قال سيبويه في باب النداء: قال الطرماح:
(يا دارُ أقوتْ بعد أصْرامها عاما وما يَعْنيكَ مِن عامها)
فإنما ترك التنوين فيه لأنه لم يجعل (أقوت) صفة للدار، يريد أن (دارا) نكرة في الأصل، فإن نادى من الدور بغير عينها نصب ونون، وإن قصد إلى دار بعينها ضمها ضمة بناء، وإذا صارت معرفة بالقصد إليها دون غيرها لم تنعت بنكرة، والأفعال والجمل لا تكون نعوتا للمعارف، إنما تكون نعوتا للنكرات.
وبعد قوله (يا دار) قوله (أقوت) فلو أراد أن تكون (أقوت) وصفا للدار لكانت (الدار) نكرة، وكان يقول: يا دارا أقوت، ولكنه أراد أن يناديها بعينها فقال: يا دار ثم تحدث عنها بعد أن
[ ١ / ٣١٧ ]
ناداها. وقوله اقوت، معناه خلت من أهلها وصارت قفرا ليس بها شيء، والقواء: القفر من الأرض، والاصرام: جمع صرم والصر: بيوت مجتمعة في مكان واحد.
و(عاما) منصوب بـ (أقوت) يريد أنها خلت منهم عاما واحدا، يعني إنه عهدهم في ذلك المكان منذ سنة، ثم قال: وما يعنيك من عامها، أي ما يهمك وما يشغل قلبك من أجل خلوها سنة.
والشاهد فيه إنه جعل (دارا) معرفة.
قال سيبويه: وتقول: يا أيها الرجل وزيد، ويا أيها الرجل وعبد الله لأن هذا
محمول على (يا). يريد إنه معطوف على الاسم المنادى، وليس بمعطوف على الاسم الذي هو صفة للمنادى. يقول: أن قولك (زيد، وعبد الله) عطف على (أن) وليس على (الرجل). وجعله كما قال رؤبة:
(يا دارَ عفراءَ ودارَ البَخْدَنِ)
بكِ المها من مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ
الشاهد فيه إنه عطف (دار البخدن) على (دار عفراء) ولا يصلح أن تكون (دار البخدن) مجرورة معطوفة على (عفراء) لأنه يكون التقدير فيه (يا دار دار البخدن) وهو لم يرد أن يجعل لدار البخدن لدار البخدن دارا، إنما أراد أن بنادي دار عفراء، وينادي دار البخدن. وشاهد سيبويه فيه.
وعفراء: امرأة، والبخدن يروى على وجهين: البخدن على وزن جعفر،
[ ١ / ٣١٨ ]
والبخدن على وزن زبرج. وزعموا أن البخدن: امرأة الرخصة الرطبة، والمها: بقر الوحش، الواحدة مهاة، والمطفل: التي معها طفل، والمشدن التي قد شدن ولدها أي قوي ومشى معها.
وعندي إنه عنى بالبخدن عفراء، أضاف الدار إلى اسمها تارة، وإلى صفتها أخرى، والدار دار واحدة. وهذا كما تقول: يا غلام زيد وغلام العاقل، والعاقل هو زيد.
ويدل على أن الدار دار واحدة قوله: بك المها، فجعل الخطاب لواحدة، وكذا فعل بعد ذين البيتين.