قال سيبويه في الاستثناء، في باب ما يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول: (وأما بنو تميم فيقولون، لا أحد فيها إلا حمارُ، أرادوا ليس فيها إلا حمارُ ولكنه ذكر (أحدُ) توكيدًا. ثم انتهى في كلامه إلى أن قال: (وعلى هذا أنشدت بنو تميم قولَ النابغة:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسّنَدِ عيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أحدِ
(إلا أواريُّ لأي ما أُبَينُها والنؤيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ)
هذا الإنشاد وقع في الكتاب، ضم إلى نصف البيت الأول نصف الذي بعده. وإنشاده:
يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسّنَد أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأَبَدِ
[ ٢ / ٦٦ ]
وقفتُ فيها أُصيْلًا أُسائلها عيتْ جوابًاْ وما بالرَّبعِ من أحَدِ
وليس تغيير هذا الإنشاد مما يؤثر في الموضع الذي أراده سيبويه من البيت، لأنه أراد أنهم استثنوا الأواريّ من الناس، كأنه قال: وما بالرَّبْع أحد إلا أواريُّ. والاستثناء إنما وقع مرفوعًا على البدل من موضع (مِن) كأنه قال: وما بالرَّبْع
أحدُ. وهو مثل قول الله تعالى: (ما لكم من إلهٍ غيرهُ) رفع (غير) على موضع (مِن).
والعلياء: الأرض العالية، والسند: سند الجبل، وهو الموضع العالي الذي يصعد منه إلى الجبل. يقال منه: سنَدَ الرجل في الجبل يسنُد سنودًا. وأقوت الدار تقوي إذا خلت من أهلها، سالفُ الأَبَدِ: ما تقدم منه، وأُصيلال لامه بدل من النونْ وأصله أُصيلان، وأُصيلان تصغير أصلان، وأُصلان: جمع أصيل، مثل رغيفْ ورُغفان، والأصيل: العشي.
وقوله: عيتْ جوابًا: يريد لم ترد علي جوابًا لمّا سألتها عن الذين كانوا يحلونها، ما صنعوا،
[ ٢ / ٦٧ ]
وأين ذهبوا. ثم قال: وما بالربع من أحد: أي ليس به أحد يكلمني. والربع: المنزل، والأواريّ: واحدها آريّ وهو محبس الدابة، وأراد به في هذا البيت: إلا النُّؤْيَ، الذي يحبس الماء عن البيت، وهو حاجز يجعل حول البيت من التراب.
واللأي: البطءْ والاحتباس، وأبيِّنُها: أتبينها. يقول: بعد بطءْ وطول نظرْ وفكر عرفتُ الدار. وإنما تنكرتْ عليه لخرابهاْ وتغيرها عن الحال التي يعرفها عليها. وقوله: والنؤيُ كالحوضِ، شبه النؤي الذي حول البيت بالحوض، والمظلومة: الأرض التي أبطأ عنها المطر أعوامًا فلم يصبها، ويقال: المظلومة: الأرض التي نُزلت من أول نزولْ ولم تكن نزلت قبل ذلك، والجَلَد: الأرض الصلبة.
و(الجَلَد) بدل من (المظلومةّ) و(ما) زائدة، أراد: لأيًا أبيِّنُها، و(لأيًا) مصدر لا فعل له من لفظه، ويقال الْتأتْ عليه الحاجة: أبطأت، وانتصابه لأنه مصدر جعل في موضع الحال، كأنه قال: فبطئًا عرفتها، والعامل فيه (أبيِّنُها)، وهو نحو من: قتلته صبرًاْ وأتيته ركضًا.