قال سيبويه قال الفرزدق:
(إني وإياك إذْ بَلَّغْنَ أرحلَنا كم بِواديه بعد المحل ممطورِ)
وفي يمينك سيف الله قد نصرتْ على العدو، ورزقٌ غيرُ محظورِ
الشاهد فيه على إنه جعل (من) اسما نكرة موصوفا بـ (ممطور) وليست له صلة و(إياك) ضمير المخاطب وهو يزيد بن عبد الملك، وكان الفرزدق قد مدحه بهذه القصيدة. والنون في (بلغن) ضمير الرواحل.
المعنى: إني إذا سارت الرواحل، وحملت أرحلنا حتى بلغنا إليك، كرجل كان واديه محلا فمطر بعد ذلك، وظهر نباته، وحسنت حاله. يريد أن ما نالوا من خيره بعد الحال التي كانوا فيها؛ كحال من كان محله جدبا غير ممطور، ثم مطر فأخصب.
[ ١ / ٣٣٩ ]
و(بعد المحل) منصوب بـ (ممطور) والباء التي في قولك (بواديه) متصلة بـ (ممطور) أيضا. أراد كإنسان ممطور بواديه بهد المحل. وقوله (وإياك) اسم معطوف على الضمير المنصوب بـ (إن)، وهو ضمير: يزيد عبد الملك الممدوح، وليس في بقية البيت ما يعود إلى إياك). والكاف في قولك (كم) وما اتصل بها خبر لضمير المتكلم. وقد جاء مثل هذا. قال الشاعر:
فمَنْ يَكُ سائلًا عني فإني وجِروةَ لا تَرودُ ولا تُعارُ
لم يخبر عن نفسه وأخبر عن حروة.
ويقدر في مثل هذا ما يعود إلى الاسم الآخر، كأنه قال: كإنسان مطر بخيرك وجودك. فإن قال قائل: ففي الكلام ضمير محذوف يعود إلى (إياك) وهو قوله: إذ
بلغن أرحلنا، معناه: إذ بلغنك أرحلنا؛ قيل له: (إذ) وما اتصل بها لا يصلح أن يكون خبرا لـ (إياك). فإن قال: لست أخبر عن (إياك) بإذ وما اتصل بها؛ ولكني أجعل (إذ) ظرفا منصوبا بـ (كمن) فتكون الكاف وصلتها خبرا عنهما، ويكون العائد إلى (إياك) الضمير المحذوف المنصوب بـ (بلغن) - كان في هذا القول نظر.