ذلك قولُ الشاعر [من الخفيف]
ما رَأَيْتُ امرَأً أَحَبَّ إِلَيْهِ البَذْلُ مِنْهُ إِلَيْكَ يا ابْنَ سِنانٍ
فإن قلت فيما تقدَم "ما رأيتُ رجلًا تقعُ النصيحةُ في نفسه كزهير، ما رجلٌ يحسنُ به الجميلُ كعليٍّ. ما رأيتُ أمرأ يحبُّ البذلَ كابنِ سنان" صحَّ.
وقد يرفعُ الاسمَ الظاهرَ، وإن لم يَصلُح وقوعُ فعلٍ مَوقعَهُ، وذلك في لغةٍ قليلةٍ، نحو مررتُ برجلٍ أكرمَ منهُ أبوهُ".والأفضلُ أن يُرفعَ "أكرم" على
[ ٣ / ٢٨٣ ]
أنهُ خبرٌ مُقدَّمٌ، و"أبوهُ". مبتدأ مؤخرٌ. وتكون جملة المبتدأ والخبر صفةً لرجلٍ.
(الجمل وأنواعها)
الجملةُ قولٌ مُؤلفٌ من مُسنَدٍ ومُسندٍ إليه. فهي والمركَّبُ الاسناديُّ شيءٌ واحدٌ. مثلُ "جاءَ الحقُّ، وزهقَ الباطلُ، إنَّ الباطلَ كانَ زَهوقًا".
ولا يُشترط فيما نُسميه جملةً، أو مركَّبًا إسناديًا، أن يُفيدَ معنًى تامًا مكتفيًا بنفسهِ، كما يُشترطُ ذلك فيما نُسميهِ كلامًا. فهو قد يكون تامَّ الفائدةٍ نحو ﴿قد أفلحَ المؤمنون﴾، فيُسمّى كلامًا أَيضًا. وقد يكون ناقصَها، نحو "مهما تفعلْ من خير أَو شرٍّ"، فلا يُسمّى كلامًا. ويجوزُ أن يُسمّى جملةً أَو مُركبًا إسناديًا. فإن ذُكر جوابُ الشرط، فقيلَ "مهما تفعلْ من خير أَو شرٍّ تُلاقهِ"، سُميَ كلامًا أيضًا، لحصول الفائدة التامّة.
والجملةُ أَربعةُ أَقسامٍ فعليّةٌ، واسميَّةٌ، وجملةٌ لها محلٌّ من الإعراب، وجُملةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.
١- الجُملَةُ الفِعْلِيَّة
الجملة الفعليّة ما تألفت من الفعل والفاعل، نحو "سبقَ السيفُ العذَلَ"، أو الفعل ونائبِ الفاعل، نحو "يُنصَر المظلومُ"، أَو الفعلِ الناقصِ واسمه وخبره نحو "يكون المجتهدُ سعيدًا".
٢- الْجُمْلَةُ الاسمِيَّةُ
الجملةُ الاسميّةُ ما كانت مؤلفةً من المبتدأ والخبر، نحو "الحقُّ منصورٌ" أَو مِمّا أَصلُه مبتدأ وخبرٌ، نحو "إن الباطل مخذولٌ. لا ريبَ فيه.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ما أَحدٌ مسافرًا. لا رجلٌ قائمًا. أن أَحدٌ خيرًا من أَحد إلا بالعافيةِ. لاتَ حينَ مناصٍ".
٣- الجُمَلُ الَّتي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإِعْراب
الجملةُ، إن صحَّ تأويلُها بمُفرَدٍ، كان لها محلٌّ من الإعراب، الرفعُ أَو النصبُ أَو الجرُّ، كالمفرد الذي تُؤَوَّلُ بهِ، ويكونُ إعرابُها كإعرابه.
فإن أُوِّلت بمفردٍ مرفوعٍ، كان محلُّها الرفعَ، نحو "خالدٌ يعملُ الخيرَ"، فِإن التأويل "خالدٌ عاملٌ للخير".
وإن أُوِّلت بمفردٍ منصوبٍ، كان محلُّها النصبَ، نحو "كان خالدٌ يعملُ الخيرَ"، فإنَّ التأويلَ "كان خالدٌ عاملًا للخير".
وإن أُوِّلت بمفردٍ مجرورٍ، كانت في محلِّ جرٍّ، نحو "مررتُ برجلٍ يعملُ الخيرَ"، فإن التأويلَ "مررتُ برجلٍ عاملٍ للخيرِ".
وإن لم يصحَّ تأويلُ الجملةِ بمفردٍ، لأنها غيرُ واقعةٍ مَوْقِعَهُ، لم يكن لها محلٌّ من الإعراب، نحو "جاءَ الذي كتبَ"، إذ لا يَصح أَن تقول "جاءَ الذي كاتبٌ".
والجُمَلُ التي لها محلٌّ من الإعرابِ سبعٌ
١- الواقعةُ خبرًا. ومحلُّها من الإعراب الرفعُ، إن كانت خبرًا للمبتدأ، أَو الأحرفِ المشبهةِ بالفعلِ، أو "لا" النافية للجنس، نحو "العلمُ يرفعُ قدرَ صاحبه. إن الفضيلةَ تُحَبُّ. لا كسولَ سِيرتُهُ ممدوحةٌ". والنصبُ إن كانت خبرًا عن الفعلِ الناقصِ، كقولهِ تعالى ﴿أَنفسَهم كانوا يظلمون﴾، وقولهِ ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ .
[ ٣ / ٢٨٥ ]
٢- الواقعة حالًا. ومحلُّها النصب، نحو "جاءُوا أَباهم عشاءً يَبكون﴾ .
٣- الواقعةُ مفعولًا به. ومحلها النصبُ أيضًا، كقولهِ تعالى ﴿قالَ إني عبدُ الله﴾، ونحو "أَظنُّ الأمةَ تجتمعُ بعدَ التفرُّق".
٤- الواقعةُ مضافًا إليها. ومحلُّها الجرُّ، كقوله تعالى ﴿هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ صدقُهم﴾ .
٥- الواقعةُ جوابًا لشرطٍ جازمٍ، إن اقترنت بالفاءِ أَو بإذا الفجائية. ومحلها الجزمُ، كقوله تعالى ﴿ومن يُضللِ اللهُ فما لهُ من هادٍ﴾، وقولهِ ﴿وإن تصِبهم سيِّئةٌ بما قدَّمت أَيديهم إذا همْ يَقنَطون﴾ .
٦- الواقعةُ صفةً، ومحلُّها بحسَبِ الموصوفِ، إمّا الرفعُ، كقولهِ تعالى ﴿وجاءَ من أَقصى المدينةِ رجلٌ يسعى﴾ . وإمّا النصبُ، نحو "لا تحترمْ رجلًا يَخونُ بلادَهُ". وإمّا الجرُّ، نحو "سَقيًا لرجلٍ يَخدمُ أُمتَهُ".
٧- التابعةُ لجملةٍ لها محلٌّ من الإعراب. ومحلُّها بحسب المتبوع. إمّا الرَّفعُ، نحو "عليٌّ يقرأ ويكتبُ"، وإمّا النصبُ، نحو "كانت الشمسُ تبدو وتخفى"، وإمّا الجرُّ، نحو "لا تعبأ برجلٍ لا خيرَ فيهِ لنفسهِ وأمتهِ، لا خيرَ فيه لنفسهِ وأمتهِ".
[ ٣ / ٢٨٦ ]
٤- الجُملُ الَّتي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعراب
الجملُ التي لا محلَّ لها من الإعراب تسعٌ
١- الابتدائيةُ، وهي التي تكونُ في مُفتَتحِ الكلامِ، كقوله تعالى ﴿إنا أعطيناك الكوثرَ﴾، وقولهِ ﴿اللهُ نور السَّمواتِ والأرض﴾ .
٢- الاستئنافيّةُ، وهي التي تقعُ في أثناءِ الكلامِ، منقطعةً عمّا قبلَها، لاستئنافِ كلامٍ جديدٍ، كقوله تعالى ﴿خلق السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ، تعالى عمَّا يُشركونَ﴾ . وقد تقترنَ بالفاءِ أو الواو الاستئنافيَّتين. فالأولُ كقوله تعالى ﴿فلمَّا آتاهما صالحًا جعلا لهُ شركاءَ فيما آتاهما، فتعالى الله عمّا يُشركون﴾ . والثاني كقولهِ ﴿قالت ربِّ إني وضعتُها أُنثى، والله أعلمُ بما وضعتْ، وليس الذكر كالأنثى﴾ .
٣- التَّعليليَّة، وهي التي تقعُ في اثناءش الكلامِ تعليلًا لِما قبلَها، كقوله تعالى ﴿وصلِّ عليهم، إنَّ صلاتَكَ سَكنٌ لهم﴾ . وقد تقترنُ بفاءِ التَّعليل، نحو "تمسَّك بالفضيلةِ، فإنها زينةُ العُقلاءِ".
٤- الاعتراضيّةُ، وهي التي تَعترضُ بين شيئينِ مُتلازمين، لإفادة الكلام تَقويةً وتسديدًا وتحسينًا، كالمبتدأ والخبر، والفعلِ ومرفوعهِ، والفعلِ ومنصوبهِ، والشرطٍ والجوابِ، والحالِ وصاحبها، والصفةِ والموصوفِ، وحرفِ الجر ومُتعلِّقه والقسمِ وجوابهِ. فالأول كقول الشاعر [من الطويل]
وَفِيَهِنَّ، وَالأَيامُ يَعْثُرْنَ بِالْفَتَى نَوادِبُ لا يَمْلَلْنَهُ، ونَوائحُ
[ ٣ / ٢٨٧ ]
والثاني كقول الآخر [من الطويل]
وَقَدْ أَدْرَكَتْني، وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ أَسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٍ، وَلا عُزْل
والثالثُ كقولِ غيره [من الرجز]
وَبُدِّلَتْ، وَالدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ هَيْفًا دَبُورًا بِالصَّبا، وَالشَّمْأَلِ
والرابعُ، كقولهِ تعالى ﴿فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتَّقُوا النارَ التي وَقُودُها الناسُ والحجارةُ﴾ . والخامس، نحو "سعيتُ، وربَّ الكعبةِ، مجتهدًا". والسادسُ، كقوله تعالى ﴿وانَّهُ لَقَسمٌ، لو تعلمونَ عظيم﴾ . والسابعُ، نحو "اعتصِمْ، اصلحكَ اللهُ، بالفضيلة". والثامن كقول الشاعر [من الطويل]
لَعَمْري، ومَا عَمْري عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الأَقارِعُ
٥- الواقعة صِلةً للموصولِ الاسميّ، كقوله تعالى ﴿قد أفلحَ من تَزَكَّى﴾، أو الحرفيِّ، كقولهِ ﴿نخشى أن تُصيبنا دائرةٌ﴾ .
والمراد بالموصولِ الحرفيِّ الحرفُ المصدريُّ، وهو يُؤوَّلُ وما بعدَه بمصدرٍ وهو ستةُ أحرفٍ "أنْ وأنَّ وكيْ وما ولوْ وهمزة التسوية". وقد سبقَ الكلامُ عليه في أقسام الفاعل"، وفي "حروف المعاني".
٦- التّفسيريةُ، كقوله تعالى " ﴿وأَسرُّوا النّجوَى﴾، ﴿الذين ظلموا﴾، ﴿هل هذا إلا بشرٌ مثلُكمْ﴾ " وقولهِ ﴿هل ادُلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ
[ ٣ / ٢٨٨ ]
أليمٍ، تُؤمِنونَ بالله ورسوله﴾ .
والتّفسيريّةُ ثلاثةُ أقسامٍ مجرَّدةٌ من حرف التفسيرِ، كما رأيتَ، ومقورنةٌ بأي، نحو "أشرتُ إليه، أي أذهبْ"، ومقورنةٌ بأنْ، نحو "كتبتُ إليهِ أن وافِنا"، ومنه قولهُ تعالى ﴿فأوحينا إليه أن اصنَعِ الفُلكَ﴾ .
٧- الواقعةُ جوابًا للقسمِ، كقوله تعالى ﴿والقرآنِ الحكيمِ انّكَ لَمِنَ المُرْسَلين﴾، وقولهِ ﴿تاللهِ لأكيدَنَّ أصنامَكم﴾ .
٨- الواقعةُ جوابًا لشرطٍ غيرِ جازمٍ "كإذا ولو ولوا"، كقوله تعالى ﴿إذا جاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ، ورأيتَ الناسَ يَدخلون في دينِ اللهِ أفواجًا، فسَبِّحْ بِحَمْدِ ربك﴾، وقوله ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ، لَرأَيتهُ خاشعًا مُتصدِّعًا من خشيةِ اللهِ﴾ وقولهِ ﴿ولولا دَفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، لَفَسدتِ الأرضُ﴾ .
٩- التابعةُ لجملةٍ لا محلَّ لها من الإعراب، نحو "إذا نَهضَتِ الأمةُ، بَلغت من المجد الغايةَ، وادركت من السُّؤْدَدِ النهايةَ".
[ ٣ / ٢٨٩ ]