قال سيبويه في المنصوبات بعد إنشاده:
(الأفْعُوانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما)
فإنما نصبت (الافعوان والشجاع) لأنه أراد أن القدم هنا مسالمة، كما أنها مسالمة، فحمل الكلام على إنها مسالمة. يريد إنه نصب (الأفعوان) وما بعده بإضمار فعل محمول على معنى الكلام، وذلك أن (فاعل) إذا كان من اثنين؛ يكون كل واحد منهما فاعلا، وكل واحد منهما مفعولا.
[ ١ / ١٨١ ]
نحو قولنا: ضارب زيد عمرا، فزيد فعل ضربا بعمرو، وعمرو فعل ضربا بزيد. فإن نصبت عمرا ورفعت زيدا، ونصبت زيدا ورفعت عمرا جاز، والمعنى واحد.
والمسالمة: مصدر سالم، والفعل من اثنين. فلو قلت: قد سالم الحيات منه القدم - في شعر مرفوع - جاز. والمعنى كمعنى: قد سالم الحيات منه القدما، فلما كان المعنى على هذا؛ استجازوا أن يضمر للقدم فعل يكون فاعله ضميرا يرجع إليها، كأنه قال بعد قوله: قد سالم الحيات منه القدما: سالمت القدم الافعوان والشجاع الشجعما.
قال سيبويه: ومثل هذا البيت إنشاد بعض العرب لأوس بن حجر قال:
كأنّ بجَنْبَيْهِ خِباَءين من حصى إذا غَدَرٌ مَرّا به مُتَصايِفُ
(تُواهِقُ رِجلاها يداها، رأْسُهُ لها قَتَبٌ خلفَ الحقيبةِ رادِفُ)
إنشاد الكتاب: رجلاها يداها، على أن اليدين مضافتان إلى ضمير مؤنث وهو ضمير الأتان، وفي شعره: اليدان مضافتان الى ضمير مذكر وهو ضمير الحمار.
[ ١ / ١٨٢ ]
والشاهد فيه إنه رفع (يداها) ولم يجعلهما مفعولين لـ (تواهق) وفي شعره (اليدان) منصوبتان بـ (تواهق). وإنشاده:
تُواهِقُ رجلاها يديه
والمعنى يوجب أن يكون اليدان مضافتين إلى ضمير مذكر وهو ضمير العير،
وذلك أن المواهقة هي المسايرة وهي المواغدة، يقدم الأتان بين يديه ثم يسير خلفها، يعني أن يديه تعملان كعمل رجلي الاتان، ورأسه، أي رأس الحمار فوق عجز الأتان كالقتب الذي يكون على ظهر البعير. والحقيبة: كناية عن الكفل فيما زعموا والحقيبة: ما يحمله الإنسان خلفه إذا كان راكبا على عجز المركوب. والرادف: الذي يكون في الموضع الذي فيه الردف.
وقوله: كأن بجنبيه خباءين من حصى، يريد إنه يثير الحصى والتراب بحولفره، فيرتفع من جانبيه ويعلو، حتى كأن الحصى المرتفع من وقع حوافره خباءان نصبا من جانبي الحمار. والغدر: المكان الذي فيه جحرة يرابيع، وقرى نمل، أو وجر ضباع. ويقال لكل ثابت في عدو أو خصومة أو غير ذلك: إنه لثبت الغدر، ومرابه: يعني العير والأتن.