قال سيبويه: ومثل ذلك قول الأعور الشنسي:
هونْ عليك فإنَّ الأمورَ بكَف الإلهِ مقاديرها
(فليس بآتيك مَنْهِيّها ولا قاصرٌ عنك مأموُرها)
(منهيها) مضاف إلى ضمير (الأمور) و(مأمورها) مضاف إلى ضمير (الأمور) و(منهيها) رفع لأنه اسم (ليس) و(بآتيك) خبر ليس. وفي قوله: ولا قاصر عنك
مأمورها وجوه ثلاثة:
أحدها أن ترفع (مأمورها) بالابتداء و(قاصر) مرفوع لأنه خير الابتداء، والجملة معطوفة على الجملة المتقدمة. كما تقول: ليس زيد قائما ولا عمرو منطلق، فتعطف قولك: ولا عمرو منطلق وهو جملة؛ على الجملة المبنية على (ليس)، وليس يتعلق إعراب إحدى الجملتين بإعراب الأخرى.
والوجه الثاني أن تنصب (قاصرا) وتعطف (مأمورها) على اسم ليس و(قتصرا) على موضع الباء في قولك (بآتيك). فالعطف في هذا هو عطف اسمين على
[ ١ / ١٦٢ ]
اسمين، والعامل في الاسمين الأولين وفي الاسمين المعطوفين عامل واحد وهو (ليس)، كما تقول: ليس زيد قائما ولا عمرو منطلقا. وتقديم الخبر على الاسم في (ليس) سائغ حسن.
فإن أنشد هذا بالجر أعني قوله (ولا قاصر عنك مأمورها) فبعض الناس يجيزه وبعضهم يأباه، والذين يجيزونه طائفتان:
إحداهما تزعم أن العطف على عاملين جائز، وتقول: هذا مثل قول القائل: زيد في القصر والدار عمرو. فتعطف عمرو على زيد، والدار على القصر.
وطائفة تجيزه ولا تجعله من باب العطف على عاملين، وتجعله من نحو قولنا: ليس أمة الله بذاهبة ولا قائم أخوها. تعطف (قائم) على (ذاهبة) وتكون قد أخبرت على أمة الله بأنها ذاهبة، وبأنها قائم أخوها. فتكون قد عطف خبرا على خبر، و(أبوها) رفع بقائم. وإلى هذا الوجه ذهب سيبويه.
فقيل: لم أجاز هذا الوجه مع أن اسم ليس في هذا البيت هو (منهيها) والخبر (بآتيك). وإن جررتم فقلتم (ولا قاصر عنك مأمورها) وجعلتم (قاصر) مجرورا على (آتيك) لم يجز؛ لأن التقدير يكون: فليس منهي الأمور بآتيك ولا قاصر عنك مأمور الأمور، ولا يجوز أن تقول: ليس منهي الأمور بقاصر عنك مأمورها، لأن
(المأمور) مضاف إلى ضمير الأمور وليس بمضاف إلى ضمير المنهي، ولا يجوز أن يخبر عن الشيء بما ليس من فعله ولا فعل سببه؛ فكيف يجوز أن يجعل (قاصرا) خبرا عن (المنهي) وليس قاصر هو المنهي ولا هو فعل السبب المنهي، إنما هو فعل المأمور الذي هو مضاف إلى ضمير الأمور.
[ ١ / ١٦٣ ]
وذكر سيبويه - قبل إنشاده - مسألة فقال: وتقول: ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة أمها. فرفع (مقيمة)، ولا يجوز أن تنصب (مقيمة) وتعطفه على خبر (ما) وتجعله خبرا عن (الأب) لأن (الأم) مضافة إلى ضمير زينب، وليس (أمها) من سبب (الأب).
ثم أتى بالبيت، وهو في ضمير الظاهر، ونظير المسألة، لأن (مأمورها) ليس بمضاف إلى ضمير المنهي، إنما هو مضاف إلى ضمير الاسم الذي أضيف إليه (المنهي) فهو بمنزلة إضافة (الأم) إلى ضمير (زينب) ولم يضف إلى ضمير (الأب)، فكذلك هذا.
ولو قلت: فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها، لساغ من طريق اللفظ، ولكن المعنى يبطله والشعر يرده.
والمعنى أن منهي الأمور هي التي قد أراد الله ﷿ أن لا تكون فهي لا تكون ولا يمكن أحدا أن ينالها، وجعلها منهية لأنها في تقدير ما قد نهي عن فعله، ومنع من إيقاعه، ومأمورها: ما قال الله تعالى له: كن فكان. فيقول: هون عليك الأمور، ولا تحزن لشيء يفوتك من أمر الدنيا، فما أراد الله تعالى أن يرزقك إياه فهو آتيك، لا يدفعه عنك دافع. وما منعك من أن تناله، لا يمكن أحدا أن ينيلك إياه، فما لحزنك وجه. وقاصر عنك: مقصر عن أن يبلغك ويأتيك.
والوجه الثاني من وجهي الجر، وهو وجه أجازه سيبويه في هذا البيت على ضرب من التأويل، وجعل اللفظ بمنهيها كاللفظ بالمأمور، وكأنه حين
[ ١ / ١٦٤ ]
قال: فليس
بآتيك منهيها قد قال: تأتيك الأمور، ولو قال: ليس بآتيك الأمور لجاز أن يقول: ولا قاصر عنك مأمورها، ويكون (المأمور) مضافا إلى ضمير الأمور.
وعند سيبويه وغيره أن المضاف إلى الشيء؛ إذا كان بعضا له جاز أن يجعل الخبر عن بعضه على لفظ الخبر عن جميعه. فمن ذلك قولهم: قد ذهبت بعض أصابعه، جعلوا اللفظ على الخبر عن الأصابع.
ومثل هذا فعل في البيت، كأنه لما كان المنهي بعض الأمور، جعل الخبر عن الأمور، وإن كان يريد المنهي. ولو قال: ليست بآتيتك الأمور وهو يريد المنهي لجاز.
قال سيبويه قال الجعدي:
وتُنْكر يومَ الرَّوْعِ ألوانَ خيلِنا من الطَّعْنِ حتى تحسَبَ الجَوْنَ أشْقرا
(فليس بمعروفٍ لنَا أن نردَّها صِحاحًا ولا مستنكَرًا أن تُعَقَّرا)
هذا نظير بيت الأعور الشني. والشاهد فيه إنه جعل (مستنكرا) في البيت مثل (قاصر) في بيت الأعور.
يجوز فيه الرفع على ما ذكره في بيت الأعور، ويكون الكلام جملتين. والنصب يجوز أيضا، ويكون الكلام جملة واحدة، ويكون (مستنكرا) معطوفا على موضع الباء، و(أن تعقرا) معطوف
[ ١ / ١٦٥ ]
على (أن نردها).
والجر فيه من وجهين: أحدهما العطف على عاملين، والوجه الآخر: أن الضمير المنصوب بـ (نرد) يعود إلى الخيل وليس يعود إلى ارد، كما كان الضمير المضاف إليه (الأمور) يعود إلى (الأمور) ولا يعود إلى المنهي، وجعل من طريق التأويل الخبر عن رد الخيل، وإذا جعلنا تقدير الكلام كأنه قال: فليس بمعروفة لنا الخيل؛ حسن معه (ولا مستنكر عقرها) ويكون الضمير يعود إلى الخيل، فجعل رد الخيل كأنه الخيل. وما قدمت في بيت الأعور يوضح هذا التأويل.
وكان أبو العباس المبرد يرد الجر في البيتين، الأعور وبيت الجعدي.