قال سيبويه: واعلم أن من العرب من يقول؛ ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في: قالت فلانة. . . وهي قليلة. قال الفرزدق:
ستعلمُ يا عمرو بنَ عَفْرا من الذي يُلام إذا ما الأمر غَبَّتْ عواقِبُهْ
نَهيتُ عَفْرا أن يُعفر أمَّه بحَجْر السَّلا إذْ عَفَّرَتْهُ ثعالِبُهْ
فلو كنتَ ضَبيًا صفحْتُ ولو سرَتْ على قدمي حيّاتُهُ وعقارِبُهْ
(ولكنْ دِيافي أبوه وأمه بحَورانَ يعصِرْنَ السَّليطَ أقاربه)
الشاهد فيه إنه قال (يعصرن) فأتى بالحرف الذي يكون ضميرا، علامة للجمع على حد قولهم: أكلوني البراغيث، والفاعل هو (أقاربه) فأتى بعلامة الجمع.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقوله: غبت عواقبه، أي إذا أتتك مكافأتي بالهجاء بعد وقت. والسلا: الجلدة التي تخرج على الولد من بطن أمه، وعفرته: جرته في التراب حتى يلتزق به، والعفر: التراب، ودياف: قرية بالشام فيها قوم أشباه النبط، وحوران مدينة من مدن الشام؛ والسليط: الزيت.
وسبب هذا الشعر أن عمرو بن عفرا قال لعبد الله بن مسلم الباهلي وقد أعطى الفرزدق خلعة؛ وحمله على دابة، وأمر له بألف درهم، فقال له عمرو بن عفرا الضبي: ما يصنع الفرزدق بهذا الذي أعطيته. إنما يكفي الفرزدق ثلاثون درهما: يزني بعشرة، ويأكل بعشرة، ويشرب بعشرة. فهجاه الفرزدق.
قال سيبويه: قال الفرزدق:
وما زالَ باني العز منا وبَيْتِه وفي الناس باني بيت عِزّ وهادِمُهْ
(قديما ورثناه على عهدِ تُبَّعٍ طويلًا سواريهِ شَديدًا دعائِمُهْ)
الشاهد فيه على تذكير (طويل) والفاعل له السواري، وكذا قوله (شديد دعائمه) ذكر ولم يقل شديدة.
فخر الفرزدق بقومه. يقول: ليس كل الناس يبني عزا مثل ما نبني
[ ١ / ٣٣٨ ]
نحن، وأراد أن العز حاصل لهم وفيهم؛ منذ الوقت الذي كان تتبع فيه ملكا. والسواري: الأساطين؛ الواحدة سارية، والدعائم: واحدتها دعامة وهو ما يدعم به الشيء أي
يسند. يريد أن بيت العز فيهم ثابت عظيم الشأن؛ مثل البيت الذي فيه سوار عوال ودعائم تسنده.
وهذا الشعر في قصيدة يهجو بها بني نهشل ورئيسهم يزيد بن مسعود.