قال سيبويه في باب الترخيم: قال زيادة بن زيد العذري:
(عوجي علينا وارْبَعي يا فاطما)
ما دونَ أن يُرَى المَطِيُّ قائما
الشعر منسوب في الكتاب إلى هدبة بن الخشرم، وهو في شعر زيادة
[ ١ / ٣١١ ]
بن زيد العذري. وفاطمة: هي فاطمة بنت الخشرم أخت هدبة، شبب بها زيادة بن زيد.
عوجي علينا يريد عوجي بعيرك: أي أعطفيه إلى جهتنا، واربعي: توقفي علينا. وقوله: ما دون أن يرى البعير قائما، يقول: توقفي علينا، وارفقي في السير حتى نستمتع بالنظر إليك، ولا تقفي كل الوقوف فيشعر الناس بما صنعت لأن الناس سائرون، فإن وقفت بعيرك ولم تسيري علموا أنك إنما وقفت من اجلي.
و(ما) في موضع نصب، وهي في المصدر كأنه قال: واربعي الربع الذي هو دون القيام، فهو منصوب بـ (اربعي) ويجوز أن ينتصب بـ (عوجي) كأنه قال: عوجي العوج الذي يكون دون القيام. والوجه الأول أحسن. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل، كأنه قال: قفي ما دون أن يرى البعير قائما. و(قائما) في موضع الحال، ورأيت: من رؤبة العين.
وقال سيبويه في الترخيم: وأما الاسم العام فنحو قول العجاج.
(جاريَ لا تستنكري عَذيري)
سَعْيِي وإشفاقي على بعيري
العذير: الحال. يقول: لا تنكري حالي التي أنا عليها. وذلك أن جارية
[ ١ / ٣١٢ ]
مرت به وهو يصلح حلسا له - والحلس: كساء يطرح على ظهر البعير - فقال: لا تنكري أن اصلح الحلس، وظن حين مرت به الجارية أنها قد أنكرت أن يكون مثله يصلح الحلس فقال: لا تنكري هذه الحال، فإن على الإنسان أن يتفقد أموره.
و(سعيي) بدل من (عذيري) وهو بدل الشيء من الشيء وهو بعضه.
قال سيبويه في الترخيم. قال زهير:
(حُذوا حظَّكم يا آلَ عِكْرِمَ واذْكروا أواصِرنا والرحْمُ بالغيبِ تُذكَرُ)
وإنا وإياكم إلى ما نَيومُكمْ لَمِثلانُ، بل أنتم إلى الصلح أفقرُ
الشاهد في البيت إنه رخم (عكرمة) وهو غير منادى.
وآل عكرمة سليم وهوازن، وسليم: هو سليم بن منصور بن عكرمة، وهوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وغطفان: هو غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. وبلغ زهيرا أن هوازن وبني سليم يريدون غزو غطفان، فذكرهم ما بين غطفان وبينهم من الرحم، وأنهم يجتمعون في النسب إلى قيس، يقول:
خذوا حظكم من ودنا، واذكروا الرحم التي بيننا وبينكم،
[ ١ / ٣١٣ ]
والأواصر: القرابات، الواحدة آصرة، والرحم يجب مراعاتها في الغيب وفي غير الغيب. ثم قال: وإنا وإياكم إلى ما نسومكم من الصلح وترك الحرب لمثلان، ليس واحد منا أولى بطلب صلح صاحبه من الاخر، لأنكم لستم بأكثر عددا ولا عدة، ونحن أشد منكم، فأنتم إلى صلحنا أفقر منا إلى صلحكم.
قال سيبويه في الترخيم: قال الأسود بن يعفر:
ألا هل لهذا الدهر من مُتَعَلّلِ عن الناس مهما شاء بالناس يفعلِ
وما أنفكَّ منصبًّا عليّ مُسلَّطًا ببؤسي ويغشاني بنابٍ وكَلْكَلِ
والفى سِلاحي كامِلا فاستعارهُ شَليلي وأبْداني وسيفي ومغْوَلي
(وهذا رِدائي عنده يتعيرهُ ليَسْلبني عِزّي أمالِ بنِ حنظل)
يقول: هل لهذا الدهر شيء يشتغل به ويعمل في إفنائه وفساده سوى الناس! ثم قال: مهما شاء بالناس يفعل، يريد أن الدهر لا تنقص مكارهه وإفساده لأحوال الناس. والبؤسى: البؤس، ويغشاني بناب: أي يأكلني كما تأكل السباع، والكلكل: الصدر. يقول: قد ألقى صدره علي كما يلقي السبع صدره على فريسته. وقوله: وألفى سلاحي كاملا، يقول: وجده
[ ١ / ٣١٤ ]
كاملا فاستعاره، يريد إنه أخذ منه قوته وشجاعته وحسنه وصبره وجلده وجميع الأحوال الجميلة التي كانت فيه، شيئا بعد شيء، وجعل هذه الأشياء بمنزلة السلاح لأنه يدفع بها عن نفسه كما يدفع بالسلاح.
والشليل: الدرع القصيرة، والبدن: الدرع السابغة، والمغول: حديدة تكون في السوط. وهذه الأشياء التي ذكرها منصوبة، فهي بدل من السلاح، كما تقول: رأيت اخوتك زيدا وعمرا وعبد الله. وقوله: وهذا ردائي عنده يستعيره، يريد عند الدهر، والضمير يعود إلى الدهر، والرداء فيما أرى: يعني به نفسه كما كني عن الإنسان في بعض الكلام بالثياب.
وقد قيل في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) أي نفسك، ويجوز أن يعني بالرداء أفعاله الجميلة التي كان يفعلها، فإن أثرها عليه أحسن من الارتداء. ومثله قوله:
. . . . . . إذا هو بالمجدِ ارتدى وتأزَّرا
ويجوز أن يعني بالرداء: السيف، كأنه قال: أخذ مني سيفي، يريد به شبابه وقوته، وإذا سلبني شبابي وقوتي عمل في أن بسلبي نفسي. وقوله: آمال بن حنظل يريد يا مالك بن حنظلة، ونادى قومه ليعجلوا، وأراد مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
مناة بن تميم وهو من بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة.
والشاهد فيه إنه رخم حنظلة في غير النداء.