القول (^١) في قراءة ابن عامر على ما حكي في بعض الروايات من وقله: أفئدة (^٢)
اختلف أهل العلم في مستنكر القراآت فكان بعضهم يجترئ على تخطئة المتقدمين وكان بعضهم لا يقدم على ذلك ويجعل لكل شيء وجهًا وإن كان بعيدًا في العربية واحتج من أجاز غلط الرواة بأن الذين نقلوا القراءة كان فيهم قوم قد أدركوا زمن الفصاحة فجاؤوا بها على ما يجب وقوم سبقتهم الفصاحة ولم يكن لهم علم بقياس العربية فلحقهم الوهم الذي لا يتعرى منه ولد آدم ﷺ وأفئيدة بناء مستنكر لم يجئ مثله في الأحاد ولا في الجموع ولم يحك سيبويه ولا غيره فيما أعلم شيئًا على مثال أفعيلة بفتح الهمزة ولا على مثال أفعيل إلا ما روي في قراءة الحسن من أنه
_________________
(١) المسألة الثامنة.
(٢) اختلف القراء في افئدة من قوله تعالى فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم … الآية ٣٧ السورة ١٤ فردي الحلواني من جميع طرقه عن خشام عن ابن عامر بياء بعد الهمزة في هذه الآية خاصة وهي رواية العباس بن الوليد عن أصحابه عن ابن عامر وروى الحلواني من أكثر الطرق عن أصحابه وسائر أصحاب هشام عنه بغير ياء وكذلك قرأ الباقون وقال الحلواني عن هشام هو من الوفود فأن كان قد سمع فعلى غير قياس وإلا فهو على لغة المشبعين من العرب الذين يقولون الدراهيم والصياريف وليست ضرورة بل لغة مستعملة. وتفصيل هذا البحث في النشر ج ٢ ص ٢٨٨ واتحاف فضلاء النشر ٢٧٣ وفي الكشاف ج ١ ص ٥٠٩ والبيضاوي ج ١ ص ٦٣٩ وقرئ آفدة وفيه وجهان أحدهما أن يكون من القلب كقولك آدر في أدؤر والثاني أن يكون اسم الفاعل من افدت الرحلة أي جماعة يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم. وقرئ أفدة وفيه وجهان أن تطرح الهمزة للتخفيف وأن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من أفد-
[ ٢٠٠ ]
كان يفتح همزة الانجيل وهذا في الشذوذ يشبه قراءة ابن عامر هذه (^١) والانجيل قد وافق ألفاظ العربية فأن كان له فيها حظ فقد زعموا اشتقاقه من قولهم استنجل الوادي إذا ظهر فيه نجل وهو الماء المستنقع (^٢) ويجوز أن يكون اشتقاقه من النجل وهو الولد كأن هذا الكتاب ولد للكتب المتقدمة وقد جاءت الألفاظ كلها يشبه أن يكون الانجيل مشتقًا منه لأن النجل السعة في العين فيجوز أن يكون هذا الكتاب سعة في الدين وكذلك قولهم نجلت الإبل الكمأة إذا استثارتها بأخفافها فيجوز أن يكون الانجيل استثير من العلم القديم وكل نون وجيم ولام في العربية وأن اتسع ذلك لا يمتنع أن يكون اشتقاق الإنجيل منه (^٣)
_________________
(١) = وكلام أبي العلاء في المنقول عن هشام عن ابن عامر أي افئيدة قال في اتحاف فضلاء النشر ص ١٧٠ وعن الحسن الإنجيل بفتح الهمزة حيث وقع. قال الزمخشري في الكشاف ج ١ ص ١٣٥ والتوراة والانجيل اسمان اعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنها بتفعلة وافعيل أنما يصح بعد كونهما عربيين وقرأ الحسن الانجيل بفتح الهمزة وهو دليل على العجمة لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في لغة العرب.
(٢) قال الزجاج وللقائل أن يقول هو اسم اعجمي فلا ينكر أن يقع بفتح الهمزة لأن كثيرًا من الأمثلة الأعجمية يخالف الأمثلة العربية نحو آجر وإبراهيم وهابيل. وفي اللسان والإنجيل كتاب عيسى [ص] .. وهو اسم عبراني أو سرياني وقيل هو عربي. وقيل اشتقاقه من النجل الذي هو الأصل يقال هو كريم النجل أي الأصل والطبع وهو من الفعل افعيل.
(٣) في الحكم النجل النز الذي يخرج من الأرض والوادي.
(٤) جاء النجل بمعنى النسل والولد والوالد والأصل والرمي والقطع واشلق والما السائل والماء المستنقع والنز والجمع الكثير من الناس والمحجة الواضحة وسلخ الجلد من قفاه والسير الشديد ومحو الصبي اللوح ونحو ذلك.
[ ٢٠١ ]
وقيل الإنجيل الأصل وهو مع هذا جائز عليه أن يكون أعجميًا وافق ألفاظ العربية وذلك به أشبه كما أن يعقوب اسم النبي ﷺ لا يحمل على أنه مأخوذ من اليعقوب الذي هو ذكر الحجل وأما فتح الهمزة في إنجيل فمها يقول بعض الناس أنه غلط لأنه لا قياس له ولم ينقل مثله في الشعر الفصيح ولا الآثار الثابتة. وأما أفئيدة فأن صح أنها قرأ بها موثوق به فب الفصاحة فأنها والله أعلم أفئدة في الأصل كما قرأت الجماعة ثم زيدت الياء بعد الهمزة لأن الكشرة فيها لازمة (^١) فتكون هذه القراءات مشاكلة لقراءة من قرأ فذانيك برهانان وزيادة الياء في أفئيدة أقوى منها في ذانيك لأن نون التثنية ليست ثابتة كثبات غيرها من حروف الاسم اذ كانت تسقط في الواحد وفي الإضافة وقد وجدنا العرب زادوا الألفات والياءآت والواوات وقد حملوا قراءة ابن كثير إنه من يتقي ويصبر (^٢) على
_________________
(١) قال في النشر ج ٢ ص ٢٨٨ ذكر الأمام ابو عبد الله بن مالك في شواهد التوضيح أن الاشباع من الحركات الثلاث لغة معروفة وجعل من ذلك قولهم بينا زيد قائم جاء عمرو. أي بين أوقات قيام زيد فأشبعت فتحة النون فتولدت الألف. وحكى الفراء أن من العرب من يقول اكلت لحما شاة أي لحم شاة.
(٢) قالوا ائنك لأنت يوسف قال انا يوسف وهذا اخي قد من الله علينا أنه من يتق ويصبر فأن الله لا يضيع أجر المحسنين. آية ٩٠ - ١٢ قرأ يتقي بأثبات الياء وصلا ووقفا قنبل من طريق أي مجاهد عن ابن كثير ولم يذكر في الشاطبية غيره. ووجه بأنه على لغة اثبات حرف العلة مع الجازم كقوله الم يأتيك. وقيل هو مرفوع ومن موصوله وجزم يصبر المعطوفة على يتقي للتخفيف. وابن كثير عبد الله بن كثير بن المطلب المكي أمام أهل مكة في القراءة ولد بمكة سنة ٤٥ ولقي جماعة من الصحابة ولم يزل الأمام المجتمع عليه في القراءة بمكة حتى توفي سنة ١٢٠.
[ ٢٠٢ ]
أن الياء التي بعد القاف حدثت لتمكين الكسرة كأنه كان أنه من يتق ويصبر كقراءة الجماعة ثم زيدت الياء لأجل الكشرة وإلى هذا الرأي ذهب الفارسي (^١) فأما المتقدمون فكانوا يحملون عذا على أنه من رد الأشياء إلى أصولها فالياء في يتقي على رأي من تقدم هي أصلية لأنها لام يفتعل وعلى قول الفارسي تكون زائدة وعلى هذين القولين يجري قول الشاعر (^٢):
_________________
(١) أبو علي الحسن بن احمد احد الأئمة في علم العربية دخل بغداد وقدم حلب سنة ٣٤١ فأقام عند سيف الدولة وعاد إلى فارس فصحب عضد الدولة وله كتب منها الايضاح والتذكرة وله اجوبة عن اسئلة سئل عنها في كل بلد ولد في سنة ٣٣٧.
(٢) هذا البيت لقيس بن زهير بن جذيمة العبسي كان يلقب بقيس الرأي لجودة رأيه وثد كان اميرًا داهية شجاعًا خطيبًا شاعرًا وله كلمات مأثورة ووقائعه مع ذبيان وفزارة مشهورة توفي في عمان نحو سنة ١٠ للهجرة وكان احيحة الجلاح وهبه درعًا يقال لها ذات الحواشي فأخذها منه الربيع بن يزاد العبسي وابى أن يردها عليه فأغار قيس على ابل الربيع فأخذ اربعمائة ناقه وقتل رعاتها وفر إلى مكة فباعها وفي ذلك يقول هذا البيت وما بعده. والأنباء الاخبار. تنمي ترتفع. واللبون الناقة ذات اللبن. وابن اللبون ولدها إذا استكمل سنتين وطعن في الثالثة لأن أمه وضعت غيره فصار لها لبن ويروى قلوص. والقلوص الناقة الفتية وهذا البيت استشهد به سيبويه ج ٢ ص ٥٩ على اسكان الياء في يأتيك في حال الجزم حملًا لها على الصحيح وقد قال: فجعله حين اضطر مجزومًا من الأصل وقال الأعلم وهي لغة لبعض العرب يجرون المعتل مجرى السالم فاستعملها ضرورة واستشهد به في شرح المفصل ج ٨ ص ٢٤ على زيادة الباء وقال الرماد مالاقت لبون بني زياد ويجوز أن يكون الفاعل في النية والمراد الأهل أتاها الأنباء فعلى هذا تكون الباء مزيدة مع المفعول. واستشهد به صاحب المغنىج ١ ص ١٦ على زيادة الباء في الفاعل للضرورة. ونقل عن ابن الضائع أن الباء متعلقة بتنمي وأن فاعل يأتي مضمر فالمسألة =
[ ٢٠٣ ]
ألم يأتيك والانباء تنمي … بمالاقت لبون بني زياد
ويوقى قراءة ابن كثير أن قراءات الجماعة اجتمعت فيها متحركات أربعة وهي التاء الثانية من يتق والقاف والواو والياء وهم يستثقلون الجمع بين متحركات في هذا العدد ولذلك لم يجيء توالي هذه العدة من المتحركات في الشعر إلا عند زخارف (^١) وليس في أصل أبنيتهم أن يجيء مثل ذلك فأما قولهم علبط وهو الغليظ والمكثير يقال قطيع من الغنم علبط إذا كان كثيرًا متراكبًا وهدبد وهو العشا في العين ويقال هو اللبن الغليظ وما كان مثليهما فإنما جاء على الحذف والأصل علابط وهدابد (^٢) وقد زادوا
_________________
(١) = من باب الإعمال لأن كلا من يأتي وتنمى يطلب ما لاقت الأول يطلبه على انه فاعل والثاني على انه مفعول واعمل الثاني فجره بالباء واضمر في الأول فاعله وهذا على مذهب البصريين من انه يضمر الفاعل قبل الذكر وقد رواه ابن جني في سر الصناعة ألم يأتك. ولا شاهد فيه. وفيه كف الجزء الأول مفاعيلن ورواه الأصمعي وهل أتاك. ولا شاهد فيه أيضًا وفيه قبض الجزء الأول.
(٢) كقول العجاج. قد جبر الدين الاله فجبر. فقد جاء فيه اربعة متحركات الهاء والفاء والجيم والباء فوزنه متعلن وأصله مستفعلن دخل عليه الخبل.
(٣) قال سيبويه ج ٢ ص ٣٣٥ فليس في الكلام من بنات الاربعة على مثال فعلل ولا فعلل ولا شيء من هذا النحو لم نذكره. ولا فعلل الا ان يكون محذوفًا من فعالل لأنه ليس حرف في الكلام تتوالى فيه اربع متحركات وذلك علبط انما حذفت الألف من علابط والدليل على ذلك انه ليس شيء من هذا المثال الا ومثال فعالل جائز فيه تقول عجالط وعجلط وعكالط وعكلط ودوادم ودودم … وقالوا جندل فحذفوا الف الجنادل كما حذفوا الف علابط اهـ. والعجلط اللبن الخاثر جدًا ومثله عكلط وعكالط وعثلط وعثالط. ودودم شيء يشبه الدم يخرج من السمرة. وقال الجاربردي ص ٣٤ علم بالاستقراء =
[ ٢٠٤ ]
الياء للزوم الكسرة في مواضع كثيرة قالوا سواعيد في جمع ساعدٍ وانما المعروف سواعد قال التغلبي:
وسواعيد يختلين اختلاء … كالمغالي يطرن كل مطير
يختلين يقطعن مثل ما يختلى الزرع والمغالي السهام انتي يغلى بها أي يرمي بها فهذه ضرورة وأنشد الفرآء قول زهير:
عليهن فرسان كرام لبساهم … سوابيغ زغف لا تخرقها نبل (^١)
فهذه زيادة بغير ضرورة لأنه لو حذف الياء لم يضر بالبيت وكذلك قولهم حواجيب في جمع حاجب وتوابيل في جمع تابل (^٢) هو من هذا الباب وقياس قول الفراء انك إذا قلت فواعل كان دخول الياء فيها
_________________
(١) = أنه لا يوجد كلمة فيها اربع حركات متوالية. والدليل على انهم يستثقلون توالي اربع متحركات انهم يسكنون آخر الماضي الثلاثي اذا اتصل بضمير الرفع المتصل فيقولون ضربت باسكان الباء حتى لا تتوالى حركات اربع فيما هو كالكلمة الواحدة لأن التاء كجزء الكلمة.
(٢) رواية البيت في ديوان زهير هكذا: عليها أوسد ضاريات لبوسهم … سوابغ بيض لا تخرقها النبل والسوابغ جمع سابغة يقال درع سابغة وهي التي تجرها في الأرض أو على كعبيك طولًا وسعة والزغف المحكمة أو اللينة أو الصغير الحلق والجمع زغف على لفظ الواحد والنبل السهام مؤنثة لا واحد لها من لفظها وإنما يقال سهم ونشابة وحكى نبال وانبال.
(٣) قال الرضي في شرح الشافية ٢ - ١٥١ قياس فاعل بفتح العين وكسرها في الاسم فواعل قياسًا لا ينكسر وقد جاء فواعيل باشباع الياء كطوابيق ودوانيق وخواتيم وليس بمطرد وتوابل القدر أفحاؤها جمع فحا أي أبرازها كالفلفل والكمون ونحوهما وقيل البصل وتوبل القدر وتبلها وتبَّلها والمفرد توبل ويقال تابل وبعضهم يهمزها ولم أجد حواجيب وتوابيل في اللسان والصحاح والتاج.
[ ٢٠٥ ]
أصلح من دخولها في غيرها لأنه قد جاء فاعول في معنى فاعل كقولك رجل حاطوم وقاشور (^١) ويجب على قياس قوله أن يكون دخول اليآء في مثل مذاود (^٢) أقوى منها في فواعل لأن مفاعل ومفاعيل تشتركان كثيرًا ولان مفعلًا مقصور من مفعال (^٣) وقولك في منخر (^٤) منخير أقوى من قولك في مسجد مسجيد لان مفعيلًا قد كثر نحو المعطير والمحضير (^٥) ومفعيل قليل على أن الفراء قد حكي مسكين بفتح الميم (^٦) في كتاب التثنية والجمع وحكى أبو مسحل (^٧) منديل في منديل وهذه
_________________
(١) الحاطوم السنة الشديدة لأنها تحطم كل شيء .. والحاطوم الهاضوم وهو كل دواء هضم طعامًا ولم أجد حاطومًا صفة لرجل والقاشور المشؤوم والذي يجيء في الحلبة آخر الخيل.
(٢) جمع مذود كمنبر وهو اللسان لأنه يذاد به عن العرض أي يدفع ومذود الثور قرنه وفي الأصل مذود وهو تحريف.
(٣) قالوا ان مفعلًا مقصور من مفعال وإن كان مفعلًا أكثر استعمالًا ويؤيد ذلك ان كل ما جاز فيه مفعل جاز فيه مفعال نحو مقرض ومقراض ومفتح ومفتاح وليس كل ما جاز فيه مفعال جاز فيه مفعل. ولذلك صحت العين في مخيط ومجول ولم تقلب كما قلبت في مقام ومقال قالوا لأنها مقصورة عما تلزم صحته وهو مخياط ومجوال لوقوع الالف بعدها. شرح المفصل ٦ - ١١١.
(٤) المنخر بفتح الميم وكسر الخاء وقد تكسر الميم اتباعًا لكسرة الخاء كما قالوا منتن وهما نادران لأن مفعلًا ليس من الأبنية قال في التهذيب ويقولون منخرا وكان القياس منخرا ولكن ارادوا منخيرا وكذلك قالوا منتن والاصل منتين.
(٥) المعطير الكثير التعطر والمحضير الكثير الحضر وهو ارتفاع الفرس في العدو وهما من أوزان المبالغة.
(٦) في اللسان المسكين والمسكين الاخيرة ادرة لأنه ليس في الكلام مفعيل. وهو الذي لا شيء له وفي التاج فتح الميم لغة لبني أسد حكاها الكسائي وهي نادرة.
(٧) هكذا في الأصل وفي بغية الوعاة عبد الوهاب بن أحمد أبو مسحل الاعرابي حضر من البادية إلى
[ ٢٠٦ ]
نوادر لا يطرد عليها القياس وقولنا مفاعيل في مفاعل عند الضرورة أقوى من قولهم أفاعيل في أفاعل إذا كانت أفعل جمع أفعل مثل أحمر وأحامر لأنه لا يجيء مثل افعال (^١) في الواحد إلا وهو يراد به الجمع فمن باب أفئيدة قول عبد مناف بن ربع الهذلي:
وللقسي أزاميل وغمغمة … حس الشمال تسوق الماء والبردا (^٢)
فأزاميل جمع ازمل وهو الصوت وانما القياس أزامل وقولهم في الضرورة أزانيد أسوغ من قولهم أزاميل لأنهم قالوا زند (^٣) وازند وجآء أزناد فاذا قيل أزانيد كان على ازناد واذا قيل ازاند وهو الوجه كان على ازند قال أبو ذويب:
_________________
(١) = بغداد وأخذ النحو والقرآن عن الكسائي وروى عن علي المبارك أربعين ألف بيت شاهد على النحو وصنف النوادر والغريب وفي غاية النهاية في طبقات الفراء لابن الجوزي والفهرست عبد الوهاب بن جريش المعروف بأبي مسحل.
(٢) هكذا في الأصل ولعلع محرف عن افاعل إذ لا مناسبة لافعال مع الكلام السابق قال سيبويه ج ٢ ص ٣١٦ وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعيل ولا أفعال إلا أن تكسر عليه إسمًا للجمع ولا أفعال ولا أفعايل إلا للجمع نحو أجادل وأقاطيع.
(٣) روي في اللسان الشطر الأول في مادة غم وحس كما رواه هنا وفي مادة زمل وللقسي أهازيج وأزملة. وروي الشطر الثاني في الموضعين حس الجنوب والقسي جمع قوس والأزمل الصوت وأزملة القسي رنينها والغمغمة الكلام الذي لا يبين وأصوات الثيران عند الذعر وأصوات الأبطال في الوغي عند القتال وجعله عبد مناف للقسي. والاهازيج جمع أهزاج جمع هزج صوت مطرب أو فيه بحح والحس الرنة.
(٤) الزند العود الأعلى الذي يقتدح به النار جمعه أزند وأزناد وزنود وجمع الجمع أزاند.
[ ٢٠٧ ]
اقبا الكشوح أهضمان كلاهما … كعالية الخطي واري الازاند (^١)
ومن هذا البيت الذي أنشده سيبويه (^٢)
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة … نفي الدراهم تنفاد الصياريف (^٣)
_________________
(١) القبب دقة الخصر وضمور البطن فهو أقب والكشوح جمع كشح وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف وهو من لدن السرة إلى المثنى وقال ابن سيده الكشحان جانبا البطن من ظاهر وباطن وهما من الخيل كذلك والهضم خمص البطون ولطف الكشح رجل اهضم الكشحين منضمهما والهضم انضمام الجانبين وهو في الفرس عيب يقال لا يسبق اهضم من غاية بعيدة أبدًا والخطى الرمح وعاليته راسه وروى الزند اتقد وويقال أنه لوارى الزند إذا رام أمرًا أنجح فيه وادرك ما طلب يريد أن كلامهما كرأس الرمح في مضيه ناجح في مطلبه ورواه في اللسان اقبا الكشوح ابيضان.
(٢) هذا البيت للفرزدق وهو ابو فراس همام ابن غالب بن صعصعة التميمي من اهل البصرة وهو شاعر فحل عظيم الأثر وكان يقال لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة وله مع جرير مناقضات وكان زير نساء وقد توفي سنة ١١٠.
(٣) قال سيبويه ج ١ ص ١٠ وربما مدوا مثل مساجد ومنابر فيقولون مساجيد ومنابير شبهوه بما جمع على غير واحده في الكلام كما قال الفرزدق. تنفى بداها. وروايته نفي الدنانير تنقاد. ورواه الأعلم نفي الدراهم ورواه في اللسان في حرف كما رواه ابو العلاء وفي نقد نفي الدنانير وقال رواية سيبويه نفي الدراهم. والشاهد في البيت زيادة الياء في الصيارف تشبيهًا لها بما جمع على غير واحد كذكر ومذاكير وسمح ومساميح. تنفى تنحى والهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر والتنقاد النقد وهو تمييز الدراهم واخراج الزيف منها والصيارف جمع صيرف وهو النقاد والصراف. والدرهم بكسر الدال. مع فتح الهاء وكسرها فارسي معرب وجمعه دراهم وحكى بعضهم درهام قال الجوهري وربما قالوا درهام قال الشاعر: لولا ان عندي مائتي درهام يصف الشاعر ناقته =
[ ٢٠٨ ]
فهذا البيت ذكره في ضرورة الشعر والاشبه أن يكون المراد به زيادة الباء في الصياريف لان الواحد صيرف والباب صيارف كما انك اذا جمعت جيدرًا وهو القصير قلت جيادر ومن روى الدراهم فانه يحتمل وجهين احدهما ان يكون من باب سواعيد وهو اقوى منه لان فعلالا كثير ويجوز أن يكون على قول من قال درهام فان كان درهام نطقوا به في غير الضرورة فليس في قول الفرزدق الدراهيم شيء يحمل على الاضطرار لان الباب على ذلك كما تقول عرزال وعرازيل (^١) وقنطار وقناطير وان كانوا لم يقولوا درهام الا في الضرورة كما قال الراجز:
لو ان عندي مائتي درهام … لابتعت دارًا في بني حرام
وعشت عيش الملك الهمام … وسرت في الأرض بلا خاتام (^٢)
_________________
(١) = بسرعة السير في وقت الهاجرة التي يتعذر فيها السير وان بديها لشدة وقعهما في الحصى تثيرانه وتنفيانه عن مكانه فيقرع بعضه بعضًا ويسمع له صوت كصوت الدراهم والدنانير اذا نفي الصيرف رديئها من جيدها وقال ابن بري شبه خروج الحصى من تحت مناسمها بارتفاع الدراهم عن الاصابع اذا نقدت وقد سبق امرؤ القيس إلى هذا المعنى حيث يقول: كأن صليل المروحين تشده … صليل زيوف ينتقدون بعبقرا وبيت الفرزدق هذا يستشهد به النحاة على اضافة المصدر إلى المفعول ثم رفعه الفاعل فكلمة نفي مفعول مطلق أي نفيا كنفي وتنقاد فاعل نفي.
(٢) العرزال عرية الاسد وبيت يتخذه الملك إذا قاتل وسقيفة الناطور.
(٣) روى الجوهري البيتين الأولين لو أن عندي مائتي درهام لجاز في افاقها خاتامي وتبعه صاحب اللسان والصواب ما رواه أبو العلاء وهو ما رواه صاحب التكملة والخاتام ذكره الجوهري واللسان واستشهد عليه الفراء بشعر لبعض بني عقيل وقال سيبويه الذين قالوا خواتيم إنما جعلوه تكسير فاعال وإن لم =
[ ٢٠٩ ]
فإن دراهيم يجوز أن يشبه بما ذكره النحويون من الضرورة التي يلتزمها الشاعر خشية النقص على الوزن وان لم يكن استعمال غيرها نخلًا بالنظم كما أنشدوا للهذلي (^١):
أليت على معاري فاخرات … بهن ملوب كدم العباط
فزعموا أنه فتح الياء للضرورة ولو قال على معار فاخرات لم يخل بالبيت وانما كان ينقصه حركة لا يشعر بها في الغريزة ولا تعدم قصيدة من قصائد العرب والمحدثين اذا كانت على وزن بين الهذلي الذي قافيته العباط ان تجيء فيها مواضع كثيرة قد حذفت منها الحركات والابيات قويمة في الغريزة ومما زادوا فيه الياء كما زبدت في افئيدة قولهم شيمال في شمال وبعضهم ينشد بين امرئ القيس:
_________________
(١) = يكن في كلامهم وهذا يدل على أنه لم يعرف خاتاما.
(٢) هذا البيت للمتنخل ألهذلي وهو مالك بن عويمر. من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر .. أبو أثيلة قال الاصمعي أجود طائية قالتها العرب قصيدة المتنخل راجع الأغاني ج ٢٠ ص ١٤٥ والشعراء والشعراء ص ٢٥٤ وهذا البيت أورده سيبويه ج ٢ ٥٨ شاهدًا على اجراء المعتل مجرى السالم في حالة الجر للضرورة والمعاري جمع المعرِّى يقال امرأة حسنة المعرى أي المجرد أي حسنة عند تجردها من ثيابها والمعاري جمع معرى ومعارى المرأة يداها ورجلاها ووجهها والمراد بالمعارى هنا الفراش على قول ابن سيده والاعلم وكان حقه أن يقول على معار كجوار ولكن اجراها مجرى الصحيح لانه آثر اتمام الوزن ولو قال لا دخل العصب على مفاعلتن فاخرات: جيدات وفي سيبويه واضحات وقد رواه اللسان في عدة مواضع واضحات وكذلك الجوهري والواضحات البيض ملوب ملطخ بالملاب وهو الزعفران والعبير أو غيرهما والعباط جمع عبيطة وهي التي نحرت من غير داء ولا كسر.
[ ٢١٠ ]
كأني بفتخاء الجناحين لقوة … دفوف من العقبان طأطأت شيمالي (^١)
يريد شمالي واما قول الراجز:
لا عهد لي بالنيضال … كأنني شيخ بال (^٢)
_________________
(١) الفتخ اللين ويقال عقاب فتخاء لينة الجناح لأنها اذا انحطت كسرت جناحيها وغمزتها ولقوة بفتح اللام وكسرها خفيفة سريعة الاختطاف دفوف تدنو من الأرض في طيرانها اذا انقضت وطأطأ فرسه نخره بفخذيه وحرّكه للحضر والمراد حركت واحثثت ويقال نافة شمال وشملال أي خفيفة سريعة مشمرة وروى بيت امرئ القيس بالوجهين وروى على عجل منها اطأطئ شملالي يريد كأني حين طأطأت لهذه الفرس طأطأت بعقاب خفيفة في طيرانها يشبهها بالعقاب في سرعتها والشمال قال الحياني لم يعرف الكسائي ولا الاصمعي شملالا وعندي أن شمالا انما هو في الشعر خاصة اشبع الكسرة للضرورة ولا يكون شمال فيعالا لان فيعالا انما هو من ابنية المصارد والشمال ليس بمصدر انما هو اسم.
(٢) رواه في اللسان. بينضال اصبحت كالشن البال يقال ناضلة مناضلة ونضالا ونيضالا باراه في الرمي. وقد جاء لباب فاعل ثلاثة مصادر الاول مفاعلة وهو الذي لا ينكسر ابدا قال سيبويه ج ٢ ص ٢٤٣ جعلوا الميم عوضا من الالف التي بعد أول حرف منه. والهاء عوض من الالف التي قبل آخر حرف منه وذلك قولك جالسته مجالسة .. وجاء كالمفعول لان المصدر مفعول ويريد أن في فعال حذفت الالف التي كانت بعد الفاء وفي مفاعلة حذفت الالف التي قبل الآخر فعوض منها فهو كالمقتل مصدر قتل جاء على غير قياس فعله .. والثاني فيعال نحو قاتلته قيتالا وهذا قد استوفى جميع حروف فاعل ويكسرون أوله على حد اكرام واخراج فتقلب الالف ياء ويزيدون الالف قبل الآخر والثالث فعال وهو بحذف الياء من فيعال تخفيفا قال الرضى في شرح الكافية ج ١ ص ١٦٦ وفيعال وفعال في فاعل وإن كان قياسًا لكنه صار مسموعًا لا يقاس على ما جاء منه وفعال مقصور فيعال والياء في مكان الف فاعل وقال سيبويه وجاء فعال على فاعلت كثيرًا كأنهم حذفوا =
[ ٢١١ ]
فإنه أراد النضال فزاد الياء وهذا مردود إلى الاصل فهو اقوى من أفئيدة لأنك إذا قلت قاتلت وضاربت فأصل المصدر أن يجيء على فيعال مثل ضيراب وقيتال ليكون على عدة مصادر ذوات الأربعة بالزيادة وغير الزيادة نحو الاكرم والحراج والكذاب وأما زيادتهم الألف فكقولهم العقراب في العقرب وهذا رديء لأنه يخرج الى بناءٍ مرفوض وإنما يجيئ فعلال في المضاعف قالوا بالناقة خزعال أي ضلع (^١) وحكم الضرورة ليس كحكم غيرها في الأبنية ألا تراهم يقولون فعل لم يجيء منه إلا شيء قليل مثل إبل وإطل للخاصرة وبلزوهي المرأة الضخمة في أشياء نوادر ولا يعتدون بقولهم في الضرورة دبس وبكر يريدون الدبس والبكر في أشباه لهما كثيرة قال أبو زبيد (^٢):
_________________
(١) = الياء التي جاء بها أولئك في قيتال ونحوها واما المفاعلة فهي التي تلزم ولا تنكسر كلزوم الاستفعال استفعلت وقال ثعلب اشبع الكسرة فاتبعها الياء كما قال الآخر ادنو فانظور اتبع الضمة الواو اختيارًا وهو على قول ثعلب اضطرار.
(٢) كذا في الأصل ولعل اصله أي بها ظلع وهو عرج وغمز في مشيتها.
(٣) قال في الاغاني ١١ - ٢٦ كان أخوال أبي زبيد بني تغلب فمروا بغلامه فدفع اليهم ابل أبي زبيد وقال انطلقوا أدلكم على عورة القوم واقاتل معكم ففعلوا والتقوا فهزمت بهراء وقتل الغلام فقال ابو زبيد قصيدة منها قوله: فبهرة من لقوا حسبتهم … احلى وأشهى من بارد الدبس لا ترة عندهم فتطلبها … ولا هم نهزة المختلس والنهزة الفرصة وحسبنهم لعل صوابها حسبتهم كما في الاغاني والبهرة لعلها من البهر بمعنى البعد أو الخيبة.
[ ٢١٢ ]
فنهزة من لقوا حسبنهم … أشهى إليه من بارد الدبس
وقال أوس بن حجر (^١):
لنا صرخة ثم إصماتة … كما طرقت بنفاس بكر (^٢)
وقال الراجز في العقرب (^٣):
أعوذ بالله من آل العقراب … المصغيات الشايلات الأذناب
وقد ادهى قوم أن قولهم استكان (^٤) إنما هو من استكن أي افتعل
_________________
(١) أوس بن حجر بن مالك بن تميم شاعر تميم في الجاهلية وله شعر جيد وتوفي قبيل الهجرة.
(٢) رواه في الصحاح. لنا صرخة ثم اسكاته وكذلك التبريزي في تهذيب اصلاح المنطق ص ٢٢٤ وفي اللسان لها صرخة ثم استكاتة الصرخة الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة ومن أمثالهم كانت كصرخة الحبلى. يقال للامر يفجؤك واصمت الرجل أطال السكوت والاصماتة المرة منه. وسكت الرجل وأسكت خلاف نطق. ويقال تكلم ثم سكت بغير ألف فاذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل اسكت اسكاتا وطرقت المرأة. وكل حامل: إذا نشب ولدها في بطنها ولم يسهل خروجه وقال الليث اذا خرج نصفه ثم نشب يريد لنا صرخة ثم يعقبها سكوت كما تصيح المرأة عند كل طلقة ثم تسكت اذا خف ما بها.
(٣) روى في التاج: أعوذ بالله من العقراب … الشائلات عقد الاذناب قال وعند أهل الصرف الف عقراب للاشباع لفقدان فعلال بالفتح وشالت العقرب بذنبها رفعته.
(٤) اختلف العلماء في استكان فقيل إنها من باب افتعل من السكون فزيدت الالف لاشباع الفتحة كما زيدت في ينباع في قول عنترة ينباع من دفري غضوب جسرة .. وفي بمنتزاح في قول ابن هرمة وقيل إنها من باب استفعل واختلفوا في أصلها على قولين فقيل إنها من الكون لانه يقال استكان اذا ذل وخضع اى صار له كون خلاف كونه كما يقال استحال اذا تغير من =
[ ٢١٣ ]
من السكون ثم زيدت عليه الألف وهذا نقض للقياس لا يجوز أن يهذب إليه ذاهب عرف أصول العربية لأنهم لم تجر عادتهم بمثل ذلك ولو فعلوه في موضع لم يجعلوه أصلًا يقاس عليه وقد قالوا يستكين ومستكين قال ابن أحمر (^١):
ولا تصلي بمطروق إذا ما … سرى في القوم أصبح مستكينًا
وإنما استكان استفعل ومستكين مستفعل وهو مأخوذ من قولهم كان كذا وكذا أي المسكين (^٢) كأنه شيء قد كان أي ذهب ومضى ويجوز أن يكون مأخوذًا من الكين وهو لحمة الفرج يراد أنه قد ذل وضعف كأنه قد صار من ذلك فاذا كان من الكون فألفه منقلبة من الواو
_________________
(١) = [حال] إلى حال الا أن استحال عام في كل حال واستكان خاص بالتغيير عن كون مخصوص وهو خلاف الذل وقيل انها من الكين وهو لحم الفرج لأنه في أسفل موضع وأذله أي صار مثله في الحقارة والذل قال ابو علي الفارسي في قوله تعالى فما ضعفوا وما استكانوا لا أقول انه افتعلوا من السكون وزيدت الألف كما في منتزاج لكنه عندس استفعلوا مثل استقاموا والعين حرف علة ولذا ثبت في اسم الفاعل نحو مستكين وفي نحو يستكين على انه يجوز ان يكون من الزيادات اللازمة كما قالوا مكان وهو مفعل من الكون ثم قالوا أمكنة واماكن وتمكن واستمكن على توهم اصالة الميم للزومه وثباته في جميع تصرفاته وجعل ابن الحاجب استكان من الفعل المحمول على الفعل الثلاثي لانه استفعل من كان لا افتعل من السكون لبعد ان تكون المدة زائدة كما في منتزاح ولقولهم في مصدره استكانة لان افتعل لا يجيء منه افتعالة. وكلامه يدل على ان الأكثر على انه افتعل من السكون.
(٢) ابن احمر عمر بن احمر بن فراص بن معن بن اعصر يخاطب امرأته وقد رواه في الصحاح كما هنا ورواه في اللسان ولا تحلي بمطروق ورجل مطروق ضعيف لين.
(٣) كذا في الأصل والصواب المستكين.
[ ٢١٤ ]
وإذا كان من الكين فهو من ذوات الياء واستكان على القول الذي حكي (^١) وزنه افتعال ويستكين وزنه يفتعيل ومستكين وزنه مفتعيل وهذه أبنية مستنكرة وإنما يستعمل مثلها في الضرورة فأما في عمود اللفظ فلا يجوز أن تقع وقد روي أن الحسن قرأ واعتدت لهن متكآءً (^٢) بالمد فهذا مفتعال وهو يضاهي في الألف باب افئيدة في الياء ومن مفتعال المستعمل في الضرورة قول الشاعر أنشده الفارسي
وعن شتم الرجال بمنتزاح (^٣)
يريد يمنتزح وما أعتقد أن شاعرًا قويًا في الفصاحة يريد مثل هذه الزيادات وإنما هي شواذ ونوادر وقد يجوز ان ينطبق بها غير فصيح لأن
_________________
(١) أي على أن وزنه افتعل.
(٢) اتكأ على الشيء تحمل واعتمدوا لموضع متكأ وقالا لمفسرون متكأ طعامًا وانما قيل له متكأ لأن القوم اذا قعدوا على الطعام اتكؤوا وقد نهيت هذه الأمة عن ذلك والتاء فيه بدل من الواو وأصله من الوكاء وقد اختلفت القراء في متكأ فقرأ ابو جعفر متكا بتنوين الكاف وحذف الهمزة بوزن متقى خفف بترك الهمزة وعن المطوعي متكأ بسكون التاء وبالهمز وعن الحسن بالتشديد والمد قبل الهمز اشبع الفتحة فتولد منها الف. والباقون بتشديد التاء والهمز مع القصر
(٣) هذا شطر بيت لابن هرمة يرثي ابنه وأوله فأنت من الغوائل حين ترمي ورواه في اللسان ومن ذم الرجال وكذلك رواه الصحاح ورواه البغدادي في شرح شواهد الجاربردي حيث ترمى ومن ذم وقي انه يمدح به بعض القرشيين وكان قاضيًا لجعفر بن سليمان بن علي ومعنى انت بمنتزح من الامر. انت ببعد منه وقد أراد الشاعر بمنتزح فأشبع فتحة الزاي فتولدت الألف وابن هرمة ابراهيم بن علي بن هرمة الكناني القرشي شاعر غزل وهو من مخضرمي الدولتين وهو آخر من يستشهد بكلامه وتوفي سنة ١٥٠.
[ ٢١٥ ]
البيت إذا قاله القائل حمله الراشد والغوي وربما أنشده من العرب غير الفصيح فغيره بطبعه الرديء ومن زيادة الألف على رأي أبي علي قول الراجز:
إذا العجوز غضبت فطلق … ولا ترضاها ولا تملق (^١).
فهو يرى أن هذه الألف زيدت بعد الجزم وليست الألف التي في قولك هو يترضاها والمذهب القديم ان الألف هي الأصلية لأن ردهم الأشياء إلى أصولها عند الضرورات أشبه من اجتذاب ما يستحدث من الزيادات وعلى هذا يجري القول في بيت عبد يغوث ابن وقاص (^٢):
_________________
(١) هذان البيتان لربة بن العجاج من الرؤي المقيد وبعدهما. واعمد لأخرى ذات دل مؤنق * لينة المس كمس الخرنق * اذا مضت فيه السياط المشق تملقه وتملق له تودد وتلطلف مؤنق معجب والخرنق ولد الأرنب ومشقه ضربه والشاهد في قوله لا ترضاها فانه اثبت الالف مع الجازم. وقد روى ولا ترضها وقال قوم ان لا نافية وليست بناهية جازمة والواو للحال والتقدير فطلقها حال كونك غير مسترض لها وقد قال في شرح المفصل ج ١٠ ص ١٠٦ وقد شبه بعضهم الألف بالياء في موضع الجزم كما شبهوا الياء بالألف حين اسكنت في موضع النصب وأنشد البيتين.
(٢) عبد يغوث بن صلاءة بن وقاص من بني الحارث بن كعب بن قحطان شاعر جاهلي يماني فارس وكان سيد قومه وقائدهم توفي قبل الهجرة بنحو ٤٠ سنة غزا بني تميم فأسرته وقد أسره غلام أهوج من بني عمر بن عبد شمس فانطلق به إلى أهله فقاله له أم الغلام من أنت قال أنا سيد القوم فضحكت وقالت قبحك الله من سيد حين أسرك هذا الغلام الأهوج فقال قصيدته المشهورة: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا … فما لكما في اللوم نفع ولا ليا والقصة في الأغاني ج ١٥ ص ٧١ وقد أشار في هذا البيت إلى ضحك أم الغلام الشيخة من جاوزت الخمسين عبشمية منسوبة إلى عبد شمس وهذا البيت روي على وجهين الأول ثري بياء المؤنثة المخاطبة وأصلها ثرين فحذفت النون للجازم وليس فيه شاهد =
[ ٢١٦ ]
وتضحك مني شيخة عبشمية … كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيًا
فمن روي تري على المواجهة فلا ضرورة في البيت ومن روى ترى على الغائب المؤنث فهو مردود إلى الأصل على القول المتقدم والألف فيه هي الياء التي كانت في رأيت وهي من نفس الحرف وهي على رأي الفارسي مجتلبة لأجل فتحة الراء والقول الأول أقيس لأنهم قد ردوا الأشياء إلى أحكامها في أصول الأبنية كما قالوا رادد (^١) في رادٍ وقاضي في قاضٍ فاذا فعلوا ذلك جاز أن تلحق الألف بالهمزة كما قال الشاعر:
وكنت أرجي بعد نعمان جابرًا … فلوًأ بالعينين والأنف جابر (^٢)
وإنما هو لوى بغير همزٍ فكأنه قال لوى فلم يستقم ذلك فعدل إلى الهمزة لمجانستها الألف.
وأما زيادتهم الواو لأجل الضمة فكقولهم القرنفول قال الراجز:
خود أناة كالمهاة عطبول … كأنما نكهتها القرنفول (^٣)
_________________
(١) = على هذا الوجه وإنما فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب الثاني ترى بالألف على الأخبار على المؤنثة الغائبة فقيل أصله ترأى فلما دخل الجازم حذفت الألف فصار لم ترأ فخففت الهمزة وجعلت ألفًا ونقلت حركتها إلى الساكن قبلها وهي الراء فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الكلمة واللام محذوفة للجزم وقيل غير ذلك وإيضاح هذا البحث في شرح المفصل ج ١٠ ص ١٠٧.
(٢) في الأصل أرادد.
(٣) في اللسان لوّأ الله بك بالهمز أي شوه وانشد البيت وقال أي شوه وقد ذكرها في لوأ وفي التهذيب في لوى وكذلك في التاج ويقال هذه والله الشوهة واللوأة واللوة بغير همز.
(٤) الخود الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا اناة حليمة بطيئة القيام والهمزة فيه بدل من الواو. عطبول جميلة فتية ممتلئة طويلة =
[ ٢١٧ ]
ويقال إن طيئًا تقول أنظور في معنى (^١) انتظر وقد أنشد الفراء:
لو أن عمرًاهم أن يرقودا
يريد يرقد ويجب أن يكون من هذه اللغة قول الوليد بن يزيد (^٢):
إني سمعت بليل … نحو الرصافة رنه
خرجت اسحب ذيلي … أنظور ماشأ نهنه
وقد ينشد أنظر بغير واو وذلك كسر في البيت (^٣).
وأما قول من يحتج لأفئيدة أنها من الوفود غلا فائدة فيه لأنها لا تخرج بذلك الى وجه محتمل وانما جعلها رديئة كونها في وزن مستنكر فمن أي شيء اخذت على ذلك فهي مستكرهة وليس معنى القراءة اذا كانت بالياء إلا كمعناها بغير ياء واذا جعلوا أفئيدة من الوفود لزمهم في ذلك أشياء أولها لأنهم همزوا واو وفود لضمتها همزًا لازمًا ثم جمعوها على أفعلة لأن فعولًا وفعالًا قد يجمعان على افعلة أما فعول فيشبه بفعول مثل عمود واما فعال فيشبه بحمار وبابه وقد قالوا استرة في جمع
_________________
(١) = العنق والنكهة ريح الفم والقرنفل والقرنفول نبات هندي طيب الرائحة وقيل انما اشبع الفاء للضرورة ورواه في اللسان كأن في انيابها القرنفول.
(٢) وقد ورد: واننى حوثما يثني الهوى بصري … من حوثما سلكوا أدنو فأنظور واستشهد به النحاة على ان الواو في انظور حدثت من اشبع ضمة الظاء وحوث لغة في حيث وقيل اصل حيث الواو قلبت ياء طلبًا للخفة.
(٣) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان كان ظريفًا شجاعًا منهمكًا في اللهو ولي الخلافة سنة وثلاثة أشهر ثم قتل سنة ١٢٦.
(٤) لأن البيت من المحتث ووزنه مستفع لن فاعلاتن والواو في انظور تقابل الفاء من تفع وهي لا يجوز حذفها لأنها ثاني =
[ ٢١٨ ]
ستر كأنه جمع ستور أو ستار (^١) وقالوا افرخة في جمع فرخ كانه جمع فروخ أو فراخ فهو جمع الجمع قال الشاعر:
أفواه أفرخة من النغران (^٢)
فكانهم قالوا أفود أو وفاد على مثل كعب وكعاب ثم همزوا الواو في وفاد للكسرة ثم جمعوا ثانية فكان القياس أن يقولوا آفدة كما قالوا إناء وآنية وإهاب وآهبة (^٣) ثم كرهوا ان يجيئوا بأفعلة التي للجمع في لفظ فاعلة فأخروا الهمزة كما قالوا رآء ورأى فقالوا أفئدة ثم زادوا الياء بعد ذلك لمكان الكسرة كما زادوها فيما تقدم ذكره وإذا
_________________
(١) = وتد مفروق. وفي ديوانه المطبوع في دمشق سنة ١٣٥٥ أقول ما شانهنه ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
(٢) لم أجد في الصحاح واللسان والتاج والمصباح استرة جمع ستر وإنما ذكروا له ثلاثة جموع استار وستور وستر بضمتين وابو العلاء ثقة فيما ينقل ولو قيل ان استرة جمع ستار بمعنى الستر لكان من باب حمار واحمرة ومثال وأمثلة وفرش وافرشة واما افرخة فقد ذكروا انه نادر.
(٣) أوله أفواقها حذة الجفير كأنها .. أفواق جمع فوق وهو من السهم موضع الوتر وقيل مشق رأس السهم حيث يقع الوتر وحذة بمعنى حذاء وازاء والجفير جعبة من جلود لا خشب فيها او من خشب لا جلد فيها والجفير الكنانة والنغران جمع نغر طائر يشبه العصفور او فرخ العصفور وهو البلبل عند أهل المدينة.
(٤) الاناء الوعاء والجمع آنية وجمعها أواني والألف في آنية مبدلة من الهمزة وليست بمخففة عنها لانقلابها في التكسير واوا ولولا ذلك لحكم عليه دون البدل لأن القلب قياسي والبدل موقوف والاهاب الجلد من البقر والغنم والوحش ما لم يدبغ والجمع الكثير أهب بضمتين والقليل آهبة قال الشاعر. سود الوجوه يأكلون الآهبة.
[ ٢١٩ ]
جعلوا أفئيدة في معنى افئدة جمع فؤاد فقد استغنوا عن هذا الاحتيال في الهمزة وتغييره وتكون العلة واحدة في زيادة الياء للكسرة وقد روى عطاء بن أبي رباح (^١) عن عبد الله بن عباس (^٢) في قوله تعالى أفئدة من الناس تهوي اليهم ما يدل على أنه جمع فؤاد لأنه فسر تهوي (^٣) تحن وهذا هو قياس التفسير ويجوز أن يكون قوله افئدة يراد به اصحاب الافئدة ثم حذف كما يحذف المضاف ومثله في القرآن كثير كقوله واسأل القرية (^٤)
_________________
(١) وأبو رباح أسلم بن صفون ولد عطاء في آخر خلافة عثمان ونشأ بمكة وسمع العبادلة الأربعة وغيرهم وهو من كبار التابعين ومن مفتي أهل مكة وكان ارضى الناس عند الناس واتفق على توثيقه وجلالته وامامته تّوفي بمكة نحو سنة ١١٥.
(٢) والعباس عم النبي [ص] ولد عبد الله قبل الهجرة بثلاث سنين وكان يقال له حبر الأمة والبحر لكثرة علمه وترجمان القرآن وكانت تشد اليه الرحال قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ما رأيت أحدًا أعلم من ابن عباس بما سبقه من حديث رسول الله وبقضاء ابي بكر وعمر وعثمان ولا افقه منه ولا اعلم بتفسير القرآن وبالعربية والشعر والحساب والفرائض وكان يجلس يومًا للفقه ويومًا للتأويل ويومًا للمغازي ويمًا للشعر ويومًا لأيام العرب وما رأيت عالمًا قد جلس اليه الا خضع له ولا سائلًا سأله الا وجد عنده علمًا وتوفي سنة ٦٨ بالطائف.
(٣) قرئ تهوي بالبناء للفاعل من هوي يهوي اذا احب ضمن معنى تنزع فعدي تعديته والمعنى تسرع اليهم وتطير نحوهم شوقًا ونزاعًا. وقرئ تهوى اليهم بالبناء للمفعول من اهواه غيره اليه.
(٤) في قوله تعالى واسألا لقرية وامثاله يجوز أن يكون من المجاز المرسل من ذكر المحل وارادة الحال فيه على حد جرى الميزاب. فليدع ناديه ويجوز أن يكون من المجاز بالحذف والمحذوف جزء جملة مضاف وهذا هو المشهور وقال التاج السبكي يحتمل ان تكون القرية باقية على حقيقتها والسؤال =
[ ٢٢٠ ]
ونحوه وكقول الشاعر (^١):
حسبت بغام راحلتي عناقًا … وما هو ويب غيرك بالعناق
اراد بغام عناق ولو كانت افئيدة كملة موحدة لجاز ان يكون اشتقاقها من الأفد وهو السرعة اذ كانوا قد قالوا هو افد أي عجل وقد افد البين أي حان قال ابن أبي ربيعة (^٢):
_________________
(١) = على وجه الاعجاز وقال بعض العلماء الاولى ابقاء القرية على ظاهرها وعدم اضمار مضاف إليها ويكون الكلام مبنيًا على دعوى ظهور الأمر بحيث أن الجماد قد علم به. وهذا معنى لطيف ولكنه لا يخلو عن ارتكاب مجاز والجمهور على خلافه واكثرهم على انه من مجاز الحذف. ونقل داود الظاهري ان اسم القرية مشترك بين المكان وأهله ولا حاجة على هذا القول إلى تكلف شيء والراجح عن العلماء ان التجوز والاضمار أولى من الاشتراك فحمل الآية على احدهما أولى من حملها عليه. فالأولى حملها على مذهب الجمهور وهو ما ذكره ابو العلاء.
(٢) هو ذو الخرق الطهوي واسمه قي دينار بن هلال وقيل قرط اخو بني سعيد بن عوف بن مالك من حنظلة بن طهية من تميم شاعر فارس جاهلي قديم وهذا البيت من أبيات قالها في وصف ذئب وهي في اللسان في عقا وقبل هذا البيت: ألم تعجب لذئب بات يسري … ليؤذن صاحبًا له باللحاق وبغام الناقة صوت لا تفصح به والراحلة كل بعير نجيب ذكرًا كان أو أنثى والراحلة الصالحة لأن ترحل فاعلة بمعنى مفعولة او سميت راحلة لأنها ذات رحل والعناق الأنثى من المعز وويب كلمة مثل ويل نصب نصب المصادر وقالوا ويبك وويب غيرك والشاهد في قوله عناقًا فانه أراد حسبت بغام راحلتي بغام عناق فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. ورواه في اللسان في عدة مواضع "وما هي ويب".
(٣) أكثر عمر بن ابي ربيعة من الشعر في عائشة بنت طلحة حتى هم بنو تيم بأن =
[ ٢٢١ ]
يا أم طلحة ان البين قد أفدا
فكان يكون معناه جماعة عجلة وهو على انه جمع لا يمتنع من مثل هذه الدعوى وكونه من افد أقيس من كونه من الوفود لأنه اذا كان من افد نقص رتبة في التغيير لأن الهمزة فيه غير منقلبة (^١).