قال سيبويه في باب ما يكون من المصادر توكيدا لنفسه: وذلك قولك: له علي ألف درهم عرفا.
ومعنى قوله: توكيدا لنفسه أن قولك: له علي ألف درهم هو اعتراف، فكان (عرفا) توكيدا لما هو اعتراف، فلذلك جعله توكيدا لنفسه.
وفرق بينه وبين الباب المتقدم وهو قولك: زيد أخوك حقا، لأن قولك (حقا) هو توكيد لما أخبرت به من اخوة زيد. وظاهر الأخبار بقولك: زيد اخوك، ليس بحق إلا أن يكون المخبر أخبر به عن علم. ويجوز أن يقول القائل ذلك وهو شاك، وقد يجوز أن يخبر ب وهو كذب. فلفظ الخبر بقولك: زيد أخوك يقع على وجوه، والباب المتقدم يقع على وجه واحد.
قال الاحوص:
يا بيتَ عاتكَةَ الذي أتعزَّلُ حَذَرَ العِدَى وبهِ الفُؤاد مُوَكَّلُ
[ ١ / ١٨٤ ]
(إني لأمنحُكَ الصدودَ وإنني قسمًا إليكَ مع الصدودِ لأميلُ)
الشاهد فيه إنه جعل (قسما) تأكيدا لقوله: وإنني لأميل، لأن قوله: إنني إليك لأميل، جواب قسم، فجعل (قسما) توكيدا لكلام هو (أقسم)، والقسم الذي هذا جوابه محذوف، كأنه قال: أصبحت أمنحك الصدود، ووالله إني إليك لأميل. وهم يحذفون اليمين وهم يريدونها ويبقون جوابها، ومثله: لتقومن، ومثله:
لَتَقرَبنَّ قَرَبًا جُلْذِيا
هو جواب قسم محذوف. وقوله: أصبحت أمنحك الصدود؛ يريد إنه يظهر هجر هذا البيت ومن فيه وهو محب لهم خوفا من أعدائه. وأتعزل: عنه، وبه الفؤاد موكل: يريد بمحبته الفؤاد موكل. والمعنى واضح.