قال سيبويه في المنصوبات: البر أرخص ما يكون قفيزان، أي البر أرخص أحواله التي يكون عليها قفيزان، كأنك قلت: البر أرخصه قفيزان.
(البر) رفع بالابتداء، و(أرخص ما يكون) مبتدأ ثان و(قفيزان) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول. وفي (يكون) ضمير يعود إلى (البر)، وارخص ما يكون: بمعنى أرخص أكوانه، وهو بمعنى أرخص أحواله التي يكون مسعرا فيها، حال تسعير بره قفيزين بدرهم، ثم حذف.
قال سيبويه بعد ذكره هذا الفصل: ومن ذلك هذا البيت ينشده العرب - وهو لعمرو بن معد يكرب - على أوجه: بعضهم يقول:
(الحرْبُ أوَّلُ ما تكون فُتيَّةٌ تَسْعَى ببِزَّتها لكل جَهولِ)
حتى إذا وَقَدتْ وَشُبَّ ضِرامُها عادَتْ عجوزا غيرَ ذاتِ حَليلِ
شمْطاَء جَزَّتْ ؤأسَها وتَنَكّرَتْ مكروهَةً للشيم والتقبيلِ
[ ١ / ١٩٣ ]
أنشده برفع (أول) و(فتية) وجعل (الحرب) مبتدأ و(أول ما تكون) مبتدأ ثان و(فتية) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، وفي (تكون ضمير يعود إلى الحرب. وهذا الإنشاد مثل المسألة المتقدمة، و(أول) مذكر و(فتية) مؤنثة وهو خبره. وإنما فعل هذا لأن (أول) مضاف إلى (كون الحرب). وكون الحرب هو الحرب.
فكأنه قال: أول الحرب فتية، وأول الحرب هو من الحرب، فأخبر عن (أول) بمثل ما يخبر به عن (الحرب). وجعله سيبويه كقولهم: ذهبت بعض أصابعه.
(وذكر أيضا أن بعضهم يقول: الحرب أول ما يكون قتية بنصب (أول) ورفع (فتية). يجعل (الحرب) مبتدأ. وينصب (أول) على الظرف).
وذكر أيضا أن بعضهم يقول: الحرب أول ما تكون فتية. ويرفع (أول) ونصب (فتية). و(أول) في هذا الوجه مبتدأ، و(فتية) حال سدت مسد الخبر. وهو مثل قولهم: شربك السويق ملتوتا.
والبزة: ما عليها من الثياب. يقول: الحرب أول أمرها عين، تدعو الجاهل إلى الدخول فيها، وتستفزه حتى يستحسن المحاربة. ويروى: (تسعى بزينتها) حتى إذا اقتتل القوم وحميت الحرب، كرهها من دخل فيها، ورآها بصورة غير حسنة كأنها عجوز فيها أحد. وقوله: غير ذات حليل: يعني إنه لا يريد أحد ممن دخل فيها شمها وتقبيلها.