قال سيبويه قال الشاعر:
(هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا أو عبد ربٍ أخا عونِ بنِ مِخراقِ)
الشاهد فيه على نصب (عبد رب) وعطفه على موضع (دينار). والأصل: هل أنت باعث دينارا. ويجوز أن تنصب بإضمار فعل، كأنه قال: هل ا، ت باعث دينارا أو تبعث عبد رب. وكلام سيبويه يدل على هذا.
الاسم: عبد ربه، ولكنه ترك الإضافة وهو يريدها، واخاعون: وصف لعبد رب.
قال سيبويه قال الشاعر:
(يَهدي الخميسَ نِجادًا في مطالعها إمّا المِصاعَ وإمّا ضربةٌ رُغُبُ)
[ ١ / ٢٦١ ]
الشاهد فيه على إنه رفع (ضربة رغب) ولم يعطفها على المصاع. و(المصاع) منصوب بإضمار فعل كأنه قال: إما يماصع المصاع، وإما فعله أو أمره ضربة رغب.
الخميس: الجيش، والنجاد: جمع نجد وهو الطريق، والنجد أيضا: المكان المرتفع، والمصاع: القتال، والضربة الرغب: الواسعة.
قال الشاعر:
لإن قتلتهُ فلم آلُهُ وإنْ يَنْجُ منها فجرحٌ رَغيبْ
المعنى إنه يمدح رجلا بالنجدة والشجاعة والهداية، وأنه يقود الجيوش فتتبعه وتأتم به، والمطالع: المواضع المرتفعة المشرفة، يعني إنه يتقدمهم، ويشرف على المواضع التي يظنون أن فيها قوما من أعداهم ينفض لهم الطريق.
وقوله إما المصاع يقول: إذا غزا فبلغ الحي الذي يريده فهو: إما يقاتلهم، وإما يضرب فيهم بالسيف ضربات واسعة.
قال سيبويه قال الشاعر:
بادتْ وغيرّ آيَهُنَّ مع البِلَى إلا رواكدَ جمهرُهُنّ هَباءُ
(ومشجَّجٌ أما سَوءُ قَذالِهِ فبدا، وغيَّرَ سارَه المَعْزاءُ)
الشاهد فيه على رفع (مشجج) وترك عطفه على (رواكد) كأنه قال: وثم مشجج.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وكلام سيبويه فيه واضح.
وفي (بادت) ضمير من ديار تقدم ذكرها. وآيهن: علاماتهن والآثار اللاتي فيهن، الواحدة آية. قال الراجز ووصف منزلا:
لم يُبْقِ هذا الدهرُ من آيائِهِ
غيرَ أثافيه وأرْمِدائِهِ
وفي (غير) ضمير من مطر أو إعصار أو غيرهما مما يعفو الديار ويمحو الآثار.
يقول: ما أصاب الديار عفى آثارها والبلى مع ذلك عفاها، والرواكد: الأثافي، الواحدة راكدة، وإنما وصفها بالركود لأنها مقيمة ثابتة لا تبرح، وهي منصوبة على الاستثناء من (آيهن).
يريد أن جميع ما في الدار تغير إلا الأثافي، و(جمرهن هباء) جملة في موضع الوصف لـ (رواكد).
وقوله: جمهرهن هباء، يعني أن الذي كان جمهرا وقت الإيقاد وإشعال النار هو الآن هباء.
والهباء: الذي صار كالتراب المدقق الذي تسفيه الرياح. والضمير الذي في (جمهرهن) يعود إلى الرواكد، والمشجج: الوتد، وإنما سمي مشججا لأنه يضرب رأسه إذا أرادوا إثباته في الأرض، فإذا نقلوا البيت من موضع إلى موضع؛ قلعوا الأوتاد ثم أثبتوها في الموضع الذي يريدونه، وضربوا رؤوس الأوتاد حتى تثبيت.
فالوتد في كل موضع يضرب رأسه، إذا كثر ضربهم إياه تكسر وتفرق خشبه، وسواد الرأس: أعلاه ووسطه، وأراد بالقذال: الرأس: يعني أن رأس الوتد ظاهر لم يعله التراب، وأن بقيته قد سفت
[ ١ / ٢٦٣ ]
عليها الريح التراب والحصى، والمعزاء: يريد به الحصى الصغار، ويقال للمكان الذي فيه حصى صغار: أمعز، وللأرض التي فيها حصى: معزاء، والسار: السائر حذفت منه الهمزة، وهو مثل هار وهائر وشاك وشائك.