قال سيبويه في باب ما يحذف فيه المستثنى استخفافًا: (وذلك قولك: ليس غير، وليس إلا، كأنه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذلك تخفيفًا). ثم ذكر أشياء من الحذف، يستشهد بها على الحذف الذي ذكره في هذا الباب. قال النابغة الذبياني:
أتَخْذُلُ ناصريْ وتُعِزُ عَبْسًا أيرْبوعَ بنَ غيظٍ للمِعَنِّ
(كأنك من جِمال بني أُقيْشٍ يُقَعْقَعُ خلفَ رْجليه بشَنِّ)
الشاهد في البيت الثاني أنه حذف الموصوفْ وأقام الصفة مقامه. والتقدير: كأنك
جمل من جمال بني أقيش. يربوع بن غيظ بن مرة هم قوم النابغة، والمعنّ: الذي يتعرض في الأمور التي قد كُفي الكلام فيها. وجمال بني أقيش وحشية لا يكاد ينتفع بها لشدة نفارها، والشن: القربة البالية، تقعقع: تحرك على الأرضْ وفيها حصى حتى يسمع صوتها.
وبنو أقيش: بطن من عُكل، وإبلهم ليست بكرام فيضرب بنفارها المثل. وقيل: بنو أقيش فخذ من أشجع، وقيل: بنو أقيش حي من اليمن.
وسبب هذا الشعر، أن بني عبس قتلوا رجلًا من بني أسد، فقتلت بنو أسد رجلين من عبس، فأراد عُيينة بن حصن الفزاري أن يُعين
[ ٢ / ٧٠ ]
بني عبس، وينقض الحلف الذي بين بني ذبيانْ وبني أسد، فقال له النابغة: أتخذل بني أسدْ وهم حلفاؤناْ وناصروناْ وتعين بني عبس عليهم.
وقوله (للمعنِّ) اللام في صلة فعل محذوف، كأنه قال: يا يربوع بن غيظ، أعجبوا للمِعَن، يعني عيينة بن حصن. وقوله: كأنك من جمال بني أقيش، أي أنت سريع الغضبْ والنفور، تنفر مما لا ينبغي أن تنفر منه.