قال سيبويه في المنصوبات: ومما جعل بدلا من اللفظ بالفعل قولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربا. وإنما انتصب هذا على: الزم الحذر، وعليك النجاء. ولكنهم حذفوا هذا لأنه صار بمنزلة (افعل)
[ ١ / ١٩٤ ]
عندهم، ودخول (الزم) و(عليك) على (افعل) محال.
يقول سيبويه: أن هذه المصادر وغيرها مما يكرر؛ يقول اللفظ الأول من اللفظتين فيما مقام الفعل، فلا يجوز إظهار الفعل معه.
قال سيبويه بعد هذا: ومن ثم قالوا: وأنشد بيت عمرو بن معد يكرب:
(أُريدُ حِباءهُ ويُريدُ قتْلي عذيرَكَ من خليلكَ من مُرادِ)
فلو لاقَيْتَني للَقيتَ قِرْنا وصَرَّحَ شَحْمُ قلبكَ عن سَوادِ
الشاهد فيه إنه نصب (عذيرك) بإضمار فعل لا يجوز إظهاره.
وجمع سيبويه في هذا الباب أشياء من المنصوبات لا يجوز إظهار الفعل العامل
معها، فابتدأ في أول ذلك بقوله: إياك؛ (إياك) لا يظهر الفعل معها. ثم ذكر: رأسه والحائط وما أشبه من المعطوف نحو: اهلك والليل، وهذا أيضا لا يجوز إظهار الفعل العامل معه.
ثم ذكر المكرر نحو: الحذر الحذر وما أشبهه، وهذا مثل ما تقدم لا يظهر الفعل معه، ثم ذكر (عذيرك) والفعل الناصب له لا يظهر معه. ثم ذكر (نعاء) وهو في موضع انع، ولا يظهر معه فعل.
وهذا الباب يشتمل على أشياء مختلفة، يجمعها أنها منصوبات بأفعال
[ ١ / ١٩٥ ]
لا تظهر. والعذير: بمعنى المعذرة، إلا أن العذير مصدر لا يتصرف تصرف المعذرة، وإنما يلزم موضعا واحدا وهو يجري مجرى المصادر التي لا تتصرف نحو (سبحان) وما أشبهه.
ومعنى قوله: عذيرك من خليلك من مراد: يخاطب نفسه ويقول: هات عذرك في صبرك على ما يفعله بك خليلك من مراد.
وسبب هذا الشعر أن عمرو بن معد يكرب غزا هو ورجل من مراد يقال له أُبيّ، فغنما أرادا أن يقسما الغنيمة التمس من عمرو أن يعطيه مثل ما يأخذ، وأبى عمرو أن يفعل ذاك، فتوعده أُبيّ، وبلغ إنه يتوعده، فقال هذا الشعر.
وقوله: وصرح شحم قلبك عن سواد، يريد إنه زال قلبك عن موضعه وبدت كبدك.
وأنشد سيبويه بعد هذا البيت بيت الكميت:
(نَعاءِ جُذامًا غَيْرَ مَوْتٍ ولا قَتْلِ ولكنْ فِراقلًا للدّعائمِ والأصلِ)
الشاهد في (نعاء) وأنه في موضع الفعل، وقد ذكرت هذا.
و(غير موت) منصوب لأنه مفعول له. يقول: انعهم لغير موت نزل
[ ١ / ١٩٦ ]
بهم ولا قتل، ولكن انعهم لفراقهم أصلحهم ومن هم منسوبون إليه، وانتقالهم بنسبتهم إلى
اليمن. ويزعم قوم من أصحاب النسب أن جذاما: هو جذام بن أسد بن خزيمة.
و(فراقا) مفعول له أيضا، والدعائم: جمع دعامة وهو ما يمسك الشيء ويقيمه ولا يدعه أن يسقط. يريد أنهم فارقوا من به يقوم أمرهم وأصل نسبتهم.
وقال ذو الإصبع العدواني.
(عّذيرَ الحَيَّ عَدْوا نَ كانوا حيَّةَ الأرضِ)
بغى بعضُهُمُ بعضا فلم يَرْعَوْا على بعض
فقد أضحَوْا أحاديثَ بِرَفْعِ القولِ والخَفْضِ
أراد: هات عذر الحي فيما فعل بعضهم ببعض، وفي أنهم تعادوا وتباغضوا بعد أن كانوا حية الأرض، أي أشد الناس، وكانوا الذين يخافهم الناس، بمنزلة الحية التي يحذرها كل إنسان.
بغى بعضهم بعضا بالعداوة والقتل والإهلاك فلم يرعوا على بعض، يريد لم يبق بعضهم على بعض فلما تمزقوا وذهب أكثرهم صاروا أحاديث للناس، يرفعون الأحاديث بهم ويخفضونها، يريد يعلنونها ويسرونها، يعني أنهم حديث الناس في السر والجهر.
[ ١ / ١٩٧ ]