الضمير لا يوصف
قال سيبويه في باب إجراء الصفة على الاسم في بعض المواضع أحسن. وتقول: مررت برجل معه صقر صائد به، أن جعلته وصفا يعني أن جعلت صائدا وصفا لـ (رجل). ثم قال: وإن لم تحمله على الرجل. يريد أن لم تجعله وصفا لـ (رجل) وحملته على الاسم المضمر المعروف، نصبته.
أراد بالمضمر ضمير الرجل الذي دخلت عليه (مع) وهو الهاء من (معه) وجعله عليه: أن يجعل حالا منه، لأن المضمر لا يوصف. وجعل هذه المسألة ونظائرها يقع على وجهين:
إن شئت أجريت الصفة على الاسم النكرة المتقدم فجعلتها وصفا له، وإن شئت حملتها على الضمير الذي يعود إلى الاسم النكرة فجعلتها حالا منه.
ثم ذكر سيبويه مسائل هي نظيرة قوله: مررت برجل معه صقر صائد به صائدا به، حتى انتهى إلى أن قال: وأما قولهم، فهذا لا يكون فيه وصف ولا يكون إلا خبرا فهو باطل. يعني أن قوما من النحويين يزعمون
[ ١ / ٣٨٦ ]
أن الوجه أن تقول: مررت برجل معه صقر صائدا به، فتنصب (صائدا) على الحال ولا تجعل (صائدا) وصفا لـ (رجل).
وقالوا: الوصف يمتنع، لأنا لو قلبنا فقدمنا (صائدا) قبل قولنا (معه صقر) لم يصلح أن نقول: مررت برجل صائد به معه صقر، نقدم الإضمار قبل الذكر. يريدون: إضمار صقر قبل جري ذكره.
ويحتج لمذهبهم فيقال: (معه صقر) وصف لـ (رجل) و(صائد به) وصف آخر. والموصوف إذا كانت له صفتان، فليست إحداهما بالتقديم أولى من الأخرى، فنحن أن أجزنا الجر في (صائد) على الوصف لـ (رجل) فالصفتان إذا اجتمعتا، جاز أن تتقدم كل واحدة منهما صاحبتها.
فجائز على هذا أن تقدم (صائد) على (معه صقر) وإذا قدمنا فسد الكلام الإضمار قبل الذكر.
فأراهم سيبويه إنه قد ثبت في الكلام نظائر لما أنكروا، من ذلك أنهم يقولون: مررت برجل حسن الوجه جميله ولا يقال: مررت برجل جميله حسن الوجه.
ومضى في الاحتجاج عليهم إلى أن قال: فأما القلب فباطل. يريد اعتبارهم في الوصف الثاني أن يكون مما يجوز فيه القلب والتقديم على الأول. ثم قال: وسمعناهم يقولون: هذه شاة ذات حمل مثقلة به: فرفعوا (مثقلة) وجعلوه وصفا لـ (شاة)، والضمير المجرور المتصل بالباء يعود إلى
[ ١ / ٣٨٧ ]
(الحمل) ولا يجوز أن يقال فيه: هذه شاة مثقلة به ذات حمل. وقد سمع منهم الرفع.
ثن انشد بيت حسان:
(ظننتُمْ بأنْ يَخْفَى الذي قد صنعتُمُ وفينا نبي عنده الوحيُ واضِعُهْ)
الشاهد فيه أن (واضعه) وصف لـ (نبي) وهو مضاف إلى ضمير (الوحي)، وقوله (عنده الوحي) وصف لـ (نبي) و(واضعه) وصف آخر ولو قدمه فقال: وفينا نبي واضعه عنده الوحي، لم يجز، ولم يجز. وقد أتى وصفا مرفوعا غير معتبر فيه القلب، فدل هذا على صحة ما ذهب إليه وفساد ما ذهب إليه أصحاب
القلب.
وزعم أبو العباس أن الضمير المضاف إليه (واضع) يعود إلى (الذي) وليس يعود إلى (الوحي)، و(أبو العباس لا يرى أن اعتبار القلب صحيح، وإنما رد الاستشهاد بالبيت لأن عنده؛ أن الضمير لا يجوز أن يعود إلى الوحي) لأن النبي ﵇ لا يجوز أن يضع الوحي وإنما يضع ما صنع القوم، أي يخبر به وبينه.
والمعنى الذي أنكره على سيبويه قد فعل هو مثله، لأنه إذا جاز أن يقال: وضعت فيكم ما صنع القوم - أي أخبرتكم به - جاز أن يقال: وضمت فيكم الوحي على معنى أخبرتكم، وليس يراد الوضع الذي هو ابتداء عمل الكلام؛ وإنما يريد وضع العلم بذلك الشيء في قلوبهم والإخبار عن صحته.
وسبب ذلك أن طعمة بن ابيرق سرق درعين في عهد رسول الله صلى
[ ١ / ٣٨٨ ]
الله عليه وسلم فأقبل رجال من الأنصار فعذروه عند النبي ﷺ وحلفوا له، فسمع، فأنزل الله ﷿: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) وكان ابن ابيرق طرح الدرعين في بيت يهودي ليبرأ منهما ويؤخذ بهما اليهودي. فلما أنزل الله سبحانه هذه الآية، فر من النبي ﷺ أن يقيم عليه الحد، ولحق بمكة.
يقول: ظننتم بأن يخفى سرقكم، وفينا نبي ينزل عليه الوحي، بصحة ما يذكره الصادق، وبطلان ما يقوله الكاذب.