قال سيبويه فيه أيضًا. قال الشاعر
حالت وحيل بها وغيَّر آيَها صَرْفُ البِلى تجري به الرِيحانِ
[ ٢ / ٢٨١ ]
(ريحُ الجَنوبِ مع الشَّمالِ وتارةً رِهَمُ الربيعٍ وصائب التهتانِ)
الشاهد فيه أنه أضاف (ريحُ الجَنوب) وجعل (الجَنوب) اسمًا لهذه الريح التي تجيء من يمين الكعبة.
و(الريحان) رفع بـ (تجري) و(ريحُ الجَنوب) بدل من (الريحان). فإن قال قائل: البدل ينبغي أن يكون مثل المبدل منه في العدد، ولا يكون ناقصًا عنه، وأنت إذا جعلت (ريح الجَنوب) بدلًا من (الريحان) ولم تأت ببدل آخر، نقصت
العِدّة. ومثله قولك: مررت برجلين زيدٍ، وهذا لا يحسن حتى تقول: زيدٍ وعمرو، فإن نقصت العدة رفعت على خبر ابتداء محذوف فتقول: مررت برجلين زيدُ. أي أحدهما زيد.
قيل له: إن قوله: (ريحُ الجَنوبِ مع الشَّمال) في تقدير: ريحُ الجَنوب وريحُ الشمال ولم يمكنه أن يقول: وريح الشمال فقال: مع الشمال.
ولو قال قائل: إن (ريح الجَنوب) مرفوعة على خبر ابتداء محذوف - كأنه قال: إحداهما ريح الجنوب - لكان وجهًا، وهوضعيف في المعنى، والأول أحب إليّ. وفي (حالت) ضمير يعود إلى الدار، يريد أن الدار حالت عما كانت عليه - من العمارة، وحلولِ أهلها بها، وآثارهم الحسنة فيها - فدرست معالُمها وانمحت آثارها.
وحيل بها: أي غيّرت، يعني أن مرَّ الزمان يُحيلها ويغيرها.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
والآي: جمع آية وهي العلامة من العلامات التي يعرف بها المكان، وصرف البلى: تصرفه وعمله في إبطال الشيء وإهلاكه، و(تجري) في موضع الحال من (الصرف)، والعامل في موضع الحال (غيَّر) والرِهَم: جمع رِهْمَة وهي المطْرة.
والتهتان: المطر الشديد وقعِ القطر، والصائب: النازل من السحاب، يقال منه صاب يصوب. وقوله: (وتارةً رِهَمُ الربيع) يقول: مرة تمحو آثارَ الديار الرياحُ، وتارة الأمطارُ، فقد درست لتعاقب أسباب الدروس عليها.