قال سيبويه في باب ما يكون فيه (إلاْ وما بعدها) وصفًا بمنزلة (مثلْ وغير). قال لبيد:
فقلت ليس بياضُ الرأس عن كِبَرٍ لو تعلمينْ وعند العالِم الخَبَرُ
لو كان غيري - سليمى اليومَ - غيره وقعُ الحوادِثِ إلا الصارمُ الذَكرُ)
[ ٢ / ٥٧ ]
و(غيري) اسم كانْ و(سليمى) مناداةْ و(غيّره، وما اتصل به) في موضع خبر كان. وقوله: (إلا الصارم) وصف لـ (غيري).
والمعنى أنه لو كان غيره من الأشياء في موضعه، لغيرته الحوادث، إلا السيف فإنه لا يتغير، فأنا مثل السيف في أني لا أتغير. على هذا فُسّر. وقد يجوز أنه لو كان غيره من الأشياء لتغير كتغيري، إلا السيف. وهذا الوجه الثاني رأيت معنى الشعر يحتمله، وليس ببعيد عندي.
قال سيبويه: (ولا يجوز أن تقول: ما أتاني إلا زيدُ، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل) إنما يجوز ذلك صفةً. ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا يجري في الكلام إلا على اسم، ولا يعمل فيه ناصبْ ولا جارّ ولا رافع).
أراد أن (إلا) إذا جعلت وصفًا بمنزلة (غير) لا يحذف الموصوف قبلها كما يحذف في (غير) إنما تكون (إلا) صفة إذا تقدمها موصوف، وشبه هذا بـ (أجمعين) التي تكون توكيدًا لشيء تقدمها، ولا يجوز أن يحذف المؤكد معها، وتدخل عليها العوامل، كما تفعل ذلك في غيرها من ألفاظ التوكيد، تقول: جاءني القوم كلُّهم، ورأيت القوم كلُّهم، ومررت بالقوم كلُّهم.
فـ (كل) في هذه المواضع توكيد، فإن حذفت المؤكدْ
[ ٢ / ٥٨ ]
وأدخلت العوامل على (كل) جاز، فقلت: جاءني كلهمْ ورأيت كلهمْ ومررت بكلهم، ولا يجوز هذا في (أجمعين)، لا تقول: جاءني أجمعون، ولا رأيت أجمعين، ولا مررت بأجمعين. وجعل سيبويه غيرًا مشبهه لـ (كل) في أنها تارة تجري على موصوف قد تقدمها، وتارة تدخل العوامل عليها. وجعل (إلا) بمنزلة (أجمعين) لا يجوز أن تأتي إلا متقدمًا عليها ما تكون وصفًا له.
وقال حضرميُّ بن عامر بن مجمع:
(وكلُّ قرينةٍ قُرِنَتْ بأُخرى وإن ضَنَّتْ بها ستَفَرَّقان
وكلُّ أخٍ مُفارٍقُه أخوه لعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ)
ورأيت البيت في الكتاب منسوبًا إلى عمرو بن معد يكرب. المعنى: وكل نفس مقرونة بنفس أخرى ستفارقها، يعني أن كل اثنين يحب كل واحد منهما الآخر، سيقطع عنه، وإن كان ضنينًا به، شديد التمسك بإخائهْ ومودته، لأن هذا شأن الدنياْ وسبيلها. والفرقدان من النجوم معروفان.
والشاهد أنه جعل (الفرقدان) وصفًا لـ (كل).