قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن قول الراعي:
فأومأْتُ إيماءً خَفيًا لِحَبْتَرٍ وللهِ عينا حبْتَرٍ أيما فَتى)
فقلت له: ألصِقْ بأيَبسِ ساقِها فإنْ تَجْبرِ العُرقوبُ لا يَرْقا النَّسا
فقال: (أيما) تكون صفة للنكرة، وحالا للمعرفة، وتكون استفهاما مبنيا عليها ومبنية على غيرها.
الشاهد في البيت إنه جعل (أيما) مبتدأ وخبرها محذوف، وتقديرها: أيما فتى هو. وكان الراعي قد نزل به رجل من بني أبي بكر بن كلاب، وكانت إبل
[ ١ / ٢٩٦ ]
الراعي عازبة عنه فأومأ إلى حبتر أن ينحر ناقة الكلابي حتى تقريه منها، ويوسع على من يلتمس منه لحما، ففعل حبتر ما أمره به، فلما أصبح الراعي ووافت إبله، أعطى الكلابي ناقتين كل واحدة منهما خير من ناقته.
وقوله: (ولله عينا حبتر) تعجب من فهم حبتر ما أراده وأومأ إليه، وإنما مدح عينيه لأنه رأى بهما إشارة الراعي وفهمها عنه، والأيبس: عظم الساق.
وقوله: فإن تجبر العرقوب، يقول: لو جبر العرقوب ولم تقطعه الضربة لم يرقأ
النسا، ولم يكن قطع الدم منه. ويريد ألصق حد السيف بعظم الساق، أي اضربه. وقوله: فإن تجبر العرقوب - وهو لم يأمر بقطع العرقوب، إنما أمره بقطع الساق - معناه أن الأمر بقطع العرقوب، والعرقوب أسفل وظيف البعير، وهو منزلة الأمر بقطع الساق، وكل واحد منهما مثل الآخر في هذا المعنى.