وهو يشتمل على تسعة فصول:
(١) (الماضي والمضارع والأمر)
ينقسمُ الفعل باعتبار زمانه إِلى ماضٍ ومضارعٍ وأَمر.
فالماضي ما دلَّ على معنىً في نفسه مقترنٍ بالزمان الماضي كجاء واجتهدَ وتَعلّمَ.
وعلامتهُ أَن يقبلَ تاء التأنيثِ الساكنةَ، مثل "كتبتْ" أو تاء الضمير، مثل. "كتبتَ. كتبتِ. كتبتما. كتبتم. كتبتنَّ. كتبتْ".
والمضارعُ ما دلَّ على معنى في نفسه مقترنٍ بزمانٍ يحتمل الحالَ والاستقبالَ، مثل "يجيءُ ويجتهدُ ويتعلَّمُ".
وعلامتُه أن يقبل "السينَ" أو "سوفَ" أو "لم" أو "لن" مثل "سيقول. سوف نجيءُ. لَمْ أَكسلْ. لنْ أَتأخرَ".
والأمر ما دلَّ على طلب وقوعِ الفعل من الفاعل المخاطب بغير لام الأمر، مثل "جِيءْ واجتهدْ وتعلَمْ".
[ ٣٣ ]
وعلامته أَن يدلَّ على الطلب بالصيغة، مع قبوله ياء المؤنثة المخاطبة، مثل "اجتهدي".
(٢) المتعدي واللازم
ينقسم الفعل باعتبار معناه إلى متعدِّ ولازم:
(الفعل المتعدي)
الفعل المتعدّي هو ما يتعدَّى أَثرُهُ فاعلَه، ويتجاوزه إلى المفعول به، مثل "فتحَ طارقٌ الأندَلسَ".
وهو يحتاج إلى فاعل يفعله ومفعولٍ به يقَع عليه.
ويسمى أيضًا، "الفعلَ الواقعَ" لوقوعه على المفعول به، و"الفعلَ المجاوزَ" لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به.
وعلامته أَنْ يقبلَ هاء الضمير التي تعود إلى المفعول به، مثل "إجتهد الطالب فأكرمه أُستاذه".
(اما هاء الضمير التي تعود إلى الظرف، او المصدر، فلا تكون دلالة على تعدي الفعل إن لحقته. فالاول مثل "يوم الجمعة سرته"، والثاني مثل "تجمل بالفضيلة تجملا كان يتجمله سلفك الصالح". فالهاء في المثال الاول في موضع نصب على انها مفعول فيه؛ وفي المثال الثاني في موضع نصب على انها مفعول مطلق) .
المتعدي بنفسه والمتعدي بغيره
الفعل المتعدي، إما متعدٍ بنفسه، وإما متعدٍ بغيره.
[ ٣٤ ]
فالمتعدي بنفسه ما يصل إلى المفعول به مباشرةً (أَي أَي بغير واسطةِ حرف الجر)، مثل "بريت القلمَ". ومفعوله يسمى "صريحًا".
والمتعدي بغيره ما يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر، مثل "ذهبتُ بكَ" بمعنى "أَذهبتُكَ". ومفعوله يسمى "غير صريح".
وقد يأخذ المتعدي مفعولين أَحدهما صريحٌ، والآخر غير صريحٍ، نحو أَدُّوا الأمانات إلى أَهلها.
(فالامانات مفعول به صريح وأَهل مفعول به غير صريح، وهو مجرور لفظا بحرف الجر، منصوب محلا على انه مفعول به غير صريح) .
المتعدي الى اكثر من مفعول واحد
ينقسم الفعل المتعدي إلى ثلاثة اقسام. متعدٍ إلى مفعول به واحد، ومتعد إلى مفعولين، ومتعد إلى ثلاثة مفاعيل.
فالمتعدي إلى مفعولٍ به واحدٍ كثيرٌ، وذلك مثل "كتب وأخذ وغفر وأكرم وعظم".
التعدي إِلى مفعولين
المتعدي إلى مفعولين على قسمين قسمٍ ينصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا، وقسم ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبرٌ.
فالأل مثل أَعطى وسأل ومنح ومنع وكسا وأَلبس وعلَّم"، تقول "أَعطيتك كتابًا. منحت المجتهد جائزةً. منعت الكسلان التنزُّه. كسوت الفقير ثوبًا. أَلبست المجتهدة وسامًا، علّمت سعيدًا الأدب".
والثاني على قسمين أفعال القلوب، وأفعال التحويل.
[ ٣٥ ]
(١) افعال القلوب
أفعال القلوب المتعدية إلى مفعولين هي "رأى وعلم ودرى ووَجدَ وألفى وتعلَمْ وظنَّ وخالَ وحسبَ وجعل وحَجا وعدَّ وزَعمَ وهَبْ".
(وسميت هذه الافعلا "أفعال القلوب"، لانها ادراك بالحس الباطن، فمعانيها قائمة بالقلب. وليس كل فعل قلبي ينصب مفعولين. بل منه ما ينصب مفعولا واحدًا كعرف وفهم. ومنه ما هو لازم كحزن وجبن) .
ولا يجوزُ في هذه الأفعال أن يُحذَفَ مفْعولاها أو أحدُهما اقتصارًا (أي بلا دليل) . ويجوز سُقوطهما، أو سقوطُ أحدهما، اختصارًا (أي لدليل يَدُل على المحذوف) .
فسقوطهما معًا لدليل، كأنْ يُقالَ "هل ظننتَ خالدًا مُسافرًا؟ " فتقولُ "ظننتُ" أي "ظننتُهُ مُسافرًا"، قال تعالى "أينَ شُركائيَ الذين كنتم تزعمونَ؟ "، أي "كنتم تزعمونهم شركائي" وقال الشاعر [الكميت الأسدي - من الطويل]
بأَيِّ كِتابٍ، أَم بأَيَّةِ سُنَّةِ تَرى حُبَّهُمْ عارًا عليَّ، وتَحْسَبُ؟
أي "وتحسبُهُ عارًا".
وسُقوطُ أحدهما لدليلٍ، كأن يُقالَ "هل تظُنُّ أحدا مسافرا؟ "، فتقولُ "أظُنُّ خالدا"، أي "أظُنُّ خالدا مسافِرا؟ "، ومنه قولُ عنترةَ [من الكامل]
وَلَقَدْ نَزَلتِ، فَلا تَظُني غَيْرَهُ، مِنَِّي بِمَنْزِلةِ المُحَبِّ المُكْرَم
أي "نزلتِ مني منزلةَ المحبوب المُكرَمِ، فلا تظني غيره واقعًا".
ومما جاء فيه حذفُ المفعولين لدليل قولُهم "مَنْ يسمع يَخَلْ" أي "يخَل ما يسمعُه حقًا".
[ ٣٦ ]
فإن لم يدُلَّ على الحذف دليلٌ لم يجُز، لا فيهما ولا في أحدهما. وهذا هو الصحيحُ من مذاهب النّحويين.
وأفعالُ القلوب نوعان نوعٌ يفيدُ اليقينَ (وهو الاعتقاد الجازم)، ونوعٌ يفيدُ الظنَّ (وهو رُجحانُ وقوع الأمر) .
أفعال اليقين
أفعالُ اليقين، التي تنصبُ مفعولين، ستةٌ
الأولُ "رأى" - بمعنى "علم واعتقد" - كقول الشاعر [من الوافر]
رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيءٍ مُحاولةً، وأكثرَهمْ جنودا
ولا فرقَ أن يكون اليقينُ بحسب الواقع، أو بحسب الاعتقاد الجازم، وإِن خالفَ الواقع، لأنه يقينٌ بالنسبة إلى المعتَقد. وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى "إنهم يرَوْنهُ بعيدًا ونراهُ قريبا" أي إنهم يعتقدون أن البعثِ مُمتنعٌ، ونعلمُه واقعا. وإِنما فُسّرَ البُعدُ بالامتناع، لأن العرب تستعملُ البعدَ في الانتفاء، والقُرب فى الحُصول.
ومثل "رأى" اليقينيَّة (أي التي تفيد اليقينَ) "رأى" الحُلميَّةُ، التي مصدرُها "الرّؤْيا" المناميَّةُ، فهي تنصب مفعولين، لأنها مثلها من حيثُ الادراكُ بالحِسّ الباطن؛ قال تعالى ﴿إني أراني أعصرُ خمرًا﴾ فالمفعولُ الأَولُ ياء المتكلم، والمفعول الثاني جملةُ أعصرُ خمرًا.
(فان كانت "رأى" بصرية، أي بمعنى "أبصر ورأى بعينه"، فهي متعدية الى مفعول واحد. وان كانت بمعنى "اصابة الرئة" مثل "ضربه فرآه"، أي أصاب رئته، تعدّتْ الى مفعول واحد ايضا) .
والثاني "عَلَم" - بمعنى "اعتقدَ" - كقوله تعالى "فإن علِمتموهنَّ مُؤْمناتٍ"، وقول الشاعر [من الطويل]
[ ٣٧ ]
عَلِمْتُكَ مَنّانًا، فلَسْتُ بآمِلٍ نَداكَ، ولو ظَمْآنَ، غَرْثانَ، عاريا
وقولِ الآخر [من البسيط]
عَلِمْتُكَ الباذلَ المعروفِ فانبعَثَتْ إِليكَ بي واجفاتْ الشوق والأَملِ
(فان كانت بمعنى "عرف" كانت متعدية الى واحد، مثل "عملت الامر"، أي عرفته، ومنه قوله تعالى ﴿والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ وان كانت بمعنى "شعر واحاط وادرك"، تعدت الى مفعول واحد بنفهسا او بالباء مثل "علمت الشيء وبالشيء".
والثالث "دَرَى" - بمعنى "عَلِم عِلمَ اعتقاد" كقول الشاعر [من الطويل]
دُرِيتَ الوَفِيَّ العهدِ يا عَمْرُو، فاغتَبطْ، فإنَّ اغتِباطًا بالوَفاءِ حميدٌّ
والكثير المُستعمل يها أن تَتعدّى إلى واحد بالباء، مثل "دريت به".
(فان كانت بمعنى "ختل" أي خدع، كانت متعدية الى واحد بنفسها، مثل "دريت الصيد" أي ختلته وخدعته. وان كانت بمعنى "حَكّ" مثل "درى رأسه بالمدرى"، أي حكه به، فهي كذلك) .
والرابع "تَعَلّمْ - بمعنى "اعلمْ واعتقِدْ" كقول الشاعر [من الطويل]
تَعَلَّمْ شفاءَ النَّفسِ قَهرَ عَدُوِّها فَبالِغْ بِلُطْفٍ في التَّحيُّلِ والْمَكْرِ
[ ٣٨ ]
والكثيرُ المشهور استعمالُها في "أنْ" وصِلَتها؛ كقول الشاعر [من الوافر]
تَعَلَّمْ أَنَّ خيرَ النّاسِ مَيْتٌ على جفْرِ الهَباءَةِ لا يَرِيمُ
وقال الآخر [من الطويل]
فَقُلْتُ تَعلَّمْ أَنَّ لِلصَّيْدِ عِرَّةَ وإِلاَّ تُضَيِّعْها فإِنَّكَ قاتِلُه
وفي حديث الدّجالِ "تَعلّموا أنّ رَبكم ليس بأعورَ".
وتكون "أن" وصِلَتُهما حينئذٍ قد سَدّتا مَسَدّ المفعولين.
(فان كانت أمرًا من "تعلم يتعلم"، فهي متعدية الى مفعول واحد، مثل "تعلموا العربية وعلموها الناس") .
والخامس "وجد" - بمعنى "عَلِمَ واعتقد" - ومصدرها "الوُجودُ والوجدان"، مثل "وجدتُ الصدقَ زينةَ العُقلاء"، قال تعالى ﴿وإِنْ وجدْنا أكثرهم لفاسقين﴾ .
(فان لم تكن بمعنى العلم الاعتقادي، لم تكن من هذا الباب. وذلك مثل "وجدت الكتاب وجودًا ووجدانا" بكسر الواو فى الوجدان - أى اصبته وظفرت به بعد ضياعه. ومثل "زجد عليه موجدة" - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم - اي حقد عليه وغضب. وفي حديث الايمان "اني سائلك فلا تجد عليّ"، أي لا تغضب من سؤالي. ومثل "وجد
[ ٣٩ ]
به وجدًا" - بفتح الواو وسكون الجيم - اي حزن به، و"وجد به وجدًا ايضا" اي احبه، يقال "له بأصحابه وجد"، أي محبة. وثل "وجد جدة" بكسر الجيم وفتح الدال - اي استغنى غنى يأمن بعده الفقر) .
والسادسُ "ألفى - بمعنى "علِمَ واعتقد" - مثل "الفَيْتُ قولكَ صوابًا".
(فان كانت بمعنى "اصاب الشيء وظفر به"، كانت متعدية إلى واحد، "الفيت الكتاب"، قال تعالى "وألفيا سيدها لدى الباب") .
افعال الظن
أفعال الظن (وهي ما تفيد رُجحان وقوع الشىء) نوعان
نوعُ يكونُ الظنّ واليقين، والغالبُ كونُهُ الظنّ، ونوع يكونُ الظنَ فحَسْبُ.
فالنوعُ الأول ثلاثةُ أفعالٍ
الأول "ظنّ" - وهو لرُجحان وقوعِ الشىء - كقول الشاعر [من الطويل]
ظَنَنْتُكَ، إن شَبَّتْ لظى الحربِ، صالِيًا فَعَرَّدْتَ فيمن كانَ فيها مُعرَّدا
وقد تكون لليقين، كقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقولِه: ﴿وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]، أي: علموا واعتقدوا.
(فان كانت بمعنى، "اتهم" فهي متعدية إلى واحد، مثل "ظن
[ ٤٠ ]
القاضي فلانا"، أي اتهمه والظنين والمظنون المتهم. ومنه قوله تعالى "وما هو على الغيب بظنين" أي متهم) .
والثاني خالَ - وهي بمعنى "ظنّ" التي للرجحان - كقول الشاعر [من الطويل]
إخالُكَ، إِن لم تُغْمِضِ الطَّرْفَ، ذا هَويً يَسومُكَ مالا يُسْتطاعُ منَ الوجْد
وقد تكون لليقين والاعتقاد، كقول الآخر [من الطويل]
دعاني العواني عَمَّهنَّ. وخِلْتُني لِيَ اسمٌ، فَلا أُدْعَى به وَهُوَ أَولُ
(ي دعونني عمَّهنَّ، وقد علمت ان لي اسما، افلا ادعي به وهو اول اسم لي. وياء المتكلم مفعول خال الاول، وجملة "اسم" في موضع نصب على انها مفعوله الثاني) .
والثالث "حَسِبَ" - وهي للرُّجحان، بمعنى "ظنّ" - كقوله تعالى ﴿يَحسَبهمُ الجاهلُ أغنياء من التعفّف﴾، وقولهِ ﴿وَتحسبُهم أيقاظًا وهم رُقودٌ﴾ . وقد تكون لليقين، كقول الشاعر [من الطويل]
حَسِبْت التُّقَى والجودَ خيرَ تِجارةٍ رباحًا، إِذا ما الْمَرْءُ أَصبح ثاقِلا
والنوعُ الثاني (وهو ما يُفيدُ الظَّنَّ فَحَسْبُ) خمسةُ أفعال
[ ٤١ ]
الأول "جعلَ - بمعنى "ظنّ" كقوله تعالى ﴿وَجعلوا الملائكة - الذين هم عبادُ الرَّحمن - إناثًا﴾ .
(فان كانت بمعنى "أوجد" أو بمعنى "أوجب"، تعدت الى واحد، كقوله تعالى ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ أي خلق وأوجد، وتقول (اجعل لنشر العلم نصيبًا من مالك)، أي اوجب. وان كانت بمعنى (صير) فهي من افعال التحويل. و(سيأتي الكلام عليها) . وان كانت بمعنى (أنشأ) فهي من الافعال الناقصة التي تفيد الشروع في العمل، مثل (جعلتِ الامةُ تمشي في طريق المجد)، أي (أخذت وأنشأت) .
والثاني "حَجا" بمعنى "ظنَّ" - كقول الشاعر [من البسيط]
قد كُنتُ أحجُو أبا عَمْرٍ أَخا ثِقَةٍ حَتَّى أَلمَّتْ بِنا يومًا مُلِماتُ
(فان كانت بمعنى (غلبة في المحاجة)، أو بمعنى (رد ومنع) أو بمعنى (كتم وحفظ) او بمعنى (ساق) فهي متعدية الى واحد، تقول (حاجيته فحجوته)، أي فاطنته فغلبته، و(حجوت فلانًا) أي منعته ورددته، و(حجوت السر)، أي كتمته وحفظته، و(حجت الريح سفينة)، أي ساقتها. وان كانت بمعنى (وقف أو أقام)، مثل (حجا بالمكان، او بمعنى (بخل) مثل (حجا بالشيء) أي ضن به، (فهي
[ ٤٢ ]
لازمة) .
والثالثُ "عَدَّ" - "ظنَّ" كقول الشاعر [من الطويل]
فَلا تَعْدُدِ الْمَوْلى شَريكَكَ في الغنى وَلكنَّما الْمَوْلى شَريكُكَ في العُدْم
(فان كانت (بمعنى "أحصى" تعدَّتْ إلى واحد مثل "عددت الدراهم"، أي (حسبتها واحصيتها) .
والرابع "زعَمَ" - بمعنى "ظنّ ظنًا راجحًا" - كقول الشاعر [من الخفيف]
زَعَمَتْني شَيْخًا، ولست بِشَيْخٍ إنَّما الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ ذَبيبا
والغالبُ في "زعَمَ" أن تُستَعمَلَ للظنِّ الفاسد، وهو حكاية قولٍ يكون مِظنَّةً للكذب، فيقال فيما يُشكّ فيه، أو فيما يُعتقدُ كذبُهُ، ولذلك يقولون "زَعموا مطيِيَّةُ الكذب" أي إنّ هذه الكلمة مركبٌ للكذب. ومن عادة العرب أنّ من قال كلامًا، وكان عندهم كاذبًا، قالوا "زَعمَ فلانٌ". ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذُمّ القائلون به.
وقد يردُ الزَّعم بمعنى القول، مُجرَّدًا عن معنى الظنّ الرَّاجحِ، أو الفاسد، أو المشكوك فيه.
(فان كانت "زعم" بمعنى "تأمر ورأس"، أو بمعنى "كفل به" تعدّتْ الى واحد بحرف الجر، تقول "زعم على القوم فهو زعيم"، أي تأمر عليهمْ ورأسهم، و"زعم بفلان وبالمال"، أي كفل به وضمنه، وتقول "زعم اللبن" أي أخذ يطيب، فهو لازم) .
والخامسُ "هبْ" - بلفظ الأمر، بمعنى "ظُنَّ" - كقول الشاعر [من المتقارب]
فَقُلتُ أَجِرْني أَبا خالدٍ وإِلاّ فَهَبْني امرَءًا هالِكا
[ ٤٣ ]
(فان كانت امرًا من الهبة، مثل "هب الفقراء مالًا"، لم تكن من أفعال القلوب، بل هي من "وهب" التي تنصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا. على الفصيح فيها أن تتعدى الى الاول باللام، نحو "هب للفقراء مالا". وان كانت امرًا من الهيبة تعدت الى مفعول واحد، مثل "هب ربك"، أي خفه) .
(٢) افعال التحويل
أفعالُ التحويل ما تكونُ بمعنى "صيَّرَ". هي سبعةٌ "صيَّر ورَدَّ وترَك وتَخِذ واتخذ وجعل ووهب".
وهي تنصبُ مفعولين أصلُهما مُبتدأ وخبرٌ.
فالأولُ مثل "صيّرْتُ العدُوَّ صديقًا".
والثاني كقوله تعالى ﴿وَدّ كثيرٌ من أهل الكتاب لوْ يرُدُّونكم من بعد إِيمانِكم كُفَّارًا"، وقال الشاعر [من الوافر]
رَمَى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آل حَرْبٍ بِمقْدارٍ سمَدْنَ لهُ سُمُودا
فردَّ شُعُوْرَهنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجوهَهُنَّ البِيضَ سُودا
والثالثُ كقوله ﷿ ﴿وتركنا بعضهم يومئذٍ يموجُ في بعضٍ"، وقول الشاعر [من الطويل]
ورَبَّيْتهُ، حتى إِذا ما تَرَكْتُهُ أَخا القومِ، واستَغْنى عن الْمَسْحِ شارِبُهُ
[ ٤٤ ]
والرابعُ "تَخِذتُكَ صديقًا".
والخامسُ كقوله تعالى ﴿واتخذ اللهُ ابراهيمَ خليلا﴾ .
والسادسُ كقوله سبحانهُ و﴿قدِمْنا إلى ما عَمِلوا من عمل، فجعلناهُ هباءً منثورًا﴾ .
والسابع مثل وهبَني اللهُ فداء المُخلصين".
(وهذه الافعال لا تنصب المفعولين الا اذا كانت بمعنى "صير" الدالة على التحويل وان كانت "رد" بمعنى "رجع" - كرددته، أي رجعته - و"ترك" بمعنى "خلى" - كتركت الجهل، أي خليته و"جعل" بمعنى "خلق"؛ كانت متعدية الى مفعول واحد. وان كانت "هب" بمعنى أعطى لم تكن من هذا الباب، وان نصبت المفعولين، مثل "وهبتك فرسًا". والفصيح أن يقال "وهبت لك فرسًا".
المتعدي الى ثلاثة مفاعيل
المتعدِّي إلى ثلاثة مفاعيل، هو "أرى وأعلمَ وأنبأ ونَبَّأ وأخبرَ وخرَّ وحدثَ". ومُضارعها "يُرِي ويُعلِمُ ويُنبِيءُ ويُنبِّىءُ ويُخبر ويُخبِّرُ ويحدِّث"، تقول "أريتُ سعيدًا الأمرَ واضحًا، وأعلمتُهُ إياهُ صحيحًا، وأنبأتُ خليلًا الخبرَ واقعًا، ونَبَّأته إيَّاهُ، أو أخبرتهُ إِياهُ، أو أخبرته إياهُ أو حدَّثتهُ إياهُ حقا".
والغالبُ في "أنبأ" وما بعدها أن تُبنى للمجهول، فيكون نائبُ الفاعلِ مفعولها الأول، مثل "أُنبئْتُ سليمًا مجتهدًا"، قال الشاعر [من الكامل]
[ ٤٥ ]
نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسفاهَةُ كاسمِها، يُهدِي إِليّ غَرائبَ الأَشعار
وقال الآخرُ [من الكامل]
نُبِّئْتُ أنَّ أبا قابوسَ أوعَدَني ولا قَرارَ على زأرٍ من الأَسَد
(الفعل اللازم)
الفعلُ اللازمُ هو ما لا يتعدى أثرُهُ فاعلَهُ، ولا يتجاوزُه إلى المفعول به، بل يبقى فى نفسِ فاعله، مثل "ذهب سعيدٌ، وسافر خالدٌ".
وهو يحتاجُ إلى الفاعل، ولا يحتاجُ إلى المفعول به، لأنه لا يخرج من نفس فاعلِه فيحتاجُ إلى مفعول به يَقعُ عليه.
ويُسمى أيضًا. (الفعلَ القاصرَ) - لقُصوره عن المفعول به، واقتصاره على الفاعل - و(الفعلَ غيرَ الواقع) - لأنه لا يقع على المفعول به - و(الفعل غيرَ المُجاوِزِ) لأنه لا يجَاوِزُ فاعلهُ.
متى يكون الفعل لازما؟
يكونُ الفعل لازمًا
إذا كان من أفعال السجايا والغرائز، أَي الطبائع، وهي ما دَلّت على معنى قائم بالفاعل لازمٍ له - وذلك، مثل "شَجع وجَبُنَ وحَسنُ وقَبحَ".
[ ٤٦ ]
أو دلَّ على هيئة، مثل طال وقصرَ وما أَشبه ذلك".
أو على نظافةٍ كَطهر الثوبُ ونظُف.
أو على دنسٍ كوسِخ الجسمُ ودنسَ وقذِر.
أو على عرضٍ غير لازمٍ ولا هو حركةٌ كمرِض وكسِل ونشِط وفرح وحزن وشَبع وعطِش.
أو على لون كاحمرَّ واخضرَّ وأدم.
أو على عيبٍ كعَمش وعور.
أو على حلية كنَجيل ودعج وكحل.
أو كان مُطاوعًا لفعلٍ مُتعدٍّ إلى واحد كمددت الحبل فامتدَّ.
أو كان على وزن (فَعُل) - المضموم العينِ - كحسُن وشرُف وجمُل وكرُم.
أو على وزن (انفعل) كانكسر وانحطم وانطلق.
أو على وزن (افعلَّ) كاغبرَّ وازورَّ.
[ ٤٧ ]
أو على وزن (افعالَّ) كاهامَّ وازوارَّ.
أو على وزن (افعلَلَّ) كاقشعرَّ واطمأنَّ.
أو على وزن (افعنلل) كاحرنجم واقعنسس.
متى يصير اللازم متعديا
يصيرُ الفعلُ مُتعديًا بأحدِ ثلاثة أشياء
إما بنقله إلى باب (افعل) مثل "أكرمتُ المجتهد".
وإما بنقله إلى باب (فعَل) - المَضعّف العين - مثل "عظّمتُ العلماء".
وإما بواسطة حرف الجرِّ، مثل "أعرِضْ عن الرذيلة، وتَمسَّكْ بالفضيلة".
سقوط حرف الجر من المتعدي بواسطة
إذا سقط حرفُ الجرِّ بعد المتعدي بواسطة، نصبت المجرورَ، قال تعالى "واختار موسى قَومهُ سبعين رجلا"، أي من قومه، وقال الشاعر [من الوافر]
تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا كلامُكُم عَلَيّ إِذًا حَرام
والأصلُ تَمرّونَ بالديار. فانتصب المجرورُ بعد سُقوط الجارِّ.
وسُقوطُ الجار بعد الفعل اللازم سماعيٌّ لا يُقاسُ عليه، إلا في "أَنْ
[ ٤٨ ]
وأَنَّ"، فهو جائزٌ قياسًا إذا منَ اللَّبْسُ، كقوله تعالى ﴿أَوَعَجِبتم أَن جاءكم ذكرٌ من ربِّكم على رجل منكم؟﴾ أَي من أَن جاءكم، وقولِه سُبحانهُ ﴿شهِدَ اللهُ أَنهُ لا إِله إِلا هُو﴾، أَي بأنه.
فإن لم يُؤمن اللبْسُ لم يَجُزْ حذفهُ قبلها، فلا يجوز أن تقول "رغِبت أَن أَفعل" لإشكال المُرادِ بعد الحذف، فلا يفهم السامعُ ماذا أَدرتَ أَرغبتك في الفعل، أَو رغبتك عنه فيجبُ ذكرُ الحرف ليتعيَّن المُرادُ، إِلا إِذا كان الابهامُ مقصودًا لتعمية المعنى المرادِ على السامع.
(المعلوم والمجهول)
ينقسم الفعل باعتبار فاعله الى معلوم ومجهول. فالفعل المعلوم ما ذُكر فاعِلهُ في الكام نحو "مصَّرَ المنصورُ بغداد".
وإذا اتصل بالماضي الثلاثيّ المجرّد المعلوم - الذي قبل آخره ألفٌ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان من باب (فَعَلَ يَفْعلُ) - نحو "سامَ يَسومُ، ورام يرومُ، وقاد يقُودُ" ضُم أوله، نحو سُمْتُه الأمر، ورُمْتُ الخير، وقُدْتُ الجيش".
وإن كان من باب (فعل يفعِلُ) - نحو "باع يبيعُ وجاء يجيء،
[ ٤٩ ]
وضامَ يضيمُ". أو من باب (فعل يفعلُ) - نحو "نال ينالُ، وخاف يخافُ" - كُسِرَ أَولهُ، نحو "بِعتُهُ، وجِئتُهُ، وضِمت الخائنَ، ونِلْتُ الخير وخِفْتُ الله".
والفعلُ المجهول ما لم يُذكر فاعله في الكلام بل كان محذوفًا لغرضٍ من الأغراض إما للايجاز، اعتمادًا على ذكاء السامع، وإما للعلم به، وإما للجهل به، وإما للخوف عليه، وإما للخوف منه، وإما لتحقيره؛ فتُكْرِمُ لسانك عنه، وإما لتعظيمه تشريفًا له فتكرمُه أن يُذكر، إن فعل ما لا ينبغي لمثله أن يفعله، وإما لإبهامه على السامع.
وينوبُ عن الفاعل بعد حذفه المفعولُ به، صريحًا، مثل "يُكرَم المجتهدُ"، أو غير صريح، مثل "أَحسنْ فيحسَن إليك"، أو الظَرفُ، مثل "سُكنت الدارُ وسُهرتِ الليلةُ"، أو المصدرُ، مثل "سِير سيرٌ طويل".
(ولنيابة الظرف والمصدر عن الفاعل شروط ستراها في الجزء الثاني، في "مبحث نائب الفاعل" ان شاء الله) .
ولا يُبنى المجهولُ إلا من الفعل المتعدي بنفسه، مثل "يُكرم المجتهدُ"، أَو بغيره، مثل يُرْفَقُ بالضعيف".
[ ٥٠ ]
وقد يُبنى من اللازم، إن كان نائبُ الفاعل مصدرًا نحو "سُهر سهرٌ طويلٌ" أو ظرفًا، مثل "صيم رمضانُ".
بناء المعلوم للمجهول
متى حُذفَ الفاعلُ من الكلام وجب أن تتغيّر صورة الفعل المعلوم.
فإن كان ماضيًا يُكسر ما قبل آخره، ويُضم كل مُتحرك قبله، فتقولُ كسر وأَكرم وتعلم واستغفر. "كُسِر واكرِمَ وتُعلِّمَ واسْتُغْفِرَ"
وإن كان مضارعًا يُضمّ اوَّلهُ، ويُفتح ما قبلَ آخره، فتقول في يَكسِرُ ويُكرِمُ ويَتعلمُ ويَستغفِرُ "يُكسَرُ ويُكرَمُ ويُتعلَّمُ ويستغفَرُ".
أما فعلُ الأمرِ فلا يكونُ مجهولًا أبدًا.
بناء ما قبل آخره حرف علة للمجهول
إذا أُريدَ بناءُ الماضي - الذي قبلَ آخره ألفٌ - للمجهول (إن لم يكن سُداسيًّا) تُقلبُ ألفه ياءً، ويُكسَرُ كلُّ متحرَّكٍ قبلَها، فتقولُ في باعَ وقال "بِيع وقيلَ"، وفي ابتاعَ واقتادَ واجتاحَ "ابتِيعَ واقتيدَ واجْتِيحَ"؛ والأصل "يُبِيعَ وقُوِلَ وابتِيعَ واقتُوِدَ واجتُوِح".
فإِن كان على ستة أحرفٍ - مثل استتابَ واستماحَ - تُقلَب ألِفُه ياءً، وتُضَمّ همزتُه وثالثُه، ويُكسَر ما قبلَ الياءِ، فتقول "أَستُتيبَ وأُستُميحَ".
وإن اتصلَ بنحو "سِيمَ ورِيمَ وقِيدَ" من كل ماضٍ مجهول ثلاثيٍّ أجوفَ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان يُضَمُّ أوَّلُه في المعلوم نحو "سُمتُه
[ ٥١ ]
الأمرَ، ورُمتُ الخيرَ، وقُدْتُ الجيشَ" كُسِرَ في المجهول، كيلا يَلتبسَ معلوم الفعل بمجهوله، فتقولُ "سِمتُ الأمر، ورِمتُ بخيرٍ، وقِدتُ للقضاءِ".
وإن كان يُكسَرُ أَوَّله في المعلوم - نحو "بعته الفرَسَ وضمتُه، ونِلته بمعروفٍ" ضُمَّ في المجهول، فتقول "بُعت الفرَسَ، وضُمت، ونُلْتُ بمعروفٍ".
وإذا اريدج بناءُ المضارع - الذي قبلَ آخرِه حرفُ مدٍّ - للمجهول، يُقلَب حرفُ المدِّ ألفا، فتقول في يقولُ ويبيعُ "يُقالُ ويُباعُ"، وفي يستطيعُ ويَستتيبُ يُستطاعُ ويُستتابُ".
(الصحيح والمعتل)
ينقسم الفعلُ - باعتبار قوةِ أحرفه وضَعفها - إلى قسمينِ صحيحٍ، ومُعتلٍّ.
فالصحيح ما كانت أحرُفه الأصلية أحرفًا صحيحة مثل "كتبَ وكاتبَ".
وهو ثلاثة أقسامٍ سالِمٌ، ومهموزٌ، ومُضاعَفٌ.
فالسالم ما لم يكن أحدُ أحرفهِ الأصليّةِ حرفَ علّة. ولا همزة، ولا مضعَّفًا، مثل "كتب وذهب وعلمَ".
[ ٥٢ ]
والمهموز ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ همزة.
وهو ثلاثة أقسامٍ مهموزُ الفاء كأخذ، ومهموزُ العين كسألَ، ومهموزَ اللام كقرَأ.
والمضاعفُ ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ مُكرّرًا لغيرِ زيادة.
وهو قسمان مضاعَفٌ ثُلاثيٌّ كمدَّ ومَرَّ، ومضاعَفٌ رُباعيّ كزَلزَلَ ودمدمَ.
فإن كان المكرَّرُ زائدًا - كعظَّمَ وشَذَّبَ واشتدَّ وادهامَّ واعشوشبَ - فلا يكون الفعل مضاعفًا.
والفعلُ المعتلُّ ما كان أحد أحرفهِ الأصليَّة حرفَ عِلَّة، مثل "وَعَدَ وقالَ ورَمى".
وهو أربعةُ أقسام مثالٌ، وأجوفٌ، وناقصٌ، وَلفيفٌ.
فالمثال ما كانت فاؤُهُ حرفَ علَّة كوَعَدَ ووَرِثَ.
والأجوفُ ما كانت عينُه حرفَ علة كقالَ وباع.
والناقصُ ما كانت لامُه حرف علة كرَضِيَ ورمى.
واللَّفيفُ ما كان فيه حرفانِ من أحرف العلة أصليَّان، نحو "طَوى ووَفى".
وهو قسمانِ لفيفٌ مقرونٌ، ولفيفٌ مفروق.
فاللَّفيف المقرون ما كان حَرفا العلةِ فيه مُجتمعينِ، نحو "طوى ونوى".
واللفيفُ المفروقُ ما كان حرفا العلةِ فيه مُفترقينِ، نحو "وَفى
[ ٥٣ ]
ووَقى".
ويُعرَفُ الصحيحُ والمعتلُّ من الأفعالِ - في المضارع والمزيدِ فيه - بالرُّجوع إلى الماضي المجرَّد.
(المجرد والمزيد فيه)
الفعلُ - بِحسَبِ الأصلِ - إما ثلاثيّ الأحرفِ، وهو ما كانت أحرفهُ الأصلية ثلاثةً. ولا عِبرةَ بالزائد، مثل حَسُنَ وأَحسَّنَ، وهَدى واستهدى".
وإما رُباعيَّها وهو ما كانت أَحرفهُ الأصليه أربعةً ولا عبرةَ بالزائد، مثل "دحرَجَ وَتدَحرجَ وَقشعرَ واقشعرَّ".
وكلٌّ منهما إما مجرَّدٌ وإما مزيدٌ فيه.
فالمجردُ ما كانت أحرفُ ماضيه كلُّها أصلية (أي، لا زائدَ فيها)، مثل "ذهبَ ودحرجَ".
والمزيدُ فيه ما كان بعضُ أحرفِ ماضيهِ زائِدًا على الأصل، مثل "أذهبَ وَتدحرجَ".
وحروفُ الزيادة عشَرَةٌ يجمعها قولك "سألتُمونيها".
ولا يُزادُ من غيرها إلاَّ كان الزائدُ من جنس أحرف الكلمة كعَظَّمَ واحمَرَّ.
وأقلُّ ما يكونُ عليه الفعلُ المجرَّدُ ثلاثة أحرف. واكثر ما يكون عليه أربعة أحرف. وأكثر ما ينتهي بالزيادة إلى ستَّة أحرف.
والفعل المجرَّد قسمانِ
مجرَّدٌ ثلاثيّ، وهو ما كانت أحرف ماضيه ثلاثةً فقطْ من غير زيادةٍ
[ ٥٤ ]
عليها، مثل "ذهبَ وقرأ وكتبَ".
مجرَّدٌ رباعيٌّ، وهو، ما كانت أحرفُ ماضيه أربعةً أصلية فقطْ، لا زائدَ عليها مثل "دحرجَ ووسوسَ وزلزلَ".
والمَزيدُ فيه قسمان أيضًا
مزيدٌ فيه على الثُّلاثي، وهو ما زيدَ على أحرف ماضيه الثلاثة حرفٌ واحدٌ، مثل "أكرمَ"، أو حرفانِ، مثل "انطلقَ"، أو ثلاثة أحرفٍ مثل "استغفرَ".
ومَزيدٌ فيه على الرُّباعي، وهو ما زيدَ فيه على أحرف ماضيه الأربعة الأصليةِ حرفٌ واحدٌ نحو "تَزلزلَ"، او حرفان، نحو "احرنجمَ".
(الجامد والمتصرف)
الفعلُ - من حيث أداؤُهُ معنىً لا يتعلَّقُ بزمان، أو يَتعلقُ به - قسمان جامدٌ ومُتصرفٌ.
(لأنه، ان تعلق بزمان؛ كان ذلك داعيًا الى اختلاف صوره، لافادة حدوثه في زمان مخصوص. وإن لم يتعلق بزمان، كان هذا موجبًا لجموده على صورة واحدة) .
الفعل الجامد
الفعلُ الجامد هو ما أشبهَ الحرفَ، من حيث أداؤه معنًى مُجرَّدًا عن الزمان والحدَثِ المُعتبرينِ في الأفعال، فلزِمَ مِثله طريقةٍ واحدةٌ في التعبير، فهو لا يَقبَلُ التحوُّلَ من صورةٍ إلى صورة، بل يلزَمُ صورةً واحدةً لا يُزايِلُها
[ ٥٥ ]
وذلك مثل "ليسَ وعَسى وهَبَّ ونِعمَ وبِئسَ".
(فالفعل الجامد - كما علمت - لا يتعلق بالزمان، وليس مرادًا به الحدث. فخرج بذلك عن الأصل في الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان، فأشبه الحرف من هذه الجهة، فكان مثله في جموده ولزومه صيغة واحدة في التعبير. وإذا كان مجردًا عن معنى الحدث والزمان لم يحتج الى التصرف، لان معناه لا يختلف باختلاف الازمنمة الداعي الى تصريف الفعل على صور مختلفة، لأداء المعاني فى أزمنتها المختلفة، فمعنى الترجّي المفهوم من (عسى) ومعنى الذم المفهوم من (بئس) ومعنَى المدح المفهوم من (نعم)، ومعنى التعجب المفهوم من (ما أشعر زهيرًا)، لا يختلف باختلاف الزمان، لان الحدوث فيها غير مراد ليصح وقوعه في أزمنة مختلفة تدعو إلى تصرفه على حسبها.
فشبه الفعل بالحرف يمنعه التصرف ويلزمه الجمود، كما أن شبه الاسم بالحرف يمنعه أن يتأثر ظاهرًا بالعوامل، فلزم آخره طريقة واحدة لا ينفك عنها، إن اختلفت العوامل الداعية إلى تغير الآخر. فالجمود في الفعل كالبناء في الإسم، كلاهما مسبب عن الشبه بالحرف) .
وهو، إما ان يُلازمَ صيغةَ الماضي، مثل "عسى وليسَ ونِعْمَ وبِئس وتبارك اللهُ" (أي تقدَّسَ وتنزَّهَ)، أو صيغةَ المضارع، مثل "يَهبطُ" (بمعنى يصيحُ ويَضِجُّ)، أو صيغةَ الأمر، مثل "هَبْ وهاتِ وتعالَ"،
[ ٥٦ ]
ومثل "هلُمَّ" في لغة تَمِيمٍ.
(هلم - في لغة تميم - فعل أمر، لأنه عندهم يقبل علامته، فتلحقه الضمائر، نحو "هلمي وهلما وهلموا وهلمين". أما في لغة الحجاز فهي اسم فعل أمر لأنها تكون عندهم بلفظ واحد للجميع، فلا تلحقها الضمائر، فتقول "هلم" بلفظ واحد للواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجمع المذكر والمؤنث. وبها نزل القرآن الكريم، قال تعالى "هلم شركاءكم") .
ومن الأفعال الجامدة "قَلَّ" - بصيغة الماضي - للنفي المَحضِ، فترفعُ الفاعلَ مَتلُوًّا بصفةٍ مُطابقةٍ له نحو "قَلَّ رجلٌ يفعلُ ذلك، وَقلَّ رجلانِ يفعلانِ ذلك"، بمعنى "ما رجلٌ يفعلُ ذلك".
(ذكر ذلك السيوطي في "همع الهوامع" غير أن الكثير في استعمالها للنفي إذا كانت ملحقة بما الزائدة الكافة كمنا سيأتي) .
قال سِيبويه "كما في القاموس وشرحهِ"، يقال "قُلُّ رجلٍ (بِضمِّ القاف) وأَقلُّ رجلٍ يقول ذلك إِلاَّ زيدٌ"، أي ما رجلٌ يقوله إِلا هو.
(ومما حينئذ اسمان مرفوعان بالابتداء، ولا خبر لهما، لمضارعتهما حرف النفي. والجملة بعدهما في محل جر صفة للمجرور بالاضافة لهما) .
وإذا لحِقته (ما) الزائدةُ كفَّتهُ عن العمل، فلا يَليه حينئذ إلا فعلٌ. ولا فاعلَ له، لجريانهِ مجرى حرف النفي، نحو "قلَّما فعلتُ هذا، وقَلما
[ ٥٧ ]
أفعلهُ"، أي ما فعلت، ولا أفعل، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]
قَلَّما يَبْرَح اللَّبيبُ، إِلى ما يُورِثُ المجدَ، داعيًا أو مُجيبا
أي لا يزالُ اللبيب داعيًا. وقد يليه الاسم في ضرورة الشعر، كقوله [من الطويل]
صدَدْتِ، فأطوَلتِ الصُّدودَ، وقَلَّما وِصالٌ على طُول الصُّدود يَدُومُ
(وقد يراد بقولك "قلما أفعل" اثبات الفعل القليل (كما في الكليات لأبي البقاء) غير ان الكثير استعمالها للنفي الصرف) .
ومما يدل على أنها للنفي المحض أداؤها معنى (لا) النافية في البيت السابق "قلما يبرح اللبيب لأن (برح) وأخواتها لا تعمل عمل (كان) الناقصة إلا إذا تقدمها نفي أو شبهه، كما هو معروف. ومما يدل على ذلك أيضًا أنها إذا سبقت فاء السببية أو المعية نصب الفعل بعدهما، كقولك "قلّ رجل يهملُ فينجحَ، ومما يدل على ما ذكر صحة الاستثناء بعدهما كما يستثنى من المنفي نحو "قلما يفعل هذا إلا كريم" - كما تقول "لا يفعله إلا كريم". وهذا اللفظ كما في النهاية - مستعمل في نفي أصل الفعل، كقوله تعالى "قليلا ما يؤمنون". أي فهم لا يؤمنون. ومنه الحديث "إنه كان يقلّ اللغو" أي كان لا يلغو) .
ومثل "قلَّما" في عدم التَّصرُّفِ "طالما وكثُرَ ما، وقَصُرَ ما، وشَدَّ ما فإنَّ (ما) فيهنَّ زادة للتوكيد، كافةٌ لهنَّ عن العمل، فلا فاعلَ لهنَّ. ولا يَليهنّ إلا فعلٌ، فَهُنَّ كقلما.
(قال في لسان العرب "فارقت (طل وقلّ) بالتركيب الحادث فيهما
[ ٥٨ ]
ما كانتا عليه من طلبهما الأسماء ألا ترى أن لو قلت طالما زيد عندنا، أو قلما محمد في الدار لم يجز. والتركيب يحدث في المركبين معنى لم يكن قبل فيهما" اهـ. وقال ابو علي الفارسي "طالما وقلما ونحوهما افعالٌ لا فاعل لها مضمرًا ولا مظهرًا، لان الكلام لما كان محمولا على النفي سوّغَ ذلك أن لا يحتاج إليه. و(ما) دخلت عوضًا عن الفاعل" اهـ. وقال بعض العلماء ان (ما) في مثل ذلك مصدرية فما بعدها في تأويل مصدر فاعل. فان قلت "طالما فعلت" كان التأويل "طال فعلي". ولو كان الأمر كما قال لوجب فصلها عن الفعل في الخط، لأنها لا توصل باسم ولا فعل ولا حرف إلا إذا كانت زائدة، إلا ما اصطلحوا عليه من وصلها ببعض حروف الجر. ولم نرهم كتبوها موصولة بهذه الافعال قطّ. فدل ذلك على ما ذكرناه. على ان قوله لا يخلوا من رائحة الصحة، لأن ما بعدها صالح للتأويل بالمصدر) .
ومن الأفعال الجامدة قولهم "سُقِط في يده" بمعنى "نَدِم، وَتحيَّرَ، وزلَّ، وأخطأ". وهو مُلازمٌ صورةَ الماضي المجهول، قال تعالى "ولَمَّا سُقِطَ في أيديهم". وقد يُقال "سَقَط في يده"، بالمعلوم.
(وهذا من باب الكناية لا الحقيقة. ويقال لكل من ندم أو تحير أو عجز أو حزن أو تحسر على فائت من فعل أو ترك "قد سقط فى يده". وهذا الكلام لم يسمع قبل القرآن الكريم، ولا عرفته العرب. كما في شرح القاموس نقلا عن هذا الباب) .
ومنها "هَدَّ" في قولهم "هذا رجُلٌ هَدَّكَ من رجل" أى كفاك من رجل. وقيل معناه أثقلَكَ وصفُ محاسنه. وقال الزمخشري في الأساس "هذا رجلٌ هَدَّكَ من رجلٍ". إذا وُصِفَ بِجَلدٍ وشدَّةٍ، أي "غَلبك وكسرك". وهو يُثنى ويُجمَعُ ويُذكّر ويُؤنث، إذا كان ما هو له كذلك،
[ ٥٩ ]
تقول "هذا رجلٌ هدَّك من رجل. وهذه امرأةٌ هَدَّتكَ من امرأَة"، كما تقول "كفاك وكفَتْك" وقِسْ على ذلك أمثلةَ المثنى والجمع.
(ومن العرب من يُجريه مجرى المصدر الموصوف به، فيجعله مصدرًا لهدّ يهد هدًّا. وإذا كان كذلك بقي بلفظ واحد للجميع. ويتبع ما قبله في اعرابه على أنه نعت له - تقول "هذا رجل هدّك من رجل" (بالرفع)، و"مررت بأمرأة هدك من امرأة" (بالجر) و"أكرمت رجلين هدّك من رجلين" (بالنصب) . كما تقول "هذا رجل حسبك من رجل" (بالرفع) و"مررت بامرأة حسبك من امرأة" (بالجر)؛ و"أكرمت رجلين حسبك من رجلين (بالنصب) .
ويُقالُ "لَهَدَّ الرجل"، للمدحِ، بمعنى "نِعْمَ"، وذلك إذا أُثنيَ عليهِ بجَلدٍ وشِدَّة. ويقال "لَهَدَّ الرجلُ! "، للتَّعجُّب، بمعنى "ما أجلَدَه! " وفي الحديث "إن أَبا لهَبٍ قال لَهَدَّ ما سَحَركم صاحبُكم! "، أراد التعجُّبَ. واللاَّم فيها للتأكيد.
(وفي (الفائق) للزمخشري عند شرح هذا الحديث إن معناه لنعم ما سحركم، وفي (النهاية) لابن الأثير إن معناه التعجب. قال"لهدّ" كلمة يتعجب بها يقال لهدّ الرجل! أي ما أجلده. ثم ذكر أنها تكون ايضًا بمعنى "نعمَ" وفي لسان العرب وتاج العروس نحو ذلك. وكونها هنا للتعجب أقرب إلى واقعة الحال، لأن أبا لهب (تبت يداه) إنما يتعجب من مصيرهم وجلدهم على تصديقهم النبي ﷺ في كل ما جاءهم به، حتى زعم أنه قد سحرهم، فكأنه قال ما أصبركم وما أجلدكم على سحر صاحبكم إِياكم) .
ومن الأفعال الجامدة "كذَبَ"، التي تُستعمَلُ للاغراءِ بالشيء والحث عليه، ويرادُ بها الأمر به ولزومهُ وإِتيانُهُ، لا الإخبارُ عنه. ومنه قولهم
[ ٦٠ ]
"كذَبك الأمرُ، وكذَبَ عليك". يُريدونَ الإغراءَ به والحملَ على إتيانه، أي عليكَ به فالزَمهُ وائتهِ، وقولهم "كذبَك الصَّيدُ أي أَمنك فارْمِه. وأصلُ المعنى كذبَ فيما أَراكَ وخدَعكَ ولم يَصدُقك، فلا تُصدِّقه فيما أَراك، بل عليك به والزَمه وائته. قال ابن السّكَّيت "تقول للرجل إذا أَمرتهُ بشيءٍ وأَغريتهُ. كذَبَ عليك كذا وكذا، أي "عليك به، وهي كلمةٌ نادرة"اهـ.
ثم جرى هذا الكلامُ مَجرى الأمر بالشيء والإغراء به والحثِّ عليه والحضِّ على لزومه وإِتيانه، من غير التفاتٍ إلى أصل المعنى، لأنه جرى مَجرى المثل، والأمثالُ لا يُلاحَظُ فيها أصلُ معناها وما قيلتْ بسَببه، وإنما يُلاحظُ فيها المعنى المجازيُّ الذي نُقِلت إليه وأشرِبتهُ.
(وهذا الكلام، إما من قولهم "كذبته عينه"، أي أرته ما لا حقيقة له. كما قال الأخطل [من الكامل]
كذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ أَم رأَيتَ بِواسطٍ غَلَسَ الظلاَمِ من الرَّبابِ خيالًا
(وإما من قولهم "كذَب نفسه، وكذبته نفسه". إذا غرّها أو غرته، وحدثها او حدثته بالأماني البعيدة والأمور التي يبلغها وسعه ومقدرته. ومنه قيل النفس "الكذوب"، وجمعها "كُذُب" - بضمتين - قال الشاعر "حتى إِذا صدقته كُذبه"، أي نفوسه، جعل له نفوسًا لتفرّق رأيه وتشتته وانتشاره. وقالوا ضد ذلك "صدقته نفسه" أي ثبطته واضعفت عزيمته كما قال الشاعر [من المتقارب]
[ ٦١ ]
فأقبَلَ يجري على قَدرِهِ فَلَما دَنا صَدَقتْهُ الكَذُوبُ
أي فلما دنا من الامر الذى وطد عزيمته عليه ثبطته نفسه وكسرت من همته وقال لبيد [من الرمل]
واكْذِب النَّفْسَ، إِذا حَدَّثْتَها إِنّ صدْقَ النَّفْسِ يُزْري بالأَمَلْ
(والمعنى نشطها وقوِّها ومَتّنْها، ولا تثبطها، فانك، إن صدقتها، (أي ثبطتها وفترتها) كان ذلك داعيًا إلى عجزها وكلالها وفتورها، خشية التعب في سبيل ما أنت تريده) .
ومن ذلك حديثُ "فمنِ احتجمَ، فيومُ الخميس والأحدِ كذَباك، أي عليك بهذين اليومين، فاحتجمْ فيهما.
ومنه قولُ أعرابيّ، وقد نظرَ إلى جمل نِضْو كذبَ عليك البزْرُ والنَّوى، وفي رواية "القَتُّ والنَّوى"، أي عليك بهما والزَمهما فإنهما يُسمّنانِكَ. وفي حديث عُمَرَ "شَكا إليه عَمْرو بنُ مَعد يكرِبَ، أوغيرهُ، النّقْرِسَ فقال "كذَب عليك الظهائرُ"، أي عليك بالمشي فيها. وفي روايةٍ "كذَب عليك الظواهرُ". وفي جديثٍ له آخر إنَّ عَمْروَ بنَ مَعد يِكرِب شكا إليه المَعَص، فقال "كذَبَ عليك العَسَلُ"،
[ ٦٢ ]
يُريدُ العَسلانَ، (وهو مشى الذِّئبِ) أي عليك بِسُرْعة المشي. وفي حديثٍ له غيرِه أنهُ قال كذَب عَليكمُ الحَجُّ، كذب عليكم العُمْرةُ، كذب عليكُم الجِهادُ، ثلاثةُ أسفارٍ كذبْن عليكم" أي الزمُوا ذلك وعليكم به.
(وهذا كلام يراد به الاغراءُ بالشيء والحث عليه ولزومه، كما قدمناه، وهو خبر في معنى الأمر، كما في قولك "﵀" أي اللهم ارحمه، ونحو "امكنتك الفرصة، وأمكنك الصيد، يريد الاغراءُ بهما والأمر باتيهانهما. والمعنى عليكم بالحج والعمرة والجهاد، فأتوهن، فانهن واجبات عليكم. قال الزمخشري في (الفائق) (إنها كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم. ولذلك لم تنصرف، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضيًا معلقًا بالمخاطب ليس إلا. وهي في معنى الأمر، كقولهم في الدعاء رحمك الله، والمراد بالكذب الترغيب والبعث، من قول العرب كذبته نفسه إذا منته الأماني، وخيلت من الآمال ما لا يكاد يكون. وذلك ما يرغب الرجل في الأمور، ويبعثه على التعرض لها. ومن ثمة قالوا للنفس "كذوب" اهـ. وقال (الاعلم) العرب تقول "كذبك التمر واللبن"، أي عليك بهما. وأصل الكذب الامكان. وقولك للرجل "كذبتَ" أي امكنت من نفسك وضعفت فلهذا اتسع فأغريَ به، لأنه متى أغريَ بشيء فقد جعل المغرى به ممكنًا مستطاعًا إن رامه المغري"اهـ. وقال الجوهري "كذب" معناه هنا وجب.
وقد ذكرنا لك من قبل ما فيه الكفاية في الكشف عن حقيقة هذا الكلام. فاعتصم به فانه يقول هو القول. فلا غاية وراءَه والله اعلم) .
ومن الأفعال الجامدة فِعلا التَّعجُّبِ وأفعالُ المدْحِ والذَّمّ وسيأتي الكلام عليها
[ ٦٣ ]
الفعل المتصرف
الفعلُ المتصرِّف هو ما لم يُشبِه الحرفَ في الجُمود، أي في لُزومه طريقةً واحدةً في التعبير لانه يدُلُّ على حَدث مقترن بزمان، فهو يَقبَل التحوُّلَ من صورة إلى صورة لأداءِ المعاني في أزمنتها المختلفة. وهو قسمان
تامُّ التصرُّف وهو ما يأتي منه الأفعال الثلاثةُ باطِرادٍ، مثل
"كتبَ ويكتُبُ واكتُبْ". وهو كلُّ الأفعال، إِلا قليلا منها.
ونَاقصُ التَّصرُّفِ وهو ما يأتي منه فعلانِ فقط. إما الماضي والمضارع، مثل "كادَ يَكادُ، وأوشكَ يُوشكُ، وما زالَ وما يزالُ، وما انفكَّ وما ينفكُّ، وما بَرِحَ وما يَبرحُ". وكلُّها من الأفعال الناقصة. وإما المضارع والأمر، نحو "يَدَعُ ودَعْ ويَذَرُ وذَرْ".
(وقد سمع سماعًا نادرًا الماضي من "يَدَعُ ويذَرُ"، فقالوا (ودَع ووَذر)، بوزن (وضع)، إلا ان ذلك شاذ في الاستعمال، لأن العرب كلهم، إلا قليلا منهم، فقد اميت هذا الماضي من لغاتهم. وليس المعنى انهم لم يتكلَّما به البتة، بل قد تكلموا به دهرًا طويلا، ثم أماتوه باهمالهم استعماله فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتًا، إلا ما سمع منه سماعًا نادرًا. ومن هذا النادر حديث "دَعوا الحبشة وما وَدَعوكم". وقرئ شذوذًا ﴿ما ودّعك ربك وما قلى﴾، بتخفيف الدال. وسمع المصدر، من (يدعُ) كحديث "لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات"، أي عن تركهم إياها، وسمع منها اسم الفاعل واسم المفعول في أبيات الشعر وكل ذلك نادر في الاستعمال.
وذكر السيوطي في (همع الهوامع) . أن (ذر ودع) يُعدان في الجوامد، إذ لم يستعمل منهما إلا الأمر. وهذا غفلة منه (﵀) فإن
[ ٦٤ ]
(يدع) مضارع (دع) مستعمل كثيرًا. وأما المضارع من (ذر) فقد جاء مستفيضًا في أفصح الكلام وأشرفه وقد أحصيت ما ورد منه في القرآن الكريم، فكان عشرين ونيفًا) .
(فعلا التعجب)
التَّعجُّبُ هو استعظامُ فعلِ فاعلٍ ظاهر المزية.
ويكونُ بالفاظٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى ﴿كيفَ تكفرون بالله! وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾، وكحديث "سُبحانَ اللهِ! المؤمن لا يَنجَسُ حيًّا ولا ميْتًا"، ونحو "للهِ دَرُّهُ فارسًا! ولله أنت! " ونحو "يا لك من رجل! وحَسبُكَ بخالدٍ رجلًا ونحو ذلك.
وكلُّ ذلك إنما يُفهمُ من قرينة الكلام، لا بأصل الوضع. والذي يُفهم التعجُّبَ بصيغته الموضوعةِ للتعجب، إنما هو "فعلا التعجب".
وهُما صيغتانِ للتعجب من الشيءِ ويكونان على وزن "ما أفعل" و"أفعِلْ بِ" نحو "ما أحسنَ العِلم! وأقبِحْ بالجهل! ".
وتُسمى الصيغةُ الأولى (فعل التعجب الأوَّل)، والصيغةُ الثانية (فعل التعجبِ الثانيّ) . وهما فعلان ماضيان. وقد جاءت الثانية منهما على صيغة الأمر، وليست بفعل أمرٍ.
ومَدلولُ كلا الفعلين واحدٌ، وهو إنشاءُ التعجُّب.
شروط صوغهما
فعلا التعجُّب، كاسم التفضيل، لا يُصاغان إلا من فعلٍ ثلاثي الأحرف، مُثبتٍ، متصرّفٍ، معلومٍ، تامٍّ، قابلٍ للتفضيل، لا تأتي الصفة المُشبَّهةُ منه على وزن "أفعلُ".
[ ٦٥ ]
فلا يُبنيان مما لا فعل له. كالصخر والحمار ونحوهما. وشذّ قولهم. "ما أرجله! " فقد بنوه من الرجولية ولا فعلَ لها، ولا من غير الثلاثي المجرد. وشذّ قولهم، ما اعطاه للدراهم، وما أولاه للمعروف! "، بنوهما من "أعطى وأولى" وهما رباعيا الأحرف. وقولهم "ما اتقاه! وما املاء القربة! وما اخصره! " بنوها من (اتقى وامتلاء واختُصر)، وهي خماسية الأحرف، وفي اختصر (بالبناء للمجهول) شذوذ وهو انه فعل مجهول. وكذلك لا يبنيان من فعل منفي، خشية التباس النفي بالاثبات، ولا من فعل مجهول، خشية التباس الفاعلية بالمفعولية. لأنك ان بنيته من (نُصر) المجهول، فقلت (ما انصره!) التمس الأمر على السامع، فلا يدري أتتعجب من نصره أم من منصوريته. فان أمن اللبس بأن كان الفعل مما لا يرد إلا مجهولا، نحو (زُهِي علينا، وعُنيت بالأمر) جاز التعجب به على الأصح، فتقول (ما أزهاه علينا وما أعناه بالأمر!) ولا يبنيان من فعل ناقص. ككان وأخواتها، وكاد واخواتها. وأما قولهم "ما أصبح أبرَدَها! وما أمسى أدفأها! " ففعل التعجب إنما هو أبرد وادفأ" وأصبح وأمسى زائدتان، كما تزاد (كان) بين (ما) وفعل التعجب، كما سيأتي. غير أن زيادتهما نادرة، وزيادتها كثيرة، ولا يبنيان مما لا يقبل المفاضلة. كمات وفني، إلا أن يراد بمات معنى البلادة، فيجوز نحو "ما أمْوت قلبه! ". ولا مما تأتي الصفة المشبهة منه على وزن (أفعلَ) كأحمرَ واعرجَ واكْحل واشيب وشذ قولهم (ما اهوجه، وما احمقه وما ارعنه! لأن الصفة منها هي اهوج واحمق وارعن) .
وإذا أردتَ صوْغَ فِعلي التعجب مما لم يستوف الشروط، أتيت بمصدره منصوبا بعد "أشدّ" أو "أكثر" ونحوهما، ومجرورًا بالباءِ الزائدة بعد
[ ٦٦ ]
"أشدِدْ" أو "أكثرْ" ونحوهما، تقول "ما أشدَّ إيمانهُ، أَو ابتهاجَهُ، أَو سوادَ عينيه! "، وتقول "أَبْلِغ بعورِه، أَو كحلهِ، أَو اجتهاده! ".
صيغة (ما افعله!)
يَلي صيغةَ "ما أفعلَ" في التعجُّبِ المُتعجَّبُ منه منصوبًا على المفعولية لأفعل.
والهمزةُ في "ما أفعلَ" للتَّعدية. فمعنى قولك "ما أجملَ الفضيلةَ" شيءٌ جعلها جميلةً، كما تقولُ "أمرٌ أقعدَهُ واقامه! "، تريدُ أنَّ قُعودَه وقيامَهُ لم يكونا إلاّ لأمرٍ. ثمَّ حُملَ الكلامُ على معنى التعجب، فجرى مَجرى المَثل، فلزِمَ طريقًا واحدةً في التعبير. و(ما) اسمٌ نكرةٌ تامةٌ بمعنى "شيءٌ"، وقيلَ هي (ما) الاستفهاميةُ خرجت عن معناها إلى معنى التعجب.
(وعلى كل فهي في موضع رفع على الابتداء. وجاز الابتداء بها مع أنها نكرة، لتضمنها معنى التعجب. والفعل بعدها فعل ماض للتعجب، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا يعود اليها. والمنصوب مفعوله. والجملة في محل رفع المبتدأ الذي هو (ما) .
و(ما) النكرة التامة، هي التي تكون مكتفية بنفسها، فلا تحتاج أي صلة او صفة، نحو "أَكرم رجلا ما". ومنه المثل "لأمر ما جدع قصير انفه". ومنها (ما) قبل فعل التعجب.
فان احتاجت (ما) إلى جملة توصل بها فهي، معرفة موصولة. نحو "افعل ما تراه خيرًا" وان احتاجت إلى ما توصف به من مفرد او جملة، فهي نكرة موصوفة، نحو "اعمل ما نافعًا للأمة" اي شيئًا نافعًا لها، ونحو "اعمل ما من الأمور ينفع"، اي "شيئًا من الأمور نافعًا"، فجملة
[ ٦٧ ]
(ينفع) في موضع نصب نعت لما.
وسيأتي القول على الموصولية والموصوفية مبسوطًا في الكلام على الاسماء الموصولة واسماء الاستفهام) .
وتُزادُ (كان) كثيرًا بين (ما) . وفعلِ التعجب، نحو "ما (كان) أعدَلَ "عمَرَ! " ومنهُ قولُ الشاعر [من الكامل]
ما (كانَ) أَسْعَدَ مَنْ أَجابكَ آخِذًا بِهُداكَ، مُجْتَنِبًا هَوىً وعِنادا
وقل الآخر [من الكامل]
حَجَبَتْ تَحِيَّتَها، فقلتُ لصاحبي ما كانَ أَكثرها لنا وأَقَلّها!
(فكان تامة رافعة ما بعدها على الفاعلية و(ما) مصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر منصوب على انه مفعول به لفعل التعجب والمصدر المؤول هو المتعجب منه فإنه اردت الإستقبال قلت "ما احسن ما يكون البدر ليلة الغد".
صيغة (افعل به!)
كما يَلي المُتعجَّبُ منهُ صيغةَ "ما أفعَلَ"، منصوبًا على المفعولية، يلي صيغة "أفعِلْ" المُتعجَّبُ منه، مجرورًا بباءٍ زائدةٍ لفظًا، مرفوعا على الفاعلية مَحلًاّ.
ويبقى الفعل بلفظٍ واحد للجميع، تقول "يا رجلُ أكرمْ بسعادَ! ويا رجلان ويا امرأتان أكرمْ بها! ويا رجالُ أكرمْ بها ويا نساء أكرِم بها! ".
فقولُك "أقبحْ بالجهل" أصله أقبحَ الجهلُ" أي صار ذا قُبحٍ.
[ ٦٨ ]
فالهمزةُ للصَّيرورة، كما قالوا أغدَّ البعير"، أي صار ذا غُدَّةٍ. ثم أُخرِجَ عن لفظ الخبر إلى لفظ الأمر، لإفادة التعجُّب، كما أُخرِجَ الأمر بمعنى الدعاءِ عن لفظه إلى لفظ الخبر في قولهم "﵀، ويرحمك الله".
والباء هنا زائدة في الفاعل، كما في "كفى بالله شهيدًا". وذلك أنه لما غُيِّرتْ صورة الماضي إلى الأمر، لارادة التعجب، قَبُحَ إسنادُ صيغة الأمر إلى الإسم الظاهر إسنادًا صريحًا، فزيدت الباءُ في "أكرمْ" زيادةً مُلتزمة، ليكون على صورة المفعول به المجرور بحرف الجر الزائد لفظًا، كما في قوله تعالى "ولا تُلقوا بأيدكم إلى التَّهلكة" وزيادتُها هنا بخلافها في فاعل "كفى" فهي غيرُ مُلتزمةٍ فيه، فيجوز حذفها، كما قال الشاعر [من الطويل]
عُمَيْرَةً ودِّعْ، إِنْ تَجَهَّزْتَ عاديا كفى الشَّيْبُ والإِسلامُ لِلمَرْءِ ناهيا
(وأما اعراب "اقبح بالجهل، فأقبح فعل ماض، جاء على صيغة الأمر، لإنشاء التعجب. وهو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون الذي اقتضته صيغة الأمر، والباء حرف جر زائد، والجاهل فاعل (أقبح) وهو مجرور لفظًا بالباء الزائدة، مرفوع محلا لأنه فاعل.
وقال الزمخشري في (المفصل) في قولهم "اكرم بزيد" "إِنه أمر لكل احد بأن يجعل زيدًا كريمًا"، اي بأن يصفه بالكرم والباء مزيدة - مثلها في قوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ للتأكيد والاختصاص او هو أمر بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية هذا اصله ثم جرى مجرى المثل فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك يا رجلان اكرم بزيد ويا رجال اكرم بزيد) أهـ.
فعلى هذا فمجرور الباء في موضع المفعول به لأنه في موضع الفاعل
[ ٦٩ ]
ويكون فاعل (اكرم) مستترًا تقديره انت مثله في كل امر للواحد وما هذا ببعيد وهو قول جماعة من العلماء غير الزمخشري كالفراء والزجاج وابن كيسان وابن خروف.
(وثمرة الخلاف بين جعله امرا صورة ماضيًا حقيقة وجعله امرًا صورة وحقيقة انه لو اضطرّ شاعر الى حذف هذه الباء الداخلة على المتوجب منه لزمه ان ينصب ما بعدها على رأي الفراء ومن تابعه لأنه مفعول به وان يرفعه على رأي الجمهور لانه فاعل) .
ولا يجوزُ حذفُ الباءِ الداخلة على المُتعجَّب منه في نحو قولك أجملْ بالفضيلة! "، وإن كانت زائدةً، لأنّ زيادتها مُلتزِمةٌ، كما قدَّمنا، إلا ان تكون قبل "أنْ وأنَّ"، فيجوز حذفُها، لاطِّراد حذف حرف الجرِّ قبلهما، كقول الشاعر [من الطويل]
وقال نَبيُّ المُسْلمين تَقَدَّموا وأَحبِبْ إِلينا أَن يكون المُقَدَما
أي أحببْ إلينا بأن يكون المُقدَّم.
احكام فعلي التعجب
(١) لا يكون المُتعجَّبُ منه (منصوبًا كان، أو مجرورًا بالباءِ الزائدة) إلا معرفةً أو نكِرةً مُختصَّة، لتحصُل الفائدةُ المطلوبة، وهي التعجب من حال شخصٍ مخصوص فلا يُقالُ "ما أحسنَ رجلًا! "، ولا أحسنْ بقائمٍ"، لعدم الفائدة. فإن قلت "ما أحن رجلًا يفعلُ الخير! " و"أحسنْ بقائمٍ بالواجب! " جاز، لحصول الفائدة.
(٢) يجوز حذفُ المُتعجَّب منه - وهو المنصوب بعد "ما أفعلَ". والمجرورُ بالباءِ بعد "أفعلْ" - إن كان الكلام واضحًا بدونه، فالأول كقوله [من الطويل]
[ ٧٠ ]
جزى الله عني، والجزاءُ بفضله، بِيعةَ خَيرًا، ما أَعفَّ وأَكْرما
أي "ما أعفَّهم! وما أكرمهم! " والثاني كقوله تعالى "أسْمِعْ بهم! وأبصِرْ بِهمْ!، وقول الشاعر [من الوافر]
أعزِزْ بنا وأَكْفِ! إن دُعِينا يومًا إِلى نُصْرةِ مَنْ يَلِينا
أي وأكفِ بنا! والمعنى ما أعزَّنا! وما أكفانا لهذاالأمر!.
ويُشترَطُ في حذفه بعد "أفعِلْ" أن يكون معطوفًا على أفعِلْ آخرَ مذكورٍ معه مِثلُ ذلك المحذوف، كما رأيتَ في الآية الكريمة والبيت. ولا يجوز حذفه إن لم يكن كذلك. وشذَّ قول الشاعر [من الطويل]
فَذَلك، إِن يَلْقَ الْمَنِيَّةَ يَلْقَها حَمِيدًا، وإِنْ يَسْتَغْنِ يومًا فَأَجْدِر
أي فأجدِرْ به أَن يستغنيَ!
(٣) إذا بُنيَ "فِعْلا التعجب" من مُعتل العين، وجب تصحيح عينهما، فلا يجوز إعلالها، نحو ما أطوَلهُ! وأطوِلْ به! ".
وكذلك يجبُ فَكُّ الإدغام في "أَفعِلْ"، نحو أَعزِزْ علينا بأن تفارقَنا! " و"أشدِدْ بسوادِ عينيه! ".
[ ٧١ ]
(٤) لا يُتصرَّفُ في الجملة التعجّبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فصل، إلا الفصلَ بين فعلِ التعجُّبِ والمتعجَّبِ منه بالظَّرف، أَو المجرور بحرف الجرّ (بشرط أَن يتعلقا بفعل التعجب)، أَو النداء، فالفصل بها جائز. فالفصلُ بالظرف نحو أَن تقول "ما أَجملَ ليلةَ التَّمَ البدرَ! " ونحو قول الشاعر [من الطويل]
أُقيمُ بِدارِ الحَزْمِ، ما دامَ حَزْمُها وأَحرِ إِذا حالتْ، بأَن أَتحوَّلا
والفصلُ بالجارِّ والمجرور نحو "أَحسنْ بالرجلِ أَن يصدُقَ! وما أَقبح أَن يَكذِبَ! "، ومنه وأحببْ إلينا أن يكونَ المُقدِّما"، وقول الآخر [من الطويل]
خَلِيلَيَّ، ما أَحْرَى بِذِي اللبِّ أَن يُرى صَبورًا، ولكنْ لا سَبِيلَ إِلى الصَّبْر
وقولُ عَمْرِو بن مَعد يكرِب نَثْرًا للهِ دَرُّ بني سُلَيم! ما أحسنَ في الهيجاء لِقاءَها! وأَكرمَ في اللَّزبات عَطاءها! وأثبت في المَكرمات بَقاءها! ".
والفصلُ بالنداءِ كقولِ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (﵇) "أعزِزْ عليَّ، أبا اليقطَانِ، أن أراك صريعًا مُجدَّلا! ".
(٥) إن تَعلَّق بِفعلَي التعجب مجرورٌ هو فاعلٌ في المعنى، جُر بإلى،
[ ٧٢ ]
نحو "ما أحبَّ زُهيرًا إلى أبيه! " ونحو "ما أبغضَ الخائنَ إليَّ". ولا يكونُ هذا إلا إذا دَلَّ فعلُ التعجب على حُبٍّ أو بُغضٍ، كما رأيتَ.
فإن كان في المعنى مفعولا، وكان فعلُ التعجب في الأصل مُتعديًا بنفسه، غير دالٍّ على عِلْمٍ أو جهلٍ، جُرَّ بالَّلام نحو "ما أحب زُهَيرًا لأبيه! وما أبغضَني للخائن! وما أكسبَني للخير! ".
فإن دلَّ على علمٍ أو جهلٍ جرَرْتُ المفعول بالباءِ، نحو "ما أعرفني بالحقِّ! وما أجهلَهُ بالصدق! وما أبصَرك بمواقع الصواب! وما أعلمَهُ بطرُقِ السّداد! ".
وإن كان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدِّيًا بحرف جر، جرَرتَ مفعولهُ بما كان يَتعدّى به من حرفٍ، نحو "ما أغضبَني على الخائن! وما ارضاني عن الأمين! وما أمسكني بالصدق، وما أكثرَ إذعاني للحقّ".
(٦) وقد وَرَدَ تصغيرُ "ما أفعلُ" شُذوذًا، وهو فعلٌ لا يُصغّرُ، لأنَّ التصغير من خصائص الأسماءِ. غير أنه لما أشبهَ اسم التفضيل وزنًا وأَصلا ودلالةً على المبالغة، سهلَ عليهم ذلك، كقوله [من البسيط]
يا ما أَمَيْلَحَ غِزْلانًا، شَدَنَّ، لنا مِنْ هؤُليّائِكُنَّ الضّالِ والسَّمُرِ
[ ٧٣ ]
قالوا "ولم يُسْمعُ إلا في ما أملحَ، وما أحسن". غير أنه يجوز القياسُ على هذا الشُّذوذ، إِذا أريدَ به مع التعجب التَّحبُّبُ كما رأيتَ في البيت. وعليه يجوز أن تقول ما أحَيلاهُ! وما أُدَيناهُ إِلى قلبي! وما أَطَيرِف حديثهُ! وما أُظيرِفَ مجلسه! ".
(أفعال المدح والذم)
أفعال المدح هي "نعْمَ وحبّ وحبّذا".
وأفعالُ الذمِّ هي "بئس وساء ولا حبّذا".
وهي أفعالٌ لإنشاءِ المدح أو الذم فجُملها إنشائيةٌ غير طلبية، لا خبرية، ولا بُدَّ لها من مخصوصٍ بالمدح أو الذم.
(فإّا قلت "نعم الرجل خالد، وبئس الرجل فلان". فالمخصوص بالمدح هو (خالد)، والمخصوص بالذم هو (زيد) .
وهي غير محتاجة إلى التصرف، للزومها اسلوبًا واحدًا في التعبير، لأنها تدل على الحدث المتطلب للزمان، حتى تحتاج إلى التصرف بحسب الازمنة. فمعنى المدح والذم لا يختلف باختلاف الزمان) .
حبذا وحب ولا حبذا
حَبَّذا وحَبَّ فعلان لإنشاءِ المدح.
فأما "حبَّذا" فهي مُركبةٌ من "حَبَّ" و"ذا" الإشارية، نحو "حبذا رجلًا خالدٌ".
(فحبّ فعل ماض، و"ذا" اسم اشارة فاعلة، ورجلا تمييز لذا
[ ٧٤ ]
رافع ابهامه. وخالد مبتدأ مرفوع مؤخر، خبره جملة "حبذا" مقدمة عليه) .
ولا يتقدم عليها المخصوصُ بالمدح، ولا التّمييزُ فلا يُقالُ "خالدٌ حبّذا رجلا" ولا "رجلًا حبّذا خالدٌ".
أما تقديم التّمييز على المخصوص بالمدح فجائزٌ، كما رأيت، بل هو الأوَّل، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
أَلا حَبَّذا قومًا سُلَيْمٌ، فإِنهم وفَوْا، وتَواصوْا بالإِعانةِ والصَّبْر
ويجوزُ أن يكون بعدهُ، كقول الآخر [من الخفيف]
حَبَّذا الصَّبْرُ شِيمَةً لامرىءٍ رامَ - مُباراةَ مُولَع بالْمَغاني
و(ذا) في "حبذا" تَلتزم الأفرادَ والتذكيرَ في جميع أحوالها، وإن كان المخصوصُ بخلاف ذلك. قال الشاعر [من البسيط]
يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيّانِ من جَبَلٍ وحَبَّذا ساكِنُ الرَّيّانِ، مَنْ كانا
وحَبَّذا نَفَحاتٌ من يَمانيَةٍ تأتِيكَ من قِبَلِ الرَّيّانِ أَحيانا
فذا مفردٌ مذكر، والمخصوصُ - وهو "النَّفَحات" - جمعٌ مؤنث، وقال الآخر [من الخفيف]
حبَّذا أَنتُما خَلِيلَيَّ إِنْ لم تعْذُلاني في دَمْعِيَ المُهراق
فالمخصوص هنا مثنى، و"ذا" مفرد. وقال غيره ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ، فذا مذكر. وهذا مؤنث.
[ ٧٥ ]
وقد تدخلُ "لا" على "حبذا" فتكون مثلَ "بِئسَ" في إفادة الذَّمِ كقول الشاعر [من المتقارب]
أَلا حَبَّذا عاذري في الهَوى ولا حَبَّذا الجاهلُ العاذِل
وقل الآخر [من الطويل]
أَلا حَبَّذا أَهلُ الْمَلا، غيرَ أنَّهُ إِذا ذُكرَتْ هِنْدٌ، فلا حَبَّذا هِيا
ولا يجوز أن تدخلَ على مخصوص "حبَّذا" نواسخُ المبتدأ والخبر، وهي "كان وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتها"، فلا يقال "حبَّذا رجلًا كان خالدٌ" ولا "حبَّذا رجلًا ظننتُ سعيدًا".
ويجوز حذفُ مخصوصها إن عُلمَ كأن تُسأل عن خالدٍ مثلا، فتقول "حبَّذا رجلًا" أي حبَّذا رجل هو، أي خالدٌ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]
ألا حَبَّذا، لَوْلا الحَياءُ. ورُبَّما مَنَحْتُ الهَوى ما لَيْسَ بِالمتَقارِبِ
[ ٧٦ ]
وأما "حبَّ" ففاعله هو المخصوص بالمدح، نحو "حبَّ زُهيرٌ رجلًا". وقد يُجرُّ بباءٍ زائدة، نحو حبَّ به عاملا، ومنه قول الشاعر
فَقُلْتُ اقتلوها عنكم بِمِزاجها وحَبَّ بها مقتولةً حينَ تُقْتَلُ
وأصلُه "حَبُبَ" بضم الباء، بمعنى صار محبوبًا، ولذا يجوز أن يقالَ فيه "حُبَّ"، بضمِّ الحاءِ، بنقلِ حركةِ الباءِ إلى الحاءِ وهو كثيرٌ في الاستعمال.
نعم وبئس وساء
نعم فعلٌ لإنشاء المدح. وبِئس وساءَ فِعلان لإنشاءِ الذَّم.
(قال في المختار "نعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين"؛ اذا اصاب النعمة. وبئس "منقول من بئس، بفتح الباء وكسر الهمزة" اذا اصاب بؤسًا فنقلا الى المدح والذم - فشابها الحروف، "فلم يتصرفا" اهـ واما (ساء) فهول منقول من (ساء يسوء سواء) بفتح السين في المصدر) ذا قبح. تقول "ساء عمله، وساءت سيرته". ثم نقل إلى الذم، فلم تنصرف كما تنصرف (بئس» .
وفي "نِعْمَ وبِئْسَ"، أربعُ لغاتٍ "نِعْمَ وبِئْس" بكسر فسكونٍ - وهي أَفصحهُنَّ، وهي لغةُ القرآن الكريم. ثمَّ "نِعِمَ وبِئسَ" - بكسر أوَّلهما وثانيهما -، غير أنَّ الغالبَ في "نِعِمَ" أن يجيء بعدهُ (ما)، كقوله تعالى ﴿نِعمّا يَعِظُكم به﴾ . ثم "نَعْمَ وبأس بفتحٍ فسكونٍ - ثمَّ "نِعْمَ وبَئِسَ"، - بفتحٍ فكسرٍ - وهي الأصلُ فيهما.
ولا بُدَّ لهذه الأفعال من شيئين فاعل ومخصوصٍ بالمدح أو الَّم
[ ٧٧ ]
نحو "نِعْمَ الرجلُ زُهَيرٌ". فالرجلُ هو الفاعلُ والمخصوصُ بالمدح هو زهيرٌ.
أحكام فاعل هذه الافعال
فاعلُ هذه الأفعالِ نوعانِ
الأوَّل اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ، التي تُفيد الاستغراق (أي شُمولَ الجنس) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى اسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها.
فالأولُ نحوُ "نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ" و"بئسَ الشراب الخمرُ". والثاني، نحو ﴿وَلنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ﴾، و﴿بِئسَ مثوى المُتكبِّرينَ﴾ . والثالثُ، نحو "نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ"، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ زُهَيْرٌ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلِ
(والحق أن (أل)، التي تسبق فاعل هذه الأفعال، للجنس على سبيل الاستغراق حقيقة، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا مجازًا، فيكون الجنس كله ممدوحًا أو مذمومًا، والمخصوص مندرج تحت الجنس، فيشمله المدح أو الذم. فاذا قلت "نعم الرجل زهير" فالمدح قد وقع أولا على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة. ثم على سبل المخصوص بالمدح، وهو زهير، فيكون المخصوص قد مدح مرتين مرة مع غيره، لدخوله في عموم الجنس، لأنه فرد من افراد ذلك الجنس، ومرة
[ ٧٨ ]
على سبيل التخصيص، لأنه قد خص بالذكر، ولذلك يسمى المخصوص.
والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في اثبات المدح للمدوح "الذم للمذموم، بجعلك المدح والذم للجنس، الذي هو المخصوص فرد منه. ثم يأتي المخصوص مبينًا المدار من الاجمال في مدح الجنس على سبيل الحقيقة.
ولك أن تجعل (أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة. بل على سبيل المجاز. مدعيًا أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق في غيره من الكمالات أو النقائص فان قلت "نعم الرجل زهير"، فقد جعلت زهيرًا هو جميع الجنس مبالغة، لاستغراقه جميع كمالاته، ولم تقصد من ذلك الا مدحه. ونظير ذلك أن تقول "أنت الرجل"، أي اجتمعت فيك كل صفات الرجال) .
وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا اريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مَقام المُعرَّف بألِّ الجنسيَّةِ، فيكون فاعلا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو "نِعْم الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ" و"بِئسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ".
(فان الاسم الموصول، اذا لم يرد به المهد، بل اريد به العموم، أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال، كما تسند إلى المقترن بأل الجنسية) .
الثاني أن يكون فاعلُها ضميرًا مستترًا مُفَسّرًا بنكرةٍ منصوبة على التَّمييز، واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديمِ على الممدوح أو المذموْم، مطابقةٍ لهما إفرادًا وتَثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا. ويأتي بعد ذلك المخصوص بالمدح أو الذَّم مرفوعًا على الابتداء، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو "نِعْمَ رجلًا
[ ٧٩ ]
زهيرٌ".
والتمييزُ هنا مُحَموَّلٌ عن فاعلٍ مُقترنٍ بِـ (ألْ)، لذا يجوز تحويلُه إلى فاعلٍ مُقترنٍ بها، فتقول "نعم الرجلُ زهيرٌ".
وقد تكون النكرةُ كلمة (ما) - التي هي اسمٌ نكرة بمعنى "شيء" - فتكون فى موضع نصبٍ معلى التمييز، على ما اختارَهُ المُحققون من النُّحاة. وهو أقربُ الأقوال فيها. سَواءٌ أتُليتْ باسمٍ، نحو "نِعمَّا التَّقوى، ومنه قولُه تعالى ﴿إن تبدوا الصَّدقاتِ فَنعما هي﴾، أم تُليت بجملةٍ فعليَّةٍ، كقوله تعالى ﴿نِعِمًّا يَعظُكم به﴾ " أم لم تُتْلى بشيءٍ نحو "أكرمته إكرامًا".
ومتى كان فاعلها ضميرًا وجبَ فيه ثلاثةُ أشياء
الأول والثاني إفرادُه وأستتارُه، كما رأيت فلا يجوز إبرازُه في تثنيةٍ ولا جمع، استغناءً عنه بتثنية تمييزه أو جمعه، سواءٌ أتأخرَ المخصوصُ أم تقدَّم. فلا يقالُ "نِعما رجلين خالدٌ وسعيدٌ"، ولا "خالدٌ وسعيدٌ نِعما رجلين".
الثالث وجوبُ أن يُفسّرَهُ اسمٌ نكرةٌ يُذكرُ بعده منصوبًا على التمييز كما قدَّمنا.
وإذا كان الفاعلُ مُؤنثًا جازَ أن تلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيث، سواءٌ أكان مُظهَرًا، نحو "نِعْمت المرأةُ فاطمةُ"، وجاز أن لا تلحقه هذه التاءُ استغناء عنها بتأنيث التمييز المُفسّر، ذَهابًا إلى أن هذه الأفعالَ لما أشبهت الحرفَ في
[ ٨٠ ]
الجمود لزِمت طريقة واحدةً في التعبير، فتقول "نعمَ المرأةُ فاطمةُ، ونعمَ امرأةً فاطمةُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز]
تَقولُ عِرسِي، وهي لي عَوَمَرهْ بِئس امرَأ، وإِنَّني بِئسَ المَرَهْ
وقول الآخر [من البسيط]
نِعْمَ الْفتاةُ فَتاةً هِنْدُ، لَوْ بَذَلتْ رَدَّ التَّحِيةِ نُطْقًا، أو بإِيماءِ
وكذا، إذا كان المخصوصُ مؤنثًا، يجوز تذكير الفعلِ وتأنيثُهُ، وإن كان الفاعلُ مُذكرًا، فتقولُ "بِئْسَ أو بِئستِ الشَّرابُ الخمرُ" و"نِعمَ أو نِعمت الثْوابُ الجنّةُ، وعليه قول الشاعر [من الرجز]
نِعْمَتْ جزاءُ المُتَّقينَ الجنَّهْ دارُ الأَمانِ والمُنى والمِنَّهْ
احكام المخصوص بالمدح والذم
لا يجوز أن يكون المخصوصُ بالمدح أو الذَّم إلا معرفةً، كما رأيتَ في الأمثلة المتقدمة، أو نكرةً مُفيدةً، نحو "نِعمَ الرجلهُ رجلٌ يُحاسبُ نفسهُ". ولا يقاله "نِعْمَ العاملُ رجل"، لعدَم الفائدة.
وهذا المخصوصُ مرفوعٌ أبدًا، إما على الابتداءِ، والجملةُ قبلَهُ خبرُهُ.
وإما على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وجوبًا، لا يجوزُ ذكرُهُ، ويكونُ التقديرُ في قولك "نِعمَ الرجلُ زهيرٌ". "نِعمَ الرجلُ هو زهيرٌ".
(والكلام حينئذ يكون كأنه جواب لسائل سأل "من هو؟ " حين
[ ٨١ ]
قلت "نعم الرجل"، فقلت مجيبًا "زهير"، اي هو زهير. ولا يجوز ذكر هذا المبتدأ، لأنه احد المواضع التي يجب بها حذفه. كما ستعلم في الجزء الثاني من هذا الكتاب) .
وقد يُحذفُ المخصوصُ، إِذا دلَّ عليه دليل، كقوله تعالى "نِعْمَ العبدُ، إنه أَوَّابٌ"، أي نعم العبد أيوبُ. وقد عُلم من ذكره قبلُ. وقوله سبحانه ﴿والأرض فرشاناها، فنعمَ الماهدون"، أي فنعم الماهدون نحنُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز]
نِعْمَ الفَتى فَجعَتْ به إِخوانَهُ يومَ البَقيعِ حوادِثُ الأَيَّامِ
أي نِعْم الفتى فتى فجعتْ حوادث الأيام به إخوانَهُ يومَ البقيع. فجملةُ "فجعت" في موضع رفعِ صفةٍ لفتًى المحذوف، وهو المخصوصُ المحذوف.
ومن حق المخصوص أن يُجانس الفاعلَ. فإن جاء ليس من جنسه، كان في الكلام مجازٌ بالحذف، كأن تقول "نِعْمَ عَمَلًا زهيرٌ"، فالكلام على تقدير مُضافٍ نابَ فيه عنه المضافُ إليه، إذ التقديرُ "نِعمَ عملًا عملُ زهيرٍ"، ومنه قوله تعالى ﴿ساء مثلًا القومُ الذين كذَّبوا بآياتنا﴾ . والتقديرُ "ساء مَثلًا مثلُ القومِ".
ويجوز أن يُباشِرَ المخصوصَ، في هذا الباب، نَواسخُ المبتدأ والخبر، سواءٌ أتقدَّم المخصوصُ، نحو كان زهيرٌ نِعمَ الشاعرُ، ونحو قوله [من مجزوء الكامل]
إِنَّ ابنَ عَبدِ الله نِعْمَ أخُو النَّدَى وابنُ العشيرَهْ
أم تَأخرَ، نحو "نِعْم الرجلُ ظننتُ سعيدًا"، ومنه قول زهير [من الطويل]
[ ٨٢ ]
يَمينًا، لنِعْمَ السَّيِّدانِ وُجدْتُما على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ ومُبرَمِ
وقول الآخر [من الطويل]
إِذا أَرسلوني عندَ تَعذيرِ حاجةٍ أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْم الْمُمارِسُ
أحكام التمييز في هذا الباب
يجبُ في تمييز هذا الباب خمسةُ أمور
(١) أن يتأخرَ، فلا يُقالُ "رجلًا نِعْمَ زهيرٌ". وقد يتأخرُ عنه نادرًا، نحو "نعم زهيرٌ رجلا".
(٣) أَن يكون مُطابقًا للمخصوص إفرادًا وتَثنيةً وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا، نحو "نِعمَ رجلًا زهيرُ"، ونعمَ رجلينِ زهيرٌ وأخوهُ"، و"نعمَ رجالا أنتمْ"، ونِعمتْ فتاةً فاطمةُ"، و"نعمتْ فتاتَينَ فاطمةُ وسُعادُ"، "ونِعمت فَتَياتٍ المجتهداتُ"، ومن ذلك قولِ الشاعر [من الرجز]
نِعْمَ امْرأَين حاتمٌ وكَعْبٌ كِلاهُما غَيْثٌ، وسَيْفٌ عَضْبُ
(٤) أن يكونَ قابلًا لألْ، لأنه محوَّلٌ عن فاعلٍ مُقترِنٍ بها، كما تقدَّمَ، فإن قلتَ "نِعمَ رجلًا زهيرٌ"، فالأصلُ "نعمَ الرجل زهيرٌ". فإن لم يَقبلها كمِثْلٍ وأيٍّ وغير وأفعلَ في التَّفضيل، فلا يُمَّيزُ به هذا الباب.
(اذا اريد بأفعل معنى التفضيل فلا يُميز به، فلا يقال "نعم أَكرم
[ ٨٣ ]
منك خالد"، ولا "نعمَ أفضل رجل علي"، لانه حينئذ لا يقبل (أل) اذا حوّله فاعلا. أما ان لم يرد به معنى التفضيل، فجائز التعبير به نحو "نِعْمَ أعلم زهير" اي نِعْم عالمًا زهير" لأنه يصح أن تباشره (أل) في هذه الحالة، فنقول "نِعْمَ الاعلم زهير") .
(٥) أنه لا يجوز حذفُهُ، إذا كان فاعلُ هذه الأفعال ضميرًا يعودُ عليه، وقد يُحذَف نادرًا كقولك "إن قلت كذا فَبِها ونعْمتْ"، أي "نِعمتْ فِعلةً فعلتُك" ومنه حديثُ "مَنْ توَضأ يوم الجمعة فَبِها ونِعمتْ"، أي "فبالسُّنةِ أخذَ، ونِعمت سُنَّةُ الوَضوء".
أما إن كان فاعله اسمًا ظاهرًا، فلا يحتاج الكلام إلى ذكر التمييز، نحو "نعمَ الرجلُ عليٌّ" لأنَّ التمييزَ إنما هو لرفعِ الإبهام، ولا إبهامَ مع الفاعل الظاهر.
وقد يجتمع التمييز مع الفاعل الظاهر، تأكيدًا له، فإنَّ التمييزَ قد يُذكرُ للتأكيد، لا لرفعِ الإبهام، كقول الشاعر "نِعمَ الفتاةُ فتاةً هند " (البيتَ السابقَ) .
وقد يُجرُّ التمييزُ، في هذا الباب، بِمنْ كقولِ الشاعر [من الوافر]
تخَيَّرَهُ، فلم يَعْدِل سِواهُ فَنعْمَ الْمَرءُ من رجلٍ تِهامِي
ومِثله تمييزُ "حَبّذا وحَبَّ"، كقول الشاعر [من البسيط]
يا حَبَّذا جَبلُ الرَّيانِ من جَبَلٍ وحبَّذا ساكِنُ الرّيان، مَنْ كانا
[ ٨٤ ]
الملحق بنعم وبئس
قد يجري مَجرى (نِعْمَ وبئسَ) - في إنشاء المدح أو الذمّ - كل فعلٍ ثلاثي مجرَّد، على وزن (فَعُلَ) - المضمومِ العين - على شرط أن يكون صالحًا لأنْ يُبنى منه فعلُ التعجب، نحو "كرُمَ الفتى زهيرٌ! " و"ولَؤمَ الخائنُ فلانٌ! ".
فإن لم يكن في الأصل على وزن (فَعُلَ)، حوَّلته إليه، لأنَّ هذا الوزن يَدُلُّ على الخِصال والغرائز التي تستحق المدح أو الذَّم، فتقولُ في المدح من (كتبَ وفهِمَ) "كتُبَ الرجلُ خالدٌ! وفَهُم التلميذُ زهيرٌ! "، وتقول في الذم من "جَهِل وكذَبَ" "جَهُل الفتى فلانٌ! وكذُبَ الرجلُ فلانٌ! ".
فإن كان الفعلُ مُعتَلَّ الآخر، مثلُ "قضى ورمى وغزا ورضِيَ وصَدِي"، قلْتَ آخرَهُ واوًا عندَ نقله إلى باب (فَعُلَ)، لتُناسبَ الضمة قَبلها، فتقول "قضُوَ ورَمُوَ وغَزُوَ ورَضُوَ وصدُوَ"
وإن كان معتلَّ العين، مثل "جادَ وسادَ"، بقيَ على حاله، وقُدِّرَ النّقل إلى باب (فَعُلَ)، لأنك لو قلتَ "جَوُدَ وسَوُد"، لَعادت الواوُ ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.
ومن هذا الباب (ساء) - المتقدّمُ ذكرُه مع (نِعْمَ وبِئس) - فإنه لما أُريدَ به معنى (بئس)، حُوّل إلى باب (فَعُلَ) فصار "سَوْاَ"، ثم قُلِبَتِ الواوُ أَلفًا لأنها متحركةٌ مفتوحٌ ما قبلها، فَرَجعَ إلى "ساءَ". وإنما يُذكرُ مع "نِعْمَ وبِئسِ"، لأنهُ يجريّ مَجراهما في كل أمر، يُخالفُهما في حُكم.
واعمل أنه يجوزُ فيما يجري مَجرى "نِعْمَ وبِئسَ"، سواءٌ أكان مضمون
[ ٨٥ ]
العين أصالةً أو تَحويلًا، أن تَسكُنَ عينُهُ، مثل "ظَرْفَ وفُهْمَ" وأن تُنقَلَ حركتُها إلى فائِه، نحو "ظُرْفَ وفُهْمَ"، وعليه قولُ الشاعر [من البسيط]
لا يَمْنَعُ الناسُ مني ما أرَدْتُ، ولا أُعطيهِم ما أرادوا! حُسْنَ ذا أدَبا!
(أي حسن هذا أدبًا، فذا اسم إشارة فاعل. وأدبًا تمييز، والواو في قوله "ولا أعطيهم" واو المعية التي ينتصب الفعل بعدها بأن مضمرة، فأعطيهم منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد واو المعية المسبوقة بنفي. وكان حقه أن يظهر الفتحة على الياء لخفتها لكنه أضمرها ضرورة. يقول "ما أحسن ان لا يمنع الناس مني ما أردت من مالهم ومعونتهم مع بذلي لهم ما يريدون مني من مال ومعونة". يقول ذلك منكرًا على نفسه أن يعينه الناس ولا يعينهم. فحسن للمدح والتعجب. وأراد بها هنا التعجب الإنكاري. وقيل في معناه يريد أن يقهر الناس فيمنعهم ما يريدون منه، ولا يستطيعون أن يمنعون ما يريد منهم لعزته وسطوته. وجعل هذا أدبًا حسنًا. والصواب ما قدمناه، لأن ما قبله من القصيدة يدل على ذلك وهو قوله [من البسيط]
قَد يَعْلَمُ الناسُ أني من خيارِهم في الدِّينِ دينًا، وفي أحسابهمْ حَسبَا
(واعلم أن الأدب الذى كانت تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم؛ كترك السفه، وبذل المجهود، وحسن اللقاء. واصطلح الناس بعد الاسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب "أديبا" وأن يسموا هذه العلوم "الأدب". وذلك كلام مولدٌ لم تعرفه العرب بهذا المعنى، لأن هذه العلوم قد حدثت في الاسلام) .
ويُفيدُ ما يجري مجرى "نِعْمَ وبِئسَ" - معَ المدحِ أو الذَّم - التَّعَجُّبَ، ومعنى التعجب فيه قويٌّ ظاهرٌ، كما رأيتَ. حتى إن بعضَ العلماءِ ألحقهُ بباب التعجب. والحقُّ أنه مُلحقٌ بالبابين، لتضمُّنهِ المعنيين، لذلك تجري عليه أحكامُ ها البابِ وأحكام ذلك من بعض الوجوه كما ستعلم.
حكم الملحق بنعم وبئس
يجري ما يُلحقُ بِنعم وبِئسَ مَجراهما، من حيثُ الجُمودِ وإنِشاء المدحُ والذَّم، (إلا أنهُ يَتضمَّنُ أيضًا معنى التعجب، كما تقدّم)، وكذلك من حيثُ الفاعلِ والمخصوصِ.
فيكونُ فاعلهُ، كفاعلهما، إِمّا اسمًا ظاهرًا مُعرّفًا بألْ نحوُ "عَقُلَ الفتى زهيرٌ! "، أو مَضافًا إلى مُقترنٍ بها، نحو قَرُؤ غلامُ الرجل خالدٌ! ".
وإما ضميرًا مستترًا بنكرةٍ بعدَهُ منصوبة على التمييز، نحو "هَدُوَ رجلا عليٌّ! ".
غير أنَّ فاعله الظاهرَ يُخالفُ فاعلهما الظاهر في أمرين
الأول جوازُ خُلُوِّهِ من (ألْ) نحو "خطُبَ عليٌّ! " ولا يجوز ذلك في فاعلِ "نِعْمَ وبِئسَ".
الثاني أنه لما أَفادَ فعلهُ - مع المدح أو الذْمّ - التعجُّبَ
[ ٨٦ ]
جاز أن يُجرَّ بكسرةِ باءٍ زائدةٍ تشبيهًا له "بأفعِلْ به" في التعجُّب، نحو "شَجُع بخالدٍ! ". ولا يجوز ذلك في فاعلهما.
أَما فاعله المَضمَرُ العائدُ على التمييز بعده فَيوافقُ فاعلَها المُضمر في أَنَّ الفعل معه يجوز أن يكون بلفظٍ واحدٍ للجميع، نحو "المجتهدةُ حسُن فتاةً، والمجتهدانِ حَسُن فَتَييْنِ والمجتهدون حَسُن فِتيانًا"، والمجتهداتُ حَسُنَ فتياتٍ". كما تقول "المجتهدةُ نعمَ فتاةً، والمجتهدانِ نعمَ فتَييْن" الخ.
ويُخالفُه في جواز أن يكون على وَفقِ ما قبله إفرادًا وتثنية وجمعًا وتذكيرًا
[ ٨٧ ]
وتأنيثًا، نحو المجتهدُ حَسُن فتًى، والمجتهدةُ حَسُنتْ فتاةً، والمجتهدانِ حَسُنا فَتَييْنِ والمجتهدونَ حَسنُوا فِتيانًا، والمجتهداتُ حَسُنَ فَتياتٍ". ولا يجوز في "نعم وبئس" إلا أن يكونا بلفظٍ واحد، وذلك بأن يكون فاعلهما المَمضمرُ مفردًا عائدًا على التمييز بعده إلا ما كان من جواز تأنيثه، اذا عاد على مؤنثٍ، كما تقدَّم.
(نونا التوكيد مع الفعل)
نونا التوكيد، إحداهما ثقيلةٌ مفتوحة، والاخرى خفيفةٌ ساكنة. وقد اجتمعتا في قوله تعالى لَيُسجَنننَّ وَليكونًا من الصاغرين".
(ويجوز ان تكتب النون المخففة بالألف مع التنوين كما في الآية الكريمة، (وهو مذهب الكوفيين) فان وقفتَ عليها وقفت بالألف. ويجوز أن تكتب النون، كما هو شائع، وهو مذهب البصريين) .
ولا يُؤكدُ بهما إِلا فعلُ الأمرِ، والمضارع.
فأمّا فعلُ الأمر، فيجوز توكيدُهُ مُطلقًا، مثل "اجتهدَنَّ، وَتعلَّمَنَّ".
وأَما الماضي لا يجوز توكيدُهُ مطلقًا. وقال بعضُهم إن كان ماضيًا لفظًا، مُستقبلًا معنىً، فقد يُؤكدُ بهما على قلَّةٍ.
ومنه الحديث "فإما أدركنَّ أَحدٌ منك الدَّجالَ"، فإنه على معنى "فإما يُدرِ كنَّ". ومنه قول الشاعر [من الكامل]
دَامَنَّ سَعْدُكِ، لو رَحِمْتِ مُتَيّمًا لولاكِ لم يَكُ للصَّبابَةِ جائحا
لأنَّه على معنى "لِيدُومَنَّ" فهو في معنى الأمر، والأمر مستقبل.
وأما المضارعُ فلا يجوز توكيدُه، إِلا أن يَقعَ بعد قَسَمٍ، أو أَداةٍ من
[ ٨٨ ]
أَدوات الطَّلبِ أو النفي أَو الجزاء، أَو بعد (ما) الزائدة.
وتأكيدُه في هذه الأحوال جائز، إلا بعد القسم، فيجبُ تارة، ويمتنع تارة أُخرى، كما ستعلم.
تأكيد المضارع بالنون وجوبًا
يُؤكدُ المضارعُ بالنون وجوبًا، إذا كان مُثبَتًا مستقبلا، واقعًا في جواب القسَمِ غيرَ مفصولٍ من لامِ الجواب بفاصل، كقوله تعالى ﴿تاللهِ لأكيدَنَّ أَصنامَكم﴾ .
وتوكيده بالنون، ولزوم اللام في الجواب - في مثل هذه الحال - واجبٌ لا مَعدِل عنهُ.
وما ورد من ذلك غير مُؤكدٍ، فهو على تقدير حرف النفي. ومنه قوله تعالى "تاللهِ تَفتأ تذكرُ يوسف" أَي "لا تفتأ". وعلى هذا فمن قال "والله أَفعلُ"، أثِمَ إن فَعَلَ، لأنَّ المعنى واللهِ لا أَفعل" فإن أَراد الإثبات وجبَ أَن يقول "واللهِ لافعلَنَّ". وحينئذٍ يأثَمُ إن لم يفعل.
التوكيد بها جوازًا
يُؤكدُ المضارعُ بالنون جوازًا في أربع حالات
(١) أن يَقعَ بعد أداةٍ من أدوات الطَّلب، وهي "لامُ الأمر" مو "لا" الناهيةُ، وأَدوات الإستفهام والتَّمنّي والتّرجي والعَرْضِ والتّحضيض. وهذه
[ ٨٩ ]
أمثلتُها "اجتهدنَّ. لا تَكسلَنَّ. هل تَفعلنَّ الخيرَ؟ ليتكَ تَجدنَّ. لَعلَّكَ تَفوزَنَّ. أَلا تَزروَنَّ المدارس الوطنية. هَلاَّ يرعوِنَّ الغاوي عن غَيّه".
(٢) أَن يقعَ شرطًا بعد أداة شرطٍ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة.
فإن كانت الأداة "إِنْ" فتأكيدُه حينئذٍ قريبٌ من الواجب، حتى قال بعضهم بوجوبه. ولم يَرِد في القرآن الكريم غير مؤكد، كقوله تعالى ﴿فإِما يَنزَغنَّك من الشيطان نَزغٌ فاستعِذْ بالله﴾، وقوله ﴿فإمّا تَرَينَّ من البَشر أَحدًا﴾ . وَندَرَ استعْمالهُ غير مُؤكدٍ، كقول الشاعر [من البسيط]
يا صاح، إِمَّا تَجِدْني غيرَ ذي جِدَةٍ فما التَّخلِّي عن الإِخوانِ من شِيمي
وإن كانت الأداةُ غير "إن" فتأكيدُه قليل، نحو "حينما تكونَنَّ آتِكَ. متى تُسافِرَنَّ أُسافرْ".
وأقلُّ منه أن يقع جواب شرطٍ، أو بعد أَدتةٍ غيرِ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة.. فالأول كقول الشاعر [من الطويل]
ومَهْما تَشأْ منهُ فَزارةُ تُعْطِكمْ ومَهْما تَشَأْ منهُ فَزارةُ تَمْنَعًا
والآخرُ كقول الآخرُ [من الكامل]
مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فَلَيسَ بآيبٍ أَبَدًا. وقَتْلُ بَني قُتيبَةَ شافي
[ ٩٠ ]
(٣) أن يكون منفيًّا - بِـ (لا) - بشرطِ أن يكون جوابًا للقسم - كقوله تعالى ﴿واتقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً﴾ .
وأَقل منه أَن يكون منفيًّا بِـ (لم) كقول الشاعر، يَصفُ جبلًا عَمَّهُ الخِصبُ وحفَّهُ النبات: [من الرجز]
يَحسَبُهُ الجاهلُ - ما لَمْ يَعْلَما - شيخًا على كُرسِيِّهِ مُعَمَّما
وإنما سَوَّغَ توكيدَ المنفيّ بِـ (لم) مع أَنه في معنى الماضي، والماضي لا يُؤكدُ بالنون - كونه منفيًّا، وأنه مضارع في اللفظ.
(٤) أن يقعَ بعد (ما) الزائدة، غير مسبوقةٍ بأداة شرط. ومنه قولهم "بِعينٍ ما أرَيَنَّك"، وقَولهم بِجَهدٍ ما تَبْلُغنَّ! "، وقولهم "بألمٍ ما تُخْتَنِنَّهُ"، ويروى أيضًا تُخْتَتَنَّ"
[ ٩١ ]
وقول الشاعر [من الطويل]
إذا ماتَ منهُم مَيِّتٌ سُرِقَ ابنُه ومِن عَضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكيرُها
امتناع توكيد المضارع بالنون
يمتنع تأكيدُ المضارع بالنون في أربع حالات
(١) أن يكون غيرَ مسبوقٍ بما يُجيزُ توكيدَه كالقسم وأدوات الطلب والنفي والجزاء و(ما) الزائدةِ.
(٢) أن يكون منفيًّا وافعًا جوابًا لقَسمٍ، نحو "واللهِ لا أنقُضُ عهدَ امتي". ولا فرق بين أن يكون حرفُ النفي ملفوظًا - كهذه الأمثلة - وأن يكون مُقدَّرًا، كقوله تعالى ﴿تاللهِ تفتأ تَذكُرُ يوسفَ﴾، أَي "لا تفتأُ".
(٣) أن يكون للحال، نحو "واللهِ لتذهبُ الآنَ"، ومنه قول
[ ٩٢ ]
الشاعر [من المتقارب]
يَمينًا لأُبغِضُ كُلَّ امرئ يُزَخرِفُ قولًا ولا يَفْعَل
وقل الآخر [من الطويل]
لئِنْ تَكُ قد ضاقتْ عليكمْ بُيوتُكمْ ليعلمُ رَبِّي أَنَّ بيتَي واسعُ
(٤) أن يكون مفصولا من لام جواب القسَم، كقوله تعالى
﴿لئن مُتُّمْ، أو قُتِلْتُمْ لإِلى اللهِ تُحشرون﴾ وقوله ﴿ولَسَوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ .
احكام النون والفعل المؤكد بها
(١) لا تَقعُ نون التوكيدِ الخفيفةُ بعد ضمير التَّثنية، فلا يقالُ "واللهِ لَتذهباننْ" ولا بعد نونِ النسوة فلا يقال "لا تَذهبننْ" أَما بعد واو الجماعة وياءِ المخاطبة فتقَعُ، نحو "هل تذهبونَنْ؟ هل تذهبيَننْ؟ " ونحو "لا تذهبُنْ. اذهبُن. لا تذهِبنْ. إذهِبنْ.
(٢) إِذا وقعت النون المشدَّدة بعد ضمير التَّثنية، ثبتت الألفُ، وكُسِرت النونُ تشبيهًا لها بنون التثنية في الأسماء نحو "اكتُبانِّ، لِيكتُبانِّ". فإن كان الفعل مضارعًا مرفوعًا، حُذفت نون الرفع أيضًا، كيلا تَتوالى ثلاثُ نونات، نحو "هل تكتُبانِّ؟ " والأصل "تكتباننَّ".
[ ٩٣ ]
(وإنما ثبتت الألف مع اجتماع ساكنين - هي النون الأولى من النون المشددة - سهولة النطق بالألف مع ساكن بعدها) .
(٣) وإذا وقعت نونُ التوكيد بعد واوِ الجماعة - المضمومِ ما قبلها - أو ياء المخاطبة - المكسورِ ما قبلها - حُذفت واوُ الجماعة وياءُ المخاطبة، حَذَر التقاء الساكنين، وبقيتْ حركةُ ما قبلهما على حالها، نحو "أَكتُبُنَّ، أَكتُبِنَّ. لِيكتُبُنَّ، - أَدْعُنَّ. ادْعِنَّ. لِيَدْعُنَّ - إِرْمُنَّ إِرْمِنَّ لِيَرْمُنَّ"، والأصلُ "اكتُبونَّ. اكتُبينَّ. لِيكتُبونَّ - أدْعُونَّ، أُدْعِينَّ. لِيَدعُونَّ - إِرْمُونَّ. إِرْمِينَّ. لِيَرْمُونَّ".
فإن كان الفعلُ مضارعًا مرفوعًا تُحذف نونُ الرفع أولًا، ثم تُحذفُ الواوُ والياءُ لاجتماع ساكنينِ بعد حذف النون، نحو "هل تَذهبُنَّ، هل تَذهِبنَّ" والأصل "تذهبونَنَّ تذهبينَنَّ".
(حذفت نون الرفع كراهية اجتماع ثلاث نونات، فاجتمعت بعد حذفها ساكنان واو الجماعة أو ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة، فحذفت الواو والياء حذر التقاء الساكنين) .
(٤) إن كان ما قبلَ واو الجماعة وياء المخاطبة - المتّصلينِ بالنون - مفتوحًا، ثبتت الواوُ والياءُ، نحو "هل نَخشَوُنَّ؟ اخشَوُنَّ؟ هل ترْضَيِنَّ؟ إِرْضِينَّ" غير أن واو الجماعة تضمُّ، وياءَ المخاطبة تكسر، ويبقى ما قبلهما على حالة من الفتح، كما رأيت.
(وحق الواو والياء أن تكونا ساكنتين وإنما حرّكت الواو بالضمة والياء بالكسرة تخلصًا من اجتماع ساكنين - وهما الواو أو الياء والنون الأولى من النون المشددة.
واعلم أن النون المشددة حرفان أولهما ساكن. فان الحرف المشدد
[ ٩٤ ]
حرفان في اللفظ وان كان حرفًا واحدًا في الخط) .
(٥) إذا لَحِقت نون التوكيد آخر الفعل المُسندِ إلى ضميرٍ مستترٍ أو اسمٍ ظاهر، فُتح آخرُهُ، نحو "هل تكتبَنَّ؟ لِيكتُبِنَّ زهيرٌ. أَكتبن" فإن كان مُعتلَّ الآخر بالألف قلَبتها ياءً، نحو "هل تَسعَينَّ؟ إِسعينَّ".
(٦) إذا أَكدتَ بالنون الأمرَ المبنيّ على حذف آخره، والمضارعَ، المجزوم نحذف آخره، رَددتَ إليه آخرهُ - إن كان واوًا أَو ياءً - مبنيًّا على الفتح، فتقول في "ادعُ ولا تدعُ وامشِ ولا تمش" "ادْعونّ. لا تَدْعُونّ - إمشيَنَّ. لا تمشينَّ". فإن كان المحذوفُ ألفًا قلبتها ياءً، فتقول في "اخش وليخش" "إخشينَّ، ليخشينَّ".
(٧) إذا ولي نون النَّسوة نون التوكيد المُشدَّدةُ، وجب الفصل بينهما بألف، كراهية اجتماع النونات، نحو "يكتُبَنانِّ واكتُبْنانِّ". وحينئذٍ تُكسرُ نون التوكيد وجوبًا، كما رأيت، تشبيهًا لها بالنون بعد ألف المثنى.
أما النون المخفّفة فلا تَلحقُ نون النّسوة، كما تقدم.
(٨) النون المخفّفةُ ساكنةٌ كما علمت، فإن وَلِيها ساكنٌ حُذفت فرارًا من اجتماع الساكنين، نحو "أكرم الكريم". والأصلُ "أكرِمَنْ". ومنه قول الشاعر [من المنسرح]
ولا تُهينَنَّ الفقيرَ، عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يومًا، والدَّهرُ قد رَفَعَه
والأصل "لا تَهينَنْ".
ويجوز قلبُها ألفًا عند الوقف، فتقول في اكتُبَنْ" - إذا وقفت عليه - "اكتُبًا". ومنه قول الشاعر [من الكامل]
[ ٩٥ ]
أقصِرْ، فَلَسْتَ بَمُقْصِرٍ، جُزْتَ الْمَدَى وَبْلَغتَ حيثُ النَّجْمُ تَحْتَكَ، فارْبَعا
وقول الآخر [من الطويل]
وإِيّاك والْمَيْتاتِ، لا تَقْرَبَنَّها ولا تَعْبُدِ الشيطانَ والله فاعبُدا
[ ٩٦ ]